انهم يحترمون الاقوياء فقط

العالم لا يحترم الا الاقوياء، ويتعامل مع الضعفاء بازدراء شديد، او باظهار بعض الشفقة في افضل الاحوال. ورسالة باراك اوباما 'التصالحية' التي وجهها بالامس الى الشعب الايراني وقيادته، ورد الفعل الرسمي عليها، المثال الابرز في هذا الخصوص.

الرئيس الامريكي لوّح بغصن الزيتون الى الايرانيين، وهنأهم بعيد 'النيروز'، واكد ان حكومته ملتزمة باللجوء الى الدبلوماسية لمعالجة كل القضايا، ومتابعة العمل من اجل روابط بناءة، معترفا في الوقت نفسه بان التهديدات لن تفيد في هذا الخصوص، ومركزا على السعي من اجل حوار يكون خالصا ويقوم على اساس 'الاحترام المتبادل'.
النقطة الاهم في رسالة اوباما هي قوله 'اريد ان اتحدث بشكل مباشر مع شعب الجمهورية الاسلامية في ايران وزعمائها'، مضيفا 'الولايات المتحدة تريد ان تتبوأ ايران 'المكانة' التي تستحقها في المجتمع الدولي'.
هذه القناعة الامريكية بأهمية الحوار، والغاء لغة التهديد والوعيد التي تبنتها الحكومة السابقة، ما كان لها ان تتبلور لولا صلابة الموقف الايراني، والتوحد بين الشعب والقيادة خلف البرنامج النووي الايراني، واهمية استمراره كحق شرعي كفلته المواثيق الدولية، وتسليم الولايات المتحدة بعدم القدرة على وقف هذا البرنامج، او بالاحرى بالخسائر الضخمة التي يمكن ان تلحق بها في حال لجوئها الى الخيار العسكري، استجابة للتحريضات الاسرائيلية المكثفة في هذا المضمار.
ومن المفارقة ان هذا التحول المفاجئ في السياسة الامريكية تجاه ايران والاستعداد الواضح لامكانية التعايش معها كقوة نووية، الذي يشكل عموده الفقري، يأتي في وقت تقرع فيه دول محور الاعتدال العربي طبول الحرب الجوفاء ضدها، وتطالب بتشديد العزلة عليها.
فالرئيس حسني مبارك يطوف بالعواصم العربية، والخليجية منها بالذات، لاقناع زعاماتها بمقاطعة قمة الدوحة العربية المقبلة (نهاية هذا الشهر) في حال توجيه الدعوة الى الرئيس الايراني احمدي نجاد لحضورها كمراقب، وتشاركه التحريض نفسه القيادة السعودية في الرياض.
 
لا نعرف الاسس والمعايير التي دفعت بحكومتي البلدين في الرياض والقاهرة لاتخاذ مثل هذا الموقف العدائي من ايران، وبهذا الشكل السافر. فأساليب العزل والحصار والتهديد امليت عليهما اثناء وجود ادارة الرئيس جورج بوش في السلطة، وهذه الادارة خرجت مهزومة تطاردها اللعنات، ودخلت التاريخ كأكثر ادارة موالية لاسرائيل وداعمة لسياساتها ومجازرها الدموية ضد العرب. فلماذا الاستمرار في اتباع سياساتها وتنفيذها تجاه ايران حتى بعد وصول ادارة جديدة، ورئيس جديد وعد في اليوم الاول لحملته الانتخابية باللجوء الى الحوار للتعامل مع الملف الايراني.
الحكومات المتحضرة تعتمد في بلورة سياساتها ومواقفها على مراكز ابحاث استراتيجية تضم نخبة من الخبراء والباحثين في مختلف التخصصات، ومن المفترض ان حكوماتنا العربية التي يدخل خزائنها اكثر من تريليون دولار سنويا كعوائد نفطية فقط، تتبع هذا النهج، فما اكثر مراكز البحث العربية، وما أكثر خبرائها الذين تزدحم بهم شاشات الفضائيات الرسمية والمستقلة، ويطلقون الفتاوى باسهال في جميع القضايا، فإما ان هؤلاء جهلة واميون وببغاوات، ويورطون حكوماتهم في سياسات فاشلة، واما انهم أذكياء، ويقدمون الاستشهادات الصحيحة، ولكن الحكومات لا تستمع اليهم. وفي الحالين جاءت النتائج كارثية ومخجلة.
 
ايران دولة تملك مؤسسات، ومراكز بحث راقية، وديمقراطية مقننة، مكنتها جميعاً من تطوير صناعة عسكرية قوية تنتج صواريخ من مختلف الاحجام والمديات، وبرنامج نووي تؤكد معظم التقارير نجاحه في انتاج اول قنبلة نووية، واعترف بذلك صراحة الادميرال مايك مولين رئيس هيئة اركان الجيوش الامريكية مجتمعة. وحديث اوباما عن رغبته في ان تتبوأ ايران المكانة التي تستحقها في المجتمع الدولي هو اعتراف، لا لبس فيه ولا غموض، بهذه الحقيقة.
مكانة ايران هذه تتلخص في كونها قوة اقليمية عظمى في المنطقة، ولاعبا اساسيا فيها، والتسليم بأدوارها في افغانستان والعراق وربما منطقة الخليج العربي ايضاً، وهذا يعني ان كل 'الخدمات الجليلة' التي قدمتها دول محور الاعتدال العربي، وعلى مدى العشرين عاماً الماضية، في خدمة المشاريع الامريكية في المنطقة، بما في ذلك معاداة ايران، والتصالح مع اسرائيل، وحصار حركات المقاومة ضدها، قد ذهبت هباء منثورا.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة على دول هذا المحور الآن، والمملكة العربية السعودية ومصر بشكل خاص، هو عن الخطط البديلة المتوفرة لمواجهة هذا التحول الامريكي المفاجئ، والتعامل معه بطريقة تحفظ المصالح العربية.
 
لا نعتقد ان هذه الحكومات تملك الاجابة، لسبب بسيط وهو انه لا خطط لديها في الاساس، لا 'الخطة. أ' ولا 'الخطة. ب'، لأنها حكومات مسيّرة في معظمها، وليست مخيرة. مسيرة وفق المشاريع الامريكية ومتطلباتها، ابتداء من الانخراط بفاعلية في ما يسمى بالحرب على الارهاب، ومروراً بتوفير الغطاء العربي الشرعي لاحتلال العراق، وانتهاء بالتواطؤ، ولو بالصمت، مع الحروب الاسرائيلية في لبنان وفلسطين.
الفرق بين النهجين، العربي والايراني، في التعاطي مع المشاريع الامريكية في المنطقة، ان النهج العربي دعمها والحروب المنبثقة عنها، على أمل نجاحها، فخسرت وخسر معها، اما النهج الايراني فتعاطى معها من اجل افشالها، وتوظيف هذا الفشل في خدمة مصالحه هو، وجنى ثمار استراتيجيته اعترافاً بزعامته، وتسليماً بنفوذه في العراق والمنطقة بأسرها.
القيادة الايرانية لم تهلل لهذا التحول الامريكي الايجابي تجاهها، وتعاملت معه بكبرياء الواثق عندما تجاهل كل من السيد علي خامنئي المرشد العام عرض اوباما في كلمته التي القاها بمناسبة العام الايراني الجديد، والتي أكد فيها ان القوى العالمية اقتنعت بأنه لا يمكنها وقف تقدم ايران النووي، والشيء نفسه فعله الرئيس احمدي نجاد.
لو كنت مكان أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لتمسكت بخططي لتوجيه الدعوة الى الرئيس الايراني نجاد لحضور القمة العربية المقبلة، ولو كنت مكان الرئيس نجاد لاعتذرت عن عدم قبولها بأدب جم، لأن معظم الزعامات العربية لا تستحق التكريم بحضوره، ناهيك عن مصافحته.