عرب ‘الاعتدال’ و’التعديل’

ان تطالب الادارة الامريكية الجديدة 'عرب الاعتدال' بتعديل مبادرتهم للسلام، بحيث تستجيب لكل التحفظات الاسرائيلية والامريكية، وقبل ان تفكك اسرائيل مستوطنة أو حاجزاً امنياً واحداً، أو حتى تقبل بحل الدولتين الاسطوري، فهذا امر متوقع، كما ان التجاوب معه عربياًَ امر شبه مؤكد ايضاً، بحكم التجارب السابقة.

فالمبادرة العربية التي تعفنت من شدة الاهمال، والاحتقارين الامريكي والاسرائيلي لها، جاءت انعكاساً لمطالب هؤلاء، وتجسيداً لضعف عربي رسمي، فليس غريباً ان يطالب اصحابها الاصليون بإدخال تعديلات عليها تتلاءم مع التطورات الاسرائيلية الاخيرة، بما في ذلك الحكومة اليمينية الجديدة تحت مسميات 'التوضيح' و'التعزيز'.
المعادلة واضحة لا تحتاج الى تفسير أو شرح .. اسرائيل تتشدد وعلى العرب ان يتنازلوا ويعتدلوا ويعدلوا في المقابل، والعكس غير صحيح، بل من سابع المستحيلات، فالتشدد لم يعد وارداً في قاموس الانظمة العربية الحديث.
نشرح أكثر ونقول إنه كلما اوغل النظام العربي في الاعتدال كلما ازدادت اسرائيل تغولاً وتطرفاً، وإملاء شروط تعجيزية، تجد من الادارة الامريكية التأييد المطلق، سواء بشكل علني او مبطن، وآخرها الاعتراف بـ 'يهودية' الدولة العبرية، اي ان تكون حكراً على اليهود فقط، اما غيرهم فليس لهم غير الإبعاد.
العرب اسقطوا الحرب من كل حساباتهم، ووقعوا (باستثناء سورية ولبنان) معاهدات أو اتفاقات سلام، ومن لم يوقع منهم تقدم بمبادرة سلام وقام بفرضها على القمة العربية في بيروت (آذار /مارس2002). بينما خاضت اسرائيل حربين في غضون ثلاثة اعوام، واحدة دمرت نصف لبنان، والثانية كل قطاع غزة تقريباً، تقديراً لهذا السلوك الحضاري العربي.
الادارة الامريكية السابقة طلبت من العرب 'تفعيل' مبادرة السلام هذه فأرسلوا الوفود الى القدس المحتلة لعرضها على المسؤولين الاسرائيليين، فجاء الرد بارداً .. فنصحت الادارة نفسها بتخطي المسؤولين الاسرائيليين ومخاطبة الشعب الاسرائيلي مباشرة و'شرح' المبادرة له، فجاء من يضع اعلانات مدفوعة عنها في كل الصحف الاسرائيلية والعربية، بل وفي صحف ما وراء البحار في امريكا وبريطانيا وفرنسا، وربما الهند وسريلانكا أيضاً، فجاء التجاوب الاسرائيلي الشعبي رائعاً من خلال انتخاب اكثر الاحزاب الاسرائيلية تطرفاً وعنصرية في الانتخابات النيابية الاخيرة.
الرئيس اوباما، وبعد اكمال مئة يوم من توليه السلطة يريد ان يدلي بدلوه هو الآخر، وارسل مندوباً الى المنطقة للتعرف على الحقائق على الارض (السناتور جورج ميتشل) فجاءت توصياته وفق المقاسات الاسرائيلية، اي ضرورة 'تعزيز' مبادرة السلام العربية من خلال اسقاط حق العودة للاجئين تكريساً لمبدأ يهودية الدولة الاسرائيلية، وتسريع عملية التطبيع معها.
ومن المفارقة ان انظمة الاعتدال العربية مطالبة بالتجاوب مع هذه المطالب الجديدة، التي هي اسرائيلية في الاساس، (طالب بمثلها ايهود اولمرت ووزيرة خارجيته تسيبي ليفني) مقابل 'تشجيع' حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة على تخفيف تطرفها، والقبول، متكرمة، بحل الدولتين الذي ترفضه بعناد لافت. ما اكبر التنازل وما ابخس المقابل.
 
هناك عدة امور نجد لزاماً علينا التذكير بها في ظل هذه التطورات المتسارعة، وقبل ان يوقعنا بعض زعمائنا في كارثة جديدة:
اولا: لا يحق لاي حكومة، او نظام عربي، او قيادة فلسطينية التنازل عن حق العودة، او الموافقة على توطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان المقيمين فيها، او تفسير هذا الحق بما يخالف الثوابت الفلسطينية وقرارات الشرعية الدولية، مثل القول بانه 'غير عملي' او ان هذه العودة لاراضي السلطة فقط. حق العودة لا يقل قداسة عن استعادة القدس.
ثانيا: مبدأ التبادل للاراضي الذي قبلت به القيادة الفلسطينية في مفاوضات انابوليس وبعدها، على درجة كبيرة من الخطورة، لانه مجحف في حق الفلسطينيين اولاً، ويصب في خدمة افيغدور ليبرمان والاحزاب العنصرية التي تطالب بطرد العرب من الاراضي المحتلة عام 1948. فمبادلة اراضي القدس بأخرى في النقب مهينة، مثل مبادلة حاضرة الفاتيكان بأرض في صحراء اريزونا الامريكية.
ثالثا: حكومة الرئيس اوباما اضعف من ان تضغط على اسرائيل، والقضية الفلسطينية تحتل ذيل سلم اولوياتها بعد الانهيار الاقتصادي والحربين الفاشلتين في العراق وافغانستان.
رابعا: اسرائيل لا تخشى العرب، ولا تتطلع للتطبيع مع انظمتهم، لانها مهمومة بالمفاعل النووي الايراني الذي يشكل خطراً وجودياً على امنها وبقائها، ولذلك فهي مستعدة لتقديم تنازلات لايران وحلفائها اذا ضمنت تحييد هذا الخطر، او اللجوء الى الحرب لتوريط امريكا والغرب معها. اي ان العرب ليسوا في وارد حساباتها في المدى القصير على الاقل.
خامسا: الحكومة الاسرائيلية السابقة تبنت حل الدولتين وخسرت الانتخابات، والادارة الامريكية السابقة وعدت بقيام دولة فلسطينية مرتين، فماذا سيتغير اذا قبلت حكومة نتنياهو بما قبلت به الحكومة السابقة، وتمسك اوباما بالدولة الفلسطينية وقيامها؟
الزعماء العرب حلفاء امريكا جربوا الخيار السلمي، وسايروا امريكا واسرائيل في كل املاءاتهما تقريباً، فلم يحصدوا غير المزيد من الاهانات والاذلال والتهميش، اما آن الأوان لكي يتخلوا عن سياسات الاستجداء هذه، والبحث عن اخرى ربما تكون اكثر نجاعة؟
 
لا نريد، بل لا نجرؤ، على مطالبة الزعماء العرب بتبني الحرب بديلاً، لاننا نعرف ان تهماً كثيرة جاهزة في انتظارنا مثل التطرف، وعدم الواقعية، والعيش في لندن، وعدم فهم موازين القوى بشكل متقن، ولذلك نحصر مطالبتنا فقط بالتخلي عن خيار السلام دون تبني اي خيار آخر. فقط التحلي بالصمت المطبق والوقوف في موقف المتفرج.
نطالب الانظمة العربية بسحب مبادرتها فوراً احتراماً لنفسها، بعد ان استنفدت اغراضها بالكامل، وان تكف شرّها عن حركات المقاومة العربية في العراق وفلسطين ولبنان، وتوقف تنازلاتها لاسرائيل، والمشاركة في الحصارات المفروضة على اهلنا في قطاع غزة.
ليت الانظمة العربية تدرس التجارب الايرانية والتركية وتتعلم منها، وهي تجارب جعلت من هذه الدول قوى اقليمية عظمى في سنوات معدودة ، لانها ترتكز على الديمقراطية والكرامة الوطنية والعدالة في توزيع الثروة، واطلاق الحريات في ظل قضاء مستقل.
فهذه الارضية القوية هي التي تجعل رجب طيب اردوغان رئيس وزراء تركيا يوبخ بيريس علناً وينسحب مرفوع الرأس، وتدفع احمدي نجاد رئيس ايران للذهاب الى منبر مؤتمر العنصرية الاممي في جنيف ويقول عن اسرائيل ما يخشى اي زعيم عربي، بمن في ذلك الرئيس الفلسطيني قوله.
لا نعرف ما هو شعور زعماء عرب كبار يمثلون دولاً عظمى، وهم يرون امريكا تقدم التنازل تلو الآخر لايران، وتستجدي حواراً معها، وهم مطالبون في الوقت نفسه بتقديم تنازلات مجانية لاسرائيل والتطبيع غير المشروط معها.
التغيير قادم الى المنطقة لا محالة، وسيلعب هذا التغول الاسرائيلي، والاحتقار الامريكي، والهوان الرسمي العربي ادواراً رئيسية في التسريع بحدوثه. وتكفي الاشارة الى هزائم المشاريع الامريكية والاسرائيلية في لبنان وفلسطين والعراق وافغانستان على ايدي حركات عربية واسلامية متمردة، بينما تزداد في الوقت نفسه اعداد الدول العربية الاسلامية 'الفاشلة' او التي هي في طريقها الى الفشل.