لا نريد دعمكم.. ولن ننسى حقدكم

معارضة بريطانيا وامريكا والمانيا الطلب الفلسطيني بالحصول على الاعتراف بدولة مراقبة غير عضو في الامم المتحدة مخجل بكل المقاييس، ويكشف عن سلوك سياسي غير اخلاقي وغير انساني، بل وعدائي للعرب والمسلمين.

يصعب علينا ان نفهم هذه المواقف المعادية من دول طالبت الفلسطينيين دائما بالحوار والابتعاد عن العنف، واحترام المواثيق الدولية، ووعدتهم بدولة مستقلة حقيقية، ثم نجدها تعارض الاعتراف بدولة غير عضو، وعلى الورق فقط، وذات طابع رمزي.
الإدارة الامريكية الحالية التي يترأسها باراك اوباما الذي دشن فترة رئاسته الاولى بالتعهد بقيام هذه الدولة على الارض، لم يكتف بممارسة ضغوط شرسة على الرئيس الفلسطيني محمود عباس للتراجع عن هذه الخطوة، وتهديده بوقف المساعدات المالية، بل ذهب الى ما هو ابعد من ذلك عندما ارسلت إدارته رسائل الى كل الدول الاوروبية تطالبها، ليس بمعارضة الطلب الفلسطيني والتصويت ضده في الامم المتحدة فقط، وانما تحريض الدول الاخرى بكل الطرق والوسائل لاتخاذ الموقف نفسه، اي المعارضة.
لا نعرف اسباب هذا الحقد والكراهية تجاه الفلسطينيين المحاصرين المجوّعين المحرومين من ابسط حقوقهم الانسانية من قبل الولايات المتحدة، التي تدعي زعامة العالم الحر ونشر قيم الديمقراطية والعدالة في العالم بأسره.
فماذا فعل الشعب الفلسطيني لأمريكا حتى يقابل بكل هذا الحقد، وهذا العداء، فلم تغز الجيوش الفلسطينية امريكا، ولم تحتل ايا من اراضيها في اي حقبة من حقبات تاريخها القصير، والانكى من ذلك موقف بريطانيا وحكومتها الحالية الذي عبّر عنه وزير خارجيتها وليم هيغ، الذي قال امام البرلمان ان بلاده يمكن ان تساند الطلب الفلسطيني في حال تقديم الفلسطينيين ضمانات بعدم الذهاب الى محكمة جرائم الحرب الدولية لمقاضاة مجرمي الحرب الاسرائيليين، وعودتهم الى المفاوضات مع اسرائيل دون شروط مسبقة.
*** 
وليم هيغ هذا الوزير الحاقد على الفلسطينيين الذي انضم الى اللوبي المساند لاسرائيل (جمعية اصدقاء اسرائيل) عندما كان عمره 16 عاما، يقدم ابشع نموذج في النفاق والازدواجية عندما يفرض على الفلسطينيين شروطا مسبقة مقابل اعترافه بدولتهم الوهمية، ثم يطالبهم بالعودة الى المفاوضات دون شروط، اي وقاحة اكثر من هذه؟
بريطانيا التي لعبت دورا رئيسيا في تسليم فلسطين على طبق من ذهب الى اليهود، يجب ان تشعر بالذنب، وتكفر عن خطيئتها التاريخية الكبرى هذه بالوقوف الى جانب الفلسطينيين والاعتذار لهم، وتعويضهم ماليا ومعنويا، أسوة بالدول الاخرى التي اعتذرت عن جرائمها الاستعمارية وطالبت بالصفح والغفران.
الفلسطينيون وهم يتقدمون اليوم بطلبهم الى الامم المتحدة للحصول على الاعتراف بدولة مراقبة، لا يحتاجون الى اصوات بريطانيا وامريكا والمانيا، فقد ضمنوا حوالى 135 صوتا كافية لنجاح طلبهم، ولكنهم لن ينسوا مواقف هذه الدول وغيرها التي أدارت ظهرها لهم في هذه الفترة التاريخية الحرجة.
هؤلاء لا يعرفون العدالة، ولا قيم الانسانية، وينحازون الى الظلم والقمع والحصار، ومصادرة اراضي الغير، وتغوّل الاستيطان، وتشجيع العدوان وارتكاب جرائم الحرب، وقتل الاطفال وتهديم البيوت فوق رؤوس اصحابها.
يبررون موقفهم بالقول بان الدولة الفلسطينية يجب ان يتم الوصول اليها من خلال المفاوضات، ونحن نسأل اين هي هذه المفاوضات، ومن قتلها غير حليفتهم المارقة اسرائيل، الم يتفاوض الرئيس عباس وشركاؤه طوال العشرين عاما، وتعرضوا لأبشع انواع الهوان والإذلال على يد الاسرائيليين، فأين هي الدولة التي يتحدثون عنها؟
لم نكن مطلقا من المؤيدين لهذا الحراك الدبلوماسي وانجازاته المتواضعة في دولة وهمية، لأننا نعلم جيدا ان القوانين الدولية لا تطبق الاّ اذا كانت تصبّ في مصلحة اسرائيل وامريكا، ولكن طالما قرر الرئيس عباس السير في هذا الاتجاه، فان الايجابية الوحيدة التي نراها، هي في إفشال الضغوط الامريكية ـ الاسرائيلية، واعادة قضية فلسطين الى خريطة الاهتمام الدولي مجددا بعد ان نسيها العرب قبل غيرهم.
*** 
الرئيس عباس يجب ان يذهب الى محكمة الجنايات الدولية فور حصوله على الاعتراف بفلسطين دولة مراقبة، للانضمام الى عضويتها، والبدء بملاحقة مجرمي الحرب الاسرائيليين، استنادا الى تقرير القاضي الاممي غولدستون، وما تضمنه من وقائع وادلة في هذا الصدد.
الاعتراف الذي سيُنتزع اليوم، وتغيير دول اوروبية مثل فرنسا واسبانيا والبرتغال لمواقفها من حيث الانتقال من المعارضة الى الدعم، ما كان ليتحقق لولا الصمود البطولي في قطاع غزة، ووصول الصواريخ الى قلب تل ابيب، ومستوطنات القدس المحتلة، واستشهاد اكثر من 170 شخصا، نسبة كبيرة منهم من الاطفال.
الشعب الفلسطيني سيظل يطرق على جدار النفاق الغربي، واللا عدالة الدولية، حتى يصل الى اهدافه في استعادة 'جميع' اراضيه المغتصبة، واجبار دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا التي ساندت اعداءه، على الاعتذار والتعويض. اما اسرائيل الدولة العنصرية فمعاملتها مختلفة كليا، وجريمتها اكبر بكثير، اكبر من الاعتذار والتعويض.
 
Twitter:@abdelbariatwan
 

مصر تحتاج عقلاءها

قرار حركة الإخوان المسلمين الغاء المظاهرة المليونية 'المضادة' التي دعت اليها، وكان من المفترض ان تلتئم اليوم، يمثل خطوة على درجة كبيرة من الأهمية يجب التنويه بها، ويعكس مواقف 'تصالحية' تريد حقن الدماء وتجنب التصعيد، ورغبة في احتواء الأزمة او التخفيف من حدتها لمنع انفجار حرب اهلية في البلاد.

نعم..الاعلان الدستوري الذي اصدره الرئيس محمد مرسي كان هو سبب هذه الأزمة، وحالة الاحتقان التي تعيشها البلاد حاليا، ولكن لا بدّ من تعاون جميع الاطراف الأخرى دون استثناء من اجل منع اي سفك لدماء ابناء مصر، وتعميق حالة الانقسام المتفاقمة حاليا.
الرئيس مرسي تنازل مرتين، الاولى عندما اصدر بيانه التوضيحي في اعقاب اجتماعه مع المجلس الأعلى للقضاء يوم امس، وتضمن نقطتين اساسيتين، اولهما القول بأن 'تحصين' القرارات الرئاسية محصور بتلك المتعلقة بالقضايا 'السيادية'، مع الابقاء على المادة التي تنص على حظر حلّ مجلس الشورى والجمعية التأسيسية، وثانيهما ان اعادة التحقيقات في قضايا قتل المتظاهرين تقتصر على حالة ظهور ادلة جديدة.
' ' '
وربما يجادل البعض بأنه لا جديد في هذه التوضيحات، لان تحصين القرارات السيادية امر مسلّم به، لان القرارات السيادية محصّنة بطبيعتها وليست من اختصاص القضاء، وان عدم الطعن في حلّ مجلس الشورى والجمعية التأسيسية تعدّ على القضاء والمحكمة الدستورية، ولكن يجب النظر الى المعنى الاساسي من تقديم هذا التوضيح، والغاء المظاهرة الاخوانية المليونية، وهو محاولة تجنب الصدام وحقن الدماء، كخطوة اساسية نأمل ان تؤدي لفتح ابواب الحوار الوطني الشامل وبما يؤدي الى اتفاق او حلول وسط.
حتى لو افترضنا ان الرئيس مرسي اخطأ، وربما الحال كذلك، بإصداره الاعلان الدستوري، فإن من واجب العقلاء في احزاب المعارضة تقديم السلّم له لكي ينزل من على الشجرة، لا ابقاءه معلقا في الهواء، لان البديل هو الصدام وصبّ الزيت على نار الأزمة، الأمر الذي قد يقود البلاد الى نفق مظلم، وحالة من عدم الاستقرار لا يعلم احد متى تنتهي وكيف، وبأي خسائر بشرية ومادية.
حركة الإخوان تراجعت بإلغاء المظاهرة، ونتمنى ان تتراجع الاحزاب الاخرى، ولو مؤقتا عن مواقفها وحشودها للمليونية التي دعت اليها في ميدان التحرير، فالتنازل من اجل مصر وامنها واستقرارها وحقن دماء ابنائها هو قمة الحكمة والتعقل والبراغماتية المسؤولة.
ندرك جيدا ان هناك جهات داخلية وخارجية، ليس من بينها احزاب المعارضة الليبرالية والعلمانية وانصار الدولة المدنية، يريدون إغراق مصر في مستنقع الخلافات والصدامات، ووأد ثورتها العظيمة وحرفها عن مسارها الصحيح، ومسؤولية الجميع في مصر، سلطة ومعارضة، الحيلولة دون نجاح هذه الجهات المعادية لمصر ودورها الريادي الذي بدأت في استرداده، وقرارها المستقل الذي كرّسته بديمقراطيتها واطاحة النظام السابق الذي كرس تبعية مصر واهان كرامتها الوطنية.
' ' '
هناك فرق كبير بين المرونة المسؤولة، والإصرار على اذلال الخصم وإهانته، والمأمــــول ان تتحــــلى جميع الأطراف في مصر، وعلى رأسها حركة الاخـــوان بالمــــرونة، وان يقابل خصومها هذه المرونة بالشــيء نفســـه، وان يتم تجنب العناد والإصرار على التمسك بالمطالب جميعا حتى آخر الشوط.
مصر وأمنها واستقراره يجب ان توضع فوق جميع الاعتبارات من قبل الحكومة والمعارضة، والرئيس مرسي اخطأ عندما لم يتصرف وكأنه رئيس لكل المصريين، وبعض الجهات المدسوسة على المعارضة ارتكبت خطيئة كبرى عندما شيطنت حركة الإخوان المسلمين والرئيس مرسي، واستغلت الاعلان الدستوري لتخريب الثورة المصرية ونسف الوحدة الوطنية، واغراق مصر في حمامات الدماء في نهاية المطاف.
نزول الجيش الى الشوارع ليس الحلّ، واغراق البلاد في حرب اهلية هو اكبر جريمة ترتكب في حق هذا الشعب المصري الطيب الصابر، من قبل النخبة السياسية، سواء تلك التي تقف في خندق الحكومة او المعارضة.
 
Twitter:@abdelbariatwan
 
 

انقذوا مصر قبل فوات الأوان

الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح قال ان حكم اليمن مثل الرقص فوق رؤوس ثعابين سامة، وقبله قال الشاعر اليمني الكبيرعبد الله البردوني ركوب الليث ولا حكم اليمن، اليوم يكتشف الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي ان حكم اليمن يعتبر نزهة بالمقارنة مع حكم مصر، ليس لأن عدد سكان مصر اربعة اضعاف عدد نظرائهم اليمنيين، وانما بسبب الاعتبارات الدولية المحلية والاقليمية والدولية المتداخلة والمعقدة، التي تتصادم على الاراضي المصرية.

الثعابين لدغت الرئيس اليمني، وكانت لدغة قاتلة اطاحت به ولو الى حين، ولكن خلو مصر منها لمصلحة القوة المدنية الناعمة، ربما يكون اكثر خطورة، وعلينا ان نتذكر ان الرئيس اليمني صمد لما يقرب من العام ونصف العام، قبل ان يسقط لكن القوة المصرية الناعمة اطاحت بالرئيس مبارك في اقل من عشرين يوما، مع تسليمنا بأن المقارنة بين التجربتين ليست في محلها تماما.
مصر الآن تعيش حالة من الغليان، يريد البعض لها ان تتحول الى صدامات دموية، وربما الى حرب اهلية، تشفي غليل المتربّصين بالثورة المصرية، داخل مصر وخارجها، الذين يدعمون تحريضهم ضدها برصد مئات الملايين، ان لم يكن عشرات المليارات، للاطاحة بها، واجهاض انجازها الديمقراطي، لمعرفتهم الأكيدة ان نجاحها، وترسّخها، يعني وصولها الى مضاربهم والاطاحة بأنظمتهم.
هناك فرق شاسع بين الكراهية للإخوان المسلمين وحكمهم الذي جاء عبر صناديق الاقتراع والخيار الشعبي الحرّ، وبين الكراهية لمصر، والرغبة في تدميرها من الداخل، وبذر بذور الفتنة لتمزيق الوحدة الوطنية، والنسيج الاجتماعي لهذا البلد المحوري الرائد في المنطقة.
لا نختلف مع الذين يخطّئون الرئيس محمد مرسي في اصداره للاعلان الدستوري الذي وضع كل الصلاحيات في يده، ودون ان يتبصر العواقب، فمثلما ايّدنا الرئيس مرسي في معارضته لإعلان مماثل اصدره المجلس العسكري، واستخدمه لحل البرلمان، والاستيلاء على السلطة التشريعية عنوة، لا نتردد لحظة في قول كلمة لا للإعلان الدستوري الجديد، حتى لو جاء ضربة استباقية لإجهاض مؤامرة كان يعدّ لها المجلس الاعلى للقضاء لحلّ اللجنة الدستورية لوضع الدستور.
' ' '
ما نختلف فيه مع المعارضين للرئيس مرسي وإعلانه الدستوري هو عدم التبصر من قبل البعض لأبعاد مؤامرة خارجية على الثورة المصرية، ابرز اهدافها وأد الثورة وإعادة مصر الى بيت الطاعة الامريكي ـ الاسرائيلي مرة اخرى.
فعندما يحذر السناتور الامريكي الجمهوري جون ماكين، التلميذ النجيب للمحافظين الجدد وادارة الرئيس جورج بوش الابن، التي غزت العراق ودمرته وايّدت العدوان الاسرائيلي على لبنان، وبعده على غزة، عندما يحذر من قيام دولة اسلامية في مصر، او عودة العسكر، او انتشار الفوضى، ويطالب باستخدام المساعدات المالية الامريكية كورقة ضغط على الرئيس مرسي للتخلي عن الإعلان الدستوري، فإن علينا جميعا ان نقف متأملين لهذا التهديد وأبعاده وجلّ معانيه.
قد يجادل البعض محقا، بأن الادارة الحالية تدعم الرئيس مرسي، وتسهّل قرضا من صندوق النقد الدولي بأربعة مليارات وثمانمئة مليون دولار لمصر، والأكثر من ذلك ان شمعون بيريس رئيس الدولة الاسرائيلية يصفه بأنه رجل دولة، ويشيد بحكمته بسبب دوره في تحقيق وقف اطلاق النار في غزة، والتفاوض على اتفاق تهدئة، ولكن هذا من قبيل الانحناء امام العاصفة، ولو مؤقتا، ألم يرضح الرئيس الروسي بوتين لكل الشروط والضغوط الامريكية ريثما يعيد ترتيب البيت الروسي من الداخل،الم تنكمش الصين دوليا وتتحمل الاهانات الامريكية لاكثر من عشرين عاما لم تستخدم فيها 'الفيتو' مرة واحدة، حتى تكتمل خطتها الاقتصادية، وتقفز من المرتبة العاشرة الى الرابعة، ثم الثانية، وبعد اربع سنوات الى الاولى عالميا، ثم تقول لامريكا 'لا' كبيرة وتستخدم 'الفيتو' ثلاث مرات في مجلس الامن الدولي، في اقل من عام ضد التدخل العسكري للناتو في سورية؟
لم اكن اخوانيا في اي يوم من الايام، ولن اكون، ولكنني اضع مصلحة مصر، التي هي مصلحة الأمة، فوق كل اعتبار، وهي مصلحة باتت مهددة بشكل مباشر، ولهذا اطالب بكلمة سواء تقضي على هذه الفتنة في بدايتها، وقبل ان تتطور الى حرب اهلية، ومواجهات دامية بالتالي بين الطرفين اللذين يحشدان انصارهما في هذا الميدان او ذاك.
مصر تحتاج الى الاستقرار والى التعايش بين مختلف الوان طيفها السياسي والديني والاجتماعي، وبما يؤدي الى مرحلة انتقالية اكثر سلاسة للوصول الى الهدف الاكبر وهو النمو الاقتصادي، واستعادة اسباب القوة تماما مثلما فعلت الصين وروسيا وتركيا اردوغان.
اليوم من المفترض ان يلتقي الرئيس مرسي رئيس المجلس الاعلى للقضاء ومجموعة من معاونيه في القصر الجمهوري، وهذا اللقاء الذي يجسد استعداد الطرفين للحوار هو فرصة ذهبية للخروج من الأزمة، او تجميدها على الاقل، ووقف حالة التحشيد والاستقطاب التي تسود مصر حاليا، وحرب الممظاهرات.
' ' '
نتمنى من الرئيس مرسي تجميد إعلانه الدستوري والدخول في حوار مع القوى الوطنية بشأن اصلاح جذري للقضاء.
بقي ان نقول اننا لا نفهم كل هذه الانقسامات بشأن وضع الدستور، والوصول الى اتفاق وسط حول نقاطه الخلافية، وبما يحفظ استقرار البلاد وأمنها وتوحيد صفوفها، فإذا كانت حركة الاخوان تعتقد انها تستطيع حكم البلاد لوحدها، ووفق شروطها ورؤيتها، فهي مخطئة، لأن هناك مجتمعا مدنيا قويا في مصر لا يمكن تجاهله او القفز فوقه بمجرد جرة قلم.
مصر تحتاج الى التوافق والتعايش والاحتكام الى صناديق الاقتراع والاستماع الى الشعب المصري، الذي هو صاحب كل السلطات، ومن المؤسف ان هناك من يحاول تجاهل هذه الحقائق في ذروة الصراع على كرسي السلطة.
حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم استطاع ان يسيطر على السلطتين التنفيذية والتشريعية بعد ان نقل تركيا الى مصاف الدول العشرين الاقوى اقتصادا، وبعد ان تعايش مع العلمانية ولو مرغما، وقبل بصورة اتاتورك على العملة الوطنية، وتماثيله في كل مكان، واحتكم الى صناديق الاقتراع.
الرئيس مرسي يجب ان يستفيد من هذه التجربة، وقد حضرنا سويا مؤتمر حزب العدالة والتنمية قبل شهر في انقرة، واستمعنا الى خطاب اردوغان التاريخي فيه، واطلعنا على برنامجه للسنوات العشر القادمة، وكنت اتمنى لو ان الرئيس مرسي استمع الى نصائحه قبل ان يصدر اعلانه الدستوري الحالي مفجّر الأزمة الحالية.
 
Twitter:@abdelbariatwan
 

الثورة المصرية في خطر

اكد الرئيس محمد مرسي مساء امس الجمعة ان الاعلان الدستوري المؤقت الذي اصدره لتعزيز صلاحياته التشريعية والتنفيذية جاء من اجل تحقيق الاستقرار وزيادة الانتاج وتداول السلطة، ووضع حد لأعمال البلطجة وقطع الطرق، ولكن ردود الفعل التي رأيناها، في قلب القاهرة ومدن مصرية اخرى، تقول بعكس ذلك تماما.

الثورة المصرية باتت مهددة، وانجازاتها العظيمة في توحيد الشعب المصري تواجه اختبارا خطيرا، والاستقرار الذي يعتبر عاملا حتميا وضروريا للخروج من الأزمة الاقتصادية الطاحنة اصبح على كفّ عفريت.
مصر منقسمة حاليا الى معسكرين متحاربين، الاول طابعه اسلامي يضم حركة الإخوان المسلمين والتيار السلفي المتحالف معها، والثاني علماني الطابع يتكون من الليبراليين والقوميين واليساريين والاقباط، ويختبئ خلفه انصار النظام الديكتاتوري السابق.
هذا الانقسام المرعب تجلى في المظاهرات، والمظاهرات المضادة، التي كان مسرحها اكثر من ميدان في القاهرة والمدن الأخرى، فبينما ذهب المعارضون لحكم الرئيس مرسي بعشرات الآلاف الى ميدان التحرير للتعبير عن غضبهم، ورفضهم للإعلان الدستوري الجديد، فضّل انصاره التوجه الى باحة قصر الرئاسة لإظهار ولائهم للحكم، ومساندتهم لمراسيمه الجديدة.
في الماضي القريب كانت الصدامات الدموية تقع بين ابناء الثورة وأنصار النظام الديكتاتوري القمعي الفاسد، الآن تقع المواجهات بين ابناء الثورة انفسهم، بين التيار الديني والتيار العلماني الليبرالي، وهنا تكمن الكارثة.
حالة الاحتقان في اوساط التيار العلماني تضخّمت منذ اشهر، وبدأت بوادر الصدام تطفو على السطح من خلال انسحاب شخصيات بارزة من اللجنة التأسيسية للدستور مثل عمرو موسى، ووحيد عبد المجيد وجورج اسحق وايمن نور، علاوة على ممثلي الكنيسة والنقابات والأحزاب اليسارية والقومية والليبرالية، وجاء الاعلان الدستوري بمثابة عود الثقاب الذي اشعل فتيل الانفجار الذي شاهدنا بعض مظاهره في ميدان التحرير مساء الجمعة.
' ' '
هناك جوانب ايجابية في هذا الإعلان لا يجب تجاهلها، لأنها تتماهى مع مطالب الشعب في محاسبة انصار النظام السابق الذين برأتهم العدالة لغياب الأدلة، خاصة الضباط الاربعة الكبار في وزارة الداخلية الذين اعطوا الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين، وقتل ما يقرب من الألف منهم بالتالي، فعزل النائب العام الذي ينتمي الى عهد الرئيس السابق، وكان خلف احكام البراءة هذه، كان مطلبا شعبيا، والشيء نفسه يقال عن اعادة محاكمة رموز النظام السابق، ونجلي الرئيس مبارك على وجه الخصوص اللذين لم يدانا مطلقا بأي تهمة رغم ما ارتكباه من فساد مالي وإداري.
الاعتراض انصبّ على تكريس جميع الصلاحيات التشريعية والقضائية والتنفيذية في يدّ الرئيس، ويقول اصحابه ان النص في الاعلان الدستوري على حصانة قرارات الرئيس من اي طعن ومن اي جهة كانت، غير مسبوق في تاريخ مصر الحديث، لانه يعني عمليا تقويض السلطة القضائية، وتجاوز المحكمة الدستورية العليا، وخلق حكم اكثر شمولية.
ولا يستطيع احد ان يجادل في الكثير من هذه النقاط، ولكن ما يمكن الجدل فيه، ان هذا الاعلان الدستوري مؤقت، وينتهي العمل به فور الفروغ من كتابة الدستور الجديد، وعرضه على الاستفتاء الشعبي لاقراره وانتخاب برلمان جديد.
النقطة الغامضة التي يتمترس خلفها المعارضون هي الخوف من ان يتحول المؤقت الى دائم، وهذا ما دفع الدكتور محمد البرادعي الى وصف الرئيس مرسي بأنه 'الحاكم بأمره' في اول رد فعل له على الإعلان الدستوري.
لا نعرف ما هي الاسباب التي دفعت الرئيس مرسي الى اختيار هذا التوقيت لإصدار مراسيمه هذه، وعدم ترّيثه بالتالي لتحقيق نوع من التوافق في حده الادنى تجاهها. فالرئيس فاجأ الجميع بقراراته المدروسة التي حظيت بدعم شعبي واسع، مثل إقالة المجلس العسكري الحاكم، وإحالة معظم قادة الجيوش وكبار الضباط المحسوبين على نظام الرئيس مبارك الى التقاعد، واستبدالهم بمجموعة من القادة والرتب العسكرية الأقرب الى فكر الثورة وقيمها، والشيء نفسه يقال ايضا عن القيادات الأمنية العليا، مما اثار اعجاب الكثيرين، ونحن منهم، فهل اخطأ الحساب هذه المرة، ام انه يملك معطيات اخرى فرضت عليه التحرك بسرعة في الاتجاه الذي اثار عليه قطاعا لا بأس به من الشعب؟
الأزمة الحالية يمكن ان تتطور الى نتائج خطيرة على مصر واستقرارها اذا لم يتم تطويقها بسرعة، من خلال الحوار المسؤول وعلى وجه السرعة، للحفاظ على مكتسبات الثورة، وابرزها استعادة مصر لدورها الاقليمي، وسيادتها الوطنية، وقرارها المستقل، والتخلص من حكم الفساد والإذعان.
فإذا كانت قرارات الرئيس مرسي هذه تجاوزا لروح الديمقراطية وخروجا عن قيمها، فإن الاعتداء على مقرات حزب الحرية والعدالة واحراقها في اكثر من مدينة، هو ايضا عمل غير ديمقراطي وغير حضاري يجب ان يدان من قبل كل القوى المعارضة.
' ' '
الرئيس مرسي تراجع في مرات سابقة عن قرارات اتخذها، وابرزها ابقاء النائب العام في محله، وإلغاء قرار فصله، وكذلك القبول بحكم المحكمة الدستورية بعدم شرعية قراره بإعادة البرلمان المنحل الى الانعقاد، مما يعكس براغماتية شجاعة تقدم مصلحة مصر العليا على ما عداها، والمأمول ان يفعل الشيء نفسه اذا ما تطلب الحوار والتوافق مع الآخرين المعارضين بعض التنازلات هنا او هناك.
مصر، وفي هذه اللحظة الحرجة، تحتاج الى كل الحكمة والحكماء، لتجنب الفتنة التي تحاك خيوطها حاليا لضرب وحدتها الوطنية واجهاض ثورتها، وادخالها في نفق مظلم من الانقسامات والاستقطابات، وربما المواجهات الدموية ايضا.
انهيار الثورة المصرية، لو حصل لا قدر الله، هو انهيار ثورات التغيير الديمقراطي، والعودة بالمنطقة الى المربع الاول، مربع الديكتاتورية والفساد والقمع والتبعية للخارج، وهذا ما تريده امريكا واسرائيل، وحكومات عربية عملت وما زالت تعمل، في العلن والخفاء، لوأد هذه الثورة المصرية الأم، الرافعة الأهم في الحراك الديمقراطي العربي.
 
Twitter:@abdelbariatwan
 

كتاب ما بعد بن لادن لعبد الباري عطوان

تنظيم "القاعدة" يسير على خطى "طالبان" وقد يتحول تدريجيا إلى حزب سياسي

عملية ارهابية اقترفتها القاعدة في العراق، تموز 2012
 
علاقة قوية تربط مقاتلي تنظيم الشباب الصومالي مع القبائل الصومالية، على نحو شبيه بما يجري مع "القاعدة" في اليمن. كالعلاقة القوية التي تربط تنظيم الشباب بقراصنة البحر الصوماليين الذين يتقاسمون أرباحهم مع التنظيم ويشكلون مصدر دخل رئيسي له
 
مثلما نجحت حركة طالبان، رغم الحملة العالمية التي تشن عليها بلا توقف منذ عام 2001 حتى الآن في اختراق الحصار المفروض عليها وإقامة علاقات دبلوماسية في الخارج ومنها مكتبها في قطر، يمكن لتنظيم "القاعدة" أن ينجح هو الآخر في السير بهذا الاتجاه
 
صدر في لندن أخيرا عن "دار الساقي" للنشر كتاب بالإنجليزية بعنوان "ما بعد بن لادن– الجيل القادم من القاعدة" لمؤلفه الصحافي والكاتب الفلسطيني عبدالباري عطوان، رئيس تحرير جريدة "القدس العربي" التي تصدر في لندن، و يقع في 300 صفحة من الحجم المتوسط.
يتألف الكتاب من مقدمة وتسعة فصول كالتالي: 1 – الربيع العربي و"القاعدة" 2 – "القاعدة في شبه الجزيرة العربية 3 – حركة الشباب الصومالية 4 – طالبان – امتداد "القاعدة":أفغانستان 5 – طالبان – امتداد "القاعدة: باكستان 6 – "القاعدة" في المغرب الإسلامي: الجزائر والمغرب وتونس والساحل الافريقي 7 –  "القاعدة" في المغرب الإسلامي: ليبيا 8 – تحالفات قائمة وجديدة 9 – ساحة المعركة الرقمية أو الإلكترونية.
الكتاب عبارة عن بحث رائد في مجاله لأنه لم يسبق لأحد غير عطوان الكتابة عن الجيل الجديد لتنظيم "القاعدة" الذي يبدو أن أجهزة الأمن وجيوش العالم تزداد انشغالا في مطاردته يوما بعد يوم. ومع أن عطوان يورد قائمة بالمراجع التي لها علاقة ببحثه، إلا أنه لدى التدقيق في الهوامش والملاحظات تبين أنه لم يستند كثيرا على مراجع وأبحاث صادرة في كتب، أو على تحليلات وتخمينات متسربلة بالزي الأكاديمي، بل استند في الغالب على منشورات "القاعدة" والتنظيمات الإسلامية المنضوية تحت رايته وكثير من المصادر المتوفرة على شبكة الإنترنت، مما يعني أن عطوان استند على المصادر صاحبة الشأن واستقى معلوماته منها مباشرة، علاوةعلى مصادره الخاصة بصفته قطبا إعلاميا بارزا وله اتصالاته الخاصة واحترامه على الساحتين العربية والدولية على حدٍّ سواء، منذ أن غامر شخصيا واقتحم مُغر تورا بورا في أفغانستان للقاء أسامة بن لادن عام 1996، مما أكسبه شهرة عالمية واسعة ووضعه على اتصال مباشر مع مساعدي بن لادن، ومنهم أبو حفص المصري، الذين بدأوا عقب ذلك اللقاء الاتصال به شخصيا على مكتبه في لندن، وفقا للكتاب.
فحقيقة المراجع التي استند عليها الكاتب بحد ذاتها تضفي على الكتاب أهمية خاصة وتجعل منه مصدرا أساسيا،أشبه ما يكون بالسبق الصحافي، وسيظل الباحثون يرجعون إليه ويستندون على ما ورد فيه لسنين طويلة. ينبغي التنويه إلى أن عطوان مزج بين أسلوب التحقيق الصحافي والتقرير الإخباري وبين البحث الأكاديمي واستند في أحيان كثيرة على مصادر لم يسمِّها، وهو وإن كان أسلوبا غير محبذ أكاديميا إلا أنه منتشر في وسائل الإعلام التي تحتفظ لنفسها الحق في عدم الكشف عن مصادر أخبارها، وغامر عطوان في استخدام هذا الحق الذي يُهدد عادة الباحثين ويُضعف قيمة أبحاثهم ويلحق الضرر بمصداقيتها. لكن يمكن القول ان الكتاب في مجمله عبارة عن "وجبة طازجة" أو "وجبة ساخنة" لأن الكاتب ضمّنه نصوصا واستشهادات أو اقتباسات من أقوال ومصادر يخال للقارئ أنه سمعها في الليلة السابقة وتغطي أحداثا ووقائع حصلت في عام 2012، على نحو يوحي بأن الكاتب ظل يضيف أمورا جديدة إلى الكتاب وهو تحت الطبع. مما يوحي أيضا بأن المؤلف كان نوعا ما في عجلة من أمره لإصدار الكتاب.
 
 
 
"استراتيجية "القاعدة" حتى عام 2020"
 
على سبيل المثال يروي عطوان أن إحدى الوثائق التي استند عليها هي وثيقة تحمل عنوان "استراتيجية "القاعدة" حتى عام 2020" من أجل إعادة إنشاء الخلافة الإسلامية، والتي أرسلت إليه على جهاز الفاكس التابع لصحيفة "القدس العربي" في عام 2005 وتضمنت سبعة بنود أو مراحل قبل المرحلة الثامنة والأخيرة وهي معركة إنشاء الخلافة، فوجد هذه البنود مطابقة لما قاله بن لادن له في عام 1996، الأمر الذي أضفى على الوثيقة مصداقية خاصة، حسب قوله، علاوة على المصداقية التي تحظى بها إذا ما تمعن المرء ببنودها وقارنها بما حققه التنظيم خلال العقد الماضي. ويقول عطوان ان بن لادن أبلغه أثناء اللقاء بينهما أنه من الصعب محاربة أميركا في عقر دارها، ومن أجل دحرها ينبغي استدراجها إلى البلدان العربية والإسلامية، فالحرب على أفغانستان والعراق وليبيا برأيه دليل ساطع على أن "القاعدة"نجح في مسعاه وهو ماض في تحقيق الأهداف التي حددها في استراتيجيته.
 
يستهل عطوان الكتاب بقوله في المقدمة ان "بن لادن أصبح ميتا، لكن الحركة التي أسسها قبل أكثر من عقدين أصبحت أقوى وأوسع انتشارا" في أماكن مختلفة من العالم، وأن "استشهاده" يعزز من أسطورته ويجعله رمزا ومثالا يُحتذى للجهاد. فتنظيم "القاعدة" وفقا للكاتب كان صغيرا نسبيا قبل هجمات 9/11، ودُمِّر تقريبا، عندما قُصِفت مخابئُه في أفغانستان، ردا على تلك الهجمات، بل لو أن بن لادن قتل في تلك الهجمات لانتهى التنظيم.
غير أن الحرب على العراق التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا عام 2003 نفخت في "القاعدة" روحا جديدة استجاب لها آلاف الشبان، فتحوّل التنظيم إلى أيديولوجية دينية وسياسية في آن معا، لكنه من دون قيادة مركزية موحدة، بل هي تتألف من مجموعة "أمراء".
ويُقدّم الكتاب رواية سريعة لقصة حياة بن لادن وزيجاته المتعددة وتشرده أو انتقاله من بلد إلى آخر حتى استقر به الوضع في أبوت أباد في باكستان، حيث اهتدت إليه وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (السي آي إيه) وقتلته في الثاني من أيار/مايو 2011، ليتولى القيادة من بعده الرجل الثاني في التنظيم  الدكتور أيمن الظواهري. ويقول عطوان ان تراجع مقاتلي "القاعدة" في ساحات القتال وهزيمتهم لا تعني بالنسبة لهم مثلما تعنيه بالنسبة لأجهزة الأمن التي تطاردهم، فهم يعتبرون تراجعهم أشبه بـ"الهجرة" – هجرة النبي محمد وتراجعه أمام قريش وإيمانهم بأنه ستكون لهم عودة مظفرة في وقت لاحق. وقال الكاتب ان مقتل بن لادن وأمير تنظيم "القاعدة" في شبه الجزيرة العربية أنور العولقي وآخرين من قادة التنظيم لم تقض على التنظيم، بل عززت من مكانته وساعدت في انتشاره، والسبب برأيه أن القوات الخاصة والطائرات من دون طيار قادرة على استهداف القادة وقتلهم، لكنها تعجز عن إحداث تغيير في فكر أتباع هؤلاء القادة. مؤكدا صحة ما ذهب إليه أبو سعد العاملي، أحد فقهاء "القاعدة"، أن التنظيم سيعمل على تجنيد "جنود من نوع جديد لم يسبق للعدو أن التقى بهم من قبل ويصعب عليه التعرف عليهم".
ونقل عطوان ما سمعه شخصيا من مصدر لم يسمِّه قريب من أيمن الظواهري، الأمير الجديد لتنظيم "القاعدة"، أنه يُشجِّع منذ فترة طويلة تشكيل فروع خاصة بالتنظيم في البلدان الإسلامية وأن يختار كل منها أميرا محليا له، مما جعل منه تنظيما مختلفا عن التنظيم الأصلي وقلص دور الظواهري، بل أنهى دوره كقائد عسكري أعلى للتنظيم وهو الدور الذي أنيط  بالملا عمر، زعيم حركة طالبان. وقال عطوان ان الظواهري ذاته بايع الملا عمر كقائد عسكري في بيان خاص دعا فيه أتباع "القاعدة" ليحذوا حذوه. وقال انه بعد مقتل بن لادن فضل عدد من المتبرعين الخليجيين أن يقدموا تبرعاتهم للملا عمر وتنظيم طالبان بدلا من إرسالها إلى الظواهري.
وللتدليل على مدى انتشار التنظيم واتساع رقعة نشاطه أورد عطوان قائمة بالعمليات العسكرية أو المسلحة التي نفذها مقاتلو "القاعدة" في أماكن مختلفة من العالم بدءًا من الولايات المتحدة وأفغانستان والعراق، مرورا باليمن والسعودية وشمال افريقيا ومالي ونيجيريا والصومال وكينيا وبريطانيا وإسبانيا وفرنسا وروسيا وجمهوريات وسط آسيا وإندونيسا والهند وانتهاء بمنطقة جنوب شرق آسيافريقيا والصومال ومالي ونيجيريا والولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا. وهذا برأي عطوان دليل على فشل الحملة العالمية للقضاء على "القاعدة" والتي كلفت ميزانية الدولة الأميركية حتى الآن أكثر من ترليون دولار.
مع أن "القاعدة" لا يستطيع الادعاء بأنه يقف وراء إشعال شرارة الربيع العربي، لكن التنظيم حصر أو حدد منذ البداية أعداءه بالولايات المتحدة وحكام أنظمة الطغيان والديكتاتورية في الشرق الأوسط. مع ذلك يرى عطوان أن الظواهري على ما يبدو يرغب في تشكيل جناح سياسي لتنظيم "القاعدة" وذلك من أجل المشاركة في شكل أوسع وأشد تأثيرًا في النشاط السياسي على الساحة ما بعد الربيع العربي. ونوّه الكاتب بالموقف الأولي الذي صدر عن "القاعدة" ودعوته أتباعه لضبط النفس وألا يصطدموا مع الأحزاب الإسلامية في بلدان الربيع العربي التي وافقت على الخوض في التجربة الديمقراطية التي يرفضها التنظيم على اعتبار أنها مناقضة للشريعة الإسلامية، مؤكدا لهم أن الأمور في نهاية المطاف ستسير لصالح التنظيم. واستشهد الكاتب بما ورد في بيان وزعه بن لادن في بداية الربيع العربي وصفه فيه بأنه "مرحلة جديدة للأمة بأسرها"، معتبرًا أن الأمة ستشهد في نهاية هذه المرحلة "انتهاء النفوذ الأميركي في العالم الإسلامي".
 
 
 
ما تأخذه القيادات الشبابية بالحسبان
 
ويقول عطوان ان الانطباع الأولي في بداية الربيع العربي كان أن الجماعات الجهادية في العالم العربي انتهت أو وضعت على الرف، فيما تصدر الحراك الشعبي في الشارع محتجون شباب يطالبون بنظام ديمقراطي على النمط الغربي، الأمر الذي يتناقض مع برنامج الحركات الجهادية. لكن بسرعة فائقة انقلب الجو وأصبحت الأحزاب الإسلامية هي التي تتصدر في تونس ومصر والمغرب وتغلبت على الأحزاب العلمانية في صناديق الاقتراع. وأرجع عطوان هذا التحول السريع إلى أن مطالب القيادة الشبابية للربيع العربي اقتصرت على الإصلاح الديمقراطي والاقتصادي ومحاربة الفساد وتبديد الثروات الطبيعية، من دون التجرؤ على مواجهة مسألة الكرامة القومية أو الوطنية واحترام الذات. ويستشهد الكاتب بالمحلل السياسي المغربي معطي محجوب الذي في معرض وصفه لما حدث في بلده قال "الناس ينظرون إلى الإسلاميين على أنهم المخرج الذي عن طريقه سيتخلصون من الخنوع والشعور بالنقص تجاه الغرب"، فعدم أخذ القيادات الشبابية للربيع العربي هذا الشعور بالحسبان هو الذي أضعفها ورجّح كفة الحركات الإسلامية.
ويتوقف عطوان قليلا عند الأزمة السورية، موضحا موقفه المعادي بشدة للرئيس السوري بشار الأسد، لكنه لاحظ  أن ما حدث في سورية مختلف إلى حدٍ كبير عمّا حدث في بلدان الربيع العربي الأخرى. وكان الهدف من توقفه عند الأزمة السورية إبراز الدور الأساسي الذي بدأ يلعبه تنظيم "القاعدة" هناك. وقال "إذا تمّ تمزيق سورية بحرب أهلية – وهو ما يبدو محتملا جدا – فإن تنظيم "القاعدة" سيلعب دورا قياديا في حركة التمرد، تماما مثلما فعل في العراق". ويشير الكاتب إلى الدعوات التي وجهها الظواهري وبن لادن، قبل مقتله، لأنصار "القاعدة" من أجل التوجه إلى سورية للمشاركة في الحملة لإسقاط نظام الحكم فيها، والاستجابة الواسعة لهؤلاء الأنصار من مختلف الأقطار العربية، الذين أصبحوا يشكلون جزءا لا بأس به من تنظيم الجيش السوري الحر المعارض. فيما رأى قائد تنظيم "القاعدة" في شبه الجزيرة العربية العولقي، أن الربيع العربي "يفتح المجال لفرصة عظيمة أمام المجاهدين في جميع أنحاء العالم".
ورغم عدم وجود دور لـ"القاعدة" في انطلاقة الربيع العربي، خاصة في تونس ومصر واليمن، لاحظ عطوان أن دورا فاعلا كان لأنصار "القاعدة" منذ البداية في الثورة الليبية، مما يجعل الوضع في ليبيا مختلفاُ عنه في البلدان الأخرى. كما لاحظ أن مقاتلي "القاعدة" الليبيين الذين عادوا من العراق رفعوا في بنغازي علم الدولة الإسلامية في العراق إلى جانب علم "القاعدة". فيما يعتقد بعض المحللين أن "القاعدة" في اليمن، على سبيل المثال، يكتفي بتأييد الثورة لإسقاط نظام الحكم، لكنه لا يسعى لاحتلال قيادتها أو تزعمها. وكذلك الحال في سورية حيث تأخر وصول "القاعدة" إليها حتى شباط /فبراير 2012، لكنه موجود هناك بقوة، جنبا إلى جنب مع الجيش السوري الحر. وفي هذا الخصوص، يخلص الكاتب إلى نتيجة مفادها أنه مثلما نجحت حركة طالبان، رغم الحملة العالمية التي تشن عليها بلا توقف منذ عام 2001 حتى الآن في اختراق الحصار المفروض عليها وإقامة علاقات دبلوماسية في الخارج ومنها مكتبها في قطر، يمكن لتنظيم "القاعدة" أن ينجح هو الآخر في السير بهذا الاتجاه، معتبرا أن هذا التطور يؤذن ببدء مرحلة جديدة في تاريخ الحركات الإسلامية، ويمهد الطريق للقاء أو تحالف مستبقلا بين "القاعدة" والحركات الإسلامية المعتدلة على الأقل في بلدان الربيع العربي.
 
 
 
خيبة الأمل- فراغ استغلته "القاعدة"
 
وتحدث عطوان عن فرع تنظيم "القاعدة" في شبه الجزيرة العربية وقال انه تشكل فقط في عام 2009 عندما اندمج الجهاديون في كل من اليمن والسعودية في تنظيم واحد تحت قيادة أمير واحد هو ناصر الوحيشي اليمني الجنسية. وأشار عطوان إلى تصريح لبن لادن قبيل مقتله عام 2011 بفترة قصيرة أعرب فيه عن رضاه "من تحول اليمن إلى قاعدة خلفية للعمل الجهادي في جميع أنحاء العالم". وعلى أثر ذلك هاجر المئات من الجهاديين السعوديين عبر الحدود إلى اليمن، ووفقا لتقديرات من مصادر مطلعة على وضع هذا الفرع يُشكل السعوديون فيه حوالي نصف عدد أعضاء التنظيم. لكن عطوان يقول ان التنظيم أرسى قواعد لعلاقات قوية بينه وبين القبائل والعشائر اليمنية بناء على توجيهات من بن لادن شخصيا. ويرى عطوان أن فشل الثورة الشعبية اليمنية في إسقاط نظام الحكم ترك شعورا عميقا من خيبة الأمل لدى الشارع اليمني، الأمر الذي ساعد "القاعدة" على الظهور كأنها البديل الوحيد لتغيير الوضع هناك.
وخصص الكاتب الفصل الثالث لتنظيم الشباب الصومالي الذي يُعتبر فرعا أو امتدادا لتنظيم "القاعدة" وترعرعه في الصومال الذي أصبح دولة فاشلة وتحول إلى حاضنة للجهاديين، مشيرا إلى العلاقة القوية التي تربط مقاتلي تنظيم الشباب الصومالي مع القبائل الصومالية، على نحو شبيه بما يجري مع "القاعدة" في اليمن. مشيرا إلى العلاقة القوية التي تربط تنظيم الشباب بقراصنة البحر الصوماليين الذين يتقاسمون أرباحهم مع التنظيم ويشكلون مصدر دخل رئيسي له.
أما بالنسبة للعلاقة بين حركة "طالبان" وتنظيم "القاعدة"، فيؤكد عطوان على عمق التحالف بين التنظيمين، وهو تحالف قديم يعود تاريخه إلى عقد الثمانينيات الماضي،عندما انضم المقاتلون العرب إلى المجاهدين الذين كانوا يحاربون الاتحاد السوفييتي،والذي تقوّى أو تعزز بعدما انتقل بن لادن للعيش تحت حماية "طالبان" أيام كانت تحكم أفغانستان ولاحقا أيضا بعد سقوط حكم طالبان في عام 2001. وذكر عطوان أن حركة المجاهدين التي كانت الولايات المتحدة والسعودية تدعمانها منذ تأسيسها في نهاية عقد السبعينيات الماضي وحتى عام 1990، درّبت على السلاح حوالي مليونا و614 ألف مقاتل أفغاني وعربي، حيث أصبح هؤلاء المجاهدون المصدر الأساسي الذي  يتزود منه كل من تنظيم"القاعدة" وطالبان بالمقاتلين. وأشار الكاتب إلى أن طالبان نجحت في تلميع صورتها داخل المجتمع الأفغاني "كجماعة أكثر تسامحا وانفتاحا"، مؤكدا عودة طالبان إلى الحكم في أفغانستان بعد أن تنسحب قوات الحلف الأطلسي منها في عام 2014 كشريك أو من خلال سيطرتها الكاملة المتوقعة على أجهزة الدولة، مما سيفتح المجال مجددا أمام "القاعدة" للحصول على ملاذ آمن.
وألقى الكاتب نظرة على جذور طالبان العميقة في باكستان وانبثاق تنظيم طالبان الباكستاني لاحقا من تحالف ضم حوالي 28 تنظيما جهاديا باكستانيا، الأمر الذي حمل أهمية خاصة بالنسبة لتنظيم "القاعدة" أيضا، إذ وفرت التنظيمات الجهادية الباكستانية وتنظيم طالبان الباكستاني لتنظيم "القاعدة" ملاذا آمنا في المناطق التي يسيطر عليها أنصار هذه التنظيمات، خاصة في منطقة وزيرستان المحاذية للحدود مع أفغانستان، مما ساعد "القاعدة" على إقامة قواعد تدريب لمقاتليه في باكستان وشن هجمات على البلدان الغربية انطلاقا من الأراضي الباكستانية، بل الاستعانة بجهاديين باكستانيين لتدريب مقاتلي "القاعدة" في مناطق أخرى في العالم، مثلما هو حاصل حاليا في مالي. وبيّن الكاتب كيف استفاد رجال "القاعدة" من الروابط القوية بين الجهاديين الباكستانيين ورجال جهازي الأمن والاستخبارات الباكستانيين. وقدّم خلفية مفصلة لنجاح بن لادن في الحصول على مخبأ له في مدينة أبوت أباد التي قتل فيها في باكستان العام الماضي.
وخصص عطوان فصلان لنشاط "القاعدة" في شمال أفريقيا أو المغرب العربي، الأول تحدث عن نشاط التنظيم في الجزائر والمغرب وتونس ومنطقة الساحل التي تضم الصحراء الغربية وموريتانيا على الشاطئ الشرقي للمحيط الأطلسي ومالي والنيجر ونيجيريا وتشاد وصولا إلى البحر الأحمر، والثاني تحدث بالأساس عن ليبيا. وأبرز الكاتب دور أيمن الظواهري في توسيع نشاط "القاعدة" في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل الافريقي. ومع أن هناك فرعين منفصلين لتنظيم "القاعدة" في شمال افريقيا، إلا أن قيادة الفرعين تتألف من الجزائريين والليبيين بالأساس. واستعرض عطوان الوضع في كل واحدة من دول المغرب العربي على حدة، موضحا كيف استفاد "القاعدة" من الربيع العربي، خاصة بسبب تراخي القبضة الأمنية أو الفراغ الأمني الذي نتج عن سقوط نظامي الحكم في تونس وليبيا، ورأى أن "القاعدة" ستنتشر بشكل أوسع في المستقبل في هذه المنطقة.
أما بالنسبة لفرع  "القاعدة" في ليبيا، فعلى الرغم من ارتباط هذا الفرع بأسامة بن لادن والظواهري، إلا أن ليبيا، وفقا لعطوان، لديها خصوصية مميزة عن باقي البلدان التي تتواجد فيها فروع للتنظيم، وذلك راجع للهوية الدينية القوية للشعب الليبي وللتاريخ الجهادي العريق في ليبيا الذي أرساه المناضل الليبي الأسطوري عمر المختار في جهاده الباسل ضد الاحتلال الإيطالي لليبيا من عام 1912 حتى عام 1942. وأشار الكاتب إلى المعارضة التي أبدتها الحركات الإسلامية لنظام حكم الرئيس الليبي معمر القذافي ومحاولة الاغتيال الفاشلة التي رتبها الجهاديون الليبيون للقذافي عام 1984، واتصالهم لاحقا بأسامة بن لادن والالتحاق به في السودان ثم في أفغانستان، بل أصبحوا من المقربين من بن لادن مثل أبو أنس الليبي وأبو ليث الليبي وأبو حفص الليبي وآخرين، منوها بالمشاركة البارزة للمقاتلين الليبيين في صفوف "القاعدة" في العراق، خاصة من المنطقة الشرقية في ليبيا التي منها انطلق التمرد على القذافي عام 2011.
 
 
 
"جيل جهادي" أكثر تطرفًا
 
بعد كل ما تقدم يستنتج عطوان بأن تنظيم "القاعدة" بتشعباته كافة مستمر في التمدد أو التوسع من خلال الروابط المتينة التي يحتفظ بها مع تنظيمات إسلامية متعددة في أماكن مختلفة من العالم، منها الجهاديون في بلاد الرافدين الذين أعلنوا عن الدولة الإسلامية في العراق، والجماعة الإسلامية في جنوب شرق آسيا، والحركة الإسلامية في أوزبكستان، وتنظيم المجاهدين في شمال القفقاس، والتنظيمات الجهادية الإسلامية في فلسطين، وتنظيم "القاعدة" في صحراء سيناء، وتنظيم بوكو حرام في نيجيريا، بل حتى مع مسلمي الإيغور في الصين.
وتحدث عطوان عن استفادة"القاعدة" من الثورة المعلوماتية وامتلاكه قدرات فنية رفيعة في مجال الحرب الإلكترونية التي من المحتمل استخدامها في هجمات قد تكون مذهلة في المستقبل، إلى جانب الاستفادة من الربيع العربي. غير أن الكاتب يعتقد أن الجيل الجديد من رجال "القاعدة" ربما يكون أكثر تطرفا وأورد أمثلة على ذلك من الأردن. وأشار إلى أن بن لادن والظواهري كانا يبحثان إمكانية تغيير اسم التنظيم وتبني اسم جديد له يغلب عليه الطابع الإسلامي أكثر من اسم "القاعدة". 
وقال ان التنظيم يسعى لكي يصبح حزبا أو حركة سياسية على نحو شبيه بعملية التحول الحاصلة حاليا في حركة طالبان.
 
 
 
 
(لندن)
 

نعم انتصروا.. وحقهم ان يحتفلوا

الاحتفالات العفوية التي انفجرت طوال يوم امس في قطاع غزة ابتهاجا بالنصر، واعلان وقف اطلاق النار، تؤكد بالصوت والصورة ان اسرائيل خرجت خاسرة مهزومة من حرب الايام الثمانية التي شنتها على قطاع غزة.

بنيامين نتنياهو لم يتلفظ مطلقا، وطوال المؤتمر الصحافي الذي عقده مساء يوم امس الاول بحضور وزير دفاعه ايهود باراك، ووزير خارجيته افيغدور ليبرمان، لم يتلفظ مرة واحدة بكلمة الانتصار في غزة، ولم ترد الكلمة نفسها على لسان اي من جنرالاته وهيئة اركان حكمه.
في حرب كانون الاول/ ديسمبر عام 2008 لم يخرج ابناء القطاع بالآلاف، مثلما حدث بالأمس، احتفالا بالانتصار، لأنهم كانوا يدركون جيدا انها كانت حربا من اتجاه واحد، أُخذت فيها حركات المقاومة في القطاع على حين غرّة، اي لم تكن جاهزة لها، ولم تملك الامكانيات القادرة على التصدي لها بفاعلية.
في الحرب الاخيرة اختلفت الصورة وتغيرت المعادلة، وفوجئت اسرائيل، مثلما فوجئ العالم بأسره، بامتلاك المقاومة اسلحة حديثة متطورة نجحت في الحاق الذعر بالاسرائيليين في قلب تل ابيب، ومنع الجيش الاسرائيلي من تنفيذ تهديداته باجتياح القطاع.
نتنياهو هو الذي استجدى وقف اطلاق النار، بدليل انه ومثلما تبيّن من نص اتفاق وقف اطلاق النار، لم ينجح في فرض اي من شروطه، وجاءت التهدئة مقابل التهدئة، في بداية تحقيق توازن في الرعب، كان منعدما طوال السنوات الماضية من عمر الصراع.
' ' '
النصر مسألة نسبية، فهناك انتصار معنوي، وآخر عسكري، وثالث سياسي، والمقاومة نجحت في تحقيق الثلاثة، او اثنين منها على الأقل، وتعادلت في الثالث، اي انتصار سياسي تمثل في فرض نفسها قوة تفاوضية صلبة في جهود وقف اطلاق النار، وانتصار معنوي نفسي عندما صمدت في المواجهة بصلابة، ولم تنهر او تستسلم طوال ايام القصف، والأهم من ذلك توحيد الشعب الفلسطيني والعالم الاسلامي بأسره خلفها، اما التعادل فيمكن القول مجازيا انه تحقق في الميدان العسكري.
حرب غزة اثبتت عمليا ان نتنياهو لا يملك القرار المستقل، سواء في المجالات الاستراتيجية عندما فشل في تنفيذ تهديداته بضرب ايران في هجوم احادي منفرد، او في المجالات التكتيكية في الغلاف الفلسطيني المحدود، عندما لم يجرؤ على غزو قطاع غزة بريا، واضطر للرضوخ لمعطيات المفاجآت العسكرية للمقاومة، والإذعان لجهود الرئيس اوباما وضغوطه للقبول باتفاق التهدئة، للحيلولة دون الوقوع في مصيدة قد لا يعرف كيف يخرج منها في غزة، وتدمير اهم اركان السياسة الخارجية الامريكية، وقلب سلم اولوياتها في المنطقة العربية.
نحن امام عملية تصحيح استراتيجي للمفاهيم والتوازنات السياسية على الارض، اول اضلاعها عدم قدرة اسرائيل على املاء شروطها، وفرض الوقائع على الارض حسب مصالحها. فقد هاجمت غزة مرتين في غضون اربع سنوات، ولم تنجح في وقف الصواريخ، او انهاء ظاهرة المقاومة المتصاعدة فيها، مثلما فشل حصارها الخانق، الذي يتآكل حاليا، في منع وصول الاسلحة الحديثة المتطورة.
لا احد يستطيع ان يتنبأ بعمر هذه الهدنة الجديدة، اي كم ستطول او تقصر، ولكن ما يمكن التنبؤ به بكل ثقة، ان المقاومة باتت في حال معنوية عالية، وثقة اكبر على تحقيق انتصار اكبر في المرة المقبلة، ثم ان توقفها مؤقتا في غزة لا يعني عدم استئنافها من سيناء او اي مكان آخر.
' ' '
في المواجهة الاخيرة وصلت الصواريخ الى قلب تل ابيب والقدس، وتلكأت الدبابات الاسرائيلية في دخول القطاع او الاقتراب من حدوده خوفا من صواريخ 'كورنيت' المضادة للدروع، ولن نستغرب لو امتلكت المقاومة صواريخ مضادة للطائرات، فمن زودها بالصواريخ الاولى التي غيّرت المعادلات، لن يتردد في تزويدها بالصواريخ الثانية، او هكذا يقول منطق الاشياء، والمقصود هنا ايران التي شكرها السيدان خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس، ورمضان عبدالله شلّح امين عام حركة الجهاد الاسلامي، في مؤتمرهما الصحافي المشترك، اعترافا بجميلها على حد قولهما.
انها حرب طويلة، في صراع عقائدي وجودي، بين الحق والباطل، ولن نستغرب او نستبعد ان نفيق ذات صباح على جولة جديدة، واكثر شراسة من الاولى، فالتهدئة ليست حلا للصراع، وانما تأجيل او تجميد لاحدى حلقاته، فطالما هناك ظلم واضطهاد وحصار واستيطان واذلال، سيستمر الاحتقان، وسيأتي عود الثقاب الذي يفجره، على شكل صاروخ او عملية اغتيال غادرة، لكن المواجهة المقبلة ستكون حتما مختلفة، وقد تكون في الضفة المنتفضة، او القطاع الملتهب، او الاثنين جنبا الى جنب.
انها معجزة المقاومة الفلسطينية المستمرة، والتي لا يمكن ان تُقهر مهما بلغت آلة القتل الاسرائيلي من فتك، ومهما تكالب العالم الغربي، وبعض العرب الرسميين على دعمها.
 
Twitter:@abdelbariatwan
 

ما بعد التهدئة اخطر

اصبت بخيبة امل كبيرة عندما لم أجد رفع الحصار عن قطاع غزة احد البنود الرئيسية في اتفاق التهدئة الذي جرى اعلانه امس في القاهرة، بحضور السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الامريكية، ولكن الأمر اللافت ان المقاومة لم تستسلم، ولم تخضع للشروط الاسرائيلية الابتزازية، وخاصة تلك التي تطالب بهدنة طويلة غير مشروطة، وتسليم الاسلحة، ومنع تهريب الصواريخ.

القصف الوحشي الاسرائيلي للقطاع الذي اسفر عن استشهاد 161 شخصا، وما يقرب من الألف جريح لم يحقق الهدف منه، اي القضاء على مخزون المقاومة من الصواريخ واغتيال قياداتها، بل ما حدث هو العكس تماما، فقد عزز شرعية هذه القيادات ونهجها السياسي، ووضعها على الخريطة الاقليمية والدولية بقوة، بينما تراجعت حظوظ السلطة الوطنية الفلسطينية المعتدلة، التي نبذت 'الارهاب' واعتمدت التفاوض كطريق للسلام.
' ' '
متغيرات عديدة برزت بقوة وسط الدمار المادي والخسائر البشرية التي وقعت في قطاع غزة، يمكن رصدها والتأكيد على اهميتها في الوقت نفسه، والتأثيرات التي ستترتب عليها، في ما هو قادم من ايام:
اولا: نتنياهو كشف عن سوء تقديره وغبائه السياسي عندما اعتقد ان الشعب في القطاع، ومعه رجال المقاومة، سيهربون 'هلعا' من شدة القصف، مثلما كان عليه حال جيوش عربية رسمية، وما حدث هو النقيض تماما، فلم يهرب احد، وكان القادمون الى القطاع عبر الحدود عشرات بل مئات اضعاف مغادريه، ومعظم المغادرين كانوا من طالبي العلاج في المشافي المصرية نتيجة اصابتهم.
ثانيا: تمرّد الضفة الغربية واهلها الشرفاء ضد حالة الجمود الوطني التي فرضتها السلطة وقــــوات امنها على مدى السنوات العشر الماضية تقريبا، وشاهدنا مئات الآلاف مـــن ابناء الضفة يتدفقون الى الحواجز، ويصطدمون بقوات الاحتلال، ويلحقون خسائر بشرية في صفوفهم، ويقدمون الشهداء تضامنا ومساندة لابناء القطاع، في خطوة تضــامنية اعـــادت التأكيد، وبقوة، على وحدة المصير، ووحدة الكفاح بأشكاله كافة، وقد توقفت طويلا عند مشاركة بعض افراد الأمن، وقيادات من 'فتح' في هذه الاحتجاجات، مما يعني ان 'ثقافة الجنرال دايتون' و'السلام الاقتصادي' بدأت تتهاوى.
ثالثا: عودة القضية الفلسطينية بقـــوة، وعلى مـــدى ايام الحرب الثمانية، الى الواجهة السياسية العالمية والاقليمية بقوة، بعد ان تراجعت بفعل ثورات الربيع العربي، ومحاولة بعــض الحكومات العربية 'المعــتدلة'، حـــرف الانظـــار عنـــها، واستبدال ايران بإسرائيل كعدو اول للأمة. فكلينتون طارت الى المنطقة للمرة الاولى منذ عشرين شهـــرا من اجـــل التوصل الى التهـــدئة، وهي التي كانـــت تزورها من اجل قضايا عربية اخرى تراها اكثر الحاحا، ليس من بينها الاحتلال الاسرائيلي. ولا ننسى اتصالات رئيسها باراك اوباما بقادة المنطقة، وهرولة بان كي مون امين عام الامم المتحدة الى القاهرة.
رابعا: احــــياء ظاهرة العمــــليات الاستشهادية في قلــــب تل ابيب، وربما مدن اخرى، وهي ظاهرة اختفت منذ 15 عاما، وشاهدنا قنبلة تلقى على حافلة وتصيب 19 اسرائيليا، بعضهم في حال خطرة.
خامسا: سقوط خــــيار الحرب البــــرية الذي استخدمته اســــرائيل سيفا مسلطا على رقاب الشعب الفلسطيني، بسبب توازن الرعب الناجم عن وجود صواريخ مضادة للدبابات، وتصاعد احتمالات خطف او أسر جنود اسرائيليين في حال حدوث مثل هذا الاجتياح.
' ' '
اسرائيل تفرض الحصار على القطاع تحت ذريعة منع وصول الاسلحة، وها هي تكتشف عمليا، ان هذا الحصار فشل في هذه المهمة، وان ما خسرته المقاومة من صواريخ ستعوضه في اسابيع معدودة، وربما بأنواع اكثر قوة وابعد مدى، ولن نستغرب ان تضاف الى المجموعة صواريخ مضادة للطائرات.
هناك نظريات تآمرية عديدة تتردد في بعض الاوساط حول وجود صفقة بين حماس واسرائيل، لتعزيز مكانة الاولى، وابراز مكانة حليفها الاخواني الرئيس المصري محمد مرسي، من خلال الحرب الاخيرة، والرد عليها بسيط وهو ان حركة حماس ليست الوحيدة في القطاع، كما ان قيادتها التي قدمت ابناءها شهداء لا يمكن ان توقع صفقات على حساب الشعب الفلسطيني، ومضافا الى ذلك ان العملية الفدائية التي اشعلت هذه الحرب نفذتها خلية تابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي جبهة علمانية قومية.
المقاومة هي التي فرضت على نتنياهو، وهي التي كسرت كبرياءه وغروره، عندما اجبرته على توقيع اتفاق التهدئة بعد تلكؤ، وتحدته ان يقدم على تنفيذ تهديداته باجتياح قطاع غزة، والأكثر من ذلك لم تكتفِ بضرب تل ابيب بالصواريخ، وانما بتنفيذ عملية استشهادية في قلبها، في رسالة مفادها انها قادرة على الوصول اليه من الجو وعلى الارض معا، وربما من البحر في المستقبل.
شهر العسل الاسرائيلي مع الهدوء والاستقرار والرخاء الاقتصادي اوشك على نهايته، وبدأت الابقار السمان تهزل مقدمة للاختفاء، فقد اوشكت دورة الاذعان الفلسطيني والعربي من الوصول الى نقطة النهاية، لتعود بعدها دورة المقاومة وبقوة، ليس في القطاع فقط، وانما في الضفة، وربما جنوب لبنان والاردن ايضا.
نعم.. اعترف انني مغرق بالتفاؤل، وقد ابدو مغرّدا خارج سرب الهوان والاذعان السائد حاليا، ولكنني قارئ جيد للتاريخ، ومستوعب اجود لدروسه وعظاته، فمن يجرؤ على الحديث عن السلام ومعاهداته ومبادراته بعد وصول صواريخ المقاومة الى معظم المدن الاسرائيلية، وخاصة القدس المحتلة ومستوطناتها حتى في الاحلام؟!
Twitter:@abdelbariatwan
 

حرب الأيام السبعة المجيدة

ستدخل حرب الايام السبعة الماضية تاريخ الصراع العربي ـ الاسرائيلي على انها اكثر حروب اسرائيل فشلا، لأن اياً من اهداف هذه الحرب لم يتحقق، بل ما حدث هو العكس تماما، وخرجت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة منتصرة عسكريا وسياسيا.

بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل وصل الى سدة الحكم بناء على وعدين اساسيين، الاول انه لن يتفاوض مطلقا مع حركتي حماس والجهاد الاسلامي، وسيدمر دولة الاولى ويزيلها من الخريطة بشكل نهائي.
السيدان خالد مشعل (حماس) والدكتور رمضان عبدالله شلح (الجهاد الاسلامي) كانا في قلب المفاوضات مع اسرائيل، عبر الوسيط المصري، يدققان في كل حرف في اتفاق التهدئة المقترح، وحكومة حماس في قطاع غزة ستستمر في الحكم، وبصورة اقوى مما كان عليه الحال قبل هذه الحرب.
هذه هي المرة الاولى، ومنذ بدء الصراع، تستجدي الحكومة الاسرائيلية اتفاقا لوقف اطلاق النار، وتعطي فرصة للجهود الدبلوماسية للتوصل الى حلّ سلمي للأزمة، وهي التي لم تؤمن، بل لم تحترم الدبلوماسية، وتفضل استخدام القوة اولا لخلق وقائع على الارض تعززها لاحقا باتفاقات سياسية.
مسلسل تهديدات نتنياهو الكاذبة انتهت آخر حلقاته بطريقة مأساوية في قطاع غزة، ولن يصدّقه احد بعد اليوم عندما يتوعد بضرب المنشآت النووية في ايران، او تدمير القدرات العسكرية لحزب الله في جنوب لبنان، فقد ثبت ان الرجل اجبن من ان يخوض حربا ضد اعدائه، واكثر جبنا في انجاز اي اتفاق سلام. رجل يجيد الجعجعة فقط، ولا يقدم اي طحن.
نتنياهو قبل باتفاق التهدئة ودون ان ينجح في فرض شروطه كاملة على الطرف الآخر، لانه لا يريد التوغل بريا، ولو جزئيا في قطاع غزة، لأنه مرعوب من المفاجآت التي يمكن ان تنتظره، تماما مثلما فاجأته صواريخ المقاومة بالوصول الى تل ابيب.
فإذا كان صاروخ 'فجر 5' الذي لا تزيد تكلفة صنعه عن خمسة آلاف دولار اخترق 'القبة الحديدية' التي يكلّف الصاروخ الواحد فيها 50 الف دولار واكثر، وكشف ضعفها، وهي التي كلّفت المليارات، فإن شقيقه صاروخ 'كورنيت' المضاد للدبابات هو الذي منع نتنياهو وجنرال دفاعه ايهود باراك من حماقة اجتياح قطاع غزة.
*** 
نكتب هذه الكلمة قبل اعلان بنود اتفاق التهدئة، ومن المؤكد ان بعضها سيكون لمصلحة اسرائيل، وهذا امر طبيعي ومتوقع، ولكن بعضها الآخر، وهو الأكثر اهمية، هو لمصلحة المقاومة، وتثبيت لشرعيتها العسكرية اولا، والسياسية ثانيا.
قطاع غزة دفع ثمنا باهظا لهذين الانجازين السياسي والعسكري من دماء ابنائه وارواحهم، وهذا أمر مؤلم بكل المقاييس، فهؤلاء الشهداء والمصابون اهلنا وابناؤنا، ولكنها حرب فرضت عليهم من قبل عدو ارهابي متغطرس، وفي ظل خذلان رسمي عربي مخجل.
الحكومات العربية، ونقولها وفي حلقنا مرارة، لا تخوض الا حروب امريكا، ولا تسلح الا من تريد السيدة هيلاري كلينتون تسليحه ودعمه، ومن المؤكد ان المقاومة الفلسطينية لا تندرج في هذه الخانة، والحرب في غزة هي حرب اسرائيلية ـ امريكية ضد الشرفاء المحاصرين المجوّعين الذين يفضحون خنوع الزعماء العرب لهذه السيدة العجوز.
يكفي اهل غزة فخرا انهم صمدوا ولم يستنجدوا بأي زعيم عربي لانقاذهم ، واحبطوا مخططات حكومة نتنياهو التي عبّر عنها نائبه ايلي بيشاي، الذي كان اكثر نازية من النازيين عندما هدد وتوعّد بإعادة غزة الى العصور الوسطى، اي تدميرها بالكامل.
نشعر بالحزن والألم عندما نضع الرئيس الفلسطيني محمود عباس وسلطته في خانة الخاسرين من هذه الحرب، فلم يرتقِ الى مستوى هذه اللحظة التاريخية، ويقدم على مواقف شجاعة ينقلب من خلالها على كل مواقفه السابقة التي لم تقده والسلطة الاّ الى المزيد من الإهانات والاذلال.
فحتى التنسيق الأمني الذي كان الورقة الاقوى في يده قد احرقتها هذه الحرب، عندما وصلت صواريخ الإيمان، الذي عمل طوال الوقت وقوات أمنه على منع وصولها الى مدن الضفة، الى قلب مستوطنات القدس المحتلة، قادمة من غزة العزة والكرامة، ولا نستغرب ان تكون في المرة المقبلة اكثر دقة في اصابة اهدافها، لأنها لم تكن، ولم تعد صواريخ عبثية.
كان محزنا ان يكون الرئيس عباس مهمشا في هذه الحرب، مثلما كان مهمشا في مفاوضات انهائها، وبعيدا عن القاهرة التي شهدت كل جولاتها، وان كان يسجل له القيام ببعض الجهود مثل الدعوة لعقد قمة عربية، وعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، وهي جهود لم تجد آذانا صاغية.
يستطيع الرئيس عباس ان يقلب الطاولة على الجميع، وان يستعيد مكانته بقوة، اذا ما قرر ادارة ظهره للعشرين عاما الماضية التي قضتها سلطته في المفاوضات العبثية، والعمل من اجل المصالحة، وتعزيز الوحدة الوطنية على ارضية المقاومة.
الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية كان رائعا في انتفاضته التضامنية مع اهل القطاع، عندما خرج بالآلاف باتجاه الحواجز والمستوطنات الاسرائيلية لخوض مواجهات دموية اسفرت عن سقوط اسرائيليين واصابة العديد من الجرحى، متحديا أمن السلطة والأمن الاسرائيلي في آن.
*** 
نعم خسر الشعب الفلسطيني مئة وعشرين شهيدا مقابل خمسة او ستة اسرائيليين في هذه الحرب، وهي نسبة مرعبة ومؤلمة، تعيد التأكيد مجددا على الفارق الكبير في موازين القوى لمصلحة العدو، ولكن نقطة التحول الكبرى تكمن في التقدم النوعي للمقاومة، والضرر المعنوي الأكبر الذي لحق بالاسرائيليين. فليس المهم امتلاك صواريخ تصل الى تل ابيب، فالحكومات العربية تملك عشرات، بل مئات الآلاف منها، ولكن المهم هو وجود الإرادة لإطلاقها، دون خوف او قلق، ويشهد الله ان المقاومة امتلكت هذه الإرادة التي تنقص كل الزعماء العرب الأحياء (الاستثناء الوحيد هو الرئيس الراحل صدام حسين رحمه الله).
ولا ننسى، ونحن نضع قوائم الرابحين والخاسرين، ايران التي حشرت في خانة الكاسبين، عندما اعلن السيد زياد النخالة نائب الامين العام لحركة الجهاد الاسلامي، ان كل صاروخ وطلقة رصاص اطلقتها حركته باتجاه اسرائيل هي ايرانية الصنع، فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله ،على حد قوله. ولا شك ان كلامه هذا سيغضب الكثيرين الذين حاولوا جعل ايران العدو الاكبر للعرب والمسلمين.
ايام سبعة تاريخية مجيدة، بثّت الرعب والخوف في نفوس الاسرائيليين، وانزلت مئات الآلاف، ان لم يكن الملايين منهم، الى الملاجىء في تل ابيب والقدس وبئر السبع وعسقلان واسدود وسيدروت لعدة مرات في اليوم الواحد، ولأول مرة منذ اغتصاب فلسطين، وهذا لعمري نقطة تحول رئيسية منذ اغتصاب فلسطين، تؤكد ان العد العكسي لنهاية عصر الهوان والاذلال العربي قد بدأ وبسرعة اكثر مما نتوقعها.
الشعب الفلسطيني كله، وليس في غزة فقط، سيكون مختلفا بعد هذه الحرب عما قبلها، والحال نفسه ينطبق على اسرائيل ايضا، وبغض النظر عن توقيع اتفاق الهدنة من عدمه.
Twitter:@abdelbariatwan
 

عبدالباري عطوان للمنار _ما اخشاة على غزة هم الاعراب

عبدالباري عطوان للمنار _ما اخشاة على غزة هم الاعراب

نريد جيوشكم.. لا دموعكم

ابناء قطاع غزة الذين يتعرضون للقصف الصاروخي والغارات الاسرائيلية ليل نهار يجب ان يغلقوا الأبواب في وجه الوفد الذي يرأسه امين عام جامعة الدول العربية، ويضم وزراء خارجية عدة دول عربية، وان يطالبوهم بالعودة من حيث اتوا.

اهل القطاع لا يريدون 'سياحا' بمرتبة وزراء خارجية، او امين عام للجامعة، يأتون الى قطاعهم من اجل الادعاء كذبا بأنهم يحسّون بمعاناتهم، وجاءوا من اجل اظهار مشاعر الود والتضامن تجاههم.
هؤلاء لم يقدموا فلسا واحدا للقطاع، ولم يعمّروا بيتا تهدم اثناء العدوان الاسرائيلي شتاء عام 2006، ولم يكسروا حصارا خانقا ومذلا مستمرا منذ عشر سنوات، فلماذا يستقبلهم ابناء القطاع بالترحيب، ويفرشون لهم السجاد الاحمر الملون بدماء شهدائهم وجرحاهم؟
اهل القطاع لا يريدون الشفقة، ولا الكلام المعسول، وانما اسلحة حديثة متطورة يدافعون بها عن اطفالهم وكرامتهم، في مواجهة ارهاب اسرائيلي حصد حتى كتابة هذه السطور ارواح اكثر من ثمانين انسانا، نسبة كبيرة منهم من الاطفال.
لماذا لا يتزاحم هؤلاء، مثلما رأيناهم في الاسابيع الاخيرة، على تقديم صواريخ 'ستينغر' المضادة للطائرات الى فصائل المقاومة في القطاع، حتى يحيّدوا سلاح الجو الاسرائيلي، ام ان هذه الصواريخ 'حرام' ان تستخدم ضد الاسرائيليين، وان تحمي الفلسطينيين المسلمين 'السنّة'؟
' ' '
نسأل ايضا كبار علماء المسلمين وجمعياتهم عن اسباب عدم صدور فتاوى بالجهاد في فلسطين، وبدء حملات لجمع التبرعات لنصرة المجاهدين في فلسطين، وتسخير المساجد ومنابرها في هذا الصدد.
نشعر بالمرارة والألم ونحن نشاهد الغالبية الساحقة من وزراء الخارجية العرب وقد تغيّبوا عن اجتماع دعت اليه الجامعة متلكئة، من اجل بحث ما يجري في القطاع من مجازر على يد الاسرائيليين وطائراتهم ودباباتهم وصواريخهم.
اهالي قطاع غزة لا يريدون وزراء خارجية الدول العربية كوسطاء، وانما كأهل وشركاء، فالوساطة للأجانب، وللأمين العام لجامعة الدول العربية، وليس لأبناء الدم الواحد، والعقيدة الواحدة، والهمّ المشترك.
السيد رجب طيب اردوغان رئيس وزراء تركيا لم يقل غير الحقيقة عندما اكد اثناء زيارته للقاهرة ان جامعة الدول العربية لم تفعل شيئا من اجل الفلسطينيين في قطاع غزة، ونزيد عليه بالقول انها تآمرت بصمتها على الحصار ومبادرة سلامها المغشوشة على هؤلاء، وتواطأت بخنوعها مع الاستيطان والحفريات الاسرائيلية في القدس المحتلة.
ابناء قطاع غزة، وللمرة الثانية وربما العاشرة، يكشفون الوجه الارهابي البشع لإسرائيل امام العالم بأسره، بتضحياتهم ودماء اطفالهم الشهداء، ويبثون الرعب بصواريخهم في نفوس اكثر من خمسة ملايين اسرائيلي.
لأول مرة ومنذ بدء الصراع العربي ـ الاسرائيلي قبل سبعين عاما، يحدث توازن الرعب، ويتذوق الاسرائيليون المرفهون المدلّلون طعم الخوف والرعب، ولم يعـــــد هـــذا حكـــــرا على ابناء الشعب العربي فقط، وهذا اكبر انجاز لهذا الصمود الاسطوري.
السيد خالد مشعل كان صادقا عندما اعلن في مؤتمره الصحافي في القاهرة امس ان بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل هو الذي يطلب الهدنة ووقف اطلاق النار، لأنه يدرك جيدا الأخطار والخسائر السياسية والبشرية التي يمكن ان تلحق به وكيانه، فيما لو استمر بالقتل وارتكاب المجازر، او ارسل دباباته لغزو القطاع.
الضفة الغربية بدأت تنتفض، وانتفاضتها بدأت تهزّ الارض تحت قدميه ومستوطنيه، ونرى بوادر صحوة في اوساط السلطة، وعودة الى الينابيع من خلال نداءات الوحدة وإنهاء الانقسام، والتخندق في خندق المقاومة بأشكالها كافة، ونتمنى ان تكون هذه المبادرات والإشارات بداية صفحة جديدة، وليس لامتصاص احتقان الشارع الفلسطيني في مدن وقرى الضفة الغربية.
' ' '
الشعب الفلسطيني لم يعد يخاف الموت او يخشاه، ولن يتوقف عن المقاومة حتى ينال حقوقه كاملة دون نقصان، والعد التنازلي في هذا المسار قد بدأ بوصول اول صاروخ 'فجر 5' الى قلب مدينة تل ابيب، وهو الصاروخ الذي سطّر صفحة جديدة في التاريخ، وكسر كل ما قبله من معادلات.
من هنا فإننا نحذر من قبول فصائل المقاومة وقفا لاطلاق النار بشروط اسرائيلية وضغط عربي، وحتى لو كان المقابل رفعا جزئيا او كليا للحصار، فالسلاح الفلسطيني هو للدفاع عن النفس في مواجهة آلة ارهابية عسكرية اسرائيلية جبارة، لا تلتزم بأي معايير اخلاقية او انسانية، والدفاع عن النفس حق مشروع كفلته كل المواثيق الدولية.
ختاما نكرر مطالبتنا لأبناء القطاع الصامدين المرابطين، بإعادة وزراء الخارجية العرب من حيث اتوا، ولكن بأدب جمّ، وابلاغهم انهم مرحب بهم اذا ما عادوا مرة اخرى حاملين صواريخ 'ستينغر' وغيرها، الكفيلة بالتعاطي بفاعلية مع الدبابات والبوارج الاسرائيلية البحرية التي تقصف القطاع وابناءه، وتشدد الحصار عليه.
يعفّ لساننا عن قول كلمة 'اطردوهم' تأدبا، وان كانوا يستحقون ما هو اكثر من ذلك.
Twitter:@abdelbariatwan