العراق

شهران من القصف الجوي والهجوم البري لم يخرجا “الدولة الاسلامية” من “كوباني” الصغيرة.. فكيف سيكون السيناريو في الموصل والرقة؟ وهل سيشهد يوم الاحد انقلابا في الاستراتيجية الامريكية؟

عبد الباري عطوان

لا بد من التحلي بأصول المنطق، والابتعاد عن المكابرة والاعتراف دون تردد، بأن القصف الجوي الامريكي الذي دخل قبل ايام معدودة شهره الثالث، لمواقع “الدولة الاسلامية” وتجمعاتها في العراق وسورية، لم يحقق اي من اهدافه في اضعافها حتى الآن على الاقل، بل بات يعطي نتائج عكسية تماما، ابرزها تخفيف الضغوط على قوات النظام السوري في جبهات القتال، والصاق تهمة، “العمالة” وافتقاد المصداقية، بالمعارضة السورية المسلحة والمعتدلة، مثلما صرح لمراسل صحيفة “الفايننشال تايمز″ البريطاينة السيد احمد ابو عماد المتحدث باسم حركة “حزم” التي تلقت دعما عسكريا وماليا من الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج العربي، في تقرير مطول نشرته (اليوم) الخميس.
فعندما تستطيع هذه “الدولة” ارسال خلية انتحارية الى قلب مدينة اربيل عاصمة اقليم كردستان العراق التي نعمت بالامان على مدى عشر سنوات، وتفجر سيارة مفخخة يقودها انتحاري امام محافظتها، تقتل اربعة وتصيب العشرات، وعندما تستطيع قواتها، ودون اي غطاء جوي، الصمود لشهرين في مدينة “عين العرب ـ كوباني” السورية، فهذا يعني انها لم تضعف او تتراجع، وانما تتقدم فعلا.
***
فاذا كان “الحسم” الامريكي المدعوم بطائرات من احدث ما يوجد في الترسانة الامريكية من طرازات، ومقاتلين من البشمرغة والجيش الحر ووحدات الدفاع الكردية ما زال صعبا بعد شهرين من القتال والقصف باعتراف معظم الخبراء الاستراتيجيين فكم سيستغرق الامر لاستعادة مدن مثل الرقة او الموصل او دير الزور؟
نحن لا نمجد بـ”الدولة” وقدراتها، وندرك جيدا انها ما زالت حديثة العهد، ولا يمكن ان تقارن قوتها العسكرية بقدرات امريكا العظمى والتحالف الخمسيني الذي شكلته (امريكا) لمواجهتها ويضم خمس دول عربية، ولكننا نحاول ان نرسم صورة للواقع كما هو دون بهرجة، في ظل كم هائل من المعلومات المغلوطة والمضللة.
لا ننكر مطلقا ان القوات العراقية حققت تقدما على بعض الجبهات حيث نجحت في كسر الحصار الذي كان مفروضا من قوات الدولة على مصفاة بيجي التي تنتج ستين في المئة من احتياجات الشعب العراقي من المحروقات، وهذا تقدم لا يجب انكاره، ولكن ما زالت هناك اخفاقات سياسية وعسكرية، فعملية اعادة تأهيل الجيش العراقي لم تبدأ بعد، والثقة في حكومة السيد حيدر العبادي لم تكتمل رغم مرور اكثر من شهر على تشكيلها، ومسألة بناء قوات “حرس وطني” او “صحوات” من قوات العشائر تواجه بفتور وبالكثير من السخرية”.
الاستراتيجية الامريكية في العراق وسورية، وليس تجاه “الدولة الاسلامية” فقط قد تتغير كليا، ولا نستبعد اقدام الولايات المتحدة على ارسال قوات برية الى العراق.
نقطة الصفر في هذا الاطار المفاوضات الجارية حاليا بين ايران والدول العظمى الست حول البرامج والمفاعلات النووية الايرانية وانتاجها من اليورانيوم المخصب، وهذه المفاوضات التي بدأت جولتها الاخيرة في فيينا وتنتهي يوم الاحد المقبل، تقف حاليا على حافة الانهيار الا اذا جرى الاتفاق على تمديدها وهذا احتمال جدا ضعيف حتى الآن.
الانهيار يعني العودة الى التوتر العسكري، ومرحلة ما قبل الاتفاق الامريكي الايراني الذي جرى التوصل اليه في مباحثات سرية في مسقط، حيث كان الحوار بالغواصات، وحاملات الطائرات، والسفن الحربية، وبيع صفقات تسليح لدول الخليج بأكثر من 130 مليار دولار استعدادا للحرب التي جرى تصويرها بأنها حتمية في حينها.
اما التوصل الى اتفاق، فقد يعني تحول ايران الى القوة الاقليمية العظمى والحاكم الفعلي في المنطقة التي يعتمد عليها الغرب في ادارته لشؤونها (اي المنطقة) وحفظ الامن فيها.
الانفراج في الازمة الداخلية الخليجية الذي انعكس في اتفاق الرياض “التكميلي” لا يمكن النظر اليه بمعزل عن تطورات المفاوضات هذه، فهو مؤشر قوي على ما يمكن ان يحدث في المرحلة المقبلة حيث ستكون ودول الخليج حتما لاعبا رئيسيا في حالة التوتر او حتى الحرب، وضحية كبرى في حال التوصل الى اتفاق.
***
فمن يتابع الهجمة الدبلوماسية الامريكية الحالية على تركيا يمكن ان يكمل عناصر الصورة التي تحدثنا عنها آنفا، ففي الوقت الذي يغادر فيه جون الن المبعوث العسكري للرئيس باراك اوباما انقرة، يحط الرحال فيها نائب الرئيس الامريكي جوزيف بايدن في زيارة تستمر ثلاثة ايام تدور كلها حول كيفية مواجهة “الدولة الاسلامية” فهل ستكون الشروط التركية التي طالب الرئيس اردوغان بتلبيتها قبل اي انخراط في هذه المواجهة في هذه المواجهة على قمة جدول الاعمال؟ وهل جرى تأخير التجارب معها متعمدا انتظارا للمرحلة المقبلة وتطوراتها؟
في تقديرنا ان المشاركة التركية من عدمها ستتضح في الايام القليلة المقبلة، وعلينا ان لا ننسى مطلقا ان انقرة عضو مؤسس في حلف “الناتو”.
ثلاثة ايام حاسمة في تاريخ المنطقة سلما او حربا، فعندما يقول جون كيري وزير الخارجية الامريكي انه لا تمديد للمفاوضات النووية ولا بد من اتفاق يوم الاحد، فان علينا ان نضع ايدينا على قلوبنا تحسبا للأسوأ على المدى القصير وربما الافضل على المدى الابعد، ولا شيء يمكن استبعاده في منطقتنا التي تعتبر الوحيدة في العالم التي يصعب، بل يستحيل التنبوء بمفاجآتها!

اوباما يمهد من استراليا لتدخل بري واسع في العراق وسورية تحت “ذريعة” محاربة “الدولة الاسلامية” في حال سيطرتها على اسلحة نووية.. اين هذه الاسلحة؟ ومن غير اسرائيل يملكها؟ ولماذا هذا الشرط الآن؟

عبد الباري عطوان
من يعيش في الغرب، ويتابع اساليب الحكومات في التمهيد التدريجي، او تسويق مواقف سياسية وعسكرية معينة للرأي العام، يدرك جيدا ان الرئيس الامريكي باراك اوباما عندما يقول في مؤتمر صحافي عقده على هامش قمة العشرين الاقتصادية في مدينة بريزبين الاسترالية اليوم (الاحد) “لن نتردد في ارسال وحدات برية الى المنطقة في حال سيطرت قوات “الدولة الاسلامية” على سلاح نووي مثلا، لكننا نريد ان تتولى قوات الامن العراقية مهامها”، فإن هذا يعني، وللوهلة الاولى، ان القرار بإرسال قوات امريكية الى العراق وسورية ربما جرى اتخاذه مبكرا وينتظر الذريعة، واننا على ابواب مرحلة التنفيذ.
الرئيس اوباما ضاعف عدد القوات الامريكية البرية في العراق الى 3100 جندي، واكد قبل اسبوع ان العدد سيرتفع، وان قوات اخرى في الطريق، وبرر ارسال هذه القوات، قديمها وجديدها لتدريب الجيش العراقي واعادة تأهيله عسكريا حتى يتمكن من التصدي لقوات “الدولة الاسلامية”.

***

لا نعتقد ان تدريب القوات العراقية يحتاج الى هذا العدد الضخم من المدربين والمستشارين، الا اذا كان تعداد هذا الجيش سيصل الى الملايين من الضباط والجنود، ونرجح ان هناك خطة امريكية عراقية مشتركة، لعودة قوية للتدخل العسكري الامريكي في العراق وسورية، ولكن من “نافذة” محاربة “الدولة الاسلامية”، اي انها لن تكون قوات غازية وانما صديقة، ولكن ما هو الثمن الذي تنتظره واشنطن؟
ما يجعلنا نميل الى هذا الاعتقاد عدة مؤشرات على درجة كبيرة من الاهمية نلخصها في النقاط التالية:
ـ اولا: هناك اجماع في اوساط معظم المحللين العسكريين الامريكيين بأن القصف الجوي الامريكي لتجمعات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية لم يحقق الا القليل من النجاح في اضعافها والحد من قوتها، وانه لا بديل عن وجود قوات على الارض.
ـ ثانيا: توارد انباء كثيرة، ذات مصداقية، من مصادر غربية عن قيام “المستشارين” الامريكيين بمرافقة القوات العراقية في حربها لاستعادة مدن وبلدات في اقليم الانبار، وكذلك فك الحصار عن مدينة بيجي حيث توجد مصفاة النفط التي توفر ستين في المئة من احتياجات البلاد من المشتقات النفطية الضرورية مثل البنزين والمازوت.
ـ ثالثا: زيارة الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة اركان الجيوش الامريكية فجأة الى العراق، وتقدمه بعرض لاشراك قوات امريكية في المعارك التي قد تنطلق في الاماكن الخطرة (نينوى والحدود العراقية السورية) ضد تنظيم الدولة الاسلامية وهو العرض الذي قال السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي انه رفضه.
ـ رابعا: رفض معظم اعضاء التحالف من العرب، مثل المملكة العربية السعودية والاردن والامارات وقطر علاوة على تركيا ارسال قوات برية الى العراق وسورية، ورفض السيد العبادي في المقابل وجودها على ارض بلاده لانه يعتقد “ان العراق لا يحتاج الى اي قوات اجنبية برية، وان الجيش العراقي، مدعوما بالحشد الشعبي وابناء العشائر قادر على انجاز مهامه دون تدخل خارجي”.
تصريحات السيد العبادي حول رفض اي قوات ارضية امريكية ربما تأتي للتغطية على اتفاق جرى التوصل اليه فعلا اثناء زيارة الجنرال ديمبسي الخاطفة الى بغداد بأرسال المزيد من القوات الارضية الامريكية، لان نفيه لا معنى له عمليا، ويعكس تناقضا “غير مفهوم” فالقوات الامريكية الارضية موجودة فعلا وتتزايد، وهذا اولا، وثانيا لا نرى اي فرق بين قوات ارضية او جوية، فالاستعانة بقوات اجنبية قد تمت من حيث المبدأ والباقي تفاصيل.
نقطة اخرى لا يمكن تجاهلها وتتلخص في قول الرئيس اوباما انه لن يتردد في ارسال وحدات برية امريكية الى المنطقة اذا سيطرت “الدولة الاسلامية” على سلاح نووي، فأين يوجد هذا السلاح النووي حتى تسيطر عليه هذه الدولة؟ في العراق او سورية ام ايران؟
الدولة الوحيدة في المنطقة التي تملك اسلحة نووية هي اسرائيل فهل تملك “الدولة الاسلامية” وقواتها القدرة في الوقت الراهن للوصول الى مفاعل ديمونا، او مخازن الرؤوس النووية الاسرائيلية والاستيلاء عليها وكيف؟
***
لا بد ان هناك “طبخة” امريكية يجري اعدادها للمنطقة بأسرها، عنوانها عودة القوات الامريكية الى العراق، ولكن تحت ذريعة حماية المنطقة من خطر “الدولة الاسلامية”، وترددت انباء في اكثر من عاصمة غربية، ان هناك خطة مطروحة فعلا لارسال ثمانين الف جندي، اي نصف عدد القوات التي احتلت العراق عام 2003.
وربما لم يكن من قبيل الصدفة اقدام “الدولة الاسلامية” على اعدام الجندي الامريكي السابق الذي كان رهينة لديها (بيتر كاسيغ) امام الكاميرات في منطقة “دابق” وقول متحدث بإسمها انه “اول صليبي” يدفن فيها، وانها تنتظر (اي الدولة) بلهفة باقي الجنود الامريكيين لدفنهم في المنطقة نفسها.
الرئيس باراك اوباما قال في حديث لمحطة تلفزيونية امريكية ان بلاده ستنتقل الى مرحلة الهجوم في حربها ضد “الدولة الاسلامية”؟ فهل حمل الجنرال ديمبسي هذه الخطة الهجومية وتفاصيلها الى نظرائه العراقيين؟ وهل نحن امام احتلال امريكي جديد للعراق وربما سورية ايضا؟ وهل ستكرر امريكا الاخطاء نفسها ام ستتعلم منها في المرة المقبلة؟
احتمالات غرق امريكا في المستنقع الدموي العراقي السوري مرة اخرى، وبعد ثلاث سنوات من انسحابها، كبيرة، بل كبيرة جدا، وسيكون تدخلها مكلفا لها ولأهل المنطقة، قلنا هذا اثناء غزو عام 2003 ونكرره الآن دون تردد، والايام والاشهر المقبلة حبلى بالمفاجآت.

قراءة “سريعة” في الخطاب الثاني لابو بكر البغدادي: السعودية هي الهدف الاكبر.. وتحريض صريح لقتل الشيعة.. والفرحة باغتياله لم تعمر طويلا

فاجأ السيد ابو بكر البغدادي زعيم تنظيم “الدولة الاسلامية” الملايين من انصاره ومتابعيه، علاوة على اجهزة الاستخبارات العالمية التي تقتفي اثره، بظهوره في شريط “صوتي” حمل عنوان “ولو كره الكافرون” وأد من خلاله كل التقارير الاخبارية التي سربتها الحكومة العراقية في بغداد التي تحدثت عن مقتله او اصابته في غارة جوية.
توقيت هذا الظهور جاء سريعا، بل اسرع مما توقعه الكثيرون، ووضع النقاط على الحروف ليس حول الاشاعات عن مقتله، وانما حول استراتيجية “الدولة الاسلامية”، ومنظورها وخطط عملها في الاشهر والسنوات المقبلة، الامر الذي يذكر بأشرطة الشيخ اسامة بن لادن زعيم “تنظيم القاعدة” الصوتية والمرئية التي كان يصدرها بين الحين والآخر، وتتضمن توجيهاته الى انصاره.
كان لافتا ان زعيم “الدولة الاسلامية” اصدر شريطا “صوتيا” وليس “مرئيا” وربما عمد الى ذلك لاسباب امنية محضة، لان الشريط المرئي ربما يخضع لتحليل الخبراء لمعرفة مكان التصوير والاجهزة المستخدمة، وعلينا ان نتذكر ان السيد البغدادي، مثله مثل الشيخ بن لادن، يتجنب اي استخدام لاجهزة الاتصال، والالكترونيات الاخرى، مثل “الحاسوب” وغيرها، ويعتمد على الرسائل الشفوية او المكتوبة التي يحملها مبعوثوه الى اتباعه في ميادين القتال او غيرها، حتى لا يتم رصدها من قبل المخابرات الامريكية والغربية التي تحوم طائرات تجسسها وجواسيسها في اجواء المنطقة ليل نهار بحثا عن معلومة او حتى همسة ربما تفيدهم في رصد مكانه والوصول اليه.
***
اربع نقاط اساسية يمكن استخلاصها من هذه الرسالة التي استغرقت 17 دقيقة وبثتها معظم المواقع الجهادية التي تنشر بيانات الدولة وادبياتها:
ـ اولا: التأكيد على ان “الدولة الاسلامية” ستتمدد الى بلاد الحرمين (السعودية) واليمن وليبيا ومصر والجزائر ولن تتوقف مطلقا، وان جنودها لن يتركوا القتال وسيستمر زحفهم الى روما حتى لو بقي منهم جندي واحد، ولا نعرف لماذ “روما” وليس فيينا او عواصم غربية اخرى، وقد تكررت العاصمة الايطالية دون غيرها في ادبيات التنظيم.
ـ ثانيا: ركز السيد البغدادي هجومه على المملكة العربية السعودية بصورة لافتة، اكثر من الدول الاخرى، واعتبرها “رأس الافعى ومعقل الداء” بحسب قوله، الامر الذي يوضح اسباب حالة الاستنفار التي اعلنتها السلطات السعودية تحسبا لاقتحامها، وحشد اكثر من ثلاثين الف جندي بكامل عتادهم العسكري على الحدود الشمالية المحاذية للعراق (رفحة وعرعر).
ـ ثالثا: حدد زعيم التنظيم اولوياته على قتل من اسماهم بالمشركين في “جزيرة” النبي محمد “صلعم”، وقال “ان لا مكان لهم فيها”، وحرض على قتل الشيعة بقوله “عليكم اولا بالرافضة (في اشارة اليهم) حيثما وجدتموهم”، مثلما حرض على “الاسرة الحاكمة في السعودية وجنودهم من الصليبيين” على حد وصفه، وقال “مزقوهم اربا، نغصوا عليهم عيشهم، وعما قريب ان شاء الله تصلكم طلائع الدولة الاسلامية”.
ـ رابعا: اعلان قبول “بيعة” كل من بايعو “الدولة الاسلامية”، وتأكيد عزمه على اعلان قيام “ولايات جديدة” وتعيين ولاة عليها وجب لهم السمع والطاعة، وهذه اشارة الى انصار بيت المقدس (مصر)، وانصار الشريعة في درنة (ليبيا)، وجماعات اخرى متشددة في الجزائر وباكستان وسورية.
***
انه بيان حرب يحدد الاولويات، ويتوعد الاعداء، ويهدف الى رفع معنويات المقاتلين في الجبهات المتعددة من خلال التأكيد على فشل خطط التحالف الذي يقصف مواقع الدولة وتجمعاتها في سورية والعراق.
تنبؤ السيد البغدادي بنزول قوات التحالف الى الارض ومقاتلة قوات الدولة بريا ينطوي على الكثير من الصحة، والقراءة الصحيحة للخطوات المستقبلية، فمعظم المحللين العسكريين الامريكيين يؤكدون ان القصف الجوي لا يمكن ان يحسم الا هذه الحرب من “البساطير” على الارض، وهذا ما يفسر مضاعفة الرئيس باراك اوباما لاعداد قواته على ارض العراق، وبلوغها 3100 جندي، واستعداده لارسال قوات اخرى بذريعة تدريب قوات الجيش العراقي وتأهيلها للتصدي لقوات الدولة ومنع تمددها.
الحرب البرية اذا اشتعلت تعني سقوط قتلى وجرحى من الجانبين المتحاربين، والقوات الامريكية اذا ما شاركت لن تكون استثناء، وهنا تكمن نقطة ضعف الرئيس الامريكي وجنرالاته.
الاستراتيجية الامريكية المتعلقة بالحرب ضد الدولة تتخبط وتتسم بالارتباك، ويتضح ذلك بجلاء ليس فقط من خلال عدم تحقيق القصف الجوي الذي بدأ قبل شهرين اي نتائج ملموسة، وانما من خلال “ضبابيتها” ايضا، فبلامس اكد الرئيس اوباما ان القضاء على “الدولة الاسلامية” وخطرها لا يمكن ان يتحقق الا بعد القضاء على نظام الرئيس بشار الاسد نقطة الجذب الاساسية للارهابيين على حد وصف مقربين منه لـ “سي ان ان” الامريكية، وهذا يتناقض كليا مع خططه السابقة في اعطاء الاولوية للقضاء على “الدولة الاسلامية”، ويبدو انه بدأ يخضع لضغوط حلفائه في السعودية وتركيا.
خطاب السيد البغدادي الذي يعتبر الاول منذ اعتلائه منبر الجامع النوري الكبير في الموصل بعد الاستيلاء عليها في حزيران (يونيو) الماضي والقاء خطبة الجمعة التي اعلن فيها الخلافة، يجب اخذه وكل ما ورد فيه، بكل الجدية لانه يحدد ملامح “مستقبل دموي” للمنطقة بأسرها قد يغير الكثير من معادلات القوة فيها، وربما حدودها ايضا، والاهم من كل ذلك، ان فرحة البعض بموته لم تتحقق، ولم تعمر طويلا، فالرجل “باق”، ويتوعد بـ تمدد” دولته، الامر الذي سيصيب كثيرين بالقلق والخوف والرعب ويدفعهم للتكتل ضده.

الازمة السورية امام “تحول” جذري.. ومعاذ الخطيب قد يكون رجل المرحلة المقبلة.. وتحالف مصري روسي يبلور حل سياسي “مختلف”.. واحتمال تزايد عملية تهميش المثلث السعودي التركي القطري

اعتقدنا ان مجموعة العمل المنبثقة عن دول اصدقاء سورية التي تضم 11 دولة من بينها خمس دول عربية هي مصر والسعودية والامارات وقطر والاردن قد “انقرضت” وطواها النسيان، بعد ان تغيرت الاولويات، واصبحت “الدولة الاسلامية” وجبهات اسلامية متشددة مقاتلة مثل “النصرة” و”احرار الشام” هي محور الاهتمام الرئيسي والاولوية التي دفعت بالنظام في دمشق الى المقاعد الخلفية، ولكن كم مخطئين في اعتقادنا هذا، فقد استضافت لندن اجتماعا لهذه المجموعة قبل يومين على “مستوى السفراء” لم يسمع به احد، ونعتقد ان الاجتماع المقبل، اذا قدر له الانعقاد سيكون على مستوى القناصل او ربما “بوابي” سفارات الدول المعنية.
الائتلاف الوطني السوري الذي بات يلفظ انفاسه، بعد تراجع الاعتراف به، ليس فقط من الولايات المتحدة وبعض الدول العربية الراعية له، وانما من قطاعات عريضة من الشعب السوري ايضا، بعد ان فشلت كل استغاثات قيادته للحصول على اسلحة تمكنه من الحفاظ على مناطق يسيطر عليها، واستعادة ما تبقى من “هيبته” ومكانته بالتالي.
***
خريطة المعارضة السورية المسلحة تتغير بسرعة لصالح التنظيمات الاسلامية المتشددة التي باتت هدفا للغارات الجوية الامريكية، فقد تضخمت صفوفها بالمقاتلين الجدد الى جانب بعض المنشقين عن الجيش الحر وفصائل اخرى “معتدلة” متحالفة معه، وقوى اخرى جديدة ادركت ان الحل السياسي هو المخرج الوحيد من الازمة الحالية، وابدت استعدادا للحوار مع النظام للوصول اليه، والقتال الى جانبه ضد “الدولة الاسلامية” على وجه الخصوص.
من تابع المقال الذي كتبه السيد احمد معاذ الخطيب على موقعه على “الفيسبوك” بعد عودته من موسكو التي زارها على رأس وفد ضم شخصيات سياسية وعسكرية وحمل عنوان (هل ستشرق الشمس من موسكو)، يدرك ان جسما جديدا بدأ يتكون لمعارضة سورية جديدة، ومختلفة تستعد لاخذ مكان الجيش الحر.
السيد الخطيب قال انه مستعد للجلوس مع النظام لايجاد حل للازمة السورية بعد اربع سنوات من المراوحة في المكان نفسه، واكد ان التحضيرات جارية لعقد مؤتمر للحوار بين النظام والمعارضة تحت اسم “جنيف 3″، واكد ان التفاوض السياسي هو الانجح والاقل خسائر”، وقال “اعترف بخطئي لانني اعتقدت ان هناك دولة يمكن ان تنقذ بلدنا”.
اللافت هنا ان التيار الجديد الذي يجعل من موسكو قبلة له، سيكون نقيضا او بديلا للائتلاف الحر والدول العربية الداعمة له مثل المملكة العربية السعودية وقطر والامارات الى جانب تركيا، مما يعني تراجع دور هذه الدول بشكل كبير في الملف السوري في الاشهر او السنوات المقبلة.
ظهور “الدولة الاسلامية” بالقوة التي نراها، ومثلما اعترف ستيفان دي مستورا المبعوث الاممي الجديد لسورية، بدأ يغير معظم المعادلات السياسية والعسكرية على الارض، ويفرض قوى جديدة، ومفاهيم جديدة، بل واسلوب عمل جديد يتمحور حول بقاء النظام السوري في اطار حل سياسي متطور بالقياس الى نظيره الذي كان مطروحا في مؤتمر جنيف.
فالمبعوث الدولي الجديد بدأ مهمته بطرح مبادرة لـ”تجميد” القتال في مدينة حلب لمنع سقوطها في يد “الدولة الاسلامية”، وهذا اعتراف ضمني بتعاون دولي مع القيادة السورية، ولا نعتقد ان المستر دي مستورا يمكن ان يطرح هذه الفكرة دون التنسيق، وبالتالي موافقة، كل من واشنطن وموسكو، وهذا ما يفسر موافقة القيادة السورية على دراسته بشكل ايجابي.
دخول مصر على خط الملف السوري كشريك لموسكو في الدعوة لمؤتمر سياسي على غرار مؤتمر جنيف يضم المعارضة او اطراف فيها والنظام يعني سحب البساط من تحت اقدام المثلث السعودي القطري التركي الذي كان يهيمن على هذه الملف.
الانباء المتسربة عن الاتصالات المصرية الروسية في هذا الخصوص التي يجريها وزيرا خارجية البلدين مع اطراف سورية عديدة تفيد بأن التيار السوري المعارض الجديد قد يكون برئاسة السيد معاذ الخطيب ومشاركة كل من تيار قدري جميل والسيد صالح مسلم زعيم حزب الاتحاد الكردي السوري، وشخصيات انشقت على الائتلاف سياسية وعسكرية.
***
ملامح التسوية المطروحة ما زالت غامضة، ولكن الخطوط العريضة التي يدور حولها الحديث يمكن اختصارها في اقامة حكومة انتقالية بصلاحيات جدية لمحاربة “الدولة الاسلامية” على الارض مع بقاء الرئيس بشار الاسد في السلطة مع استمرار سيطرته على اجهزة الامن والجيش الى ان يتم بعد ذلك اختيار او انتخاب لجنة لتعديل الدستور الحالي، ثم اجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ويكون للرئيس السوري الحق في خوض الاخيرة.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن فرص نجاح هذه الصيغة الجديدة، ومدى قبول الاطراف السورية والاقليمية الاخرى لها؟
لا نعتقد ان موسكو ومصر يمكن ان تتقدما بهذا الطرح دون مباركة امريكية خاصة اذا تم التوصل الى اتفاق امريكي ايراني حول الملف النووي لايران قبل المهلة الاخيرة المحددة بيوم 24 تشرين الثاني (نوفمير) الحالي، وهو الاتفاق الذي سيؤدي الى رفع الحظر والعقوبات عن ايران وفتح صفحة جديدة في العلاقات الامريكية الايرانية.
نظريا تبدو الامور على الورق براقة، وفرص النجاح للتصورات الجديدة معقولة، ولكن، ونصر على كلمة لكن، هناك اطراف اخرى يمكن ان تفسد الطبخة نكاية وانتقاما من عمليات تهميشها، ولا ننسى ان تحالفا جديدا ينشأ ويتبلور حاليا لاخطر ثلاث تنظيمات اسلامية متشددة وهي “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” وحركة “احرار الشام” لا يمكن تجاهله في هذا الاطار.

امريكا تعيد احتلال العراق من “نافذة الدولة الاسلامية” وبدعوة من حكومته.. وعدد قواتها يتضاعف يوما يعد يوم.. فهل تنجح هذه المرة فيما فشلت فيه في المرة السابقة؟

تعيد الولايات المتحدة احتلالها للعراق مرة ثانية تحت عنوان تأهيل القوات العراقية وتدريبها لمواجهة “الدولة الاسلامية”، ولكنه احتلال سيتم هذه المرة بموافقة الحكومة العراقية والحاحها.
وزارة الدفاع الامريكية “البنتاغون” اعلنت يوم الجمعة الماضي انها ستضاعف عدد عسكرييها في العراق بإرسالها 1500 مستشار عسكري اضافي لتدريب ومساعدة القوات العراقية بما فيها قوات البشمرغة الكردية في حربها ضد “الدولة الاسلامية” في اطار استراتيجية الولايات المتحدة في “دعم الشركاء في عين المكان”.
السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الجديد الذي رفض وجود اي قوات عربية او اسلامية على ارض العراق لقتال “الدولة الاسلامية” الى جانب القوات العراقية رحب بشدة بهذه الخطوة الامريكية التي قالت الادارة الامريكية انها ترسل هذه القوات بناء على طلبه.
الرئيس اوباما قال في تصريحات ادلى بها السبت ان هذه القوات لن تشارك في القتال بل ستركز على تدريب المجندين العراقيين وعدد من العشائر السنية التي تقاتل “الدولة الاسلامية”، ولكن ارسال هذه القوات الامريكية الى محافظة الانبار بالذات يكذب هذه الاقوال ويؤكد انها ستذهب الى هذه المنطقة للقتال وادارة المعارك، والا لماذا لا تتم عمليات التدريب هذه في محافظات اخرى في الجنوب مثلا؟
هذه القوات الامريكية التي تتضاعف اعدادها يوما بعد يوم (وصلت حتى الآن الى 3100 “خبير” عسكري وجندي) هي قوات احتلال وليست قوات تدريب، ومن يقول غير ذلك يغالط نفسه، قبل ان يغالط الآخرين، خاصة عندما تأتي هذه بناء على طلب حكومة عراقية “تباهت” بأنها حررت العراق وانهت الاحتلال الامريكي ورفضت بقاء جندي واحد على ارض العراق، عندما رفضت منح الحصانة لاي قوات امريكية تبقى بعد الانسحاب الشامل.
لا نعتقد ان حكومة السيد العبادي، التي من المفترض ان تكون دائرة تمثيلها للعراقيين اوسع من حكومة السيد نوري المالكي، ستجد التأييد من قطاعات عريضة من الشعب العراقي من ابناء الطائفتين الشيعية والسنية لخطوتها هذه بإستدعاء قوات امريكية لاعادة احتلال العراق، وانتهاك سيادته الوطنية، تحت ذريعة محاربة “الدولة الاسلامية”.
وجود هذه القوات الامريكية على ارض العراق سيكون عامل توتر، وتكريس للطائفية في العراق، وسيصب في مصلحة “الدولة الاسلامية”، واضفاء طابع وطني على وجودها وحروبها، وغير وطني بل و”عمالة” على من استدعوها لحمايتهم منها، فالشعب العراقي، بل معظمه، لا يمكن ان ينسى ان معظم ازمات بلاده الحالية، وتحويلها الى دولة فاشلة، تمزقها الصراعات الطائفية، جاءت بسبب الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003، بل ان “الدولة الاسلامية” نمت وترعرعت، واشتد عودها لان هذا الاحتلال ومجازره وفر لها البيئة الحاضنة والمناخ الملائم.
الاحتلال الامريكي هو الذي حلّ الجيش العراقي وقوات الامن، ومارس كل انواع الاذلال ضدهم، وقذف بهم الى الشارع استجابة لنصائح حلفائه الذين قدموا على ظهور دباباته، وها هم يعودون مقاتلين شرسين تحت مظلة “الدولة الاسلامية” متعطشين للانتقام والثأر.
الحاكم الامريكي بول بريمر الذي اتخذ قرار حل الجيش العراقي، وانشاء الجيش الجديد الذي فر ثلاثون الفا من قواته من الموصل بملابس مدنية ولم يطلقوا رصاصة واحدة ضد “الدولة الاسلامية” وقواتها الزاحفة الى المدينة، والآن يقولون انهم جاءوا لاعادة تأهيل هذا الجيش مرة اخرى، وتدريب “صحوات” عشائرية جديدة.
الظرف الذي سمح بقيام قوات “الصحوات” التي اسسها الجنرال الامريكي ديفيد بترايوس وبلغ تعدادها ثمانين الفا عام 2006 للتصدي لمقاتلي تنظيم “القاعدة” هذا الزمن تغير، كما ان “العدو” تغير ايضا، فـ”الدولة الاسلامية” ليست “القاعدة”، ومعظم مقاتليها من ابناء العراق، والاهم من هذا كله، ان غالبية العراقيين، خاصة من مقاتلي قوات “الصحوات” لا يثقون مطلقا بالامريكيين الذين خذلوهم، وتخلوا عنهم، مثلما لا يثقون بالحكومة العراقية التي رفضت استيعابهم في الجيش والاجهزة الامنية من منطلقات طائفية بحتة.
لا نعرف كم مرة ستدرب الولايات المتحدة الامريكية الجيش العراقي، وكم مرة ستعيد تأهيله، وكم ستنهب من الخزينة العراقية مقابل ذلك، فقد امتصت اكثر من خمسة وعشرين مليار دولار من عرق الشعب العراقي من اجل هذه المهمة على مدى عشر سنوات، فما الذي تغير الآن، ولماذا تنجح هذه المرة حيث فشلت في المرة او المرات السابقة؟
فاذا كان هذا الجيش الذي يزيد تعداده عن نصف مليون ضابط وجندي، علاوة على مثل هذا الرقم من القوات الامنية، ومسلح تسليحا جيدا بأحدث المعدات الامريكية، فشل في هزيمة “الدولة الاسلامية” ومنع استيلائها على نصف العرق تقريبا وفي ايام معدودة، فإن كل محاولات “الترقيع″ الجديدة التي تشرف عليها امريكا ومستشاريها سيكون مآلها الفشل.
ما لا تدركه امريكا وحلفاؤها العراقيين، الجدد والقدامى، ان مشكلة الجيش العراقي ليست في التدريب ولا المعدات، وانما في غياب “العقيدة” القتالية الوطنية الجامعة التي توحد العراقيين جميعا تحت مظلتها، وتدفعهم الى الموت دفعا من اجلها.
الطائرات الامريكية التي تقصف قواعد وتجمعات قوات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية طوال الشهرين الماضيين هي الاحدث في العالم، وطياروها الاكثر براعة وتدريبا، ومع ذلك لم تفلح حتى الآن في وقف تقدم هذه القوات في عمق مدينة صغيرة مثل “عين العرب ـ كوباني” السورية ذات الاغلبية الكردية.
امر مؤسف ان “العراق الجديد المحرر” يستعين بقوات امريكية، من اجل مواجهة تنظيم لا يزيد تعداد قواته عن خمس جيشه وقواته الامنية ولم يتدرب على ايدي الامريكيين وغيرهم، ويقاتل ببقايا معداته واسلحته التي استولى عليها دون قتال بعد اقتحامه لمدينة الموصل.
القوات الامريكية تعرضت لهزيمة مذله في العراق، وها هي تعود للمصيدة نفسها، وستواجه المصير نفسه على ايدي كل العراقيين باستثناء من قدموا بلدهم لقمة سائغة لها، واضفوا شرعية زائفة على احتلالها الجديد مثلما فعلوا مع احتلالها الاول، والايام بيننا.

نيران الفتنة الطائفية تزحف نحو العمق السعودي واغلاق قناة الـ”وصال” جاء متأخرا.. ووزير الاعلام السعودي مجرد “كبش فداء”

عملت السلطات السعودية جاهدة طوال الاعوام الماضية على تحصين جبهتها الداخلية من اعمال العنف الطائفي، متبعة اسلوبين اساسيين في هذا الخصوص، الاول تصدير الازمة الطائفية وذيولها الى الخارج، وسورية والعراق بالذات، من خلال ضخ مليارات الدولارات في تمويل جماعات اسلامية متشددة وتسليحها تحت عنوان اسقاط النظام السوري “العلوي الكافر” ومحاربة الحكومة العراقية الطائفية، والثاني اتباع سياسة القبضة الحديدية ضد خلايا تنظيم “القاعدة” و”الدولة الاسلامية” النائمة منها والنشطة، ومنع اي اعمال تمرد في المناطق الشيعية في منطقة الاحساء حيث تشكل الاغلبية في بعض مدنها وقراها وخاصة مدينة القطيف.
هذا التوجه بدأ يعطي ثمارا عكسية، فقد نجحت “الدولة الاسلامية” في اختراق العمق السعودي واقامة “امارة” لها هياكل تنظيمية داخل المملكة تضم اكثر من 75 شخصا، وكانت تخطط لحملة اغتيالات لكبار المسؤولين في الدولة، الامر الذي كان بمثابة جرس انذار للقيادة السعودية التي ادركت ان كل اجراءاتها الوقائية تقريبا، وعلى رأسها سياسة القبضة الحديدية ذات اثر محدود لان الخطر اكبر بكثير مما كانت تعتقد.
حالة “الفزع″ التي رأينا ارهاصاتها في اليومين الماضيين كرد فعل على الهجوم المسلح الذي شنه ثلاثة ملثمين على حسينية شيعية في منطقة الاحساء كان روادها يحيون ذكرى “عاشوراء” واسفر عن مقتل خمسة اشخاص واصابة عشرة آخرين، انعكست في “مسارعة” العلماء الرسميين (هيئة كبار العلماء) وغير الرسميين (سلمان العودة، عائض القرني، وعادل الكلباني) على ادانة هذا الهجوم، والتحذير من اخطاره، والفتنة الطائفية التي بدأت تطل برأسها بقوة في البلاد، والتأكيد على حتمية الوحدة الوطنية.
***
العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز ادرك حجم المخاطر التي تواجهها البلاد من قبل الجماعات الجهادية الاسلامية، وتنبه الى الاضرار التي يمكن ان تنجم عنها على استقرار بلاده وامنها اذا نجحت في نقل فكرها الى المملكة، واصدر قوانين تجرم “الجهاد” خارج المملكة، وتعاقب كل سعودي يقاتل في سورية او العراق او غيرها بعقوبة سجن تصل الى عشرين عاما، وفرض قيودا شديدة على وسائل التواصل الاجتماعي، وعقوبات اشد لمن يستخدمها للمطالبة بالاصلاحات السياسية، او يحرض ضد الحكم.
هذه “الصحوة” على اهميتها جاءت متأخرة بعض الشيء، لان الآلة الاعلامية السعودية الجبارة، والمتمثلة في قنوات فضائية “اسلامية” غذت الفتنة الطائفية، والتشدد الديني في اقوى صوره، عندما ركزت الهجوم الشرس على الشيعة وتكفيرهم او معظم فرقهم، وتحريض الشباب العربي والسعودي بالذات على الجهاد في سورية والعراق لاسقاط الانظمة “الكافرة” فيهما، ووفرت هذه القنوات التي تناسلت بسرعة غير عادية المنابر لدعاة متشددين وطائفيين ليصولوا ويجولوا دون حسيب، والتهجم بالسباب والشتائم البذيئة في بعض الاحيان ضد كل من لا يسلم بوجهة نظرهم وليس مخالفتهم الرأي فقط.
بعد ثلاث سنوات ادركت السلطات السعودية خطورة هذه القنوات على امنها واستقرارها وبثها للفتنة الطائفية، واصدر وزير الاعلام السعودي عبد العزيز خوجة قرارا بإغلاق مكتب قناة “وصال” الاسلامية في المملكة لانها تهاجم الشيعة، وقال في بيان اصدره “ان وزارته لن تسكت على اي وسيلة اعلامية مقروءة او مسموعة او مرئية او رقيمة تحاول النيل من وحدة الوطن وامنه واستقراره”.
اللافت ان الخطوة جاءت بعد يوم واحد من الهجوم على حسينية الاحساء، ويظل السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن اسباب صمت وزارة الاعلام، والدولة السعودية، وسكوتها على هذه المحطة طوال السنوات الثلاث الماضية ما دامت “تحاول النيل من وحدة الوطن وامنه واستقراره”.
الدكتور خوجة قال ان هذه المحطة ليست سعودية، وهذه مغالطة كبيرة وغير مقنعة، لان جميع برامجها تبث من مكتبها في المملكة، وتمول من خزينة الدولة، و”نجومها” يقيمون في المملكة، واصبحوا مصدر تأثير كبير في الشباب السعودي ويتابعهم وصفحاتهم وحساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي الملايين.
وزير الاعلام السعودي ليس صانع قرار، وانما اداة تنفيذية، يتم املاء القرارات عليه “من فوق” ولذلك استغربنا اعفاءه من منصبه “بناء على طلبه” لان الرجل لم يرتكب اي خطأ، ووجود هذه القناة او تلك امر يتعلق بالسياسة السعودية وتوجهاتها، ونعتقد انه كان “كبش فداء” يدفع ثمن “اخطاء غيره” وسياسات لا نعتقد انه كان مقتنعا بها.
السلطات السعودية قالت في بيان على لسان اللواء منصور التركي المتحدث الامني بإسم وزارة الداخلية ان “الخلية” التي هاجمت الحسينية الشيعية تنتمي الى تنظيم “القاعدة” بعد اقل من يوم واحد من الهجوم، ولا نعرف كيف توصلت الى هذه النتيجة بهذه السرعة، ولكن حتى لو كان هؤلاء المهاجمين من تنظيم “القاعدة” فإن هذا امر يدعو الى القلق، خاصة ان الانطباع السائد لدى المواطن السعودي، وبسبب البيانات الرسمية، انه تم القضاء على هذا التنظيم وانصاره قضاء مبرما من خلال الحملات الامنية المكثفة وسياسة القبضة الحديدية.
***
ما يميز هذا الهجوم عن غيره من هجمات تنظيم “القاعدة” السابقة انه استهدف ابناء الطائفة الشيعية هذه المرة وليس قوات الامن او المقيمين الغربيين مثلما كان عليه الحال في مرات سابقة، وآخرها الهجوم على موظفين امريكيين في شركة امنية تدرب عناصر من الحرس الوطني السعودي، واذا تبين ان المنفذيين يمثلون خلايا داخلية، اي لم يأتوا من الخارج، فإن خطورتهم ستكون اكبر، لان هذا يعني ان تنظيم “القاعدة” او ربما “الدولة الاسلامية” قد وصلوا باختراقهم الامني الى العمق السعودي، ويريدون اشعال فتيل “فتنة طائفية” لا تتحملها الممكلة المحاطة حاليا بأخطار الوضع اليمني المتفجر، حيث الحوثيين و”القاعدة” في الجنوب (اليمن) و”الدولة الاسلامية” في الشمال (العراق وسورية).
حذرنا مرارا، وفي هذه الصحيفة من ان النيران الملتهبة في سورية والعراق، ستصل حتما الى طرف الثوب السعودي، ويبدو ان هذا التحذير كان في محله، والسؤال الاهم هو عما اذا كانت السلطات السعودية تملك اجهزة اطفاء الحرائق القادرة على اطفاء هذا الحريق قبل ان يلتهم الثوب كليا او جزئيا.

عندما ينفي جو بايدن انه اعتذر لاردوغان ويتهم البيت الابيض بالتزوير وعندما تحتل “الدولة الاسلامية” اكبر حقل غاز في حمص فهذا يؤكد ان الاستراتيجية الامريكية تسير من فشل الى آخر

لا نحتاج الى قراءة افتتاحية صحيفة الـ”واشنطن بوست” او غيرها من الصحف الامريكية لكي نصل الى نتيجة مفادها فشل الاستراتيجية الامريكية في سورية والمنطقة العربية بأسرها، فيكفي متابعة تطورات المعارك في “عين العرب ـ كوباني” السورية، وحالة القلق والرعب التي تسود اوساط حلفائها لكي نعرف هذه الحقيقة دون عناء التفكير والتحليل.
فاذا كانت الضربات الجوية الامريكية المكثفة تهدف، مثلما تقول التصريحات الرسمية الى تحجيم “الدولة الاسلامية” تمهيدا للقضاء عليها نهائيا، فانه بعد شهرين من القصف، وفي اكثر من موقع في سورية والعراق، ما زالت هذه “الدولة” قوية وتتقدم، بدليل استمرار حصارها للمدينة السورية المذكورة ذات الاغلبية الكردية، ونجاحها في الاستيلاء على اكبر حقول الغاز في منطقة حمص، وسيطرة حليفتها “غير المعلنة” اي “جبهة النصرة” على معظم مدينة ادلب الشمالية.
لا نشك مطلقا في انحياز الولايات المتحدة للمعارضة السورية المسلحة، وتمسكها بإسقاط النظام السوري باعتباره “مصدر الارهاب” في المنطقة حسب تصريحات الناطقين بإسمها، ولكن طريقة تطبيق سياساتها على الارض تعطي نتائج عكسية تماما ودون ان تقصد حتما.

***

نشرح اكثر ونقول ان الادارة الامريكية اضعفت المعارضة السورية المسلحة ومزقت صفوفها بسبب سوء تقديرها وفهمها لهذه المعارضة ومنطلقاتها الايديولوجية، فضربها لمواقع “جبهة النصرة” جنبا الى جنب مع مواقع “الدولة الاسلامية” احدث انشقاقا واسع النطاق داخل صفوف هذه المعارضة، كما دفع بعلاقاتها مع داعميها وخاصة في تركيا الى التوتر.
الكثير من قادة الفصائل الاسلامية السورية المتشددة بات ينظر الى الجيش السوري الحر كجيش “عميل” بسبب قتاله في “كوباني” الى جانب البشمرغة وتحت اجنحة الطائرات الامريكية ضد قوات “الدولة الاسلامية” التي تحاصرها.
سوريون كثر التقيتهم اثناء مشاركتي في مؤتمر الكُتاب العالمي في دبي، وزيارتي الى الشارقة للمشاركة في فعاليات معرض كتابها الدولي، اعربوا لي عن قلق كبير تجاه اوضاع بلادهم، وحالة الخذلان تجاه امريكا والغرب عموما، ويرون انهم وقعوا في مصيدة خديعة كبرى نصبت اليهم وبلادهم بشكل محكم، في المقابل هناك سوريون، وبسبب عدائهم المطلق للنظام، وتحميله مسؤولية الدمار والضحايا يرون عكس ذلك، ولكن عدد هؤلاء يتراجع، وكذلك حدة عدائهم، فالثورة التي بدأت سلمية تغيرت خريطتها كليا، وتحولت الى صراع على السلطة بين اكثر من الف فصيل من ناحية والنظام من الناحية اخرى.
ومن المفارقات التي صادفتها في الاشهر الاخيرة ان نغمة اتهام “الدولة الاسلامية” بأنها احد اذرعة النظام بدأت تعود الى السطح بقوة، وكذلك عدم جدية التصريحات الامريكية بإسقاطه، اي “النظام”، وعندما نسأل وماذا عن قطع رؤوس المئات من جنود النظام بعد الاستيلاء على قاعدة اللواء 93 في منطقة عين عيسى في الريف الشمالي لمحافظة الرقة، وغرسها في قمة قضيان حديدية، والطلب من جنود آخرين بحفر قبورهم الجماعية بأنفسهم قبل اعدامهم، وهناك صور وشهادات تثبت ذلك، يقولون لك ان هذا “تمثيل”!.
انها حالة اليأس والاحباط من حدوث انقلاب في معادلات القوة والضعف، واستمرار النظام طوال السنوات الاربع الماضية، وتماسك الجيش، وتوقف الانشقاقات في صفوفه، وتغير الاولويات الامريكية من اطاحة النظام الى اجتثاث “الدولة الاسلامية”.
***
التخبط الامريكي بات حقيقة، فحكومة حيدر العبادي العراقية التي جاءت بديلا لحكومة السيد نوري المالكي الطائفية لم تنل ثقة معظم ابناء الطائفة السنية العراقية ولم تنجح في انهاء الانقسام وتقديم نفسها كمظلة توحيدية تكرس الهوية العراقية الجامعة، وحلفاء امريكا العرب، مثل السعودية وقطر والامارات ومصر يترددون في المساهمة بأي قوات ارضية لقتال “الدولة الاسلامية”، كما ان حكومة العبادي وبإيعاز ايراني لا ترحب بهم وقواتهم.
ولعل ابرز مؤشرات هذا التخبط خروج جو بايدن نائب الرئيس الامريكي على شاشة “سي ان ان” وتأكيده بأنه لم يقدم اي اعتذار للرئيس التركي رجب طيب اردوغان لاتهامه لتركيا بدعم “الدولة الاسلامية” وغيرها من الجماعات “الارهابية” وقال ما معناه ان البيت الابيض حرّف موقفه واقواله لارضاء الحليف التركي وامتصاص غضبه.
السياسة الامريكية تتخبط لان التدخل العسكري لم يعد فاعلا مثلما كان عليه الحال في مرات سابقة، فالقوى المضادة لهذا التدخل باتت اقوى، والشعوب العربية الاسلامية لم تعد تثق بمثل هذه السياسات وتنظر اليها بعين الريبة والشك، ولهذا تأتي احتمالات فشلها اكبر بكثير من احتمالات نجاحها.

محاولات اختراق “الدولة الاسلامية” استخباريا ستستمر لانها احد ابرز الاسلحة لتدميرها وتقويضها من الداخل.. فكيف ستتعامل معها وكيف كان يكشف الشيخ بن لادن المندسين

عبد الباري عطوان

اذا صحت الانباء التي نشرها ابو حفص المهاجري المقرب من ابو بكر البغدادي زعيم “الدولة الاسلامية” واعترف فيها بأن جهاز الاستخبارات ومكافحة الارهاب العراقي نجح في اختراق تنظيم “الدولة” وتسبب في خسائر كبيرة، فإن هذا حدث كبير ستكون له تداعياته، لان مثل هذه الاختراقات تؤدي عادة الى اضعاف التنظيمات التي تستهدفها، وتحدث انشقاقات واغتيالات لكبار القادة ايضا.
من الطبيعي ان يكون تنظيم مثل “الدولة الاسلامية” هدفا لاختراقات استخبارية متعددة، لان عمره قصير، وتضاعفت قوته والمناطق المسيطر عليها عدة مرات في زمن قياسي، ولان عشرات اجهزة الاستخبارات العالمية والاقليمية تستهدفه ولا تكف عن محاربته، والعمل على زرع عناصرها داخله، وفوق هذا وذاك، ان قوات “الدولة الاسلامية” تخوض حروبا على عدة جبهات هذه الايام، وتتعرض لضربات جوية امريكية مكثفة على مدار الساعة، الامر الذي يشتت تركيزها الامني، كليا او جزئيا.
لا نعرف حجم الاضرار الذي الحقها الاختراق الاستخباري العراقي لتنظيم الدولة الذي تحدث عنه السيد ابو حفصة المهاجري، فقد امتنع عن اعطاء اي معلومات، ولكن نعتقد انه كبير مثلما هو واضح من البيان المقتضب، ومن القرار الذي اتخذه بعدم قبول انضمام متطوعين عراقيين الى صفوف الدولة والاكتفاء بالجهاديين الاجانب، ولكن حتى هؤلاء يمكن ان يكون من بينهم مندسين.
***
تنظيم “القاعدة” المركزي تعرض لاختراقات استخبارية عديدة كان اضخمها الطبيب همام خليل محمد أبو ملال البلوي، الذي حاولت المخابرات الاردنية تجنيده وتكليفه باغتيال قادة فيه، ولكنه استطاع خديعتها، اي المخابرات الاردنية، والقبول بمهمة اغتيال الشيخ اسامة بن لادن ونائبة الدكتور ايمن الظواهري، وفجر نفسه في قيادة المخابرات المركزية الامريكية والجيش الامريكي في ولاية خوست في افغانستان عام 2009، ونتج عن العملية مقتل سبعة من هؤلاء وبعض المحيطين بهم، بالاضافة الى علي بن زيد ضابط الارتباط في المخابرات الاردنية.
احد القادة الميدانيين في تنظيم “القاعدة” ابلغ رئيس تحرير هذه الصحيفة ان محاولات اختراق التنظيم لم تتوقف مطلقا، واكثرها من قبل مخابرات اردنية وعربية، حيث يتم ارسال الجواسيس على شكل متطوعين جهاديين للانخراط في صفوفه، وقال الشخص نفسه ان الشيخ بن لادن ومساعديه كانوا يلجأون الى اكتشاف هؤلاء من خلال الطلب من مجموعة وفي حضور الشخص المشتبه به الاستعداد للقيام بعملية انتحارية، وعندها يتلكأ الشخص المعني في القبول بهذه المهمة فيتم استدعاؤه والتحقيق معه، وغالبا ما كان هذا الاسلوب يعطي مفعوله، ويتم اكتشاف الشخص المندس واعدامه.
المنظمات الفلسطينية تعرضت لاختراقات كبيرة، حتى ان احد العملاء الاسرائيليين نجح في الوصول الى طاقم حراسة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، واراد الرئيس عرفات سجنه وليس اعدامه بعد اثبات التهمة عليه، ولكن المرحوم صلاح خلف (ابو اياد) اصر على اعدامه، وامر فريق اغتيالات بإصطحابه الى منطقة المدينة الرياضية في بيروت وجرت عملية تصفيته.
حركة الجهاد الاسلامي تعرضت لاختراق اسرائيلي كبير، حيث نجح جهاز الموساد الاسرائيلي في تجنيد مدير مكتب الشهيد فتحي الشقاقي في دمشق، وظل اربع سنوات كامنا لا يعطي اي معلومات حتى حان الوقت الملائم عندما طلب منه مشغله في الموساد تحديد الطريق التي سيغادر عبرها المرحوم الشقاقي ليبيا التي كان يزورها، هل هي مالطة او تونس او السودان، فأخبرهم انها مالطة، وكان الموساد قد ارسل ثلاث فرق اغتيال الى الدول الثلاث مسبقا، ونجحت خلية مالطة في اغتيال الشقاقي عبر اطلاق النار عليه من دراجة نارية في 26 تشرين الاول (اكتوبر) عام 1995.
اما كيف جرى اكتشاف مدير مكتب المرحوم الشقاقي، فتم عندما لاحظت اجهزة امن التنظيم بأنه يبالغ في اللطم والبكاء والنحيب، يقدم على حركات متصنعة، وجرى اعتقاله وتسليمه للمخابرات السورية التي حصلت منه على المعلومات الكاملة حول كيفية تجنيده في احدى دول اوروبا الشرقية من اجل هذه المهمة.
***
المخابرات الغربية، والاقليمية تركز كل جهودها حاليا لاختراق تنظيم “الدولة الاسلامية”، من اجل معرفة جميع مفاصله وطرق عمله وربما محاولة الوصول لزعيمه ابو بكر البغدادي واغتياله بهدف تقويض التنظيم من الداخل بالتوازي مع محاولة هزيمته على جبهات القتال ومن خلال انشاء قوات “صحوات” تتولى عمليات القتال الارضي سواء من مجنديين عراقيين او سوريين، وانضمام وحدات من الجيش السوري الحر وقوات من البشمرغة العراقية الى المدافعين الاكراد في مدينة “عين العرب ـ كوباني” السورية ذات الغالبية الكردية هو اول فصل من فصول هذا المخطط.

صمود قوات “الدولة الاسلامية” في “عين العرب” يصيب القيادة الامريكية بالاحباط والسورية بالسعادة وان ادعت غير ذلك.. والاستغاثة بالعرب لاستعادة “اراضيهم” لن تجد آذانا صاغية

عبد الباري عطوان
كثيرة هي التصريحات الغريبة التي تصدر عن الحكومة السورية في دمشق، ولكن البيان الذي صدر يوم امس عن وزارة الخارجية السورية واعتبرت فيه دخول قوات البشمرغة الى “مدينة عين العرب ـ كوباني” يعتبر واحد من اغربها، هذا ان لم يكن اغربها، فالبيان المذكور وصف عبور هذه القوات الحدود الشمالية مع تركيا الى المدينة بأنه “تدخلا في الشؤون الداخلية للبلاد وانتهاك سافر للسيادة السورية”، وانتقد بشدة الدور التركي المتواطيء والداعم لهذا التدخل.
مصدر الغرابة ان هذا الانتهاك ليس جديدا، ولا مفاجئا، في ظل تدهور الاوضاع في سورية وحالة الفوضى التي تسودها منذ اربع سنوات تقريبا الايام فلم يبق احد لم يتدخل فيها وشؤونها الداخلية وتنتهك سيادتها بطريقة او بأخرى: دول الخليج التي تضخ مليارات الدولارات لدعم المعارضة وتسليحها، والسلطات التركية التي حولت انطاكية المحاذية للحدود الشمالية الغربية السورية الى “بيشاور” اخرى لعبور المقاتلين والاموال الى العمق السوري، على غرار الدور الباكستاني في حرب “المجاهدين” الافغان لاخراج القوات السوفييتية من بلادهم، وفوق هذا وذاك طائرات التحالف الامريكي الجديد التي تسيطر على الاجواء السورية وتشن غارات مكثفة على مواقع “الدولة الاسلامية” وتجمعاتها، فلم تبق دولة في الغرب الا وارسلت طائرات حربية، طالما ان لا خطر عليها وطياريها سواء في الجو او من الارض، فهي طلعات تدريبية آمنة، والضحايا عرب مدنيين كانوا او من مقاتلي “الدولة”.
***
مدينة “عين العرب ـ كوباني” التي لا يزيد عدد سكانها عن ثلاثين الفا في طريقها لكي تتحول الى “لينينغراد” اخرى، فمنذ شهر ونصف الشهر تقريبا والطائرات الامريكية في الجو والقوات الكردية على الارض تحاول منع سقوطها في ايدي قوات “الدولة الاسلامية” الزاحفة نحوها، دون جدوى رغم الفارق الكبير في العدد والعتاد.
عدم نجاح القوات المدافعة عن المدينة في اعادة السيطرة عليها، وفشل الطائرات الامريكية في وقف تقدم قوات “الدولة الاسلامية” يؤكد دون اي تردد بأن التدخل العسكري الامريكي ما زال يدور في المربع الاول ولم يعط نتائجه المرجوه، او هكذا نعتقد، ومعنا الكثير من الخبراء والعسكريين الغربيين وغيرهم.
ارسال 400 جندي من قوات “البشمرغة” وفوقها العدد نفسه من قوات الجيش السوري الحر لا نعتقد انه سيغير معادلات القوة على الارض، بل سيشكل احراجا كبيرا لكل هذه القوى التي تقف خلف التدخل العسكري الارضي، سواء بفتح الحدود مثلما هو حال تركيا، او بارسال القوات والمعدات مثلما فعلت قيادة “دولة” كردستان العراق.
لا نعتقد ان البيان السوري الرسمي المندد بهذا التدخل العسكري الارضي يعكس المشاعر الحقيقية للقيادة السورية، فاندلاع المواجهات العسكرية بين اعدائها هو خبر سار بالنسبة اليها، جاءها دون ان تحتسب، ومن غير ان تبذل اي مجهود للوصول الى هذه النتيجة.
ولا بد ان القيادة العسكرية الامريكية تشعر بالاسى في الوقت نفسه، وهي ترى مدى ضعف حلفائها الذين يقاتلون “الدولة الاسلامية” في المدينة ذاتها (كوباني) وعدم قدرتهم، ورغم اطنان الاسلحة الحديثة التي القتها عليهم من الجو، والتعزيزات الاخرى، على حسم المعركة لصالحهم.
وربما نستشف هذه المشاعر الامريكية المحبطة من التصريحات التي ادلى بها اليوم (الخميس) الجنرال راي اوديرنو رئيس هيئة الاركان المشتركة في الجيش الامريكي في حديث لمحطة الـ”سي ان ان” وقال فيها “ان مهمة قتال تنظيم “الدولة الاسلامية” على الارض ترجع للعراقيين والسوريين والعرب، لان تلك بلدانهم وعليهم استعادتها من جديد”.
واوضح، هذا هو الاهم “ان الجنود الامريكيين ليسوا متطوعين، وهم يتلقون الاوامر التي نصدرها لهم ونحاول تجنيبهم المخاطر والحفاظ على معنوياتهم ومعنويات عائلاتهم، ونفعل كل ما في وسعنا لحماية جنودنا”.
نبشر الجنرال الامريكي بأن الحكومات العربية لن ترسل قوات لمحاربة تنظيم “الدولة الاسلامية” وقواته على الارض وهزيمته خاصة بعد ان شاهدت صمود هذه القوات وقتالها الشرس في “عين العرب”، والحاقها خسائر كبيرة في صفوف القوات الكردية المدافعة عنها وبعد ان تابعت انهيار قوات الجيش العراقي امامها وهروب ثلاثين الفا من جنوده قبل وصولها، اي “الدولة”، الى حدود مدينة الموصل خوفا ورعبا، والشيء نفسه يقال ايضا عن قوات البشمرغة.
***
الحكومات العربية يمكن ان ترسل طائرات حربية لالقاء بعض الصواريخ على آبار ومصافي نفط، وبهدف “الاستعراض الاعلامي” لا اكثر ولا اقل، اما ان ترسل جنودا فهذا من عاشر المستحيلات لان معظم هؤلاء الجنود قد لا يعودون الى بلدانهم، وان عادوا ففي حقائب بلاستيكية سوداء.
لا نضيف جديدا اذا قلنا ان امريكا تورطت ورطة بلا قاع في سورية والعراق، ولا بد ان السلطات السورية تعرف هذه الحقيقة جيدا، وتفرك يديها فرحا، وهي ترى ان هذا المأزق الامريكي والعربي يتعمق، واعداءها يتقاتلون، فسيمر وقت طويل حتى يصفي هؤلاء حساباتهم مع بعضهم البعض قبل ان يلتفتون اليها.
الغالبية الساحقة من الذين تدخلوا ويتدخلون في الازمة السورية خاسرون حتى الآن، سواء بالمال او السلاح او فتح الحدود، وهذا لا يعني ان السلطات السورية ليست من بين الخاسرين، ولكنها ربما تكون الاقل خسارة في الوقت الراهن على الاقل، اما المستقبل فلا احد يستطيع التنبؤ به ومفاجآته وما اكثرها، ولهذا نستغرب بيان وزارة الخارجية السورية.

كم نحتاج من الجيوش لمنع استيلاء “الدولة الاسلامية” على بلدة “كوباني” الكردية؟ وما هي النتائج المترتبة على انضمام الجيش السوري الحر للقتال الى جانب المدافعين عنها؟

عبد الباري عطوان

لا نعرف كم عدد الجيوش المطلوبة التي يمكن ان تهزم قوات “الدولة الاسلامية” وتحول دون استيلائها على مدينة “عين العرب ـ كوباني”، وكم عدد الطائرات الحربية الامريكية والعربية اللازمة لوقف تقدمها، وهي التي لا تملك الا بعض المدرعات وبضعة آلاف من المقاتلين المسلحين بأسلحة خفيفة.
فلا نسمع او نقرأ هذه الايام الا عن قوات تتدفق من كل مكان الى المدينة لمواجهة “الدولة الاسلامية”، فالرئيس التركي رجب طيب اردوغان اعلن الخميس ان مئتي جندي من قوات البشمرغة الكردية عبرت الحدود الى “كوباني”، واعلن الجمعة في مؤتمر صحافي عقده في تالين عاصمة استونيا المحطة الثانية في جولته “البلطيقية”، ان 1300 جندي من الجيش السوري الحر سيعبرون الحدود التركية للانضمام الى وحدات حماية الشعب الكردي التي تدافع عن المدينة.
***
الرئيس اردوغان عارض بشدة فتح حدود بلاده امام اي قوات كردية او غير كردية تريد مساعدة القوات الكردية المحلية، ووصف حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني وميليشياته بأنها امتداد لحزب العمال الكردستاني “الارهابي” حليف النظام السوري.
السيد نواف خليل المتحدث باسم حزب الاتحاد الديمقراطي، ابرز الاحزاب الكردية السورية الذي شكك بتصريحات الرئيس اردوغان هذه طرح تساؤلا، يبدو مشروعا للوهلة الاولى، عندما قال “لماذا لا تتوجه قوات الجيش الحر التي تريد الدخول الى كوباني وتقاتل في مدينة حلب التي تكاد تسقط في ايدي النظام”.
ما لا يعرفه السيد نواف خليل ان الاوامر للجيش السوري الحر بالتحرك في هذا الاتجاه او ذاك تأتي من قيادة قوات التحالف الامريكي وبالتنسيق مع السلطات التركية، والرئيس اردوغان اكد على هذه الحقيقة بكل صراحة، عندما قال ان الجيش الحر هو خيارنا الاول للدفاع عن كوباني، ثم بعد ذلك قوات البشمرغة الكردية في الدرجة الثانية.
مشاركة الجيش الحر في القتال ضد “الدولة الاسلامية” ربما تكون خطوة اولى، او “بروفة” لفتح جبهات الرقة ودير الزور واعزاز ليس في مواجهة “الدولة الاسلامية” فقط، وانما الجبهات والفصائل الاخرى التي ادانت التدخل العسكري الامريكي ضد “الدولة الاسلامية”، ووصفت التحالف الامريكي الخمسيني بأنه تحالف “صهيوامريكي”.
نحن نقف الآن امام عملية فرز واضحة داخل المعارضة السورية المسلحة التي انقسمت الى معسكريين رئيسيين:
*الاول: يضم الجماعات الاسلامية المتشددة مثل “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة”، واحرار الشام، ولواء الشام، ومنظمات اخرى وتعارض التدخل العسكري الامريكي.
*الثاني: يتزعمه الجيش السوري الحر (او جناح منه) الى جانب جيش الاسلام، وقوات بركان الفرات وفصيل ثوار الرقة، واحرار جرابلس.
ومن غير المستبعد ان يشهد الجيش السوري انشقاقات جديدة في الاسابيع المقبلة، فالعقيد عبد الجبار الكعيدي احد قادة هذا الجيش اكد في تصريحات لوكالة انباء الاناضول التركية الرسمية انه سيقود مجموعة من الف مقاتل للدفاع عن “عين العرب ـ كوباني” في اطار مبادرة من فصائل كبيرة في الجيش الحر، ودون التنسيق مع المجلس العسكري، الذي من المفترض انه يشكل المظلة العسكرية القيادية للجيش الحر.
معركة “عين العرب ـ كوباني” المحتدمة منذ ما يقرب الشهر، وايا كانت نتائجها، والجهة التي تسيطر عليها، فانها ستكون مقدمة، او بالاحرى خطوة اولى لفتح جبهات اخرى في مناطق تسيطر عليها “الدولة الاسلامية” في الاراضي السورية مثل محافظتي الرقة ودير الزور في الشرق.
***
المؤشرات التي يمكن استخلاصها من سير المعارك في “عين العرب”، وخريطة القوى التي تقاتل دفاعا عنها، تعكس صعوبات كبيرة في طريق مهمة التحالف الامريكي الاساسية، اي اضعاف “الدولة الاسلامية” والقضاء عليها بالسرعة المطلوبة، فاذا كان منع سقوط هذه البلدة الحدودية التي لا يزيد تعداد سكانها عن 35 الف (هرب معظمهم الى داخل تركيا) يحتاج اكثر من شهر من القصف المتواصل وتدفق آلاف من المقاتلين، فكيف سيكون الحال في مدن مثل الموصل والرقة ودير الزور والفلوجة؟ فالنظريات العسكرية الاولية تفيد بأن “مهمة” الذين يقفون في خندق الدفاع اكثر سهولة من المهاجمين الذين يحتاجون الى ثلاثة اضعاف القوات المدافعة، بالاضافة الى غطاء جوي مكثف، وهذا ما لم يتأت لقوات “الدولة الاسلامية”.
لا بد ان القيادة السورية في دمشق تفرك يديها فرحا هذه الايام وهي ترى خصومها الذين كانوا يشكلون جبهة واحدة متماسكة ضدها يقاتلون بعضهم بعضا، والفضل في ذلك للتحالف الامريكي و”الدولة الاسلامية” معا، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، لكن الى متى يستمر هذا الفرح، لا حد يملك الاجابة القاطعة، لان المتغيرات متسارعة جدا في ميادين الصراع في سورية والعراق او هكذا نعتقد.