فلسطين

هل كانت زلة لسان من الامير سعود الفيصل ام انها سياسة رسمية سعودية جديدة؟ نأمل ان نسمع توضحيا!

عبد الباري عطوان

البيانات المشتركة التي تصدر عادة في ختام المباحثات الرسمية بين الزعماء او الوزراء تنطوي على درجة عالية من الاهمية لانها تعكس مواقف الدول والمزاج السياسي العام، وقضايا الاتفاق والاختلاف، التي جرى التطرق اليها في هذه المباحثات، وانعكاسات كل هذا على مستقبل العلاقات.

كنت حريصا ان اقرأ بتمعن البيان المشترك الذي صدر في ختام مباحثات الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، ونظيره الروسي، سيرغي لافروف، في العاصمة موسكو، للبحث عن اي معلومة، او موقف، يمكن ان يعطي مؤشرا حول الموقف السعودي ومتغيراته تجاه تطورات الصراع في سورية، وحرب التحالف الذي تتزعمه امريكا ضد “الدولة الاسلامية” وتلعب الرياض وطائراتها دورا رئيسا فيه، ولكن عبارة في البيان، لا تتعلق بسورية ولا بـ”الدولة الاسلامية” لفتت نظري وجعلتني اتوقف عندها طويلا متأملا ومحللا في الوقت نفسه، ومسطرا هذا المقال عنها وليس عن ما يجري طبخه في موسكو هذه الايام تجاه الملف السوري.

***

فبعد ان اكد البيان على “ضرورة انطلاق جهود حل الازمة السورية على اساس جنيف 1″ مع التركيز على اهمية الحفاظ على “وحدة وسيادة الاراضي السورية”، ثم انتقل بعد ذلك الى مناقشة العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تنميتها، ونادى الجانبان بـ”ضرورة تفعيل اعمال اللجنة الاقتصادية المشتركة وغيرها من آليات التعاون الثنائي بين البلدين”، وبعد كل هذا ناقش الجانبان مجموعة من الملفات الاقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك بما في ذلك الوضع في سورية والعراق وليبيا واليمن واخيرا، وهذا هو المهم، “الصراع الفلسطيني الاسرائيلي”.

العبارة الاخيرة اصابتني بالذهول والصدمة معا، وتوقفت عندها طويلا، فربما هذه هي المرة الاولى، على حد علمي، التي يصدر فيها بيان مشترك لمباحثات وزير سعودي كبير في مكانة الامير الفيصل ويقول “الصراع الفلسطيني الاسرائيلي” وليس الصراع العربي الاسرائيلي”، فمنذ ان بدأ هذا الصراع وهو صراع بين العرب والاسرائيليين، وجميع البيانات الختامية للقمم العربية، واجتماعات وزراء خارجيتها تؤكد على هذه الحقيقة، فلماذا يخرج الامير الفيصل عن هذه القاعدة الراسخة؟ وفي مثل هذا التوقيت بالذات؟ واذا كان استخدام هذا المصطلح من قبل المسؤولين السعوديين ليس جديدا، فمتى حدث هذا التغيير وعلى اي اساس؟

العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز عندما اطلق مبادرته للسلام، وقبل ان تتحول الى مبادرة عربية في قمة بيروت عام 2002، اكد على انها تأتي من اجل حل الصراع العربي الاسرائيلي من خلال بند “الانسحاب الكامل مقابل الاعتراف العربي الكامل”، فهل اصبح هذا الاعتراف العربي، او الحل العربي، غير ضروري طالما تحول الصراع الى فلسطيني اسرائيلي، اي مسؤولية اهل فلسطين وحدهم، واصبح موقف العرب مثلهم مثل موقف دول البلطيق تجاه هذا الصراع؟

كنت اعتقد انها خطأ مطبعي، او اجتهاد روسي، او سوء ترجمة، ولهذا حرصت ان اذهب الى موقع وكالة الانباء السعودية الرسمية “واس″ لاتحقق من الامر، ونادرا ما اذهب اليه، اي الموقع، ووجدت النص نفسه دون زيادة او نقصان.

المصطلحات السياسية تتسم بأهمية خاصة، لا يجب التقليل من اهميتها، لانها تعكس مواقف رسمية، ويتم نحتها بعناية، ولا تتغير الا مع تغير السياسات او حتى الحكومات التي وضعتها ومن هنا جاءت صدمتنا وتوقفنا عند المصطلح الجديد وافردنا هذه المساحة لمناقشته.

فعندما كان بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل ووزير خارجيته افيغدور ليبرمان يؤكدان في احاديثهما الصحافية ان دولا عربية عديدة لم تعد تعتبر اسرائيل عدوا، كنا نعتقد ان هذه التصريحات تهدف الى التشويش ومحاولة خلق فتنة بين العرب انفسهم، والاصطياد في الماء العكر، ولكن اعتقد ان الوقت قد حان للنظر الى هذه التصريحات بنظرة مختلفة عن السابق.

***

الصراع سيظل عربيا اسرائيليا، بل اسلاميا اسرائيليا، ولن يكون فلسطينيا اسرائيليا، وما تشهده مدينة القدس المحتلة، ومسجد اقصاها من اقتحامات وخطط تقسيم وعمليات استيطان مكثفة يؤكد هذه الحقيقة ويرسخها، واذا كانت حكومات عربية ترى غير ذلك، فإن الشعوب، او غالبيتها الساحقة ستظل متمسكة بهذه الثوابت.

السلطات السعودية التي تواجه حاليا اخطارا داخلية وخارجية تهدد امنها، واستقرارها، ووحدتها الوطنية ترتكب خطأ كبيرا اذا غيرت مواقفها وسياساتها تجاه القضية العربية المركزية الاولى، ونفت عنها البعد العربي والاسلامي، وحصرت امرها في شعب اعزل محاصر يتحمل وحده حماية المدينة المقدسة ومقدساتها ولا يبخل بدمه وارواح شبابه من اجلها.

نأمل ان يكون ما ورد في البيان الروسي السعودي المشترك الذي صدر في ختام زيارة الامير سعود الفيصل مجرد خطأ وليس سياسة رسمية سعودية جديدة تترسخ.

فاسرائيل كانت، وستظل، عدوة للامة العربية، ومغتصبة لارضها ومقدساتها، ومسؤولية تحرير هذه الارض، واستعادة المقدسات، مسؤولية عربية، اسلامية، قبل ان تكون مسؤولية فلسطينية، وان كان المرابطون في الاراضي الفلسطينة لم يبخلوا، ولن يبخلوا، باعز ما يملكون من اجل هذه المهمة السامية نيابة عن الامة الاسلامية بأسرها.

شهران من القصف الجوي والهجوم البري لم يخرجا “الدولة الاسلامية” من “كوباني” الصغيرة.. فكيف سيكون السيناريو في الموصل والرقة؟ وهل سيشهد يوم الاحد انقلابا في الاستراتيجية الامريكية؟

عبد الباري عطوان

لا بد من التحلي بأصول المنطق، والابتعاد عن المكابرة والاعتراف دون تردد، بأن القصف الجوي الامريكي الذي دخل قبل ايام معدودة شهره الثالث، لمواقع “الدولة الاسلامية” وتجمعاتها في العراق وسورية، لم يحقق اي من اهدافه في اضعافها حتى الآن على الاقل، بل بات يعطي نتائج عكسية تماما، ابرزها تخفيف الضغوط على قوات النظام السوري في جبهات القتال، والصاق تهمة، “العمالة” وافتقاد المصداقية، بالمعارضة السورية المسلحة والمعتدلة، مثلما صرح لمراسل صحيفة “الفايننشال تايمز″ البريطاينة السيد احمد ابو عماد المتحدث باسم حركة “حزم” التي تلقت دعما عسكريا وماليا من الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج العربي، في تقرير مطول نشرته (اليوم) الخميس.
فعندما تستطيع هذه “الدولة” ارسال خلية انتحارية الى قلب مدينة اربيل عاصمة اقليم كردستان العراق التي نعمت بالامان على مدى عشر سنوات، وتفجر سيارة مفخخة يقودها انتحاري امام محافظتها، تقتل اربعة وتصيب العشرات، وعندما تستطيع قواتها، ودون اي غطاء جوي، الصمود لشهرين في مدينة “عين العرب ـ كوباني” السورية، فهذا يعني انها لم تضعف او تتراجع، وانما تتقدم فعلا.
***
فاذا كان “الحسم” الامريكي المدعوم بطائرات من احدث ما يوجد في الترسانة الامريكية من طرازات، ومقاتلين من البشمرغة والجيش الحر ووحدات الدفاع الكردية ما زال صعبا بعد شهرين من القتال والقصف باعتراف معظم الخبراء الاستراتيجيين فكم سيستغرق الامر لاستعادة مدن مثل الرقة او الموصل او دير الزور؟
نحن لا نمجد بـ”الدولة” وقدراتها، وندرك جيدا انها ما زالت حديثة العهد، ولا يمكن ان تقارن قوتها العسكرية بقدرات امريكا العظمى والتحالف الخمسيني الذي شكلته (امريكا) لمواجهتها ويضم خمس دول عربية، ولكننا نحاول ان نرسم صورة للواقع كما هو دون بهرجة، في ظل كم هائل من المعلومات المغلوطة والمضللة.
لا ننكر مطلقا ان القوات العراقية حققت تقدما على بعض الجبهات حيث نجحت في كسر الحصار الذي كان مفروضا من قوات الدولة على مصفاة بيجي التي تنتج ستين في المئة من احتياجات الشعب العراقي من المحروقات، وهذا تقدم لا يجب انكاره، ولكن ما زالت هناك اخفاقات سياسية وعسكرية، فعملية اعادة تأهيل الجيش العراقي لم تبدأ بعد، والثقة في حكومة السيد حيدر العبادي لم تكتمل رغم مرور اكثر من شهر على تشكيلها، ومسألة بناء قوات “حرس وطني” او “صحوات” من قوات العشائر تواجه بفتور وبالكثير من السخرية”.
الاستراتيجية الامريكية في العراق وسورية، وليس تجاه “الدولة الاسلامية” فقط قد تتغير كليا، ولا نستبعد اقدام الولايات المتحدة على ارسال قوات برية الى العراق.
نقطة الصفر في هذا الاطار المفاوضات الجارية حاليا بين ايران والدول العظمى الست حول البرامج والمفاعلات النووية الايرانية وانتاجها من اليورانيوم المخصب، وهذه المفاوضات التي بدأت جولتها الاخيرة في فيينا وتنتهي يوم الاحد المقبل، تقف حاليا على حافة الانهيار الا اذا جرى الاتفاق على تمديدها وهذا احتمال جدا ضعيف حتى الآن.
الانهيار يعني العودة الى التوتر العسكري، ومرحلة ما قبل الاتفاق الامريكي الايراني الذي جرى التوصل اليه في مباحثات سرية في مسقط، حيث كان الحوار بالغواصات، وحاملات الطائرات، والسفن الحربية، وبيع صفقات تسليح لدول الخليج بأكثر من 130 مليار دولار استعدادا للحرب التي جرى تصويرها بأنها حتمية في حينها.
اما التوصل الى اتفاق، فقد يعني تحول ايران الى القوة الاقليمية العظمى والحاكم الفعلي في المنطقة التي يعتمد عليها الغرب في ادارته لشؤونها (اي المنطقة) وحفظ الامن فيها.
الانفراج في الازمة الداخلية الخليجية الذي انعكس في اتفاق الرياض “التكميلي” لا يمكن النظر اليه بمعزل عن تطورات المفاوضات هذه، فهو مؤشر قوي على ما يمكن ان يحدث في المرحلة المقبلة حيث ستكون ودول الخليج حتما لاعبا رئيسيا في حالة التوتر او حتى الحرب، وضحية كبرى في حال التوصل الى اتفاق.
***
فمن يتابع الهجمة الدبلوماسية الامريكية الحالية على تركيا يمكن ان يكمل عناصر الصورة التي تحدثنا عنها آنفا، ففي الوقت الذي يغادر فيه جون الن المبعوث العسكري للرئيس باراك اوباما انقرة، يحط الرحال فيها نائب الرئيس الامريكي جوزيف بايدن في زيارة تستمر ثلاثة ايام تدور كلها حول كيفية مواجهة “الدولة الاسلامية” فهل ستكون الشروط التركية التي طالب الرئيس اردوغان بتلبيتها قبل اي انخراط في هذه المواجهة في هذه المواجهة على قمة جدول الاعمال؟ وهل جرى تأخير التجارب معها متعمدا انتظارا للمرحلة المقبلة وتطوراتها؟
في تقديرنا ان المشاركة التركية من عدمها ستتضح في الايام القليلة المقبلة، وعلينا ان لا ننسى مطلقا ان انقرة عضو مؤسس في حلف “الناتو”.
ثلاثة ايام حاسمة في تاريخ المنطقة سلما او حربا، فعندما يقول جون كيري وزير الخارجية الامريكي انه لا تمديد للمفاوضات النووية ولا بد من اتفاق يوم الاحد، فان علينا ان نضع ايدينا على قلوبنا تحسبا للأسوأ على المدى القصير وربما الافضل على المدى الابعد، ولا شيء يمكن استبعاده في منطقتنا التي تعتبر الوحيدة في العالم التي يصعب، بل يستحيل التنبوء بمفاجآتها!

البداية كانت دائما من الاقصى.. وانتفاضة الكرامة اشتعلت.. والكيل طفح

عبد الباري عطوان

اقتحام شابين من اسرة ابو جمل من سكان حي جبل المكبر في القدس المحتلة كنيسا يهوديا وفتحهما النار على رواده، فقتلوا اربعة، ثلاثة منهم من حملة الجنسية الامريكية ورابعهم بريطاني الجنسية اثار حالة من الهلع في صفوف الاسرائيليين واخرجا بنيامين نتنياهو ومتطرفيه عن صوابهم، واثارا حالة من الارتياح في صفوف الغالبية الساحقة من الفلسطينيين، ومعظم العرب والمسلمين الشرفاء.

الارتياح، لان اكثر من مليار ونصف المليار مسلم كانوا يتابعون طوال الاشهر الماضية عمليات اقتحام المسجد الاقصى وباحته، من قبل مستوطنين يهود، يعيثون فيه فسادا ويعملون على تقسيمه بمباركة من حكومة نتنياهو وحمايتها، دون ان تحرك الحكومات العربية وجيوشها الجرارة ساكنة، لانها منشغلة بكيفية حماية “كوباني” الكردية السورية من السقوط، واعادة السفراء الثلاثة الى الدوحة.

***

نعم عملية الاقتحام هذه هزت اسرائيل، واثارت الرعب في اوساط مستوطنيها، لانها وقعت في قلب القدس المحتلة، او الشق الغربي منها، التي من المفترض ان تكون الاكثر أمنا واستقرارا، ولكن هؤلاء الذين اعتقدوا ان الشعب الفلسطيني استسلم للاحتلال مثل سلطته، بدأ يتعايش مع الاهانات الاسرائيلية، والخنوع الرسمي العربي، يجب ان يعيدوا حساباتهم بشكل جدي وبأقصى سرعة ممكنة، لان دورة انتفاض هذا الشعب، وبدء انطلاق ثورة كرامته وعزته، واصراره على حماية مقدساته وحده، قد تسارعت ولن توقفه كل التهديدات الارهابية الاسرائيلية والتواطؤ الرسمي العربي معها.

نتنياهو وجوقته يتباكون على الضحايا، ويركزون على انهم مصلون متعبدون، ويطالبون العالم بالتعاطف معهم، وادانة “الارهاب” الفلسطيني، طيب ماذا كان يفعل اكثر من اربعين مصليا في الحرم الابراهيمي في مدينة الخليل عندما اقتحمه المستوطن باروخ غولدشتاين وفتح نيران رشاشه عليهم في ساعات الفجر الاولى؟ هل كانوا يرقصون؟ الم يقم له المستوطنون ضريحا فاخرا “مهيبا” في مستوطنة قريبة من مجزرته تحول الى مزار يؤمه المئات يوميا يقرأون الصلوات اليهودية على روحه تقديسا وتباركا وتمجيدا؟

نسأل الجوقة نفسها هل القتل في الكنس اليهودية “حرام”، بينما ذبح المئات من اطفال الفلسطينيين في قطاع غزة بقنابل وصواريخ الطائرات والدبابات الاسرائيلية “حلال”؟

الشابان اللذان اقتحما الكنيس طفح كيلهما من التغول الاسرائيلي في سفك دماء اهلهم واشقائهم، وحرقهم احياء، وشنقهم في الحافلات، وخنق مدينتهم المقدسة بالمستوطنات وسط صمت الحكومة الاسرائيلية الفاشية وتحريضها.

هذان الشابان ينتميان الى امه عريقة، وعقيدة مشهود لها بالتسامح، ولكنها لا يمكن، بل لا يجب، ان تتسامح مع القتلة المحتلين، ماذا يتوقعون من ابناء الشعب الفلسطيني الذين يعيشون الاذلال والمهانة تحت الاحتلال الاسرائيلي، ان يستقبلوا مقتحمي المسجد الاقصى بالزهور والرياحين، وان يهنئوا قاتلي الفتى محمد ابو خضير حرقا، وان يقيمون احتفالات في جنازة الشهيد يوسف الرمولي الذي شنقه المستوطنون في حافلته؟ انهم فعلا لا يعرفون هذا الشعب وجبروته وايمانه بقضيته، فقد ضللهم بعض المستسلمين من ابناء جلدته بتعاونهم امنيا مع الاحتلال، و”تشابهت عليهم البقر”.

***

هذا شعب جبار لا يسكت على الضيم، ولا يرهبه نتنياهو، فهذه ارضه، وهذه قدسه، وهذا زيتونه، وذاك بحره، وذاك هواءه، .. هذا شعب علم البشرية بأسرها معنى كلمة الانتفاضة وادخلها في قواميسها في مكانة لائقة جنبا الى جنب مع كل معاني الكرامة والعزة والاباء.

عملية اقتحام الكنيس الاسرائيلي هي رسالة قوية الى اكثر من جهة تقول كلماتها ان المستوطنين اليهود لن ينعموا بالامن والاستقرار طالما استمروا في احتلالهم واستيطانهم واستفزازاتهم، ومجازرهم وحصارهم.

فليذهب نتنياهو الى امريكا واوروبا ويحرض كيفما شاء ضد الشعب الفلسطيني، ويكرر اقواله حول الارهاب، ولتقف معه امريكا واوروبا، وتقدم له اكتافها للبكاء، وتفتح له خزائنها وترسانات اسلحتها، فكل هذا لن يغير من حقيقة كونه الارهابي الاول الذي قتل عملية السلام وعرض امن الغرب كله للخطر، وهيأ الميدان لصعود التطرف وقتل الاعتدال، وكون الشعب الفلسطيني الضحية وصاحب الحق الشرعي في الارض والمقاومة باشكالها كافة لاسترجاعها.

نصلي لله وندعو ان يهدي الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي ادان هذا الهجوم، وان لا يذهب لتقديم واجب العزاء لاهالي الحاخامات القتلى، كما فعل في مرات عديدة، فادانته وتعازيه لم تشفع له عند نتنياهو ومستوطنيه، وحملوه مسؤولية العملية والتحريض على امثالها.

المارد الفلسطيني “يتململ”، وبدأ يخرج من قمقم المهانة والذل، وسيحطم كل من يقف امامه، سلطة كان او احتلالا، او انظمة عربية متواطئة، وليس لديه ما يمكن ان يخسره، فهو شعب مؤمن بأنه المنتصر على اعدائه في نهاية المطاف طال الزمان او قصر، والايام بيننا.

اوباما يمهد من استراليا لتدخل بري واسع في العراق وسورية تحت “ذريعة” محاربة “الدولة الاسلامية” في حال سيطرتها على اسلحة نووية.. اين هذه الاسلحة؟ ومن غير اسرائيل يملكها؟ ولماذا هذا الشرط الآن؟

عبد الباري عطوان
من يعيش في الغرب، ويتابع اساليب الحكومات في التمهيد التدريجي، او تسويق مواقف سياسية وعسكرية معينة للرأي العام، يدرك جيدا ان الرئيس الامريكي باراك اوباما عندما يقول في مؤتمر صحافي عقده على هامش قمة العشرين الاقتصادية في مدينة بريزبين الاسترالية اليوم (الاحد) “لن نتردد في ارسال وحدات برية الى المنطقة في حال سيطرت قوات “الدولة الاسلامية” على سلاح نووي مثلا، لكننا نريد ان تتولى قوات الامن العراقية مهامها”، فإن هذا يعني، وللوهلة الاولى، ان القرار بإرسال قوات امريكية الى العراق وسورية ربما جرى اتخاذه مبكرا وينتظر الذريعة، واننا على ابواب مرحلة التنفيذ.
الرئيس اوباما ضاعف عدد القوات الامريكية البرية في العراق الى 3100 جندي، واكد قبل اسبوع ان العدد سيرتفع، وان قوات اخرى في الطريق، وبرر ارسال هذه القوات، قديمها وجديدها لتدريب الجيش العراقي واعادة تأهيله عسكريا حتى يتمكن من التصدي لقوات “الدولة الاسلامية”.

***

لا نعتقد ان تدريب القوات العراقية يحتاج الى هذا العدد الضخم من المدربين والمستشارين، الا اذا كان تعداد هذا الجيش سيصل الى الملايين من الضباط والجنود، ونرجح ان هناك خطة امريكية عراقية مشتركة، لعودة قوية للتدخل العسكري الامريكي في العراق وسورية، ولكن من “نافذة” محاربة “الدولة الاسلامية”، اي انها لن تكون قوات غازية وانما صديقة، ولكن ما هو الثمن الذي تنتظره واشنطن؟
ما يجعلنا نميل الى هذا الاعتقاد عدة مؤشرات على درجة كبيرة من الاهمية نلخصها في النقاط التالية:
ـ اولا: هناك اجماع في اوساط معظم المحللين العسكريين الامريكيين بأن القصف الجوي الامريكي لتجمعات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية لم يحقق الا القليل من النجاح في اضعافها والحد من قوتها، وانه لا بديل عن وجود قوات على الارض.
ـ ثانيا: توارد انباء كثيرة، ذات مصداقية، من مصادر غربية عن قيام “المستشارين” الامريكيين بمرافقة القوات العراقية في حربها لاستعادة مدن وبلدات في اقليم الانبار، وكذلك فك الحصار عن مدينة بيجي حيث توجد مصفاة النفط التي توفر ستين في المئة من احتياجات البلاد من المشتقات النفطية الضرورية مثل البنزين والمازوت.
ـ ثالثا: زيارة الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة اركان الجيوش الامريكية فجأة الى العراق، وتقدمه بعرض لاشراك قوات امريكية في المعارك التي قد تنطلق في الاماكن الخطرة (نينوى والحدود العراقية السورية) ضد تنظيم الدولة الاسلامية وهو العرض الذي قال السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي انه رفضه.
ـ رابعا: رفض معظم اعضاء التحالف من العرب، مثل المملكة العربية السعودية والاردن والامارات وقطر علاوة على تركيا ارسال قوات برية الى العراق وسورية، ورفض السيد العبادي في المقابل وجودها على ارض بلاده لانه يعتقد “ان العراق لا يحتاج الى اي قوات اجنبية برية، وان الجيش العراقي، مدعوما بالحشد الشعبي وابناء العشائر قادر على انجاز مهامه دون تدخل خارجي”.
تصريحات السيد العبادي حول رفض اي قوات ارضية امريكية ربما تأتي للتغطية على اتفاق جرى التوصل اليه فعلا اثناء زيارة الجنرال ديمبسي الخاطفة الى بغداد بأرسال المزيد من القوات الارضية الامريكية، لان نفيه لا معنى له عمليا، ويعكس تناقضا “غير مفهوم” فالقوات الامريكية الارضية موجودة فعلا وتتزايد، وهذا اولا، وثانيا لا نرى اي فرق بين قوات ارضية او جوية، فالاستعانة بقوات اجنبية قد تمت من حيث المبدأ والباقي تفاصيل.
نقطة اخرى لا يمكن تجاهلها وتتلخص في قول الرئيس اوباما انه لن يتردد في ارسال وحدات برية امريكية الى المنطقة اذا سيطرت “الدولة الاسلامية” على سلاح نووي، فأين يوجد هذا السلاح النووي حتى تسيطر عليه هذه الدولة؟ في العراق او سورية ام ايران؟
الدولة الوحيدة في المنطقة التي تملك اسلحة نووية هي اسرائيل فهل تملك “الدولة الاسلامية” وقواتها القدرة في الوقت الراهن للوصول الى مفاعل ديمونا، او مخازن الرؤوس النووية الاسرائيلية والاستيلاء عليها وكيف؟
***
لا بد ان هناك “طبخة” امريكية يجري اعدادها للمنطقة بأسرها، عنوانها عودة القوات الامريكية الى العراق، ولكن تحت ذريعة حماية المنطقة من خطر “الدولة الاسلامية”، وترددت انباء في اكثر من عاصمة غربية، ان هناك خطة مطروحة فعلا لارسال ثمانين الف جندي، اي نصف عدد القوات التي احتلت العراق عام 2003.
وربما لم يكن من قبيل الصدفة اقدام “الدولة الاسلامية” على اعدام الجندي الامريكي السابق الذي كان رهينة لديها (بيتر كاسيغ) امام الكاميرات في منطقة “دابق” وقول متحدث بإسمها انه “اول صليبي” يدفن فيها، وانها تنتظر (اي الدولة) بلهفة باقي الجنود الامريكيين لدفنهم في المنطقة نفسها.
الرئيس باراك اوباما قال في حديث لمحطة تلفزيونية امريكية ان بلاده ستنتقل الى مرحلة الهجوم في حربها ضد “الدولة الاسلامية”؟ فهل حمل الجنرال ديمبسي هذه الخطة الهجومية وتفاصيلها الى نظرائه العراقيين؟ وهل نحن امام احتلال امريكي جديد للعراق وربما سورية ايضا؟ وهل ستكرر امريكا الاخطاء نفسها ام ستتعلم منها في المرة المقبلة؟
احتمالات غرق امريكا في المستنقع الدموي العراقي السوري مرة اخرى، وبعد ثلاث سنوات من انسحابها، كبيرة، بل كبيرة جدا، وسيكون تدخلها مكلفا لها ولأهل المنطقة، قلنا هذا اثناء غزو عام 2003 ونكرره الآن دون تردد، والايام والاشهر المقبلة حبلى بالمفاجآت.

اوباما “يغازل” السيد خامنئي ويستغيث بمساعدته ضد “الدولة الاسلامية” في رسالة سرية.. فهل يئس من حلفائه العرب؟ وبدأ يعترف ضمنيا بفشل استراتيجيته؟

عبد الباري عطوان
عندما يبعث الرئيس الامريكي باراك اوباما برسالة سرية الى السيد علي خامنئي المرشد الاعلى للثورة الايرانية يؤكد فيها على المصالح المشتركة في محاربة “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية، ويعرض التعاون المشترك في هذا الصدد فإن هذا يعني ثلاثة امور اساسية:
ـ الاول: اعتراف الرئيس الامريكي بشكل غير مباشر بفشل الاستراتيجية الحالية في القضاء على “الدولة الاسلامية” التي تقصف طائراته تجمعاتها على جانبي الحدود السورية العراقية.
ـ الثاني: عدم تعويل الرئيس الامريكي على حلفائه العرب في مواجهة هذا الخطر الكبير الذي تقول الادارة الامريكية انه يهدد مصالحها وحلفاءها في المنطقة.
ـ الثالث: توصل واشنطن الى قناعة راسخة بأن المفاوضات التي ستبدأ في سلطنة عمان يوم الاحد المقبل حول البرنامج النووي الايراني بين جون كيري وزير الخارجية الامريكي ونظيره الايراني محمد جواد ظريف مهددة بالانهيار بسبب تمسك ايران بموقفها في مواصلة عملية تخصيب اليورانيوم، ولذلك يحاول الرئيس الامريكي القاء “جزرة التعاون” ضد “الدولة الاسلامية” على امل تسهيل هذه المفاوضات، واخراجها من حال الجمود التي تعيشها حاليا.

***

هذه هي الرسالة السرية الرابعة التي يبعثها الرئيس اوباما الى مرشد الثورة الايرانية ولم يتلق اي رد منه، ولكنه (اي الرئيس اوباما) لم ييأس، حتى انه استعان بقنوات اخرى لايصال رسائل للقيادة الايرانية مثل قناة حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الجديد، والسيد علي السيستاني المرجع الشيعي العراقي.
ومن المفارقة ان الرئيس الامريكي لم يتشاور مع حلفائه في المنطقة مثل المملكة العربية السعودية واسرائيل حول هذه الخطوة، تماما مثلما اقدمت ادارته على محادثات سرية مع السلطات الايرانية في مسقط عام 2012، واستمرت اكثر من ستة اشهر وتمخضت عن اتفاق اولي حول البرنامج النووي الايراني كان من ابرز بنوده الرفع الجزئي للعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.
الرئيس اوباما حرص في كل رسائله الى المسؤولين الايرانيين، سواء عبر السيد السيستاني، او رئيس الوزراء حيدر العبادي على التأكيد بأن العمليات العسكرية الامريكية لا تهدف الى اضعاف ايران وحلفائها (سورية) وانما “الدولة الاسلامية”، وهذا ما يفسر حالة الارتياح الحالية التي تعيشها السلطات السورية، والقلق الكبير في اوساط المعارضة السورية في المقابل.
المسؤولون في المعارضة السورية المسلحة الذين باتوا يشعرون ان امريكا خذلتهم، وتاجرت بهم، يقولون، مثلما نقلت عن احد قادتهم صحيفة “الغارديان” البريطانية ان امريكا تريدنا ان نخوض حربها (ضد الدولة) وليس حربنا ضد النظام السوري”.
لا نعرف ما اذا كانت القيادة الايرانية ستتجاوب ام لا مع هذا “الغزل” الامريكي، فالخطاب العلني الايراني ما زال يعتبر امريكا “الشيطان الاكبر”، واتهم السيد خامنئي الادارة الامريكية اكثر من مرة بالعمل على اغراق العالم الاسلامي في حروب اهلية طائفية، وبث الفتن في صفوف الامة الواحدة لتجزأتها وتفتيتها.
الرئيس الامريكي يتذلل للايرانيين لانه يدرك جيدا انهم قوة اقليمية عظمى، تملك ترسانة عسكرية متقدمة جدا من صواريخ، وغواصات، وطائرات بدون طيار وزوارق حربية متقدمة لا ترصدها الرادارات ولهذا يتعامل معهم بحذر شديد ويحاول كسبهم الى جانب بلاده على عكس الحال مع القادة العرب، الذين يعاملهم بإحتقار شديد، ويعتبرهم ادوات او مشاريع صفقات اسلحة لانقاذ الصناعة العسكرية الامريكية من الكساد.
لا نستبعد اقدام ايران على استغلال حالة الضعف الامريكية الحالية لمصلحتها وحلفائها، والانضمام الى التحالف الامريكي لمحاربة “الدولة الاسلامية” وقواتها لانها تشكل تهديدا مباشرا لها، ولكن دون ان تتنازل عن شروطها النووية مثلما حدث في المفاوضات السرية الاولى في مسقط، فقد اعربت عن استعدادها للمشاركة في الحرب، وارسلت اسلحة ومعدات عسكرية الى كردستان العراق.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الاطار هو عما اذا كان اي تنسيق امريكي ايراني يمكن ان يغير معادلة الحرب على ارض المواجهات ضد “الدولة الاسلامية”؟
***
السؤال افتراضي، ومن الصعب اعطاء اجابة حاسمة عليه، وايران ما زالت تبقي اوراق اللعبة قريبة الى صدرها حتى لا يراها احد من خصومها، ولكن ما يمكن التكهن به، ان انزلاق ايران الى حرب استنزاف “غير تقليدية” وتحت مظلة عسكرية امريكية ربما يكون “مغامرة خطرة”، فهي تخوض حربا بالنيابة على ارض العراق وسورية، وبدرجة اقل في لبنان ولولا دعمها المادي والعسكري القوي للسلطات السورية (من خلال ميليشيات عراقية الى جانب حزب الله)، لما صمد النظام السوري اربع سنوات في ظل هجمة شرسة اقليمية ودولية تحارب لاسقاطه، ولذلك ربما تفضل توريط امريكا وحلفائها العرب في هذه الحرب الا اذا حصلت على ضمانات امريكية بالاعتراف بها كقوة نووية اقليمية تكون صاحبة الكلمة الاولى والاخيرة في ادارة شؤون المنطقة، وهذا غير مستبعد بالنظر الى الطعنات المسمومة التي وجهتها الادارات الامريكية المتعاقبة لاصدقائها العرب.
فاذا كانت معركة “كوباني” استغرقت ما يقرب من شهرين، وتشارك فيها قوات كردية من تركيا والعراق وسورية الى جانب الجيش الحر وطائرات امريكية من كل الانواع والاصناف، فكم ستحتاج امريكا من القوات والحلفاء والاسلحة لحسم الحرب ضد “الدولة الاسلامية” لصالحها، وهي الدولة الاعظم في التاريخ؟
نترك الاجابة لكم ولما ستحمله الاشهر والسنوات المقبلة من متغيرات ونتائج في جبهات القتال.

نعم.. “كوباني” ليست اغلى من القدس ولكن حكامنا العرب يرون غير ذلك.. فعندما يبريء عباس اسرائيل من دم عرفات ويتباهى بعدم اطلاق رصاصة واحدة في الضفة اثناء حرب غزة فماذا تتوقعون؟

عبد الباري عطوان

عندما يتباهى الرئيس الفلسطيني محمود عباس بأنه لن يسمح مطلقا بانتفاضة ثالثة في الضفة الغربية، ويذّكر الاسرائيليين بأن رصاصة واحدة لم تطلق منها (اي الضفة) طوال خمسين يوما من الحرب على قطاع غزة، ويبرىء اسرائيل من اغتيال الرئيس ياسر عرفات، فانه من الطبيعي ان يجتاح المستوطنون المسجد الاقصى وتتجرأ حكومتهم على اغلاقه للمرة الاولى منذ احراقه عام 1967.
ففي الوقت الذي يمارس العالم ضغوطا مكثفة على تل ابيب، وتتعاظم عزلتها الدولية، يتعاطى معها الرئيس عباس بكل نعومة، ويؤكد انه ضد اطلاق الصواريخ التي اصر انها “عبثية” او اي عمل عسكري ضدها وذلك في حديثه للقناة الاسرائيلية العاشرة بثته قبل يومين.
وربما يجادل بعض المحيطين به في المقاطعة في رام الله بأن هذه “النعومة” هي التي تقف خلف الاعتراف اليتيم اوروبيا للحكومة السويدية بدولة فلسطين، وبعدها الاعتراف الرمزي للبرلمان البريطاني، فان ردنا على مثل هذه الاقوال التي تخفي عجزا لا يليق بالشعب الفلسطيني وشهداءه وتاريخه الحافل بالتضحيات بأن هذه النعومة هي التي جعلت الاستيطان يتغول، والاعتداءات تتفاقم، والاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية يتراجع.

***

الرئيس عباس لا يمل من التأكيد بأنه لا يريد انتفاضة فلسطينية ثالثة، وينسى انه الذي جاء به وسلطته من المنفى التونسي الى المقاطعة في رام الله ليست سياسات استجداء السلام والتودد للاسرائيليين، وانما الانتفاضة الاولى وشهداؤها، ولم يعزز بقاءه في كرسيه الا الانتفاضة الثانية التي هزت اسرائيل والعالم بأسره، وكانت وراء تشكيل اللجنة الرباعية ووضع خريطة طريق السلام، وهي انجازات اهدرتها سياسات الاذعان والتنسيق الامني المهين، والرهان على مفاوضات “عبثية” وتحويل الشعب الفلسطيني الى اكبر شعب متسول في العصر الحديث.
الذي حمى، ويحمي، وسيحمي، القدس المحتلة، ومسجد اقصاها، ومقدساتها الاسلامية والمسيحية، ليست السلطة، ولا استغاثاتها، لانه لا احد يستجيب لها، وانما المرابطون من اهلنا في المدينة المقدسة والمناطق المحتلة عام 1948.. هؤلاء الذين هبوا لنجدتها، وتصدوا لمقتحميها اليهود وقوات الامن التي توفر الحماية لجرائمهم.
نتنياهو تراجع عن قراره باغلاق المسجد الاقصى بعد يوم واحد لانه بات يدرك جيدا ان استمرار هذا الاغلاق يعني انفجار انتفاضة الاقصى الثالثة، على غرار الثانية التي تفجرت بعد زيارة ارييل شارون الاستفزازية، واشتعال الاراضي المحتلة كلها لاشهر وربما سنوات قادمة، فقد طفح الكيل من الاعتداءات الاسرائيلية واذعان السلطة معا.
الشهيد معتز حجازي الذي اطلق النار على المستوطن اليهودي المتطرف يهودا غيليك الذي يقود الهجمات المتكررة لاقتحام المسجد الاقصى وباحته، كان يوجه رسالة قوية لكل هؤلاء المستوطنين ورئيسهم نتنياهو الذي يتستر على جرائمهم، بان اهل الارض المحتلة لن يسمحوا بالاعتداء على مقدساتهم، وتقسيم اقصاهم مهما كان الثمن.
يكتب لي الكثير من القراء يتساءلون عما اذا كانت “عين العرب ـ كوباني” اغلى من القدس واكثر قداسة، وهل فيها مقدسات لا نعرفها؟ فلماذا يهتم العالم كله بالاولى ويرسلون الاسلحة والطائرات لحمايتها ومنع سقوطها في ايدي “الدولة الاسلامية” التي تحاصرها؟ التساؤل مشروع وفي محله وكل ما يقولونه هو الصدق بعينه، ولكن الزعماء العرب، بل والمسلمين ايضا، يرون عكس ما ترون، فالجرائم الاسرائيلية في القدس المحتلة، واغلاق المسجد الاقصى، لا تعنيهم على الاطلاق، ويديرون وجوههم حيث تديرها الولايات المتحدة الامريكية اي الى “كوباني” قبلتهم الجديدة التي حددتها وقررتها ادارة باراك اوباما.
في الماضي كنا نعّول خيرا على هؤلاء الزعماء، ونناشدهم التحرك لانقاذ القدس المحتلة، ناهيك عن فلسطين، ولكن بعدما شاهدنا تواطؤهم مع العدوان الاسرائيلي على غزة، وصلواتهم من اجل ابادة كل من فيه، وفي اسرع وقت ممكن، لانهاء قيم المقاومة واقتلاعها من جذورها، في هذا القطاع الصامد الصابر الذي بات وجوده واهله يشكل احراجا لهؤلاء، هذا اذا كانوا يشعرون بالاحراج فعلا.
***
الشعب الفلسطيني في ارض الرباط سيشعل لهيب الانتفاضة الثالثة، ويوسع نطاقها، ولن يعير اي اهتمام للرئيس عباس والتذلل للاسرائيليين، وسيتحدى سياسات الهوان التي يتباهى بها، ويتوسل الى الاسرائيليين العودة الى المفاوضات ووقف الاستيطان.
الرئيس عرفات استشهد مسموما وعلى ايدي الاسرائيليين وعملائهم لانه رفض التفريط بالمدينة المقدسة في مفاوضات كامب ديفيد، مثلما رفض التنازل عن حق العودة، ونسف التنسيق الامني واتفاقات “اوسلو” عندما ارادها انتفاضة ثانية مسلحة، ولا نعتقد ان خلفه السيد عباس يريد ان يفعل شيئا من هذا، بما في ذلك العصيان المدني الذي يلوح به دائما دون ان يتجرأ على تنفيذه عمليا على الارض.
للاقصى شعب صابر مقاوم يحمل في جيناته قيم الكرامة والعزة، لن يتردد مطلقا عن حمايته، والتصدي لكل من يريدون اقتحامه وتقسيمه، وطمس هويته العربية، والاسلامية، تماما مثلما فعل ابناؤه في قطاع غزة وجنين والخليل ونابلس وبيت لحم وكل مدن وقرى فلسطين التاريخية المحتلة دون استثناء.
انتفاضة الاقصى الثانية سطرت نقطة النهاية في حياة شارون السياسية والشخصية، وانتفاضة الاقصى الثالثة ستكون نهاية نتنياهو، وربما بداية النهاية للدولة الاسرائيلية، وغرور قادتها وتطرف مستوطنيها.
الشعوب العربية والاسلامية ستهزم امريكا في العراق وسورية وفلسطين المحتلة، مثلما هزمتها في العراق وافغانستان ولبنان، وسيظل الاقصى المبارك شامخا عزيزا، مثلما كان على مر العصور، وصبرا يا هل ياسر.

مللنا من تحويل السلطات المصرية قطاع غزة الى “كبش فداء” لاخفاقاتها في اجتثاث الارهاب في سيناء.. ونرجوها احتلاله فورا لوقف هذه “الذريعة” وانهاء الحصار والمعاناة لمليونين من ابنائه

عبد الباري عطوان

عدت لتوي من تونس حيث تابعت الانتخابات التشريعية، وزرت بعض مراكز الاقتراع، والتقيت اكبر عدد ممكن من السياسيين والاعلاميين، وشاركت في برنامج تلفزيوني “ماراثوني” لمناقشة وتحليل النتائج الاولوية ومدى انعكاسها على تونس المستقبل وواقعنا العربي الراهن، ولكني لن اخصص هذه المساحة للحديث عن تونس، وانما عن مصر، والاسباب التي ادت الى حالة الاستقرار النسبي في الاولى، وتصاعد اعمال العنف والارهاب في الثانية، رغم ان تجربة “ثورات” ما يطلق عليه لـ”الربيع العربي” تتشابه في الكثير من جوانبها في البلدين، من حيث سرعة التغيير في قمة الحكم (بضعة اسابيع)، وتماسك مؤسسات الدولة، وفوز الاسلاميين في الانتخابات الاولية التي جرىت فيهما.
باختصار شديد اقول ان السبب الرئيسي لنجاح التجربة التونسية هو ما تفتقره مصر ومعظم الدول العربية الاخرى، اي وجود مجتمع مدني، ودور بارز للمرأة، واعتدال الاسلام السياسي المتمثل في حزب النهضة وقيادة الشيخ راشد الغنوشي وبراغماتيته، والاحتكام الى صناديق الاقتراع والقبول بنتائجه.
الشعب التونسي اطاح بحكم حزب النهضة الاسلامي من خلال احتجاجات سلمية وانتخابات تشريعية نزيهة، بينما تم الاطاحة بالاخوان المسلمين في مصر من خلال انقلاب عسكري، وقمع دموي لانصارهم، والزج بمعظم قيادتي الصف الاول والثاني في السجون والمعتقلات، ولو تأخر الحسم العسكري قليلا ربما لوصلت مصر الى النتائج نفسها الى نراها في تونس حاليا.
حزب النهضة “والترويكا” الثلاثية التي شكلها لحكم البلاد فشلت في مهمتها بعد عامين تقريبا من المحاولات الدؤوبة، فقرر الانسحاب تقليصا للخسائر وانقاذا لنفسه والبلاد من الانهيار الكامل، والانزلاق الى صدامات دموية تفاقم ازمات البلاد الاقتصادية والامنية، بينما لم تتصرف حركة “الاخوان المسلمين” في مصر بالبراغماتية نفسها، والقراءة الصحيحة لمخططات المؤسسة العسكرية والتيارات المدنية والعلمانية التي تحالفت معها واستخدمتها (اي القوى الليبرالية العلمانية) لتقويض اول حكم منتخب للاسلام السياسي في مصر.
***
يوم الجمعة الماضي شن مسلحون مجهولون هجوما استهدف نقطة عسكرية في محافظة شمال سيناء اسفر عن سقوط 31 قتيلا و30 مصابا، وفق حصيلة رسمية “غير نهائية” مما دفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الى فرض حالة الطوارىء لمدة ثلاثة اشهر، مرفوقة بحظر تجول طوال ساعات الليل، وارسال تعزيزات من الجيشين الثاني والثالث “لاجتثاث الارهاب من جذوره”، مثلما قال العميد محمد سمير المتحدث باسم القوات المسلحة.
السلطات المصرية محقة في اتخاذ ما تريد من اجراءات لاعادة هيبتها وسيطرتها وفرض الامن في سيناء شريطة ان لا تؤثر هذه الاجراءات على الابرياء، وان تترافق مع حلول سياسية في الوقت نفسه تؤدي الى تنفيس الاحتقان وتعميق الولاء للدولة.
كعاتدتها في جميع المرات السابقة، تبحث السلطات المصرية عن “كبش فداء” لتحميله مسؤولية فشلها في القضاء على “الجماعات الارهابية” وليس هناك افضل من حركة المقاومة الاسلامية “حماس″، وقطاع غزة على وجه التحديد، فلجأت الى اغلاق معبر رفح الى اجل غير مسمى، والغت اجتماعا كان مقررا لاستئناف المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية غير المباشرة لتطبيق الاتفاقات التي جرى التوصل اليها سابقا لتثبيت وقف اطلاق النار، ووقف اعادة الاعتداءات الاسرائيلية، ورفع الحصار، وبدء عملية اعادة الاعمار لاكثر من ثمانين الف منزل دمرها العدوان الاسرائيلي الاخير.
الاعلام المصري كعادته واصل مسلسل التحريض ضد قطاع غزة واهله، واتهم حركة “حماس″ بالتورط في حادث الهجوم الدموي على الجيش المصري حتى قبل ان تبدأ التحقيقات وتجف دماء الجنود الضحايا، بينما اشار الرئيس السيسي الى اصابع خارجية تقف خلف الهجوم.
من يسمع هذه الاتهامات التي تقول ان المهاجمين تسللوا من قطاع غزة عبر الحدود المصرية الفلسطينية يتبادر الى ذهنه ان طول هذه الحدود يزيد عن الف ميل، بينما هي لا تزيد عن عشرة كيلومترات فقط.
كل هذه التعزيزات العسكرية من الجيشين الاول والثاني، علاوة على “قوات التدخل السريع″ من اجل تأمين هذه الحدود، ومنع الارهابيين الفلسطينيين من تهديد الامن القومي المصري، وتأمين سلامة الجنود المصريين بالتالي.
جميع “الارهابيين” الذين قتلتهم القوات المصرية، حسب البيانات الرسمية، من المصريين (عددهم ثمانية) وليس بينهم اي فلسطيني سواء من قطاع غزة او خارجه، فلماذا هذا الانتقام من القطاع واهله وتحميلهم مسؤولية ارهاب لم يمارسونه؟
مشكلة السلطات المصرية هي مع المصريين في سيناء وغير سيناء وليس مع الفلسطينيين، الا اذا كانت تعتبر اهالي سيناء غير مصريين، وتصنفهم في خانة الفلسطينيين، وتشكك في مصريتهم، فلا يوجد فلسطينيون في الصحراء الغربية المصرية التي شهدت مذبحة اقدم عليها ارهابيون وقتلوا اكثر من عشرين جنديا مصريا على حاجز عسكري في واحة الوفرة، ولم تغلق مصر المعبر الحدودي مع ليبيا مثلما تفعل مع معبر رفح.
الحلول الامنية والعسكرية للتصدي للارهاب فشلت في الكثير من الدول، وخاصة في العراق وسورية واليمن وليبيا، وهذا يحتم اتباع وتجريب اساليب اخرى وعلى رأسها الغاء كل سياسات الاقصاء والاجتثاث واللجوء الى الحوار وتقبل الآخر، وهذا ما فعلته تونس طوال السنوات الماضية، ونجحت من خلاله من الخروج من عنق الزجاجة والوصول الى بر المان جزئيا او كليا.

***

نشعر بالاسى عندما نسمع ونشاهد محللين عسكريين مصريين يطالبون، عبر شاشات التلفزة، بارسال قوات مصرية لاقتحام قطاع غزة وقطع رؤوس الارهاب فيه، فمشكلة مصر مع الارهاب ليست موجودة في قطاع غزة، او معبر رفح، وانما في السياسات الامنية والعسكرية المصرية نفسها، ومحاولة البعض التهرب من تحمل مسؤولية القصور والاخفاق بالقائها على عاتق الآخرين.
فاذا ارادت القوات المصرية اقتحام القطاع فستجد الآلاف الذين يرحبون بها، لانها لا يمكن ان تكون الا قوات صديقة، ولكن هذا الاقتحام لن يعيد الهدوء الى سيناء ولن يوقف الهجمات على الجيش المصري وحواجزه في المستقبل المنظور، والا لحدث ذلك بعد تدمير السلطات الامنية المصرية لاكثر من 1300 نفق تحت حدود غزة وتشديد الحصار الخانق على اهلها، واغلاق معبر رفح لاكثر من ثلاثة اشهر متواصلة.
نتمنى على القوات المصرية ان تحتل قطاع غزة وفورا لفترة مؤقتة او دائمة، حتى نتخلص من هذه “الفزاعة” او “الذريعة”، ونضع حدا، ومرة واحدة، لآلام اكثر من مليوني انسان عربي مسلم يعانون مر المعاناة من نتائج تحويلهم الى “كبش فداء” من قبل الشقيق الحاكم في مصر، وتحميلهم مشاكل ومصائب مصر كلها، ولعل الاعلام المصري يبحث عن “كبش فداء” آخر غير غزة، ليوجه اليه حملاته وتحريضه واتهاماته وشيطنته، من اجل التغيير وعدم التكرار، وان كنا نشك في ذلك.

مصر تنزلق الى حرب استنزاف دموية.. والهجوم الانتحاري الاحدث في سيناء يشكل “علامة فارقة” ويحمل بصمات “القاعدة”.. فلماذا تتصاعد اعمال العنف والارهاب هذه.. وما هي خريطة الطريق اللازمة للحد من اخطارها؟

عبد الباري عطوان
تتحول صحراء سيناء الى ميدان لمواجهات دامية بين الجيش المصري والجماعات الاسلامية المتشددة، فلا يمر اسبوع دون حدوث هجمات تؤدي الى سقوط العديد من القتلى والجرحى، لكن هجوم اليوم (الجمعة) الانتحاري الذي استهدف حاجزا عسكريا للجيش المصري في مدينة الشيخ زويد قرب العريش يشكل علامة فارقة، وينبيء بخطر حقيقي لا يهدد القوات المصرية وانما الاهداف والدوريات العسكرية الاسرائيلية ايضا، ونسف انابيب الغاز الاسرائيلي الذي اتفق البلدان على بنائه مؤخرا.
وعندما نقول ان هذا الهجوم يشكل علامة فارقة، فإننا نستند هنا الى ضخامة عدد القتلى (26 قتيلا) في صفوف الجيش، وطريقة تنفيذه، بالاضافة الى توقيته، وهذا ما دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الى عقد اجتماع عاجل لمجلس الدفاع الوطني لمتابعة التطورات عن كثب، وهذا المجلس يضم وزيري الدفاع والداخلية وكبار القادة العسكريين ويرأسه السيسي نفسه، ولا ينعقد الا في الحالات التي تواجه فيها البلاد تهديدا امنيا عالي الخطورة.
***
من خلال قراءة تفاصيل عملية الهجوم هذه، اي اقتحام سيارة صغيرة يقودها انتحاري، تتبعها سيارة مفخخة اكبر، يمكن الاستنتاج بأن تنظيم “القاعدة”، او جماعة اسلامية متشددة تنتمي اليه، او تنسق معه، يقف خلف هذه العملية “غير المسبوقة” في ضخامتها وعدد ضحاياها.
ما يدفعنا الى الوصول الى هذا الاستنتاج، ان الهجوم يتطابق مع الهجومين اللذين نفذتهما خلايا انتحارية تنتمي الى تنظيم “القاعدة” في تفجير السفارتين الامريكيتين في نيروبي ودار السلام في آب (اغسطس) عام 1998، كما يتطابق ايضا مع عملية التفجير التي نفذها التنظيم نفسه في السفارة المصرية في اسلام اباد عام 1996، واشرف على تنفيذه الراحل ابو حفص المصري القائد العسكري لـ”القاعدة” في حينها انتقاما لاحتجاز وتعذيب واغتصاب عناصر من تنظيم “الجهاد” في قبو السفارة، كما ابلغنا بذلك شخصيا عندما التقيته في جلال اباد في العام نفسه.
الجيش المصري يخوض حربا شرسة لا هوادة فيها لمحاربة الجماعات الارهابية في سيناء منذ الاطاحة بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي في الثالث من تموز (يوليو) عام 2013، ولكن يبدو، ومن تزايد عدد الهجمات بشكل مضطرد في الاسابيع الاخيرة، ان هذه الحرب لم تستطع القضاء على هذا الخطر او حتى تقليص خسائره بل زادته اتساعا.
يوم الاحد الماضي قتل سبعة جنود مصريين واصيب اربعة في هجوم بقنبلة استهدفت مدرعة للجيش كانوا يستقلونها قرب مدينة العريش عاصمة سيناء، وفي تموز (يوليو) الماضي قتل 22 جنديا مصريا واصيب اربعة آخرون في هجوم مسلح ضد نقطة لحرس الحدود بالقرب من واحة الفرافرة في صحراء مصر الغربية.
وعندما نتوقف عند توقيت هجوم الشيخ زويد الاخير نجد لزاما علينا الربط بينه وبين الدعم المصري القوي لقوات اللواء خليفة حفتر التي نجحت في هزيمة الجماعات الاسلامية، وانصار الشريعة الاسلامية بالذات، وطردها من منطقة بنغازي الليبية التي كانت تسيطر عليها.
ومن غير المستبعد ان تكون هذه العملية محاولة للانتقام من هذا الدعم الذي اعطى نتائجه بسرعة، وجاء في اعقاب زيارة قام بها السيد عبد الله الثني رئيس وزراء الحكومة الليبية المنبثقة عن البرلمان المنتخب والمعترف بشرعيته من قبل الولايات المتحدة وعدة دول اوروبية وعربية، فبعدها اعلن السيد الثني بثقة واضحة ان قوات حفتر ستحرر العاصمة الليبية طرابلس قريبا جدا.
لا نستطيع في هذه العجالة تجاهل عملية الربط بين هذا الهجوم على الحاجز العسكري المصري، وعملية فدائية اخرى جرت قبل اربعة ايام وتمثلت في اطلاق نار على دورية اسرائيلية قرب الحدود المصرية، مما اسفر عن اصابة جنديين اسرائيليين وهذه من العمليات الفدائية النادرة في الفترة الاخيرة.
دائرة العنف والارهاب التي تهدد مصر وسلطاتها الحاكمة تتسع، وتشكل خطرا امنيا من كل الجهات، وتصل الى العمق المصري نفسه، واسوأ الامثلة في هذا المضمار تبني تنظيم جهادي جديد يحمل اسم “اجناد مصر” مسؤولية الهجوم المسلح امام جامعة القاهرة الذي اسفر عن اصابة عشرة اشخاص من بينهم ستة من رجال الامن.
مواجهة هذه الهجمات الارهابية بقبضة حديدية امر حتمي، ولكن تبني الحلول العسكرية وحدها لا يمكن ان يعطي مفعوله الا اذا ترافق مع حلول سياسية، وحوار وطني، ينفس حالة الاحتقان التي تعيشها البلاد ويقود الى مصالحة وطنية حقيقية توسع دائرة المشاركة في الحكم بعيدا عن سياسات الاقصاء والتهميش والاعتقال.
التقارب المصري الاسرائيلي الذي تسارعت وتيرته في الاشهر الاخيرة، وبلغ ذروته في توقيع الحكومة المصرية اتفاقا لاستيراد الغاز من تل ابيب مدته تزيد عن عشرين عاما، والصمت على العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة، وعدم اتخاذ خطوات عملية لمواجهته غير استضافة حوار فلسطيني اسرائيلي لوقف اطلاق النار بعد خمسين يوما من المجازر في حق الشعب الفلسطيني، كلها عوامل تصب في مصلحة الجماعات المتشددة التي تريد زعزعة استقرار البلاد واغراق جيشها في دوامة حرب استنزاف دموية.
***
الرئيس السيسي الذي يحاول محاكاة سياسات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وموافقه، ويؤكد انه يسير على نهجه، يجب ان يدرك جيدا ان هذه السياسات التقاربية والتطبيعية مع اسرائيل، في وقت تعم الفوضى الدموية المنطقة، وتهيء البيئة الحاضنة للجماعات الجهادية المتشددة تعطي نتائج تنعكس سلبا على امن مصر واستقرارها.
الحصانة الابرز لمصر من خطر الارهاب تتمثل في تبني القضايا الوطنية دون تردد، اما اغلاق الانفاق، وتشديد الحصار الخانق على قطاع غزة، وتعذيب مليونين من ابنائه امام معبر رفح، فتضعف مثل هذه الحصانة ان لم تنسفها من جذورها، فاذا كانت هذه الاجراءات تهدف الى محاربة الارهاب الذي يعتقد بعض “المستشارين” انه يأتي من غزة، فان تزايد الهجمات في سيناء وارتفاع عدد ضحاياه يؤكد فشل هذه المقولة وينسفها من جذورها.
لا نعرف مستشاري الرئيس السيسي الذين يرسمون له السياسات التي يسير على نهجها حاليا، ولا نريد ان نصدق ان توني بلير الملطخة اياديه بدماء مليون عراقي ليس من بينهم، وما نود قوله ان معظم هؤلاء يقدمون النصائح والتوصيات المضرة به ومصر وامنها، ولو كنت مكانه لاستبعدتهم جميعا، واخترت آخرين ابعد نظرا وافضل قراءة للاوضاع في مصر والمنطقة العربية بأسرها.

“رياح الجنة” تحول المساعدات العسكرية الامريكية الى مناطق “الدولة” في “عين العرب”.. ومفاجآت كثيرة في الطريق.. وتراجع تركيا عن فتح حدودها للبشمرغة احداها!

لا يأتينا من سورية هذه الايام غير “المفاجآت”، بعضها مفهوم ومعظمها يستعصي على الفهم من شدة غرابته وتعقيداته، لكن الشيء المؤكد ان الازمة ستستمر وتزداد تفاقما اسبوعا بعد اسبوع، وشهرا بعد شهر، وعاما بعد عام، ولا احد يملك المفتاح السحري للحل.
صحيح ان “الدولة الاسلامية” خطفت الاضواء بتقدمها “على حين غفلة” في الاراضي السورية والعراقية، واجبارها امريكا على تشكيل تحالف من اربعين دولة، والعودة بطائراتها ومستشاريها العسكريين الى العراق مكرهة، ولكن الايام الحالية تشهد عودة قوية لملف الازمة السورية مجددا والحديث عن حل سلمي لها، وصفقات سرية يجري طبخها، او بالاحرى محاولة طبخها في الغرف المغلقة.
***
لنبدأ اولا بالمفاجآت التي وقعت في اليومين الماضيين ولا يمكن ان ندعها تمر دون التوقف عندها لطرافتها احيانا، وللمعاني الكبيرة التي يمكن استخلاصها من ثناياها:
* المفاجأة الاولى: اسقاط الطائرات الامريكية شحنات من الاسلحة النوعية المتقدمة جدا على مناطق خاضعة لسيطرة “الدولة الاسلامية” في مدينة “عين العرب” او كوباني الكردية في شمال سورية بطريق الخطأ، حيث كانت موجهة الى الاكراد، فاستولت عليها “الدولة” “غير شاكرة”، و”غير مقدرة”، معتبرة هذا الخطأ غير المقصود هو “ارادة الله” جلّ وعلى، وتأكيد على انه يقف معها في وجه اعدائها، مثلما قال احد انصارها على احد شبكات التواصل الاجتماعي.
فهذه الاسلحة وشحنات الادوية جاءت في الوقت المناسب، والمكان المناسب، حيث انهالت المساعدات العسكرية والطبية من امريكا وكردستان العراق وفرنسا على الاكراد المدافعين عن المدينة ومنع سقوطها، بينما تعاني قوات “الدولة” من بعض النقص في العتاد والذخائر.
*المفاجأة الثانية: اعلان السيد مولود شاوش اوغلو وزير الخارجية التركي في تصريح لمحطة تلفزيون “ان تي في” التركية الثلاثاء، ان المقاتلين من كردستان العراق لم يعبروا الحدود الى “عين العرب” انطلاقا من الاراضي التركية حتى الآن وان مفاوضات جارية في هذا الصدد، بعد ان اكد بعظمة لسانه قبل ثلاثة ايام، وعلقنا عليه في هذا المكان، ان بلاده لن تسمح بسقوط “عين العرب” (كوباني) وانها فتحت حدودها لقوات “البشمرغة” الكردية للدخول اليها.
لا نعرف الدوافع التي تكمن خلف هذا التراجع التركي، فهل هو الخوف من الميليشيا الكردية المدافعة عن (كوباني) ام من “الدولة الاسلامية” وانتقامها ام من الاثنتين معا؟ ولكننا نعرف تبعات هذا التراجع، واولها اتساع دائرة الخلاف مع الولايات المتحدة، بعض الدول المشاركة في التحالف الامريكي لاضعاف، ومن ثم القضاء على “الدولة الاسلامية”، وعودة قوية للاتهامات العربية والغربية التي تتهم تركيا بدعم “الدولة الاسلامية” بطرق مباشرة او غير مباشرة.
*المفاجأة الثالثة: اختيار السيد حيدر العبادي رئيس وزراء العراق الجديد العاصمة الايرانية “طهران” لكي تكون المحطة الاولى التي يزورها بعد توليه منصبه، واكمال تشكيل حكومته، الامر الذي سيفسر في اوساط معارضيه الكثر داخل العراق وخارجه، بأن الوضع لم يتغير في بغداد، وانه ما زال يسير على خطى سلفه السيد نوري المالكي، الامر الذي سيجعل من مخططاته لتشكيل قوات “حرس وطني” في المناطق السنية والعشائرية “صحوات”، ولكن “بتسمية جديدة” مسألة في غاية الصعوبة، كما سيخيب آمال الكثير من دول الجوار التي كانت تتوقع ان يكون رئيس الوزراء الجديد على مسافة واحدة مع الجميع، وليس حليفا قويا لايران، ونحن نتحدث هنا عن المملكة العربية السعودية ودول خليجية وتركيا على وجه الخصوص.
ما نريد قوله ان كل هذه المفاجآت الثلاث التي تعكس تخبطا واضحا من اللاعبين الدوليين والاقليميين على حد سواء حول كيفية التعاطي مع خطر “الدولة الاسلامية” باتت تدفع بحتمية العودة الى الازمة الاصلية، ومحاولة معالجتها اولا، وليس الذهاب الى اعراضها الجانبية.
هذه العودة لاصل الازمة يمكن رصدها في تطورين اساسيين من الصعب اغفالهما:
*الاول: دعوة المبعوث الخاص بالامم المتحدة الى سورية السويدي ستفان ميستورا الثلاثاء اثناء زيارته لموسكو الى حل “عاجل” للازمة السورية على خلفية “تهديد ارهابي متفاقم، مؤكدا اثناء لقائه سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي “ان الحل العسكري مستبعد وعلينا ان نحل هذه المشكلة بالحوار السياسي”.
*الثاني: نفي مصادر دبلوماسية روسية لقناة “الميادين” عقد اي صفقات من وراء الكواليس بين واشنطن ودمشق على حساب موسكو وطهران، وقالت “ان واشنطن تتمنى عقد صفقة مع الاسد لابعاد ايران وروسيا عن المنطقة لكن الرئيس السوري لم يوافق ابدا”.
لا نعرف اسباب هذا الحديث عن صفقة سرية بين الاسد وامريكا من وراء الكواليس، واذا كان ليس صحيحا فلماذا تقدم موسكو على نفيه، وتتعمد قناة “الميادين” الداعمة لايران وسورية ابرازه، اي النفي بهذه الطريقة؟ وهل يصح المثل الذي يقول “لا دخان من غير نار” في هذه الحالة؟
السيد الاخضر الابراهيمي (هل تتذكرونه) قال قبل ايام في محاضرة القاها في المعهد الملكي للدراسات الدولية (تشاتام هاوس) البريطاني الشهير، انه ليس هناك خطط للسلام بل الحرب، ولا خطط امريكية لضرب مواقع النظام السوري ولا احد يطالب باسقاطه ولا توجد انشقاقات في صفوفه.
الرسالة التي يريد الابراهيمي ايصالها هي ان النظام باق، وان عليكم التعاون معه، وان حدود “سايكس بيكو” راسخة اكثر مما يعتقد الكثيرون.
السيد الابراهيمي يعرف جيدا دهاليز السياسة الدولية ونوعية مطابخها، وعندما يقول هذا الكلام الخطير علينا ان نسمع ونحلل لنعرف ما هو المقصود منه، وماذا سيحدث بعده.
في الماضي القريب جدا كانت المعارضة السورية السلمية والمسلحة، تغضب كثيرا عندما يقول البعض لماذا تحظى هذه المعارضة بدعم امريكا وتسليحها ولا تفعل الشيء نفسه للفلسطينيين، في اشارة الى النفاق والازدواجية الامريكيين، الآن، وفصائل المعارضة السورية تعاني من التهميش الامريكي، وتشتكي من عدم دعوتها وممثليها الى مؤتمر دول التحالف الدولي ضد “الدولة الاسلامية” الذي انعقد اخيرا في باريس، باتت تتحدث عن النفاق الامريكي وتقول كيف تقدم واشنطن كل هذه الاسلحة الحديثة للمدافعين عن “عين العرب” وتستخدم طائراتها لقصف “الدولة الاسلامية” وتجمعاتها بينما لم تفعل الشيء نفسه لها؟
السؤال مشروع، وسبحان مغير الاحوال، ولكن ما هو غير مشروع هو الثقة في امريكا، ووضع كل البيض في سلتها، والرهان عليها، واعتبارها صديقة للعرب والمسلمين وتضع مصالحهم في عين الاعتبار.
***
الشيء الوحيد الذي يمكن ان نختم به هذه المقالة انه بعد شهرين من القصف الجوي الامريكي العربي المكثف ما زالت “الدولة الاسلامية” صامدة، وتتقدم وتزداد قوة، بينما استطاعت القوات والطائرات الامريكية احتلال العراق في ثلاثة اسابيع وليبيا بضعف هذه المدة، مما يؤكد ما قاله ليون بانيتا وزير الدفاع الامريكي السابق بأن الحرب ضدها ستستمر ثلاثين عاما، وكرر الكلام نفسه العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني اثناء لقائه يوم امس مع عدد من النواب الاردنيين.
المفاجآت ستستمر تفاجئنا في الاشهر، وربما السنوات المقبلة، ولا نستبعد ان تكون “غير سارة” لقادة دول المنطقة، والتحالف الامريكي الذي سارعت بالانضمام اليه للقضاء على “دولة” يعترف الجميع انهم اساءوا تقدير قوتها.
اهلا بالمفاجآت، سواء كانت “سارة” او “غير سارة” فلم يعد لشعوب المنطقة ما تخسره بعد ان تحولت معظم دولها الى دول فاشلة تسودها فوضى دموية لاسباب معروفة لا داعي لتكرارها.

الخوف من دولة البغدادي الاسلامية هو سبب اعادة اعمار قطاع غزة والعودة للمفاوضات.. ومهرجانات الفرح باعتراف البرلمان البريطاني بدولة فلسطينية ضحك على ذقون الفلسطينيين.. وهذه هي اسبابنا!

عبد الباري عطوان
من يتابع الضجة الاعلامية الكبرى التي تسود المنطقة العربية هذه الايام والمتحورة حول اعتراف السويد بالدولة الفلسطينية، وتصويت البرلمان البريطاني المتوقع غدا (الاثنين) للامر نفسه يعتقد ان هذه الدولة قائمة فعلا، ولا ينقصها غير هذه الاعترافات فقط.
المسألة وبكل بساطة لا تتعدى كونها “حقنة” تخديرية اخرى للشعب الفلسطيني والعالم الاسلامي بأسره، تذكرنا بتجارب ووعود مماثلة كثيرة جدا صفقنا لها بحرارة، وبنينا عليها آمالا عريضة، وانتهينا بخيبة امل وخديعة الواحدة تلو الاخرى في اطار مسلسل طويل من الاهانات والاكاذيب، ويبدو اننا سنظل نلدغ من نفس الثعبان ومن نفس الجحر طوال الوقت، وممنوع علينا ان نصرخ الما والا فنحن ارهابيون.
عندما اراد جورج بوش الاب “تخدير” العرب قال انه سيحل القضية الفلسطينية بعد اخراج القوات العراقية من الكويت، وخرجت القوات فعلا، وجرى تدمير معظمها ذبحا بصواريخ الطائرات الامريكية وهي منسحبة ذليلة من الكويت في شباط (فبراير) عام 1991، على طريق المطلاع المؤدي الى البصرة، وفشل مؤتمر مدريد للسلام الذي عقده الرئيس بوش في زفة دولية وعربية، والشي الوحيد الذي اسفر عنه هو صدق نبوءة اسحق شامير رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي رأس وفد بلاده بأنه سيظل يتفاوض لاكثر من عشرين عاما دون ان يتنازل عن مليمترا واحدا من الاراضي المحتلة، ودون ان يتوقف لحظة عن مواصلة الاستيطان.
حاول خلفه بيل كلينتون الشيء نفسه، وعقد مؤتمر آخر للسلام في كامب ديفيد عام الفين ليتبين لنا ان الهدف منه “تسويق” دولة فلسطينية “مسخ” بدون سيادة وبدون القدس عاصمة لها، وعندما جاء جورج بوش الابن، واراد غزو العراق واحتلاله تعهد باقامة دولة فلسطينية مستقلة قبل نهاية ولايته الاولى عام 2005، وبعد الانتهاء من حكم صدام حسين، وانتهت الولاية الاولى والثانية وجرى اعدام صدام حسين ورفاقه، وتدمير العراق وتفتيته طائفيا، وتقسيمه جغرافيا، وتحويله الى دولة فاشلة والدولة الفلسطينية ما زالت في رحم الغيب، بل لم تبق اراض لكي تقام عليها.
***
الآن حلت “الدولة الاسلامية” وخطرها على الغرب وحلفائه في المنطقة مكان صدام حسين، وخطره، ولان هذه الدولة باتت تستقطب الشباب العربي المحبط، وتحقق الانتصار تلو الانتصار وتستولي على المزيد من الاراضي (آخرها عين العرب) في سورية والعراق رغم الضربات الجوية المكثفة، عادت امريكا وحلفاؤها الغربيون الى اسطوانة الدولة الفلسطينية المستقلة، المشروخة مرة اخرى، وللأسف تجد من يصدقها من ابناء جلدتنا، والرئيس الفلسطيني محمود عباس والمجموعة المحيطة به على وجه الخصوص، ويعتبرون مجرد هذا الاعتراف “الرمزي” الذي لا يفرض اي التزام على الارض انتصارا كبيرا يستحق التصفيق والرقض في ميدان المنارة في رام الله طربا له، تماما مثلما رقص بعض المخدوعين بسياساته عندما عاد من الامم المتحدة قبل عام مزهوا بحصوله على دولة مراقب، ووعدنا بأنه سيستخدم هذا الانجاز لمطاردة مجرمي الحرب الاسرائيليين وهو ما لم يفعله ولن يفعله، “ولو بدها تشتي لغيمت”.
الغرب يعرف جيدا نفسية العرب والمسلمين، مثلما يعرف ان “الاشياء الصغيرة تبث السعادة في العقول الصغيرة”، مثلما يقول المثل الانكليزي الشهير، ولهذا بدأت الاعترافات تتوالى وتتسع، وبدأت معها مهرجانات الفرح في اكثر من عاصمة عربية، وتناسلت معها المقالات والتصريحات حول اهمية هذا الاختراق السياسي العظيم.
الامر وبكل بساطة هو انه مثلما نجحت حركة المقاومة الاسلامية “حماس″ في مليء “الفراغ الجهادي” الذي خلقته حركة “فتح” بتخليها عن المقاومة بوقوعها في مصيدة “السلام المغشوش”، فان هناك مؤشرات على بروز ظاهرة الاسلام المتشدد في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة الذي يهدد بمليء الفراغ الذي سيترتب على “اعتدال” حركة حماس المتوقع، وميلها نحو “الحل التفاوضي” وتسليمها السلطة بالكامل في قطاع غزة لتيار اوسلو بعد ان انهكها وحكمها الحصار الاسرائيلي العربي الخانق، ووجود توقعات امريكية باستمرار الحرب ضد “الدولة الاسلامية” و”ارهابها” لاكثر من ثلاثين عاما.

لنفترض جدلا ان خطة اعمار غزة التي تبحث في مؤتمر القاهرة ليس لها علاقة بالخوف من “الدولة الاسلامية” وتمددها مثلما يجادل البعض، فان السؤال الذي يطرح نفسه حول الثمن الذي تريده امريكا من الفلسطينيين وحركة حماس على وجه التحديد مقابل هذه الاموال التي ستدفعها لاعادة الاعمار والدول الغربية الاخرى، هل هو رأس المقاومة، هل هو نزع سلاحها، ام ماذا تريد؟ لان لا شيء تدفعه امريكا بدون مقابل، ثم لماذا لم تمثل الفصائل الفلسطينية المقاومة في هذا المؤتمر مثل “حماس و”الجهاد”، والجبهة الشعبية والديمقراطية وغيرها، وهي الفصائل التي صمدت وانتصرت على العدوان الاسرائيلي الاخير.

المعلومات الواردة من قطاع غزة والضفة تفيد ان تنظيمي “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” يحظيان بتأييد كبير في اوساط الشباب الاسلامي الفلسطيني المحبط من “فتح” و”حماس″ معا، وان خلايا تابعة للتنظيمين بدأت تتبلور وتنمو خاصة في “الخليل” ومحيطها في الضفة الغربية ومدينة رفح في القطاع، وهذا ما يفسر حالة الهلع الغربية الحالية التي تتمثل في الضغط على حكومة نتنياهو لتخفيف الحصار والسماح لعدد اكبر من العمال من الضفة وقطاع غزة من العمل داخل ما يسمى بالخط الاخضر، وتنظيم مؤتمر دولي يشارك فيه وزراء خارجية 30 دولة لاعادة اعمار قطاع غزة بدأ اعماله اليوم في القاهرة برئاسة جون كيري وزير خارجية امريكا ورعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
الدول الغربية وعلى رأسها امريكا ادركت ان الحصار على القطاع بدأ يعطي نتائج عكسية تماما، ولهذا جرى التحرك بسرعة لامتصاص حالة الغضب المتفاقمة الناجمة عنه، وعن العدوان الاسرائيلي الاخير الذي ادى الى استشهاد اكثر من الفي انسان ربعهم من الاطفال، وتشريد اكثر من مئتي الف آخرين من جراء تدمير منازلهم، من خلال ضخ بضعة مليارات من الدولارات كرشوة لاعادة احياء عملية السلام واعادة السلطة الى مائدة المفاوضات بشروط اسرائيلية بعد ان ملّ المفاوضون الفلسطينيون من “البطالة” وباتوا يحنون للقاء نظرائهم الاسرائيليين.
الرعب من الاسلام السياسي المتشدد هو الذي يقف وراء كل هذه التحركات الدبلوماسية الغربية، وليس براعة الرئيس محمود عباس، او الجهود العربية الرسمية، فالعرب نسوا فلسطين، وصمتوا على تقسيم الاقصى، مثلما صمتوا على تقسيم الحرم الابراهيمي، وتغول الاستيطان، بل وتواطأوا علنا مع العدوان الاسرائيلي الاخير على قطاع غزة، ومن يقول غير ذلك يخدع نفسه ويعيش في عالم آخر غير عالمنا.
المنطقة العربية تقف الآن على فوهة بركان، واسرائيل باتت محاصرة بالفوضى والتطرف والدول الفاشلة او شبه الفاشلة، واحتمالات تسخين او حتى اشتعال جبهة جنوب لبنان، وجنوب غرب سورية واردة بل ربما حتمية، والغرب لا يهمه غير اسرائيل وامنها الذي يحظى بالاولوية بالنسبة اليه.
للذين يهللون للاعتراف البريطاني بالدولة الفلسطينية الوهمية نقول ان هذا الاعتراف بلا اي قيمة حقيقية، وان ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا الذي ادار وجهه عن ذبح الاطفال الفلسطينيين في قطاع غزة، واعتبر هذا الذبح حق اسرائيلي شرعي في الدفاع عن النفس، لا يمكن ان يؤيد قيام الدولة الفلسطينية عمليا، فالغرب لا يتحرك الا عندما تتهدد مصالحه، مثلما يحدث في العراق وسورية حاليا، وهو ليس جمعية خيرية، ولا يعير اي اهتمام للضعفاء الاذلاء.

عندما يحرك هؤلاء طائراتهم للتصدي للعدوان الاسرائيلي، مثلما فعلوا لحماية الاكراد في اربيل وعين العرب، وبادروا بقصف الدبابات الاسرائيلية التي تزحف نحو قطاع غزة، وتقتل الابرياء العزل، وتمنع الطيران الاسرائيلي من سحق الاطفال على شاطيء مدينة غزة، في هذه الحالة فقط، نقول ان هناك تغييرا حقيقيا بات يتبلور في السياسات الغربية نحو القضية الفلسطينية واهلها، اما غير ذلك فضحك على الذقون.

***
نذّكر الذين يهللون لاعتراف البرلمان البريطاني بدولة فلسطينية بأن بريطانية هي المسؤول الاول عن كارثة فلسطين، وان وعد بلفور الذي صدر قبل مئة عام، واكرر قبل مئة عام، اعطى الفلسطينيين الحق في اقامة وطنهم ودولتهم على قدم المساواة مع اليهود، وان قرارات التقسيم الصادرة عن الامم المتحدة كرست هذا الحق ايضا رغم اجحافه، فماذا حدث بعد ذلك؟ الاستمرار في دعم العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني وبطرق اكثر شراسة، والهاء الفلسطينيين والعرب بخطوات صغيرة مثل دولة عضو مراقب، او حل الدولتين، مقابل القاء السلاح والتجاوب مع كل الشروط الاسرائيلية.
شكرا للسويد وللبرلمان البريطاني، نحن مللنا من “الحقن التخديرية” والحركات البهلوانية ولا نريد اعترافكم هذا الذي لا يقدم ولا يؤخر، وانما يكشف ان هناك من يعتقد اننا ما زلنا اغبياء وسذج، يمكن خداعنا والضحك علينا بسهولة، فاذا كان البعض منا اغبياء ويتمتعون بذلك، ويفتقدون الى الحد الادنى من الكرامة والوطنية ويرضون بالصغائر فان الغالبية الساحقة من الامة وشبابها ليسوا كذلك، والايام بيننا.