مقالات

البرازاني يمهد لاعلان الاستقلال.. والدولة الاسلامية تحقق نصرا معنويا “بمبايعة” فصيل من “النصرة” لها.. ترى ما هي المفاجأة الصاعقة المقبلة؟

عبد الباري عطوان

قليلة هي المرات التي اتفقنا فيها مع السيد نيجرفان بارازاني رئيس وزراء كردستان العراق والمواقف السياسية التي تتخذها حكومته، لكن تصريحاته التي ادلى بها قبل يومين لهيئة الاذاعة البريطانية “بي بي سي” وقال فيها “انه من شبه المستحيل ان يعود العراق كما كان بعد احتلال الموصل” تجعلنا نتفق معه، ولكن لاسباب مختلفة كليا.

السيد البرازاني يريد تقسيم العراق على اسس كونفدرالية وليس فيدرالية، مثلما يريد اقامة اقليم سني في منطقة الانبار وجوارها، وبما يضفي الشرعية على الخطوة الكردية المقبلة وهي اعلان استقلال كردستان واقامة دولة على ارضها.

من تابع التصريحات التي ادلى بها السيد مسعود البرازاني رئيس الاقليم بعد لقائه مع جون كيري وزير الخارجية الامريكي يستطيع التوصل الى حقيقة هذه التوجهات دون اي عناء، خاصة عندما اكد على ضرورة التعامل مع جذور الازمة وليس نتائجها، مشددا على “ضرورة الاعتراف بالعراق الجديد على الصعيدين الامني والسياسي”.

الواقع الجديد الذي كرره السيد “البرازاني الرئيس″ اكثر من مرة في هذه التصريحات هو بقاء مدينة كركوك المختلطة تحت سيطرة قوات “البشمرغة” التابعة للاقليم الكردستاني، بعد الاستيلاء عليها نتيجة لهرب قوات الجيش العراقي امام تقدم قوات الدولة الاسلامية في محافظة نينوى قبل عشرة ايام.

فعندما تبدأ حكومة كردستان العراق تصدير النفط المستخرج من آبار كركوك الى اسرائيل عبر ميناء جيهان التركي دون اذن او موافقة الحكومة المركزية في بغداد فهذه اكبر خطوة على طريق “الاستقلال” وادارة الظهر للعرب، شيعة كانوا او سنة.

***

العراق ينحدر بسرعة نحو الاسوأ، ونعني بالاسوأ هو المزيد من الفوضى، والاحتراب الطائفي والعرقي، وهناك عدة عوامل يمكن ان تكون مسؤولة عن هذه النبوءة المشؤومة التي تتكرر حاليا على السنة الكثير من المراقبين.

*الاول: وصول 300 مستشار عسكري امريكي الى العراق، وتخلي السيد المالكي عن مواقفه السابقة التي اثارت الاعجاب، لمنحهم حصانة من اي مقاضاة او مساءلة في حال ارتكابهم اي جرائم او تجاوزات على الارض العراقية.

*الثاني: مبايعة عدد كبير من مقاتلي فصيل تابع لجبهة “النصرة” يتواجدون على الجانب من الحدود مع العراق في مدينة البوكمال الدولة الاسلامية في العراق والشام التي كانوا يقاتلونها حتى ايام قليلة خلت، وهذه سابقة تنطوي على معان عديدة في ظل سحب اوباما ثقته بالمعارضة السورية المعتدلة واعترافه بعدم قدرتها على اسقاط النظام.

*الثالث: تمسك السيد المالكي برئاسته للوزراء في اي حكومة عراقية قادمة، ورفضه لحكومة “انقاذ وطني” يطالب بتشكيلها اكثر من فصيل من الطائفتين السنية والشيعية، كأحد المخارج من الازمة الحالية باعتبارها، اي حكومة الانقاذ، انقلاب يهدف الى القضاء على التجربة الديمقراطية الفتية في العراق، على حد قوله.

السيد المالكي ارتكب خطأ استراتيجيا عندما استدعى القوات الامريكية للتدخل لانقاذ حكومته في مواجهة تحالف الدولة الاسلامية، ويرتكب خطأ اكبر بمعارضة حكومة الانقاذ الوطني تحت ذريعة كونها محاولة للقضاء على الدستور والتجربة الديمقراطية، فاين هو هذا الدستور ومتى التزم به ونصوصه، واين هي هذه التجربة الديمقراطية التي جرى تجاوزها في العراق لاكثر من ثماني سنوات، واستبدالها بديكتاتورية التهميش والاقصاء التي تعتبر سبب كل المشاكل والازمات الحالية التي تواجهها البلاد.

فوز السيد المالكي بالعدد الاكبر من المقاعد البرلمانية في الانتخابات الاخيرة لا تؤهلة لتشكيل الحكومة العراقية للمرة الثالثة، لان مقاعده التي يبلغ عددها 95 مقعدا اقل من ثلث مقاعد البرلمان وتعدادها 328 مقعدا، مضافا الى ذلك ان تحالف دولة القانون الذي يتزعمه السيد المالكي لم يفز بالعدد الاكبر من المقاعد في الانتخابات قبل الاخيرة عام 2010 (تقدم عليه تكتل العراقية السني الشيعي العلماني الذي يتزعمه الدكتور اياد علاوي)، ومع ذلك وبدعم من السفير الامريكي السابق زلماي خليل زادة، وبالتنسيق مع ايران جرى كسر هذه القاعدة لفرضه رئيسا للحكومة.

البرلمان العراقي سيجتمع يوم الفاتح من تموز (يوليو) اي بعد اسبوع تقريبا، وربما يكون اختيار رئيس وزراء جديد غير السيد المالكي يحظى بدعم النسبة المطلوبة من النواب من مختلف الطوائف والاعراف هو المخرج من هذه الازمة، وبطريقة ديمقراطية دستورية، ولكن هذا المخرج يظل غير مضمون النجاح اذا استمرت الدولة الاسلامية بالتوسع على الارض، واصر الاكراد على سياساتهم الانفصالية والمضي قدما في خطوات الاستقلال وتوثيق العلاقة مع اسرائيل.

كلما طال امد الازمة كلما ازدادت الدولة الاسلامية وتحالفها قوة، فانضمام فصيل من “النصرة” المعادية لها مؤشر على احتمال تكرار هذه السابقة واغراء فصائل اخرى بالسير على الطريق نفسه، خاصة ان شباب الجماعات الاخرى ينظرون باعجاب شديد للدولة وانتصاراتها، سواء من منطلق الكراهية المذهبية لحكومة السيد المالكي، او لحلفائها في طهران والاسباب معروفة ولا داعي لتكرارها.

وتقدر مصادر غربية احتياطات الدولة الاسلامية المالية باكثر من ملياري دولار، مما يجعله قادرا على دفع ما يعادل 600 دولار شهريا لكل مقاتل ينضم الى صفوفه، حتى لو وصل العدد الى اكثر من ستين الف مقاتل.

***

زيارة كيري الى العراق جاءت متأخرة جدا، وعدد المستشارين الذين ارسلتهم حكومته لحماية المنطقة الخضراء وتقديم استشارات لقوات السيد المالكي من الصعب ان تحل المشكلة التي جاءت من اجلها وربما تخلق مشاكل اكبر من حيث تذكير قطاع عريض من العراقيين بالاحتلال الامريكي الذي يعتبر منبع كل الشرور في العراق، وعلى رأسها التقسيم الطائفي والعرقي.

الادارة الامريكية لن تكرر تجربتها الدموية في العراق، ولن تنجح في تكوين قوات “صحوات” اخرى مثل تلك التي شكلها الجنرال بترايوس في عام 2006 ورفض المالكي استيعابها في الجيش العراقي من منطلق الطائفية وعدم الثقة فيها، مثلما رفض التعايش مع مكونات العراق المذهبية والعرقية الاخرى، والدولة الاسلامية التي ادى انتصارها في الشمال العراقي الى توحيد معظم ابناء الطائفة السنية حولها لن يتم القضاء عليها بسهولة حتى لو اتحد الشرق والغرب ضدها طالما استمرت التوجهات الحكومية الاقصائية على حالها.

العراق ذاهب الى صيغة دولة الطوائف، وامراء الحرب، وفرض سياسات الامر الواقع، ولهذا نحن امام ازمة اكثر تعقيدا.

ابو بكر البغدادي “القرش” زعيم الدولة الاسلامية يحاكي “قدوته”

الملا عمر زعيم حركة طالبان، ويسير على نهجه وخطواته من حيث البعد عن الاضواء وعدم الظهور في العلن، واذا كانت امريكا، واكثر من مئة الف من قواتها عجزت عن هزيمة الاخير (الملا عمر) وحركته على مدى 13 عاما، فهل ستنجح في هزيمة الدولة الاسلامية وزعيمها بثلاثمائة مستشار وعدد من الطائرات بدون طيار “درونز″؟ الاجابة مكتوبة على الحائط!

هل الاردن الهدف الجديد لـ”الدولة الاسلامية” وحلفائها؟ وكيف ستدير هذه الدولة المعابر التي سيطرت عليها؟ نصيحة للسلطات الاردنية نتمنى عليها قبولها

عندما وصفنا تساقط المدن والقرى والمعابر الحدودية امام قوات تحالف قوات الدولة الاسلامية في العراق والشام بانه تسونامي يجتاح المنطقة ويغير معادلاتها اتهمنا البعض بالمبالغة، وتضخيم قوة هذا التحالف ودولته، ولكن مواصلة هذه القوات زحفها وتعاظم مكاسبها على الارض، وحالة الرعب السائدة بسببها يثبت كم كنا “متحفظين” في وصفنا هذا.

جميع المعابر الحدودية بين العراق وسورية، وبين العراق والاردن باتت كلها تحت سيطرة الدولة الاسلامية ورجالها، وهي دولة لا تعترف بهذه الحدود اساسا ولن تكون لها “وزارة داخلية” او بالاحرى “ادارة للجوازات” لها اختامها وقوانينها واجراءاتها المتعلقة بالدخول والخروج، ونشك انها ستصدر جوازات سفر، ولكن قوائمها السوداء للممنوعين والمطلوبين قد تكون اطول من نظيراتها الاخرى، فلا مكان لمن يختلف معها او يخرج عن طاعتها.

رقعة الدولة الاسلامية تتسع بما يؤكد انها عابرة للحدود والجنسيات، وسط حالة من الارتباك غير مسبوقة، تتساوى فيها الدول العظمى والدول الصغرى، حيث القاسم المشترك هو العجز حتى الآن على الاقل.

سيطرة قوات تحالف “الدولة الاسلامية” على محافظتي نينوى والانبار ومدن اخرى بالسرعة التي تمت فيها كانت مفاجأة صاعقة ولكنها متوقعة، لان الجيش العراقي الرسمي الذي ولد من حاضنة الفساد لا يملك الدوافع الوطنية او الاخلاقية، للقتال وبالتالي الموت من اجل حكومة طائفية النهج واقصائية الممارسة، ويظل السؤال الذي يطرح نفسه بقوة على السنة الكثير من الزعماء والمسؤولين “المذعورين” في المنطقة وخارجها هو اين تكون المفاجأة المقبلة؟

***

زيارة جون كيري وزير الخارجية الامريكي الخاطفة الى عمان، وتصريحات رئيسه باراك اوباما لمحطة “سي ان ان” التي حذر فيها من امكانية توسع “الدولة الاسلامية” باتجاه الاردن، وزعزعة امنه واستقراره ربما تجيبان عن الجزء الاكبر من هذا السؤال.

الاردن الآن في قلب شاشة رادار تنظيم “الدولة الاسلامية”، وخوف الرئيس اوباما وقلقه ليس على الاردن وامنه واستقراره، وانما على اسرائيل وامنها واستقرارها، ومن يقول غير ذلك يغالط نفسه فمتى اهتمت امريكا بالعرب والمسلمين؟

وربما يفيد التذكير هنا ان ابو مصعب الزرقاوي هو القائد المؤسس لتنظيم الدولة الاسلامية في العراق، وهو الذي وضع الاطر الرئيسية لايديولوجيتها الحالية، والتعاطي دون رحمة او هوادة مع خصومها، ويتضح هذا بكل جلاء في الفيديوهات والاشرطة التي تعرض حاليا على شبكة “يوتيوب”، وهي اشرطة تتطابق في معظمها بنظيراتها التي كان يبثها في حينها زعيمها الزرقاوي لبث الرعب في قلوب خصومه واعدائه.

ولعل الشريط الذي ظهر فيه احد نشطاء الدولة الاسلامية على شبكة “اليوتيوب” مرتديا حزاما ناسفا، ويمزق جواز سفر اردنيا ويهدد السلطات الاردنية بالمفخخات والاحزمة الناسفة ينطوي على معان كثيرة في هذا الصدد.

ادبيات “الدولة الاسلامية” ومواقعها على وسائل التواصل الاجتماعي لا تعكس اي ود للاردن وحكومته، وتردد في اكثر من شريط ومقالة دور هذه الحكومة في اغتيال “الشيخ” ابو مصعب الزرقاوي من حيث تقديم المعلومات الاستخبارية للقوات الامريكية حول تصريحاته والمكان الذي أوى اليه ليلة الاعدام، وهذا امر يجب ان يبعث على القلق، قلق السلطات الاردنية طبعا.

الاردن يعيش وضعا صعبا، ويسير وسط حقل الغام شديدة الانفجار، فهو محاط بجبهات ودول فاشلة يسيطر عليها الجهاديون وتسودها الفوضى، ونسبة كبيرة من هؤلاء من ابناء الاردن، بعضهم جرى تشجيعهم بشكل رسمي غير مباشر، وتسهيل مرورهم، للانضمام الى خيمة “الدولة الاسلامية” او “جبهة النصرة” في ذروة الحماس العربي الرسمي والشعبي لدعم الجماعات الجهادية في سورية والعراق وليبيا، فهل نسينا الفتاوى التي صدرت عن مرجعيات جهادية معروفة تحرض على الجهاد؟

فهناك الجبهة السورية، وهناك الجبهة العراقية، ولا ننسى جبهة سيناء، وقبل هذا وذاك الجبهة الفلسطينية التي قد نفاجأ قريبا جدا بالاعلان عن فتح فرع للدولة الاسلامية فيها، في ظل تصاعد السخط على السلطة الفلسطينية ورئيسها وتصريحاته المخجلة عن “قداسة” التنسيق الامني مع اسرائيل، فالاردن يظل واحة استقرار في وسط هذه المحيط المضطرب.

خطورة “الدولة الاسلامية” لا تنحصر في ايديولوجيتها الاسلامية المتشددة وحرص جنودها على الشهادة اكثرمن حرصهم على الحياة، مثلما يؤكدون في كل ادبياتهم، وانما في ضعف الآخرين الذين يقفون في الخندق المواجه لها واختلال بوصلتهم او بعضهم الوطنية، ورأينا انهيار القوات العراقية المدربة والمسلحة بشكل جيد امام زحفها مثل انهيار احجار الدينمو، البلدة تلو البلدة، والمدينة تلو المدينة، والمحافظة تلو الاخرى.

الاردن واوضاعه الاقتصادية المتردية، وحالة الاحباط التي تسود معظم اوساطه الشبابية، والميول المتصاعدة الى التشدد الاسلامي في صفوفهم، وهو يشاهد الاذلال الاسرائيلي وتغوله على بعد كيلومترات في الارضي المحتلة، كلها عوامل تشكل تربة خصبة لتنظيمات مثل “الدولة الاسلامية”، وقاعدة جذب لشبابه للانضمام الى صفوفها.

افتقاد تنظيم “القاعدة” الام للدعم المادي بسبب تجفيف الموارد والمنابع والبعد الجغرافي عن الحاضنة العربية حيث مركز الثقل، وتحالف معظم اجهزة الاستخبارات العربية والعالمية ضده، كلها ساهمت في شل حركته بطريقة او باخرى، ولكن تنظيم الدولة الاسلامية وريثه الشرعي استطاع سد غالبية هذه الثغرات، من حيث تحقيق الاكتفاء الذاتي ماليا (استولت على 500 مليون دولار من بنوك الموصل وحدها) والاكتفاء الذاتي عسكريا عندما قدم له الجيش العراقي الهارب من المدن الشمالية هدية ضخمة من الاسلحة والعتاد الحربي الحديث جدا تركها في مخازنه، وبهذين الاكتفائين بات اكثر قدرة على تجنيد الآلاف من الشباب الى صفوفه، وافادت تقارير اخبارية غربية غير مؤكدة انه يدفع 600 دولار للمجند الواحد، رغم ان الرغبة في الشهادة هي الاولوية وقمة المنى لهؤلاء المتطوعين.

***

صحيح ان الاردن يملك جيشا قويا واجهزة امنية متطورة، ولكن الصحيح ايضا ان الاخطار المحيطة به من كل الجهات تبدو اكبر من قدراته وامكانياته، بل وقدرات وامكانيات دول عظمى، اذا وضعنا في الاعتبار وجود اكثر من مليون لاجيء سوري على ارضه، ونصف مليون لاجيء عراقي، وذوبان حواجزه الحدودية مع الدول المحيطة مثل سورية والعراق لاول مرة منذ اتفاقات “سايكس بيكو”.

فاذا كانت الدول الاوروبية تتحدث حاليا عن كشف مخططات لتنفيذ العائدين من سورية اعمال عنف وتفجير في بعض بلدانها، مثل مفجر الكنيس اليهودي في بروكسل، فانه من الاولى ان يقلق الاردن الاكثر قربا.

السلطات الاردنية تتحدث عن حضانة الجبهة الداخلية الاردنية، وتؤكد انها ستواصل فتح معبر “طريبيل” الحدودي مع العراق رغم سيطرة قوات تحالف “الدولة الاسلامية” عليه، وارسلت تعزيزات كافية، عسكرية وامنية، الى الحدود المواجهة اي اختراقات، في محاولة لطمئنة الرأي العام، وهذه خطوات مهمة، ولكن هذا لا يعني ان الاردن غير مستهدف وكل الاحتمالات والمفاجآت غير مستبعدة، ولذلك فان الحذر والقلق له مبرراته.

لا نعتقد ان السلطات الاردنية تقبل نصائحنا او غيرنا، لكننا لن نتردد في القول ان اي محاولة امريكية لجر الاردن الى الدخول في تحالف لحماية امن اسرائيل الذي هو محور الاهتمام الاكبر للغرب حاليا، ستكون نتائجه كارثية جدا، ونكتفي بهذا القدر.

مهمة صعبة لكيري في العراق.. وبندقية تحالف “الدولة الاسلامية” هي صاحبة الكلمة الاعلى الآن على الاقل.. والحل السياسي يترنح لهذه الاسباب

بدا جون كيري وزير الخارجية الامريكي جولة جديدة في منطقة الشرق الاوسط بزيارة قصيرة للقاهرة ويمكن ان تشمل الاردن والعراق بحثا عن حل سياسي للازمة العراقية يعيد الاستقرار “الهش” الى هذا البلد المنكوب، ولكن سّموا لنا لو تكرمتم جولة واحدة للمستر كيري في المنطقة تكللت بالنجاح حتى تكون هذه الاخيرة استثناء. وننظر اليها بعين التفاؤل؟

ولى الزمن الذي كانت تقرر فيه الادارات الامريكية حاضر هذه المنطقة وتضع ركائز مستقبلها، فاذا كان المستر كيري فشل في الافراج عن 24 اسيرا فلسطينيا في سجون الاحتلال التزمت اسرائيل بالافراج عنهم في اطار صفقة استئناف المفاوضات مع سلطة الرئيس محمود عباس في رام الله، فهل سينجح في بلد مثل العراق يقف على حافة الانهيار والحرب الاهلية الدموية، وفيه اكثر من خمسين مليون قطعة سلاح على الاقل وتجييش طائفي على اعلى المستويات؟

البندقية، وليس الدبلوماسية، هي التي تحسم الامور على الارض، سواء في العراق او سورية او ليبيا او اي منطقة اخرى في هذا الشرق المنكوب، ويبدو واضحا ان بندقية تحالف الدولة الاسلامية في العراق والشام والتي قلبت كل المعادلات فجأة ودون سابق انذار هي التي ستكون صاحبة الكلمة الرئيسية على ارض العراق في المستقبل المنظور على الاقل.

***

منذ الاحتلال الامريكي في آذار (مارس) عام 2003، والعراق يعيش سلسلة من الازمات المتوالية انبثقت جميعها من رحم هذا الاحتلال او العملية السياسية المغشوشة التي عمل على فرضها وتقوم على اساس المحاصصة الطائفية، والانحياز الى طرف خانع للاحتلال ضد طرف آخر مقاوم له.

ما يجري حاليا في العراق هو عملية تصحيح جذرية لهذه العملية السياسية، وربما للمنطقة العربية بأسرها، رأس الحربة فيها نجاح تحالف قوات الدولة الاسلامية وضباط وجنود نظام ما قبل الاحتلال في السيطرة على الموصل وتكريت وبيجي، ونسف اسس حكومة السيد نوري المالكي الطائفية، وفتح العيون على مظالم قطاع عريض من العراقيين عانوا من التهميش والاقصاء، مثلما عانوا قبلها القتل والاعتقال والتعذيب لمقاومتهم ورفضهم للاحتلال الامريكي.

في الوقت الذي يستعد فيه كيري للتسلل الى العراق لانقاذ هذه العملية السياسية ورموزها، نجحت قوات تحالف الدولة الاسلامية والعشائر المساندة لها في اكمال الاستيلاء على جميع المنافذ الحدودية العراقية الى الغرب مع الاردن وسورية باحكام سيطرتها بشكل كامل على اقضية “رواة” و”عنة” و”القائم” في محافظة الانبار، وقبلها في نينوى، الامر الذي سيضع هذا التحالف في موقف تفاوضي قوي في اي تسوية سياسية للازمة، لا يمكن تجاهله هذا اذا قبل هذا التحالف اصلا بالتفاوض.

الانقسام هو السمة الاعم في العراق هذه الايام، ليس بين الطوائف والاعراق فقط، وانما بين السياسيين انفسهم، وبين ابناء الطائفة او حتى العشيرة الواحدة، واذا كان هناك اجماع فهو على فشل السيد نوري المالكي وعلى مدى ثماني سنوات من حكمه، في ان يكون رئيسا لوزراء العراق كله مثلما تنص مهام وظيفته ، واصر ان يكون رئيسا لقطاع من حزب الدعوة الذي يتزعمه، ومن هنا يجد نفسه وحيدا في مواجهة مطالبات من كل جانب على اقالته لمصلحة بديل آخر قادر على ان يكون موحدا في الحد الادنى على الاقل، وينجح فيما فشل فيه سلفه، فهذا الرجل لم يفد الشيعة، ابناء طائفته، واضر بأهل السنة، واضاع عشرات المليارات من ثروات العراق بسبب فشله في مواجهة الفساد، وغرق الكثير من اتباعه فيه في وضح النهار.

التدخل الامريكي، سياسيا كان او عسكريا، في شؤون العراق امر مرفوض ومدان، والذين يطالبون بهذا التدخل، هم الذين وصلوا الى الحكم على ظهور دباباته، لانهم يثقون بامريكا اكثر مما يثقون بأنفسهم وابناء العراق، واستطاب لهم البقاء في هذا الحكم بحماية امريكية، ولذلك فهم ركاب “ترانزيت” في مطار كبير اسمه العراق ينتظرون الرحلة القادمة الى الخارج حيث يوجد معظم افراد اسرهم.

امريكا لن تلب نداء المالكي والنجيفي وكل النخبة العراقية السياسية الفاسدة، وترسل قواتها الى العراق لتقاتل من اجلهم ولبقائهم في مناصبهم، وهي التي تحمد الله ليل نهار انها نجحت في الهرب ووقف نزيف خسائرها البشرية والمادية بانسحابها مع نهاية عام 2011.

عمليات التجييش الطائفي في الجانبين السني والشيعي، والدفع بالآلاف من المسلحين الى الشوارع في استعراض قوة لن يحل المشكلة وانما سيزيدها تعقيدا، وسيؤدي الى المزيد من سفك الدماء وصب المزيد من الزيت على نيران الحرب الاهلية.

العراقيون الذين يتظاهرون في ميادين بغداد والبصرة والحلة ملوحين ببنادقهم مؤكدين استعدادهم للتضحية بأرواحهم دفاعا عن بغداد وهذا حق لهم يجب ان يتوجهوا الى حكومتهم ورئيسها السيد المالكي ويسألونه بكل صراحة ووضوح عن اسباب فشله في تحقيق التعايش والوحدة الوطنية وايصال البلاد الى هذه الحالة البائسة ويسألونه ايضا وبصوت اعلى عن فشل جيشه في حماية مدن العراق ومنع سقوطها المهين وفرار حمايتها منها بملابسهم المدنية التي باعوا بنادقهم مقابل الحصول عليها، وهو الجيش الذي انفق على تدريبه وتسليحه عشرات المليارات من الدولارات على مدى السنوات الثماني الماضية وتساقط في ساعات مثل الذباب امام مئات من جنود تحالف الدولة الاسلامية؟ فالديمقراطية هي المساءلة والمحاسبة وليس التصفيق للفاشلين ودعمهم.

الدفاع عن بغداد مهمة الجيش العراقي وليس مهمة المتطوعين عديمي الخبرة والدراية التي يريد البعض دفعهم الى الموت بينما يبقى هو جالسا على العرش مكررا الاخطاء نفسها ومستهترا بكل المطالبين بمحاسبته.

اليس غريبا ان يقدم السيد المالكي مجموعة من الضباط الكبار في الجيش الى المحاكمة بتهم التقصير، والفشل في التصدي الى قوات تحالف الدولة الاسلامية، وهؤلاء يستحقون فعلا المحاكمة، ويقدمون كبش فداء للمسؤول الاكبر عن هذه الهزيمة هو السيد المالكي نفسه، ويعفي نفسه من اي محاسبة او مسائلة ويريد الاستمرار في الحكم وكأن شيئا لم يحصل؟

***

نجزم بان فرض الحل السياسي الذي يرعاه المستر كيري للازمة العراقية ستظل محدودة النجاح للغاية، تماما مثل فرص هذا الحل في سورية وليبيا وكل الدول التي مزقها التدخل العسكري الامريكي الغربي المباشر او غير المباشر، لان هؤلاء الساعين اليه تأخروا كثيرا، وبعد ان اتسع الرتق على الراقع وفي العراق خصوصا.

نسأل وبكل سذاجة، هل يستطيع السيد اياد علاوي او صالح المطلك او اسامة النجيفي او كل اعضاء معسكرهم التأثير على تحالف الدولة الاسلامية، واقناعها او اجبارها على اسقاط البندقية، وحلق اللحى، ومن ثم الانسحاب من الاماكن التي سيطرت عليها والى اين؟ وهل يستطيع السادة الحكيم والصدر والجعفري وعبد المهدي والجلبي وكل الساسة في الجانب الآخر اقناع السيد المالكي بالاعتراف باخطائه والاستقالة من منصبه لصالح رئيس وزراء غير طائفي يؤمن بالتعايش والمساواة والعراق العربي الموحد؟

عندما تكون الاجابة “بنعم” في الجانبين، تحدثوا الينا عن الحل السياسي، اما غير ذلك فتضليل وخداع للنفس وضحك على الذقون.

المستر كيري يجب ان يستقبل بالبيض الفاسد وما هو اكثر منه في العراق من كل الطوائف والاعراق لانه يمثل دولة تتحمل مسؤولية كل المصائب التي حلت بهم وببلادهم، ويأتي اليها متسللا مثل اللص الذي يحوم على مكان الجريمة، جريمة قتل مليون عراقي وتشريد اربعة ملايين، وتيتيم اربعة ملايين طفل، والباقي الكل يعرفه.

لا نرى اسنانا ومخالب للرئيس عباس وسلطته.. والانتفاضة الثالثة قادمة حتما.. وعملية خطف المستوطنين الثلاثة فضحت الجميع.. واليكم شرحنا

لم نعد نفهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ليس لانه يتحدث بلغة غريبة علينا، فلغته العربية لا باس بها، وهو المدرس السابق، لكننا نتحدث عن المفردات والجمل ومعانيها التي يستخدمها والتي ليس لها علاقة في نظرنا من قريب او بعيد بالهم الفلسطيني في الوطن تحت الاحتلال او في المنفى.

قبل يومين واما اجتماع وزراء خارجية الدول الاسلامية في جدة كرس عباس جلّ خطابه لادانة خطف ثلاثة مستوطنين اسرائيليين، وقال ان هذه العملية وليس الاحتلال وجرائمه، تدمر الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني، وامتدح التنسيق الامني مع اجهزة المخابرات الاسرائيلية، وقال انه في مصلحة الشعب الفلسطيني، وجدد التعهد بمنع حدوث انتفاضة ثالثة، ولا نعرف ما اذا كان وزراء الخارجية المسلمين صفقوا له، او استهجنوا اقواله، وايا كان رد فعلهم فانهم لا فائدة ترجى منهم وحكوماتهم.

الرئيس عباس نسي، او تناسى، انه يتحدث امام وزراء خارجية من دول اسلامية، وليس، امام الكنيست الاسرائيلي، او حتى الكونغرس الامريكي، وكان عليه ان يستغل هذه المناسبة للحديث عن معاناة شعبه تحت الاحتلال وليس عن معاناة الاسرائيليين المخطوفين واسرهم وجرائم قوات الامن الاسرائيلية على خطف اكثر من 500 انسان فلسطيني بريء والزج بهم في السجون في اطار بحثها المسعور عن المستوطنين الثلاثة المخطوفين.

***

والاغرب من كل هذا وذاك، ان الرئيس عباس، وفي تصريحات جديدة، ولكن امام مؤتمر لابناء “رام الله” هذه المرة، فاجأنا مرة اخرى بالقول انه اصبح للقيادة الفلسطينية “اسنان” و”مخالب” للدفاع عن الشعب الفلسطيني وتحرير ارضه بالعقل والحكمة، واظهر حرصا غير مسبوق على المستوطنين الثلاثة المخطوفين وتمنى عودتهم سالمين، ولكنه لم يترحم على ارواح الطفلين اللذين قتلتهما القوات الاسرائيلية وهي تداهم البيوت مثل الذئاب الجائعة المتعطشة للدماء في مدينة الخليل ومدن اخرى.

لا نرى “انيابا” ولا “اسنانا” للسلطة التي يتزعمها الرئيس عباس، رغم ان نظرنا سليم جدا، ولا نحتاج الى عدسات مكبرة، بل نرى استسلاما وخنوعا للاحتلال الاسرائيلي، وتعاونا “مجانيا” مع قواته الامنية لمطاردة الشرفاء، وتكسير ارادة الاسرى المضربين عن الطعام في سجون الاحتلال وهم بالآلاف.

المخالب والاسنان التي يتحدث عنها الرئيس عباس مخالب واسنان وهمية غير موجودة الا في مخيلته، ولا نرى قوات الامن الفلسطينية التي تدافع عن الشعب الفلسطيني بـ “العقل والحكمة” تمنع مداهمة بيت واحد او اعادة اعتقال العشرات من الذين افرجت عنهم السلطات الاسرائيلية في صفقة الافراج عن الجندي الاسرائيلي غلعاد شاليط.

واذا افترضنا جدلا ان هذه الاسنان والمخالب هي تلك التي تتمثل في حصول السيد عباس على عضوية فلسطين المراقبة في الجمعية العام للامم المتحدة، فليتفضل بالتوقيع على طلبات الانضمام الى المحكمة الجنائية الدولية مثلما طالبه ذراعه الايمن صائب عريقات، لمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين امامها، وهذه الخطوة لا تحتاج الى اسنان او مخالب او حتى اظافر.

خطف الشبان الثلاثة، وايا كانت الجهة التي تقف خلفه، الدولة الاسلامية او حماس، هز الدولة الاسرائيلية وجذورها الهشة، واصاب قادتها في مقتل، وبث الرعب في نفوس الاسرائيليين، وزاد من طول طوابيرهم امام السفارات الاجنبية بحثا عن مخرج.

قوات الامن الاسرائيلية التي قال قادتها انها تعرف كل مليمترا في الضفة الغربية وقطاع غزة ثبت عمليا انها “اكذوبة كبرى” لم يصدقها غير الرئيس عباس والمجموعة المحيطة به، فالخلية التي نفذت عملية الخطف فضحت اسطورتها الوهمية، وكسرت هيبتها المزعومة مثلما فضحت دموية قطاع عريض من الاسرائيليين خاصة الصفحة التي استقطبت عشرات الآلاف منهم على الفيسبوك، وتطالب باعدام عربي كل ساعة حتى يعود المخطوفون الاسرائيليون الثلاثة، هؤلاء هم الذين تسهر قوات الامن الفلسطينية على حمايتهم وارواحهم تحت مسمى التنسيق الامني.

اسرائيل تقيم حواجز عسكرية في كل شبر من الضفة الغربية المحتلة، وتطلق العنان لطائرات “الدورنز″ وتجند آلاف العملاء والعسس، وتدس فرق المستعربين في اوساط السكان، وتتبادل المعلومات والمهام مع قوات الامن “الفلسطينية”، ومع ذلك تنجح الخليه الخاطفة في اختراق كل هؤلاء وتصل الى الشبان الثلاثة، وتخفيهم في مكان لا يستطيع دود الارض معرفته ولاكثر من اسبوع، وحتى لو تم اكتشاف مكانهم من خلال تواطؤ قوات الامن “الفلسطينية” واطلاق سراحهم، فان حالة الرعب في اوساط الاسرائيليين والارتباك في صفوف قواتهم الامنية، والحرج الكبير الذي وقع فيه نتنياهو وجنرالاته، تكفي كلها لتأكيد نجاح عملية الخطف هذه، واعتبارها انجازا كبيرا لمن خططوا لها ونفذوها حسب ما تقوله ادبياتهم.

***

مرة اخرى نطالب الرئيس عباس بان يتحدث اللغة التي يفهمها الانسان الفلسطيني البسيط والمحاصر والمهان، او يلتزم الصمت وهذا هو الحد الادنى لان اللغة التي يتحدث فيها لا يفهمها الا الاسرائيليون وداعميهم، والقطط السمان من الفلسطينيين المنتفعين من السلام الاقتصادي الذي بذر بذوره توني بلير مبعوث اللجنة الرباعية، ومعروف من هو بلير ولا نحتاج الى الاسهاب اكثر.

اخيرا نطالب الرئيس عباس ان “يلجم” وزير خارجيته “المزمن” رياض المالكي، الذي يرش الملح على الجرح الفلسطيني الملتهب بتأكيده على معارضة اي انتفاضة ثالثة، وتهديده لحركة “حماس″ بالغاء المصالحة اذا ثبت وقوفها خلف عملية الخطف هذه، ويكرر استعداد السلطة للبحث عن الخطوفين، والمساعدة في العثور عليهم.

الشعب الفلسطيني، مثل كل الشعوب العربية، هو الذي يملك الاسنان والمخالب، وهو الذي سيدافع عن نفسه ويحرر ارضه ويقيم دولته، اما الرئيس عباس فاسنانه “لبنية” هذا اذا وجدت اساسا.

اوباما يقرر التدخل بالتقسيط في العراق.. ومستقبل المالكي بات على المحك.. ولا نستبعد ذهابه بطريقة “ديمقراطية” مقابل التسليم ببقاء الاسد

 

من تابع خطاب الرئيس باراك اوباما الذي ادلى به في ساعة متأخرة من عصر الخميس وخصصه للاوضاع في العراق ومنطقة الشرق الاوسط بشكل عام، يخرج بانطباع مفادة ان ادارته “مترددة” في التدخل العسكري في العراق وتخشى العواقب ولهذا لن ترسل عشرات آلاف الجنود بعد ان خسرت اربعة آلاف جندي، ولكنها مستعدة لتوجيه ضربات عسكرية جوية اذا “اقتضى الامر” ولكن هذه الضربات مشروطة وليست مجانية.

ولعل النقطة الاهم في الخطاب كله والاجوبة التي رد فيها على اسئلة الصحافيين بعده، ان الرئيس الامريكي رفض رفضا مطلقا الاشارة بأي كلمة دعما او تزكية لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، واستمراره في منصبه الحالي، ولمح، دون ان يصرح، الى انه لم يعد يصلح لقيادة جهود المصالحة في العراق عندما قال ان القادة الذين “يجمعون شمل العراقيين” وحدهم قادرون على مساعدة العراق، ولا نعتقد انه يصنف السيد المالكي ضمن هؤلاء، والا لقال ذلك صراحة، وطالب بالالتفاف حوله.

ووضع المالكي في العراق ليس بالقوة التي يتمتع بها الرئيس بشار الاسد، لان هناك اطرافا شيعية مختلفة معه وتجاهر بذلك علنا، اي ان قاعدته الشيعية ليست موحدة خلفه.

***

ازاحة السيد المالكي من موقعه الحالي قد تتاتى من خلال العملية الديمقراطية العراقية نفسها، ولم يتردد الرئيس الامريكي في الاشارة الى هذه النقطة عندما قال “ان كل الاحزاب ما زالت ملتزمة بتشكيل حكومة حسب الدستور”، وربما يكون التنسيق الامريكي المقبل مع ايران منصبا على تكوين تحالف عراقي وطني يشكل الحكومة الجديدة بدون رئاسة السيد المالكي، ويحظى بالثقة في البرلمان، واشار الرئيس اوباما الى قدرة ايران على لعب دور بناء في العراق تتمثل في اختيار بديل للسيد المالكي وهي قادرة على ذلك ان ارادت، فهناك العديد من القيادات الشيعية التي تتطلع بشوق الى هذه المهمة وتحظى بدعم طهران.

خطاب الرئيس الامريكي كان حافلا بالرسائل المتعددة الاهداف والموجهة لعدة جهات، ابرزها لايران التي قال ان الفوضى على حدودها لا تخدمها ومصالحها وتشكل تهديدا لها، واخرى الى السنة في العراق عندما اكد ان بلاده لن تنحاز الى طائفة ضد اخرى، وان الطائفة السنية تعرضت للاهمال والتهميش ولم تلب مصالحها، وثالثة الى الجوار العراقي والخليجي بالذات عندما قال ان امريكا ستحمي حلفاءها ومصالحها.

مهمة الحل السياسي المنتظر للازمة العراقية ستكون ملقاة على عاتق جون كيري وزير الخارجية الامريكي الذي سيتوجه الى المنطقة خلال الايام القليلة القادمة بتعليمات محددة من الرئيس اوباما ملخصها منع اتساع نطاق الحرب الاهلية من خلال وقف اعمال التحريض من الجانبين والايراني على وجه الخصوص باعتباره الطرف الاقوى، واطلاق عملية سياسية تؤدي الى حكومة وحدة وطنية عراقية تضم السنة والشيعة والاكراد، وعدم اعطاء ملجأ آمنا لمقاتلي الدولة الاسلامية في العراق وتجنيد جميع الاطراف لاعلان الحرب عليها.

التدخل العسكري الامريكي في الازمة العراقية سيكون حذرا، ومشروطا بحكومة مقبولة من كل الاطراف او معظمها، وقيادة قادرة على التجميع لا التفريق، ولا نعتقد ان هذه الصفات تتوفر في السيد المالكي وان لم يقل الرئيس الامريكي هذا بصراحة ووضوح، ولكنه قال “لسنا نحن من نختار قادة العراق”، وهذه عبارة دبلوماسية حمالة الاوجه ومضللة، فامريكا هي التي اختارت المالكي لرئاسة الوزراء ورجحت كفته ولعب سفيرها زلماي خليل زادة الدور الاكبر في هذا الصدد.

الايام المقبلة حاسمة فيما يتعلق بملف الازمة العراقية، ويبدو ان الرئيس الامريكي قذف بالكرة في ملعب الحكومة الايرانية، واستخدم معها اسلوب العصا والجزرة، ومضمون رسالته واضح: “تستطيعون القيام بدور بناء في العراق اذا احترمتم جميع الاطراف ولم تقدموا على خطوات تقود الى حرب اهلية، واذ لم تقوموا بهذا الدور البناء فان نيران الحرب الاهلية وما يترتب عليها من فوضى ستستمد الى داخل حدودكم”.

التدخل الامريكي العسكري الذي يطلبه السيد المالكي وتحالفه لن يكون مجانيا، ومن اجل تثبيته في الحكم، والمضي قدما في نهجه التهميشي والاقصائي، وهذا كان واضحا في معظم نقاط خطاب اوباما، فما كان متبعا طوال السنوات الثماني الماضية من حكمه لن يستمر بعد انهيار قواته في الموصل.

السؤال الذي يطرح نفسه هو عن الثمن او الجزرة، التي يمكن ان تحصل عليها ايران مقابل القيام بالدور البناء الذي يطالبها به اوباما؟

نتكهن بأن هناك عدة مكاسب يمكن ان تحصل عليها ايران في ظل اي تفاهم مع امريكا في الملف العراقي:

الاول: مقايضة في الملفين السوري والعراقي، بحيث يذهب المالكي بطريقة ديمقراطية دستورية مقابل بقاء الرئيس بشار الاسد في سورية، باعتباره يقف في خندق مكافحة الارهاب، حسب التوصيف الايراني.

*الثاني: الاعتراف بايران قوة اقليمية عظمى في المنطقة وتسريع رفع الحصار عنها، وتقديم تنازلات اضافية لها في المفاوضات المتعلقة بملفها النووي.

*الثالث: التسليم بنفوذها القوي الحالي في العراق، ومحاولة القضاء على الجماعات الاسلامية المتشددة وخاصة الدول الاسلامية التي تهدد هذا النفوذ.

التدخل العسكري الامريكي في العراق الذي بات يلوح في الافق، وبدأ من خلال الجولات الاستطلاعية لطائرات امريكية في الاجواء العراقية، وتعهد ادارة اوباما بارسال 300 مستشار عسكري الى بغداد لتدريب قوات المالكي العسكرية ومنع سقوط العاصمة العراقية في قبضة تحالف الدولة الاسلامية السني المتشدد، هذا التدخل لن يكون مأمون العواقب، وقد يعطي نتائج عكسية تماما اذا انحازت الادارة الامريكية لطرف ضد آخر ومحاولة التسليم بالامر الواقع الحالي “وترقيعه”، ولم تلب طموحات المحافظات السنية في العدالة والمشاركة في ادارة دفة البلاد.

الرئيس اوباما كان صريحا عندما قال ان هذا التدخل يأتي من اجل النفط واستقرار اسواق الطاقة العراقية، واستقرار الاسواق لا يمكن ان يتحقق في ظل انفجار حرب اهلية، مما يعني ان الطرف الآخر والثائر في الازمة العراقية الحالية يملك اوراقا قوية لزعزعة هذا الاستقرار.

امريكا تعود الى مسرح جريمتها في العراق ولكن بالتقسيط، ليس دفعة واحدة، على امل اصلاح اخطائها التي وقعت فيها طوال فترة الاحتلال، ولكن احتمالات النجاح هذه المرة قد لا تكون افضل من سابقاتها.

***

تطويق الحرب الاهلية في العراق لن يكون عملية سهلة مضمونة العواقب، واي خطأ في الحسابات ترتكبه القيادتان “الحليفتان” الايرانية والامريكية قد يكون مكلفا جدا، لان وضع ايران في العراق مختلفا كليا عن وضعها في سورية التي لا تجاورها حدوديا، وعليها ان تتذكر دائما ان جرها الى حرب جديدة في العراق ضد جماعات مسلحة مكتفية مالا وعسكريا وتسليحيا قد يشكل استنزافا لها، وتشتيت لجهودها وثرواتها.

ايران تملك الكثير الذي يمكن ان تخسره، لكن ماذا يمكن ان تخسر الدولة الاسلامية في العراق والشام والقوى الاخرى المتحالفة معها في العراق؟

الدولة الاسلامية، اختلف معها البعض او اتفق، باتت تشكل رقما صعبا في المعادلتين العراقية والسورية معا، واي خطة للقضاء عليها ستكون صعبة التنفيذ، فتنظيم “القاعدة” الام استمر في الوجود وتوسعت قاعدته وفروعه رغم الضربات القوية التي جرى توجيهها اليه، والشيء نفسه يقال عن التنظيم نفسه في سورية والعراق.

التدخل الامريكي الاول اعطى تنظيم “القاعدة” وقوات المقاومة العراقية شريان حياة، وطوق نجاة، والمبرر الشرعي للتجنيد والعمل ضد الاحتلال الامريكي، والتدخل الثاني القادم قد يؤدي الى نتائج مماثلة خاصة اذا انحاز لطرف ضد آخر.

الشيء المؤكد حتى الآن ان تقسيم العراق بات الحقيقة الاقوى التي تطل برأسها، وان احتمالات الحرب الاهلية اقوى الآن من اي وقت مصى.

اجيبونا من فضلكم: لماذا لم تتدخل امريكا عسكريا عندما “حررت” “الدولة الاسلامية” محافظة الرقة السورية وتستعد حاليا للتدخل بعدما “استعادة” الموصل.. وكيف يتحول الشيطان الى ملاك.. وهل اصبحت “داعش” قوة عظمى تملك الصواريخ النووية حتى يحتشد العالم كله لسحقها؟

فجأة، وفي اقل من سبعة ايام، وبالتحديد منذ انهيار قوات الجيش العراقي (30 الفا) امام تحالف الدولة الاسلامية وفصائل اخرى (قوات بعثية وجيش المجاهدين) بدأ العالم كله يحشد قواته، واجهزة اعلامه، لاسقاط امبراطورية “داعش” التي اصبحت تشكل خطرا وجوديا على امن العالم وسلامته واستقراره في نظر امريكا واوربا.

قوات الدولة الاسلامية نفسها تقاتل لاسقاط النظام السوري منذ عامين، واحتلت محافظة الرقة، وجوارها، وهي مماثلة لمحاظة نينوى وعاصمتها الموصل، في المساحة وعدد السكان تقريبا، واعدمت قوات سورية بلا رحمة وبدم بارد، ووثقت ذلك في اشرطة فيديو بثتها على مواقعها الخاصة على “اليوتيوب”، ومع ذلك لم يتحرك العالم بأسره ويحشد قواته، ويعقد اجتماعات مكثفة لقياداته الامنية والعسكرية لبحث هذا الخطر الداهم، ولم يستنفر الاعلام الغربي وقنواته وهو الذي اهمل العراق طوال السنوات العشر الماضية.

***

نسأل وبكل براءة: لماذا لم يضع الرئيس باراك اوباما جميع الخيارات، بما فيها الخيار العسكري، على الطاولة عندما اقامت الدولة الاسلامية (داعش) امارتها في الرقة، وطبقت الشريعة الاسلامية، واعدمت من يعارضها من الفصائل الاسلامية الاخرى بما في ذلك جبهة النصرة التي تتبنى افكار القاعدة نفسها؟ ولماذا تسارع الولايات المتحدة للصلح مع ايران والاستعانة بها، والتنسيق معها لاجتثاث “داعش” من العراق وليس من سورية مثلا؟ هل لان العراق غني بالنفط بينما سورية غنية بالفستق الحلبي و”الايس كريم” الشامي اللذيذ؟

ايران حتى قبل اقل من عام كانت حلف الشيطان في نظر الامريكيين وحلفائهم الاوروبيين، وامريكا كانت “الشيطان الاكبر” في نظر الايرانيين، وكانت جميع الخيارات الامريكية والعربية لضرب ايران مطروحة على مائدة الرئيس اوباما الذي ارسل اربع حاملات طائرات، وغواصات مزودة بصواريخ نووية الى مياه الخليج الدافئة المضيافة، فما الذي حدث بالضبط حتى تنقلب المعادلات ويتحول الاعداء الى حلفاء؟

السيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق كان المفضل امريكيا لاعادة بناء الدولة العراقية، وتدخلت الولايات المتحدة ووضعت كل ثقلها خلفه للقيام بهذه المهمة، وابعدت التحالف السني الشيعي (العلماني) بقيادة الدكتور اياد علاوي الذي حصل على نسبة اعلى في الانتخابات البرلمانية، الآن تتهمه امريكا، اي السيد المالكي، بانه هو الذي يدمر الدولة العراقية، رغم انه لم يبن اي شيء في العراق على مدى ثماني سنوات من حكمه المطلق حتى يعكف على تدميره، فلا ماء (في العراق نهران وليس نهرا واحدا) والا كهرباء، ولا امن ولا صحة ولا استقرار، ولا تعايش ولا امل، فقط تحريض طائفي بغيض، وانقسامات حادة بين السنة والشيعة، وبين السنة انفسهم والشيعة انفسهم ايضا، ومن يشكك بقولنا عليه مراجعة تصريحات السيد مقتدى الصدر عن ديكتاتورية السيد المالكي وحكمه.

الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة اركان الجيوش الامريكية قال في شهادة له امام الكونغرس “ان القوات العراقية القت سلاحها في الموصل وهربت لانها كانت متيقنة ان حكومة المالكي غير منصفة في معاملتها لاهالي المدينة”، بينما وضع تشاك هاغل وزير الدفاع الامريكي كل اللوم على “الدولة الاسلامية” والمالكي ايضا لان الاخير لم ينجح في تشكيل حكومة وحدة وطنية في العراق.

مسلسل طويل من الكذب والتضليل والخداع، نشاهد حاليا الحلقة الاولى منه، ومن المؤكد ان الحلقات الاخرى ستكون اكثر اثارة للقرف والغضب معا، لان المشرفين على هذا المسلسل تحالف عراقي ايراني امريكي بريطاني عربي، ونحن العرب والمسلمين، شيعة وسنة، الضحية الاكبر دون جدل.

السيد هوشار زيباري وزير الخارجية العراقي اعلن امس في مدينة جدة حيث كان يشارك في اجتماعات وزراء خارجية منظمة التعاون الاسلامي (منظمة فاشلة بكل المقاييس ولا يستفيد منها او يسمع بها غير العاملين فيها وتديرها السعودية) “ان الحكومة العراقية (منتهية صلاحيتها) طلبت رسميا مساندة واشنطن لتوجيه ضربات جوية للجماعات “الارهابية” طبقا للاتفاقية الامنية الموقعة بين البلدين.

السيد زيباري يكذب في وضح النهار، انه لا توجد اتفاقية امنية بين البلدين، لسبب بسيط “صفق بعضنا له” وهو ان حكومة المالكي رفضت توقيع هذه الاتفاقية لانها تنص على بقاء قوات امريكية في العراق، الامر الذي اصاب اوباما بالغيظ والحرد، وقرر سحب هذه القوات جميعها في عام 2011، وتباهى السيد المالكي وانصاره بهذا الانتصار.

امريكا ستتدخل عسكريا في العراق، وستوجه ضربات جوية، بطائرات بدون طيار (الدرونز) او باخرى بطيار، لتصفية قوات الدولة الاسلامية وحلفائها في الموصل وتكريت والفلوجة وتلعفر وتمنع تقدمها نحو بغداد، سواء بطلب من حكومة المالكي او بدونه، فاذا كان الجيش العراقي الذي جرى انفاق عشرات المليارات من الدولارات على تدريبه وتسليحه ويضم اكثر من 600 الف عنصر فر من امام قوات “داعش” وحلفائها بملابسه المدنية، فهل تستطيع حكومة المالكي منعه، اي سلاح الجو الامريكي، من توجيه هذه الضربات؟ واذا كانت هذه الحكومة عاجزة عن حماية مدن بلادها وشعبها بغض النظر عن مذهبهم الطائفي فهي لا تستحق حكم العراق.

من المفارقة ان الطائرات الامريكية باشكالها كافة التس ستضرب القوات التي استولت على الموصل، ستنطلق من قواعدها في دول “عربية خليجية” تقول قيادتها جهارا انها ضد التدخل العسكري الامريكي في الشأن العراقي، وتدعم قوات الدولة الاسلامية وحلفاءها بشكل مباشر او غير مباشر، ونحن نتحدث هنا عن السعودية وقطر دون اي مواربة، ونسمي الاشياء باسمائها.

***

نحن امام “مؤامرة” ثالثة، غير المؤامرة الاولى في سورية، والثانية في العراق التي تحدث عنها السيد المالكي في خطابه الاخير الذي بثته قناة العراقية، واعترف فيه ان قواته تعرضت الى “نكبه” ولكنها لم تهزم، وبدأت تستعيد زمام المبادرة، وهذه المؤامرة الثالثة هي لزيادة قوة وحرارة لهيب الحرب الطائفية التي اشتعلت وستحرق المنطقة كلها، بما فيها ايران وتركيا، وليس الدول العربية وحدها، ولن تفرق نيرانها بين شيعي وسني فالكل سيكون حطبها والايام بيننا.

امريكا تدخلت في المرة الاولى لتدمير العراق لمصلحة اسرائيل، فحصلت على حكومة طائفية، ومقاومة شرسة ضدها واخيرا تنظيم الدولة الاسلامية، وها هي تستعد للتدخل عسكريا للمرة الثانية بعد عشر سنوات من اقامتها للعراق الديمقراطي الذي يتمتع شعبه بالرخاء والاستقرار باعتباره نموذجا تتمناه دول الجوار العربي، ترى ما الذي ستحصل عليه بعد هذا التدخل الى جانب تقسيم هذه البلد الى عدة كيانات يحكمها امراء الطوائف الجدد؟

امريكا ستضرب من الجو على ارتفاع ثلاثين الف قدم، بينما الذين سيدفعون ثمن هذه الفتنة هم الذين يتواجدون على الارض اي العرب السنة والشيعة، الذين سقطوا وهم في كامل وعيهم وبأعين مفتوحة، في المصيدة الامريكية الجديدة. هل نحن نمثل خير امة خرجت للناس لا نعتقد ذلك.

ايران تكسب الجولة الاولى في العراق.. وامريكا تهمش العرب بتجاهلهم واحتقارهم.. وطائرات “الدرونز″ قد تعطي نتائج عكسية وتضفي “شرعية” على الدولة الاسلامية

عبد الباري عطوان

بعد ما يقرب من اسبوع من سيطرة تحالف “الدولة الاسلامية” وحلفائها على الموصل والفلوجة وتكريت وتلعفر واقتراب قواته من بغداد، يمكن رصد ثلاثة تطورات على درجة كبيرة من الخطورة يمكن ان تؤدي الى قلب المعادلات السياسية، وربما العسكرية في المنطقة كلها وليس سورية والعراق فقط.

*الاول: التقارب الايراني الامريكي، والغزل السياسي المتبادل بين الطرفين الذي قد يتوج بتنسيق كامل بينهما في العراق، ولمواجهة الزحف المسلح نحو بغداد ومدن اخرى.

*الثاني: تلميح جون كيري وزير الخارجية الامريكي اليوم الى ان من ابرز الخيارات التي يمكن ان يتبناها الرئيس الامريكي باراك اوباما في الايام القليلة المقبلة استخدام طائراته بدون طيار “الدرونز″ في العراق لوقف زحف المسلحين وتنظيم “الدولة الاسلامية” على وجه الخصوص.

*الثالث: احكام السلطات الكردية سيطرتها على مدينة كركوك وهو ما لم تستطع فعله طوال السنوات الماضية، الامر الذي يمهد لها الطريق لاعلان “الاستقلال” وانفصال اقليم كردستان كليا عن العراق، فما عرقل هذا الاعلان عدم حسم هوية ومستقبل هذه المدينة المختلطة عرقيا، وتحتوي على معظم الاحتياطات النفطية العراقية الشمالية، وتعتبر “قدس الاقداس″ بالنسبة الى السيد مسعود بارزاني زعيم الاقليم.

***

اللافت ان هناك حالة من الاهمال والتهميش، بل والاحتقار للدول العربية من قبل الادارة الامريكية في مقابل اعتمادها التنسيق مع ايران، والتفاهم معها حول كيفية احباط الهجوم الحالي واستعادة المدن التي سقطت في يد “التحالف السني بقيادة داعش” على حد وصفهم، وهذا اعتراف امريكي واضح بايران كقوة اقليمية عظمى وشريك استراتيجي في المنطقة.

المحور الايراني السوري يحقق تقدما على حساب المحور الخليجي الذي لم يتردد عن اعلان دعمه الكامل لـ “الثورة” التي انطلقت من شمال العراق ضد حكومة المالكي والتحالف “الشيعي” الداعم لها، ولا نعتقد ان التنسيق الامريكي الايراني، لو بدأ فعلا، وهذا مرجح، سيتوقف عند الحدود العراقية بل سيتمدد الى سورية وربما الى مناطق اخرى، وبما يوجه صفعة قوية لهذا المحور الذي انفق المليارات على تسليح المعارضة السورية ودعمها عسكريا واعلاميا.

ايران، اختلفنا معها او اتفقنا، تحقق الانتصار تلو الآخر، في المجالين السياسي والعسكري، والاقليمي والدولي لانها تملك مشروعا، وتحسب خطواتها جيدا، وتدعم حلفاءها وفوق كل هذا وذاك امتلاكها لكل اسباب القوة العسكرية الذاتية، مما خلق لها هيبة عالمية، وشكل قوة ردع في وجه الآخرين، وهي القوة التي اجبرت الادارة الامريكية على التفاوض معها والرضوخ لمعظم شروطها، ورفع تدريجي للحصار المفروض عليها، ونحن هنا نتحدث عن حقائق على الارض لا يمكن تجاهلها او التقليل من شأنها ولا ندفن رأسنا في الرمال مثل آخرين.

اقدام امريكا على استخدام طائرات “الدرونز″ في العراق ضد طرف في الصراع في مواجهة الطرف الآخر، تحت عنوان مكافحة “الارهاب” هو عودة من النافذة الى العراق مجددا، ولكن دون التورط المباشر، اي ارسال قوات المارينز مجددا لتجنب الخسائر البشرية، تماما مثلما يحدث في اليمن وافغانستان وليبيا وقريبا جدا قي سورية.

امريكا تريد السيطرة على الجو وتترك السيطرة على الارض الى حلفائها العراقيين والايرانيين الجدد، اذا استطاعوا ذلك، ولكن هذه السياسة الامريكية الجديدة قد تكون مكلفة علاوة على كونها غير مضمونة النتائج، هذه اذا لم تعط نتائج عكسية.

تدخل امريكا في الصراع في العراق لن يقض على “الارهاب” ولكنه سيضفي “شرعية” اسلامية عليه ويحشد قطاعا من العراقيين خلفه، فطائرات “الدرونز″ هذه ستوحد معظم ابناء الطائفة السنية خلف القوى التي ستطلق على نفسها “مقاومة” ضد التدخل الامريكي وعملائه في العراق، وربما تجد هذه القوى دعما من مختلف انحاء العالم العربي وربما العمق الاسلامي ايضا، مثلما حدث بعد الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003، فالكراهية لامريكا ما زالت قاسما مشتركا بين معظم الشعوب الاسلامية.

الطائرات بدون طيار تعمل في اليمن منذ اكثر من عشر سنوات تقريبا، ولم تنجح مطلقا في القضاء على فرع تنظيم القاعدة في الجزيرة العربية على ارضه، رغم توظيف الجيش اليمني لهذه لمهمة، ودعمه بالاسلحة والذخيرة والتدريب الحديث و”استشارات” خبراء وكالة المخابرات المركزية (سي اي ايه).

وما يقال عن اليمن يقال ايضا عن افغانستان، فمنذ 13 عاما والطائرات بدون طيار تقصف تجمعات حركة “طالبان”، وتغتال رموزها، وقيادات القاعدة، ومع ذلك ازدادت طالبان قوة، واتسعت رقعة سيطرتها على الارض الافغانية، وها هو اوباما يرضخ لمطالبها في الافراج عن خمسة من ابرز قياداتها كانوا محتجزين في قاعدة غوانتانامو مقابل اطلاق سراح جندي امريكي في كسر لقاعدة امريكية ذهبية بعدم التفاوض مع “ارهابيين” والرضوخ لمطالبهم؟

استخدام طائرات “الدرونز″ ادى الى مقتل خمسة آلاف افغاني اكثر من ثلثهم من الاطفال والنساء، فكم مرة القت هذه الطائرات حمم صواريخها على اعراس او مدارس ابتدائية، والشيء نفسه حصل في اليمن، وسيتكرر مستقبلا في العراق، هذا الاستخدام غير اخلاقي وغير قانوني واحد اكبر الادلة على جبن الادارة الامريكية واستكبارها.

***

التركيز على الحلول العسكرية للازمة المتفاقمة في العراق سيزيدها تفاقما، وسيعمق حالة الاستقطاب الطائفي في المنطقة بأسرها، وسيجعل من امريكا والغرب هدفا لهجمات ربما تكون اكثر خطورة من سابقاتها، فالازمة في العراق سياسية، وتعود جذورها الى سياسات التهميش والاقصاء والديكتاتورية تحت عنوان الديمقراطية، وهي ممارسات استمرت طوال السنوات العشر الماضية، وبتشجيع من الاحتلال الامريكي.

المخرج في رأينا يتمثل في عقد مؤتمر لكل الاطراف المؤثرة في الصراع، العراقية منها وغير العراقية، وتشكيل حكومة انقاذ وطني تتمثل فيها كل الوان الطيف العراقي، الطائفي والعرقي بقيادة شخصية تحظى باحترام النسبة الاكبر من العراقيين وكتلهم السياسية، ومعروفة بعدم طائفيتها وحرصها على العراق وهويته الجامعة الموحدة، ومن المؤكد ان هناك العديد من هذه الشخصيات في العراق اليوم.

التدخل العسكري الامريكي هو الداء الاخطر وليس الدواء، فكل مصائب العراق والمنطقة بأسرها جاءت بسبب هذا التدخل الذي يجب ان يرفضه الجميع دون تردد، فقد لدغنا من الجرح الامريكي وخسرنا العراق ومليون من ابنائه ووحدته الترابية والديمغرافية ومن العار ان نلدغ من الافعى نفسها مرة اخرى وفي اقل من عشر اعوام، آن الاوان لكي نتعلم من اخطائنا، ونكون غير اغبياء ولو لمرة واحدة وانا اتحدث هنا عن العرب.

حربان اهليتان بانتظار العراق والنموذج الليبي الدموي غير مستبعد وحرب طائفية سعودية ايرانية بالنيابة على ارضه بدأت فعلا.. والدولة الاسلامية وحلفاؤها عنوان المرحلة الجديدة

يشهد العراق حالة انهيار كامل ومتسارع لما تبقى من الدولة العراقية ومؤسساتها ناهيك عن هيبتها اذا كان لها هيبة، بعد نجاح قوات الدولة الاسلامية في العراق والشام بقيادة ابو بكر البغدادي والقوى المتحالفة معها مثل جنود وضباط الجيش العراقي السابق بقيادة عزة ابراهيم نائب الرئيس صدام حسين، وجيش المجاهدين، وانصار الاسلام، هذا التحالف في السيطرة على محافظتي نينوى (عاصمتها الموصل) وصلاح الدين (تكريت) وتقدم قواته نحو العاصمة بغداد وبات على وشك ان يطرق ابوابها.

البرلمان العراقي فشل الخميس في تلبية مطالب السيد نوري المالكي رئيس الوزراء المنتهية ولايته في اعلان حالة الطوارىء في البلاد لان نصابه، اي البرلمان، لم يكتمل الامر الذي اضاف ازمة شرعية اخرى لازمات العراق المتفاقمة، واثبت وجود حالة “تمرد” في صفوف اعضائه، فاذا كان النصاب لا يتحقق في ظروف تتهدد فيها الدولة بالانهيار فمتى يتحقق؟

تقسيم العراق بات في طريقه الى التكريس النهائي، وسيكون العراقيون محظوظين اذا اقتصر على ثلاثة كيانات (شيعية وسنية وكردية) لان الفوضى من المرجح ان تكون عنوان المرحلة المقبلة الابرز في “محاكاة” اسوأ للنموذج الليبي الدموي الحالي، ولا نستبعد ان نشهد في المستقبل القريب تكرارا لصيغة “المدينة الدولة” على غرار ما حدث في ايطاليا ومحيطها قبل وبعد الامبراطورية الرومانية، اي ان تكون هناك دولة الموصل ودولة البصرة ودولة بغداد ودولة كربلاء وهكذا.

***

العراق يقف حاليا في اعتقادنا على حافة حربين اهليتين قد تنفجران قريبا على نطاق واسع ستحدد نتائجهما ليس صورة الطبعة الثانية من “العراق الجديد” وانما المنطقة العربية المشرقية بأسرها:

*الحرب الاولى: حرب اهلية طائفية بين السنة والشيعة، تكون حربا بالنيابة بين ايران والمملكة العربية السعودية على غرار ما هو حادت حاليا على الارض السورية.

*الحرب الثانية: حرب عرقية، اي بين الاكراد والعرب، وبدأت ارهاصاتها في هجوم تحالف الدولة الاسلامية على مدينة كركوك والاشتباك مع قوات “البشمرغة” الكردية المدافعة عنها استجابة لاستغاثة السيد المالكي بها.

ومثلما اجبرت الحرب في سورية حزب الله اللبناني الى النزول من فوق السور، والزج بقواته فيها علانية الى جانب النظام، فان الحرب الاهلية الطائفية الزاحفة بسرعة الى العراق ستوقع حتما ايران في مصيدتها وبالطريقة نفسها، من اجل استنزافها ماليا وعسكريا، في وقت تتحمل الجزء الاكبر من اعباء الحرب السورية، والتورط في حربين واحدة في سورية واخرى في العراق سيشكل كابوسا مرعبا للقيادة الايرانية.

ابو محمد العدناني احد ابرز قيادات تنظيم “الدولة الاسلامية” والمتحدث باسمه دعا في بيان رسمي مقاتلي تنظيمه الى مواصلة الزحف “جنوبا” نحو العاصمة بغداد ومدينة كربلاء “لان الوطيس لم يحمى بعد.. ولن يحمى الا في بغداد وكربلاء فتحزموا”، وفي المقابل رد السيد مقتدى الصدر بالتهديد باحياء جيش المهدي الذي اقدم على حله تحت ضغط السيد المالكي والقيادة الايرانية، وهناك العديد من الميليشيات الاخرى جاهزة في الجانب الشيعي مثل عصائب اهل الحق، وكتائب العباس، وفيلق بدر، وميليشيا حزب الدعوة.

العملية السياسية في العراق الممثلة في البرلمان وتقاسم السلطة على اسس محاصصة طائفية وعرقية تترنح ايضا، وسقطت معها صيغة التعايش المهلهلة والهشة بين الطوائف، والنخبة السياسية الفاسدة المشاركة فيها من خلال احزاب وتحالفات وكتل ذات طابع طائفي في معظمها، وسيكون السيد المالكي اكبر الخاسرين ايا كانت النتائج، لان فرصته في رئاسة الحكومة للمرة الثالثة باتت محدودة جدا ان لم تكن معدومة.

نزعات السيد المالكي ذات الطابع الطائفي وفشله في تحقيق المصالحة الوطنية، وبناء دولة عصرية حديثة تقوم على التعايش والمساواة والهوية الوطنية الجامعة، وتهميشه للطائفة السنية، كل هذه العوامل ادت الى التفاف ابنائها او نسبة كبيرة منهم وخاصة ضباط النظام السابق الذين يتمتعون بخبرة عسكرية هائلة، بشكل مفاجيء خلف التحالف الحالي بزعامة الدولة الاسلامية.

كثيرون راهنوا على نجاح التحالف “غير المنطقي” بين الجيش السوري الحر وجبهة “النصرة” وفصائل اسلامية اخرى في سورية من جهة وحكومة السيد المالكي وقواتها وانصارها في الجانب العراقي في الجهة الاخرى في “اجتثاث” الدولة الاسلامية والقضاء عليها كليا على جانبي الحدود العراقية السورية، وبمباركة امريكية عربية تركية، ولكن تساقط المدن امام قوات تحالفها الواحدة بعد الاخرى في العراق يؤكد عمليا فشل هذا الرهان في الوقت الراهن على الاقل، واظهار قوة هذا التنظيم في المقابل وقدرته على البقاء وتغيير المعادلات على الارض.

تنظيم الدولة الاسلامية الوارث “الشرعي” لتنظيم القاعدة في طبعته الاصلية الاولى، ونهج او مصعب الزرقاوي “امير” ولاية العراق، بات اكثر قوة وتوسعا من “التنظيم الام”، واصبح زعيمه ابو بكر البغدادي هو الاقرب الى تجسيد شخصية الشيخ اسامة بن لادن وصفاته القيادية من وجهة نظر الكثير من الخبراء في جماعات الاسلام السياسي.

نشرح اكثر ونقول ان تنظيم “الدولة الاسلامية” تنظيم عابر للحدود، لا يحصر قتاله في سورية والعراق فقط، ولا يغلق ابواب عضويته امام اي مقاتل اسلامي يريد الانضمام الى صفوفه، مثل تنظيمات اسلامية اخرى، الامر الذي جعله نقطة جذب لـ “مجاهدين” قادمين من افريقيا واوروبا وامريكا وآسيا ومعظم البلدان العربية في المشرق والمغرب، لان هدفه النهائي مثلما تقول ادبياته هو اقامة دولة الخلافة الاسلامية، ومن المفارقة انه اقام نواة اولى لهذه الدولة بالغاء الحدود السورية العراقية واقامة كيان يمتد من الرقة غربا حتى حدود الانبار شرقا يرفع راياته السود فوق سارياته ويطبق حكم الشريعة فيه.

والاخطر من ذلك ان التنظيم بات مكتفيا ذاتيا على الصعيدين المالي والتسليحي، فقد استولى على ما يقرب من نصف مليار دولار نقدا من البنوك العراقية في الموصل وتكريت بعد السيطرة عليها، وشوهدت قوافل من الشاحنات تمتد لعدة كيلومترات تنطلق من الموصل باتجاه مدينة الرقة، مقر الدولة الاسلامية في الشام، محملة باحدث الاسلحة الامريكية الفتاكة التي تم الاستيلاء عليها من مخازن الجيش العراقي في الموصل وتكريت وغيرها، تماما مثلما تم الاستيلاء على مثيلاتها بعد الهجوم على مخازن الجيش السوري الحر في مدينة اعزاز قرب الحدود التركية.

بعض المحللين استغربوا انهيار وحدات الجيش العراقي في الموصل وتخليها عن اسلحتها ومعداتها بل وملابسها العسكرية والهرب الى كركوك واقليم كردستان العراق امام زحف تحالف قوات الدولة الاسلامية الاضعف تسليحا والاقل عددا (800 عنصر هاجموا الموصل التي يحميها ثلاثون الف جندي عراقي)، والرد على ذلك بسيط جدا فمقاتلو تنظيم الدولة وحلفاؤهم مستعدون لتفجير انفسهم في حاجز او مخفر او مركز للجيش العراقي، ولكن من المستحيل ان تجد جنديا عراقيا مستعد لتفجير نفسه من اجل السيد نوري المالكي وحكومته.

***

لا يمكن ان ننسى او نتناسى في هذه العجالة ونحن نحلل المشهد العراقي ان الغزو الامريكي للعراق الذي تم بدعم عربي للاسف هو المسؤول الاول عن كل هذه الكوارث التي حلت وتحل بالعراق وشعبه ومن ثم، المحاصصة الطائفية التي بذر بذور فيروساتها بول بريمير الحاكم العسكري الامريكي بتوصية من السيد الاخضر الابراهيمي مبعوث الامم المتحدة في العراق، (اعتذر الابراهيمي عن هذا الخطأ رسميا)، والحقها بحل الجيش العراقي، وهي كلها مجتمعة قادت وتقود الى الحروب الاهلية الطائفية والعرقية التي نرى ارهاصاتها ومقدماتها في اسوأ صورها حاليا في هذا البلد.

لا نريد ان ننكأ الجراح اكثر من هذا، ولكننا نختم هذه المقالة بالقول، ودون اي تردد، ورغم معرفتنا المسبقة بآراء من يختلف معنا ويكابر ويعاند بأن العراقيين، شيعة، وسنة، واكراد، سيترحمون على مرحلة ما قبل الغزو الامريكي، ونظام الرئيس صدام حسين، الذي تثبت الايام انه كان عراقيا وطنيا اصيلا ولم يكن طائفيا رغم كل مساوئه في نظر هؤلاء، واراد بناء عراق قوي متعايش يحقق التوازن مع جيرانه ويحافظ على هويته العربية، وينتصر لقضايا امته العربية والاسلامية، ولهذا تآمروا عليه والعراق لانه يشكل خطرا على الغرب واسرائيل.

“تسونامي” الدولة الاسلامية يجتاح الموصل ويؤسس لكيان على جانبي الحدود السورية العراقية وامريكا لن تتجاوب مع استغاثات المالكي والنجيفي وقد تترحم على ايام “القاعدة” وتورا بورا

تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام الذي بات يشكل الصورة الاحدث والاخطر لتنظيم “القاعدة الام” حقق اليوم الثلاثاء اعظم انتصاراته عندما فاجأ كارهيه قبل محبيه، بما في ذلك حكومة السيد نوري المالكي، بالاستيلاء على محافظة نينوي بالكامل، واقتحام سجونها، والافراج عن ثلاثة آلاف معتقل فيها من رجاله، والسيطرة على محطتي تلفزيون وكل البنوك وجميع القواعد العسكرية والامنية.

هذا الانتصار لا يعكس قوة التنظيم وصلابته والخبرات العسكرية الهائلة التي يمثلها رجاله فقط، وانما يعكس ايضا في الوقت نفسه هشاشة الدولة العراقية، ومؤسساتها الامنية والعسكرية، وانهيار معنويات جنودها، فشهود العيان في مدينة الموصل عاصمة المحافظة قالوا ان هؤلاء خلعوا ملابسهم العسكرية، والقوا باسلحتهم على الارصفة، وحرقوا عرباتهم المدرعة وفروا مشيا على الاقدام باتجاه اقليم كردستان، طلبا للسلامة لان الدولة التي يدافعون عنها وهيبتها، والقيادات السياسية التي تتحكم بمؤسساتها لا تستحق الموت من اجلها.

محافظة نينوي تعتبر واحدة من اهم المحافظات العراقية لما تتمتع به من موقع استراتيجي بسبب كونها قريبة من الحدود السورية اولا وتعتبر البوابة الرئيسية للمناطق الكردية التي تتمتع بالحكم الذاتي، وخاصة مدينة كركوك الغنية بالحقول النفطية المحاذية.

***

زحف تنظيم الدولة الى الموصل بعد الفلوجة، واستيلائه على اجزاء من مدينة كركوك، وتقدمه نحو محافظة صلاح الدين، وسيطرته قبل ذلك على مدينة الرقة في سورية، كل هذه المؤشرات تؤكد ان هذا التنظيم بات “دولة داخل دولتين”، اي العراق وسورية معا، وفي طريقه للتمدد الى محافظات عراقية وربما دول اخرى.

اعداد عناصر هذا التنظيم بالآلاف، ولكنهم استطاعوا ان يهزموا الدولة العراقية ومؤسساتها العسكرية والامنية التي يزيد عدد جنودها عن المليون جندي، ومدججين بأحدث الاسلحة الامريكية ويحظون بخبرات عسكرية عصرية اكتسبوها من مدربيهم الامريكان.

الدولة العراقية، اذا كانت هناك دولة فعلا، تقف امام كارثة حقيقية، ولا نعتقد انها ستخرج منها في المستقبل المنظور، لانها اساءت تقدير قوة هذا التنظيم اولا، وتصرفت حكومتها بطريقة طائفية اقصائية، واضاعت كل الفرص لتحقيق المصالحة الوطنية وبناء هوية عراقية جامعة.

السيد المالكي دعا البرلمان لاجتماع طارىء الخميس من اجل اتخاذ قرار باعلان الاحكام العرفية، واستنجد بالعشائر وشيوخها وزعمائها وافرادها، ودعا المواطنين العراقيين الى حمل السلاح ومحاربة الارهاب والارهابيين، ولكننا لا نعتقد انه سيجد الاستجابة التي يتطلع اليها، فاذا كان جنوده قد هربوا بملابسهم المدنية، والقوا بسلاحهم في الشوارع، ولم يقوموا بواجبهم في الدفاع عن المحافظة الاهم في شمال العراق، فهل يتوقع من المواطنين العاديين ان يفعلوا ما عجز عنه هؤلاء الجنود الذين تخلوا عن ابسط واجباتهم؟

استغاثة السيدان المالكي واسامة النجيفي رئيس البرلمان بالادارة الامريكية، او بقوات البشمرغة الكردية، لمساعدتهم في التصدي لزحف عناصر الدولة الاسلامية ربما لا تجد الاستجابة المطلوبة او المأمولة ايضا، فالادارة الامريكية الحالية لا تريد العودة الى العراق مجددا بعد ان خسرت خمسة آلاف جندي علاوة على ثلاثين الف جريح، وثلاثة تريليونات دولار، فهي لا يمكن ان تلدغ من الجحر نفسه مرتان، ومن المستبعد ان تهرع قوات البشمرغة لنجدة السيد المالكي الذي يرفض زعيمها السيد مسعود البرازاني التحالف معه، ويصر على استبداله برئيس وزراء عراقي آخر، واذا استجابت فبشروط تعجيزية ابرزها التنازل عن كركوك درة التاج الكردي.

وصول عناصر الدولة الاسلامية الى كركوك والاستيلاء عليها كليا او جزئيا، سيشكل كارثة اكبر لاقليم كردستان العراق الذي يتنعم بحالة من الاستقرار الامني والازدهار العراقي ليس لها مثيل في منطقة الشرق الاوسط بأسرها، حتى ان البعض وصف اربيل بانها سويسرا الشرق الاوسط.

***

مواجهة الدولة الاسلامية لا تتم، في رأينا، باستدعاء الامريكان والعشائر والبشمرغة وانما بسياسات وعقليات غير طائفية تؤمن بالتعايش ومبدأ الشراكة، ولا نعتقد ان مثل هذه الصفات الجوهرية تتمثل في معظم قيادات النخبة السياسية العراقية في الجانبين السني والشيعي للاسف، وعلى رأسها السيدان المالكي والنجيفي وباقي المنظومة السياسية التي تدور في فلكها.

الولايات المتحدة الامريكية هي التي بذرت بذور الدمار والخراب، ليس في العراق وحده وانما في المنطقة بأسرها، ومن المؤلم ان من مهدوا لغزوها للعراق وتفكيك هياكل حكمه، وحل جيشه، وتكريس المحاصصات الطائفية، هم الذين يقودون عملية التفتيت وعدم الاستقرار.

تنظيم الدولة الاسلامية هو القوة القادمة العابرة للحدود، وهو الخطر الزاحف الذي خرج المستفيد الاكبر من الفوضى الامريكية الخلاقة، والدول الفاشلة التي اوجدتها في ليبيا والعراق وسورية واليمن، ولا نستبعد ان يتخذ من دولته الجديدة على طرفي الحدود السورية العراقية المشتركة منطلقا لهجمات ضد امريكا والدول الاوروبية في المستقبل القريب، فهو على عكس تنظيم “القاعدة” يملك حاضنة اسلامية واجتماعية قوية، واطنان من الاسلحة والعتاد، وموارد مالية ضخمة، عنوانها سيطرته على اكبر مخزونين لاحتياط النفط وصناعته في العراق وسورية، وفوق كل هذا وذاك خبرة “قتالية عالية وحديثة”.

لو كنت مكان الادارة الامريكية واسرائيل والعراق وزعماء الاكراد، وانظمة الحكم في سورية والعراق والاردن وايران والسعودية لشعرت ليس بالقلق فقط، وانما بالرعب من هذا “التسونامي” الذي اسمه الدولة الاسلامية في العراق والشام وبات يجتاح المنطقة وتتهاوى امامه المحافظات والمدن والجيوش.

قراءة سريعة في خطاب “التتويج”: السيسي يعتمد الحلول الامنية.. وليس السياسية لمكافحة “الارهاب” ومنع الفوضى ويتوعد الاخوان المسلمين بالاجتثاث دون رحمة.. وهذه مغامرة خطيرة غير مضمونة النتائج

تابعنا ليلة امس مثل الملايين من العرب، الخطاب الاول للرئيس عبد الفتاح السيسي بعد تنصيبه رسميا، وكان اقرب الى خطاب رئيس حكومة، منه الى خطاب رئيس دولة، لما تضمنه من عرض مطول لبرنامج العمل الذي سيطبقه في المرحلة المقبلة في المجالات الزراعية والصناعية والاقتصادية والامنية والثقافية والاجتماعية، وغيرها.

الرئيس السيسي اسهب في التفاصيل (الخطاب استغرق 55 دقيقة)، وربما يعود سرد ذلك محاولة للرد على بعض الانتقادات التي راجت في الفترة التي سبقت الانتخابات، وركزت على غياب “برنامج عمل” لديه لمرحلة ما بعد الانتخابات، يتناول الخطط الامنية والاقتصادية وكيفية علاج ازمات مصر الضاغطة مثل ازمة البطالة والمحروقات والاستقرار الامني.

لا نتردد في القول دون اي حرج، وبعد التوقف عند جميع المفاصل الهامة ان خطاب الرئيس السيسي كان “عسكري الطابع″ بامتياز، خطاب يتضمن الكثير من العصي والقليل من الجزرات.. خطاب مليء بالتهديد والوعيد، مع اشارات عابرة الى “التسامح” و”الغفران” ومحاولة حل الخلافات عبر الحوار، دون اعطاء الا القليل من التفاصيل وتجنب تسمية الاشياء باسمائها.

***

نشرح اكثر ونقول ان الرئيس السيسي حصر اولوياته الامنية في دحر “الارهاب”، واكد على اقصاء خصومه من العملية السياسية، وحصر هؤلاء بحركة الاخوان المسلمين وحدها دون ان يسميها، عندما قال بالحرف الواحد “اقولها واضحة وجلية: لا تهاون ولا مهادنة، مع من يريد تعطيل مسيرتنا نحو المستقبل الذي نريده لابنائنا” وفي فقرة اخرى قال “اما من اراقوا دماء الابرياء وقتلوا المخلصين من ابناء مصر فلا مكان لهم في هذه المسيرة”، طيب اين سيكون مكانهم؟ لم يجب عن هذا السؤال ولكننا نستأذنه ونجيب نيابة عنه، ونقول انها السجون واعواد المشانق.

الرئيس السيسي تحدث في الخطاب عن مشاريع تطوير التعليم والصحة والزراعة والصناعة، واعادة الريادة المصرية في الثقافة والفنون، وكان لافتا في الوقت نفسه، تركيزه على الجانب الامني والاخطار المستقبلية وهذا تركيز مشروع، بالنظر الى حجم التحديات التي تواجهها مصر في هذا الصدد في الحاضر والمستقبل، وهي تتطلع الى الامن والاستقرار حيث لا تنمية بدونها.

من الواضح ان الدول الخليجية، بقيادة المملكة العربية السعودية، قررت تولي اعباء التحدي الاقتصادي بنفسها وازالتها عن كاهل الرئيس المصري الجديد وحكومته وتجسد ذلك من خلال دعوة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز لعقد مؤتمر للدول المانحة لدعم الاقتصاد المصري، تكون نواتها الدول الخليجية الثلاث التي كان حضورها بارزا في مهرجان التتويج وهي الكويت والامارات الى جانب السعودية، ويبلغ دخلها السنوي مجتمعة ما يقرب التريليون دولار من عوائد تصدير النفط وحدها.

هذه الدول الخليجية تريد ان يركز الرئيس السيسي على الملف الامني، واكمال ما بدأه في اجتثاث حركة الاخوان المسلمين التي تعتبرها مصدر التهديد الابرز لسلطاتها او “اس البلاء”، حسب توصيف الامير الراحل نايف بن عبد العزيز، واستخدام المزيد من الاجراءات الامنية الشرسة في هذا الصدد، ولكن هذا التوجه له مخاطره ايضا، وغير مأمون العواقب.

صحيح ان القوات الامنية المصرية “فضت” اعتصامات رابعة العدوية بشراسة وخلفت الف قتيل على الاقل، واعتقلت جميع قيادات حركة الاخوان من الصفين الاول والثاني واكثر من عشرين الفا من انصارهم، واصدرت المحاكم المصرية احكاما متسرعة ومعدة مسبقا بالاعدام في حق اكثر من الف ومئتي شخص، ولكن هذه الاجراءات، على شدتها، لا تعني ان الحركة “انتهت” مثلما قال الرئيس السيسي في احد مقابلاته التلفزيونية قبل الانتخابات.

ما حدث عمليا ان الحركة انتقلت من فوق الارض الى العمل السري تحتها، وقياداتها الشابة الجديدة التي هي في طور التبلور حاليا، والتعايش مع الواقع الامني الجديد، ربما تكون اكثر شراسة من القيادات التقليدية “الهرمة” من حيث ميلها اكثر الى العنف، وتشبعها، او معظمها، بالرغبة في الثأر والانتقام ومحاولة خلق المصاعب والعقبات في طريق العهد الجديد.

الرئيس جمال عبد الناصر الذي يقتدي به وارثه، الرئيس السيسي نجح في القضاء على حركة الاخوان بصورة مؤقتة، وليس دائمة، لعدة اسباب ابرزها سيادة وطغيان النهج العلماني والاشتراكي على العالم، والمنطقة العربية في حينها، وضعف الحركة الاخوانية وميلها للتوجه الدعوي السلمي، في خطوة ذكية صاغها مرشدها العام السابق عمر التلمساني الذي قابلته في لندن لعدة ايام، وتبني الرئيس عبد الناصر مشروعا وطنيا توحيديا قوميا، التف حوله الشعب المصري او معظمه، والشعوب العربية او معظمها ايضا، عنوانه التصدي للاستعمار الاجنبي الذي يجمع ابناء العالم الثالث جميعا على كراهيته وليس ابناء مصر فقط، ومواجهة المشروع الصهيوني وحشر طاقات الامة في هذا الصدد.

والاهم من كل ما تقدم ان مصر الستينات، وهي مرحلة سطوع نجم الرئيس عبد الناصر و”تحجيم الاخوان”، لم تكن محاطة بدول فاشلة مثلما هو حاصل حاليا في ليبيا والسودان (بدرجة اقل) ومنطقة الساحل الافريقي حيث توجد عشرات 50 مليون قطعة سلاح من كل الانواع والاحجام، وآلاف الاطنان من الذخائر والمئات من الجماعات الاسلامية المتشددة التي لم تنجح آلاف المليارات الغربية في القضاء عليها في افغانستان واليمن وسورية والعراق، تحت مسمى الحرب على الارهاب.

ضعف الاقبال على صناديق الاقتراع في الانتخابات الرئاسية كان ملحوظا، وهو مؤشر واضح على ان الشعبية الكبرى التي حظي بها المشير السيسي بسبب اطاحته بالرئيس المنتخب مرسي لم تعد على حالها وبالقوة نفسها، بعد عام على هذه الاطاحة، رغم محاولات اعلام الشرسة اخفاء هذه الحقيقة عن عامة الشعب المصري المتلقين لبرامجه ونشرات اخباره.

***

مهرجان التنصيب انتهى، وخرج الرئيس السيسي من الظل الى الواجهة، ولم يعد بامكانه الحكم من خلف ستار السيد عدلي منصور الرئيس المؤقت، مثلما كان عليه الحال طوال الاشهر الـ 12 الماضية، وعليه ان يتذكر ان الشعب المصري الذي اجمع على الاطاحة بالرئيس حسني مبارك، واخبر المؤسسة العسكرية على تنفيذ رغبته هذه ثم ساعدت نسبة منه في الاطاحة بالرئيس المنتخب الثاني (محمد مرسي) كسر حاجز الخوف، واصبح اكثر خبرة في اشعال فتيل ثورات التغيير.

سياسة القبضة الحديدية التي نراها مرسومة بقوة في كل فقرات الخطاب وعباراته، وربما لا تعطي ثمارها المرجوه لاصحابها اذا لم تترافق مع الرحمة والحوار والرغبة الحقيقية في التعايش وتحقيق المصالحة الوطنية، فمصر ليست جزيرة منعزلة عن محيطها الاقليمي ومن ثم العالمي فهي تؤثر وتتأثر به، ولعل انخفاض مستوى التمثيل في حفل التنصيب وغياب زعامات عربية ودولية عنه مؤشر آخر يجب ان تتم دراسته بعناية فائقة.

نتفق مع الرئيس السيسي في رفضه للفوضى في مصر بعد ان شاهدناها ونشاهدها بكل وضوح في ليبيا والعراق واليمن وسورية، ولكن ما نختلف معه فيه وبكل قوة هو اعتماده الحل الامني، واسقاط الحل السياسي في الوقت نفسه لمواجهتها، اي الفوضى، والحيلولة دون وصولها الى البر المصري، وهو الحل الذي لم نرصد مطلقا اي اثر لوجوده في خطابه الاخير، فتغييب الحلول السياسية وتغليب الحلول الامنية الطريق الاسرع للفوضى والتفتيت والانهيار الامني وسفك الدماء والحروب الاهلية.