عبد الباري عطوان يبني وطنا من كلمات..

طلال سلمان 
عبد الباري عطوان يبني وطنا من كلمات.. على الصفحة الأولى
ندر ان شدني كتاب في السيرة الذاتية بقدر ما استولى عليّ «وطن من كلمات» للزميل والصديق العزيز عبد الباري عطوان.
لقد حقق هذا اللاجئ ولادة، المعتل صحة في شبابه الأول، المعوز إلى العمل ولو في شاحنة قمامة أردنية في «لجوئه» الثاني، ما يمكن اعتباره معجزة في لجوئه الرابع بعدما كان قد اهتدى في لجوئه الثالث إلى حرفة الصحافة ليضمن الخبز والمأوى وحماية كرامته الإنسانية: لقد مكنته روح المغامرة من التصدي للقفزة الأخطر، هي المستمرة حتى اليوم عبر «القدس ـ العربي».

وبرغم الحرب الضروس التي شنتها أنظمة وأجهزة «عربية» عديدة، بالشائعات والتقولات والحكايات، عن مصادر تمويل هذه المغامرة الفريدة في بابها، فلا بد من الشهادة لعبد الباري عطوان انه تمكن ـ بصموده، وربما بعناده الذي يتبدى طفوليا في بعض الحالات ـ من إصدار صحيفة عربية يومية في لندن، بقروش قليلة، لا ترتهن لإرادة نظام بالذات ولا تحرفها عن خطها «شرهات» أصحاب العروش المن نفط وغاز، وتصمد للعواصف السياسية ولإغراءات عروض الصمت المذهبة التي وجهها الآخر التهديد بالتصفية، متخذة من «القدس» عنوانا ومن العروبة هوية.

كيف الذي كانت بلدته أسدود الفلسطينية قبل ان يطرد العدو الإسرائيلي أهلها منها، والذي ولد ونشأ في مخيم "دير البلح" في قطاع غزة، استطاع الوصول إلى عاصمة الضباب؟ وكيف تسنى له ان يستقر فيها، يمارس الصحافة محرراً فمديرا للتحرير في جريدة عربية أصدرها مال النفط هناك قبل ان يقفز في الهواء ليصدر صحيفته «القدس العربي».

ولسوف تتعدد القفزات في الهواء لهذا الشريد الطريد الذي يقدم طفولته الشقية كحكاية ممتعة تكاد تغري بحياة المخيم الذي يرى عبد الباري، اليوم ومن لندن، انه كان يشكل «نسيجاً اجتماعياً وسياسياً نابضاً بالحياة ورمزاً للكبرياء وصرحا للكرامة وعزة النفس..» معترفا بأنه قد أحب «كل من وما فيه، الصم والبكم، مجاذيبه والحكماء، غوانيه وصباياه المؤمنات»… بل انه يصل إلى حد اعتبار المخيم «جمهورية أفلاطون».

حياة عبد الباري رحلات متوالية، أولاها من غزة عبر الضفة إلى الأردن حيث اجبره فقره على العمل، وهو الذي يعاني من فقر الدم، عاملاً في ورشة بناء، ثم سائقاً متمرناً لشاحنة قمامة، قبل ان تقيض له فرصة السفر إلى قاهرة جمال عبد الناصر الذي راسله طفلاً فأرسل له مع صورته كتابه قصة الثورة، حيث درس في جامعتها، وحين تخرج كان هاجسه العمل والرزق… وهكذا غادرها إلى بنغازي فطرابلس بليبيا، ومنها إلى السعودية حيث عاش سلسلة من المفارقات بعضها مؤلم والبعض الآخر كوميدي.

يستذكر عبد الباري أهله: أمه ظريفة عطوان، الأمية مثل كل النساء في زمنها وفي محيطها، بقصصها عن أسدود التي هجرت منها مع الخمسة آلاف من سكانها، والتي حولتها إسرائيل إلى واحد من أكبر موانئ الدولة المحتلة على المتوسط، وقد أسكنت فيها أكثر من مائتي ألف نسمة.

يستذكر عبد الباري أيضاً والده الذي لم يره يوما مبتسما، وقد ورث عنه قرحة المعدة والرقم 7 المحفور في وسط جبهته… وقد توفي في سن الأربعين تاركا قبيلة من الصبيان والبنات للريح.

على ان الفصول الممتعة في هذا الكتاب الذي يوجز حياة عبد الباري ولا يقدمها كاملة، هي تلك التي تروي مغامراته الصحافية التي قل نظيرها. يقول:

«في تشرين الأول 1988، سافرت إلى الجزائر لحضور اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني. خلال احدى الاستراحات تقدم مني وليد أبو الزلف، الابن الأوسط لعائلة أسست واحدة من اقدم الصحف الفلسطينية «القدس» التي كانت تصدر في المدينة المقدسة. اخبرني ان العائلة تريد نشر طبعة دولية من الجريدة ودخل معي في تفاصيل خططها لصحيفة على النطاق العربي، يومية ومستقلة… «ونريد لهذه الجريدة ان تؤسس في لندن ونريدك ان تكون رئيسا لتحريرها»، كان ذلك عرضاً «لا استطيع رفضه. كانت هناك فرصة للنجاح، لكن إمكان الفشل قائم وثقيل الحضور. كانت هناك ثلاث صحف عربية راسخة تصدر من لندن: الأولى التي كنت اعمل فيها ويملكها الأمير فيصل بن سلمان، ابن أمير الرياض، و«العرب» التي يملكها وزير اعلام ليبي سابق، احمد الهوني، ثم انضمت إليهما «الحياة» بعد ان تملكها الأمير خالد بن سلطان نجل وزير الدفاع السعودي. وكانت جميعها ممولة بسخاء وجهزت مكاتبها في مبان كبرى… وجاء «القدس العربي» إلى العالم «كجنين خديج ولد قبل أوانه».

ولقد أسس عبد الباري مقرا في طابق رث من بناية للمكاتب في منطقة همر سميث… وحاول تقليد «الحياة» فجمع عددا من الكومبيوترات العتيقة، مؤجرة من شركة، وكان كامل الفريق من المحررين إلى موظفة الاستقبال يتكون من ثمانية عشر شخصاً.

.. وعندما غزا صدام حسين الكويت منعت «القدس العربي» من معظم الدول العربية وقام ياسر عرفات بإنقاذها مرات عدة. ولقد جاءت وفود من الحكومتين السعودية والكويتية بعروض إلى عبد الباري لمساعدته بملايين الجنيهات مقابل تغيير موقفه فرفض ذلك… ولقد صمدت الجريدة نتيجة تبرع محرريها وموظفيها بنصف رواتبهم؟!

يقول عبد الباري: يجب ان أقر اننا ارتكبنا بعض الأخطاء في أيام بداياتنا، وكنا عدوانيين أكثر من اللازم.

أما «الأزمة الفنية» الأكبر فقد جاءت مع راقصة إسرائيلية اتهمت السفير المصري في تل أبيب، بأنه قد حاول اغتصابها، وقد بعث مراسل «القدس العربي» من القاهرة ينفي الاتهامات، فرفعت الراقصة دعوى تشهير.

يروي عبد الباري قصصا ممتعة عن الرئيس اليمني (السابق) علي عبد الله صالح ومجلس القات والمسدس الصغير الذي سقط من جيبه وله مقبض مصنع خصيصا من أحجار كريمة… ثم الجولة التي عرفه فيها إلى أجنحة القصر الجديد الذي بناه، والهدايا العديدة التي جاءته وأطرفها جرتان زجاجيتان حصل عليهما من زعيم صيني، مليئتان بسائل أبيض وحرباوات وثعابين في أسفلها… وكذلك إلى سيوف مذهبة، ومبخرة مذهبة من الملك فهد وقارب مزين مصنوع من الذهب من الشيخ زايد وساعة رولكس من النوع الفاخر جاءته من العقيد القذافي.

القصص الأطرف عن رحلته الأولى مدعوا إلى ليبيا والتي أنهاها احتجاجاً في اليوم الأول، ولكنه عاد إليها من بعد وأجرى لقاءات مع «الأخ العقيد»، ثم تلقى تهديداً بالقتل منه بسبب من سوء فهمه للغة الإنكليزية حين كان يستمع إلى مناظرة بين أطرافها عبد الباري.

تأتي بعدها قصته مع الملك عبد الله بن الحسين الذي كان والده يفضل عليه الأمير حمزة، لكن الموت عاجله قبل ان يثبته فكان العرش من نصيب ابن الانكليزية. ومن هذا الملك سمع عبد الباري كيف أهانه الرئيس الأميركي جورج بوش وهدده وهو يضرب بقبضة يده على المكتب إذا ما فكر بأن يقف مع صدام.

يروي عبد الباري مئات الحكايات، بعضها مثير وبعضها طريف، ومعظمها يتصل بعلاقاته ببعض الحكام العرب، لكن أطرفها حكاية سفره إلى أفغانستان في تشرين الثاني 1996 والتي استغرقت عشرة أيام «قضيت ثلاثة منها في صحبة الشيخ اسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة في جبال تورا بورا الوعرة.. وهي الرحلة التي شكلت انقلاباً في حياتي المهنية فقد نقلتني من صحافي عربي محلي إلى كاتب عالمي ومرجع في شؤون الإسلام السياسي وما يسمى بالإرهاب الدولي».

يتوقف عبد الباري أمام قناة «الجزيرة» مبديا إعجابه بجرأتها التي بهرت الأميركيين، في البداية، ثم جعلت اسامة بن لادن يختارها بسبب استقلاليتها، «كما اختار صحيفتي لنشر بلاغاته الورقية». ثم يروي كيف اختارته «الجزيرة» للحلقة الأولى من برنامج «الاتجاه المعاكس» وقد تحول إلى موضوع رئيسي في معظم المجالس والديوانيات.

تستوقفك في الكتاب رواية العلاقة بإدوار سعيد الذي التقاه للمرة الأولى في «كابو» عام 1981، وقد سأله ان يكتب في مجلة «المجلة» التي كان مدير تحريرها آنذاك، فابلغه ادوار سعيد ان أجره هو دولار واحد مقابل كل كلمة ولو «ال» التعريف.

على ان عبد الباري يشهد ان الرجل كان يحتكم دائماً إلى ضميره، وانه لم ينس مطلقاً جذوره الفلسطينية بشكل خاص والعربية بشكل عام… وهو قد استقال من عضوية المجلس الوطني الفلسطيني وشن بعد اتفاقات اوسلو في 13 أيلول 1993 في حديقة البيت الأبيض، هجوماً شرساً على ياسر عرفات، سرعان ما مده إلى العديد من المثقفين الفلسطينيين الذين عادوا معه إلى رام الله وقبلوا بمرتباته العالية.

لعل أمتع ما في الكتاب الضخم (500 صفحة) حكايات عبد الباري مع الشاعر العظيم الراحل محمود درويش الذي لم يتعرف إليه إلا في وقت متأخر جداً، مع انه معجب به منذ قصيدته الأولى «سجل أنا عربي» التي كتبها سنة 1964… وهذه القصيدة والحوار حولها كانا المدخل إلى صداقة عميقة ستمتد إلى آخر يوم في حياة محمود درويش.

يروي عبد الباري مقاطع محزنة من علاقة الشاعر العظيم بياسر عرفات (والده الروحي) والقطيعة التي حدثت بينهما وإقدام «أبو عمار» على إصدار أمر بوقف المخصصات المالية لمحمود درويش، الذي كان حينها يعيش في باريس، مما جعله في وضع مالي سيء بحيث لم يكن قادراً على تسديد إيجار شقته.

وفي حوار محزن اتصل محمود بعبد الباري يعاتبه لعدم اتصاله به ليومين متتاليين قائلاً: اسمع أنا أتلقى في اليوم مكالمتين هاتفيتين فقط، الأولى منك ظهراً، والثانية في المساء وتأتي عن طريق الخطأ… وأنا لا أغادر البيت مطلقا لان خروجي يعني ان اذهب إلى المقهى، ويعرفني الناس فيجلسون معي واضطر إلى دفع الحساب، وأنا لا اقدر على ذلك في الوقت الحالي..».

في كتاب عبد الباري عطوان الكثير من الوقائع التي لا تنسى، عن رؤساء وملوك وأمراء وشيوخ، وكذلك عن الصحافة والصحافيين العرب في لندن، ثم عن مغامراته الصحافية المتعددة وان ظلت مقابلته الأولى لاسامة بن لادن منطلق شهرته.

لكن أخطر ما في عبد الباري عطوان انه استطاع ان يتولى مهمة إصدار صحيفة عربية في لندن وان يضمن استمرارها في قلب الصعب، مستحضرا فلسطين فيها، متخذاً مواقف حادة أحياناً لكنها صادرة عن إيمانه بما يكتب. ولعل أفضل خاتمة ما اختاره عبد الباري تقديما لكتابه:

لنا بلد من كلام، تكلم، تكلم، لأسند دربي على حجر من حجر

لنا بلد من كلام، تكلم، تكلم، لنعرف حداً لهذا السفر».