لا مدنية ولا دينية بل عسكرية

إسمحوا لي ان اذكر لكم هذه القصة التي كنت أحد شهودها، ويمكن ان تلخّص الكابوس المزعج الذي ينتابني هذه الايام كلما فكرت بالصورة التي يمكن ان تنتهي اليها الاوضاع في مصر اذا تصاعدت حدة الصدامات والانقسامات.

في ايلول (سبتمبر) عام 1969 كنت اعمل سائقا لحافلة صغيرة توزع الحلويات في مدن الاردن وقراه ونجوعه، في احد الايام كنت في طريقي من مدينة الكرك الى مدينة المزار،وفجأة وقع امامي حادث صدام مرعب، حيث اصطدمت سيارتا مرسيدس أجرة وجها لوجه، ولم ينج احد من الركاب والسائقين طبعا، حيث تعجنت السيارتان من شدة الضربة.
تجمع الناس حول السيارتين، وجاءت سيارة الشرطة وبعدها الاسعاف، ولكن لا فائدة، وبدأنا نسأل عن اسباب الصدام، خاصة ان الطريق كانت خالية ولا زحمة سير او عوائق طبيعية، وتبين ان السائقين اولاد عم، وانهما على خلاف حول احدى فتيات العشيرة، فكلاهما يتنافسان على خطبتها. وبلغ الخلاف ذروته عندما رفض اي منهما ان ينزل بسيارته قليلا عن الاسفلت الرفيع لافساح المجال للآخر، كنوع من العناد ورفض التنازل للآخر، فكان الصدام المرعب.
هذا ما يمكن ان يحدث في مصر حاليا اذا ما استمرت حالة العناد المتفاقمة بين الرئيس مرسي ومعارضيه، حيث يتمسك كل طرف بموقفه، ويرفض التنازل للطرف الآخر، ويلجأ الى انصاره لحشدهم في الميادين العامة. المعارضة تحشد عشرات وربما مئات الآلاف في ميدان التحرير، وكذلك امام قصر الاتحادية الجمهوري، والتيار الاسلامي الذي ينتمي اليه الرئيس مرسي يحشد انصاره في ميدان جامعة القاهرة، واحيانا امام القصر. والمشهد نفسه يتكرر في اكثر من مدينة مصرية.
' ' '
الرئيس مرسي رفض التجاوب مع مطالب المعارضة في سحب الاعلان الدستوري، او الغاء الاستفتاء على مشروع الدستور، حفاظا على هيبته وهيبة الدولة وحرصا على استقرار مصر واحباط مؤامرة للفلول ،مثلما قال في خطابه مساء امس الاول، وجبهة الانقاذ الوطني تتمسك بمواقفها وترفض دعوة الحوار التي وجهها الرئيس في الخطاب نفسه، وتحتكم الى الشارع وحشد الانصار في مظاهرات صاخبة.
جميع المظاهرات والانتفاضات في المنطقة العربية تبدأ سلمية وتنتهي دموية، مع استثناءات قليلة وشاذة عن هذه القاعدة، ولنا في ما حدث في ليبيا وسورية بعض الامثلة الحية في هذا الخصوص، مع خلافات قليلة تجعل المقارنة غير متطابقة.
جبهة الانقاذ المعارضة التي يتزعمها الدكتور محمد البرادعي تطالب بدولة مدنية، والتيار السلفي الاخواني يريدها دولة دينية اسلامية، ويبدو ان الخيار الثالث، اي الدولة العسكرية، هو الاكثر ترجيحا اذا استمر العناد، وانسدت كل آفاق الحوار.
الذين يحشدون المحتجين في الشوارع والميادين من الجانبين، ويتبارزون بسلاح 'المليونيات' ينسون حقيقة راسخة وهي ان حشد الانصار، وتأجيج غضبهم بالخطب والشعارات لشيطنة الطرف الآخر، عملية سهلة للغاية، ولكن السيطرة على هذه الجموع، وضبط سلوكها السلمي هو التحدي الاصعب، بل المستحيل.
الحروب الأهلية على طول التاريخ وعرضه، ابتداء من حرب داحس والغبراء، ومرورا بالحرب الأهلية في لبنان، وانتهاء بأخرى في سورية، كلها بدأت بحادثة صغيرة، بشرارة، باعتداء على ناقة او بعير او حافلة، ولكنها استمرت عقودا، وانتهت بمقتل عشرات او مئات الآلاف وتدمير البلاد وتشريد الملايين.
مصر، ونقولها بقلب يدمي، تنتظر الآن هذه الشرارة، او تلك الحادثة، لتفجير الحرب الأهلية، فالغضب بلغ ذروته، والاحقاد تتضخم، وابناء الثورة الواحدة، والطموحات الواحدة، انقلبوا الى اعداء يكرهون بعضهم البعض، اكثر من كراهيتهم للنظام الفاسد الذي توحدوا وقدموا الشهداء للإطاحة به، ورقصوا سويا احتفالا بالانتصار الكبير، وسقوط دولة الطغيان.
بات من الصعب علينا، والكثيرين مثلنا، الذين نحب مصر، ان نتـــحدث بلغة العقل، ونخاطب الضمائر، ونؤكد على مصالح مصر وشعبها، فالضمائر مخدّرة، والعقل مغيّب، بسبب طغيان لغة التحريض والتكريه والتقسيم.
' ' '
كنا نتمنى لو ان المعارضة احتكمت للعقل والتسامح وذهبت الى قصر الرئاسة للمشاركة بالحوار الذي دعا اليه الرئيس، ليس للقبول بالاعلان الدستوري، ولا لمساندة توجهه بالاستفتاء على مشروع الدستور، وانما لتوضيح وجهة نظرها وجها لوجه، فلعل هذا اللقاء يكسر الجمود، ويرطب العواطف، ويفتح افقا لتجنب النتائج الكارثية لهذا الوضع المتفجر.
نحن لسنا مع الاعلان الدستوري، وطالبنا بتجميده، وما زلنا نطالب، ولكن ما نريده ان يتنازل الجميع من اجل مصر وشعبها، فقد وصلت الرسالة الى الرئيس وحزبه، ولا بدّ من مساعدته للنزول من على شجرة هذا الاعلان العالية. وفي المقابل على الرئيس ان يدرك انه أخطأ، وان يعترف بهذا الخطأ، فليس من المعقول ان يكون هو الوحيد المصيب، بينما معظم مستشاريه يستقيلون ويقفزون من مركبه، ويطالب الأزهر بالتراجع عن هذا الاعلان.
هناك مؤامرة على مصر من الفلول وانصارهم داخل مصر وخارجها، ومن الطبيعي ان توجد، ومن يعتقد ان الفلول سيختفون من المشهد مخطئ بل ساذج، لكن الذكي هو من لا يوفر المناخ لنجاح هذه المؤامرة والداعمين لها.
اخشى ان ينتهي الحال بالدكتور مرسي ومعارضيه مثلما انتهى الحال بالسائقين الاردنيين اللذين اختلفا على الفتاة، ودفعهما العناد الى ذلك الصدام الدموي، فخسرا روحيهما وارواح من كان معهما، دون ان يكسبا الفتاة التي لا يمكن ان تكون اجمل من مصر.
 
Twitter:@abdelbariatwan