باكستان

امريكا ارادت حشد “السنة” خلفها” لعزل “الدولة الاسلامية” دون ان تخسر “الشيعة”.. فما هي فرص نجاح هذه الاستراتيجية؟ ولماذا تعلن طالبان باكستان ولاءها للبغدادي؟

بعد شهر تقريبا من بدء الغارات الجوية الامريكية على مواقع “الدولة الاسلامية” داخل الاراضي العراقية واكثر من اسبوعين من بدئها في سورية يبدو واضحا، ومن خلال تقديرات الخبراء، ان حصيلة هذه الضربات تبدو محدودة للغاية، فـ”الدولة الاسلامية” لا تملك مقرات ولا وزارات او مطارات او قواعد عسكرية يمكن تدميرها، وانما اعلام سوداء، وبعض السيارات، وعشرات الآلاف من المقاتلين يمكن ان يختفوا بسهولة وسط المدنيين في المدن التي يسيطرون عليها في الموصل والرقة ودير الزور وغيرها.

الضربات الجوية لم تكن وحدها التي اعطت نتائج عكسية حتى الآن، وانما ايضا الاستراتيجية الامريكية التي تأتي في اطارها، في معظم جوانبها السياسية والعسكرية.

***

فعندما قررت ادارة الرئيس باراك اوباما، وبعد تلكؤ شديد في العودة الى العراق، والتدخل في سورية، وتوسيع نطاق الحرب ضد “الدولة الاسلامية” من خلال اقامة تحالف دولي خمسيني، وضعت على قمة اهدافها حشد التأييد “السني” خلف هذا التحالف، ودون ان تخسر التأييد “الشيعي” لمحاربة هذا التنظيم المتشدد وعزله تمهيدا للقضاء عليه في نهاية المطاف، وهذا ما يفسر ضمها خمس دول عربية سنية الى هذا التحالف بزعامة المملكة العربية السعودية “زعيمة” العالم الاسلامي، ورفضها اي تعاون مع ايران والنظام السوري في الوقت نفسه.

ادارة الرئيس اوباما ذهبت الى ما هو ابعد من ذلك لتجنب اتهامها بأنها تحولت الى “سلاح جو” للطائفة الشيعية العراقية في مواجهة “الدولة الاسلامية” (السنية) باشراك طائرات سعودية واماراتية واردنية جنبا الى جنب مع نظيراتها الامريكية في معظم الطلعات الجوية، وتركت مهمة تدمير مصافي النفط في الرقة ودير الزور الى الطيارين العرب، باعتبارها المهمة الاسهل.

نظريا تبدو خطة الادارة الامريكية محبوكة بعناية فائقة وقابلة للنجاح، ولكنها لا تبدو كذلك بعد التطبيق العملي في الجو والارض معا، وبدأت تعطي نتائج عكسية تماما، وتوحد الكثير من العشائر العراقية والجماعات السورية المقاتلة خلف “الدولة الاسلامية”.

فجبهة “النصرة” العدو التقليدي لـ”الدولة الاسلامية” اعلنت هدنه معها، وقررت الوقوف في خندقها في مواجهة “التحالف الصليبي” وضد “انظمة الردة” العربية التي انخرطت فيه، حسب ما تقول بياناتها وقيادييها في حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي مثل “الفيسبوك” و”التويتر”.

والاكثر من ذلك ان “الجبهة الاسلامية” التي تضم سته فصائل رئيسية تقاتل النظام السوري هي لواء التوحيد، احرار الشام، جيش الاسلام، لواء صقور الشام، لواء الحق، انصار الشام، والجبهة الكردية الاسلامية، استجابت لمبادرة “الهدنة” التي اطلقها مجموعة من العلماء من بينهم الشيخ ابو محمد المقدسي وقررت التوقف عن قتال “الدولة الاسلامية” في اطار اتفاق مصالحة يتبعه التصدي لصد “عدوان التحالف”.

ويظل الدعم المعنوي الاكبر الذي حصلت عليه “الدولة الاسلامية” هو الذي جاؤها بالامس من حركة “طالبان باكستان” التي اعلنت على لسان زعيمها شهيد الله شهيد ولاءها لها (اي الدولة الاسلامية) وامرت انصارها في انحاء المنطقة بمساعدة التنظيم في حملته لاقامة خلافة اسلامية، وعدد انصار طالبان باكستان (تنتمي الى قبيلة البشتون اكبر قبائل افغانستان وباكستان) يزيد عن اربعة ملايين عنصر معظمهم من المتشددين الاسلاميين الذين يتبنون الفكر الجهادي.

وكان تنظيم “جند الخليفة” وهي “مجموعة جهادية” جزائرية اعلنت البيعة لقائد “الدولة الاسلامية” واعدمت رهينة فرنسي كانت خطفته تجاوبا مع نداءاتها بقتل “الصليبيين” وكرد على تدخل فرنسا عسكريا ضد “الدولة الاسلامية” وارسال طائراتها لقصف مواقعه.

ابناء الطائفة السنية في سورية والعراق مثلما قالت مجلة “الايكونوميست” البريطانية العريقة يتشككون في النوايا والمخططات الامريكية، ويتساءل سوريون وهم يرون طائرات التحالف تقصف مواقع “الدولة الاسلامية” “ان امريكا بدلا من ان تضرب الاسد تضرب اعداءه”، ويقول آخرون “انها حرب ضد الاسلام”، بينما يهز بعضهم اكتافه مستنكرا ويقول “انهم مثل الاسد يقتلون المدنيين”.

***

التحالف الامريكي الجديد يملك التكنولوجيا العسكرية الاحدث في العالم، وليس هناك ادنى شك في ذلك، ولكن هل تستطيع هذه التكنولوجيا هزيمة جيش يريد جنوده ان يموتوا شهداء؟

عدد الدول المنضمة الى صفوف التحالف الامريكي الجديد في تزايد يوما بعد يوم، وكذلك الغارات الجوية التي اصبحت روتينية لا تحتل اي مكان في صفحات الاخبار المزدحمة، ولم تعد تلفت الانظار مثلها مثل عدّاد القتلى من السوريين للأسف، ولكن اعداد المنضمين الى “الدولة الاسلامية” يزداد وبوتيرة اكبر في الوقت نفسه.

السؤال لمن ستكون الغلبة في النهاية للتكنولوجيا الحديثة جدا، ام لمن يتطلعون الى الشهادة حسب ادبياتهم وقناعاتهم؟ نترك الاجابة لكم وللايام او السنوات المقبلة.

استيلاء “الدولة الاسلامية” على “عين العرب” سيورط تركيا في حرب شرسة وطويلة في سورية والعراق.. فهل خطط البغدادي لهذه “المصيدة”؟ وكيف سيكون “الشرق الاوسط” الجديد؟ وهل سيخرج اردوغان فائزا؟

نجاح قوات “الدولة الاسلامية” في اقتحام مدينة “عين العرب” والسيطرة على مواقع استراتيجية فيها، بعد حصار استمر اكثر من اسبوعين، ووسط مقاومة شرسة من المقاتلين الاكراد المدافعين عنها، يشكل نقطة تحول استراتيجية في الصراع الدائر حاليا في المنطقة، ومستقبل خطط التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة (50 دولة) لتصفية هذه “الدولة” والقضاء على قواتها باعتباره هدفا يحتل قمة اولوياته.

اللافت ان هذا “النجاح” المفاجيء جاء رغم القصف الجوي المكثف من قبل الطائرات الامريكية الحديثة لمواقع “الدولة” واستحكاماتها حول المدينة من الجهات الاربع طوال الاسابيع الثلاثة الماضية، الامر الذي يؤكد ان القصف الجوي وحده لن يحقق اهدافه، مما يحتم التدخل العسكري الارضي في اسرع وقت ممكن.

وربما لم يكن من قبيل الصدفة ان يتزامن سقوط المدينة (عين العرب)، ومواقع استراتيجية داخلها وحولها، مع تبني البرلمان التركي بالاغلبية (298 صوتا مقابل رفض 98) طلب التفويض الذي تقدم به السيد احمد داوود اوغلو رئيس الحكومة لاعطاء الضوء الاخضر للقوات المسلحة التركية بالتدخل عسكريا في اطار التحالف الامريكي، برا وجوا، في العراق وسورية، للقضاء على تنظيم “الدولة الاسلامية” قضاء مبرما، والسماح لقوات وطائرات اجنبية (امريكية) باستخدام القواعد العسكرية الموجودة على الاراضي التركية (قاعدة انجرليك الجوية).

***

هذا التفويض البرلماني يضع الرئيس رجب طيب اردوغان في وضع داخلي وخارجي صعب للغاية، لان اي خطأ في الحسابات قد يؤدي الى نسف كل انجازاته السياسية والاقتصادية التي جعلت حزبه العدالة والتنمية يفوز في جميع الانتخابات البرلمانية والرئاسية والبلدية على مدى السنوات الاثني عشر الماضية.

فاكبر حزب معارض في البرلمان التركي (الحزب الشعب الجمهوري) صوت ضد هذا التفويض، الامر الذي دفع السيد اوغلو الى اتهامه بتأييد “الدولة الاسلامية” (داعش)، مما يعني انه يريد ان ينأى بنفسه عن هذه الخطوة بالغة الخطورة، وتجنب تبعاتها.

استيلاء قوات “الدولة الاسلامية” على مدينة عين العرب يعني سيطرتها على شريط محاذ لتركيا يمتد من اقصى شرق الحدود السورية الى اقصى نقطة في غربها، ولن تفقد هذه السيطرة الا من خلال حرب برية يشارك فيها عشرات الآلاف من الجنود.

ولا نستبعد ان يكون هدف “الدولة الاسلامية” من اقتحام هذه المدينة والاستيلاء عليها في ذروة القصف الجوي الامريكي هو استدراج وتوسيع الحرب البرية ضدها ومواقعها لخلط الاوراق، والحاق خسائر كبيرة في القوات التركية التي من الواضح انها ستقوم بالدور الاكبر في هذه الحرب، واحراج الرئيس اردوغان وحكومته امام مواطنيه الاتراك خاصة، اذا تصاعدت اعداد القتلى، وامتدت العمليات الارهابية الى العمق التركي، وطالت صناعة السياحة التي تشكل مصدرا اساسيا للدخل (35 مليار دولار سنويا)، الى جانب تداعيات اخرى مثل تصدع الجبهة الداخلية وتصاعد تكاليف الحرب ماديا وبشريا.

الرئيس اردوغان كان ذكيا عندما اجل اي تدخل في الحرب ريثما جرى الافراج عن جميع الدبلوماسيين الرهائن لدى “الدولة الاسلامية” كانوا في قنصلية بلاده في الموصل (49 دبلوماسيا)، ولكن الدخول في الحرب ربما يعرض ارواح مئات او حتى آلاف من الجنود الاتراك للخطر، ويدفع بـ”الدولة الاسلامية” الى تدمير ضريح سليمان باشا اب السلاطين العثمانين، حيث يحاصره المئات من قواتها في الوقت الراهن استعدادا لتدميره فور اقرار البرلمان التركي بالتدخل عسكريا للقضاء عليها.

ارسال طائرات تركية لضرب اهداف خارج الحدود التركية ليس جديدا، فقد طاردت هذه الطائرات مقاتلي حزب العمال الكردستاني داخل الاراضي الشمالية العراقية قبل احتلال العراق وفي اطار معاهدة مع حكومة بغداد، كما ارسلت قوات للسيطرة على الجزء التركي من قبرص في مطلع السبعينات، ولكنها المرة الاولى التي ترسل فيها قوات الى الارضي السورية والعراقية معا في حرب مفتوحة على جميع الاحتمالات ومرشحة للتوسع والامتداد لعدة سنوات.

لا نعرف تفاصيل خطة التدخل التركية في اطار التحالف الامريكي “الخمسيني”، وكيفية هذه المشاركة، فقرار البرلمان صدر في ساعة متأخرة الخميس، لكن ما يمكن ان نتكهن به ان السيد اردوغان قرر ان يضع كل ثقله العسكري والسياسي خلف هذا التحالف، ويجعل من بلاده “باكستان” اخرى بالمقارنة مع دور الاخيرة في الحرب الامريكية لاخراج القوات السوفيتية من افغانستان اولا، ثم اسقاط حكم حركة طالبان في كابول بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ثانيا.

“الدولة الاسلامية” ليست حركة “الطالبان” كما انها لا تشبه تنظيم “القاعدة” والظروف العسكرية والسياسية المحيطة بالتنظيمين، فهي تسيطر على اراضي اكبر من مساحة بريطانيا العظمى، وتملك اسلحة حديثة متطورة، ووفر لها التحالف الدولي غطاء “شرعيا اسلاميا”، حسب ادبياتها، قد يمكنها من تجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين العراقيين والسوريين والاسلاميين من مختلف انحاء العالم للقتال في صفوفها.

***

الرئيس اوباما اعترف بأنه اخطأ في تقدير قوة “الدولة الاسلامية” وخطرها، وربما يكون مصيبا هذه المرة، لان عدد قوات هذه الدولة التي هزمت جيشا عراقيا تكلف بناؤه وتسليحه 25 مليار دولار، واستولت على نصف العراق وثلث سورية يزيد عن مئة الف مقاتل ومسلح تسليحا “مجانيا” جيدا من غنائم الجيش العراقي الامريكية، وحتى تتم هزيمته يحتاج الامر الى اكثر من مئة الف جندي على الارض، حسب تقديرات السير الجنرال ديفيد ريتشارد قائد الجيش البريطاني السابق.

نستطيع ان نقول الآن، وبعد قرار البرلمان التركي، واقتحام مدينة “عين العرب” ان حربا حقيقية ستبدأ، وتحالفات جديدة ستنشأ، وشرق اوسط جديد مختلف سيولد، ولا احد يستطيع ان يتنبأ بالشكل الذي سيكون عليه وطبيعة المعادلات السياسية والعسكرية التي ستحكمه.

تركيا اردوغان وضعت كل بيضها في سلة اوباما وحلفه، ولم تفعل ذلك الا بعد اتفاقها معه على كل التفاصيل، ومن ابرزها سورية بدون الرئيس بشار الاسد، بعد ان تحول خلاف الرئيس اردوغان معه الى ثأر شخصي مهما كلف الامر، فهل تحصل على ما تريد آجلا ام عاجلا، وما هو موقف ايران وروسيا والصين؟ وهل ستستمر في موقف المتفرج؟

الايام المقبلة ستحمل لنا الاجابات وليس امامنا غير الانتظار (وتعداد الضحابا) الذي لا نملك غيره ومعنا معظم شعوب المنطقة التي ستدفع الثمن في نهاية المطاف ايا كان المنتصر او المهزوم.

باكستان: فشل جديد لبوش

حلفاء امريكا في العالم الاسلامي يتعلقون بالسلطة بخيوط عنكبوتية واهية، فحميد كرزاي بات مجرد رئيس مجلس بلدي لجزء من العاصمة الافغانية كابول، والسيد نوري المالكي بات رئيسا لوزارة بدون وزراء في العراق، والجنرال برويز مشرف انقلب علي نفسه، ويواجه غضبة شعبية في باكستان وسط اجماع المراقبين علي بدء العد التنازلي لسقوط نظامه.

ولعل ما يجري في باكستان هذه الايام هو الامتحان الاخطر للادارة الامريكية، لان نظام الرئيس مشرف الدكتاتوري في باكستان هو محور حربها علي الارهاب، وسقوط نظامه يعني انهيار هذه الحرب، والاعتراف رسميا بالهزيمة فيها.
فمنذ انقلابه عام 2001 الذي جاء في ظروف غامضة، استخدم الجنرال مشرف التهديد الارهابي لحصد التأييد الغربي، والامريكي علي وجه التحديد، لنظامه، ومن المؤسف ان هذا النهج الابتزازي اعطي ثماره، لان الغرب فضل خدمات مشرف في مكافحة الارهاب علي الدفع باتجاه الديمقراطية والحريات المنبثقة عنها.
الجنرال مشرف استخدم الذريعة نفسها في تبرير انقلابه الاخير الذي تمثل في اعلان حالة الطوارئ، وتعليق العمل بالدستور واعلان الاحكام العرفية، عندما قال ان البلاد تنزلق نحو الارهاب والفوضي والسقوط في يد الجماعات المتطرفة، ولهذا قرر انزال الجيش الي الشوارع لإنقاذها من هذا المصير المؤلم.
باكستان انزلقت الي الفوضي بسبب الحكم الدكتاتوري العسكري، وتحويل البلاد الي قاعدة عسكرية واستخباراتية في خدمة الولايات المتحدة الامريكية وحربها في افغانستان وباقي دول العالم الاسلامي، مقابل حفنة من المساعدات المالية المهينة.
الولايات المتحدة انفقت حتي الآن اكثر من ستمئة مليار دولار في حربها ضد الارهاب، لم يكن نصيب باكستان منها غير مساعدات مالية في حدود عشرة مليارات دولار، تذهب في معظمها الي الشركات الامريكية التي تتولي جني العطاءات والمشاريع التي تنفق فيها. اما البقية فتذهب الي جيوب الفاسدين من الحاشية المحيطة بالجنرال مشرف.
الخلل الاكبر الذي يتسبب في فشل السياسات والحروب الامريكية في العالم الاسلامي، يتمثل في حفنة من السياسيين الامريكيين الذين يقدمون الاستقرار في ظل انظمة دكتاتورية علي ديمقراطية توسع دائرة المشاركة في الحكم امام مختلف شرائح المجتمع في ظل تعددية سياسية حقيقية.
هذه السياسات قصيرة النظر هي التي شجعت التطرف، ووسعت دائرتي العنف والارهاب، وعمقت من حجم الكراهية للولايات المتحدة خاصة والغرب عامة في معظم دول العالم الاسلامي، ووصولها الي درجة مستعصية علي الاصلاح. فأكبر سلاح في وجه التطرف هو وجود حكومة تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع في انتخابات حرة في ظل حكم القانون والقضاء المستقل، والمؤسسات الدستورية، واقصي درجات الشفافية والحريات العامة والشخصية.
الرئيس مشرف لم يتمتع الا بحوالي عشرين في المئة من تأييد الشعب الباكستاني، اي اقل من نصف ما حصل عليه الشيخ اسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة في استطلاعات الرأي نفسها، ومع ذلك ظل يحظي بتأييد ادارة الرئيس بوش ودعمها.
وعندما ارادت هذه الادارة تحسين وجه النظام العسكري البشع في باكستان، اجبرت الجنرال مشرف علي الدخول في صفقة مع السيدة بنازير بوتو لتقاسمه الحكم، والحرب علي الجماعات المتطرفة، فجاءت النتائج كارثية تماما، لان زواج المتعة هذا بين السيدة بوتو ونظام الجنرال مشرف لا يمكن ان ينجب غير الفوضي والسخط الشعبي.
فمشرف يكره السيدة بوتو اكثر مما يكره زعيم تنظيم القاعدة وحليفه الملا عمر. ولهذا تمرد علي السيد الامريكي، واعلن الاحكام العرفية للتخلص من شروطه واملاءاته، فجاءت النتائج كارثية علي الجميع، عليه اولا، والسيدة بوتو ثانيا، والعراب الامريكي علي وجه الخصوص ثالثا.
السيدة بوتو ظهرت في اعين الباكستانيين بمظهر الشخصية الانتهازية العائدة الي باكستان عبر صفقة امريكية، للدخول في شراكة سياسية مع نظام عسكري طالما اشترطت سقوطه قبل العودة الي البلاد.
حسنة السيدة بوتو الوحيدة في نظر الامريكان ليست مؤهلاتها الديمقراطية، وانما كراهيتها لدرجة الحقد للاصوليين الاسلاميين، وتنظيم القاعدة علي وجه الخصوص، ولهذا وقع عليها الاختيار لاصلاح وجه النظام العسكري الدكتاتوري في باكستان لاطالة عمره ريثما يتحقق بعض النجاح في ميادين المعارك في افغانستان ضد تنظيم القاعدة وحركة طالبان .
صيغة الانقاذ الامريكية لنظام مشرف لن تنجح في باكستان، لان مثيلاتها لم تنجح في العراق وافغانستان رغم الخسائر البشرية والمادية الامريكية الضخمة في البلدين، والدعم الغربي والعالمي غير المحدود للحرب فيهما.
مصير باكستان هو المصير نفسه الذي واجهته كل من افغانستان والعراق، اي فوضي دموية تؤدي الي دولة فاشلة وحروب اهلية طائفية او عرقية، تنتهي بتقسيم البلاد للمرة الثانية مثلما جري تقسيمها في المرة الاولي بسلخ بنغلادش في سابقة مخجلة للمسلمين في شبه القارة الهندية.
توقيت الأزمة الباكستانية يأتي في وقت شديد الحراجة لادارة الرئيس بوش، ليس فقط بسبب تفاقم ازماتها في العراق وافغانستان، وانما لتصاعد احتمالات اللجوء الي الخيار العسكري للتعامل مع أخطار المفاعل النووي الايراني المتنامية.
فالادارة الامريكية باتت امام ازمتين نوويتين، الاولي في باكستان تتمثل في احتمال وقوع اسلحة وخبرات نووية باكستانية موجودة فعلا في ايدي جماعات متطرفة، والثانية في ايران، حيث بات برنامجها النووي علي وشك تخصيب كميات من اليورانيوم تكفي لصنع قنبلة نووية في غضون ثلاثة اعوام علي الاكثر.
الخروج من الأزمة الباكستانية امر ممكن ولكنه ليس سهلا، واول خطوة في هذا الاتجاه هي انهاء حالة الطوارئ فورا، وتخلي الرئيس مشرف عن لباسه العسكري، والعودة الي الديمقراطية من خلال انتخابات عامة نزيهة، تشارك فيها جميع الاحزاب الباكستانية بما في ذلك حزب السيد نواز شريف، في ظل قضاء عادل مستقل.
اما الخروج من الأزمة النووية الايرانية فاكثر صعوبة، لان الادارة الامريكية لا يمكن ان تقبل بايران عضوا في النادي النووي، ولان النظام الايراني لا يمكن ان يتخلي عن طموحاته النووية بعد ان اوشك علي قطف ثمارها. ولذلك باتت المواجهة شبه مؤكدة.
الخرق بات اكبر من قدرات الراقع الامريكي، والاشهر الثمانية المقبلة هي الاخطر علي المنطقة منذ الحرب العالمية الاولي، ومثلما انتهت تلك الحرب بنهاية الامبراطورية العثمانية قد تنتهي الثانية بنهاية الامبراطورية الامريكية وكل الدكتاتوريات العربية والاسلامية التي تعتاش علي مساعداتها المالية او حمايتها العسكرية.