وطن من كلمات.. طلعت شناعة

يرحل بنا عبدالباري عطوان (الصحفي والكاتب والمشاكس ورئيس تحرير"القدس العربي") في كتابه الثاني «وطن من كلمات.. رحلة لاجىء من المخيّم الى الصفحة الأُولى» الى عوالم حميمية من حيث وُلد في «اسدود- دير البلح-غزّة» مرورا بمعاناته ومعاناة أهله، وكذلك يعبر وبكل بساطة وبجرأة يُحسد عليها عن «فقره» المُدْقع والبؤس الذي لازمه سنوات طويلة امتدت الى مكاتب جريدته «القدس العربي» في لندن والتي وصفها الشاعر الكبير محمود درويش ذات زيارة لها بـ «الكهف».

 
واضح أن الكتاب أو المذكرات موجّهة للقارىء «الغربي»، ومن ثّمّ «العربي». فالكتاب «مُترجم» من الانجليزية 
الى العربية بإشراف الكاتب نفسه. وربما من هنا كانت «الأريحية» في سرد أدقّ تفاصيل المعاناة وبحريّة وبخاصة 
صولاته وجولاته وخلافاته واستهدافه من العديد من المسؤولين والانظمة العربية.
 
كتاب عطوان الذي زار عمّان منذ اشهر ووقّع كتابه فيها، يحمل بالنسبة لأمثالي «المبتدئين والمحبين والمتورّطين 
بمهنة الصحافة» الكثير من الدروس والعِبَر. فالرجل ليس صحفيا عاديا. وقادته موهبته وطموحاته والأقدار 
الى أشخاص وأماكن غاية في الخطورة والصعوبة والمشقّة مثل زيارته ولقائه «الشيخ أُسامة بن لادن» في «تورا 
بورا» متحمّلاـ عطوان ـ، مشاق الرحلة السرّية المحفوفة بمطاردة «رجل» كان المطلوب الاول للولايات المتحدة 
الامريكية قبل أن تغتاله وتُلقي بجثته في البحر.
 
كذلك يحمل الكتاب تفاصيل لقاءات وأسرار مقابلات المؤلف مع رئيسة وزراء بريطانيا السابقة «تاتشر» 
والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والذي مات مسموما كما تُرجّح الروايات، وعلى يد «شارون».
 
«وطن» عبد الباري عطوان لا يقتصر على مغامراته الصحفية وما أدراك ما مغامراته، بل تتناول ايضا 
حياته و»نشافة رأسه» في رفض الإغراءات التي استهدفت شراء»ضميره»، و»قلمه» و «مواقفه» في ذروة الظروف 
العربية الحالكة (حرب الخليج وما تبعها ونتج عنها).
 
كما يستمتع القارىء للكتاب بالمواقف الساخرة التي يتعرض لها الكاتب مثل موقف الكاتب عبدالله الشيتي الذي 
كان في إحدى الجلسات مع أمير خليجي وقد اعتاد الأخير تقديم الهدايا للكتاب والصحفيين وكانت «ساعات رولكس». 
وحدث أن انتظر الحضور ظهور الهدايا التي تأخرت. فأخذ الشيتي «يتمتم» فسأله الشيخ او الامير، ما بالك يا 
عبدالله. قال: ارتّل شيئا من القرآن الكريم. فسأله: أية سورة؟. فردد «الشيتي» الآية الكريمة «إن الساعة 
آتية لا ريب فيها». فضحك الجميع وجاءت «الساعة- الهدية».
 
قلت ان كتاب» وطن من كلمات» حميم ومليء بالتفاصيل وهو شهادة ودروس مهنية لصاحب تجربة غنيّة وقاسية وفي 
نفس الوقت»صورة مشرقة» لمن يحترم عمله، حتى لو «قبض على الجمر».. وما أكثر الجمْر!!.