كتاب ما بعد بن لادن لعبد الباري عطوان

تنظيم "القاعدة" يسير على خطى "طالبان" وقد يتحول تدريجيا إلى حزب سياسي

عملية ارهابية اقترفتها القاعدة في العراق، تموز 2012
 
علاقة قوية تربط مقاتلي تنظيم الشباب الصومالي مع القبائل الصومالية، على نحو شبيه بما يجري مع "القاعدة" في اليمن. كالعلاقة القوية التي تربط تنظيم الشباب بقراصنة البحر الصوماليين الذين يتقاسمون أرباحهم مع التنظيم ويشكلون مصدر دخل رئيسي له
 
مثلما نجحت حركة طالبان، رغم الحملة العالمية التي تشن عليها بلا توقف منذ عام 2001 حتى الآن في اختراق الحصار المفروض عليها وإقامة علاقات دبلوماسية في الخارج ومنها مكتبها في قطر، يمكن لتنظيم "القاعدة" أن ينجح هو الآخر في السير بهذا الاتجاه
 
صدر في لندن أخيرا عن "دار الساقي" للنشر كتاب بالإنجليزية بعنوان "ما بعد بن لادن– الجيل القادم من القاعدة" لمؤلفه الصحافي والكاتب الفلسطيني عبدالباري عطوان، رئيس تحرير جريدة "القدس العربي" التي تصدر في لندن، و يقع في 300 صفحة من الحجم المتوسط.
يتألف الكتاب من مقدمة وتسعة فصول كالتالي: 1 – الربيع العربي و"القاعدة" 2 – "القاعدة في شبه الجزيرة العربية 3 – حركة الشباب الصومالية 4 – طالبان – امتداد "القاعدة":أفغانستان 5 – طالبان – امتداد "القاعدة: باكستان 6 – "القاعدة" في المغرب الإسلامي: الجزائر والمغرب وتونس والساحل الافريقي 7 –  "القاعدة" في المغرب الإسلامي: ليبيا 8 – تحالفات قائمة وجديدة 9 – ساحة المعركة الرقمية أو الإلكترونية.
الكتاب عبارة عن بحث رائد في مجاله لأنه لم يسبق لأحد غير عطوان الكتابة عن الجيل الجديد لتنظيم "القاعدة" الذي يبدو أن أجهزة الأمن وجيوش العالم تزداد انشغالا في مطاردته يوما بعد يوم. ومع أن عطوان يورد قائمة بالمراجع التي لها علاقة ببحثه، إلا أنه لدى التدقيق في الهوامش والملاحظات تبين أنه لم يستند كثيرا على مراجع وأبحاث صادرة في كتب، أو على تحليلات وتخمينات متسربلة بالزي الأكاديمي، بل استند في الغالب على منشورات "القاعدة" والتنظيمات الإسلامية المنضوية تحت رايته وكثير من المصادر المتوفرة على شبكة الإنترنت، مما يعني أن عطوان استند على المصادر صاحبة الشأن واستقى معلوماته منها مباشرة، علاوةعلى مصادره الخاصة بصفته قطبا إعلاميا بارزا وله اتصالاته الخاصة واحترامه على الساحتين العربية والدولية على حدٍّ سواء، منذ أن غامر شخصيا واقتحم مُغر تورا بورا في أفغانستان للقاء أسامة بن لادن عام 1996، مما أكسبه شهرة عالمية واسعة ووضعه على اتصال مباشر مع مساعدي بن لادن، ومنهم أبو حفص المصري، الذين بدأوا عقب ذلك اللقاء الاتصال به شخصيا على مكتبه في لندن، وفقا للكتاب.
فحقيقة المراجع التي استند عليها الكاتب بحد ذاتها تضفي على الكتاب أهمية خاصة وتجعل منه مصدرا أساسيا،أشبه ما يكون بالسبق الصحافي، وسيظل الباحثون يرجعون إليه ويستندون على ما ورد فيه لسنين طويلة. ينبغي التنويه إلى أن عطوان مزج بين أسلوب التحقيق الصحافي والتقرير الإخباري وبين البحث الأكاديمي واستند في أحيان كثيرة على مصادر لم يسمِّها، وهو وإن كان أسلوبا غير محبذ أكاديميا إلا أنه منتشر في وسائل الإعلام التي تحتفظ لنفسها الحق في عدم الكشف عن مصادر أخبارها، وغامر عطوان في استخدام هذا الحق الذي يُهدد عادة الباحثين ويُضعف قيمة أبحاثهم ويلحق الضرر بمصداقيتها. لكن يمكن القول ان الكتاب في مجمله عبارة عن "وجبة طازجة" أو "وجبة ساخنة" لأن الكاتب ضمّنه نصوصا واستشهادات أو اقتباسات من أقوال ومصادر يخال للقارئ أنه سمعها في الليلة السابقة وتغطي أحداثا ووقائع حصلت في عام 2012، على نحو يوحي بأن الكاتب ظل يضيف أمورا جديدة إلى الكتاب وهو تحت الطبع. مما يوحي أيضا بأن المؤلف كان نوعا ما في عجلة من أمره لإصدار الكتاب.
 
 
 
"استراتيجية "القاعدة" حتى عام 2020"
 
على سبيل المثال يروي عطوان أن إحدى الوثائق التي استند عليها هي وثيقة تحمل عنوان "استراتيجية "القاعدة" حتى عام 2020" من أجل إعادة إنشاء الخلافة الإسلامية، والتي أرسلت إليه على جهاز الفاكس التابع لصحيفة "القدس العربي" في عام 2005 وتضمنت سبعة بنود أو مراحل قبل المرحلة الثامنة والأخيرة وهي معركة إنشاء الخلافة، فوجد هذه البنود مطابقة لما قاله بن لادن له في عام 1996، الأمر الذي أضفى على الوثيقة مصداقية خاصة، حسب قوله، علاوة على المصداقية التي تحظى بها إذا ما تمعن المرء ببنودها وقارنها بما حققه التنظيم خلال العقد الماضي. ويقول عطوان ان بن لادن أبلغه أثناء اللقاء بينهما أنه من الصعب محاربة أميركا في عقر دارها، ومن أجل دحرها ينبغي استدراجها إلى البلدان العربية والإسلامية، فالحرب على أفغانستان والعراق وليبيا برأيه دليل ساطع على أن "القاعدة"نجح في مسعاه وهو ماض في تحقيق الأهداف التي حددها في استراتيجيته.
 
يستهل عطوان الكتاب بقوله في المقدمة ان "بن لادن أصبح ميتا، لكن الحركة التي أسسها قبل أكثر من عقدين أصبحت أقوى وأوسع انتشارا" في أماكن مختلفة من العالم، وأن "استشهاده" يعزز من أسطورته ويجعله رمزا ومثالا يُحتذى للجهاد. فتنظيم "القاعدة" وفقا للكاتب كان صغيرا نسبيا قبل هجمات 9/11، ودُمِّر تقريبا، عندما قُصِفت مخابئُه في أفغانستان، ردا على تلك الهجمات، بل لو أن بن لادن قتل في تلك الهجمات لانتهى التنظيم.
غير أن الحرب على العراق التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا عام 2003 نفخت في "القاعدة" روحا جديدة استجاب لها آلاف الشبان، فتحوّل التنظيم إلى أيديولوجية دينية وسياسية في آن معا، لكنه من دون قيادة مركزية موحدة، بل هي تتألف من مجموعة "أمراء".
ويُقدّم الكتاب رواية سريعة لقصة حياة بن لادن وزيجاته المتعددة وتشرده أو انتقاله من بلد إلى آخر حتى استقر به الوضع في أبوت أباد في باكستان، حيث اهتدت إليه وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (السي آي إيه) وقتلته في الثاني من أيار/مايو 2011، ليتولى القيادة من بعده الرجل الثاني في التنظيم  الدكتور أيمن الظواهري. ويقول عطوان ان تراجع مقاتلي "القاعدة" في ساحات القتال وهزيمتهم لا تعني بالنسبة لهم مثلما تعنيه بالنسبة لأجهزة الأمن التي تطاردهم، فهم يعتبرون تراجعهم أشبه بـ"الهجرة" – هجرة النبي محمد وتراجعه أمام قريش وإيمانهم بأنه ستكون لهم عودة مظفرة في وقت لاحق. وقال الكاتب ان مقتل بن لادن وأمير تنظيم "القاعدة" في شبه الجزيرة العربية أنور العولقي وآخرين من قادة التنظيم لم تقض على التنظيم، بل عززت من مكانته وساعدت في انتشاره، والسبب برأيه أن القوات الخاصة والطائرات من دون طيار قادرة على استهداف القادة وقتلهم، لكنها تعجز عن إحداث تغيير في فكر أتباع هؤلاء القادة. مؤكدا صحة ما ذهب إليه أبو سعد العاملي، أحد فقهاء "القاعدة"، أن التنظيم سيعمل على تجنيد "جنود من نوع جديد لم يسبق للعدو أن التقى بهم من قبل ويصعب عليه التعرف عليهم".
ونقل عطوان ما سمعه شخصيا من مصدر لم يسمِّه قريب من أيمن الظواهري، الأمير الجديد لتنظيم "القاعدة"، أنه يُشجِّع منذ فترة طويلة تشكيل فروع خاصة بالتنظيم في البلدان الإسلامية وأن يختار كل منها أميرا محليا له، مما جعل منه تنظيما مختلفا عن التنظيم الأصلي وقلص دور الظواهري، بل أنهى دوره كقائد عسكري أعلى للتنظيم وهو الدور الذي أنيط  بالملا عمر، زعيم حركة طالبان. وقال عطوان ان الظواهري ذاته بايع الملا عمر كقائد عسكري في بيان خاص دعا فيه أتباع "القاعدة" ليحذوا حذوه. وقال انه بعد مقتل بن لادن فضل عدد من المتبرعين الخليجيين أن يقدموا تبرعاتهم للملا عمر وتنظيم طالبان بدلا من إرسالها إلى الظواهري.
وللتدليل على مدى انتشار التنظيم واتساع رقعة نشاطه أورد عطوان قائمة بالعمليات العسكرية أو المسلحة التي نفذها مقاتلو "القاعدة" في أماكن مختلفة من العالم بدءًا من الولايات المتحدة وأفغانستان والعراق، مرورا باليمن والسعودية وشمال افريقيا ومالي ونيجيريا والصومال وكينيا وبريطانيا وإسبانيا وفرنسا وروسيا وجمهوريات وسط آسيا وإندونيسا والهند وانتهاء بمنطقة جنوب شرق آسيافريقيا والصومال ومالي ونيجيريا والولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا. وهذا برأي عطوان دليل على فشل الحملة العالمية للقضاء على "القاعدة" والتي كلفت ميزانية الدولة الأميركية حتى الآن أكثر من ترليون دولار.
مع أن "القاعدة" لا يستطيع الادعاء بأنه يقف وراء إشعال شرارة الربيع العربي، لكن التنظيم حصر أو حدد منذ البداية أعداءه بالولايات المتحدة وحكام أنظمة الطغيان والديكتاتورية في الشرق الأوسط. مع ذلك يرى عطوان أن الظواهري على ما يبدو يرغب في تشكيل جناح سياسي لتنظيم "القاعدة" وذلك من أجل المشاركة في شكل أوسع وأشد تأثيرًا في النشاط السياسي على الساحة ما بعد الربيع العربي. ونوّه الكاتب بالموقف الأولي الذي صدر عن "القاعدة" ودعوته أتباعه لضبط النفس وألا يصطدموا مع الأحزاب الإسلامية في بلدان الربيع العربي التي وافقت على الخوض في التجربة الديمقراطية التي يرفضها التنظيم على اعتبار أنها مناقضة للشريعة الإسلامية، مؤكدا لهم أن الأمور في نهاية المطاف ستسير لصالح التنظيم. واستشهد الكاتب بما ورد في بيان وزعه بن لادن في بداية الربيع العربي وصفه فيه بأنه "مرحلة جديدة للأمة بأسرها"، معتبرًا أن الأمة ستشهد في نهاية هذه المرحلة "انتهاء النفوذ الأميركي في العالم الإسلامي".
 
 
 
ما تأخذه القيادات الشبابية بالحسبان
 
ويقول عطوان ان الانطباع الأولي في بداية الربيع العربي كان أن الجماعات الجهادية في العالم العربي انتهت أو وضعت على الرف، فيما تصدر الحراك الشعبي في الشارع محتجون شباب يطالبون بنظام ديمقراطي على النمط الغربي، الأمر الذي يتناقض مع برنامج الحركات الجهادية. لكن بسرعة فائقة انقلب الجو وأصبحت الأحزاب الإسلامية هي التي تتصدر في تونس ومصر والمغرب وتغلبت على الأحزاب العلمانية في صناديق الاقتراع. وأرجع عطوان هذا التحول السريع إلى أن مطالب القيادة الشبابية للربيع العربي اقتصرت على الإصلاح الديمقراطي والاقتصادي ومحاربة الفساد وتبديد الثروات الطبيعية، من دون التجرؤ على مواجهة مسألة الكرامة القومية أو الوطنية واحترام الذات. ويستشهد الكاتب بالمحلل السياسي المغربي معطي محجوب الذي في معرض وصفه لما حدث في بلده قال "الناس ينظرون إلى الإسلاميين على أنهم المخرج الذي عن طريقه سيتخلصون من الخنوع والشعور بالنقص تجاه الغرب"، فعدم أخذ القيادات الشبابية للربيع العربي هذا الشعور بالحسبان هو الذي أضعفها ورجّح كفة الحركات الإسلامية.
ويتوقف عطوان قليلا عند الأزمة السورية، موضحا موقفه المعادي بشدة للرئيس السوري بشار الأسد، لكنه لاحظ  أن ما حدث في سورية مختلف إلى حدٍ كبير عمّا حدث في بلدان الربيع العربي الأخرى. وكان الهدف من توقفه عند الأزمة السورية إبراز الدور الأساسي الذي بدأ يلعبه تنظيم "القاعدة" هناك. وقال "إذا تمّ تمزيق سورية بحرب أهلية – وهو ما يبدو محتملا جدا – فإن تنظيم "القاعدة" سيلعب دورا قياديا في حركة التمرد، تماما مثلما فعل في العراق". ويشير الكاتب إلى الدعوات التي وجهها الظواهري وبن لادن، قبل مقتله، لأنصار "القاعدة" من أجل التوجه إلى سورية للمشاركة في الحملة لإسقاط نظام الحكم فيها، والاستجابة الواسعة لهؤلاء الأنصار من مختلف الأقطار العربية، الذين أصبحوا يشكلون جزءا لا بأس به من تنظيم الجيش السوري الحر المعارض. فيما رأى قائد تنظيم "القاعدة" في شبه الجزيرة العربية العولقي، أن الربيع العربي "يفتح المجال لفرصة عظيمة أمام المجاهدين في جميع أنحاء العالم".
ورغم عدم وجود دور لـ"القاعدة" في انطلاقة الربيع العربي، خاصة في تونس ومصر واليمن، لاحظ عطوان أن دورا فاعلا كان لأنصار "القاعدة" منذ البداية في الثورة الليبية، مما يجعل الوضع في ليبيا مختلفاُ عنه في البلدان الأخرى. كما لاحظ أن مقاتلي "القاعدة" الليبيين الذين عادوا من العراق رفعوا في بنغازي علم الدولة الإسلامية في العراق إلى جانب علم "القاعدة". فيما يعتقد بعض المحللين أن "القاعدة" في اليمن، على سبيل المثال، يكتفي بتأييد الثورة لإسقاط نظام الحكم، لكنه لا يسعى لاحتلال قيادتها أو تزعمها. وكذلك الحال في سورية حيث تأخر وصول "القاعدة" إليها حتى شباط /فبراير 2012، لكنه موجود هناك بقوة، جنبا إلى جنب مع الجيش السوري الحر. وفي هذا الخصوص، يخلص الكاتب إلى نتيجة مفادها أنه مثلما نجحت حركة طالبان، رغم الحملة العالمية التي تشن عليها بلا توقف منذ عام 2001 حتى الآن في اختراق الحصار المفروض عليها وإقامة علاقات دبلوماسية في الخارج ومنها مكتبها في قطر، يمكن لتنظيم "القاعدة" أن ينجح هو الآخر في السير بهذا الاتجاه، معتبرا أن هذا التطور يؤذن ببدء مرحلة جديدة في تاريخ الحركات الإسلامية، ويمهد الطريق للقاء أو تحالف مستبقلا بين "القاعدة" والحركات الإسلامية المعتدلة على الأقل في بلدان الربيع العربي.
 
 
 
خيبة الأمل- فراغ استغلته "القاعدة"
 
وتحدث عطوان عن فرع تنظيم "القاعدة" في شبه الجزيرة العربية وقال انه تشكل فقط في عام 2009 عندما اندمج الجهاديون في كل من اليمن والسعودية في تنظيم واحد تحت قيادة أمير واحد هو ناصر الوحيشي اليمني الجنسية. وأشار عطوان إلى تصريح لبن لادن قبيل مقتله عام 2011 بفترة قصيرة أعرب فيه عن رضاه "من تحول اليمن إلى قاعدة خلفية للعمل الجهادي في جميع أنحاء العالم". وعلى أثر ذلك هاجر المئات من الجهاديين السعوديين عبر الحدود إلى اليمن، ووفقا لتقديرات من مصادر مطلعة على وضع هذا الفرع يُشكل السعوديون فيه حوالي نصف عدد أعضاء التنظيم. لكن عطوان يقول ان التنظيم أرسى قواعد لعلاقات قوية بينه وبين القبائل والعشائر اليمنية بناء على توجيهات من بن لادن شخصيا. ويرى عطوان أن فشل الثورة الشعبية اليمنية في إسقاط نظام الحكم ترك شعورا عميقا من خيبة الأمل لدى الشارع اليمني، الأمر الذي ساعد "القاعدة" على الظهور كأنها البديل الوحيد لتغيير الوضع هناك.
وخصص الكاتب الفصل الثالث لتنظيم الشباب الصومالي الذي يُعتبر فرعا أو امتدادا لتنظيم "القاعدة" وترعرعه في الصومال الذي أصبح دولة فاشلة وتحول إلى حاضنة للجهاديين، مشيرا إلى العلاقة القوية التي تربط مقاتلي تنظيم الشباب الصومالي مع القبائل الصومالية، على نحو شبيه بما يجري مع "القاعدة" في اليمن. مشيرا إلى العلاقة القوية التي تربط تنظيم الشباب بقراصنة البحر الصوماليين الذين يتقاسمون أرباحهم مع التنظيم ويشكلون مصدر دخل رئيسي له.
أما بالنسبة للعلاقة بين حركة "طالبان" وتنظيم "القاعدة"، فيؤكد عطوان على عمق التحالف بين التنظيمين، وهو تحالف قديم يعود تاريخه إلى عقد الثمانينيات الماضي،عندما انضم المقاتلون العرب إلى المجاهدين الذين كانوا يحاربون الاتحاد السوفييتي،والذي تقوّى أو تعزز بعدما انتقل بن لادن للعيش تحت حماية "طالبان" أيام كانت تحكم أفغانستان ولاحقا أيضا بعد سقوط حكم طالبان في عام 2001. وذكر عطوان أن حركة المجاهدين التي كانت الولايات المتحدة والسعودية تدعمانها منذ تأسيسها في نهاية عقد السبعينيات الماضي وحتى عام 1990، درّبت على السلاح حوالي مليونا و614 ألف مقاتل أفغاني وعربي، حيث أصبح هؤلاء المجاهدون المصدر الأساسي الذي  يتزود منه كل من تنظيم"القاعدة" وطالبان بالمقاتلين. وأشار الكاتب إلى أن طالبان نجحت في تلميع صورتها داخل المجتمع الأفغاني "كجماعة أكثر تسامحا وانفتاحا"، مؤكدا عودة طالبان إلى الحكم في أفغانستان بعد أن تنسحب قوات الحلف الأطلسي منها في عام 2014 كشريك أو من خلال سيطرتها الكاملة المتوقعة على أجهزة الدولة، مما سيفتح المجال مجددا أمام "القاعدة" للحصول على ملاذ آمن.
وألقى الكاتب نظرة على جذور طالبان العميقة في باكستان وانبثاق تنظيم طالبان الباكستاني لاحقا من تحالف ضم حوالي 28 تنظيما جهاديا باكستانيا، الأمر الذي حمل أهمية خاصة بالنسبة لتنظيم "القاعدة" أيضا، إذ وفرت التنظيمات الجهادية الباكستانية وتنظيم طالبان الباكستاني لتنظيم "القاعدة" ملاذا آمنا في المناطق التي يسيطر عليها أنصار هذه التنظيمات، خاصة في منطقة وزيرستان المحاذية للحدود مع أفغانستان، مما ساعد "القاعدة" على إقامة قواعد تدريب لمقاتليه في باكستان وشن هجمات على البلدان الغربية انطلاقا من الأراضي الباكستانية، بل الاستعانة بجهاديين باكستانيين لتدريب مقاتلي "القاعدة" في مناطق أخرى في العالم، مثلما هو حاصل حاليا في مالي. وبيّن الكاتب كيف استفاد رجال "القاعدة" من الروابط القوية بين الجهاديين الباكستانيين ورجال جهازي الأمن والاستخبارات الباكستانيين. وقدّم خلفية مفصلة لنجاح بن لادن في الحصول على مخبأ له في مدينة أبوت أباد التي قتل فيها في باكستان العام الماضي.
وخصص عطوان فصلان لنشاط "القاعدة" في شمال أفريقيا أو المغرب العربي، الأول تحدث عن نشاط التنظيم في الجزائر والمغرب وتونس ومنطقة الساحل التي تضم الصحراء الغربية وموريتانيا على الشاطئ الشرقي للمحيط الأطلسي ومالي والنيجر ونيجيريا وتشاد وصولا إلى البحر الأحمر، والثاني تحدث بالأساس عن ليبيا. وأبرز الكاتب دور أيمن الظواهري في توسيع نشاط "القاعدة" في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل الافريقي. ومع أن هناك فرعين منفصلين لتنظيم "القاعدة" في شمال افريقيا، إلا أن قيادة الفرعين تتألف من الجزائريين والليبيين بالأساس. واستعرض عطوان الوضع في كل واحدة من دول المغرب العربي على حدة، موضحا كيف استفاد "القاعدة" من الربيع العربي، خاصة بسبب تراخي القبضة الأمنية أو الفراغ الأمني الذي نتج عن سقوط نظامي الحكم في تونس وليبيا، ورأى أن "القاعدة" ستنتشر بشكل أوسع في المستقبل في هذه المنطقة.
أما بالنسبة لفرع  "القاعدة" في ليبيا، فعلى الرغم من ارتباط هذا الفرع بأسامة بن لادن والظواهري، إلا أن ليبيا، وفقا لعطوان، لديها خصوصية مميزة عن باقي البلدان التي تتواجد فيها فروع للتنظيم، وذلك راجع للهوية الدينية القوية للشعب الليبي وللتاريخ الجهادي العريق في ليبيا الذي أرساه المناضل الليبي الأسطوري عمر المختار في جهاده الباسل ضد الاحتلال الإيطالي لليبيا من عام 1912 حتى عام 1942. وأشار الكاتب إلى المعارضة التي أبدتها الحركات الإسلامية لنظام حكم الرئيس الليبي معمر القذافي ومحاولة الاغتيال الفاشلة التي رتبها الجهاديون الليبيون للقذافي عام 1984، واتصالهم لاحقا بأسامة بن لادن والالتحاق به في السودان ثم في أفغانستان، بل أصبحوا من المقربين من بن لادن مثل أبو أنس الليبي وأبو ليث الليبي وأبو حفص الليبي وآخرين، منوها بالمشاركة البارزة للمقاتلين الليبيين في صفوف "القاعدة" في العراق، خاصة من المنطقة الشرقية في ليبيا التي منها انطلق التمرد على القذافي عام 2011.
 
 
 
"جيل جهادي" أكثر تطرفًا
 
بعد كل ما تقدم يستنتج عطوان بأن تنظيم "القاعدة" بتشعباته كافة مستمر في التمدد أو التوسع من خلال الروابط المتينة التي يحتفظ بها مع تنظيمات إسلامية متعددة في أماكن مختلفة من العالم، منها الجهاديون في بلاد الرافدين الذين أعلنوا عن الدولة الإسلامية في العراق، والجماعة الإسلامية في جنوب شرق آسيا، والحركة الإسلامية في أوزبكستان، وتنظيم المجاهدين في شمال القفقاس، والتنظيمات الجهادية الإسلامية في فلسطين، وتنظيم "القاعدة" في صحراء سيناء، وتنظيم بوكو حرام في نيجيريا، بل حتى مع مسلمي الإيغور في الصين.
وتحدث عطوان عن استفادة"القاعدة" من الثورة المعلوماتية وامتلاكه قدرات فنية رفيعة في مجال الحرب الإلكترونية التي من المحتمل استخدامها في هجمات قد تكون مذهلة في المستقبل، إلى جانب الاستفادة من الربيع العربي. غير أن الكاتب يعتقد أن الجيل الجديد من رجال "القاعدة" ربما يكون أكثر تطرفا وأورد أمثلة على ذلك من الأردن. وأشار إلى أن بن لادن والظواهري كانا يبحثان إمكانية تغيير اسم التنظيم وتبني اسم جديد له يغلب عليه الطابع الإسلامي أكثر من اسم "القاعدة". 
وقال ان التنظيم يسعى لكي يصبح حزبا أو حركة سياسية على نحو شبيه بعملية التحول الحاصلة حاليا في حركة طالبان.
 
 
 
 
(لندن)
 

نعم انتصروا.. وحقهم ان يحتفلوا

الاحتفالات العفوية التي انفجرت طوال يوم امس في قطاع غزة ابتهاجا بالنصر، واعلان وقف اطلاق النار، تؤكد بالصوت والصورة ان اسرائيل خرجت خاسرة مهزومة من حرب الايام الثمانية التي شنتها على قطاع غزة.

بنيامين نتنياهو لم يتلفظ مطلقا، وطوال المؤتمر الصحافي الذي عقده مساء يوم امس الاول بحضور وزير دفاعه ايهود باراك، ووزير خارجيته افيغدور ليبرمان، لم يتلفظ مرة واحدة بكلمة الانتصار في غزة، ولم ترد الكلمة نفسها على لسان اي من جنرالاته وهيئة اركان حكمه.
في حرب كانون الاول/ ديسمبر عام 2008 لم يخرج ابناء القطاع بالآلاف، مثلما حدث بالأمس، احتفالا بالانتصار، لأنهم كانوا يدركون جيدا انها كانت حربا من اتجاه واحد، أُخذت فيها حركات المقاومة في القطاع على حين غرّة، اي لم تكن جاهزة لها، ولم تملك الامكانيات القادرة على التصدي لها بفاعلية.
في الحرب الاخيرة اختلفت الصورة وتغيرت المعادلة، وفوجئت اسرائيل، مثلما فوجئ العالم بأسره، بامتلاك المقاومة اسلحة حديثة متطورة نجحت في الحاق الذعر بالاسرائيليين في قلب تل ابيب، ومنع الجيش الاسرائيلي من تنفيذ تهديداته باجتياح القطاع.
نتنياهو هو الذي استجدى وقف اطلاق النار، بدليل انه ومثلما تبيّن من نص اتفاق وقف اطلاق النار، لم ينجح في فرض اي من شروطه، وجاءت التهدئة مقابل التهدئة، في بداية تحقيق توازن في الرعب، كان منعدما طوال السنوات الماضية من عمر الصراع.
' ' '
النصر مسألة نسبية، فهناك انتصار معنوي، وآخر عسكري، وثالث سياسي، والمقاومة نجحت في تحقيق الثلاثة، او اثنين منها على الأقل، وتعادلت في الثالث، اي انتصار سياسي تمثل في فرض نفسها قوة تفاوضية صلبة في جهود وقف اطلاق النار، وانتصار معنوي نفسي عندما صمدت في المواجهة بصلابة، ولم تنهر او تستسلم طوال ايام القصف، والأهم من ذلك توحيد الشعب الفلسطيني والعالم الاسلامي بأسره خلفها، اما التعادل فيمكن القول مجازيا انه تحقق في الميدان العسكري.
حرب غزة اثبتت عمليا ان نتنياهو لا يملك القرار المستقل، سواء في المجالات الاستراتيجية عندما فشل في تنفيذ تهديداته بضرب ايران في هجوم احادي منفرد، او في المجالات التكتيكية في الغلاف الفلسطيني المحدود، عندما لم يجرؤ على غزو قطاع غزة بريا، واضطر للرضوخ لمعطيات المفاجآت العسكرية للمقاومة، والإذعان لجهود الرئيس اوباما وضغوطه للقبول باتفاق التهدئة، للحيلولة دون الوقوع في مصيدة قد لا يعرف كيف يخرج منها في غزة، وتدمير اهم اركان السياسة الخارجية الامريكية، وقلب سلم اولوياتها في المنطقة العربية.
نحن امام عملية تصحيح استراتيجي للمفاهيم والتوازنات السياسية على الارض، اول اضلاعها عدم قدرة اسرائيل على املاء شروطها، وفرض الوقائع على الارض حسب مصالحها. فقد هاجمت غزة مرتين في غضون اربع سنوات، ولم تنجح في وقف الصواريخ، او انهاء ظاهرة المقاومة المتصاعدة فيها، مثلما فشل حصارها الخانق، الذي يتآكل حاليا، في منع وصول الاسلحة الحديثة المتطورة.
لا احد يستطيع ان يتنبأ بعمر هذه الهدنة الجديدة، اي كم ستطول او تقصر، ولكن ما يمكن التنبؤ به بكل ثقة، ان المقاومة باتت في حال معنوية عالية، وثقة اكبر على تحقيق انتصار اكبر في المرة المقبلة، ثم ان توقفها مؤقتا في غزة لا يعني عدم استئنافها من سيناء او اي مكان آخر.
' ' '
في المواجهة الاخيرة وصلت الصواريخ الى قلب تل ابيب والقدس، وتلكأت الدبابات الاسرائيلية في دخول القطاع او الاقتراب من حدوده خوفا من صواريخ 'كورنيت' المضادة للدروع، ولن نستغرب لو امتلكت المقاومة صواريخ مضادة للطائرات، فمن زودها بالصواريخ الاولى التي غيّرت المعادلات، لن يتردد في تزويدها بالصواريخ الثانية، او هكذا يقول منطق الاشياء، والمقصود هنا ايران التي شكرها السيدان خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس، ورمضان عبدالله شلّح امين عام حركة الجهاد الاسلامي، في مؤتمرهما الصحافي المشترك، اعترافا بجميلها على حد قولهما.
انها حرب طويلة، في صراع عقائدي وجودي، بين الحق والباطل، ولن نستغرب او نستبعد ان نفيق ذات صباح على جولة جديدة، واكثر شراسة من الاولى، فالتهدئة ليست حلا للصراع، وانما تأجيل او تجميد لاحدى حلقاته، فطالما هناك ظلم واضطهاد وحصار واستيطان واذلال، سيستمر الاحتقان، وسيأتي عود الثقاب الذي يفجره، على شكل صاروخ او عملية اغتيال غادرة، لكن المواجهة المقبلة ستكون حتما مختلفة، وقد تكون في الضفة المنتفضة، او القطاع الملتهب، او الاثنين جنبا الى جنب.
انها معجزة المقاومة الفلسطينية المستمرة، والتي لا يمكن ان تُقهر مهما بلغت آلة القتل الاسرائيلي من فتك، ومهما تكالب العالم الغربي، وبعض العرب الرسميين على دعمها.
 
Twitter:@abdelbariatwan