نصائحنا لأوباما

يبدأ باراك اوباما اليوم زيارته الاولى للمنطقة العربية، حيث سيحط الرحال في الرياض العاصمة السعودية قبل ان ينتقل بعدها الى القاهرة في اليوم التالي لالقاء خطابه الذي من المفترض ان يكون خطاب مصالحة مع مليار ونصف مليار مسلم، ويحتوي على الخطوط العريضة لسياسته الخارجية الجديدة تجاه قضايا متفجرة مثل افغانستان وباكستان والعراق والبرنامج النووي الايراني، علاوة على قضية الصراع العربي الاسرائيلي.

ربما لا نبالغ اذا قلنا ان الرئيس اوباما هو الأكثر شعبية بين نظرائه الامريكيين الذين سبقوه على المنصب على مدى السنوات الاربعين الماضية، في اوساط العرب والمسلمين على الاقل، ليس لأن والده اسمه حسين، أو لأنه جاء بعد الرئيس الامريكي الاسوأ جورج دبليو بوش، وانما لأنه اكد منذ اليوم الأول سعيه للتقارب مع المسلمين، وتحدث عن الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، واكد نواياه في الانسحاب من العراق، واظهر خلافه الى العلن مع حكومة بنيامين نتنياهو الاسرائيلية حول الاستيطان وحل الدولتين.
الرئيس اوباما ليبرالي واقعي، يدرك جيداً ان الزمن يتغير، وتتغير معه المعادلات الدولية، وما كان يصلح قبل عشر سنوات لا يمكن تكراره اليوم، فهناك قوى عظمى جديدة تطل برأسها بقوة، وتتزاحم على اقتسام مناطق النفوذ، مضافاً الى كل ذلك ان عصر واستنزاف انظمة عربية 'هرمة' حتى النقطة الاخيرة، اعطى نتائج عكسية تماماً.
فحالة الانهيار الاقتصادي، التي انهكت امريكا تعود بالدرجة الاولى الى حروبها في العالم الاسلامي. ولا بد من الاعتراف بأن جماعات عربية متمردة، مثل فصائل المقاومة في العراق وتنظيم 'القاعدة' وحركة طالبان في افغانستان هي التي ساهمت مجتمعة بدور كبير في 'افلاس' القوة الامريكية العظمى، عندما استفزت غرورها بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وجرتها الى حروبها الحالية الخاسرة في العراق وافغانستان، وانهكت قدراتها المالية، احد مصادر قوتها الأساسية (900 مليار دولار حتى الآن) وجعلها دولة مكروهة في العالم.
الارث الامريكي الكريه في العالم الاسلامي لا يمكن اصلاحه بالكلمات والجمل البلاغية التي تعتبر من الارصدة الاهم لدى الرئيس اوباما، وانما بالافعال وبأقصى سرعة ممكنة، فقد ملّ العرب الوعود الكاذبة التي اغرقته بها الادارات السابقة، بالتوازي مع تفجير حروب ادت الى مقتل أكثر من مليوني عراقي عربي مسلم نصفهم تحت حصار ظالم وغير مبرر.
 
الخطأ الأكبر الذي قد يرتكبه الرئيس اوباما في جولته الحالية هو انه سيخاطب الشعوب، ولكنه سيستمع الى انظمة غارقة في الديكتاتورية والقمع والفساد، الامر الذي ينطوي على تناقض كبير بين ليبراليته، والقيم التي اوصلته، وهو الفقير الاسود، الى قمة السلطة في الدولة الاعظم في العالم، وبين مضيفيه الذين سيفرشون له السجاد الاحمر. فنظراء اوباما من الافارقة يعانون من التمييز والعنصرية، ونظام 'الكفيل' البشع، وحرمانهم واطفالهم من ابسط حقوق الانسان في الجنسية والتعليم والصحة.
نحن لا نجرؤ على ان نطالب اوباما بتغيير الانظمة الديكتاتورية، وانما بتغيير السياسات الامريكية التي ادت الى تكريس هؤلاء العجزة وانظمتهم في الحكم، واستشراء الفساد. والمقصود هنا السياسات الخارجية الامريكية التي تتمحور حول دعم اسرائيل، وتكريس القوة الامريكية العملاقة في حمايتها وانتهاكاتها لحقوق الآخرين، وجرائمها ضد الانسانية.
الرئيس اوباما وفي حديث لتلفزيون هيئة الاذاعة البريطانية (B.B.C) قال انه لن يلقي محاضرات في الديمقراطية، ولكنه سيركز اثناء زيارته للمنطقة العربية على ثلاث نقاط أساسية هي الحريات الدينية، والحريات التعبيرية، وحكم القانون. هذا كلام جميل، فمعظم هذه المبادئ الثلاثة، ان لم يكن كلها، غير متوفر في الدولتين اللتين سيزورهما اليوم وغداً، اي مصر والمملكة العربية السعودية، ناهيك عن الدول العربية والاسلامية الأخرى.
ومن المفارقة ان الرئيس الامريكي امتدح الرئيس المصري حسني مبارك ونظامه، ووصفه بأنه عنصر استقرار في المنطقة، لأنه حافظ بصعوبة على علاقات قوية مع اسرائيل، حسب تصريحه للتلفزيون البريطاني، وهذا جميل ايضاً، ولكن أليس من حقنا ان نسأل الرئيس الامريكي عما حصل عليه الرئيس المصري في مقابل هذه المهمة الصعبة والمكلفة غير الاهانات والصفعات، وتغييب دور مصر الاقليمي، وتآمر اسرائيل عليها لحرمانها من شريان حياتها الرئيسي من خلال تحريض دول منابع النيل على مراجعة اتفاقات تقاسم المياه، بما يؤدي الى تخفيض حصتها بشكل دراماتيكي؟
العرب سيقدمون الى الضيف الامريكي لائحة من المطالب، قد تبدأ بحل قضية الشرق الأوسط وتنتهي بضرب ايران لإنهاء خطرها النووي، ولكنه ايضاً يحمل في جعبته مطالب كثيرة، تحت عنوان تشجيع اسرائيل، على العودة الى العملية السلمية، ومساندة حكومته في الضغط عليها. فقد اختار ان يتوقف في الرياض، قبل القاهرة، لأنه يريد منها تنازلات أساسية تعيد المبادرة العربية الى طبعتها السعودية الاولى، اي اسقاط حق العودة للاجئين الفلسطينيين، والبدء في خطوات تطبيعية من جانبها، مثل فتح مكتب رعاية مصالح سعودي في تل ابيب، واصدار تأشيرات سياحية رمزية لبعض الاسرائيليين، وعقد لقاءات مباشرة وعلنية بين مسؤولين سعوديين ونظرائهم الاسرائيليين.
اوباما يريد من العرب، ومن الدولتين الاكثر قرباً لواشنطن تحديداً، تسريع عجلة التطبيع مع اسرائيل، مقابل 'تجميد' حكومتها الحالية للاستيطان، اي التضحية بالورقة الاهم في يدهما مقابل ثمن بخس وغير مضمون أساساً.
 
تجاربنا السابقة مع الانظمة العربية الحالية على امتداد الثلاثين عاماً الماضية، تفيد بأنها ادمنت تقديم التنازلات المجانية للادارات الامريكية، والحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، دون ان تحصل على اي شيء في المقابل غير الاهانات وخيبات الأمل، والحروب الدموية. ولا نعتقد ان هذا الوضع سيتغير. ولذلك لن نفاجأ اذا عاد اوباما الى واشنطن بالتزامات بالتطبيع المجاني، وتخفيض اسعار النفط لانقاذ الاقتصاد الغربي، والدخول في حلف امريكي اسرائيلي عربي ضد ايران، ونأمل ان نكون مخطئين هذه المرة.
ينتابنا شعور بأن شهر العسل الاسلامي مع اوباما قد لا يطول كثيراً، وان بلاغته اللغوية لن تحدث اثراً فاعلاً، رغم افتتان العقل الاسلامي بها، ونصحيتنا له ان يكون شجاعاً في اعترافه بالاخطاء الكارثية لمن سبقوه، وان يعتذر دون مواربة عن اخطائهم ومجازرهم الدموية في العراق، وان لا يقع في مصيدة اسرائيل وبعض المرعوبين العرب الذين يريدون توريطه في حرب ضد ايران.
الخلاص الامريكي يبدأ من ادراك الزعماء الامريكيين، واوباما على وجه التحديد، بأن اسرائيل هي العبء الاخلاقي والعسكري والامني الاكبر على كاهل بلادهم، وانه بات من الثقل بحيث يشدهم وبلدهم الى الاسفل، الى هوة سحيقة، وقد حان الوقت للتخلص من هذا العبء من خلال مواقف تضع حداً لهذا الفجور الاسرائيلي الذي نراه في ابشع صوره في الضفة الغربية والقطاع. فعار على امريكا زعيمة العالم الليبرالي الحر، كما تدعي، ان تقبل بالحصارين المفروضين على اربعة ملايين فلسطيني، وعار عليها، وهي النموذج الانصع في التعددية الثقافية والدينية والعرقية، ان تساند الدعاوى بالاعتراف باسرائيل دولة يهودية في زمن انهارت فيه دول العنصريات الدينية والاثنية.