تقارير

تبّا لصحافة البلاط .. كلمة حق في عبد الباري عطوان

 

إن القلم الذي يحمله عبدالباري عطوان في جيبه أشرف من كل صحيفة الوطن ومن يكتب فيها ..
ستقولون لي إن صحيفة الوطن يكتب فيها ( شيوخ معروفين ) سأقول لكم .. وإن .. فعبدالباري أشرف منهم ..
 
وعندما نتحدث عن ( شرف الكلمة ) فعبدالباري عطوان بدون منازع أشرف قلم في الصحافة العربية ، وأتحدى أن تأتوني بمثال للقلم الشريف
الحر غير عبدالباري عطوان ..
 
لماذا ؟
 
لأن عبدالباري عطوان هو الصحفي العربي الوحيد الذي ينطق بالحقيقة ..
 
عبدالباري عطوان الصحفي العربي الوحيد الذي نحسبه يحترم نفسه ويحترم قلمه ويحترم الحقيقة المجردة ولذا وقف عبدالباري عطوان موقفا مشرفا من المجاهدين وكتب عنهم بكل إنصاف .. ولم تخوفه كل نظرات المنافقين ، ولا الأمريكان الملاعين ..
 
سمعته قبل البارحة في برنامج أكثر من رأي يقول .. ما بخاف إلا من الله ..
 
وصدق عبدالباري .. فهو الوحيد من كل الصحفيين العرب الذي يسمي الشيخ أسامة باسمه ويقول ( الشيخ أسامة بن لادن ) رغم أن الشيوخ الذين يتفقون مع بن لادن في المنهج تبرأوا منه ! ويستكثرون عليه حتى كلمة ( شيخ ) ..
 
وهو الوحيد الذي تنصف صحيفته المجاهدين وتنقل أخبارهم بكل تجرد وحيادية ومهنية صحفية ..
 
إن كون عبدالباري عطوان يحاول أن يحترم الحق والحقيقة ويحترم مهنيته الصحفية سوف تفتح عليه أبواب الشرور من كل المنافقين الذين يتسمون بأسمائنا ويلبسون مثلنا لكنهم في الواقع يحملون قلوبا تم غسلها بماء الكفر والعهر في واشنطن وعواصم الكفر العالمي .. أغضبهم عبدالباري عطوان وكشف عن الحقد الأسود في قلوبهم عندما تحدث عن ( مبادرة طويل العمر ) بما لم يقله مالك في الخمر ..
 
لكن الخمر كبيرة من الكبائر أما المبادرة فهي خيانة لله ورسوله .. وشتان مابين الخمر والمبادرة .. وشتان مابين عبدالباري عطوان وكل صحافتنا الرخيصة التي من أول صفاتها أنها لا تعرف سوى الخيانة للحقيقة والصدق ..
 
عبدالباري فيما قرأنا له وسمعناه في الفضائيات لا يجامل أحدا فهو ينتقد كل مفسد وظالم وطاغية يخدع الناس ويزيف الحقائق ..
 
وإذا كنت صادقا وتحمل قلما حرا في هذا الزمن فانتظر أن يوجه لك أولاد الفاعلات كل سهام الفجور والظلم ..
 
يمكنني أن أتفهم أن تنبري صحيفة الوطن والجزيرة لتشويه سمعة عبدالباري عطوان ، فهذا قدرهم ولن يعدونه ..
 
فهي مجرد صحف تحقق مقولة الأعرابي القديم
 
لابد للسؤدد من أرماح ومن عديد يتقى بالراح ومن سفيه دائم النباح
 
فهم سفهاء ليس لديهم مهنة سوى السفاهة وأن ينبحوا بحمد من ينفق عليهم ..
 
هذا كله مفهوم لكن أن يتحول النباح والشتم والوقيعة في عرض عبدالباري عطوان إلى التلفيق والتزوير واختلاق الأكاديب فهذا الشيء الذي يمكنه أن يسبب لك الحموضة والوجع .. حتى أنك من شدة الكذب والدجل تريد أن تغضب فتكتشف أن المصيبة أشد من أن تغضب بسببها ..
 
جريدة الجزيرة .. هل فيكم أحد يقرأها ؟
 
هي جريدة رخيصة .. أرخص من قيمة الورق الذي تطبع عليه .. جريدة أنا أصبر على قراءة دليل الهاتف لمدة ثلاثة أيام بدون أن أشعر بالملل بل أشعر بالسعادة … بينما أشعر بالامتعاض والقرف الشديد لمجرد رؤية الصفحة الأولى منها ..
 
جريدة الوطن والجزيرة والشرق الأوسط وعكاظ والبقية كلها جريدة واحدة لا تساوي في ميزان الصحافة الحقيقية دستجة بقل .. لنقل لا تساوي فلسا في عالم الصحافة الحرة ..
 
جرائد قامت وعاشت واستمرت تمارس مهنة واحدة الكذب والدجل .. جرائد باعت نفسها للشيطان بثمن بخس .. في صفقة خاسرة عقدت في مجلس الشياطين الأعلى ..
 
هذه الجرائد تمارس الصحافة بأسلوب تخجل منه الصحف ( الشيوعية ) .. التي كانت تعيش وتموت على تمجيد القائد الشيوعي الأوحد .. أيام العهود الشيوعية البائدة .. هذه أسوأ منها بمئات المرات .. هذه جرائد لم تعرف الصدق والفضيلة يوما ..
 
يكتب فيها مجموعة من طابعي الالة الكاتبة .. يسمونهم زورا وبهتانا ( صحفيين ) والصحافة منهم براء ..
 
نشرت صحيفة الجزيرة مجموعة وسلسلة غير متناهية من الأكاذيب والتلفيق والتجني على عبدالباري عطوان .. فوصفته بأنه يسكن قصرا فخما و.. و .. بما يعني في النهاية أنه عميل للموساد .. وغيرها من أكاذيب .. عجبا !! عبدالباري عطوان عميل للموساد ؟؟ فمن إذن يكون عميل الأمريكان ؟؟ أوه ..نعم أسامة بن لادن عميل الأمريكان وعبدالباري عطوان عميل الموساد .. أما حكامنا الصالحين البررة فهم أحفاد الصحابة .. وهم أطهر من ظهر على وجه الأرض بعد جيل الصحابة .. لعنة الله على الغباء ..
 
ما تقذفه هذه الصحف عبارة عن روائح كريهة غير مستغربة إطلاقا على جريدة مثل جريدة الجزيرة .. ولولا أن جريرة الجزيرة تكتب فيما تسوده في صفحاتها اسم الله ، لأفتيت بوجوب جعلها سفرا للطعام فهي لا تصلح لشيء سوى أن تكون ذلك الشيء الذي يوضع الطعام فوقه ، وبعد الانتهاء منه تلف وترمى في الزبالة ..
 
لن أطيل في دحض هذه الأكاذيب فيكفي أن أسجل أن عبدالباري عطوان يسكن في الواقع في منزل ثلاث غرف في منطقة اكتون قرب الاكاديمة في شارع ضيق .. وسيارته فوكسهول لا تزيد قيمتها عن 6000 جنيه شركته اسمها شركة القدس للنشر والطباعة مسجلة منذ بدأت القدس ولم تتغير مملوكة له فقط وليس فيها اي اسم لا عربي ولا انجليزي ومدينة بحوالي نصف مليون جنيه جريدة القدس عبارة عن شقتين في دور في عمارة ضمن مبنى مملوك لشركة تؤجر الشقق كمكاتب لأي شركة راغبة ..
 
وبالمناسبة عبد الباري رجل سهل متواضع وكريم يستطيع أي شخص زيارته … يفرح بقرائه أكثر مما يفرح بمسؤول او سياسي كبير … ويتمتع بالحديث عن اسامة وتنفرج اساريره وتحس انه في نشوة حين يحكي لك قصة زيارته لافغانستان ….
 
ومن يعرف الصحافة والصحافيين يشعر للوهلة الأولى عند مقابلة عبد الباري ان عقله وقلبه يوجهان قلمه وليس العكس .. ويفاجأ أنه يقابل شخصا لا يعتبر القلم مهنة رغم انه قضى فيها عقودا بقدر ما يعتبره رسالة … عبد الباري عطوان غزاوي الأصل شمّري النسب لم يكذب جده حاتم الطائي كرما ولا صدقا ..
 
لكن عبد الباري مثل غيره من البشر له ماله وعليه ما عليه مما لا يتفق معه الانسان ويصيب ويخطئ مثل كل الناس .. لكنها وجهات نظر لا تقدح في أمانته الصحفية ولا صدق طرحه .. وهو كذلك مثل غيره من البشر في حياته لا نعلم عنه سوى ما ظهر لنا ولسنا مطالبين بمعرفة ما وراء ذلك .. وأي الرجال المهذّب ؟
 
ولكن ما يؤديه من واجب الدفاع عن الشرفاء والمناضلين وكشف المنافقين بمن فيهم ازلام السلطة الفلسطينية واجب لا نعلم في حد معرفتنا أحدا قام به مثل عبد الباري..
 
لكن أن تتغير هذه الحقائق فجأة كذبا وزورا وبهتانا ويصبح عبدالباري يسكن قصرا ضخما !! وتكال له التهم بالمكيال وينسب إليه كل شر ونقصية .. فهو شيء فوق أنه يسبب الحموضة إلا أنه يوضح مدى حقارة ورخص من كتبه ..
 
لن أكتب عن القصور الفخمة جدا التي يملكها صحفيون في جنوب لندن في منطقة سري surrey.. ولا عن العمائر الضخمة التي تشغلها صحف مثل الحياة والشرق الأوسط .. لأنك عندما تتحدث مع عقليات عاشت على الكذب والدجل وانغمست في حمأة النفاق والحقد لن ينفع أن تقرر الحقائق لأنك لن تصل معها سوى لطريق مسدود .. وكل الصحفيين أعني صحفيي البلاط الذين يعيشون في لندن يملكون بيوتا تعادل اسعارها أضعاف سعر منزل عبد الباري والبيئة الصحفية تعرف من هو الصحفي الذي يملك فعلا أكبر قصر في لندن !!
 
لا نتعجب حقيقة من هذا ( الحمق ) والعته الذي تكتبه هذه الصحف .. فهي لم تشم يوما رائحة الصدق ، بل هي عبارة عن مستنقعات من الكذب والتزوير والدجل .. منذ قامت وأنشئت ، وإذا كان بعض كبار القوم يصف شيخ المجاهدين بأنه ( تاجر مخدرات ) .. فتهمة عبدالباري هينة بالمقارنة ..
 
فعلا أنا أشعر بالغثيان والشفقة والرثاء على الغباء المدقع الذي تتلفع به هذه الصحف التي لا تعرف كيف تقنع قراءها بحقيقة ما تقول عندما تفتري كذبات حقيرة قصيرة يمكن كشفها فورا !
 
لكن أنا أستغرب أيضا من ذلك المحامي الذي وكله عبدالباري ليأخذ حقه من تلك الصحف المفترية .. فيكتب رسالة استعطاف حمقاء .. !
 
يا عبدالباري .. لن تخرج بحق من هؤلاء .. فهؤلاء قوم لم يعرفوا الحق قط .. عاشوا على الظلم وصار الظلم هو الأصل في حياتهم وكل ما يتشدقون أكاذيب في أكاذيب ..
 
ملأوا الأرض بالأكاذيب وزوروا كل شيء حتى التاريخ زوروه .. فلا تستغرب أن يزورا تاريخك وأنت حي !
 
يا عبدالباري .. سأعطيك معلومة ربما تفيدك .. لا يوجد هنا شيء اسمه قضاء مستقل .. والأدهى أنه لن يستمع أحد لشكواك .. هل تدري لماذا ؟
 
لأنه لا يوجد أي قاض مستقل يمكنه أن يقبل دعواك التي ترفعها على هذه الصحف .. هذه الصحف لديها حصانة ضد أي قضية ترفع ضدها .. بل إنه ممنوع أصلا رفع أي قضية ضد الصحف في أي محكمة في هذا البلد ..
 
أنا أتحدى يا عبدالباري أن يستطيع صلاح الحجيلان أن يوصل قضيتك إلى أي محكمة سعودية .. أتحداه .. وأتحداه .. وأتحداه ..
 
لذا ليس لك سوى طريق واحد .. أن تفضحهم وتشهر بهم في كل مكان .. ليس لك سوى هذا الطريق .. افضحهم وانزع عنهم ورقة التوت التي يتسترون بها .. لنرى هل يوجد فعلا قضاء مستقل يستطيع أن ينظر في دعواك ؟ أم لا ..
 
والله الموعد ..
لويس عطية الله
 

كتاب وطن من كلمات إرثٌ للأجيال القادمة

 

مروة العقاد
 
     مضى أكثر من ثلاثة أشهر على قراءتي لكتاب "وطن من كلمات… رحلة لاجئ من المخيّم إلى الصفحة الأولى" الذي يُعد السيرة الذاتية للصحفي الفلسطيني عبدالباري عطوان، وعلى الرغم من مرور تلك الفترة؛ إلا أن صوتاً خفياً بقي يخبرني بضرورة إبقاء هذا الكتاب جانب سريري، حيث اعتدتُ وضع الكتب التي لم أُنهها بعد أو التي أرغب بمعاودة قراءتها، وبالفعل؛ عدتُ إليه قبل أيام لأراجع بعضاً مما قرأته، فأستحضر التاريخ من جديد، وأستمتع كذلك بجمال اللغة وبالأسلوب المليء بروح الدعابة.
 
     صحيحٌ أنه سيرة ذاتية للكاتب، لكنه استثنائي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وواقعي إلى حدٍ يجعل أحداثه مشابهة لحياة السواد الأعظم من القراء، أو معارف هؤلاء القراء، فهو سردٌ لحكاية اللجوء الفلسطيني وما تبع ذلك اللجوء من تطوراتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ، سردٌ يختلط فيه الشخصي مع العام، وتظهرُ فيه سيرة الزمان والمكان قبل الشخص.   
 
     سأتحدث قليلاً عن محتوى الكتاب، وقصدتُ قليلاً لأنني لا أريد أن أنزع عليكم متعة قراءة الكتاب والتمعّن بتفاصيل التفاصيل الشيّقة في مضمونه، لكنّي سأعود قبل ذلك بالتاريخ إلى يوم توقيع هذا الكتاب الذي انتظرته بفارغ الصبر واللّهفة، وبفضول التمعّن بشخصية ذات شهرة عالمية ومحاولة استكشاف خفاياها، لم أكن أعرف الصحفي الفلسطيني عبدالباري عطوان بعمق، أو لم أكن أعرف عنه إلا أنه شخصية يتكرر حضورها على شاشات التلفزة حين تحتدم الأحداث في المنطقة، وأن والدي يستمع إليه بإمعان، ويُعجب بقدرته على الجدال والإطاحة بخصمه مهما كان، بالإضافة إلى أني زرت ذات يومٍ مكتب صحيفة القدس العربي في عمّان وتعرّفت على العاملين فيها وسمعت أقوالهم الطيبة عنه، تلك الصحيفة التي أسّسها في لندن عام 1989 ولا يزال يرأس تحريرها إلى الآن، والتي نالت نصيباً هائلاً من صفحات كتابه.
 
     وصلتُ إلى حيث توقيع كتابه قبل الوقت بعشر دقائق، وهذه ليست عادتي، لكن لهفة الانتظار جعلتني أتعجّل، كان توقيع الكتاب في إحدى قاعات مجمّع النقابات المهنية بالشميساني في عمّان.
 
     حصلتُ على نسخةٍ من كتاب "وطن من كلمات… رحلة لاجئ من المخيّم إلى الصفحة الأولى" والذهول يملؤني، فلم أتوقع أن يكون بهذا الحجم! وسرعان ما فتحت آخره لأعرف كم صفحة تنتظرني، ثم أغلقت الكتاب ونظري يتجه إلى الأعلى وسؤال يشغل ذهني "هل أنا مستعدة لقراءة سيرة ذاتية مكوّنة من حوالي 500 صفحة؟ أم أتركها للمهتمين بها وأعود لقراءاتي البسيطة؟" ولأنني اعتدت إنهاء كل ما أبدأ به، قررتُ أخذ الكتاب وقراءته وبكامل التركيز والإصرار.
 
     بعد عناءٍ وجدتُ مقعداً لي في القاعة، فتمسّكتُ به بكل قوتي، حيثُ كان واضحاً أن عدداً لا بأس به من الحضور سيستمع إلى عطوان واقفاً، وهذا ما لم أكُن أريده بتلك اللحظات، بدأتُ أتفحص الحضور الذي لم يتوقف تدفقه حتى بعد حوالي 15 دقيقة من بدء عطوان بالحديث، كان من بينهم وجوهاً صحفية مألوفة، جاء بعضها للاستماع إلى هذه الشخصية الصحفية المثيرة للجدل، والبعض الآخر جاء للكتابة عنها، ورجالاً ونساءً يبدو أنهم مهتمين بالسياسة وبالجانب الفلسطيني منها على وجه الخصوص، وأفراداً شعرتُ أنهم من أقارب عطوان، بالإضافة إلى عددٍ لا بأس به من أبناء المخيّمات الفلسطينية الذين خصّهم عطوان في كتابه.
 
     على الرغم من الصعوبة التي عانيتُها إلا أنّي كنتُ مصرّة على أن أقابل هذه الشخصية عن قرب وأن أحدّثها وأحصل على توقيعها، وبالفعل هذا ما حدث في ختام حفل توقيع الكتاب الذي كان مليئاً بالحكايات الممتعة، حيث حصلت على إهداءٍ خاصٍ خطّه عطوان على مرأى من عيني، حدث ذلك بعد لحظاتٍ طويلةٍ من الانتظار مع طابورٍ من المعجبين وعدساتٍ للمصورين.
 
     إذاً؛ بدأتُ الإبحار في هذا الكتاب الضخم، الذي كُتب بالإنجليزية ثم تُرجم إلى العربية، ومع ذلك بقي محتفظاً بأسلوب عطوان الذي اعتدناه في مقالاته، وبيّن عطوان سبب كتابته أولاً بالإنجليزية حيث كتب بأولى صفحات الكتاب "أردت أن أقدم إلى هؤلاء جميعا تجربة إنسان فلسطيني مشرد ينتمي إلى القاع العربي حيث نبتت بذرته وتعمقت جذوره، تجربة لاجىء استطاع أن يشق طريقه وسط صخور المعاناة بصلابة وتحمل ومثابرة في عالم السياسة والصحافة والفكر، متجاوزاً عقبات عديدة ومحارباً على أكثر من جبهة في مواجهة أعداء شرسين".
 
     يروى عطوان نشأته في مخيّم دير البلح للاجئين في قطاع غزة بعد الاحتلال الإسرائيلي، وقسوة الحياة التي رافقته وعائلته خلال طفولته ومن ثم مراهقته، ثم يصف لنا كيف ودّع أهله في المخيّم وتوجه إلى عمّان ليبدأ حياةً جديدةً معتمداً فيها على الكسب من جهده، لينتقل بعد ذلك إلى مصر لإكمال دراسته، ثم ليبدأ أولى تجاربه الصحفية في ليبيا فالسعودية وأخيراً في بريطانيا، حيث الصدمة الثقافية والنقلة النوعية.
 
     نقرأ في هذا الكتاب سيرة حياة عطوان التي عاصرت وقائع وأحداث محورية بتاريخ المنطقة العربية، والجميل أثناء القراءة أن القارئ لا يشعر بشخصنة الكاتب للأحداث أو بتفرده بأدوار البطولة، وربما هذا أهم ما يميّز الكتاب.
 
     ويظهر في الكتاب كيف حارب عطوان ليحصل على قوت يومه، ثم ليتخلص من الفقر، وأخيراً ليقضي على التمييز ضد أبناء جلدته.
 
     كما يروي لنا عطوان عن لقاءاته الاستثنائية مع أهم الشخصيات في العالم، ويبوح لنا بكثيرٍ من الأسرار التي رافقته خلال تلك اللقاءات، ويُحدثنا عن الصداقة القوية التي ربطته بكل من؛ الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وكيف أنها استمرت على الرغم من اختلافهما بوجهات النظر في كثيرٍ من الأحيان، وبشاعر فلسطين محمود درويش، الذي كان يواظب على مكالمته بشكلٍ يومي.
 
     هذا الكتاب يُرضي نهم القارئ العربي للمعرفة وفضوله للولوج إلى أدق التفاصيل، حيث سيجد فيه القارئ الكثير من المعلومات بأسلوبٍ سردي شيّقٍ ولطيف، ومليءٍ بروح الدعابة التي لولاها لما استطاع كثير من القرّاء إكماله، فهو يتحدث بحقيقة الأمر عن حياةٍ قاسيةٍ ومؤلمةٍ طريقها محفوفٌ بالأشواك والدموع.
 
     بالنسبة لي؛ استفدت كثيراً من قراءته ومن جوانب متعددة، سأعددها على النحو التالي:
 
 
- كشابة فلسطينية، قرأت عن تاريخ القضية الفلسطينة من جديد، وبحقائق وتفاصيل لم أكن أدركها من قبل، كما أني ازددتُ حنقاً وغضباً على العدو الصهيوني الذي سلب أجدادي أرضهم وفرّق شملهم وشتّتهم في بقاع الأرض.
 
- كصحفيةٍ في بدايات طريقها، ولم يُحالفها الحظ بعد، ازددتُ أملاً ورغبةً بالاستمرار بهذه المهنة الخطيرة، فكما خاض عطوان تجربة صحفية صعبة واستطاع أن يثبت نفسه بالنهاية، أنا وغيري كذلك نستطيع التفوق والظهور إن ثابرنا وعزمنا على الإكمال، كما أني حصلت على دروس رائعة عن كيفية تعاطي الصحفي مع كثيرٍ من المواقف التي تمر عليه.
 
- كقارئ يرغب بملء وقت فراغه بكتاب ممتع ومفيد، فأنا استمتعتُ بالفعل أثناء قراءتي، وشعرت بفائدة هائلة من المعلومات التي مرّت علي.  
 
     أنصح كل شخصٍ، باقتناء كتاب "وطن من كلمات… رحلة لاجئ من المخيّم إلى الصفحة الأولى" وقراءته بكامل حواسه، لعلّه بعد هذه القراءة يكون أكثر قدرةً على قراءة المستقبل والتفكّر بأحداث الحاضر.
 
     أختم بمشهد سرده عطوان في الأجزاء الأخيرة من الكتاب، حيثُ كان وعائلته في زيارة إلى إسدود قريته الفلسطينية، يقول "فيما كنا نعبر الشارع الرئيسي المغبرّ داخل إسدود شاهدت بناءً مهدماً إلى يساري بمواجهة كرم عنب، كانت هناك كتابات عربية مطبوعة بالأبيض على الحيطان الحمراء المهدمة.. كانت الكتابة تقول "مقهى غابين"، لم أستطع أن أصدق عيني.. مقهى غابين.. كم مرة سمعت أبي يتحدث عن هذا المكان. دخلت إلى أطلال المكان، كان مليئاً بالأعشاب والزجاجات المكسرة وكان بعض العابرين قد استخدموه مرحاضاً". 
 
     في هذه الأثناء اقترب مستوطن إسرائيلي مسلّح برشاش من عطوان وسأله عما يفعل، ثم قال له "إنها خربة ومن الأفضل لك أن تخرج من أجل سلامتك الشخصية"، فرد عليه عطوان "إخوتي ولدوا في إسدود.. هذه قرية فلسطينية، هذه قريتنا وآثار أبي وأعمامي أراها هناك"، فرد المستوطن وقد بدت عليه العصبية والإحراج "هذا كان في الماضي" فعلّق عطوان "لا.. إنه المستقبل."  
 
 

عبد الباري عطوان بين تحذير “القاعدة” وتكريم إدوارد سعيد

 
منتصر حمادة 
 
نحن في ضيافة كتاب ألفه الكاتب والصحافي عبد الباري عطوان، والحديث عن مذكراته التي تحمل عنوان: "وطن من كلمات: رحلة لاجئ من المخيم إلى الصفحة الأولى"، وترجمها للعربية الناقد والمبدع حسام الدين محمد. (صدرت عن دار الساقي، لندن، ط 1، 2012، 494 صفحة من الحجم الكبير).
 
لعل أجمل ما في الكتاب، وما يستحق أن نفتتح به هذه الفقرات العابرة، لائحة المعنيين بالإهداء: معلوم أن الإهداء قد يصدر في مستهل أي عمل، كما أن يمكن صدور العمل دون أي إهداء أساسا، وفي الحالة الأولى، قد يكون الإهداء مُخصصا لأحد أفراد العائلة أو صديق أو مؤسسة.. إلخ، ولكن في حالتنا هذه، نقرأ الإهداء التالي: "إلى أطفال المخيمات في كل أنحاء العالم، وخصوصا أولئك الذين يعيشون في مخيمات فلسطين والشتات". (ص 7).
 
يهمنا في هذا العرض التوقف عند ثلاثة محطات نوعية من وجهة نظرنا، تحفل بها هذه المذكرات، دون التقزيم طبعا من أهمية باقي محتوياته، وخاصة ذكريات المؤلف مع العملاقين ياسر عرفات ومحمود درويش:
 
1 ـ في المحطة الأولى، وجاءت في خاتمة الكتاب، نقرأ وجهة نظر عطوان بخصوص مصير "أم القضايا" التي ارتبطت بمصريه المهني: القضية الفلسطينية دون سواها، تماما كما ارتبطت نفس القضية بأعمال أعلام كبار في الأدب والفكر، في نفس المجال التداولي الفلسطيني، ونخص بالذكر الثلاثي الشهير: محمود درويش في الشعر، إدوارد سعيد في الفكر، ووليد الخالدي في التأريخ. ("أم القضايا" هنا على وزن "أم الأحداث" بتعبير الفيلسوف الفرنسي الراحل جان بودريار، واصفا اعتداءات نيويورك وواشنطن).
 
في خاتمة الكتاب إذا، يُعرب عطوان عن تفاؤله الكبير بقرب تفكيك هذه المأساة الإنسانية، قبل أن تكون مأساة عربية أو إسلامية، وذلك لاعتبارين اثنين على الأقل:
 
ـ ينبع مصدر الاعتبار الأول من إيمان عطوان الراسخ بأن "سنوات الشعب الفلسطيني العجاف التي بدأت بتوقيع اتفاقات أوسلو الكارثية قد أوشكت على نهايتها، إن لم تكن قد انتهت فعلا، وأن السنوات السمان للشعب الفلسطيني آتية فعلا"، مؤكدا في هذا الصدد أن هذا الشعب "لا يمكن أن يظل نائما أو مخدرا في بحر من الظلام أغرقه فيه سياسيون فاشلون محبطون هرمون مفلسون. ولا بد لأنه سينتفض ويقلب الطولة على رؤوس الجميع، وسيجد من الشعوب العربية والإسلامية الحية والوطنية الدعم والمساندة"، ونضيف مع هؤلاء، شعوب العالم بأسره، والنخبة المتنورة في ربوع العالم، تذكروا مواقف الراحل هوارد زِن أو مواقف نعوم تشومسكي وروبرت فيسك وغيرهم كثير…
 
ـ أما الاعتبار الثاني، فمرتبط أيضا بإيمان عطوان الراسخ بأن "الفقاعة الإسرائيلية أوشكت على الانفجار، لأن أسباب قيام إسرائيل كدولة عنصرية توسعية عدوانية تتلاشى الواحد بعد الآخر، فالغرب الاستعماري الذي زرع هذه الدولة يسير بسرعة على درب الانحدار، فبعد أن استنزف كل قواه في تحطيم إمبراطورية الشر الاشتراكية على حد وصف منظريه، جاء الدور على رأسماليته، وما الأزمات الاقتصادية المتلاحقة إلا المؤشر الأكبر في هذا الصدد". (ص 466)، المفارقة أن هذا التقييم يُحيلنا على تقييم سابق، ومشابه تقريبا، ولو من زاوية معرفية أخرى، وصدر عن الفقيد عبد الوهاب المسيري، صاحب العمل الموسوعي "اليهود واليهودية والصهيونية".
 
2 ـ في المحطة الثانية من هذه المذكرات، نُعرج على الحدث الذي سيساهم في ارتفاع أسهم عبد الباري عطوان لدى مختلف وسائل الإعلام العربية والأجنبية، ونقصد بالطبع، لقائه الشهير مع مؤسس تنظيم "القاعدة"، وزعيمه السابق، أسامة بن لادن، وما يهمنا في هذه المحطة، أنها تكشف عن بعض أعطاب السياسية الأمريكية اتجاه فهم الظاهرة "الإسلامية الجهادية"، وأيضا، الكشف عن أعطاب المشروع "الجهادي" لدى العامة والخاصة في المجال التداولي الإسلامي: هذا موضوع كبير ومؤرق طبعا، ولسنا هنا بصدد "تفكيكه"، ولكن مهم للغاية الاستشهاد بهذه الفقرة من الكتاب، التي توجز الشيء الكثير في بعض تفاصيل الموضوع، وفي حاشية التفاصيل تحديدا، تكمن الشياطين، بالتعبير الفرنسي الشهير.
 
 
نقرأ لعطوان إذا: "حيث ذهبت إلى تورا بورا عام 1996 للقاء أسامة بن لادن ورجاله في مكان اختبائهم، لم تكن فكرة كم أن المقابلة ستقوم بتغيير حياتي ومسار عملي بذلك الشكل المثير. طبعة "القدس العربي" التي نشرت المقابلة نفذت من الأسواق خلال دقائق من عرضها في المكتبات والأكشاك. وقد تعرضتُ لسيل من الاتصالات الهاتفية من كل أنحاء الشرق الأوسط تطلُبُ طبعات جديدة. صديق سعودي كان يدعي خلافا معي كسر صمته واتصل بي، طالبا خمس نسخ، واحدة منها لأمير كبير من المؤسسة الملكية. منتهزو الفرص قاموا بنسخ صور للمقالة جرى تداولها بالأيدي بأعداد هائلة. العالم الإسلامي كان، على ما يبدو، مسحورا بأسامة بن لادن". (ص 344).
هذا بيت القصيد الخاص بالسياسة الأمريكية، والغربية عموما، في معرض التعامل مع الأوضاع العربية والإسلامية، ولو أن الأمور تطورت اليوم نحو المزيد من التعقيد، لدى أتباع تنظيم "القاعدة"، بين ظهور أخبار سارة وأخرى معاكسة: فأما الخبر السيء، لم يخرج عن مقتل أسامة بن لادن، وأما الأخبار السارة، وما أكثرها للمفارقة، فكان عنوانها الأبرز، اندلاع أحداث "الربيع العربي"، والذي يتجه في بعض نماذجه المحلية هنا أو هناك، إلى أن يُصبح "ربيعا إخوانيا/ سلفيا"..
 
قليلون، يضيف عطوان، "يمكن أن يوافقوا على الأساليب الدموية التي كان يستخدمها زعيم القاعدة، ومن المحتمل أن الغالبية في العالم الإسلامي لا تتمنى العيش تحت نوع الحكم الشرعي الصارم الذي يستلهمه، لكن الغرب لا يزال يفشل في فهم أن الرجل أصبح شخصية رمزية عالية في العديد من البلدان الإسلامية". (ص 344)، وواضح أن اختلاف عامة وخاصة مسلمي اليوم مع مشروع تنظيم "القاعدة"، يهم بيت القصيد الثاني، وهذا خبر سار، بشكل أو بآخر، لصناع القرار في مجالنا التداولي الإسلامي.
 
3 ـ نختم بالمحطة الثالثة، وتهم أحد أعلام الفكر الإنساني المعاصر: إدوارد سعيد دون سواه، (واسألوا الناقد والباحث الكبير صبحي حديدي، أو الناقد المغربي الرصين إسماعيل العثماني، لماذا نتحدث عن أحد أعلام الفكر الإنساني المعاصر).
 
نقرأ لعطوان أخيرا، أنه اجتهد في إقناع الراحل إدوارد سعيد بالنشر في مجلة "المجلة"، مضيفا في هذا الصدد، على أنه بالرغم من كون سعيد "كان يتحدث اللغة العربية والإنجليزية، إلا أنه كان يكتب بالإنجليزية، وكان ـ بيت القصيد الثالث والأخير ـ يُصرّ على مراجعة الترجمة العربية لمقاله والموافقة عليها قبل طبعها". (كان يقوم بالترجمة الراحل عوني بشير). (ص 273)
 
في تبعات صدور تحفة "الاستشراق"، أكد عطوان أن سعيد "تعرّض لهجمات قاسية من قبل الكثيرين في الغرب بعد صدور الكتاب، أما كتابه الآخر القيم، "الثقافة والإمبريالية"، والذي حرّره (رحمه الله) وهو يصارع مرض السرطان، فقد كان، برأي عطوان، من أجمل كتبه إن لم يكن أجملها على الإطلاق، وهو كتاب آخر تسبب له أيضا في إثارة العديد من الأعداء الجدد، وبدأت الصحف تبتعد عنه" ــ هناك في الغرب الأنواري والحداثي وذلك الكلام الكبير.. ـ و"كذلك محطات التلفزة، حتى انقلب الغرام به إلى حملات شرسة يشنها عليه الإسرائيليون وجماعات الضغط المؤيدة لهم بخاصة". (ص 277).
 
كانت هذه مجرد تداعيات عابرة لكتاب لا يليق بنا أن نتركه عملا عابرا.
 
 

وطن من كلمات.. طلعت شناعة

يرحل بنا عبدالباري عطوان (الصحفي والكاتب والمشاكس ورئيس تحرير"القدس العربي") في كتابه الثاني «وطن من كلمات.. رحلة لاجىء من المخيّم الى الصفحة الأُولى» الى عوالم حميمية من حيث وُلد في «اسدود- دير البلح-غزّة» مرورا بمعاناته ومعاناة أهله، وكذلك يعبر وبكل بساطة وبجرأة يُحسد عليها عن «فقره» المُدْقع والبؤس الذي لازمه سنوات طويلة امتدت الى مكاتب جريدته «القدس العربي» في لندن والتي وصفها الشاعر الكبير محمود درويش ذات زيارة لها بـ «الكهف».

 
واضح أن الكتاب أو المذكرات موجّهة للقارىء «الغربي»، ومن ثّمّ «العربي». فالكتاب «مُترجم» من الانجليزية 
الى العربية بإشراف الكاتب نفسه. وربما من هنا كانت «الأريحية» في سرد أدقّ تفاصيل المعاناة وبحريّة وبخاصة 
صولاته وجولاته وخلافاته واستهدافه من العديد من المسؤولين والانظمة العربية.
 
كتاب عطوان الذي زار عمّان منذ اشهر ووقّع كتابه فيها، يحمل بالنسبة لأمثالي «المبتدئين والمحبين والمتورّطين 
بمهنة الصحافة» الكثير من الدروس والعِبَر. فالرجل ليس صحفيا عاديا. وقادته موهبته وطموحاته والأقدار 
الى أشخاص وأماكن غاية في الخطورة والصعوبة والمشقّة مثل زيارته ولقائه «الشيخ أُسامة بن لادن» في «تورا 
بورا» متحمّلاـ عطوان ـ، مشاق الرحلة السرّية المحفوفة بمطاردة «رجل» كان المطلوب الاول للولايات المتحدة 
الامريكية قبل أن تغتاله وتُلقي بجثته في البحر.
 
كذلك يحمل الكتاب تفاصيل لقاءات وأسرار مقابلات المؤلف مع رئيسة وزراء بريطانيا السابقة «تاتشر» 
والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات والذي مات مسموما كما تُرجّح الروايات، وعلى يد «شارون».
 
«وطن» عبد الباري عطوان لا يقتصر على مغامراته الصحفية وما أدراك ما مغامراته، بل تتناول ايضا 
حياته و»نشافة رأسه» في رفض الإغراءات التي استهدفت شراء»ضميره»، و»قلمه» و «مواقفه» في ذروة الظروف 
العربية الحالكة (حرب الخليج وما تبعها ونتج عنها).
 
كما يستمتع القارىء للكتاب بالمواقف الساخرة التي يتعرض لها الكاتب مثل موقف الكاتب عبدالله الشيتي الذي 
كان في إحدى الجلسات مع أمير خليجي وقد اعتاد الأخير تقديم الهدايا للكتاب والصحفيين وكانت «ساعات رولكس». 
وحدث أن انتظر الحضور ظهور الهدايا التي تأخرت. فأخذ الشيتي «يتمتم» فسأله الشيخ او الامير، ما بالك يا 
عبدالله. قال: ارتّل شيئا من القرآن الكريم. فسأله: أية سورة؟. فردد «الشيتي» الآية الكريمة «إن الساعة 
آتية لا ريب فيها». فضحك الجميع وجاءت «الساعة- الهدية».
 
قلت ان كتاب» وطن من كلمات» حميم ومليء بالتفاصيل وهو شهادة ودروس مهنية لصاحب تجربة غنيّة وقاسية وفي 
نفس الوقت»صورة مشرقة» لمن يحترم عمله، حتى لو «قبض على الجمر».. وما أكثر الجمْر!!.
 
 

كتاب ما بعد بن لادن لعبد الباري عطوان

تنظيم "القاعدة" يسير على خطى "طالبان" وقد يتحول تدريجيا إلى حزب سياسي

عملية ارهابية اقترفتها القاعدة في العراق، تموز 2012
 
علاقة قوية تربط مقاتلي تنظيم الشباب الصومالي مع القبائل الصومالية، على نحو شبيه بما يجري مع "القاعدة" في اليمن. كالعلاقة القوية التي تربط تنظيم الشباب بقراصنة البحر الصوماليين الذين يتقاسمون أرباحهم مع التنظيم ويشكلون مصدر دخل رئيسي له
 
مثلما نجحت حركة طالبان، رغم الحملة العالمية التي تشن عليها بلا توقف منذ عام 2001 حتى الآن في اختراق الحصار المفروض عليها وإقامة علاقات دبلوماسية في الخارج ومنها مكتبها في قطر، يمكن لتنظيم "القاعدة" أن ينجح هو الآخر في السير بهذا الاتجاه
 
صدر في لندن أخيرا عن "دار الساقي" للنشر كتاب بالإنجليزية بعنوان "ما بعد بن لادن– الجيل القادم من القاعدة" لمؤلفه الصحافي والكاتب الفلسطيني عبدالباري عطوان، رئيس تحرير جريدة "القدس العربي" التي تصدر في لندن، و يقع في 300 صفحة من الحجم المتوسط.
يتألف الكتاب من مقدمة وتسعة فصول كالتالي: 1 – الربيع العربي و"القاعدة" 2 – "القاعدة في شبه الجزيرة العربية 3 – حركة الشباب الصومالية 4 – طالبان – امتداد "القاعدة":أفغانستان 5 – طالبان – امتداد "القاعدة: باكستان 6 – "القاعدة" في المغرب الإسلامي: الجزائر والمغرب وتونس والساحل الافريقي 7 –  "القاعدة" في المغرب الإسلامي: ليبيا 8 – تحالفات قائمة وجديدة 9 – ساحة المعركة الرقمية أو الإلكترونية.
الكتاب عبارة عن بحث رائد في مجاله لأنه لم يسبق لأحد غير عطوان الكتابة عن الجيل الجديد لتنظيم "القاعدة" الذي يبدو أن أجهزة الأمن وجيوش العالم تزداد انشغالا في مطاردته يوما بعد يوم. ومع أن عطوان يورد قائمة بالمراجع التي لها علاقة ببحثه، إلا أنه لدى التدقيق في الهوامش والملاحظات تبين أنه لم يستند كثيرا على مراجع وأبحاث صادرة في كتب، أو على تحليلات وتخمينات متسربلة بالزي الأكاديمي، بل استند في الغالب على منشورات "القاعدة" والتنظيمات الإسلامية المنضوية تحت رايته وكثير من المصادر المتوفرة على شبكة الإنترنت، مما يعني أن عطوان استند على المصادر صاحبة الشأن واستقى معلوماته منها مباشرة، علاوةعلى مصادره الخاصة بصفته قطبا إعلاميا بارزا وله اتصالاته الخاصة واحترامه على الساحتين العربية والدولية على حدٍّ سواء، منذ أن غامر شخصيا واقتحم مُغر تورا بورا في أفغانستان للقاء أسامة بن لادن عام 1996، مما أكسبه شهرة عالمية واسعة ووضعه على اتصال مباشر مع مساعدي بن لادن، ومنهم أبو حفص المصري، الذين بدأوا عقب ذلك اللقاء الاتصال به شخصيا على مكتبه في لندن، وفقا للكتاب.
فحقيقة المراجع التي استند عليها الكاتب بحد ذاتها تضفي على الكتاب أهمية خاصة وتجعل منه مصدرا أساسيا،أشبه ما يكون بالسبق الصحافي، وسيظل الباحثون يرجعون إليه ويستندون على ما ورد فيه لسنين طويلة. ينبغي التنويه إلى أن عطوان مزج بين أسلوب التحقيق الصحافي والتقرير الإخباري وبين البحث الأكاديمي واستند في أحيان كثيرة على مصادر لم يسمِّها، وهو وإن كان أسلوبا غير محبذ أكاديميا إلا أنه منتشر في وسائل الإعلام التي تحتفظ لنفسها الحق في عدم الكشف عن مصادر أخبارها، وغامر عطوان في استخدام هذا الحق الذي يُهدد عادة الباحثين ويُضعف قيمة أبحاثهم ويلحق الضرر بمصداقيتها. لكن يمكن القول ان الكتاب في مجمله عبارة عن "وجبة طازجة" أو "وجبة ساخنة" لأن الكاتب ضمّنه نصوصا واستشهادات أو اقتباسات من أقوال ومصادر يخال للقارئ أنه سمعها في الليلة السابقة وتغطي أحداثا ووقائع حصلت في عام 2012، على نحو يوحي بأن الكاتب ظل يضيف أمورا جديدة إلى الكتاب وهو تحت الطبع. مما يوحي أيضا بأن المؤلف كان نوعا ما في عجلة من أمره لإصدار الكتاب.
 
 
 
"استراتيجية "القاعدة" حتى عام 2020"
 
على سبيل المثال يروي عطوان أن إحدى الوثائق التي استند عليها هي وثيقة تحمل عنوان "استراتيجية "القاعدة" حتى عام 2020" من أجل إعادة إنشاء الخلافة الإسلامية، والتي أرسلت إليه على جهاز الفاكس التابع لصحيفة "القدس العربي" في عام 2005 وتضمنت سبعة بنود أو مراحل قبل المرحلة الثامنة والأخيرة وهي معركة إنشاء الخلافة، فوجد هذه البنود مطابقة لما قاله بن لادن له في عام 1996، الأمر الذي أضفى على الوثيقة مصداقية خاصة، حسب قوله، علاوة على المصداقية التي تحظى بها إذا ما تمعن المرء ببنودها وقارنها بما حققه التنظيم خلال العقد الماضي. ويقول عطوان ان بن لادن أبلغه أثناء اللقاء بينهما أنه من الصعب محاربة أميركا في عقر دارها، ومن أجل دحرها ينبغي استدراجها إلى البلدان العربية والإسلامية، فالحرب على أفغانستان والعراق وليبيا برأيه دليل ساطع على أن "القاعدة"نجح في مسعاه وهو ماض في تحقيق الأهداف التي حددها في استراتيجيته.
 
يستهل عطوان الكتاب بقوله في المقدمة ان "بن لادن أصبح ميتا، لكن الحركة التي أسسها قبل أكثر من عقدين أصبحت أقوى وأوسع انتشارا" في أماكن مختلفة من العالم، وأن "استشهاده" يعزز من أسطورته ويجعله رمزا ومثالا يُحتذى للجهاد. فتنظيم "القاعدة" وفقا للكاتب كان صغيرا نسبيا قبل هجمات 9/11، ودُمِّر تقريبا، عندما قُصِفت مخابئُه في أفغانستان، ردا على تلك الهجمات، بل لو أن بن لادن قتل في تلك الهجمات لانتهى التنظيم.
غير أن الحرب على العراق التي شنتها الولايات المتحدة وبريطانيا عام 2003 نفخت في "القاعدة" روحا جديدة استجاب لها آلاف الشبان، فتحوّل التنظيم إلى أيديولوجية دينية وسياسية في آن معا، لكنه من دون قيادة مركزية موحدة، بل هي تتألف من مجموعة "أمراء".
ويُقدّم الكتاب رواية سريعة لقصة حياة بن لادن وزيجاته المتعددة وتشرده أو انتقاله من بلد إلى آخر حتى استقر به الوضع في أبوت أباد في باكستان، حيث اهتدت إليه وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (السي آي إيه) وقتلته في الثاني من أيار/مايو 2011، ليتولى القيادة من بعده الرجل الثاني في التنظيم  الدكتور أيمن الظواهري. ويقول عطوان ان تراجع مقاتلي "القاعدة" في ساحات القتال وهزيمتهم لا تعني بالنسبة لهم مثلما تعنيه بالنسبة لأجهزة الأمن التي تطاردهم، فهم يعتبرون تراجعهم أشبه بـ"الهجرة" – هجرة النبي محمد وتراجعه أمام قريش وإيمانهم بأنه ستكون لهم عودة مظفرة في وقت لاحق. وقال الكاتب ان مقتل بن لادن وأمير تنظيم "القاعدة" في شبه الجزيرة العربية أنور العولقي وآخرين من قادة التنظيم لم تقض على التنظيم، بل عززت من مكانته وساعدت في انتشاره، والسبب برأيه أن القوات الخاصة والطائرات من دون طيار قادرة على استهداف القادة وقتلهم، لكنها تعجز عن إحداث تغيير في فكر أتباع هؤلاء القادة. مؤكدا صحة ما ذهب إليه أبو سعد العاملي، أحد فقهاء "القاعدة"، أن التنظيم سيعمل على تجنيد "جنود من نوع جديد لم يسبق للعدو أن التقى بهم من قبل ويصعب عليه التعرف عليهم".
ونقل عطوان ما سمعه شخصيا من مصدر لم يسمِّه قريب من أيمن الظواهري، الأمير الجديد لتنظيم "القاعدة"، أنه يُشجِّع منذ فترة طويلة تشكيل فروع خاصة بالتنظيم في البلدان الإسلامية وأن يختار كل منها أميرا محليا له، مما جعل منه تنظيما مختلفا عن التنظيم الأصلي وقلص دور الظواهري، بل أنهى دوره كقائد عسكري أعلى للتنظيم وهو الدور الذي أنيط  بالملا عمر، زعيم حركة طالبان. وقال عطوان ان الظواهري ذاته بايع الملا عمر كقائد عسكري في بيان خاص دعا فيه أتباع "القاعدة" ليحذوا حذوه. وقال انه بعد مقتل بن لادن فضل عدد من المتبرعين الخليجيين أن يقدموا تبرعاتهم للملا عمر وتنظيم طالبان بدلا من إرسالها إلى الظواهري.
وللتدليل على مدى انتشار التنظيم واتساع رقعة نشاطه أورد عطوان قائمة بالعمليات العسكرية أو المسلحة التي نفذها مقاتلو "القاعدة" في أماكن مختلفة من العالم بدءًا من الولايات المتحدة وأفغانستان والعراق، مرورا باليمن والسعودية وشمال افريقيا ومالي ونيجيريا والصومال وكينيا وبريطانيا وإسبانيا وفرنسا وروسيا وجمهوريات وسط آسيا وإندونيسا والهند وانتهاء بمنطقة جنوب شرق آسيافريقيا والصومال ومالي ونيجيريا والولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا. وهذا برأي عطوان دليل على فشل الحملة العالمية للقضاء على "القاعدة" والتي كلفت ميزانية الدولة الأميركية حتى الآن أكثر من ترليون دولار.
مع أن "القاعدة" لا يستطيع الادعاء بأنه يقف وراء إشعال شرارة الربيع العربي، لكن التنظيم حصر أو حدد منذ البداية أعداءه بالولايات المتحدة وحكام أنظمة الطغيان والديكتاتورية في الشرق الأوسط. مع ذلك يرى عطوان أن الظواهري على ما يبدو يرغب في تشكيل جناح سياسي لتنظيم "القاعدة" وذلك من أجل المشاركة في شكل أوسع وأشد تأثيرًا في النشاط السياسي على الساحة ما بعد الربيع العربي. ونوّه الكاتب بالموقف الأولي الذي صدر عن "القاعدة" ودعوته أتباعه لضبط النفس وألا يصطدموا مع الأحزاب الإسلامية في بلدان الربيع العربي التي وافقت على الخوض في التجربة الديمقراطية التي يرفضها التنظيم على اعتبار أنها مناقضة للشريعة الإسلامية، مؤكدا لهم أن الأمور في نهاية المطاف ستسير لصالح التنظيم. واستشهد الكاتب بما ورد في بيان وزعه بن لادن في بداية الربيع العربي وصفه فيه بأنه "مرحلة جديدة للأمة بأسرها"، معتبرًا أن الأمة ستشهد في نهاية هذه المرحلة "انتهاء النفوذ الأميركي في العالم الإسلامي".
 
 
 
ما تأخذه القيادات الشبابية بالحسبان
 
ويقول عطوان ان الانطباع الأولي في بداية الربيع العربي كان أن الجماعات الجهادية في العالم العربي انتهت أو وضعت على الرف، فيما تصدر الحراك الشعبي في الشارع محتجون شباب يطالبون بنظام ديمقراطي على النمط الغربي، الأمر الذي يتناقض مع برنامج الحركات الجهادية. لكن بسرعة فائقة انقلب الجو وأصبحت الأحزاب الإسلامية هي التي تتصدر في تونس ومصر والمغرب وتغلبت على الأحزاب العلمانية في صناديق الاقتراع. وأرجع عطوان هذا التحول السريع إلى أن مطالب القيادة الشبابية للربيع العربي اقتصرت على الإصلاح الديمقراطي والاقتصادي ومحاربة الفساد وتبديد الثروات الطبيعية، من دون التجرؤ على مواجهة مسألة الكرامة القومية أو الوطنية واحترام الذات. ويستشهد الكاتب بالمحلل السياسي المغربي معطي محجوب الذي في معرض وصفه لما حدث في بلده قال "الناس ينظرون إلى الإسلاميين على أنهم المخرج الذي عن طريقه سيتخلصون من الخنوع والشعور بالنقص تجاه الغرب"، فعدم أخذ القيادات الشبابية للربيع العربي هذا الشعور بالحسبان هو الذي أضعفها ورجّح كفة الحركات الإسلامية.
ويتوقف عطوان قليلا عند الأزمة السورية، موضحا موقفه المعادي بشدة للرئيس السوري بشار الأسد، لكنه لاحظ  أن ما حدث في سورية مختلف إلى حدٍ كبير عمّا حدث في بلدان الربيع العربي الأخرى. وكان الهدف من توقفه عند الأزمة السورية إبراز الدور الأساسي الذي بدأ يلعبه تنظيم "القاعدة" هناك. وقال "إذا تمّ تمزيق سورية بحرب أهلية – وهو ما يبدو محتملا جدا – فإن تنظيم "القاعدة" سيلعب دورا قياديا في حركة التمرد، تماما مثلما فعل في العراق". ويشير الكاتب إلى الدعوات التي وجهها الظواهري وبن لادن، قبل مقتله، لأنصار "القاعدة" من أجل التوجه إلى سورية للمشاركة في الحملة لإسقاط نظام الحكم فيها، والاستجابة الواسعة لهؤلاء الأنصار من مختلف الأقطار العربية، الذين أصبحوا يشكلون جزءا لا بأس به من تنظيم الجيش السوري الحر المعارض. فيما رأى قائد تنظيم "القاعدة" في شبه الجزيرة العربية العولقي، أن الربيع العربي "يفتح المجال لفرصة عظيمة أمام المجاهدين في جميع أنحاء العالم".
ورغم عدم وجود دور لـ"القاعدة" في انطلاقة الربيع العربي، خاصة في تونس ومصر واليمن، لاحظ عطوان أن دورا فاعلا كان لأنصار "القاعدة" منذ البداية في الثورة الليبية، مما يجعل الوضع في ليبيا مختلفاُ عنه في البلدان الأخرى. كما لاحظ أن مقاتلي "القاعدة" الليبيين الذين عادوا من العراق رفعوا في بنغازي علم الدولة الإسلامية في العراق إلى جانب علم "القاعدة". فيما يعتقد بعض المحللين أن "القاعدة" في اليمن، على سبيل المثال، يكتفي بتأييد الثورة لإسقاط نظام الحكم، لكنه لا يسعى لاحتلال قيادتها أو تزعمها. وكذلك الحال في سورية حيث تأخر وصول "القاعدة" إليها حتى شباط /فبراير 2012، لكنه موجود هناك بقوة، جنبا إلى جنب مع الجيش السوري الحر. وفي هذا الخصوص، يخلص الكاتب إلى نتيجة مفادها أنه مثلما نجحت حركة طالبان، رغم الحملة العالمية التي تشن عليها بلا توقف منذ عام 2001 حتى الآن في اختراق الحصار المفروض عليها وإقامة علاقات دبلوماسية في الخارج ومنها مكتبها في قطر، يمكن لتنظيم "القاعدة" أن ينجح هو الآخر في السير بهذا الاتجاه، معتبرا أن هذا التطور يؤذن ببدء مرحلة جديدة في تاريخ الحركات الإسلامية، ويمهد الطريق للقاء أو تحالف مستبقلا بين "القاعدة" والحركات الإسلامية المعتدلة على الأقل في بلدان الربيع العربي.
 
 
 
خيبة الأمل- فراغ استغلته "القاعدة"
 
وتحدث عطوان عن فرع تنظيم "القاعدة" في شبه الجزيرة العربية وقال انه تشكل فقط في عام 2009 عندما اندمج الجهاديون في كل من اليمن والسعودية في تنظيم واحد تحت قيادة أمير واحد هو ناصر الوحيشي اليمني الجنسية. وأشار عطوان إلى تصريح لبن لادن قبيل مقتله عام 2011 بفترة قصيرة أعرب فيه عن رضاه "من تحول اليمن إلى قاعدة خلفية للعمل الجهادي في جميع أنحاء العالم". وعلى أثر ذلك هاجر المئات من الجهاديين السعوديين عبر الحدود إلى اليمن، ووفقا لتقديرات من مصادر مطلعة على وضع هذا الفرع يُشكل السعوديون فيه حوالي نصف عدد أعضاء التنظيم. لكن عطوان يقول ان التنظيم أرسى قواعد لعلاقات قوية بينه وبين القبائل والعشائر اليمنية بناء على توجيهات من بن لادن شخصيا. ويرى عطوان أن فشل الثورة الشعبية اليمنية في إسقاط نظام الحكم ترك شعورا عميقا من خيبة الأمل لدى الشارع اليمني، الأمر الذي ساعد "القاعدة" على الظهور كأنها البديل الوحيد لتغيير الوضع هناك.
وخصص الكاتب الفصل الثالث لتنظيم الشباب الصومالي الذي يُعتبر فرعا أو امتدادا لتنظيم "القاعدة" وترعرعه في الصومال الذي أصبح دولة فاشلة وتحول إلى حاضنة للجهاديين، مشيرا إلى العلاقة القوية التي تربط مقاتلي تنظيم الشباب الصومالي مع القبائل الصومالية، على نحو شبيه بما يجري مع "القاعدة" في اليمن. مشيرا إلى العلاقة القوية التي تربط تنظيم الشباب بقراصنة البحر الصوماليين الذين يتقاسمون أرباحهم مع التنظيم ويشكلون مصدر دخل رئيسي له.
أما بالنسبة للعلاقة بين حركة "طالبان" وتنظيم "القاعدة"، فيؤكد عطوان على عمق التحالف بين التنظيمين، وهو تحالف قديم يعود تاريخه إلى عقد الثمانينيات الماضي،عندما انضم المقاتلون العرب إلى المجاهدين الذين كانوا يحاربون الاتحاد السوفييتي،والذي تقوّى أو تعزز بعدما انتقل بن لادن للعيش تحت حماية "طالبان" أيام كانت تحكم أفغانستان ولاحقا أيضا بعد سقوط حكم طالبان في عام 2001. وذكر عطوان أن حركة المجاهدين التي كانت الولايات المتحدة والسعودية تدعمانها منذ تأسيسها في نهاية عقد السبعينيات الماضي وحتى عام 1990، درّبت على السلاح حوالي مليونا و614 ألف مقاتل أفغاني وعربي، حيث أصبح هؤلاء المجاهدون المصدر الأساسي الذي  يتزود منه كل من تنظيم"القاعدة" وطالبان بالمقاتلين. وأشار الكاتب إلى أن طالبان نجحت في تلميع صورتها داخل المجتمع الأفغاني "كجماعة أكثر تسامحا وانفتاحا"، مؤكدا عودة طالبان إلى الحكم في أفغانستان بعد أن تنسحب قوات الحلف الأطلسي منها في عام 2014 كشريك أو من خلال سيطرتها الكاملة المتوقعة على أجهزة الدولة، مما سيفتح المجال مجددا أمام "القاعدة" للحصول على ملاذ آمن.
وألقى الكاتب نظرة على جذور طالبان العميقة في باكستان وانبثاق تنظيم طالبان الباكستاني لاحقا من تحالف ضم حوالي 28 تنظيما جهاديا باكستانيا، الأمر الذي حمل أهمية خاصة بالنسبة لتنظيم "القاعدة" أيضا، إذ وفرت التنظيمات الجهادية الباكستانية وتنظيم طالبان الباكستاني لتنظيم "القاعدة" ملاذا آمنا في المناطق التي يسيطر عليها أنصار هذه التنظيمات، خاصة في منطقة وزيرستان المحاذية للحدود مع أفغانستان، مما ساعد "القاعدة" على إقامة قواعد تدريب لمقاتليه في باكستان وشن هجمات على البلدان الغربية انطلاقا من الأراضي الباكستانية، بل الاستعانة بجهاديين باكستانيين لتدريب مقاتلي "القاعدة" في مناطق أخرى في العالم، مثلما هو حاصل حاليا في مالي. وبيّن الكاتب كيف استفاد رجال "القاعدة" من الروابط القوية بين الجهاديين الباكستانيين ورجال جهازي الأمن والاستخبارات الباكستانيين. وقدّم خلفية مفصلة لنجاح بن لادن في الحصول على مخبأ له في مدينة أبوت أباد التي قتل فيها في باكستان العام الماضي.
وخصص عطوان فصلان لنشاط "القاعدة" في شمال أفريقيا أو المغرب العربي، الأول تحدث عن نشاط التنظيم في الجزائر والمغرب وتونس ومنطقة الساحل التي تضم الصحراء الغربية وموريتانيا على الشاطئ الشرقي للمحيط الأطلسي ومالي والنيجر ونيجيريا وتشاد وصولا إلى البحر الأحمر، والثاني تحدث بالأساس عن ليبيا. وأبرز الكاتب دور أيمن الظواهري في توسيع نشاط "القاعدة" في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل الافريقي. ومع أن هناك فرعين منفصلين لتنظيم "القاعدة" في شمال افريقيا، إلا أن قيادة الفرعين تتألف من الجزائريين والليبيين بالأساس. واستعرض عطوان الوضع في كل واحدة من دول المغرب العربي على حدة، موضحا كيف استفاد "القاعدة" من الربيع العربي، خاصة بسبب تراخي القبضة الأمنية أو الفراغ الأمني الذي نتج عن سقوط نظامي الحكم في تونس وليبيا، ورأى أن "القاعدة" ستنتشر بشكل أوسع في المستقبل في هذه المنطقة.
أما بالنسبة لفرع  "القاعدة" في ليبيا، فعلى الرغم من ارتباط هذا الفرع بأسامة بن لادن والظواهري، إلا أن ليبيا، وفقا لعطوان، لديها خصوصية مميزة عن باقي البلدان التي تتواجد فيها فروع للتنظيم، وذلك راجع للهوية الدينية القوية للشعب الليبي وللتاريخ الجهادي العريق في ليبيا الذي أرساه المناضل الليبي الأسطوري عمر المختار في جهاده الباسل ضد الاحتلال الإيطالي لليبيا من عام 1912 حتى عام 1942. وأشار الكاتب إلى المعارضة التي أبدتها الحركات الإسلامية لنظام حكم الرئيس الليبي معمر القذافي ومحاولة الاغتيال الفاشلة التي رتبها الجهاديون الليبيون للقذافي عام 1984، واتصالهم لاحقا بأسامة بن لادن والالتحاق به في السودان ثم في أفغانستان، بل أصبحوا من المقربين من بن لادن مثل أبو أنس الليبي وأبو ليث الليبي وأبو حفص الليبي وآخرين، منوها بالمشاركة البارزة للمقاتلين الليبيين في صفوف "القاعدة" في العراق، خاصة من المنطقة الشرقية في ليبيا التي منها انطلق التمرد على القذافي عام 2011.
 
 
 
"جيل جهادي" أكثر تطرفًا
 
بعد كل ما تقدم يستنتج عطوان بأن تنظيم "القاعدة" بتشعباته كافة مستمر في التمدد أو التوسع من خلال الروابط المتينة التي يحتفظ بها مع تنظيمات إسلامية متعددة في أماكن مختلفة من العالم، منها الجهاديون في بلاد الرافدين الذين أعلنوا عن الدولة الإسلامية في العراق، والجماعة الإسلامية في جنوب شرق آسيا، والحركة الإسلامية في أوزبكستان، وتنظيم المجاهدين في شمال القفقاس، والتنظيمات الجهادية الإسلامية في فلسطين، وتنظيم "القاعدة" في صحراء سيناء، وتنظيم بوكو حرام في نيجيريا، بل حتى مع مسلمي الإيغور في الصين.
وتحدث عطوان عن استفادة"القاعدة" من الثورة المعلوماتية وامتلاكه قدرات فنية رفيعة في مجال الحرب الإلكترونية التي من المحتمل استخدامها في هجمات قد تكون مذهلة في المستقبل، إلى جانب الاستفادة من الربيع العربي. غير أن الكاتب يعتقد أن الجيل الجديد من رجال "القاعدة" ربما يكون أكثر تطرفا وأورد أمثلة على ذلك من الأردن. وأشار إلى أن بن لادن والظواهري كانا يبحثان إمكانية تغيير اسم التنظيم وتبني اسم جديد له يغلب عليه الطابع الإسلامي أكثر من اسم "القاعدة". 
وقال ان التنظيم يسعى لكي يصبح حزبا أو حركة سياسية على نحو شبيه بعملية التحول الحاصلة حاليا في حركة طالبان.
 
 
 
 
(لندن)
 

عبد الباري عطوان: القاعدة أقوى بعد مقتل بن لادن

 

 
 
 
 
 
 
لندن ـ رويترز: يخلص الكاتب الصحافي عبد الباري عطوان الذي يعمل ويعيش في بريطانيا إلى أن مقتل أسامة بن لادن لم يقض على تنظيم القاعدة الذي يقول عطوان إنه وسع نطاق نشاطه من خلال تحالفات جديدة منتهزا فرصة الاضطرابات التي شهدتها المنطقة العربية.
وأطلق الصحافي عبد الباري عطوان يوم الأربعاء (17 أكتوبر) في احتفال صغير بمكتبة الساقي بالعاصمة البريطانية كتابه الثاني عن القاعدة بعنوان 'بعد بن لادن.. القاعدة.. الجيل التالي'.
ويرأس عبد الباري عطوان تحرير صحيفة 'القدس العربي' التي تصدر في لندن وكان من الصحافيين القليلين الذين التقوا بأسامة بن لادن. 
ويقول عبد الباري عطوان إن كتابه الجديد يركز على الجيل الجديد لتنظيم القاعدة الذي يرى أنه بات أقوى رغم مقتل بن لادن زعيم التنظيم.
وقتل بن لادن في تبادل لإطلاق النار مع قوة أمريكية في مسكن كان يعيش فيه ببلدة ابوت أباد الباكسنتمية في أيار (مايو) 2011.
وكان عبد الباري عطوان قد نشر كتابه الأول عن القاعدة عام 2006 بعنوان 'القاعدة.. التنظيم السري'. وذكر الكاتب أنه يتحدث في كتابه الثاني عن تطور التنظيم.
وقال عطوان لرويترز 'الكتاب الأول كان عبارة عن تمهيد وشرح لمفهوم القاعدة ولعقيدة القاعدة ودور القاعدة. لكن الكتاب الثاني يحتلف. كيف أصبح تنظيم القاعدة بعد اغتيال زعيم التنظيم أسامة بن لادن. نحكي أيضا عن عملية التطوير والتطور في فكر التنظيم وفي انتشاره في العالم الإسلامي على وجه التحديد'.
وحضر الاحتفال بإطلاق كتاب عطوان الجديد الصحافي ومقدم البرامج في هيئة الإذاعة البريطانية غافين إيسلر. 
وقال إيسلر 'أعتقد أنه مهم. وأعتقد أن من المهم أن نرى تنظيم القاعدة والتنظيمات المتحالفة معه لا من منظور الصحافة الغربية أو الدبلوماسية الغربية بل من خلال فلسطيني التقى بأسامة بن لادن عام 1996 ويفهم مدى إغراء بعض الأفكار لبعض الناس'.
ويتناول عبد الباري عطوان في كتابه الثاني بالتحليل الجيل الجديد لتنظيم القاعدة ويلقي الضوء على هجمات نفذها إسلاميون في دول غربية منهم محمد مراح الذي قتل وجرح سبعة أشخاص في مدينة تولوز الفرنسية في آذار (مارس) 2012.
ويقول عبد الباري عطوان إن التنظيم الذي شارك بن لادن في تأسيسه صار أقوى وأوسع نطاقا في 2012 وأصبح له وجود في كثير من أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأوربا وأمريكا الشمالية.
ويشدد عبد الباري عطوان في الكتاب على أن بن لادن تحول إلى رمز روحي للقاعدة أكثر من كونه قائدا نشطا وأوضح أن التنظيم غير هيكله تدريجيا قبل وقت طويل من مقتل بن لادن بحيث أصبح لا يعتمد على قيادة مركزية.
كما يلقي الكتاب الضوء على دور القاعدة في انتفاضات العالم العربي التي انطلقت شرارتها الأول من تونس في كانون الثاني (يناير) 2011.
وقال عبد الباري عطوان 'تنظيم القاعدة كان من البداية ينتقد بشدة الأنظمة الفاسدة في الدول العربية. يعني كان دائما يعتبر هذه القيادات مرتبطة بالغرب الذي يحاربه تنظيم القاعدة كما يقول في أدبياته. فهو كان ينتقد هذه الأنظمة من فترة مبكرة جدا. الآن بعد أن انتصرت بعض ثورات الربيع العربي ظهر هناك من يقول إنه لا دور لتنظيم القاعدة.. لا نريد أن يكون أي دور لتنظيم القاعدة لأنه سمعة التنظيم كتنظيم إسلامي متطرف لا تناسب بعض ثورات الربيع العربي. لكن عمليا.. بدأ تنظيم القاعدة يستفيد من ثورات الربيع العربي. مثلا في ليبيا الآن التنظيم موجود وبقوة وهو مسؤول عن اغتيال السفير الأمريكي في بنغازي'.
وذكر المحلل السياسي أحمد المصري الذي حضر الاحتفال بإطلاق الكتاب أن عطوان أجاب في مؤلفه الجديد على التساؤل الخاص بما إذا كان التنظيم انتهى بمقتل بن لادن.
وقال 'حاول طرح عدة أشياء. يعني طرح سؤال وأجاب عليه في النهاية. هل أنه أمريكا قضت على القاعدة بالقضاء على زعيمها في هذا الكتاب.. وأجاب في النهاية أن أحد الأشياء التي رجحها الكتاب أن القاعدة لم تنته بموت زعيمها بدليل أنها الآن منتشرة أكثر في مناطق لم تكن محسوبة على تنظيم القاعدة'.
وذكر الصحافي الشاب بشار زيدان أن الكتاب يساهم في تصحيح بعض المفاهيم السائدة في الوقت الحالي عن حالة تنظيم القاعدة.
وقال 'هناك مفاهيم خاطئة حول تنظيم القاعدة في الوطن العربي. هناك أيديولوجيات مختلفة عن الموضوع. فيه ناس.. يمشوا مع تنظيم القاعدة بسبب أنهم يدعون مثلا أنهم يمثلون الإسلام. هناك ناس ضدهم لأنهم عم يضربوا المصالح الإسلامية برة. فالمهم أن الواحد يشوف التنظيم من جوة فالقاريء العربي يعرف هو على أي جانب بده يقف'.
وبعد أن اتجهت أجهزة المخابرات الغربية إلى المزيد من المركزية في التنسيق والتخطيط والقيادة اتخذ تنظيم القاعدة خطا عكسيا وباتت له أجنحة في شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية وغيرهما. وشجع قياديون في التنظيم منهم أنور العولقي المولود في الولايات المتحدة أتباعه على تنفيذ أي أنشطة تكون في متناول أيديهم. وتبنت القاعدة استراتيجية جديدة تعتبر حتى الهجوم الفاشل نجاحا إذا كان له صدى في الإعلام.
 
 
 

القاعدة ما بعد بن لادن

 

داربكر
www.darbakir.com

 

القاعدة ما بعد بن لادن

 جديد عبد الباري عطوان

 http://www.darbakir.com/images/8323e84060f903a7fac785783ce05dda.jpg

 

 الخميس 18-10-2012

 كتب بكر عويضه:
اكتظ بهو مكتبة "دار الساقي" في لندن مساء أمس (الأربعاء 17 الجاري) بحشد شمل إعلاميين، مثقفين، سياسيين، اختلفت شرائح أعمارهم، إذ منهم ومنهن شبان وشابات، فضلاً عمن تجاوزوا عتبة الستين، إنما جمعت بينهم جميعهم مناسبة تخص صحافيا اشتُهِر بتخصص إعلامي، في وسط يندر بين أهله الاختصاص، ذلك هو عبد الباري عطوان، رئيس تحرير جريدة "القدس العربي"، التي على صفحاتها نشرَ أبو خالد حوار القنبلة الصحافية مع المطارد (آنذاك) أمنياً وإعلامياً، أسامة بن لادن، فإذا بالصدى يتردد بين جدران بيوتات الإعلام، من شرق وغرب، شمال وجنوب، وما كان يومها في الأفق قاعدة تصول من جبال أطلس إلى تخوم إنطاكية، وتجول في صحارى افريقيا وأدغال آسيا، فليس بمستغرب، والحال هكذا، بل من الطبيعي، أن يكون لمتابعة عطوان للشأن القاعدي تميزه الخاص، وحضوره الإعلامي المتميز.

 طالت المقدمة، وفي صحيح منهج التحرير الصحافي يجب أن أقبل رفضَ مدير تحرير أية جريدة لإطالة كهذه، فالصواب أن أباشر بتضمين المقدمة عناصر عنوان الخبر، وتكون الصياغة على النحو التالي: احتفت دار الساقي للنشر مساء أمس بصدور رابع مؤلفات عبد الباري عطوان. الكتاب الجديد "ما بعد بن لادن.. جيل القاعدة الجديد"، يسلط الضوء على تحليل المؤلف لتأثير مقتل بن لادن على تنظيمه، من جوانب مختلفة.

 http://www.darbakir.com/images/ed18b8e09661b0432105822e3f66fc30.jpg

النجم التلفزيوني البريطاني Gavin Esler تولى تقديم عطوان بكلمة بقصيرة تضمنت اشارة الى معرفته بالكاتب تعود الى خمس عشرة سنة. ثم تحدث عبد الباري فأعطى ملامح عن الكتاب، إنما توسع بعض الشيء في تحليل دور القاعدة بالجاري من تطورات في العالمين العربي والإسلامي. ثمة موعد آخر، الأربعاء المقبل (24 الجاري) لفعالية احتفاء ثان بكتاب عطوان، كما علمت من موقع دار الساقي أونلاين، الذي أورد التالي

We are pleased to invite you to ‘Al-Qa’ida Resurgent?’ with Abdel Bari Atwan in association with The Middle East Forum to be held at the Oliver Thompson Lecture Theatre, City University London on October 24th 2012.

The forum will feature Abdel Bari Atwan talking about the subject of his new book After Bin Laden: Al-Qa’ida, The Next Generation, with

 Dr Shane Brighton providing his thoughts on the implications of a resurgence in al-Qa’ida activism for Western policies to counter the phenomenon.

 

عبد الباري عطوان يبني وطنا من كلمات..

طلال سلمان 
عبد الباري عطوان يبني وطنا من كلمات.. على الصفحة الأولى
ندر ان شدني كتاب في السيرة الذاتية بقدر ما استولى عليّ «وطن من كلمات» للزميل والصديق العزيز عبد الباري عطوان.
لقد حقق هذا اللاجئ ولادة، المعتل صحة في شبابه الأول، المعوز إلى العمل ولو في شاحنة قمامة أردنية في «لجوئه» الثاني، ما يمكن اعتباره معجزة في لجوئه الرابع بعدما كان قد اهتدى في لجوئه الثالث إلى حرفة الصحافة ليضمن الخبز والمأوى وحماية كرامته الإنسانية: لقد مكنته روح المغامرة من التصدي للقفزة الأخطر، هي المستمرة حتى اليوم عبر «القدس ـ العربي».

وبرغم الحرب الضروس التي شنتها أنظمة وأجهزة «عربية» عديدة، بالشائعات والتقولات والحكايات، عن مصادر تمويل هذه المغامرة الفريدة في بابها، فلا بد من الشهادة لعبد الباري عطوان انه تمكن ـ بصموده، وربما بعناده الذي يتبدى طفوليا في بعض الحالات ـ من إصدار صحيفة عربية يومية في لندن، بقروش قليلة، لا ترتهن لإرادة نظام بالذات ولا تحرفها عن خطها «شرهات» أصحاب العروش المن نفط وغاز، وتصمد للعواصف السياسية ولإغراءات عروض الصمت المذهبة التي وجهها الآخر التهديد بالتصفية، متخذة من «القدس» عنوانا ومن العروبة هوية.

كيف الذي كانت بلدته أسدود الفلسطينية قبل ان يطرد العدو الإسرائيلي أهلها منها، والذي ولد ونشأ في مخيم "دير البلح" في قطاع غزة، استطاع الوصول إلى عاصمة الضباب؟ وكيف تسنى له ان يستقر فيها، يمارس الصحافة محرراً فمديرا للتحرير في جريدة عربية أصدرها مال النفط هناك قبل ان يقفز في الهواء ليصدر صحيفته «القدس العربي».

ولسوف تتعدد القفزات في الهواء لهذا الشريد الطريد الذي يقدم طفولته الشقية كحكاية ممتعة تكاد تغري بحياة المخيم الذي يرى عبد الباري، اليوم ومن لندن، انه كان يشكل «نسيجاً اجتماعياً وسياسياً نابضاً بالحياة ورمزاً للكبرياء وصرحا للكرامة وعزة النفس..» معترفا بأنه قد أحب «كل من وما فيه، الصم والبكم، مجاذيبه والحكماء، غوانيه وصباياه المؤمنات»… بل انه يصل إلى حد اعتبار المخيم «جمهورية أفلاطون».

حياة عبد الباري رحلات متوالية، أولاها من غزة عبر الضفة إلى الأردن حيث اجبره فقره على العمل، وهو الذي يعاني من فقر الدم، عاملاً في ورشة بناء، ثم سائقاً متمرناً لشاحنة قمامة، قبل ان تقيض له فرصة السفر إلى قاهرة جمال عبد الناصر الذي راسله طفلاً فأرسل له مع صورته كتابه قصة الثورة، حيث درس في جامعتها، وحين تخرج كان هاجسه العمل والرزق… وهكذا غادرها إلى بنغازي فطرابلس بليبيا، ومنها إلى السعودية حيث عاش سلسلة من المفارقات بعضها مؤلم والبعض الآخر كوميدي.

يستذكر عبد الباري أهله: أمه ظريفة عطوان، الأمية مثل كل النساء في زمنها وفي محيطها، بقصصها عن أسدود التي هجرت منها مع الخمسة آلاف من سكانها، والتي حولتها إسرائيل إلى واحد من أكبر موانئ الدولة المحتلة على المتوسط، وقد أسكنت فيها أكثر من مائتي ألف نسمة.

يستذكر عبد الباري أيضاً والده الذي لم يره يوما مبتسما، وقد ورث عنه قرحة المعدة والرقم 7 المحفور في وسط جبهته… وقد توفي في سن الأربعين تاركا قبيلة من الصبيان والبنات للريح.

على ان الفصول الممتعة في هذا الكتاب الذي يوجز حياة عبد الباري ولا يقدمها كاملة، هي تلك التي تروي مغامراته الصحافية التي قل نظيرها. يقول:

«في تشرين الأول 1988، سافرت إلى الجزائر لحضور اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني. خلال احدى الاستراحات تقدم مني وليد أبو الزلف، الابن الأوسط لعائلة أسست واحدة من اقدم الصحف الفلسطينية «القدس» التي كانت تصدر في المدينة المقدسة. اخبرني ان العائلة تريد نشر طبعة دولية من الجريدة ودخل معي في تفاصيل خططها لصحيفة على النطاق العربي، يومية ومستقلة… «ونريد لهذه الجريدة ان تؤسس في لندن ونريدك ان تكون رئيسا لتحريرها»، كان ذلك عرضاً «لا استطيع رفضه. كانت هناك فرصة للنجاح، لكن إمكان الفشل قائم وثقيل الحضور. كانت هناك ثلاث صحف عربية راسخة تصدر من لندن: الأولى التي كنت اعمل فيها ويملكها الأمير فيصل بن سلمان، ابن أمير الرياض، و«العرب» التي يملكها وزير اعلام ليبي سابق، احمد الهوني، ثم انضمت إليهما «الحياة» بعد ان تملكها الأمير خالد بن سلطان نجل وزير الدفاع السعودي. وكانت جميعها ممولة بسخاء وجهزت مكاتبها في مبان كبرى… وجاء «القدس العربي» إلى العالم «كجنين خديج ولد قبل أوانه».

ولقد أسس عبد الباري مقرا في طابق رث من بناية للمكاتب في منطقة همر سميث… وحاول تقليد «الحياة» فجمع عددا من الكومبيوترات العتيقة، مؤجرة من شركة، وكان كامل الفريق من المحررين إلى موظفة الاستقبال يتكون من ثمانية عشر شخصاً.

.. وعندما غزا صدام حسين الكويت منعت «القدس العربي» من معظم الدول العربية وقام ياسر عرفات بإنقاذها مرات عدة. ولقد جاءت وفود من الحكومتين السعودية والكويتية بعروض إلى عبد الباري لمساعدته بملايين الجنيهات مقابل تغيير موقفه فرفض ذلك… ولقد صمدت الجريدة نتيجة تبرع محرريها وموظفيها بنصف رواتبهم؟!

يقول عبد الباري: يجب ان أقر اننا ارتكبنا بعض الأخطاء في أيام بداياتنا، وكنا عدوانيين أكثر من اللازم.

أما «الأزمة الفنية» الأكبر فقد جاءت مع راقصة إسرائيلية اتهمت السفير المصري في تل أبيب، بأنه قد حاول اغتصابها، وقد بعث مراسل «القدس العربي» من القاهرة ينفي الاتهامات، فرفعت الراقصة دعوى تشهير.

يروي عبد الباري قصصا ممتعة عن الرئيس اليمني (السابق) علي عبد الله صالح ومجلس القات والمسدس الصغير الذي سقط من جيبه وله مقبض مصنع خصيصا من أحجار كريمة… ثم الجولة التي عرفه فيها إلى أجنحة القصر الجديد الذي بناه، والهدايا العديدة التي جاءته وأطرفها جرتان زجاجيتان حصل عليهما من زعيم صيني، مليئتان بسائل أبيض وحرباوات وثعابين في أسفلها… وكذلك إلى سيوف مذهبة، ومبخرة مذهبة من الملك فهد وقارب مزين مصنوع من الذهب من الشيخ زايد وساعة رولكس من النوع الفاخر جاءته من العقيد القذافي.

القصص الأطرف عن رحلته الأولى مدعوا إلى ليبيا والتي أنهاها احتجاجاً في اليوم الأول، ولكنه عاد إليها من بعد وأجرى لقاءات مع «الأخ العقيد»، ثم تلقى تهديداً بالقتل منه بسبب من سوء فهمه للغة الإنكليزية حين كان يستمع إلى مناظرة بين أطرافها عبد الباري.

تأتي بعدها قصته مع الملك عبد الله بن الحسين الذي كان والده يفضل عليه الأمير حمزة، لكن الموت عاجله قبل ان يثبته فكان العرش من نصيب ابن الانكليزية. ومن هذا الملك سمع عبد الباري كيف أهانه الرئيس الأميركي جورج بوش وهدده وهو يضرب بقبضة يده على المكتب إذا ما فكر بأن يقف مع صدام.

يروي عبد الباري مئات الحكايات، بعضها مثير وبعضها طريف، ومعظمها يتصل بعلاقاته ببعض الحكام العرب، لكن أطرفها حكاية سفره إلى أفغانستان في تشرين الثاني 1996 والتي استغرقت عشرة أيام «قضيت ثلاثة منها في صحبة الشيخ اسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة في جبال تورا بورا الوعرة.. وهي الرحلة التي شكلت انقلاباً في حياتي المهنية فقد نقلتني من صحافي عربي محلي إلى كاتب عالمي ومرجع في شؤون الإسلام السياسي وما يسمى بالإرهاب الدولي».

يتوقف عبد الباري أمام قناة «الجزيرة» مبديا إعجابه بجرأتها التي بهرت الأميركيين، في البداية، ثم جعلت اسامة بن لادن يختارها بسبب استقلاليتها، «كما اختار صحيفتي لنشر بلاغاته الورقية». ثم يروي كيف اختارته «الجزيرة» للحلقة الأولى من برنامج «الاتجاه المعاكس» وقد تحول إلى موضوع رئيسي في معظم المجالس والديوانيات.

تستوقفك في الكتاب رواية العلاقة بإدوار سعيد الذي التقاه للمرة الأولى في «كابو» عام 1981، وقد سأله ان يكتب في مجلة «المجلة» التي كان مدير تحريرها آنذاك، فابلغه ادوار سعيد ان أجره هو دولار واحد مقابل كل كلمة ولو «ال» التعريف.

على ان عبد الباري يشهد ان الرجل كان يحتكم دائماً إلى ضميره، وانه لم ينس مطلقاً جذوره الفلسطينية بشكل خاص والعربية بشكل عام… وهو قد استقال من عضوية المجلس الوطني الفلسطيني وشن بعد اتفاقات اوسلو في 13 أيلول 1993 في حديقة البيت الأبيض، هجوماً شرساً على ياسر عرفات، سرعان ما مده إلى العديد من المثقفين الفلسطينيين الذين عادوا معه إلى رام الله وقبلوا بمرتباته العالية.

لعل أمتع ما في الكتاب الضخم (500 صفحة) حكايات عبد الباري مع الشاعر العظيم الراحل محمود درويش الذي لم يتعرف إليه إلا في وقت متأخر جداً، مع انه معجب به منذ قصيدته الأولى «سجل أنا عربي» التي كتبها سنة 1964… وهذه القصيدة والحوار حولها كانا المدخل إلى صداقة عميقة ستمتد إلى آخر يوم في حياة محمود درويش.

يروي عبد الباري مقاطع محزنة من علاقة الشاعر العظيم بياسر عرفات (والده الروحي) والقطيعة التي حدثت بينهما وإقدام «أبو عمار» على إصدار أمر بوقف المخصصات المالية لمحمود درويش، الذي كان حينها يعيش في باريس، مما جعله في وضع مالي سيء بحيث لم يكن قادراً على تسديد إيجار شقته.

وفي حوار محزن اتصل محمود بعبد الباري يعاتبه لعدم اتصاله به ليومين متتاليين قائلاً: اسمع أنا أتلقى في اليوم مكالمتين هاتفيتين فقط، الأولى منك ظهراً، والثانية في المساء وتأتي عن طريق الخطأ… وأنا لا أغادر البيت مطلقا لان خروجي يعني ان اذهب إلى المقهى، ويعرفني الناس فيجلسون معي واضطر إلى دفع الحساب، وأنا لا اقدر على ذلك في الوقت الحالي..».

في كتاب عبد الباري عطوان الكثير من الوقائع التي لا تنسى، عن رؤساء وملوك وأمراء وشيوخ، وكذلك عن الصحافة والصحافيين العرب في لندن، ثم عن مغامراته الصحافية المتعددة وان ظلت مقابلته الأولى لاسامة بن لادن منطلق شهرته.

لكن أخطر ما في عبد الباري عطوان انه استطاع ان يتولى مهمة إصدار صحيفة عربية في لندن وان يضمن استمرارها في قلب الصعب، مستحضرا فلسطين فيها، متخذاً مواقف حادة أحياناً لكنها صادرة عن إيمانه بما يكتب. ولعل أفضل خاتمة ما اختاره عبد الباري تقديما لكتابه:

لنا بلد من كلام، تكلم، تكلم، لأسند دربي على حجر من حجر

لنا بلد من كلام، تكلم، تكلم، لنعرف حداً لهذا السفر».         

رحلة في عالم الجماعات الجهادية ورؤية معمقة لحركة مات زعيمها ولم تمت

 ابراهيم درويش

 
كان هناك شبه اجماع بين المحللين والمراقبين ان الجيل الغاضب من الشباب العربي الذي خرج للشوارع في تونس مصر وحمل السلاح للاطاحة بنظام معمر القذافي، ويحمله الان للتخلص من نظام بشار الاسد اثبت فشل ايديولوجية القاعدة واعلن نهايتها. فالجيل الجديد كان يدعو للحرية والعدالة والخبز، اما ناشطو القاعدة فعادة ما يدعون للتغيير الجذري بالقوة وينظرون اليه من خلال الجهاد العالمي واقامة الحكومة الاسلامية العالمية.
وقد ادى الربيع العربي بالمحللين الغربيين للقول ان شعارات الحرية والديمقراطية تمثل رفضا لايديولوجية القاعدة التي كانت في نظرهم تخسر في 'الحرب على الارهاب' والتي اعلنها جورج بوش بعد تفجيرات 9/11 . عشية الربيع العربي كانت القاعدة وبناتها واخواتها تعيش تحت ضغط شديد، فرجالها في باكستان يهربون من مكان لاخر ومن بيت لبيت في مناطق القبائل الباكستانية، وفي اليمن والصومال تلاحق 'الدرونز' رجال الشباب الاسلامي الذين يخوضون حروبا مع النظام المدعوم افريقيا وامريكيا والزوارق البحرية التي تراقب الشواطىء الصومالية والقوات الاثيوبية -الافريقية، وفي العراق انتهت دولة العراق الاسلامية، وفي ليبيا تاب القادة وخرجوا من السجون قبل الثورة. وفي السعودية هرب الناشطون عبر الحدود الواسعة الى اليمن حيث اندمجوا مع التنظيم هناك. كانت الصورة اذن معتمة وقاتمة للقاعدة مع بداية الربيع، رفض للايديولوجية وملاحقة وغضب من السماء عليها.
 
نظرية موت القاعدة
 
لكن هل كان هذا التحليل صحيحا، فالقاعدة او العمليات التي تعلن جماعات القاعدة مسؤوليتها عنها تعطي صورة اخرى عن تنظيم لا يزال قادرا على القيام بعمليات وتجنيد اجيال جديدة بل والتحدث بلغة غير العربية، الانكليزية، ونشر ايديولوجيته، بين الاجيال الجديدة من المسلمين في الغرب، حيث تأثر الكثيرون بأفكارها، ومن يتابع اخبارها على الاقل في بريطانيا يعتقد ان التنطيم على اهبة الهجوم على قصر الملكة او مقر الحكومة- قد تبالغ الاجهزة الامنية- لكن لا يعني ان التهديد ليس حقيقيا، فلم تعد هذه الاجهزة بقادرة على التحكم في آلية انتقال المعلومات ونشرها، خاصة ان خبراء القاعدة ماهرون في استخدام الانترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي، وسير رجالهم في المعظم هم من المتعلمين من ابناء الطبقة المتوسطة الذين كانوا نتاجا للتغييرات الاجتماعية وتغير شكل المدن بفعل الحداثة ـ المشوهة- في العالم العربي والتعليم المجاني للجميع، ابناء الطبقة المتوسطة هم من عانوا من سياسات الانظمة الفاسدة، ويجب ان لا ننسى ان قادة القاعدة بن لادن والظواهري هم من عائلات بارزة، الاول ابن اثرى رجل في العالم العريي، والثاني ينتمي الى عائلة تبوأ احد رجالها منصب شيخ الازهر وكان من تلامذة رائد التنوير الاسلامي محمد عبده. القاعدة اذن ليست مجموعة من الآبقين وقطاع الطرق وان كانت افعالهم تقربهم اليها ولكنهم ايديولوجيون يؤمنون بالعنف كوسيلة للتغيير تماما مثل الحركات الفوضوية في تاريخ اوروبا الحديث. المهم في الامر وكي نجيب عن السؤال حول موت القاعدة، فلا بد من النظر الى خريطة تواجد القاعدة وتمددها في العالم، فالناظر سيعثر على تنظيم مثل الاخطبوط تمتد اذرعه من جبال هندكوش الى ارض الساحل في افريقيا ومن غابات اندونيسيا الى سواحل البحر المتوسط وارض الحضارة الاولى ـ العراق، والان ينشىء خلاياه ويعيد تنظيم نفسه في اقدم مدينة في العالم- دمشق، ونعود للسؤال هل انتهت القاعدة؟ من يفتح الصحيفة اي صحيفة يقرأ يوميا اخبارا عن تفجيرات انتحارية، تفكيك خلايا، اعتقال من يعتقد انهم ناشطون في القاعدة، وهذا لا ينحصر في الارض التي نشأت فيها القاعدة افغانستان وباكستان، بل في اي مدينة وعاصمة في العالم، فتايمز سكوير في نيويورك، هي مثل كراتشي او ارض القبائل وشمال نيجيريا ليست بمأمن عن غضب القاعدة.
 
صورتان
 
اعتقد ان هناك روايتين وصورتين عادة ما تشيران الى موت القاعدة، الاولى عملية ' اناكوندا' التي انهت وجود القاعدة في تورا بورا عام 2001 اي بعد ثلاثة اشهر من'غزوة' نيويورك، لم يقتل زعيم القاعدة ولا مساعده ايمن الظواهري في تلك العملية بل هربا ولم تستطع الولايات المتحدة تعقب الاول الا العام الماضي، اما الثاني فلا يزال حرا طليقا يقود القاعدة وكل يوم يتلقى البيعة تلو البيعة. الصورة الثانية تلك التي ارادت امريكا نشرها عن باراك اوباما واركان قيادته وهم يجلسون في غرفة العمليات ـ يتابعون مشدوهين ما قالوا انها عملية القوات الخاصة ـ سيل- حيث اعلنوا بعد ذلك عن مقتل بن لادن في مواجهة مسلحة في مقره داخل ابوت اباد القريبة من كلية النخبة العسكرية، ونكتشف الان في كتاب 'ليس يوما سهلا' لمارك اوين، وهو احد اعضاء المجموعة الخاصة التي قتلت بن لادن، ان الاخير لم يكن يحمل سلاحا وان مسدسه كان فارغا من الرصاص. ما يهم في الصورتين ان امريكا اعتقدت بتدميرها مغاور تورا بورا وبرميها جثة بن لادن في البحر انها انهت التنظيم ودفنته في البحر. المراقب لولادة وتطور تنظيم القاعدة يلاحظ ان امريكا ارتكبت خطأين الاول عندما دعمت الجهاد الافغاني في الثمانينات من القرن الماضي وتركت افغانستان رهن جماعات متناحرة وخرجت مئات الالاف من المقاتلين ـ الافغان العرب- اصبحوا جهاديين تحت الطلب، ينتقلون من جبهة الى اخرى، اما الخطأ الثاني فهو انها نكشت عش الدبابير واطلقته في كل انحاء العالم عندما ضربت معاقل القاعدة في افغانستان. فقد حولت القاعدة الى 'ماركة' تجارية عالمية مثل كوكا كولا وماكدونالدز بل اشهر منهما، فلو قمنا بدراسة مسحية الان وحددنا معرفة الرأي العالم بالقاعدة واسامة بن لادن لوجدنا ان التنظيم وزعيمه اشهر من رئيس امريكا بل واكثر انتشارا في التاريخ الحديث من قيادات ورموز ثورية. بعد كل هذا لم تمت القاعدة بل صار لها اخوات وبنات ـ اي عائلة نسبية- مما يعني ان التنظيم الذي ولد على هامش مكتب خدمات المجاهدين العرب الذي انشأه الزعيم الاخواني الشهيد عبدالله عزام، واستاذ بن لادن اصبح الان عائلة بأبناء شرعيين. لكن قصة القاعدة، السرية والعلنية كتبت من خلال مليارات الكلمات، او تريليونات الكلمات التي توازي ما انفقته امريكا للقضاء عليها، وفي مكتبة الكونغرس التي تحوي التراث الانساني والمكتبات الوطنية للدول الاف العناوين عن بن لادن بشكل غير مسبوق في تاريخ الحركات الجهادية. وهي عناوين يبدو انها لن تنتهي، فعادة ما تتسيد حركة ثورية مرحلة تاريخيةـ خذ مثلا منظمة التحرير الفلسطينية كم كتابا كتب عنها في المرحلة الثورية، وكم كتابا يكتب عنها ورجالها الذين يحملون البنادق؟ لكن القاعدة تحظى كل يوم بعنوان ومرشحة للاجيال القادمة لماذا؟
 
الجواب عند عطوان
 
الجواب عند عبدالباري عطوان، رئيس تحرير صحيفة ' القدس العربي'؟ فكتابه الصادر حديثا عن دار ' الساقي' في لندن 'ما بعد بن لادن: القاعدة، الجيل القادم' هو رحلة في تمظهرات القاعدة وتنوعاتها الاقليمية والمحلية، تبدأ الرحلة من افغانستان وتلاحق القصة في مقديشو وابين (اليمن) ووزيرستان (باكستان) وجبال الاطلس وشمال مالي ونيجيريا والعراق واخيرا سورية. اهمية الكتاب تنبع من ان كاتبه وخلال العقدين الماضيين اصبح من الخبراء المهمين في تنظيم القاعدة حيث اصبح يكتب عنها بمعرفة وعمق، كما انه متحدث بارع قادر على قراءة ما خلف السطور، اذكر اننا بعد بداية بث الصورعن التفجيرات فيما عرف بغزوة نيويورك، وكنا نحاول ان نفهم ما يحدث كان عبدالباري اول من قال ان الفاعل الذي يقف وراءها هو تنظيم القاعدة، فهو لم يكن يضرب بالرمل بل كان يعرف عقلية القاعدة ومديرها في ذلك الحين. لسبب واضح انه كان في ضيافة المدير لمدة ثلاثة ايام في تورا بورا، حيث نشر عطوان القصة اولا تفاصيل اللقاء في ' القدس العربي' عام 1996 ثم 'غيرت' تلك الرحلة مسار اهتمامه على ما افترض فقد اصبح من حينها مهتما او اجبر على الاهتمام بالقاعدة، ولا اعرف اين كان سيذهب اهتمام عطوان لولا تلك المقابلة، هل كان كفلسطيني سيظل يعلق على فلسطين والسلطة وحماس ام على مصر ومبارك. بن لادن اشغل عطوان في قضية اخرى مهمة اصبح المعلق الابرز عليها. كثيرون قابلوا بن لادن ، لكن عطوان كان الاقدر على التعرف على تفكيره لسبب بسيط انه لم يكن صحافيا عابرا بل كان ضيفا، تمشى معه واستمع اليه وهو ينشد الشعر ويقرضه نام في مغارته. ثلاثة ايام غيرت عطوان في ظني، ومنذ تلك الرحلة كتب كتابه المعروف ' القاعدة التاريخ السري' ثم مذكراته ' وطن الكلمات' وظل يكتب عن القاعدة في صحيفة ' الغارديان' وصحف اخرى، وكتابه الجديد متميز من ناحية انه لا يركز على الاصول التاريخية والاجتماعية لحركة بعينها اعلنت انضمامها للقاعدة واندمجت فيها، بل هو طموح في المحاولة الجديدة لاعطاء دراسة مسحية 'تايبولوجي' للحركات التي تبنت فكر القاعدة، اما بالانتساب او التقارب او الدعم، واما بالحصول على شرعية الولاء والبيعة الذي يعلن عنه عادة في خطابات زعماء القاعدة وارسال ممثلين عنها لدراسة التنظيم الجديد وتحديد برامجه حتى يظل مخلصا لافكار التنظيم العالمي، ومن هنا يفهم ان اي نظام محلي لا يجد شرعيته العالمية الا من خلال موافقة التنظيم العالمي على الانضمام اليه. ويظهر هذا التغيير من الاهتمامات المحلية الى العالمية في تبني التنظيم الجديد شعارات اسلامية وقضايا ساخنة كما في حالة حركة الشباب الاسلامي التي انشأت كتيبة القدس، وارسلت 150 مقاتلا من مقاتليها للمشاركة في حرب لبنان عام 2006 ولم يعد الا ثلثهم كما يشير عطوان. كما يظهر التحول من المحلية الى العالمية من خلال استقبال المجاهدين 'الاجانب' والتمويل والقادة للتدريب والتنظير، كما في حالة حركة الشباب الاسلامي. وعندما يدخل التنظيم تحت مظلة القاعدة يصبح مسؤولا امامها واخطاؤه ترصد واحيانا يعنف كما حدث مع ابو مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، حيث ادت ممارساته الشرسة وعمليات الذبح الى ارسال رسالة من الظواهري تطلب منه التوقف عن ممارساته لانها تؤثرعلى القاعدة، هذا ما حدث في الحالة العراقية، حيث طفرت القبائل السنية التي دعمت وتعاطفت مع افكار الحركة منه ومن اتباعه الذين صاروا يروعون الاهالي، مما ادى لظهور 'الصحوات' التي اخذت تقاتل القاعدة الى جانب الامريكيين، مما ادى الى ضرب الامارة الاسلامية في العراق واضعافها وليس القضاء عليها.
 
شبكة علاقات
 
تظهر قراءة عطوان لحركات القاعدة والجيل الجديد ان هناك علاقات شائكة ومعقدة عادة ما تنشأ في داخل السياق المحلي، من ناحية تقارب المصالح، قبلية واستخباراتية، حيث تستخدمها القاعدة في مواجهة العدو المشترك، ففي الحالة اليمنية مثلا كان علي عبدالله صالح يتلقى الدعم من امريكا لمحاربة القاعدة ولا يمانع دعم القاعدة لمواجهة الحوثيين في الشمال، وما يعقد صورة القاعدة هو تلاقي مصالح القبائل مع القاعدة مما يعني تمتع القاعدة بحماية القبيلة، وهذا الوضع واضح في كل امثلة القاعدة تقريبا في مالي والصومال واليمن وباكستان، واحيانا تنأكد القاعدة من وجود هذا الدعم او الغطاء، فبن لادن لم يكن ليرحل لافغانستان لولا علاقته مع شبكة حقاني ومولوي خالصي، وفي اليمن لم يكن انور العولقي قادرا على التحرك لولا حماية قبيلة العوالق له، والامثلة كثيرة ويحللها عطوان. وهناك ملمح اخر يظهر في التحليل هو علاقة القاعدة او بناتها بالمخابرات الباكستانية اس اي اس والتي يشير الى علاقتها بشبكة حقاني وامكانية معرفة بعض رجالها بوجود بن لادن في ابوت اباد. ايا كان الامر فالدعم يظل مرهونا بالظروف واحيانا تنكسر العلاقة بسبب تصرقات افراد القاعدة، فعدد من القبائل السنية في الانبار انقلبت على التنظيم بسبب مقتل احد ابنائها على يد القاعدة . على العموم يظل التعاطف المحلي مع القاعدة امرا مهما لانجاز مهمتها. ويذكر عطوان ان بن لادن في بحثه عن بديل عن جبال افغانستان تلقى دعوة وحماية من الصومال حيث فكر بنقل قاعدته اليها خاصة ان ابناء حركته قاتلوا الى جانب محمد فرح عيديد ضد الامريكيين، لكنه عدل عن ذلك بعد التقرير غير المشجع من مبعوثه اليها. ولا بد من الاشارة انه في الحالة السورية اليوم هناك حديث عن رفض السكان لفكر القاعدة نظرا لطبيعة السوريين 'المعتدلة' دينيا، ومع ان هذا التحليل تبسيطي ولا يأخذ بعين الاعتبار العامل السلفي الذي شهد حركة احياء في العقود السابقة ونهوضا في عدد من الدول التي لم تكن مرشحة لان يتقوى بها مثل تونس، بل والضفة الغربية التي ظلت حكرا على الاخوان وحزب التحرير بشكل اقل.
 
جيل شرس
 
ما يميز الجيل الجديد من قادة القاعدة حسب عطوان انه اكثر شراسة وقوة ونزعة نحو التطرف وايضا نحو الاختراع ومواصلة البحث عن طرق للتحايل على الظروف الامنية، كما في الحالة اليمنية، التي شهدت اكثر من عملية تعبر عن هذا المشهد مع انها لم تنجح كما في حالة مفجر السروال ـ عمر فاروق عبدالمطلب ـ ومحاولة اغتيال مساعد وزير الداخلية السعودي الامير محمد نايف عام 2009 وقتل فيها عبدالله العسيري شقيق خبير المتفجرات ابراهيم العسيري. ومع ان الربيع العربي كان تعبيرا عن تحرك سلمي قمع في بعض الاحيان بيد من حديد كما في الحالة الليبية والسورية ومثل انتصار الشباب وشبكات التواصل الاجتماعي الا ان الخارطة الجهادية العالمية تظهر ان حركة الشباب لم تتوقف، فكلما سنحت فرصة للجهاد وجدت اعدادا كبيرة منهم يذهبون للقتال، ليبيا والعراق وسورية اليوم والصومال وافغانستان والباكستان، وهناك جيل في الغرب ايضا ينتقل للساحات الجهادية من فرنسا وبريطانيا والصومال. وفي كل رحلة انتقال لهم يحملون معهم خبراتهم القتالية، والانتحاريين وصناعة المتفجرات محليا. صحيح ان القاعدة تستفيد احيانا من الخبرات المحلية والعسكرية في تطوير الخبرات كما حدث في العراق حيث سافر ضابط عراقي من الجيش الذي حله بول بريمر عام 2003 كي يقدم خبراته للقاعدة. ويجب ان لا ننسى الاشارة الى الاساليب الاخرى التي تتبعها القاعدة من الاختراق للمؤسسات الامنية وارسال شخصيات متنكرة، وخداع، وحالة همام البلوي الذي خدع المخابرات الاردنية وسي اي ايه وفجر نفسه واخذ معه مسؤوله الاردني وعددا من كبار الضباط في المخابرات الامريكية في عملية خوست عام 2009.
 
استراتيجية القاعدة
 
كل هذا يؤشر الى ان الجيل الجديد قادر على مواصلة الرسالة الجهادية للقاعدة، وان استراتيجية زعيم القاعدة الظواهري 'تسويق' التنظيم دوليا تنجح، وان برنامج القاعدة لتغيير العالم لم يتغير وهو الذي اشار اليه عطوان في بداية الكتاب والقائم على سبعة مراحل: استفزاز الفيل الامريكي لمواجهة تقود لاحتلال دولة اسلامية، يقظة الامة الاسلامية من سباتها، مواجهة المجاهدين مع الناتو والقوات الامريكية، نقل القاعدة من سياقها المحلي الافغاني الى شبكة دولية، واشغال الولايات المتحدة وانهاكها من خلال دفعها للقتال على اكثر من جبهة، والاطاحة بالانظمة الديكتاتورية العربية، واقامة دولة الخلافة الاسلامية في الشرق الاوسط واخيرا صدام الحضارات بين المسلمين واعدائهم ينتصر فيها المسلمون وتقود الى الخلافة العالمية.
من يقرأ عطوان الذي يجيب على اي مهتم بالقاعدة التي لم تعد ' ظاهرة' يرى انها عوضا عن ان تموت تخرج مثل الفينيق من رمادها وتتشكل مرة اخرى، فهي تتمدد الان في مناطق لم تكن تحلم بها مثل غزة بل صار هلالها يمتد جنوبا وغربا من افغانستان ارض الساحل في افريقيا وشمالا من اوزبكستان الى خلاياها في اوروبا. في قراءته لمشهد الربيع العربي واثره على القاعدة يرى انه لم يكن نقمة كما توقع محللون بل هدية من السماء، فكما اشرنا اعلاه استفادت القاعدة في بناء او اعادة بناء قواها بل وجدت بعض تنظيمات عانت من ضربات في الربيع العربي فرصة لمواصلة هجماتها من جديد كما في الحالة العراقية. ويشير عطوان بالتحديد الى الحالة اليمنية التي لعبت القاعدة دورا فيها، فهي كما ينقل عن سعد الفقيه، المحلل السعودي تقوم بتحقيق انجازات على الارض عبر دعم الثورة وليس قيادتها.
كتاب عطوان منجم من المعلومات وغابة من اسماء التنظيمات التي يجد القارىء عونا في متابعتها من خلال القائمة الطويلة من المختصرات.
 
كيف ستنتهي
 
كيف ستنتهي القاعدة يتساءل عطوان ويشير الى دراسة اعدها معهد راند الامريكي الذي قدم عددا من السيناريوهات حول نهاية القاعدة وتراجعها كفكرة جهادية: منها تدميرها عسكريا وهو حل يبدو انه بعيد المنال نظرا لتوزع القاعدة جغرافيا. القاعدة تتراجع، فمن يتابع اخبار الصومال يرى ان هناك املا بعودة الحياة الطبيعية للبلاد بعد عقدين من الحرب الاهلية والتدخل الغربي والاقليمي، وهناك مؤشرات لكن لا يعني تراجعها والقضاء عليها وعلينا الانتظار. اما السيناريو الثاني فهو الانهيار داخليا نتيجة للخلافات الداخلية، هذا الخيار استبعده التقرير، خاصة ان القيادات الشابة وايمن الظواهري يمكنهم التدخل لحسم اي خلاف. اما السيناريو الرابع فهو مقتل القيادات الرئيسية المحركة للتنظيم مما سيؤدي لانهياره، لكن طبيعة القيادة الافقية وتفويض القيادة وجاهزية ملء الفراغ تجعل من الخيار مستبعدا. في النهاية يرى عطوان ان الخيارين الاخيرين يمكن حدوثهما، لكنه مع خيار رابع وهو ان تتحول القاعدة الى الساحة السياسية خاصة انها فشلت في تقديم البديل وملء الفراغ الذي شغر بسبب فشل المشروع القومي العربي وهزيمته عسكريا عام 1967، فالقاعدة ومعها الحركات الجهادية لم تنجح في الاستجابة لتطلعات المسلمين وهي بناء حكومة عادلة وشريعة لا تحيي الامثلة الدموية في تاريخنا الاسلامي، ويرى في النموذج الايرلندي مثالا عن امكانية دخول التنظيم معترك السياسة. وقد اخالف استاذي عطوان في هذه النظرة لان ما حدث في التجربة الايرلندية انه كان لها جناحان عسكري وسياسي. كما انه طالما ظلت الظروف مهيأة لنشر افكار القاعدة- فلسطين والظلم الواقع على المسلمين في العالم، فالقاعدة ستواصل حضورها بمستويات مختلفة، صحيح ان بن لادن في عزلته الاخيرة كان يفكر في انشاء تيار سياسي، حيث اشارت اوراق بيته التي نشرتها سي اي ايه انه وضع اكثر من اقتراح لاسم التنظيم. وهذا لا ينفي ان التيار السائد هو التيار الجهادي بزعامة الظواهري تماما كما انتصر التيار هذا على التيار الاخواني في الجهاد الافغاني، فطالما ظل الظواهري على رأس التنظيم فلا تغيير في مسار الحركة، ونضيف الى ان نهاية او انحسار مشروع الجهادية العالمية هو رهن نجاح الربيع العربي فإن حققت الانظمة الجديدة طموحات وآمال المواطنين فهناك امل في تراجع الحركات الجهادية وموت النزعة الخارجية. في الوقت الحالي من الباكر ان نتحدث عن امكانية استبدال افراد القاعدة شروال قميز والكلاشينكوف ببدلة النواب وكرفتاتهم تحت قبة البرلمان. واخيرا يجب ان نقرأ محاولة عطوان وقراءته للقاعدة وبناتها- لسن جميلات على ما اعتقد.
 
After Bin Laden:
A-Qaida , The Next Generation
Abdel Bari Atwan
Saqi- 2012
ناقد من اسرة القدس العربي

‘وطن من كلمات’ لعطوان…. مسيرة اللجوء الفلسطيني

كتاب عبد الباري عطوان 'وطن من كلمات' الصادر عن دار الساقي بعد ترجمته من الإنجليزية إلى العربية، هو سيرة ذاتية للمؤلف، لكنها سيرة الفلسطينيين اللاجئين بعد النكبة عام 1948، الذات تنطبق على العموم في مخيمات الشتات، البيوت من التنك أو أحجار الباطون، والسطح من الزينكو أو من البوص هذا إلى جانب الخِيْم التي تطير مع الهواء في أكثر من مخيم في أكثر من بلد، الطرقات (الممرات) الضيقة، قنوات المجاري المفتوحة، البيوت الملتصقة، الروائح الأكلية المشتركة لقرب البيوت من بعضها البعض.

لوحة بانورامية يرسمها عطوان بدقة لمعاناة اللجوء الفلسطيني.كل ذلك إضافة إلى فقر الدم الذي عانى منه أطفال اللاجئين الفلسطينيين في مختلف أماكن تواجدهم، والذي تعاملت معه وكالة الغوث بكأس حليب يشربه الطفل مع حبات زيت سمك كريهة الرائحة( يظل من يشربها يتجشأ طيلة النهار والليل حتى الموعد التالي) يتناولها قبل الدخول إلى الصف، إضافة إلى المخصصات الغذائية الشهرية بما فيها الزيت (الكوكز) كريه الرائحة، والبُقَجْ (حصة الملابس) التي كانت توزّع بين الفينة والأخرى، الأقدام الحافية للطفل الذي يلبس الكندرة (في المناسبات) تماماً مثل طبخ اللحمة أو الدجاج في الأعياد…هذا جزء من معاناة اللاجئ الفلسطيني سواء الذي رحل إلى الوطن أو إلى البلدان الأخرى في الشتات.
ما يميز نص عبد الباري في كتابه هو صدق الكاتب مع نفسه أولاً ومع الآخرين ثانياً، نقول ذلك لأن البعض الفلسطيني في سيرته/سيرهم الذاتية لا يفضلون الكتابة عن فقرهم ومعاناتهم (وهي قد تكون مختلفة وهذا حق) بل ينطلقون من النقطة التي بدأوا فيها بأوضاع جديدة، وكأن الفقر عيب، وكأن اللجوء هو امتهان لكرامة الإنسان.عطوان لا يخجل من مسألتين في تاريخه:الأولى الفقر المدقع بكل ما تعنيه هذه الكلمة، وثانياً ولأنه يتحمل مسؤوليته تجاه عائلته لم ينتم إلى تنظيم فلسطيني, بل ظل حريصا على الأيفاء تجاه العائلة بكل ما يترتب على ذلك من مهمات. عمل سائقاً لحافلة قمامة، وحمالاً في مصنع لرب البندورة وموزع للحلويات ورغم كل ذلك واصل دراسته وإن بجنيهات قليلة في الشهر في بلد الكنانة. لم يتبجح عطوان بنضالاته البطولية ولا بفترة سجن اخترعها (مثل البعض) في سجون العدو الصهيوني بل آثر العمل من أجل إطعام أفواه كثيرة في عائلته.
يستكمل عطوان مسيرة حياته فيما بعد وتنقله بين صحف كثيرة في ليبيا والسعودية ثم في لندن وصولاً إلى تسلمه لرئاسة تحرير 'القدس العربي', مارّاً بمحطات كثيرة سواء من حيث اللقاءات التي كانت نقطة تغيير جذري في مسيرته عند لقائه ببن لادن، أو بياسر عرفات ومحمود درويش وآخرين ممن أثّروا فيه، وسط وضوح تام في وجهة النظر، حتى وإن اصطدمت مع وجهات نظر الآخرين, حتى وإن ترتب على ذلك خسارة مادية بعدم وجود منافع شخصية في حالة الانصياع للرأي الآخر، والذي يحاول بأمواله شراء الآخرين (وما أكثرهم) وآرائهم، وربما هذه الظاهرة منتشرة كثيراً في الصحافة.أما السائرون فيها فيحاولون تعليلها بطرق مختلفة: الحاجة، البراغمانية، التعامل مع الواقع، الفهلوة وغيرها.يحضرني قول لأحد اللبنانيين وسط معمعة الحرب الأهلية يتمثل في الجملة التالية'من يريد العيش في لبنان حاليا يتوجب أن يكون إما حمار أو حرامي وأنا لست على استعداد لأكون حماراً'. احترم هذا الإنسان فقط لصراحته مع نفسه، وهذا لا يتوفر في الكثير من المتكسبين.
لقد تصورت: 'القدس العربي' بأنها تحتل بناية أو على الأقل طابقاً كبيراً في بناية، وفي زيارتي اليتيمة للندن قررت زيارتها بعد مهاتفتي لرئيس تحريرها، الذي رحّب بذلك.دخلت إليها لأفاجأ بأنها تحتل شقة سكنية صغيرة. رأيت غرفها الضيقة والملأى بمواد أرشيفية كثيرة، رأيت أمجد ناصر الذي عرفته من زمن المقاومة في لبنان ومن ثم بعد الرحيل إلى سوريا، ومكتبه الصغير ودخلت على رئيس التحرير مع زميلي وصديقي في السجن يعقوب دواني محرر الصفحة الاقتصادية في الجريدة، كان اللقاء مع عبد الباري عطوان دافئاً حتى أنني تشجعت على الطلب منه بنشر روايتي عن أدب الرحلة والتي هي بعنوان 'الرحلة البيلوروسية في عهدين' وأعاين فيها نمطين حياتيين للاتحاد السوفياتي ما قبل وبعد الانهيار، متطرفاً إلى أسباب هذا الانهيار. رحّب عطوان بالفكرة لكنه أخبرني بأن 'القدس العربي' لا تدفع فلوساً على النشر.خجلت حينها ولم أقل له: أنني اعتمد في حياتي على دخلي من الصحافة وليس من الطب، ووافقت، أفهمني الخطوة التالية وبالفعل بعد عودتي أرسلت المادة إلى المحررالصديق إبراهيم درويش الذي نشرها بعد ذلك في حلقات.عبد الباري عطوان كتب في مؤلفه 'وطن من كلمات' كثيراً وبشكل إيجابي عن زملائه في الصحيفة. بالفعل تشعر بأنهم يعملون كعائلة.ويسَجّل'للقدس العربي'أن مديرة تحريرها (كما يعكس عطوان في الكتاب) امرأة وهي السيدة الفاضلة سناء العالول (بينما يندر أن تجد مثل ذلك في الصحافة العربية.ما تحسه بعد زيارتك إلى 'القدس العربي' هو تواضع العاملين فيها ودفئهم بدءاً من السكرتيرة كلمينتين وهي التي تجبيك بدفء أخوي وبحرص على إيصالك لما تريد وتود، وصولاً إلى رئيس التحرير، وفي إحدى المرات طلبت الحديث مع رئيس التحرير ولم يكن موجوداً في الجريدة حينها، طلبت من السيدة كليمنتين أن تخبره بذلك.ما هي إلا ساعة فإذا بعيد الباري يتصل بي ليسألني عمّا أريد.دفء العلاقة بين العاملين في 'القدس العربي' ينعكس في تعاملهم مع الكتّاب في الصحيفة وحتى مع من الزائرين للعاصمة البريطانية لذلك لا أستغرب استفسار الفاضلة سناء عن أحوالي الصحية بعد أن مررت بظروف استدعت إجراء عملية جراحية كبيرة لي.لذلك لا أستغرب ما كتبه عطوان في مؤلفه عن أن القدس العربي وهو شخصياً كانا بمثابة 'محطة للاستفسار' و'دليل' لكل من زار لندن من العرب.في كثير من الأوقات حتى وإن كان البعض منهم يريد التسلية لتمضية الوقت تجنباً للملل.
من اللحظات المؤثرة في 'وطن من كلمات' ما كتبه عطوان عن مروره في أحد زياراته لغزة ببلده 'أسدود' وبقايا من بناياتها التي هدمتها سلطات الاحتلال الصهيوني في محاولة لطمس معالمها وإعطائها وجهاً جديداً 'إسرائيليا' وبقايا المقهى الذي كان يحدثه والده عنه.إنه الحنين الفلسطيني إلى الوطن. صحيح أن الفلسطيني يعشق كل جزء من فلسطين لكن 'النوستالجيا' تظل بشكل أكبر إلى مسقط الرأس فيها، بكل ما يحمله ذلك من ذكريات.
من اللقطات المهمة التي يتناولها عطوان في كتابه: الحرص على مرور أولاده المولودين في لندن بتجربة الحياة في المخيم، حيث الظروف مختلفة: شظف العيش بعد فترة من النعيم، قسوة الحياة بعد نعومتها، والتماشي مع ظروف لم يتعود الابن أو الابنة عليها. هذه المسألة يحرص معظم العرب عليها وبشكل خاص:الفلسطينيون وكأنهم يريدون لأبنائهم 'التعميد' بتراب فلسطين، بزيتونها وعبق أزهارها، بمياه بحرها وزرقة سمائها، بكل ما يعينه ذلك من تربية فلسطينية عربية أصيلة، بكل العادات والتقاليد الخالصة. في نفس المجال تأتي العلاقة الخاصة بين أفراد العائلة الفلسطينية والتي تتأثر عاطفةً وبشكل مادي بظروف اللجوء، وما يعكسه ذلك من الحرص على الآخر، والكل على الفرد، والعكس بالعكس أيضاً وكما تناولها عطوان في مؤلفه.
من اللحظات المؤثرة في الكتاب أيضاً: الرسالة التي تلقاها عطوان من الرئيس جمال عبد الناصر رداً على رسالة كان قد بعثها إليه. ذلك يعكس رائحة تلك الأيام بكل ما عنته من مد وطني قومي عروبي كبير، ما أحوجنا إليه في الوقت الراهن من مرحلتنا، فشعار تحرير فلسطين من النهر إلى البحر هو الذي ساد في تلك المرحلة.أمنية عطوان بعد التقاعد: العيش في بيت بسيط على شاطىء غزة، هي مطلب لكل فلسطيني بأن يعيش في نهاية رحلته على تراب الوطن المحرر على تراب بلده. ان ذلك هو أحد أوجه الحلم الفلسطيني.
قد يتفق البعض مع عبد الباري عطوان في الرؤى السياسية أو قد يختلف معه في هذه المسألة أو تلك، لكن لا يملك القارئ إلا أن يحترم تجربة عبد الباري عطوان وعصاميته التي تبلورت في مسيرته التي احتوتها صفحات الكتاب في صفحاته التي تقارب الخمسمئة عدداً من القطع الكبير والتي جاءت بأسلوب أقرب إلى الروائي على طريقة السهل الممتنع والتي لا بد وأن تقرأها بشغف كبير.

*كاتب فلسطيني