مقالات

فتح وحماس.. ما هو ردكما؟

نختلف مع كل الآراء التي قالت بان لا جديد في خطاب بنيامين نتنياهو الذي ألقاه يوم امس امام الكونغرس الامريكي، لانه كان حافلا بالرسائل المعبرة التي اراد ارسالها الى اكثر من جهة عربية وعالمية:

الرسالة الاولى الى الرئيس الامريكي باراك اوباما بانه ليس حاكم امريكا وانما اللوبي اليهودي الداعم لاسرائيل، فهذا اللوبي هو الذي يقرر السياسات الامريكية وفقا للاملاءات الليكودية.
الرسالة الثانية الى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وتقول مفرداتها انه اضاع وقته، في مهزلة استمرت حوالي عشرين عاما، بعث خلالها الوهم، وهم السلام الى الشعب الفلسطيني، واعتقدت انك تستطيع الوصول الى دولة مستقلة، فالذي يحدد الدولة وهويتها وطبيعة حدودها هو السيد الاسرائيلي الذي يجب ان تقبل يديه صباح مساء، وتشكره على هذه النعمة.
الرسالة الثالثة الى الزعماء العرب، المخلوعين منهم او من هم على الطريق، بان مبادرتهم السلمية باتت منتهية الصلاحية وفاقدة المفعول، وعليكم تجديدها وفق الشروط الاسرائيلية الجديدة، اي التبعية لنا مقابل السلام لكم.
الرسالة الرابعة الى حركة 'حماس'، المطالبة بتغيير جلدها وتمزيق ميثاقها، وحلق لحى قادتها، والا عليها تحمل كل العواقب.
الرسالة الخامسة الى الملايين من العرب سواء داخل الارض المحتلة او خارجها، بانهم عنصريون ديكتاتوريون قمعيون لا امان لهم، ولا سلام معهم.
' ' '
عندما شاهدت اعضاء مجلسي النواب والشيوخ يتصرفون كالبهلوانات، يصفقون لاكاذيب نتنياهو وقوفا، وكأنهم تلاميذ صغار امام استاذهم المتعجرف، شعرت بالخجل من نفسي كإنسان عربي، لان حكامنا، وعلى مدى اربعين عاما على الاقل، كانوا عبيدا عند هؤلاء وحكومتهم، ووزرائها وسفرائها، ولذلك بت اكثر قناعة بان الثورات الشعبية التي انطلقت في اكثر من بلد عربي، يجب ان تستمر وان تتوسع وان تدعم حتى تضع حدا لهذا الهوان الذي نعيشه حاليا، سواء كانت في دول الاعتدال او الممانعة، في دول ملكية او جمهورية، فالجميع شركاء في اهانتنا واذلالنا، من خلال تذللهم ورضوخهم لهذا الهوان الامريكي ـ الاسرائيلي.
نواب الكونغرس الذين صفقوا بحرارة لنتنياهو وقوفا وقعودا، كانوا يصفقون للشخص الذي اهان رئيسهم المنتخب، وكانوا يصفقون لاهانتنا ايضا، وكانوا يصفقون لاهانة القانون الدولي واحكامه ومعاهداته، والقذف بها الى صفيحة القمامة.
لا يمكن ان اصدق ان هؤلاء هم مشرعو الدولة الاعظم في التاريخ، التي تدعي انها زعيمة العالم الحر المدافعة عن قيم العدالة والديمقراطية والانتصار للمظلومين في مختلف انحاء العالم، وحتى مجالس القبائل المتخلفة التي تنتمي الى العصر الحجري لا يمكن ان تتصرف بالطريقة البهلوانية التي تصرف بها نواب الكونغرس.
بحثت طوال الخطاب عن نائب واحد، فقط نائب واحد، لم يصفق وقوفاً، وربما لو كان اوباما جالساً لانضم الى قطيع المصفقين وربما بالحرارة نفسها، لانهم يلتقون جميعاً على مبدأ التبعية لهذا الاسرائيلي المتغطرس الذي يتحدى كل قيم العدالة ومبادئ الانسانية، ويرتكب المجازر ضد الابرياء، بل ويتباهى بها.
هذه الدولة الديمقراطية التي قال عنها نتنياهو انها تحقق حرية العبادة في القدس المحتلة التي يجب ان تبقى عاصمة موحدة للدولة اليهودية هي التي تقتل المسيحيين والمسلمين في لبنان وقطاع غزة، وتهدم منازلهم في المدينة المقدسة، وتحرم الملايين من الفلسطينيين من زيارة مساجدها وكنائسها، بل وتعمل على تقويض اساساتها لهدمها، بئست هذه الدولة وبئست ديمقراطيتها الدموية هذه.
' ' '
الرد العربي يجب ان لا يكون على خطاب نتنياهو، وانما على الاذعان الامريكي له، على الرئيس اوباما الذي يرتعد خوفاً منه ودولته، على الكونغرس الذي يقبل احذيته، فهذا الامريكي الخانع الراكع عند اقدام الظلم الاسرائيلي الفاجر لا يمكن ان يكون وسيط سلام، بل هو نصير للعدوان، وقتل الابرياء، ومصادرة الحريات.
نتنياهو طالب الرئيس الفلسطيني محمود عباس بان يمزق اتفاقه مع حركة 'حماس'، وخيره بينها وبين السلام معه، ونحن هنا لا نطالب الرئيس عباس بان يختار بني اهله ووطنه فقط، وانما ان يعيد الاعتبار لميثاق حركة 'فتح' وادبيات منظمة التحرير الفلسطينية الاساسية، وهي الدولة الديمقراطية الواحدة على كل الاراضي الفلسطينية. فقد قتل نتنياهو، بخطابه يوم امس حل الدولتين، بل نقول انه اطلق عليه رصاصة الرحمة، واسدل الستار على اكذوبة السلام التي صدقها الرئيس عباس والكثيرون من حوله لعقدين من الزمن.
رئيس الوزراء الاسرائيلي اسدى خدمة كبيرة للشعب الفلسطيني بخطابه هذا وما ورد فيه من مواقف صريحة واضحة لا تتضمن اي لبس او غموض مؤكداً ليس فقط على يهودية الدولة، وانما على اسرائيلية القدس المحتلة ايضاً، ورفض عودة اي فلسطيني حتى لو كان في غرفة العناية المركزة الى ارض فلسطين التاريخية، والقسم بعدم العودة نهائياً الى حدود عام 1967.
' ' '
نتنياهو يستحق الشكر ايضاً، لانه ازال الغشاوة عن عيون الكثير من العرب والمسلمين، وكشف الوجه الحقيقي لامريكا ومؤسساتها امام العالم بأسره، والجهة الحقيقية التي ترسم سياساتها، وتضع قراراتها، وتصيغ طبيعة مواقفها. فالذي صفق لنتنياهو هم ممثلو الشعب الامريكي المنتخبون، والرئيس الذي تراجع عن مطالبته بدولة فلسطينية في اطار حدود عام 1967 هو رئيس منتخب، ومن قبل الليبراليين ايضاً.
هؤلاء الذين يصفقون بحرارة لنسف عملية السلام ولمصادرة حقوق شعب مظلوم مضطهد، ولوصف حركة 'حماس' المنتخبة ديمقراطياً بانها النسخة الفلسطينية من تنظيم 'القاعدة' لا يمكن ان يكونوا اصدقاء للعرب والمسلمين، ولا يمكن ان ينتصروا للشعوب العربية وثوراتها ضد الظلم والديكتاتورية وحقها المشروع في الحريات والكرامة، بل هؤلاء نقيض ذلك كلياً.
خطاب نتنياهو، ومن قبله تراجعات اوباما المذلة، هي صرخة قوية لايقاظ النيام العرب. هي دعوة لصحوة عربية.. هي تحريض على المزيد من الثورات.. هي وقود سريع الاشتعال للتطرف بأشكاله كافة.
 
 

نادي الزعماء الممانعين للخلع

اذا كانت هناك وحدة حال تجمع الشعوب العربية المطالبة بالاطاحة بالانظمة الديكتاتورية العربية، واستبدالها بانظمة ديمقراطية منتخبة، فان هناك في المقابل ناديا لزعماء عرب يقفون في الخندق الآخر، ويرفضون مطلب الشعوب هذه، ويصرون على رفض حمل لقب 'رئيس مخلوع' حتى لو ادى ذلك الى انزلاق البلاد الى حرب اهلية دموية، وتدخل خارجي.

الرئيس اليمني علي عبدالله صالح هو عميد نادي الزعماء المتشبثين بالسلطة، رغم ان الزعيم الليبي معمر القذافي اطول منه عمرا في الحكم بعشر سنوات، وهو استحق هذه العمادة، لان صموده امام الثورة الشعبية في بلاده التي تطالب باطاحة نظامه اطول من نظيريه السوري واليمني ونحن نستثني البحرين ليس لاسباب طائفية مثل اجهزة اعلام ودول اخرى، وانما لان هناك تواطؤا عربيا وغربيا غير مسبوق نجح في اجهاض هذه الثورة بالقوة القمعية، وتدخل قوات درع الجزيرة.
لسنا مغرمين بإطلاق الالقاب على الزعماء العرب، ولكن من الصعب تجاهل القدرات الهائلة لدى الرئيس اليمني على المناورة، والرهان على كسب الوقت، بالطرق والوسائل كلها، وهذا ما يفسر بقاءه حتى الآن، وبعد اكثر من اربعة اشهر جالسا على كرسي عرشه، رغم نزول الملايين من اليمنيين الى الشوارع للمطالبة برحيله، وتقديم مجلس التعاون الخليجي طوق النجاة له من خلال مبادرة توفر له خروجا مشرفا من السلطة هو واسرته، ولكنه وبعد تعديل هذه المبادرة اربع مرات، اطلق عليها اخيرا رصاصة الرحمة عندما تقدم بشروط تعجيزية جديدة، وامر اتباعه بمحاصرة مقر الوفد الخليجي في سفارة دولة الامارات لمنعهم من الانتقال الى قصره وافساد حفل التوقيع.
الرئيس صالح نجح في دق اسفين بين احزاب المعارضة (اللقاء المشترك) وبين الشباب الغاضب الذي يتهمها، اي الاحزاب، بالليونة مثلما وضع الدول الخليجية التي سايرته وكظمت الغيظ، لاكثر من ستة اسابيع على مناوراته، في حرج كبير عندما لم يترك امامها اي خيار آخر غير سحب مبادرتها والاعتراف بالفشل، وهي دول ترفض بعناد مثل هذا الاعتراف، ليس في الشأن اليمني فقط، وانما في جميع الشؤون الاخرى، فالذين يخطئون هم الزعماء الآخرون، اما هم فمنزهون عن الفشل او الخطأ او الاثنين معا.
الشباب اليمني عارضوا المبادرة الخليجية منذ البداية، لانهم اكثر معرفة برئيسهم من احزاب اللقاء المشترك وقادتها، ومعظمهم من المفترض ان يفهموا الرئيس اليمني اكثر من غيرهم لانهم عملوا وزراء في حكوماته، وخاصة السيد باسندوة زعيم المعارضة المكلف بالتفاوض نيابة عنها، فهؤلاء اي الشباب، وصفوا التوقيع على اتفاق المصالحة الخليجي بانه 'خيانة' لدماء الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن الثورة، ومطالبة بالتغيير، واثبتت احداث الامس انهم ابعد نظراً من 'حكماء' المعارضة. الذين تجاوزوا مرحلة الشباب بعدة عقود، ومازال بعضهم ينتمي الى مرحلة ما قبل الحرب الباردة فكراً وممارسة وتنظيراً.
' ' '
اليمن يهرول بسرعة نحو حرب أهلية، مهد لها الرئيس اليمني بتحميله مسؤوليتها للمعارضة، لانها لم تذهب الى القصر الجمهوري وتوقع المبادرة الخليجية امامه، تكريساً للاعتراف بشرعيته، طبعاً هذه ذريعة، فإذا كان اصحاب المبادرة هذه (عبد اللطيف الزياني رئيس مجلس التعاون والوفد المرافق له) لم يستطيعوا الوصول الى القصر الجمهوري بسبب الحصار المفروض عليهم من انصار الرئيس اليمني الغاضبين واضطروا للعودة الى المطار على متن طائرة عمودية للنجاة بأرواحهم، فكيف سيصل اليه قادة المعارضة؟
الرئيس اليمني محظوظ بشعبه الطيب والحضاري، لان هذا الشعب الذي يتمتع بجرعة كرامة ربما هي الأعلى بين نظرائه العرب، اقولها دون تردد، ويحتل مرتبة متدنية على قائمة العشرين لاكثر شعوب العالم فقراً، تمسك لأشهر بـ'سلمــــية' ثورته، وتجنب رغم كل استفزازات الرئيس وقناصيه وبلطجــيته، الوقوع فــي مصـــيدة عسكرة ثورته، وهو الذي يملك خمسين مليون قطعة سلاح ناري غير ضعفها من الخناجر.
رفض الرئيس الرحيل على ظهر المبادرة الخليجية الى منفى آمن وفخم في مدينة جدة على ساحل البحر الاحمر بعد ثلاثين عاماً من الحكم، قد يصعد من اغراءات الاحتكام للسلاح في بلد انهكه الفقر، وستون في المئة من سكانه تحت الخمسة والعشرين عاماً، نصفهم عاطلون عن العمل.
' ' '
الحرب الأهلية التي هدد بها الرئيس تعني أحد أمرين: تحول اليمن الى دولة فاشلة تسيطر على جيوبها جماعات متطرفة وعلى رأسها تنظيم 'القاعدة' او التدخل الخارجي مثلما حدث في ليبيا.
الرئيس علي عبد الله صالح باغتياله للمبادرة الخليجية، يريد ان يهدم المعبد فوق رأسه ورؤوس معارضيه، وهو يدرك جيداً ان حلفاءه الخليجيين المتخمين بالثروة سيكونون ابرز المتضررين من حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي ستغرق فيها البلاد حتماً.
نترحم على الرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك، فقد ادركا ان العناد كفر، وان الخروج من الحكم بأقل قدر من الخسائر هو أقصر الطرق لأكبر قدر ممكن من المكاسب لبلديهما، نقولها رغم معارضتنا لهما ونظاميهما البوليسيين القمعيين الدمويين الفاسدين.
 

لا جديد عند اوباما

القاسم المشترك الأساسي بين الرئيس الامريكي باراك اوباما ومعظم الزعماء العرب لا ينحصر في القاء الخطب المطولة فقط، وانما في كونها تعتمد بالدرجة الاولى على البلاغة الكلامية الانشائية والقليل القليل من المواقف الجديدة، وحتى لو كان هناك جديد، فإن حظوظه في التطبيق على الارض تبدو محدودة للغاية.

خطاب الرئيس اوباما الذي القاه يوم امس، وخصصه للحديث عن منطقة الشرق الاوسط، والتحولات الرئيسية فيها، جاء مليئاً بالوعود حول دعم الاصلاح، واقتصاديات الانظمة الديمقراطية الجديدة في مصر وتونس، وبشرنا بنهاية قريبة لنظام الزعيم الليبي معمر القذافي، ووجه انذاراً الى الرئيس بشار الاسد بأن عليه ان يختار بين قيادة الاصلاح الديمقراطي او التنحي عن الحكم، ولم ينس حلفاءه في البحرين عندما طالبهم بالحوار مع المعارضة والافراج عن المعتقلين، وهذا كله كلام معروف سمعناه على لسان اكثر من مسؤول امريكي، ولكن السؤال هو حول الخطوات العملية لتحويله الى افعال على الارض.
نقول هذا الكلام الذي نعترف بانه ينطوي على لهجة تشكيكية، لاننا سمعنا مثله قبل عامين تقريباً في خطابه الاول في جامعة القاهرة، حيث وعدنا، وبكلمات بليغة ايضاً، بسياسة خارجية امريكية جديدة تقوم على العدالة والاخلاق، وبناء علاقات قوية مع العالم الاسلامي، والتزام مطلق بحل القضية الفلسطينية على اساس حل الدولتين ووقف كامل للاستيطان، فماذا جاءت النتائج؟… تراجعاً كاملاً عن كل هذه الوعود، وتبني جميع الاملاءات الاسرائيلية، وفشلاً في اقناع حلفائه الاسرائيليين بتجميد الاستيطان لمدة شهرين فقط.
' ' '
الثورات الشبابية العربية فرضت نفسها بالقوة على الادارة الامريكية، واسقطت انظمة ديكتاتورية كانت تشكل العمود الاساسي لسياستها الداعمة للتغول الاسرائيلي في المنطقة، ومحاولة ركوب هذه الثورات، والادعاء بمناصرتها وتعزيزها هي محاولة لتقليص الخسائر وكسب بعض الوقت لتمكين حكومته من امتصاص عنصر المفاجأة.
اليوم يقول لنا الرئيس اوباما انه قرر التعاطي مع الشعوب مباشرة وليس مع النخب مثلما كان عليه الحال في السابق، هذا جميل ولكن اين هي الشعوب التي يتعامل معها اوباما الآن هل يتعامل مع الشعب السعودي ويتجاوز حكومته، ويدعم مطالبه ببرلمان منتخب وتوزيع عادل للثروة وحقوق الانسان والقضاء المستقل؟ ام ان الدعم الامريكي الانتقائي للثورات يقتصر على الجمهوريات فقط ويستثني الملكيات غير الدستورية.
الرئيس اوباما قال كل شيء ايجابي بكلمات معسولة منمقة حتى وصل الى القضية العربية المركزية فغير لهجته كلياً تجاه الشعب الفلسطيني، فقد توعد بان تصويت الجمعية العامة للامم المتحدة لصالح دولة فلسطينية لن يؤدي الى قيامها، وتبنى الموقف الاسرائيلي الرافض للمصالحة الفلسطينية، وطالب السلطة بالقبول بانسحاب تدريجي وتفهم بل وتنفيذ مطالب اسرائيل الامنية واحتياجاتها، وأصرّ على ضرورة اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة الاسرائيلية.
غاب عن اوباما، وهو الرجل الذكي، ان الغطاء الشرعي الذي تلتحف به اسرائيل لتبرير اغتصابها للارضي الفلسطينية هو قرار صادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة عملت الادارة الامريكية جاهدة على اصداره وتأمين الاغلبية له بكل انواع البلطجة والرشاوى. فلماذا يحق للاسرائيليين الذهاب الى الجمعية العامة لاقامة دولتهم ولا يحق للفلسطينيين ذلك؟ انها الانتقائية الامريكية، والدعم الاعمى لاسرائيل، والاحتقار الكامل للعرب والمسلمين.
خطاب اوباما المساند لاسرائيل، وانتقاداته الخفيفة لها المفتقرة للاسنان، هي التي دفعت بنيامين نتنياهو لاعتماد بناء 1500 وحدة سكنية في مستوطنات القدس الشرقية عشية القاء اوباما لخطابه. فهل هناك تحد ابلغ من هذا واشرس؟
اقرار الرئيس اوباما بخطأ النهــــج السابق للادارات الامريكية بدعم الانظمة الديكتاتورية وانتهاكاتها لحقــوق الانسان، لم يأت كرماً منه، وانما لان الشعوب العربية ثارت، وتثور على هذه الانظمة فاسقطت بعضها ومستمرة في ثورتها لاسقاط ما تبقى، ولن تستطيع الادارة الامريكية وقف عملية التغيير هذه.
الشعوب العربية لا تريد استعادة كرامتها المداسة من الانظمة الديكتاتورية الفاسدة فقط، وانما ايضا وقف الاستكبار والاذلال الامريكيين المتجسدين من خلال الدعم الامريكي المطلق لاسرائيل ومستوطنيها وعدوانها المستمر على الامة العربية.
حديث اوباما عن حدود الدولة الفلسطينية جاء ملغوما، لانه طرح في المقابل حصر المفاوضات المقبلة في قضيتي الامن والانسحابات التدريجية، واسقاط القضيتين الاهم وهما اللاجئون والاحتلال الاسرائيلي للقدس.
نستغرب ان يصر اوباما الذي يمثل دولة علمانية تشكل نموذجا في التعايش بين الاديان والثقافات والاعراق على يهودية الدولة الاسرائيلية، وهو الذي عانى واسرته طويلا من الممارسات والقوانين العنصرية الامريكية، وكان من ابرز الداعين الى تفكيك واسقاط نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا.
' ' '
شبعنا خطابات منمقة، ووعوداً بالسلام، نريد من رئيس الدولة الاعظم، والحليف الاوثق لاسرائيل مواقف شجاعة تقدم حلولا لردع مصدر الارهاب وعدم الاستقرار في العالم وهو الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والمقدسات العربية والاسلامية.
اوباما يعترف بان المنطقة العربية تتغير نحو الديمقراطية وحقوق الانسان وقيم العدالة، وبدون اي تدخل امريكي وهذا جميل، ولكننا نريد ان تتغير الولايات المتحدة الامريكية وسياساتها في المنطقة ايضا وبما يتماشى مع هذه التغييرات العربية وهو ما لا نراه حاليا.
ذكرى النكبة والمسيرات نحو الحدود الفلسطينية ربما تقدم انذارا واضحا للرئيس الامريكي وحليفته اسرائيل الذي اكد التزامه بامنها، فاليوم توجه بضعة آلاف الى هذه الحدود لتأكيد حقهم في العودة، وربما في الذكرى المقبلة للنكبة سيتدفق الملايين من العرب والمسلمين من البر والبحر وربما الجو، ومن كل الاتجاهات فماذا ستفعل امريكا واسرائيل في هذه الحالة؟
الرئيس الامريكي يتحدث لغة قديمة عفا عليها الزمن، لغة تعود الى مرحلة الحرب الباردة، ولا تتماشى مع العصر الحديث والتطورات في المنطقة، والثورات العربية اثبتت انها متقدمة كثيرا حتى على امريكا نفسها، وجبّت كل ما قبلها من انظمة وسياسات وخطابات منمقة.
 
 

الجامعة: اصلحوها او اغلقوها

اختيار السيد نبيل العربي، وزير الخارجية المصري بالاجماع اميناً عاماً لجامعة الدول العربية خلفاً للسيد عمرو موسى المنتهية ولايته يأتي تأكيداً جديداً لعودة الدور المصري بقوة، وبسرعة غير متوقعة، لقيادة العمل العربي المشترك برؤية جديدة، و'تحرير' الجامعة العربية من حال الشلل التي عاشتها طوال العقود الثلاثة الماضية بسبب ضعف امنائها العامين اولاً، ورضوخها، وخاصة في السنوات الاخيرة، للهيمنة الامريكية، ودعمها لعملية سلام عبثية مهينة.

نعترف بان شعورين ينتاباننا منذ اعلان هذه النتيجة، الأول بالفرح لأن الامانة العامة للجامعة ظلت محصورة في مصر دولة المقر، وفي هذا الوقت بالذات الذي تشهد فيه حالة انتقالية من مرحلة الخنوع والتبعية الى مرحلة النهوض والبناء والتغيير الثوري الشعبي الشامل. والثاني الشعور بالقلق، لاننا سعدنا كثيراً بوجود شخصية فذة معروفة بمواقفها الوطنية المشرفة مثل السيد العربي على رأس وزارة الخارجية المصرية في مصر الجديدة، وانتقاله الى الجامعة العربية التي تجسد الفشل القومي العربي في ابشع صوره واشكاله، وبعد فترة قصيرة من رئاسته للدبلوماسية المصرية بشر خلالها بحدوث تحول جذري نحو استقلالية واعدة بالكثير، هو خسارة كبيرة دون ادنى شك.
امام السيد العربي، وقد قبل بهذه المهمة مكرهاً مثلما لاحظنا من كلمته الافتتاحية الاولى امام وزراء الخارجية العرب قبل يومين، مهمة شاقة للغاية، فقد ورث مؤسسة متهالكة ينخرها العجز والفساد معاً، وباتت مأوى للمتقاعدين من دبلوماسيي الانظمة وابناء الذوات الباحثين عن الراحة والامتيازات وبدلات السفر.
الجامعة العربية تحولت الى عنوان للارتجالية، والفساد الاداري، وتجميل الهوان الرسمي العربي، وتبرير سياسات التطبيع مع الاسرائيليين، وتيئيس الشارع العربي، والتبخيس من شأن القضايا القومية لمصلحة اجندات غير عربية بل وغير اسلامية ايضاً.
وربما يجادل البعض بان الجامعة العربية ما هي الا مرآة للانظمة الرسمية التي تمثلها، وامينها العام لا يستطيع ان يكون ملكياً اكثر من الملك، وهذا الجدل نصفه صحيح، ونصفه الآخر هو استمرار للعجز، وتبرير لسياسات 'الفهلوة'، والرغبة في الاستمرار في المنصب لأطول فترة ممكنة، وابقاء الاوضاع على حالها.
سمعنا طوال السنوات الثلاثين الماضية عن العجز المالي، ونقص الامكانيات، ولكن هذا العجز لم يمنع الامناء العامين من السفر طوال اشهر السنة، بل ان بعضهم كان يقضي في رحلاته الخارجية اكثر مما يقضي من اوقات في مكتبه في مقر الجامعة. وهذا العجز لم يؤد الى اغلاق مكتب واحد من مكاتب الجامعة في العواصم الغربية الباهظة التكاليف، او دفع رواتب جيش جرار من الموظفين الكبار والصغار.
' ' '
في العاصمة البريطانية لندن، على سبيل المثال لا الحصر، مكتب للجامعة، اتحدى ان يعرف اسمه واحد على مئة من ابناء الجالية العربية، او نصف في المئة من الصحافيين والاعلاميين العرب والأجانب وانا واحد منهم، ولم اسمع او اقرأ مطلقاً ان هذا المكتب نظم نشاطاً سياسياً او دبلوماسياً او اعلامياً لخدمة القضايا العربية، او نشر مقالاً او تصحيحاً او دفاعاً عن هذه القضايا في الصحف البريطانية طوال السنوات العشر الماضية على الاقل. وما ينطبق على مكتب لندن ينطبق على العديد من مكاتب الجامعة في عواصم عالمية اخرى، واذا كانت هناك استثناءات فهي محدودة للغاية.
الغالبية الساحقة من القرارات التي اتخذها السيد عمرو موسى الامين العام السابق لتطوير عمل الجامعة جاءت بنتائج عكسية في معظم الاحيان، واضافت اعباء ادارية ومالية ضخمة على كاهل الجامعة، فقد عين الدكتورة حنان عشراوي مفوضة للاعلام فلم تعمر في المنصب الا اشهراً معدودة، واصدر فرماناً بتعيين السيد طاهر المصري رئيس وزراء الاردن السابق مفوضاً سياسياً ولم نسمع عن اي نشاط قام به، ولا اعرف شخصياً ما اذا كان يتولى هذا المنصب ام انه هرب مثل السيدة عشراوي ايثاراً للسلامة.
ولعل البرلمان العربي هو ثالثة الاثافي، فقد جاء تشكيله مثالاً بارزاً على الارتجال، فالغالبية الساحقة من اعضائه كانوا يمثلون انظمة قمعية ديكتاتورية عربية بل يمثلون برلمانات مسخاً تضم المطبلين والمزمرين لانظمة تحتقرها شعوبها، وتثور على معظمها لتغييرها باخرى ديمقراطية تحترم حقوق الانسان والانتقال السلمي للسلطة في اطار من الشفافية والمساواة والعدالة الاجتماعية.
الامين العام الجديد يجب ان يزيل هذا العفن، واذا لم يستطع ان يهدم هذا البيت المتعفن من اساسه، ويعيد بناءه وفق قيم ومثل الثورة المصرية الشعبية المباركة التي جاء من رحمها، فإن عليه ان يستقيل ويترك الجمل بما حمل.
ندرك جيداً ان الاصلاح يحتاج الى صبر وتأن وضبط للنفس، وكظم الغيظ، ولكننا ندرك ايضاً ان السيد العربي ليس مثل الامناء العامين السابقين جميعاً، بل هو شخص مختلف، يمثل نظاماً مختلفاً، ويستند الى مرجعية شعبية مشرفة، ولذلك عليه ان لا يقبل الاهانات التي قبل بها الامناء العامون من قبله، وهي كثيرة ولا يتسع المجال هنا لذكرها.
' ' '
خطوات عديدة ينبغي على الامين العام اتخاذها على مدى السنوات المقبلة في اطار استراتيجية نهوض شاملة في مختلف المجالات نلخصها في النقاط التالية:
*اولا: تطهير الجامعة ومكاتبها في الخارج من كل الفاشلين والعجزة، واستبدالهم بوجوه شابة متعلمة مثقفة، بحيث يكون التعيين على اساس الكفاءة وليس الحسب والنسب، والوساطات والمحسوبيات، وليكن العطاء والقدرة عليه هو المعيار، وليس ابن هذا الوزير، او حفيد ذلك السفير، او ابن عم او خال ذلك الحاكم او الرئيس.
*ثانيا: طالما ان هذه الجامعة تمثل الانظمة العربية، فليكن هذا التمثيل منطقيا، اي ليس لصالح توجهات ومواقف سياسية معينة، او انحياز للدول الغنية ضد الدول الفقيرة، او المشرق العربي ضد المغرب العربي مثلا وهكذا.
*ثالثا: التمثيل الجغرافي في المناصب والوظائف والمناصب يجب ان يكون عادلا ايضا، فمن غير المنطقي ان يكون عدد موظفي دول المغرب العربي، وهم نصف التعداد البشري العربي تقريبا اقل من عشرة في المئة من تعداد العاملين في الجامعة.
*رابعا: اعادة الاعتبار الى مؤسسة القمة العربية من خلال ترتيب مؤتمرات حقيقية بجداول اعمال مدروسة على غرار التجمعات الاقليمية الاخرى، والا لا داعي لمثل هذه المؤتمرات اذا كانت مثل الاخيرة التي اتسمت بالفشل وفقدان ثقة المواطن واهتمامه، ناهيك عن اجهزة الاعلام التي تذهب لتغطيتها.
*خامسا: ضرورة وجود الحد الاعلى من الشفافية والمصارحة للرأي العام العربي حول اجتماعات وزراء الخارجية او حتى الزعماء، ففي زمن ثورة الاتصال الحالية، والاعلام البديل الذي فجر الثورات، لم تعد الاساليب البالية القديمة تصلح حاليا، وهذا التحول الاتصالي يتطلب متحدثين لبقين يحترمون عقل المواطن قبل عقل الاعلامي الذي من المفترض ان يمثله في نقل الرسالة السياسية.
*سادسا: اعادة النظر في ترتيب سلم اولويات الجامعة وقضاياها، بحيث يجب ان تعود قضايا التنمية والديمقراطية والاصلاح السياسي على قمة هذا السلم جنبا الى جنب مع القضايا العربية المصيرية ورد الاعتبار للامة العربية امام مشاريع النهوض الاقليمي والدولي غير العربية من خلال دبلوماسية نشطة وفاعلة وعصرية.
*سابعا: اقامة مراكز ابحاث علمية تقدم الدراسات الحديثة التي تفيد صناع القرار، فمن العيب ان نذكر بل ونؤكد ان الجامعة العربية لم تقدم دراسة واحدة مفيدة حول التنمية الاقتصادية والسياسية العربية، او حتى في اي مجال آخر تحظى باحترام الاجانب قبل العرب.
*ثامنا: تنظيم مؤتمرات وندوات علمية حديثة تتناول المجالات كافة، والسياسية والاقتصادية منها على وجه الخصوص، وليس مثل المؤتمرات السابقة التي جاءت شكلية وعقيمة تشارك فيها وجوه محروقة في معظم الاحيان لا تقول شيئا مفيدا يتم اختيارها من منطلق المجاملة والمحسوبية ولتوفير اجازة مريحة في دولة ما لهذا الشخص او ذاك.
لا نريد تقديم صورة متشائمة للامين العام الجديد، ولكنها الحقيقة التي لا يجب ان نتجاهلها، لاننا نعول عليه كثيرا في اصلاح هذه المؤسسة تماما على غرار ما تفعله الثورات الشبابية العربية حاليا، فليس هناك شيء مستحيل اذا توفرت الارادة، ومن يستطيع تغيير اكبر نظامين بوليسيين قمعيين في المنطقة العربية حتى الآن، ويقدم الرئيس حسني مبارك ونسله الى المحاكمة بتهمة الفساد، يستطيع ان يصلح هذه المقبرة المتعفنة التي اسمها الجامعة العربية.
باختصار شديد نقول اصلحوها، واذا تعذر الاصلاح اغلقوها لانها تمثل الديكتاتوريات القمعية الفاسدة، ولم تعد تمثل بذرة الخير التي زرعتها الثورات الشبابية وتريد اقامة نظام عربي جديد مشرف يعيد للامة كرامتها وعزتها.
 

الثورات العربية تفتح الحدود

مواجهات يوم امس الدامية بين الشبان والشابات الفلسطينيين والعرب الذين تدفقوا على الحدود الفلسطينية والحواجز الاسرائيلية في مارون الراس بجنوب لبنان ومجدل شمس في هضبة الجولان، وحاجز قلنديا في الضفة، وبيت حانون في قطاع غزة، هذه المواجهات جاءت تجسيداً لحق العودة، وتذكيراً بالقضية العربية الأهم، بل والإهانة الاكبر التي تجرح كرامة هذه الأمة وكبرياءها.

شكراً للثورات العربية التي اجبرت الانظمة العربية على السماح بتدفق المحتجين الثائرين على الحدود الفلسطينية، للتعبير عن غضبهم وإدانتهم لصمت رسمي استمر لاكثر من ستين عاماً متواصلة.
جميل ان نشهد ارض الجولان تهتز وللمرة الاولى منذ اربعين عاماً تحت اقدام المحتلين الصهاينة، والاجمل منه ان نرى الدماء السورية الزكية تعانق الارض مرة اخرى، وتروي شقائق نعمانها، وتثبت من جديد ان هذه الامة لن تنسى قضيتها وحقوق ابنائها.
جميل ايضاً ان نرى الجنوب اللبناني يسطر ملحمة جديدة، ويقدم عشرة شهداء والعديد من الجرحـــى، لشـــباب مؤمن لم ترهـــبه ادوات المـــوت الاسرائيلية، ليذكـــرنا مجــــدداً، وان كنا لم ننس، امجاد المقاومتين اللبنانية والفلسطينية في مواجهة الغاصب الاسرائيلي، في اروع صور التحدي.
اعتقدنا ان المفاوضات العبثية، ومخططات توني بلير مبعوث السلام المزور، وانشغال السلطة في رام الله في تسول رواتب موظفيها، كلها منفردة او مجتمعة، ادت الى بث روح الخنوع والاستسلام في نفوس ابناء القضية، وها هي مواجهات حاجز قلنديا الدموية في قلب الضفة الصابرة المناضلة، تثبت لنا ان اعتقادنا لم يكن في محله، فنار الغضب ما زالت تحت الرماد، فمن كان يشاهد الشبان والشابات وهم يتصدون للمحتل الاسرائيلي، ويتساقطون جرحى وشهداء بنيران رصاصه الحي، والايمان الممزوج بالغضب المرسوم على وجوههم يدرك جيداً ان هذا الشعب لن يفرط بذرة واحدة من حقوقه، وسيواصل مسيرته حتى نهاية الطريق مهما ارتفع حجم التضحيات.
' ' '
كنا نتمنى لو ان مسيرة ائتلاف شباب الثورة المصرية قد انطلقت من ميدان التحرير نحو الارض الفلسطينية لتكتمل الدائرة، ويضيق الخناق على العدو الغاصب، ولكننا نجد العذر لمصر وشبابها، وهم يمرون في مرحلة انتقالية صعبة لثورتهم الوليدة، فالشباب المصري الذي اعاد لمصر عزتها وكرامتها ودورها لن ينسى فلسطين مطلقاً، ولكن عندما يواجه هذا الانجاز العظيم ثورة مضادة، تريد تفجير حرب طائفية لهز امن البلاد واستقرارها، فان مواجهة هذه المؤامرة التي يحيك خطوطها فلول نظام فاسد مهزوم، بدعم من اسرائيل وقوى عربية لا تريد لمصر النهوض من كبوة الخنوع والتبعية، تظل اولوية قصوى، فاكتمال انتصار الثورة المصرية هي اقصر الطرق ليس لتحرير فلسطين فحسب، وانما الامة العربية بأسرها، فيكفي ان هذه الثورة العظيمة اعادت مصر الينا، بعد ان اعادت مصر الى ابنائها الحقيقيين.
هذه المسيرات الشعبية الاضخم منذ احتلال فلسطين، كل فلسطين، ومن الشمال والجنوب والشرق والغرب، هي التجسيد الحقيقي لحق العودة، مثلما هي التأكيد الاضافي على ان هذا الحق لا يسقط بالتقادم. فرهان اسرائيل على نسيان الاجيال الجديدة لهذا الحق التاريخي المقدس الذي هو اساس القضية الفلسطينية، هو رهان خاسر، اسقطه الشبان والشابات الصغار، ليس في الضفة والقطاع فقط وانما في لبنان وسورية والاردن وكل انحاء الوطن العربي بدون استثناء.
لم أر الاسرائيليين يعيشون حالة من الرعب والهلع مثل تلك التي عاشوها طوال يوم امس، فحالة الاطمئنان النابعة من الثقة الزائدة بغطرسة القوة التي سيطرت عليهم طوال حروبهم الاربع او الست مع العرب تبخرت أمس، وحلت محلها حالة من الخوف والقلق، لأن المتدفقين على الحدود كانوا مسالمين يحملون اعلام فلسطين الغالية، ويتنافسون فيما بينهم على الشهادة… من يستشهد اولاً على ثرى هذه الارض العاشقة لاهلها وابنائها، المتعطشة لدمائهم المقدسة.
لعلها 'بروفة' او محاولة 'تدريبية' لقادم اعظم، فماذا سيفعل الجنود الاسرائيليون اذا ما تدفق على الحدود الفلسطينية التاريخية عشرات الملايين من العرب والمسلمين، هل سيطلقون النار ويقتلون كل هؤلاء، هل سيقصفونهم بقنابلهم النووية؟
' ' '
الثورات الشعبية العربية التي اطاحت بأنظمة فاسدة قمعية ركعت دون حياء تقبل اقدام الاسرائيليين وتقيم العلاقات التطبيعية معهم، وترتهن بالاوامر الامريكية، هذه الثورات المباركة هي مقدمة للثورة الاكبر لانهاء الظلم، وتحرير المقدسات ووضع حد للاستكبار الاسرائيلي بأشكاله كافة.
الشعوب العربية اقوى من الانظمة، وهي بالتالي اقوى من اسرائيل، فكسر عقدة الخوف مع الانظمة الديكتاتورية القمعية، اسهل كثيراً من كسر عقدة الخوف تجاه الاسرائيليين، بل ان الاولى هي التمهيد الطبيعي والمنطقي للثانية، وهنا تكمن نقطة التحول الرئيسية في تاريخ هذه المنطقة وشعوبها التي نرى فصولها تتوالى بسرعة وقوة لم نحلم بها.
اسرائيل ارتكبت مجزرة في مارون الراس الشامخة وثانية في الجولان مخزن العروبة، وثالثة في ضفة الكرامة ورابعة في غزة المحاصرة، مجازر تضاف الى سجل اسرائيل الدموي الحافل بجرائم الحرب، وهي مجازر ستقصر عمر الاحتلال حتماً، وستختصر الطريق الى تحرير الارض الفلسطينية المغتصبة.
نيران الثورة العربية المباركة بدأت تقترب من الثوب الاسرائيلي، وتعيد تسليط الانظار الى مصدر العلل والارهاب وعدم الاستقرار ليس في المنطقة فحسب، وانما في العالم بأسره. فطالما استمر الظلم الاسرائيلي لن تعرف اسرائيل الامن والاستقرار، ومعها العالم الغربي الذي يدعمها ويتستر عليها، ويحميها، ويبرر جرائمها وحروبها، ويضعها فوق كل القوانين الدولية.
نقول، وبقلب مفعم بالفخر، شكراً لشهداء مارون الراس، ولشهداء هضبة الجولان والضفة وغزة، بل شكراً لشهداء جميع الثورات العربية دون استثناء الذين جعلوا لحياتنا طعماً ومذاقاً، يفوح برائحة الكرامة والعزة والتفاؤل بل والنصر القريب.
 
 

خلجنة الاردن.. وشرقنة المغرب

كثيرة هي المفاجآت التي تأتينا من العاصمة السعودية الرياض، ولكن آخرها، وهي دعوة كل من الاردن والمغرب، للانضمام الى مجلس التعاون الخليجي، فوراً دون تردد، نزلت على الكثيرين كالصاعقة، سواء داخل المجلس او خارجه، من حيث توقيتها او الاهداف الغامضة التي ترمي الى تحقيقها.

العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز هو صاحب هذه المبادرة، تماماً مثلما كان ولا يزال صاحب مبادرة السلام العربية في طبعتها الاصلية، ولا يقدم على مثل هذه الخطوات، الا من اجل مواجهة خطر ما يهدد بلاده على وجه الخصوص، ويريد تحصين البيت استعداداً لهذه المواجهة.
احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) (الهجوم على برج التجارة العالمي في نيويورك) ومشاركة 15 سعــــودياً مـــن بين 19 (مجموع عدد المهاجمين)، ورغـــبة المملكـــة في امتصاص الغضـــبة الامريكــــية وتجنب خسارة حليف امريكي استراتيجي، كلها عوامل دفعت العاهل السعودي الى اطلاق مبادرة الســـلام العربية التي تحقـــق اعـــترافا وتطبيعا كاملا مقابل انسحاب اسرائيل من الاراضي العربية المحتلة عام 1967.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو عن الخطر الجديد الذي يقف خلف نسف صيغة مجلس التعاون الخليجي الحالية التي استمرت ما يقرب من الثلاثين عاماً، وكل الادبيات والاتفاقات التي احاطت بها، او تفرعت عنها، واضافة عضوين جديدين ينقصهما الكثير من شروط العضوية الصارمة، وعوامل التجانس الحتمية للانضمام الى هذا النادي المحافظ والمخملي.
هناك من يقول انه الخطر الايراني الذي فرض هذه الاستثناءات في شروط العضوية، وهناك من يجادل بان خروج مصر مما يسمى بمحور الاعتدال كان سبباً قوياً لا يجب الاستهانة به، وثالث يعتقد بان مرحلة الاستقطاب المذهبي الزاحفة الى المنطقة بقوة، والمنطقلة من البحرين بالذات، تحتم تكوين مخزون سني، او بالأحرى عمق امني سني، يعزز دول الخليج المخترقة بخلايا ايرانية، نائمة وصاحية، يمكن ان تزعزع استقرار المنطقة اذا ما اعطيت لها الاوامر من طهران للتحرك.
اختيار الاردن والمغرب لم يكن عفوياً او ارتجالياً فالدولتان تملكان اقوى جهازي مخابرات في الشرق الاوسط، وتقيمان علاقات تحالف استراتيجية مع واشنطن، والاهم من كل ذلك انهما دولتان 'سنيتان' بالمطلق، ولا يوجد فيهما اي مذاهب اخرى، وهذه مسألة على درجة عالية من الاهمية بالنسبة الى العاملين في مطبخ السياسة السعودية على وجه الخصوص.
بعد احتلال القوات العراقية للكويت في آب (اغسطس) عام 1990، استنجدت الحكومة السعودية بنظيرتها الباكستانية لارسال قوات لحمايتها من اي هجوم عراقي على أراضيها اسوة بما حدث في الكويت، وفعلاً لبت الحكومة الباكستانية نداء الاستغاثة فوراً، ووصلت القوات المطلوبة الى حفر الباطن، ليكتشف السعوديون ان من بينها عناصر شيعية، فبادر العاهل السعودي الى الطلب من رئيس وزراء باكستان سحب هذه العناصر بسبب حساسية المنطقة (توجد فيها اقلية شيعية) فاعتذر الباكستانيون بانهم لا يستطيعون ذلك، فجرى صرف النظر عن الاستنجاد بأي قوات باكستانية في المستقبل، وربما هذا العامل هو الذي حتم اللجوء الى المغرب والاردن هذه المرة.
' ' '
من الواضح ان العاهل السعودي، الذي استاء من نجاح الثورة المصرية في اطاحة نظام الرئيس حسني مبارك، ثم غضب من جراء تقديمه واعضاء اسرته، ورجال بطانته الى المحاكم بطرق مهينة، فهو يعتبر الرئيس مبارك رئيس قبيلة، او في منزلته، ورئيس القبيلة لا يمكن ان يخلع او يهان. وهذا ما يفسر حالة البرود التي تسود العلاقات حالياً بين مصر الثورة والمملكة العربية السعودية.
لا نعرف ما هو موقف دول الخليج الاخرى من هذه الخطوة السعودية المفاجئة، وكذلك رد فعل الشعب اليمني الذي وعد بالانضمام الى المجلس ولم يظفر من الجمل الخليجي حتى الآن بغير أذنه، ولكن ما نعرفه ان دولاً خليجية ليست مرتاحة، وعارضت التسرع في ضم الاردن والمغرب دون دراسة وتمحيص الامر الذي يعني اضافة موضوع خلاف جديد الى جانب الخلافات الحدودية القائمة، مثل الخلاف الحدودي الاماراتي السعودي حول شريط العيديد وحقل الشيبة، والخلافات الأخرى مثل العملة الخليجية الموحدة والاتفاقية الامنية، والتنقل بالبطاقة وبعض قوانين الاقامة والعمل.
منطقة الخليج تواجه حالياً خطرين اساسيين الاول هو الطموح الايراني الاقليمي المتصاعد والمدعوم ببرنامج نووي يوشك ان يعطي ثماره، وترسانة من الاسلحة التقليدية الهائلة، والثاني هو الثورات الشعبية التي تجتاح المنطقة وتطالب بالحريات الديمقراطية والشفافية والمساواة وحكم القانون.
العاهل السعودي يريد تشكيل محور جديد لمواجهة الخطر الايراني اولاً، والحفاظ على الملكيات العربية في مواجهة ثورات التغيير، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، وهذا ما يفسر ارسال المملكة ومن ثم دول خليجية اخرى قوات عسكرية الى البحرين لحماية نظامها من الانتفاضة الشعبية المطالبة بالاصلاحات، وهي انتفاضة متهمة بطابعها الشيعي، والدعم الايراني لها.
وربما يكون من السابق لاوانه التشكيك بفرص نجاح المحور الجديد الذي ما زال في طور النمو، ولكن من المفيد في الوقت نفسه تسليط الاضواء على بعض المخاطر في هذا الاطار:
اولا: التجانس في المحور الجديد سيكون على مستوى القمة، اي الاسر الحاكمة، بحكم طابعها الملكي العائلي، ولكنه قد لا يكون كذلك على مستوى القاعدة. بمعنى ان هذا التجانس كان متكاملاً، او الاقرب الى التكامل في مجلس التعاون في شكله الحالي، ومثل توسيعه، اي على صعيدي القمة والقاعدة معاً (الشعوب والحكام) وكان هذا التكامل هو سر استمراره منذ تأسيسه عام 1981 لمواجهة الثورة الايرانية بقيادة الامام الخميني.
ثانيا: ربما يكون انضمام الاردن الى مجلس التعاون يحقق احد الشروط الضرورية، اي الامتداد الجغرافي، ولكن ليس الحال كذلك بالنسبة الى المغرب، الامر الذي يذكرنا بالحال الذي انتهى اليه مجلس التعاون العربي بين العراق ومصر واليمن والاردن للسبب نفسه ولاسباب عديدة ابرزها طموحات الرئيس الراحل صدام حسين في الزعامة، ومخاوف مصر والاردن منها بحكم ارتباطهما بالغرب وامريكا على وجه الخصوص.
ثالثا: العاهل المغربي محمد السادس ليس مثل والده في تطلعه الى المشرق، وهو يفضل التمدد شمالا نحو اوروبا، والابتعاد كليا عن القضايا العربية الشائكة، فلم يعقد إلا اجتماعاً واحداً للجنة القدس التي ورثها عن والده، ولم يستضف اي قمة عربية طارئة او عادية، ومن النادر ان يشارك في هذه القمم في حال انعقادها، ويحرص على الوحدة الوطنية المغربية (تحقق التلاحم بين العرب والامازيغ) اكثر من حرصه على الوحدة العربية والقضايا المتفرعة عنها.
رابعا: الملكية في الاردن والمغرب شبه دستورية، وفي البلدين تعددية حزبية، والحد الادنى من حكم القانون، وصحافة تتمتع بهامش نسبي من الحرية وخاصة في المغرب، بينما الملكيات الخليجية اوتوقراطية، وليست دستورية على الاطلاق، ولا تعرف التعددية الحزبية بل لا تسمح بها. مضافا الى ذلك، ان الاردن والمغرب واجها الانتفاضات الشعبية بتقديم تنازلات واجراء بعض الاصلاحات السياسية والتعديلات الدستورية، بينما واجهتها البحرين بالقمع والحلول الامنية الدموية، اما السعودية فأضافت إليها الرشوة المالية (مئة مليار دولار لتحسين القطاعات الصحية والتعليمية والاسكانية وتوفير المساعدات والوظائف للعاطلين) الى جانب القمع الامني وتضييق مساحة الحريات (تعديل قانون المطبوعات).
* * *
ردود الفعل في المغرب للدعوة الى الانضمام الى مجلس التعاون الخليجي جاءت فاترة، بينما كانت اكثر حماساً في الاردن، الفتور المغربي الرسمي والشعبي، يأتي من الخوف على حدوث انتكاسة في الانجازات الديمقراطية، والاصابة بفيروس الاوتوقراطيات الملكية الخليجية، اما الحماس في الاردن فيعود الى الطموحات المالية والاقتصادية، فالمواطنون الاردنيون يعتقدون ان المليارات ستنهال عليهم وسيتنقلون في العواصم الخليجية بالبطاقات الشخصية كمواطنين اصيلين، وينتقلون من دور 'المكفول' الى دور 'الكفيل' في لمح البصر.
الحذر المغربي مفهوم، اما الحماس الاردني على الصعيدين الشعبي والرسمي فيتسم بالتسرع، فاذا كانت مليارات الخليج، وعلى مدى ثلاثين عاماً من تأسيس مجلسه، والاغاني العذبة حول 'انا خليجي وافتخر' التي تصدح بها الاذاعات والتلفزيونات، لم تهبط على الدولتين الاكثر فقراً وهما البحرين وسلطنة عمان، فهل ستهبط برداً وسلاماً على الاردن؟ نأمل ذلك خاصة في ظل ظروفه الاقتصادية الصعبة جداً هذه الايام.
نخشى ان تكون الحرب الطائفية المنتظرة قد اوشكت وان هذه الحرب تتطلب قوات مغربية واردنية، عسكرية وامنية، لان الولايات المتحدة المتورطة حالياً في حربي استنزاف بشري ومالي في العراق وافغانستان (حرب افغانستان تكلفها سبعة مليارات دولار شهرياً) وثالثة قادمة في ليبيا، لم يعد بمقدورها التورط في حرب رابعة اخطر ضد ايران القوة الاقليمية العظمى.
الاردن يلعب دائماً دوراً وظيفياً خاصاً في الحرب والسلم، في الحرب كوعاء تصب فيه الفوائض البشرية من جيرانه في العراق وفلسطين وسورية، وفي السلم كضمانة للاعتدال على الطريقة الغربية والامريكية خاصة. 
الآن توجد ملامح تدخل غربي قادم الى سورية، ومواجهة مع ايران، ولا بد ان يكون للنظام الاردني 'دور ما' فيهما اذا اقتضى الامر. النظام مستعد لتلبية النداء، مثلما فعل في الحرب الامريكية ضد الارهاب، وهذه التلبية قد تتطلب منها خسائر بشرية، وحتى يهضم الشعب هذه الخسائر ويتقبلها لانها ليست من اجل تحرير فلسطين لا بد من تقديم 'حوافز' او بالأحرى 'رشوة' له، وليس هناك اقوى تأثيراً من حافز 'خلجنته'.
 
 

زوجات بن لادن واستجوابهن

ما زلنا ننتظر تفاصيل اغتيال الشيخ اسامة بن لادن على يد مجموعة كوماندوز امريكية اقتحمت منزله الذي كان يقيم فيه مع بعض زوجاته وأطفاله في ابوت اباد قرب العاصمة الباكستانية اسلام اباد مطلع الشهر الحالي.

حتى هذه اللحظة لم تفرج السلطات الامريكية، عن الصورة التي قالت انها التقطتها لجثة الشيخ بعد اطلاق الرصاص عليه تحت ذريعة انها على درجة كبيرة من البشاعة بحيث يمكن ان تثير غضب اتباع تنظيمه المنتشرين في مختلف انحاء العالم.
آخر الاقتراحات الرائجة في الاوساط الامريكية تفيد بانه قد يتم عرضها على مجموعة منتقاة من اعضاء لجنتي الأمن والاستخبارات في الكونغرس الامريكي داخل مقر وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية (سي. اي. ايه) لاثبات واقعة القتل، وهي مقترحات لو جرى تطبيقها عملياً وفعلياً لن تغير من قناعاتنا، والملايين مثلنا، في اجزاء عديدة من العالم الاسلامي.
الادارة الامريكية التي حاضرت علينا لعقود حول ضرورة تحلينا، نحن ابناء العالم الاسلامي، بـ'الشفافية'، وحرية المعلومات بالتالي، تمارس ابشع انواع الكذب والتعتيم فيما يتعلق بحالة اغتيال رجل اعزل، أُخذ على حين غرة، داخل غرفة نومه، وامام اطفاله الصغار وزوجته.
هناك 'سر خطير' لا تريدنا الادارة الامريكية ان نعرفه، وتحاول بكل الطرق والوسائل تحويل الانظار عنه، وتراهن على عامل النسيان في هذا المضمار، ويتضح هذا بجلاء من خلال الافراج عن اشرطة هزيلة، تتضمن لقطات بلا قيمة اخبارية او معلوماتية، مثل تلك التي تظهره رجلاً مسناً اشيب اللحية يشاهد احد اشرطته التي تبثها قناة 'الجزيرة' الفضائية في حينها عبر جهاز تلفزيون قديم جداً ربما لا نجد له مثيلاً الا في المزابل.
الرجل يتعرض الى عملية اغتيال شخصية حتى بعد استشهاده حسب قول انصاره، ففي البداية قالوا انه يقيم في قصر فاخر، لنكتشف ان منزله متواضع للغاية وثمنه لا يزيد عن مئة وخمسين الف دولار وليس الملايين، ثم قالوا انه 'نرجسي' يتمتع بمشاهدة نفسه وأشرطته عبر التلفزة، فمن منا ومنهم، خاصة رجال السياسة والاعلام من لا يعيد مشاهدة تسجيلات تلفزيونية لمقابلاته لمعرفة أين أصاب وأين اخطأ، أين أجاد وأين قصّر.
ولعل أسوأ أنواع اغتيال الشخصية لرجل ميت، هو الكشف عن العثور عن حبات 'فياغرا عشبية' كانت مدسوسة بين أدويته، وكأن هذا اكتشاف عظيم سيجعل العالم اكثر أمناً واستقراراً، انه هبوط الى القعر الأسفل من انعدام الاخلاق لدولة تدعي انها قائدة العالم الحر وقيمه الحضارية والديمقراطية.
' ' '
مسلسل الكذب مستمر، وأحدث حلقاته التراجع عن رواية استشهاد ابنه حمزة معه، والقول ان الشخص الآخر القتيل هو ابنه الأصغر خالد (لاسامة بن لادن 25 ولداً وبنتاً من خمس زوجات) اما حمزة الذي كان يقيم في المنزل قبيل، او ربما اثناء الهجوم، فقد اختفى عن الانظار.
التقيت الشيخ اسامة بن لادن، ولم أجده نرجسياً، ولا مغروراً، وانما في قمة التواضع والخجل، وكان يفرض التقشف على افراد اسرته جميعاً، حتى انه رفض ان يركب مكيفات هواء في منزله في الخرطوم عندما اقام هناك قبل انتقاله الى افغانستان، حيث تصل درجة الحرارة الى 55 درجة مئوية، حتى لا يتميز عن غالبية السودانيين الفقراء. وأكد ابنه عمر الذي لم يحتمل شظف العيش هذا وعاد الى المملكة العربية السعودية، انه منع عليهم الالعاب والمشروبات الغازية والحلوى والشيكولاته.
الرجل انتقل الآن الى جوار ربه، ولكن ما نختلف حوله، او ما نريد معرفته الآن، هو التفاصيل، فلماذا لم يوار الرجل الثرى مثل كل البشر بغض النظر عن دينهم ومذهبهم وجنسهم. فالامريكان والانكليز لم يدفنوا النازيين الذين تسببوا في قتل عشرات الملايين في البحر بعد تقديمهم الى محاكم عادلة، هل هو الخوف من خروج مئات الالوف، بل ربما الملايين في جنازته لو جرى دفنه في باكستان او المملكة العربية السعودية مسقط رأسه؟
السلطات الباكستانية التي تواطأت في عملية اغتيال الرجل، واذا كانت لم تتواطأ مثلما تدعي، فإنها لم تدافع عن حرمة ارض بلادها وسيادتها عندما لم تتصد للطائرات المروحية الامريكية الاربع التي نفذت العملية، هذه السلطات تحتجز زوجات الشيخ واطفاله تحت ذريعة التحقيق معهم، وهناك تقارير تفيد بانها قد تسلمهم الى الادارة الامريكية.
' ' '
هؤلاء اهلنا، وعرضنا، ولم يرتكبوا اي خطأ او خطيئة، ويجب على كل انسان مسلم ان يدافع عن هذا العرض ـ وعلينا ان لا ننسى اصغرهن السيدة آمال السادة اليمنية الحرة التي دافعت عن زوجها بشجاعة معرضة نفسها للموت من اجل حمايته، واصيبت اصابة بليغة، هذه الانسانة البطلة، التي تذكرنا بالصحابيات الجليلات تستحق منا ان نقف الى جانبها، وان نحفظ كرامتها، ونصون عرضها الى جانب زوجاته الأخريات ـ ويجب ان يتصاعد الضغط على الحكومة الباكستانية للافراج عن هؤلاء فوراً وعدم تسليمهم الى الولايات المتحدة تحت اي ظرف من الظروف، فالاستمرار في احتجاز هؤلاء جريمة كبرى لانهم ابرياء ولا ذنب لهن كونهن زوجات رجل دوخ القوة الاعظم في التاريخ، وجرها الى حربين عظميين في افغانستان والعراق، وكبدها تريليونات الدولارات خسائر مادية وقتل اكثر من خمسة آلاف جندي وعشرات الآلاف من الجرحى، والنزيف ما زال مستمراً.
نأسف لاننا لم نسمع، وبعد مرور اسبوعين تقريبا، مطالبة المملكة العربية السعودية بالافراج عن الزوجات والابناء لرجل سعودي، ونأسف اكثر لان السفير السعودي في اسلام اباد لم يتفضل بالسؤال عن مواطنيه وترتيب انتقالهم الى ارض ابيهم، واجدادهم، للعيش في كنف اسرتهم معززين مكرمين مثل باقي الخلق بعد سنوات من المعاناة، وهي معاناة لا تتحملها الجبال، فليس سهلاً ان تكون ابناً او بنتاً او زوجة لرجل تطارده كل مخابرات العالم لاكثر من خمسة عشر عاماً متواصلة، وينجح في الافلات منها طوال هذه السنوات حتى يدنو اجله.
تنظيم 'القاعدة' لن يضعف باستشهاد زعيمه، بل ربما يزداد قوة، لانه لم يعد مركزياً، والجيل الجديد من قياداته اكثر تشدداً من الحرس القديم المؤسس. وعلينا ان نتذكر ان حركة 'حماس' لم تضعف باستشهاد مؤسسها الشيخ احمد ياسين، وحركة 'الاخوان المسلمين' لم تنقرض باعدام الشيخ الدكتور سيد قطب او بعد اغتيال مؤسسها الشيخ حسن البنا، بل ازدادت قوة وصلابة.
العالم لم يعد اكثر امناً باغتيال زعيم تنظيم القاعدة مثلما بشرنا الرئيس باراك اوباما بعد اذاعة النبأ، ليس لان التنـــظيم سينــتقم حتماً لمقتــــل زعيــــمه، وانما لان الاسباب التي ادت وتؤدي الى نشوء الحركات والتنظيمات المتشددة في العالم الاسلامي، واولها الارهاب الاسرائيلي والدعم الامريكي له، ما زالت على حالها.
الاستقرار والامن لن يسودا العالم طالما ان الدولة العظمى التي لا تلتزم بحكم القانون، وتلجأ الى القتل والتصفية للعزل على طريقة عصابات المافيا، والخارجين على القانون. فالرجل الاعزل كان يستحق ان يقف في قفص الاتهام امام قضاء مستقل ليدافع عن نفسه اسوة بالآخرين الاخطر منه، والاكثر ارهاباً، وعلينا ان لا ننسى ان من قتلوا مليون عراقي في لندن وتكساس ما زالوا ينعمون بالحرية والعيش الرغيد في دول الحكم الديمقراطي الرشيد.
 
 

خطر الفتنة في مصر الثورة

اذا كانت هناك مؤامرة خارجية لخطف الثورات العربية المطالبة بالتغيير الديمقراطي، او تحويلها عن مسارها، فإن ما يجري في مصر حالياً هو التجسيد الحقيقي لها، ونحن هنا لا نتحدث عن الصدامات الدموية الطائفية التي وقعت امس بين مسلمين ومسيحيين في منطقة امبابة فقط، وانما ايضاً عن العديد من جوانب الثورة المضادة، ومحاولات تغذيتها بكل اسباب القوة، من داخل البلاد وخارجها.

باتت الفتنة الطائفية خطرا يهدد مصر، لانها السلاح الوحيد، والفاعل لتمزيق الوحدة الوطنية، واجهاض الثورة الديمقراطية، واعادة مصر مجدداً الى حظيرة التبعية الامريكية والاسرائيلية، مثلما كان عليه الحال، وربما اسوأ، في عهد النظام المصري المخلوع بزعامة الرئيس محمد حسني مبارك ومافيا رجال الاعمال التي كانت تشكل العمود الفقري لبطانته الفاسدة.
صحيح ان الهدوء عاد الى منطقة امبابة الشعبية التي تعتبر واحدا من الاحياء الاكثر فقراً في العاصمة المصرية، بعد حرق كنيستين وصدامات دموية ادت الى مقتل اثني عشر شخصاً على الاقل، ولكن الصحيح ايضاً ان نار الفتنة ما زالت مشتعلة تحت الرماد وان هناك من سيحاول اشعالها في المستقبل القريب اذا لم يتم التصدي لهؤلاء بحزم وسرعة قبل ان يحققوا اهدافهم الكارثية.
فاستمرار حالة 'الرخاوة' الامنية، وعدم قيام قوات الامن بواجبها الوطني في حماية دور العبادة، وانهاء المواجهات الطائفية قبل ان تستفحل وتتسع دائرتها، هو الذي ادى الى هذا العدد الكبير من الضحايا، القتلى والجرحى في مواجهات هي الاسوأ منذ اكثر من ثلاثين عاماً.
لا يشرف الاسلام، دين التسامح ان يتم حرق كنيستين للاشقاء الاقباط، وبسبب اشاعة مغرضة روج لها بعض انصار الثورة المضادة لتأجيج مشاعر البسطاء ودفعهم الى مثل هذا العمل غير المسبوق منذ دخول العقيدة الاسلامية الى ارض الكنانة.
سيدنا عمر بن الخطاب الخليفة الثاني قدم لنا مثلاً مشرفاً، وقدوة حسنة، في احترام الاشقاء النصارى ومعتقداتهم من خلال عهدته العمرية، وعندما رفض الصلاة داخل كنيسة القيامة في القدس حفاظاً على حرمتها، وحتى لا تتحول صلاته الى سابقة يقتدي بها المسلمون من بعده، اما سيدنا عمرو بن العاص فاتح مصر واميرها فقد اعفى الرهبان المسيحيين واديرتهم من الجزية احتراماً لهم، واجلالاً لعقيدتهم.
' ' ' 
نجاح الثورة المصرية، وبالاصرار الذي شاهدناه في وعي شباب ميدان التحرير وصمودهم، والتفاف الشعب المصري بكافة طوائفه وفئاته حولهم، شكل صدمة كبرى لكل قوى الردة، وعصابات القمع والفساد، وخفافيش الظلام، وبقايا عهد التبعية، ولهذا بدأوا، وبمجرد الافاقة ولو قليلاً من وقع هذه الصدمة، مؤامراتهم لتقويض الثورة، وسلب انجازها الكبير في تحرير الشعب المصري من عقدة الخوف، واستعادة كرامته وحريته بالتالي، ووضع مصر على الطريق الصحيح كدولة قائدة ورائدة في محيطها الاقليمي والعالمي ايضاً.
الفتنة الطائفية هي الاختراع الابرز للنظام السابق ورجالاته، وهي الورقة الاقوى التي استخدموها لارهاب الشعب المصري، واجباره على عدم الخروج على هذا النظام، خوفاً على الوحدة الوطنية، وتجنباً للانزلاق في جحيم الاضطرابات الداخلية، وبما يؤدي الى فتح المجال، وتوفير الذرائع للتدخل الخارجي وقواه المتربصة.
نحن لا ننسى، بل لا يمكن ان ننسى، كيف 'فبرك' اللواء الحبيب العادلي وزير داخلية النظام السابق الاعتداء الدموي على كنيسة القديسين في الاسكندرية ليلة رأس السنة الميلادية الماضية، وحاول إلصاق التهمة بجماعة فلسطينية مجهولة، في محاولة يائسة من جانبه لاطالة عمر نظام بدأت اعمدته تهتز، وأساساته تتآكل، بفعل الفساد والقمع وسرقة عرق الفقراء والمحرومين.
نحن لا ننسى، ولا يمكن ان ننسى، كيف لجأ الرئيس المصري الراحل انور السادات، عميد اكاديمية التبعية المصرية للغرب واسرائيل، الى احتضان بعض الجماعات الاسلامية في بداية حكمه، ليس حباً بهم، وايماناً بنهجهم الاسلامي الصحيح، وانما لاستخدامهم كفيلق لضرب الحركات القومية واليسارية، بل ولضرب القوى الوطنية المسيحية التي رفضت قيادتها اصدار فتوى تسمح للاشقاء الاقباط بزيارة القدس المحتلة بعد زيارته المشؤومة لها.
اننا ومثلما ندين مروجي الاشاعات الكاذبة حول احتجاز سيدة قبطية اسلمت داخل كنيسة، وهي اشاعة تبين كذبها، ندين بعض المتطرفين الاقباط الذين تظاهروا امام السفارة الامريكية في القاهرة مطالبين بالتدخل الامريكي لحماية اتباع كنيستهم، فهؤلاء الذين لا يحترمون هويتهم المصرية، وانتماءهم الوطني، لا يمكن ان يمثلوا ملايين الاشقاء الاقباط المعروفين بوطنيتهم، ومشاركتهم العظيمة في بناء مصر الحديثة، وانجاح ثورة 25 يناير جنباً الى جنب مع اشقائهم المسلمين.
' ' ' 
لقد حان للمتطرفين من الجانبين، الذين يخدمون اجندات خارجية بعلمهم او بدونه، ان يدركوا ان تطرفهم هذا اذا ما استمر او بالاحرى قدر له ان يستمر، هو اقصر الطرق لتدمير بلادهم، وفتح الباب على مصراعيه امام مجازر طائفية، وحمامات دماء تعصفا بأبرز انجاز تحقق في تاريخ مصر الحديث، وهو الثورة الشعبية. فليس هناك اسهل من التحريض على الكراهية وتكفير الآخر، وليس هناك اصعب من تطويق آثار الفتنة التي يمكن ان تترتب على هذا التحريض، واسألوا الاشقاء في لبنان لاستيعاب احد اكثر الدروس دموية في هذا المضمار.
لا يمكن في هذه العجالة نسيان الدور الاسرائيلي في بذر بذور الفتنة في مصر، واشعال فتيل الحرب الاهلية، فإسرائيل هي المتضرر الاكبر من نجاح الثورة، وكم سمعنا المسؤولين الاسرائيليين يتحدثون علناً عن تحول مصر الجديدة مصر الثورة الى عدو استراتيجي، واعادة النظر في عقيدة جيشهم واستعداداته وتسليحه لأخذ هذا التحول في عين الاعتبار.
مصر الثورة أعادت لمصر دورها، وانحازت الى قضايا الحق والعدالة في فلسطين، وانهت مرحلة الاستجداء للمساعدات الخارجية، وأرادت اطلاق المشروع العربي النهضوي على أسس جديدة، ولهذا يحجبون الاستثمارات عنها، ويتآمرون عليها، حتى تعود ذليلة راكعة امام بنيامين نتنياهو وهيلاري كلينتون، وهي لن تفعل ذلك حتماً في ظل ابطال ميدان التحرير بوليصة التأمين الاقوى لحماية الثورة وانجازاتها، وتصحيح مساراتها في كل مرة يحاول البعض حرفها عن طريق الصواب، الطريق الذي حفرته دماء الشهداء وأرواحهم وتضحياتهم الرجولية.
 
 
 
 

جمعة التحدي في سورية

نزول عشرات الآلاف من المتظاهرين الى شوارع وميادين معظم المدن السورية في 'جمعة التحدي' يوم امس، وسقوط اكثر من عشرين شهيداً برصاص قوات الامن في حمص وحماة يؤكد ان قطاعاً عريضاً من الشعب السوري لا يخاف الموت، وان انزال الدبابات لمحاصرة المدن لم ينجح في قتل، او اخماد، الانتفاضة السورية.

الانتفاضة في سورية ما زالت سلمية، ترفض كل استفزازات رصاص رجال الامن لتحويلها الى تمرد عسكري رغم الاغراءات وعمليات التحريض الكبيرة القادمة من خارج الحدود، لان درجة الوعي السياسي والاخلاقي عالية جداً في صفوف ابناء الشعب السوري، فهم يدركون مخاطر اندلاع شرارة الحرب الاهلية، وانفجار الفتنة الطائفية، مثلما يدركون ايضاً ان المعركة لن تكون متكافئة مع نظام يملك ترسانة قوية تطفح بأحدث الاسلحة وجيش لن يتردد في استخدامها لسحق اي تمرد اهلي مسلح.
من المؤكد ان الدبابات اقوى من المتظاهرين العزل، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه وهو حول قدرة هذه الدبابات على قتل اكثر من عشرين مليون سوري تخلصوا من عقدة الخوف، ولم يعد يرهبهم الموت، وباتوا يتطلعون، او اعداد كبيرة منهم الى الشهادة.
يخطئ صقور النظام في سورية اذا اعتقدوا انهم يستطيعون سحق الانتفاضة من خلال التغول في القتل، واتباع الحلول الامنية، فها هي الاحتجاجات تدخل اسبوعها السابع تقريباً دون ان تظهر اي علامات وهن او خوف لدى المشاركين فيها، بل ما حدث ويحدث هو ازديادها قوة واتساعاً، بدليل انزال الجيش للدبابات الى الشوارع لحصار المدن والتصدي للمتظاهرين.
صحيح ان الانتفاضة لم تنجح في فرض الاصلاحات الديمقراطية التي تطالب بها منذ اليوم الاول، او تغيير النظام، ولكن الصحيح ايضاً ان الاجهزة الامنية والعسكرية التي تتصدى لها، رغم قوتها وجبروتها لم تنتصر، ولم تحقق هدفها الاساسي في اخماد الاحتجاجات.
المتشددون في النظام السوري، الذين يملكون اليد العليا حتى الآن، يعتقدون ان تقديم تنازلات حقيقية تتجاوب مع مطالب المنتفضين ربما يفسر على انه يعكس ضعف النظام، ولذلك يزيدون من جرعة القمع في التصدي للاحتجاجات، والاستمرار في اعطاء الاوامر بالقتل بالرصاص الحي، وهذا اسلوب انتحاري يفتقد الى الرؤية الواعية التي تستند الى الاستفادة من دروس الاخرين الذين ساروا على النهج نفسه وانتهوا نهاية بائسة.
' ' '
من المفارقة انه بينما كان الرئيس بشار الاسد يقوم يوم امس بوضع اكليل من الزهور على قبر شهداء سوريين سقطوا في مواجهات مع الجيش التركي قبل مئة عام، عندما اطلق النار اي الجيش العثماني، على المتظاهرين الذين كانوا يطالبون بانهاء الاحتلال التركي، كانت قوات الامن والجيش السوري تطلق النار على المحتجين في حمص وحماة. ولا نعرف ما اذا كان الرئيس بشار قد استخلص العبرة من هذه المفارقة، وكيف ان الاحتلال التركي انتهى، وامبراطوريته انهارت، بينما بقي الشعب السوري، وبقيت سورية؟
اجهزة الاعلام السورية تشكك بوطنية المحتجين، وتركز على وجود مؤامرة تستهدف سورية متورطة فيها دول خارجية، وربما يكون الحديث عن المؤامرة ينطوي على بعض الصحة، فسورية مستهدفة دائماً، ولكن الرد على المؤامرة يتأتى من خلال اصلاح البيت الداخلي، وتعزيز الوحدة الوطنية، واطلاق مسيرة الاصلاح الحقيقي.
المعارضة السورية، الداخلية منها او الخارجية، على درجة عالية من الوطنية، واذا كانت هناك جماعات مرتبطة بمشاريع خارجية، وامريكية بالذات، فهي جماعات معزولة كلياً ومنبوذة من كل اطياف الشعب السوري، والشيء نفسه يقال عن وسائلها الاعلامية وقياداتها الممولة من جهات مشبوهة.
الشعب السوري نزل الى الشوارع وواجه الرصاص الحي، لانه لم يعط الفرصة للمشاركة الحقيقية في العملية السياسية، وبالتالي في دوائر وآليات صنع القرار التي تقرر مصيره، وتدير شؤونه، فهذا الشعب الذي يحمل في دمائه جينات العظمة الامبراطورية والحضارية لا يمكن بل لا يجب التعاطي معه وكأنه شعب قاصر.
مازالت هناك فرصة للانقاذ، ولكن عبر الحوار وليس الحلول الامنية وانزال الدبابات لحصار المدن واطلاق النار على المحتجين، ومن المؤلم اننا لا نرى اي مؤشر يطمئننا بان النظام يريد مثل هذا الحوار لان الجناح المتشدد فيه لا يؤمن به، ويراه احد علامات الضعف والوهن، وهو مفهوم خاطئ يعكس رؤية تفتقر الى قراءة صحيحة للمتغيرات العالمية الحديثة التي ابرز عناوينها ثورة المعلومات، واتساع نفوذ وسائل الاتصال الحديثة.
الهجوم على الفضائيات العربية التي تبث وقائع المظاهرات الاحتجاجية، وتعرض صور الشهداء والجرحى التي نراها بين الفينة والاخرى على شاشات التلفزة السورية الرسمية ليس هو الرد الامثل، والشيء نفسه نقوله عن استضافة فنانين كبار لانتقاد هذه الفضائيات وبعض العاملين فيها، فالرد الامثل في رأينا يأتي من خلال فتح البلاد امام الفضائيات والصحف الحرة المستقلة لنقل الوقائع من الميدان، والتعرف على جميع وجهات النظر دون رقابة او ضغوط.
' ' '
الفنانون السوريون قدموا اعمالاً درامية اثرت في الوعي العربي والاجيال الجديدة لمهنيتها الاحترافية العالية، والمواضيع التاريخية والوطنية التي تناولتها وابرزت قيم العدالة والمساواة والثورة على الظلم في العهود المظلمة من تاريخ الامة العربية، بل لا نبالغ اذا قلنا ان هذه الاعمال الدرامية السورية هي التي ساهمت، بل عجلت، باندلاع الانتفاضات العربية في مواجهة الانظمة القمعية والديكتاتورية العربية. ولذلك نتمنى ان تحافظ هذه الدراما ونجومها على صورتها الناصعة في اذهاننا وعشرات الملايين من امثالنا على طول العالم العربي وعرضه.
لا نريد الدمار لسورية، ولا نريد انزلاقها الى هاوية حرب اهلية وفتنة طائفية، تهز استقرارها، وتمزق وحدتها الوطنية، ولا نشك مطلقاً بان الشعب السوري بمختلف قطع فسيفسائه المذهبية، والعرقية والدينية يشاطرنا الحرص نفسه، ولكن القوى التي تدفع نحو الدمار والقتل والحرب الاهلية تزداد قوة ونقولها بكل حسرة والم.
فعندما تفرض قوى غربية عقوبات على بعض الشخصيات السورية داخل النظام وحوله، وتستثني الرئيس بشار الاسد، فهذا يؤكد لنا ما قلناه دائماً، ان العلة تكمن في حرس قديم مازال يفكر بعقلية مرحلة مجازر حماة، ويستخدم ادواتها، ويرفض الحوار، ويعتبر من يطالب بالاصلاح عدواً يجب قتله، ولهذا يستمر حصار درعا ويتواصل سقوط الشهداء في حمص وحماة ومدن اخرى.
بالأمس كانت جمعة التحدي، وقبلها كانت جمعة الغضب، ولا نعرف ماذا سيكون اسم الجمعة المقبلة، وكل ما نعرفه ان الانتفاضة مستمرة ولن تتوقف طالما يرفض اهل الحكم في دمشق الحوار والاصلاح والاستماع الى انين ابناء شعبهم.
 
 

إنهم يكذبون ويريدوننا أن نصدق

قررت ادارة الرئيس الامريكي باراك اوباما عدم نشر صور قالت انها التقطتها للشيخ اسامة بن لادن بعد اطلاق النار عليه وقتله امام اطفاله وزوجته، تحت ذريعة انها صور بشعة يمكن ان تثير حالة من الحنق في اوساط المسلمين عامة، وانصار زعيم تنظيم 'القاعدة' خاصة.

هذه الحجة مردود عليها، ومن السهل تفنيدها، فاذا كان الشيخ اسامة قد استشهد فعلاً في عملية الهجوم الامريكية وفق توصيف مريديه، فان استشهاده في حد ذاته دافع اساسي للغضب والسعي للانتقام، اي ان نشر الصورة، مشوهة كانت او سليمة، لن يغير من هذه الحقيقة شيئاً، ولن يضيف الا القليل القليل لمشاعر الغضب والحنق هذه.
الادارة الامريكية تكذب، ولديها حتماً ما تريد اخفاءه، ومنع اطلاع الرأي العام عليه، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، والسلطات الباكستانية متواطئة معها في هذا المضمار. فهل يعقل ان تصل مروحيات اجنبية الى منطقة تبعد بضعة امتار عن اهم كلية عسكرية في البلاد، وبضعة كيلومترات عن مصنع اساسي للذخيرة، وتهاجم احد المنازل في بلدة 'ابوت اباد' وتقتل مجموعة من السكان وتخطف جثثهم، في عملية استغرقت ما يقرب الساعة دون ان يتصدى لهم احد؟
الرواية الامريكية مرتبكة ومليئة بالثقوب حاول المتحدثون ترقيعها بين الحين والآخر، ولكن دون ان يقنعوا احداً. ففي البداية قالوا ان المنزل الذي اغتيل فيه الشيخ بن لادن وابنه وبعض مرافقيه كان فخماً باذخاً، لنكتشف بعد ذلك، وبعد دخول الكاميرات والصحافيين انه كان منزلاً عادياً جداً قدر خبراء العقار بالمنطقة ثمنه بـ161 ألف دولار امريكي فقط، ولا توجد فيه مكيفات هواء ولا ثلاجات ولا تلفزيونات، وادوات الطبخ فيه عادية جداً، وهذا ليس غريباً، فقد اكد ابناؤه الذين هربوا من افغانستان او السودان حيث اقام شدة تقشفه، ومنعه ادخال اي حلويات او طعام لذيذ، او حتى ثلاجات ومراوح حيث تصل درجة الحرارة الى اكثر من خمسين درجة في الصيف.
اما الكذبة الاخرى فتتلخص في القول بان الرجل استخدم زوجته كدرع بشرية، وانه اطلق النار على المهاجمين، لنكتشف انه كان اعزل باعتراف الامريكيين انفسهم، وان زوجته اليمنية امل السادة اصيبت في ساقها، وجرى اعتقالها مع بقية اطفاله من قبل القوات الباكستانية.
ان اقدام الرئيس الامريكي باراك اوباما على اعطاء الاذن بقتل انسان اعزل يكشف انه ليس رئيساً لدولة ديمقراطية تحترم حقوق الانسان وتلتزم بحكم القانون والقضاء العادل، وانما كأنه رجل يقود عصابة تحترف القتل والخطف والارهاب.
فدولة القانون والحكم الرشيد تعتقل المجرمين او الارهابيين وكل الخارجين على القانون وتقدمهم الى محاكم عادلة، تصدر احكاماً في حقهم، هذا ما فعلته دول الحلفاء اثناء محاكمات نورنمبرغ، وهذا ما طبقته على عتاة النازيين الذين تسببوا في قتل اكثر من اربعين مليون انسان اثناء الحرب العالمية الثانية، ولا نعتقد ان الشيخ اسامة بن لادن اكثر خطورة من هؤلاء. فهل جرى التعاطي معه بهذه الطريقة الوحشية لانه انسان عربي ومسلم؟
' ' '
نتوقف مرة اخرى حول مسألة 'دفن' زعيم تنظيم 'القاعدة' في البحر، ووفقاً لتعاليم الشريعة الاسلامية، حسب اقوال المتحدث الامريكي، فمن هو المفتي الذي اصدر هذه الفتوى، ومن هو الشيخ الذي ام صلاة الميت، والى اي من كتب الشريعة استند.
جميع المذاهب الاسلامية الاربعة تحرم دفن الميت في البحر الا في حالات الضرورة القصوى، كانعدام وجود اليابسة او لبعدها اياماً، ومن منطلق الخوف على جثته من التعفن، وما حدث ان الشيخ بن لادن نقل من البر الى البحر بعد قتله. ثم ماذا عن جثامين نجله ورفاقه الثلاثة الآخرين هل دفنوا بالطريقة نفسها؟
ثم اي حرص على الشريعة الاسلامية هذا الذي يتحدثون عنه بعد قتل الرجل بدم بارد بعد اعتقاله، حسبما ورد على لسان زوجته وابنته الصغيرة (11 عاماً)، ثم القاء جثمانه في البحر لاسماك القرش التي يزخر بها بحر العرب.
هذه ليست تصرفات دولة تقول انها ديمقراطية وتتزعم العالم الحر، وتنصب نفسها مدافعاً عن حقوق الانسان، وترويج هذه الروايات المفبركة والمفضوحة حول عملية الكذب تنسف كل ادعاءات الشفافية.
ان اغتيال زعيم تنظيم 'القاعدة' لتجنب تقديمه الى المحاكمة، يتم للسبب نفسه الذي رفضت وترفض فيه الولايات المتحدة الافراج عن السيد طارق عزيز نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية العراقي الاسبق، وفبركة اتهامات له لاصدار احكام تبقيه خلف القضبان حتى وفاته، اي الخوف من ان تكشف محاكمته عن اسرار يمكن ان تدين الولايات المتحدة وغزوها لافغانستان، وربما حتى دورها الخفي في احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر).
في احدى مشاركاتي في الاذاعة والتلفزيون البريطاني للحديث عن اغتيال زعيم 'القاعدة' حدثت مشادة بيني وبين استاذ جامعي امريكي متخصص في الارهاب، سببها معارضته نشر اي صورة للجثمان، والقبول بالرواية الامريكية كاملة لان الرئيس الامريكي لا يكذب. وعندما اشرت اليه الى كذبة جورج بوش الابن الشهيرة عن اسلحة الدمار الشامل العراقية استشاط غضباً.
في برنامج آخر قال أحد المذيعين بان الشيخ بن لادن ارهابي قتل الآلاف من الغربيين والمسلمين، ولا يستحق ان يقدم الى محاكمة عادلة او الدفن بكرامة، فقلت له هل اقدمت الحكومة البريطانية على قتل الارهابيين الايرلنديين، وقذفت بجثثهم في البحر مثلما فعلت الولايات المتحدة الامريكية؟ والاكثر من ذلك هل قتلت الادارة الامريكية مفجر مبنى محافظة اوكلاهوما، ام قدمته الى محاكمة عادلة؟
' ' '
الاكاذيب الامريكية تؤدي الى حروب واحتلالات، ومقتل مئات الالوف من الابرياء في العراق وقبلها في افغانستان، ولم نر اي رئيس امريكي يقدم الى القضاء بتهمة ارتكاب جرائم الحرب، بل نراهم يكرمون في جنازات رسمية وسط عزف الموسيقى الجنائزية واطلاق قذائف المدفعية اجلالاً وتكريماً.
لا نستغرب موقف الادارة الامريكية، ولكننا نستغرب موقف الحكومة السعودية، فاذا كانت لا تعترف 'بسعودية' الشيخ اسامة بن لادن، لانها اسقطت عنه جنسيتها، فإن اطفاله ما زالوا سعوديين، وكنا نتمنى لو انها امرت سفارتها في اسلام اباد بمتابعة قضية هؤلاء الاطفال، والاطمئنان على احوالهم، بل واصدار جوازات سفر لهم للعودة الى بلادهم واهلهم. ثم اننا لا نعرف لماذا ترفض هذه الحكومة استلام جثة الشيخ اسامة، والسماح لاهله بدفنه على الطريقة الاسلامية بما يحفظ كرامته كمسلم، فقد سلمت جثة جهيمان العتيبي المتهم بالارهاب واقتحام المسجد الحرام في مكة والمتسبب بمقتل العشرات، بعد تنفيذ حد الاعدام فيه واتباعه. فمن حق اسرة بن لادن ان تسترد جثمان ابنها وان اختلفوا معه وعملياته الارهابية مثلما قالوا في بياناتهم التي تنصلوا فيها منه ومن انتسابه اليهم.
بقيت نقطة اخيرة، وهي تتعلق بهيئة كبار العلماء وشيوخ المملكة العربية السعودية، فالاسلام والدعوة اليه لا ينحصران في اصدار فتاوى تؤيد الحاكم وتبرر افعاله، او شؤون الحيض والنفاس، وانما تمتد ايضاً الى مسألة قتل انسان ورمي جثته في البحر، ونشكر شيخ الجامع الازهر الشيخ احمد الطيب الذي لم يتردد لحظة في ادانة هذه المسألة منطلقاً من واجبه كمرجعية اسلامية عليا.
سنظل متمسكين بشكوكنا حول الرواية الامريكية، ومطالبتنا بأدلة واضحة تؤكد اغتيال الرجل، ونجله ومن معه، ادلة من مصادر محايدة ايضاً، فقد علمونا في الصحافة ان الخبر الصادق هو الذي يؤكده مصدران على الاقل، وهذا لم يحدث حتى الآن. كما اننا ننتظر بياناً من تنظيم 'القاعدة' او حركة طالبان باكستان او افغانستان يميط اللثام عن الالغاز الكثيرة التي تحيط بهذه العملية الامريكية الهوليوودية.