مقالات

فلتبدأ السعودية بالاصلاح اولا

يتحسس المسؤولون السعوديون كثيرا عندما يتناول الكتاب العرب بعض القضايا التي تتعلق باوضاعهم الداخلية، وقضايا الحريات وحقوق الانسان وغياب القضاء العادل المستقل على وجه الخصوص، بينما لا يتورعون عن الخوض في قضايا الآخرين الخارجية والداخلية على حد سواء، ولا يرون اي تجاوز او خروج عن المألوف في هذا الصدد.

الصحافة السعودية، والزملاء الكتاب فيها، يسطرون المقالات حول الاوضاع في سورية، وفساد بعض اركان نظامها، ولا ينسون التعريج على غياب حقوق الانسان واستفحال القمع، والتعليق على احداث ليبيا وديكتاتورية نظام القذافي، وانتقاد السلطة الفلسطينية، والغمز في قناة حركة 'حماس'، واحيانا شن هجمات على الطرفين، وهذا امر مشروع ونرحب به، حتى لو كان هذا الخيار الانتقادي انتقائيا، فمن واجب الصحافة والصحافيين التصدي لكل انتهاك لحقوق الانسان او قمع للحريات، والانتصار للديمقراطية والحكم الرشيد.
فالانطباع السائد، او الذي يريد البعض تكريسه، ان الاعلام السعودي بكل اشكاله والوانه ووسائله هو الاعلام العربي الوحيد الحميد والمهني، اما ما عداه فهو مناقض لذلك كليا، وتتحمل انظمة عربية قمعية يسارية المسؤولية الكبرى في هذا الصدد، لانها سكتت اولا عن هذه الظاهرة، وساهمت بذلك في تكريسها، ولانها لم تقدم البديل المهني الآخر الذي يستطيع المنافسة بطرق حضارية، بعيدا عن الصراخ الايديولوجي الفج، وافساح الحد الادنى للرأي الآخر، سواء في القضايا المحلية او العربية.
صحيح ان الاعلام السعودي، والخارجي منه على وجه الخصوص، يتجنب الخوض في القضايا الداخلية التي تتناول مواضيع حساسة مثل الفساد، واضطهاد الرأي الآخر، وغياب الديمقراطية الحقة، وان فعل فباستحياء شديد، ولكن الصحيح ايضا انه نجح بامتياز يحسب له في التغطية على هذا النقص الواضح والكبير من خلال تناول القضايا العربية بطريقة ذكية، وتقديم اعلام 'قومي' يتجاوز الاعلام المحلي، من خلال استضافة خيرة الاقلام والكفاءات العربية، واعطاء مساحة للرأي الآخر.
بمعنى آخر، يمكن القول ان الرأي الآخر مطلوب في القضايا العربية، ومحظور تماما في معظم القضايا المحلية الحساسة. ثم ان هناك تمييزا واضحا في القضايا العربية، فهناك قضايا مسكوت عنها في دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها، قضية الانتفاضة في البحرين على سبيل المثال، وقضايا اخرى مشاعة مثل الانتفاضة الشعبية الديمقراطية في بلاد مثل مصر وسورية وليبيا وربما اليمن ايضا.
' ' '
يوم الاثنين الماضي دعا مجلس الوزراء السعودي جميع الدول العربية التي تعيش ثورات داخلية الى وقف اراقة الدماء والقيام باصلاحات جادة تكفل حقوق الانسان العربي، وقال وزير الاعلام السعودي عبدالعزيز خوجة في ختام اجتماع مجلس الوزراء، 'ان المملكة تدعو الجميع الى تغليب صوت الحكمة والعقل ووقف اراقة الدماء واللجوء الى الاصلاحات الجادة التي تكفل حقوق وكرامة الانسان العربي، وتحقق الاستقرار والحفاظ على وحدة واستقلال الاوطان العربية'.
هذا البيان يأتي بعد دعوة مماثلة اصدرها الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، لمح فيها الى سورية دون ان يذكرها بالاسم، بينما ذهب شقيقه تركي الفيصل، الذي لا يشغل اي منصب حاليا، منذ تركه منصبه الاخير كسفير لبلاده في واشنطن، وقبلها رئيس لجهاز الاستخبارات العامة، ذهب الى ما هو ابعد من ذلك عندما وصف في حديث لمحطة الـ'بي بي سي' التلفزيونية العربية، بان ما حدث في مصر ليس ثورة، واشاد بالرئيس المخلوع مبارك كحليف قوي، واكد ان السعودية لا تتخلى عن حلفائها، ونفى وجود شيء اسمه 'ربيع عربي'.
لا نجادل في حق مجلس الوزراء السعودي في تقديم النصائح للدول الاخرى بالحكمة والتعقل، والقيام بالاصلاحات الجادة، فهذا سعي يشكر عليه، ويقدر له، كما اننا لا نعترض مطلقا على تدخل امراء او كتاب سعوديين في شؤون داخلية او خارجية لدول عربية اخرى، ولكن ما نتمناه ان تبدأ المملكة العربية السعودية في تطبيق الاصلاحات الجادة التي تبشر بها في داخل المملكة نفسها، وتقدم لنا القدوة والنموذج في هذا الصدد.
فالمملكة العربية السعودية بحاجة الى اصلاحات جذرية وليست جادة فقط، في مختلف الميادين، من حيث انتخاب مجلس شورى بصلاحيات كاملة، وفي انتخابات تشارك فيها المرأة جنباً الى جنب مع الرجال كمرشحة وناخبة، ووضع دستور عصري ينظم شؤون الحكم ويحدد واجبات المواطن قبل حقوقه، ويشدد بشكل صريح على ملكية دستورية واضحة المعالم، ويؤسس لقيام القضاء العادل المستقل، وتحقيق الشفافية.
نعترف بأن الامن السعودي لا يطلق النار ويقتل المئات او الآلاف مثلما حصل في مصر وسورية وتونس وليبيا التي شهدت انتفاضات شعبية عارمة للمطالبة بالتغيير الديمقراطي، والسبب ان هذا الامن لم يختبر بعد، وربما لو نزل الشباب السعودي بالآلاف الى الشوارع على غرار نظرائه في الدول الاخرى لتصرف هذا الأمن بالطريقة نفسها للحفاظ على العرش، تحت عنوان الحفاظ على الاستقرار ومواجهة الجماعات الارهابية المسلحة.
' ' '
السلطات السعودية التي يدخل خزينتها سنوياً اكثر من 350 مليار دولار كعوائد نفطية، تستطيع ان تمتص الصدمات الشعبية، وتشتري صمت الشباب العاطل الغاضب من خلال رصد مئة مليار دولار لزيادة الرواتب، وتقديم اعانات بطالة، وبناء مئات الآلاف من الوحدات السكنية، والغاء اقساط ديون لمواطنين فقراء، وهذه خطوات جيدة نقدرها، ولكن هذا لا يعني ان الخطر قد زال، فالشعب السعودي، مثل كل الشعوب العربية الاخرى يريد الاصلاحات السياسية الجادة التي طالب مجلس الوزراء السعودي الدول الاخرى بتطبيقها فوراً دون تلكؤ.
صدمتنا كانت كبيرة عندما قرأنا احصاءات رسمية تقول ان اكثر من مليوني شاب سعودي تقدموا بطلب اعانات بطالة من المراكز التي خصصتها الدولة، وهي اعانة في حدود 500 دولار شهرياً. وتدفع للمرة الاولى في تاريخ المملكة، الرقم ضخم بكل المقاييس، اي عدد العاطلين وليس حجم الاعانة ويوازي اكثر من عشرة في المئة من مجموع السكان، واذا اضفنا الفتيات العاطلات والمحرومات من الكثير من الوظائف فان هذا الرقم يتضاعف عدة مرات.
نشدد على حرصنا على امن واستقرار ووحدة اراضي جميع الدول العربية دون اي استثناء بما في ذلك المملكة، ونؤكد ان بعض الانتكاسات التي تتعرض لها بعض الثورات العربية الديمقراطية في الوقت الراهن هي من الامور الطبيعية والمتوقعة في ظل حكومات ديكتاتورية جثمت على صدر الشعوب لعقود، فالثورات لا تعطي ثمارها جميعاً بين يوم وليلة، وهناك قوى عديدة تريد اجهاضها وحرفها عن اهدافها، ولكن الامر المؤكد ان عصر الاضطهاد والقمع واذلال المواطن والمس بكرامته الوطنية والشخصية قد بدأت حجارته في التساقط الواحدة تلو الاخرى.
هناك خطوات عديدة للاصلاح الجاد يعرفها الجميع ولا نريد سردها، ولكننا نضيف اليها خطوة اخرى نرى انها ضرورية ايضا وهي ان يتواضع اشقاؤنا المسؤولون السعوديون في التعاطي معنا، نحن الذين لا نملك العوائد النفطية الهائلة، والاعلام الباذخ، وان يكفوا عن القاء المحاضرات والمواعظ علينا من عليائهم.
اخيراً نسأل وبكل براءة: لماذا يعتبرون كل من ينتقد السعودية ويطالب بالاصلاح فيها جنباً الى جنب مع الدول الاخرى معادياً لها وللخليج من بعدها، بينما لا ينطبق الاعتبار نفسه عليهم ومسؤوليهم اذا انتقدوا سورية ومصر والعراق ولبنان واليمن والسودان وباقي منظومة الفقر المالي والاعلامي العربية الاخرى؟
 
 

التهافت الليبي على اسرائيل

يصعب علينا ان نفهم او نتفهم هذا التهافت الليبي، سواء من حكومة طرابلس، او ثوار بنغازي، ومجلسهم الوطني، على مغازلة اسرائيل، واستجداء التطبيع معها، وتقديم العروض المغرية لليهود الليبيين لكسب ودهم، ونيل رضاهم، وحثهم على العــــودة الى ليبــيا معززين مكرمين، وفي مثل هذا الوقت بالذات لاسباب ليست لها علاقة بالانسانية او التسامح.

بعد شهر من ايفاد المجلس الوطني الانتقالي الليبي في بنغازي الفيلسوف الفرنسي برنارد هنري ليفي المعروف بدفاعه المستميت عن الصهيونية الى تل ابيب حاملاً رسالة الى بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل تؤكد على الرغبة في الاعتراف واقامة علاقات طبيعية، ها هو العقيد معمر القذافي امين القومية العربية، يصدمنا مرة اخرى بارسال وفد من اربعة مسؤولين في نظامه برئاسة السيد محمد اسماعيل الضابط في جهاز المخابرات الليبي الذي يشرف عليه العقيد عبد الله السنوسي، مقدماً عرضاً مماثلاً باقامة علاقات دبلوماسية، وفتح سفارة لاسرائيل في طرابلس، وحاملاً اقراصاً رقمية للجهات الامنية الاسرائيلية، على حد قول مراسل القناة التلفزيونية الثانية الاسرائيلية يعلم الله ما تحتويه من رسائل ومعلومات واسرار.
تنافس محموم بين طرفي الصراع في ليبيا على كسب الود الاسرائيلي، كل هذا من اجل كرسي الحكم، وليس من اجل مصلحة الشعب الليبي الطيب المسحوق، او مصلحة الامة والعقيــدة والقضــايا المصــيرية العادلة.
انتظرنا اكثر من عشر ساعات منذ ان قرأنا خبر زيارة وفد الزعيم الليبي الى تل ابيب علنّا نقرأ تكذيباً، او نفياً، ولكن دون جدوى، الامر الذي يؤكد ان التفاصيل جميعها صحيحة، فالوفد المشؤوم ذهب الى باريس وحصل على تأشيرات رسمية من السفارة الاسرائيلية فيها، ثم انطلق الى وجهته دون اي عوائق، حيث مكث في تل ابيب لمدة اربعة ايام التقى خلالها زعيمة المعارضة تسيبي ليفني المسؤولة الرئيسية عن شن العدوان على قطاع غزة وقتل 1400 من ابنائه نصفهم من الاطفال ومائير شاتريت عضو الكنيست الاسرائيلي عن حزب كاديما، ولا نعلم ما اذا كان الوفد قد التقى بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء وايفغدور ليبرمان وزير خارجيته وايهود باراك وزير دفاعه، ولا بد ان الايام المقبلة ستكشف لنا الكثير من الاسرار في هذا الخصوص.
' ' '
لا نستغرب سفر وفد الزعيم القذافي الى تل ابيب فهناك سوابق عديدة في هذا الصدد جرى الكشف عن بعضها واخفاء البعض الآخر، فقد تحدثت المصادر الاسرائيلية عن قيام السيد اسماعيل نفسه بزيارة الى العاصمة الاسرائيلية على ظهر طائرة خاصة قبل عام التقى خلالها العديد من المسؤولين الاسرائيليين، ليعرض عليهم اقامة علاقات دبلوماسية اثر وساطة قام بها احد رجال الاعمال اليهود النمساويين المقرب من السيد سيف الاسلام نجل العقيد القذافي.
اليهود الليبيون فيما يبدو، هم دائما البوابة، الى قلب اسرائيل ومسؤوليها، وقد كشفت صحيفة 'الجيروزاليم بوست' ان الزعيم الليبي وجه دعوة في التاسع من حزيران (يونيو) العام المنصرم الى ممثلي الشتات اليهودي الليبي في بريطانيا لزيارة طرابلس، ووصفهم بانهم مكون اساسي في المجتمع الليبي في محاولة لتحسين صورته الدولية. وعادت الصحيفة نفسها وقالت ان السلطات الليبية بعثت رسالة بالفاكس الى رفائيل لوزون رئيس طائفة يهود ليبيا، بدعوة الى حوار متعلق بمستقبل ليبيا، على ضوء الحرب الاهلية بين انصار العقيد القذافي والثوار الطامحين للاطاحة بحكمه.
اللهم لا اعتراض على دعوة اليهود الليبيين للعودة الى ليبيا والاقامة فيها، فهناك قرار صادر عن الجامعة العربية يشجع هذه العودة ولا يعارضها، لكن الاعتراض هو على النوايا الحقيقية تجاه هذا الغرام المفاجئ بهؤلاء وتوقيته، واستخدامهم كسلم للوصول الى التطبيع، وطلب مساعدة تل ابيب، او بالاحرى وساطة حكومتها، للوصول الى السلطة في حال ثوار بنغازي، او البقاء فيها مثلما هو حال العقيد القذافي واولاده.
هذا السباق المحموم للاستعانة باسرائيل، او الاستقواء بحلف الناتو من قبل ثائر عربي سابق قادم من الصحراء، وثوار جدد يريدون ازاحته عن كرسي عرشه الذي استقر فيه لاكثر من اربعين عاما، يجعلنا نصاب باليأس والاحباط من الجانبين، ونخجل من توجهاتهما، خاصة من اناس مثلنا كانوا من اشد المتحمسين للثورة ضد الديكتاتورية، واملا في تأسيس نظام ديمقراطي يقوم على العدالة والمساواة واحترام حقوق الانسان ونصرة قضايا العقيدة المصيرية، ويحقق للشعب الليبي طموحاته في العيش الكريم بعد سنوات من المعاناة والحرمان بسبب زعيمه الذي حوله الى حقل تجارب لنظرياته الثورية.
عزاؤنا ان الثوار الحقيقيين في تونس ومصر لم يتهافتوا على اسرائيل، ولم يطلبوا مساعدتها، بل رفضوا ومنذ اليوم الاول لثورتهم اي زيارة لمسؤول غربي، وامريكي على وجه الخصوص، لميدان التحرير في القاهرة، حيث تفجرت الثورة من رحمه القاهري، او من شارع الحبيب بورقيبة، ومن قبله مدينة سيدي بوزيد في الوسط التونسي حيث اندلعت الشرارة الاولى.
الشباب التونسي الثائر اصر على فرض مادة في الدستور التونسي الجديد تحرم التطبيع مع اسرائيل، وتجرمه، والزم لجنة حماية الثورة، التي تضم ممثلي الاحزاب والشخصيات التونسية البارزة على اصدار بيان يتعهد رسميا بذلك. اما شباب الثورة المصرية فقد طالبوا وما زالوا يطالبون بوقف تصدير الغاز المصري لاسرائيل واغلاق السفارة المصرية في القاهرة، واعادة النظر في معاهدات كامب ديفيد.
' ' '
لا نعرف ماذا حل بالمتصارعين على السلطة في ليبيا حتى يخرجوا عن الثوابت العربية والاسلامية بل وعن ثوابت الشعب الليبي بهذه الطريقة المخجلة، وهم الذين يملكون ثروات نفطية هائلة، ويعيشون في دولة تكاد توازي اوروبا من حيث المساحة، وعددهم لا يتجاوز الستة ملايين انسان. اي انهم ليسوا بحاجة الى الغرب وبوابته الاسرائيلية الابتزازية. هل هي شهوة الحكم، ام الرغبة في الثأر والانتقام، ام حب المال ام ماذا؟
خيبة املنا مضاعفة في النظام والثوار معا في ليبيا، فبوصلة الكرامة والشرف العربية هي دائما في الاتجاه المعاكس والمقاوم لاسرائيل المعتدية والمغتصبة للاراضي العربية ومقدساتها في فلسطين المحتلة. ومن يصادق هذه الدولة، او يطبع معها، يرتكب اثما لا يمكن غفرانه.
احفاد المجاهد عمر المختار الذي قدم نموذجا في الشهامة والكرامة والذود عن الامة والعقيدة، ومحاربة الغزاة، مطالبون وهم الاغلبية الصامتة الشريفة بالثورة ضد النظام ومعارضيه معا، وتطهير ليبيا من كل ما علق بها من شوائب بسبب صراع هؤلاء الشرس على كرسي حكم يريدون ان تكون ركائزه اسرائيلية او استعمارية غربية او الاثنين معا.
 
 

سورية: تدخل امريكي مرفوض

بعد خمسة اشهر من انطلاقة فعاليات الانتفاضة الشعبية المطالبة بالتغيير الديمقراطي، مازال المشهد السوري على حاله، مئات الآلاف من المحتجين ينزلون الى الشوارع رافعين شعارات تطالب بسقوط النظام، بينما تقوم قوات الامن في المقابل باطلاق النار لتفريق الاحتجاجات، مما يؤدي الى سقوط العشرات من الشهداء.

رهان السلطات السورية على 'تعب' الشعب او استسلامه بسبب شراسة الحلول الامنية، وتزايد اعداد ضحاياه، نتيجة لتغولها، ثبت فشله، فمن الواضح ومن خلال التصاعد المطرد في اعداد الضحايا اسبوعياً، ان الشعب لم يتعب، ولم يرفع الراية البيضاء، ومستعد للسير في الطريق نفسه مهما تضخم حجم التضحيات.
مدينة 'حماة' التي شهدت المجزرة الاكثر بشاعة في التاريخ السوري بمختلف حقباته، استعادت زمام المبادرة، واصبحت الميدان الرئيسي للمواجهة بين الشعب والسلطات الحاكمة، وينعكس ذلك بوضوح من خلال نزول نصف مليون انسان كل يوم جمعة في ميادينها، وشوارعها الرئيسية، للمطالبة بالتغيير الديمقراطي.
حدثان رئيسيان يمكن ان يحدثا انقلاباً رئيسياً في المشهد السوري، الاول: زيارة سفيري الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا للمدينة 'حماة' يوم امس بهدف التضامن مع المحتجين والاتصال بقادتهم حسبما جاء في البيان الرسمي الامريكي. الثاني: اغتيال 'مغني الثورة' ابراهيم قاشوش مثلما يطلق عليه في المدينة، بطريقة بشعة باستئصال حنجرته، والقذف بجثته في نهر العاصي.
السلطات السورية اتهمت السفير الامريكي روبرت فورد بتقويض جهود الحكومة السورية الرامية الى نزع فتيل الاحتجاجات، وقالت الدكتورة بثينة شعبان الناطقة باسم الرئيس بشار الاسد ان المستر فورد اجرى اتصالات واقام صلات مع المسلحين، ووصفت هذه الزيارة التي قالت انها غير مرخصة بانها 'تنتهك الاعراف الدبلوماسية'.
الدكتورة شعبان استخدمت تعبير 'غير المرخصة' في الاشارة الى زيارة السفير الامريكي لمدينة حماة، ربما للتفريق بينها وبين زيارة سابقة قام بها السفير الامريكي الى جانب عدد من السفراء الاجانب الآخرين الى مدينة جسر الشغور قرب الحدود التركية، بدعوة من الحكومة السورية للتعرف على حقيقة الاوضاع فيها، وخاصة وجود مسلحين متطرفين اطلقوا النار على قوات الامن وقتلوا العشرات منها.
' ' '
السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة، هو حول اسباب عدم منع قوات الامن السورية للسفيرين الامريكي والفرنسي من زيارة المدينة، وانتهاك الاعراف الدبلوماسية بالتالي، فالامن السوري يعرف 'دبيب النملة'، ومن غير المنطقي القول بانه لم يعلم مسبقاً بهذه الزيارة، واذا لم يكن يعلم فعلاً فانها كارثة وان كنا نشك في ذلك.
التقليد المتبع في العرف الدبلوماسي، هو استدعاء الدولة المضيفة لاي سفير يخترق القواعد والقوانين، ويخرج عن مهامه المحددة له وفق المعاهدات الدولية بشأن العمل الدبلوماسي، وخاصة التدخل في الشؤون الداخلية، يتم استدعاؤه وتوبيخه، وقد يلحق ذلك ابعاده من البلاد، في غضون مدة محددة، غالباً ما تكون ساعات، عقاباً له.
لا نعرف ما اذا كانت السلطات السورية ستذهب الى هذا الحد في تعاطيها مع اختراق السفيرين الامريكي والفرنسي، ام انها ستكتفي بانتقاداتها الاعلامية لهما، تجنباً لازمة دبلوماسية قد تنشأ مع حكومتيهما، خاصة انها بذلت جهداً كبيراً لعودتهما الى دمشق، وفي حالة السفير الامريكي على وجه التحديد.
الانتفاضة الشعبية الديمقراطية السورية ليست بحاجة الى تضامن السفير الامريكي معها لانها قامت بشكل عفوي، ورداً على ممارسات ديكتاتورية قمعية اذلت اجهزتها الامنية الشعب السوري وصادرت حرياته وحقوقه المشروعة في التعبير والمشاركة في الحكم في اطار مؤسسات تنفيذية وتشريعية منتخبة عبر صناديق اقتراع في انتخابات حرة ونزيهة.
بمعنى آخر، هذه الانتفاضة لم تكن بايعاز من امريكا او تحريض من فرنسا، وكان المفجر لها إقدام قوات الامن في مدينة درعا على اعتقال اطفال صغار، وتعذيبهم، واهانة ابائهم لانهم كتبوا شعاراً على حائط يطالب باسقاط النظام.
السفيران الامريكي والفرنسي الحقا ضرراً كبيراً بهذه الانتفاضة الشعبية العفوية بزيارتهما الى مدينة حماة، واظهار التضامن مع اهلها، وقدما في الوقت نفسه هدية ثمينة للسلطات السورية يمكن ان تستخدمها ضد الانتفاضة وقيادتها، وقد بدأت عمليات 'التوظيف' لها بالايحاء بان قوى خارجية وامريكا على وجه التحديد، تقف خلف هذه الانتفاضة.
الشعب السوري، بشقيه في الداخل والخارج اكد دائماً على رفضه اي تدخل خارجي في شؤون ثورته، وقاطعت الغالبية الساحقة من جماعات المعارضة السورية في الخارج المؤتمـــــر الذي اشرف على تنظيمه برنارد هنري ليفي الفيلسوف الفرنسي المدافع الاشرس عن اسرائيل وسياساتها العدوانية وجرائم حربها ضد الفلسطينيين في قطاع غزة واللبنانيين في جنوب لبنان.
' ' '
من الواضح، وبعد احتجاجات امس، ان فرصة الحوار التي طرحتها السلطات السورية على شخصيات وفعاليات المعارضة الداخلية، قد تبخرت ووصلت الى طريق مسدود حتى قبل ان تبدأ الخطوات العملية لتطبيقها على الارض. فالهوة واسعة بين السلطة والمعارضة، بل وتزداد اتساعاً جمعة بعد اخرى مما يعني ان الامور تتجه وبسرعة نحو المزيد من التأزم، فالمعارضة في غالبيتها الساحقة مصرة على شعارها بحتمية تغيير النظام، والنظام متمسك بالحلول الامنية، اعتقاداً منه انها الطريق الوحيد للوصول الى بر الامان والبقاء بالتالي. 
الحوار يحتاج الى تهيئة مناخات الثقة بين جميع الاطراف حتى يبدأ ويعطي ثماره امناً واستقراراً وشراكة ديمقراطية حقيقية، ولا نعتقد ان هذه المناخات موجودة الآن، او ان اياً من الطرفين يسعيان لايجادها، وان كان النظام يتحمل المسؤولية الاكبر في هذا المضمار.
فكيف يمكن ان ينجح هذا الحوار عندما نشاهد 'مطرب الثورة' ابراهيم قاشوش وقد اغتيل بهذه الطريقة البشعة التي توحي بان النظام غير مستعد لتحمل حنجرته واغانيه الانتقادية، وكيف يمكن ان يثمر هذا الحوار مناخات للثقة، واحد رجالات النظام ينهال ضرباً ولكماً على احد المشاركين في لقاء سميراميس للمعارضة وامام عدسات التلفزة لانه هتف باسقاط النظام.
الشعب يطلق اسم 'لا للحوار' كشعار لاحتجاجات يوم امس، والنظام يواصل استخدام حلوله الامنية بالشراسة نفسها، والسفيران الفرنسي والامريكي يحاولان ركوب الانتفاضة دون ان يطلب منهما احد اي تضامن او مساندة، فالخلاصة التي يمكن التوصل اليها هي القول بان ايام سورية المقبلة صعبة واكثر دموية، وهذا امر مؤلم بكل المقاييس.
 

الثورة المصرية في خطر

الكتابة عن مصر كانت سهلة ميسرة في عهد الرئيس حسني مبارك، الامور واضحة نظام فاسد مستبد محاط بمافيا من رجال الاعمال، ومدعوم امريكيا واسرائيليا، ويشكل العمود الفقري لمحور الاعتدال المنحاز لعملية سلام مسمومة، الآن اختلفت الصورة كلياً بعد سقوط هذا النظام على أيدي شباب الثورة، واصبحت رمادية يحتاج المرء الى بلورة سحرية لكي يتحسس طريقه وسط تعقيداتها.

بمعنى آخر كنا نعرف ما يريده النظام السابق ونستقرئ سياساته وخطواته، ونتحسس مواقفه من القضايا جميعاً تقريباً، ونعلم عن ظهر قلب انه مرتهن لامريكا، ولكن يستعصي علينا فهم النظام الحالي بل وبعض القوى المصرية الرئيسية، فكيف نفهم الحوار الحالي او بالاحرى الغزل المتصاعد بين حركة الاخوان المسلمين والولايات المتحدة الامريكية، والاجتماعات واللقاءات المتواصلة بين الجانبين.
وما دمنا نتحدث عن حركة الاخوان، كيف نفسر اعلانها مقاطعة المظاهرة المليونية التي ستنطلق يوم غد الجمعة في ميدان التحرير وسط القاهرة احتجاجاً على المحاكمات العسكرية للمدنيين، وسوء ادارة المجلس العسكري الحاكم لعملية الانتقال السياسي الى الديمقراطية التي يشرف عليها، ثم تتراجع عن هذه المقاطعة قبل يومين من انطلاق الاحتجاج لتؤكد مجدداً مشاركتها فيها.
هناك الكثير من علامات الاستفهام حول موقف العسكر من قضايا عديدة، ابرزها طريقة التعاطي مع محاكمات رموز النظام السابق، والرئيس حسني مبارك على وجه الخصوص، فحتى هذه اللحظة لا احد يعرف طبيعة حالته الصحية، ونوع السرطان الذي يعاني منه… في البداية قالوا ان حالته المرضية على درجة من السوء بحيث لا تسمح بمثوله امام المحكمة لمواجهة قضايا القتل والفساد الموجهة اليه، الآن وبعد مرور ستة اشهر على نجاح الثورة مازال الوضع على حاله، الرئيس ينعم باقامة طيبة، ورعاية 'صحية' من درجة خمس نجوم، وكذلك حال ولديه ومعظم وزرائه ومساعديه الذين افسدوا البلاد والعباد.
' ' '
ندرك صعوبة الاوضاع في مصر، والاقتصادية منها على وجه الخصوص، مثلما ندرك ان هناك عجــــزاً مالــياً مقداره 13مليار دولار نتيــجـــة حـــالة الشلل التي اصابت الاقتصـــاد المصري، وضربت الموسم السياحي أحد مصادر الدخل الرئيسية للخزانة المصرية، ولكن ما عــــلاقة هذا الأمر ببــــطء المحاكمات مثلاً، وابقاء قادة رجال الامن السابقين المتهمين بقتل المتظاهرين في مواقعهم، بل والافراج عن بعضهم بعد محاكمات مشكوك في نزاهتها، ونوايا قضاتها؟
الثورة تعني التغيير الشامل، وقلع جذور الفساد دون رحمة او شفقة، والتأسيس لنظام جديد يكرس الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ويطلق الحريات، ويعيد للمواطن المصري المسحوق كرامته وآدميته بعد سنوات من القمع والاضطهاد ونهب المال العام على يد حفنة من حيتان البزنس لا تشبع من مص دماء الفقراء والمحرومين.
المؤسسة العسكرية المصرية الممثلة بالجيش حازت احترام الجميع عندما انحازت الى الشعب، وحسمت الامور لمصلحة شباب الثورة عندما امرت الرئيس مبارك بالرحيل عن السلطة، وبدأت في اعتقال رموز الفساد الواحد تلو الآخر بمن في ذلك نجلاه ووضع كبيرهم الذي علمهم السحر تحت الاقامة الجبرية في احد المستشفيات والتحقيق معه من على سرير المرض.
ولكن مع تراجع المؤسسة عن تلبية مطالب الثورة والثوار كاملة، والدفع بعجلة التغيير بالسرعة المطلوبة بات الكثيرون يفقدون حماسهم السابق ويتراجعون عن تأييدها المطلق، وما احتجاجات الغد المليونية الا احد وجوه التعبير الشعبي الصادق على فقدان هذا الحماس.
' ' '
اندلاع الاشتباكات في القاهـــــرة يوم الاثنين الماضي احتجاجا على قرار المحكمة بالافـــراج بكفالة مالـــية عن ســـبعة من رجال الامن متهمـــين بقـــتل متظاهرين في السويس اثناء اندلاع فعاليات الثورة، ثم محـــاولة اقتحام مئات المتظاهـــرين لمبنى مديــــرية امن الســويس احتجــــاجا على رفـــض المحكمة طلب استـــئناف تقدمت به النيابة العامة للطعن في قرار الافراج عن الضباط السبعة، هما ابرز بوادر التوتر، واهتزاز صورة المؤسسة العسكرية في اذهان المواطنين، والتراجع التدريجي لشعبيتها في الشارع المصري.
ما نخشاه، ونتخــــوف منه، ان تكون المؤسسة العسكرية المصــــرية تراجعـــت عن مواقفها السابقة التي اتخذتها في بداية الثورة، من حيث تبني سياسات تمثل النقيـــض لسياسات النظام السابق بسبب الضغوط التي تمارس عليها من قبل الولايات المتحدة الامريكية وبعض الدول العربية النفطية الثرية.
فاللافت ان الدول الغربية، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، تستخدم ورقة القروض والمساعدات المالية لتركيع الثورة المصرية، وحرفها عن اهدافها الوطنية الشريفة، واعادة مصر الى عصر الظلمات الذي عاشته لاكثر من اربعين عاما تحت حكم النظام المخلوع ورجالاته.
الثورة المصرية انطلقت من اجل انهاء عصر التبعية ووقف كل ممارسات الاستجداء لفتات الموائد الامريكية والعربية.. الثورة نجحت لان الشعب المصري يريد فجرا جديدا من الكرامة والقرار الوطني المستقل وبما يؤدي الى اعادة الريادة والقيادة لبلاده في محيطها العربي والافريقي، ويبدو ان محاولات عكس هذا التوجه المشرف بدأت تعطي ثمارها في اكثر من اتجاه، ابرزها التراجع عن المضي قدما في العلاقات مع ايران تحت تأثير الضغوط السعودية في وقت يوجه وزير الخارجية السعودي الامير سعود الفيصل دعوة رسمية لنظيره الايراني لزيارة الرياض للبحث في كيفية تحسين العلاقات بين البلدين.
' ' '
تمسك مصر باستقلالية قرارها، والخط الوطني الذي اتبعته فيما يتعلق بالقضايا العربية المصيرية، ونصرة شعب فلسطين على وجه الخصوص، هي التي ستجبر امريكا والدول الغنية على مساعدتها ماليا، واحترام خيارات شعبها وقيادتها، اما اساليب التذلل تحت عناوين الواقعية والبراغماتية فستعطي نتائج عكسية تماما.
في ظل هذه المواقف الرمادية للمجلس الاعلى للقوات المسلحة تأتي اعتصامات واحتجاجات يوم غد الجمعة من قبل شباب الثورة خطوة منطقية بل وحتمية لاصــــلاح الاعوجاج الذي بدأ يطل برأسه في مسيرة الثورة المصرية.
استمرار الاحتجاجات الشعبية هو بوليصة التأمين الاقوى والانجع لمنع انحراف الثورة المصرية عن اهدافها، وتكريس كل معاني الوفاء لدماء الثوار الذين قدموا ارواحهم من اجل انجاحها لتوفير حاضر افضل للشعب المصري الكادح، ومستقبل اكثر اشراقا لاجياله القادمة.
 

المعارضة السورية واختراق ليفي

برنارد ليفي كاتب وفيلسوف صهيوني فرنسي يتباهى بصداقاته مع القادة الاسرائيليين، والمتهمين بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين خاصة مثل بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء، وايهود باراك وزير دفاعه، ويعتبر حركة 'حماس' المنتخبة من الشعب الفلسطيني حركة 'ارهابية'، ويدافع بشراسة عن الاستيطان الاسرائيلي في الاراضي المحتلة، والعدوان الدموي على قطاع غزة.

المستر ليفي نصّب نفسه أبا روحيا للثورات العربية، رغم ان الثورة الوحيدة التي رحبت به وفتحت له ابواب قلبها وعاصمتها بنغازي، هي الثورة الليبية، بينما رفضته وترفضه كل الثورات الاخرى، بما في ذلك ثورة الشعب التونسي المجيدة الرائدة التي اطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي الديكتاتوري، فلم يسمح له ثوار تونس، الذين يعرفونه جيدا، ويصرّون على فرض محاربة التطبيع واشكاله كافة مع اسرائيل، كبند في الدستور الجديد، لم يسمحوا له بان يطأ تراب بلادهم الطاهر.
بعد ان افسد المستر ليفي الثورة الليبية، ونقل باسم مجلسها الوطني الانتقالي رسالة الى بنيامين نتنياهو تتضمن عرضا ضمنيا بالاعتراف والتطبيع، ها هو يحاول افساد الانتفاضة السورية وتلويثها من خلال ركوب موجتها، والترويج لمؤتمر يعقد حول سورية في باريس، بحضور عدد من رؤساء الوزراء ووزراء خارجية فرنسا السابقين، وبعض المعارضين السوريين، خاصة من اعضاء اللجنة التنفيذية لمؤتمر انطاليا،. وقد احسن عدد كبير من هؤلاء المعارضين صنعا عندما تنبهوا الى خطورة هذه المصيدة وقرروا مقاطعة هذا المؤتمر المشبوه. فليفي هذا من اشد الداعين لتدخل حلف الناتو لدعم الثورات العربية تحت ذرائع عديدة.
العداء في سورية لاسرائيل الغاصبة المحتلة تاريخي متأصل، بل هو ثقافة محورية، يلتقي حولها اهل الحكم والمعارضة معا، والدعم السوري للمقاومة، سواء كانت فلسطينية او لبنانية، يأتي تجسيدا صادقا ومتجذرا لقناعات الشعب السوري بكل فئاته وطبقاته وطوائفه وقومياته، ولا فضل لاي نظام فيه.
' ' '
ومن هنا، فإن اي شخص يشارك في مؤتمر ليفي هذا سيتهم بانه من المنفذين لأجندات خارجية لا تريد الخير لسورية، حكومة ومعارضة، بل لا تريد خيرا للعرب والمسلمين معا. فهذه الشخصية التي تعتبر الجيش الاسرائيلي الذي يحتل الارض العربية في فلسطين والجولان ولبنان، هو الاكثر انسانية في العالم، ويدافع بشراسة عن استخدام قنابل الفوسفور الابيض لقتل اطفال غزة ومدنييها، لا يمكن ان يضع مصلحة سورية وشعبها وانتفاضتها المشروعة طلبا للحرية والكرامة، على قمة اهتماماته. 
توقيت تحرك المستر ليفي يفضح اهداف مؤتمره هذا، مثلما يفضح انتماءات وهويات كل الذين قبلوا دعوته للمشاركة، فهؤلاء يسعون لتأسيس 'كونترا' سورية، ويخططون للاستعانة بقوات حلف الناتو لتدمير بلدهم، ووضعها تحت الوصاية الاستعمارية مجددا لعشرات السنوات القادمة. فليس صدفة ان يتزامن انعقاد هذا المؤتمر مع صدور القرار الظني المتعلق بمحكمة رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، بعد تأجيل متعمد استمر لأكثر من سبعة اشهر، وبهدف اشعال نيران فتنة طائفية ومذهبية في لبنان تمتد الى سورية لاحقا.
الشعب السوري، في الحكم او المعارضة، في الداخل او الخارج، يجب ان يكون على درجة كبيرة من الوعي بالمؤامرات الخارجية التي تحاك له في غرف اجهزة الاستخبارات المغلقة، لتدمير انتفاضته، وتمزيق وحدته الوطنية والترابية، وبما يخدم في نهاية المطاف الاحتلال الاسرائيلي، والمخطط الامريكي في الهيمنة ونهب الثروات العربية.
إننا امام محاولات شرسة لتفتيت صفوف المعارضة السورية، وخلق البلبلة في أوساطها، من خلال إغراقها في 'حرب المؤتمرات' واتهامات 'التخوين'، والمواجهات السياسية والاعلامية، ومن المؤسف ان بعض المحسوبين كذباً على هذه المعارضة يساهمون في انجاح هذه المخططات، وبسوء نية في معظم الاحيان.
سورية هي لكل ابنائها، ولكن ليس من ابنائها من يضطهد الآخر ويهين كرامته، ويسلبه حقوقه المشروعة، ويصادر حرياته، ويمارس التمييز على اساس الطائفة او العرق او المذهب. كما انه ليس من ابنائها من يستعين بالعناصر الصهيونية، او ينادي بالتدخل الاجنبي.
' ' '
الشخصيات السورية المعارضة والمستقلة التي عقدت مؤتمرها في فندق سميراميس في دمشق، وكسرت حاجز الخوف، وتبنت مطالب الانتفاضة كاملة، وطالبت بالتغيير الديمقراطي، وأدانت بقوة مجازر الامن والجيش، وترحمت على الشهداء، وشددت على انسحاب الجيش من المدن والقرى والنجوع، هذه شخصيات شجاعة قالت 'لا' قوية في وجه الديكتاتورية وادواتها القمعية، وكان مؤلماً بالنسبة الينا ان تواجه بحملات تشكيك وهي التي سجنت وعذبت، من قبل اناس لم يعرفوا السجن والتعذيب.
التفريق بين اهل الداخل والخارج هو الخطيئة الكبرى التي نرى ارهاصاتها حالياً، من خلال ممارسات بعض المندسين في اوساط المعارضة السورية في الخارج خاصة، فالخارج امتداد شرعي للداخل السوري، والطرفان يكملان اركان المشهد السوري.
الانتفاضة الشعبية السورية المباركة التي قدمت نحو 1500 شهيد حتى الآن، بدأت تعطي ثمارها في حصار النظام، وانزاله من عليائه، واجباره على الاستماع الى مطالب الشعب في التغيـــير، وهو الذي مارس البطش لأكثر من أربعين عاماً ضد أي صوت حر يرتفع مطالباً بلقمة خبز مغمّسة بالكرامة.
الحوار المطلوب حالياً هو بين اطياف المعارضة السورية نفسها لتوحـــيد صفوفها، وأول خطـــوة على هذا الطــــريق التـــرفع عن كل اشكال تضـــخم 'الانا'، واقصـــاء الآخر، والتشكــيك بأهدافه ونواياه. فكيف يمكن ان تؤسس المعارضة للبديل الديمقراطي، وبما يرتقي لتضحيات الشهداء، والكثير من قياداتها ترفض الفكر الآخر، او الشخص الآخر، او المؤتمر الآخر؟
سورية تقترب كثيراً جداً من فجر التغيير الحقيقي، فالنظام يزداد ضعفاً كلما ارتفع عدد ضحايا حلوله الامنية الدموية، والمعارضة تزداد قوة ومناعة كلما تحلت بالعقلانية والتواضع، وابتعدت عن اشكال التشنج كافة، ووضعت مصلحة سورية التي هي للجميع، فوق جميع الاعتبارات الاخرى.
لفظ برنارد هنري ليفي ومؤتمراته، هو خطوة كبيرة نحو الوصول الى هذا الهدف، وافشال كل المخططات التي تريد حرف الثورات العربية عن اهدافها، وتحويلها الى حروب اهلية طائفية او قبلية او مناطقية، وصولاً الى التغيير المسيطَر عليه غربياً، على حد وصف طوني بلير، المنظر الاكبر للاستعمار الجديد، وصديق اسرائيل الحميم.
 

الشيخ رائد صلاح ‘ارهابيا’؟

اعتقال الشيخ رائد صلاح من قبـــل قوات الامن البريطـــانية بعد دخوله بطريقة مشروعة تلبية لدعوة من قبل برلمانيين بريطانيين للمشاركة في ندوة سياسية، هو احد ابشع انواع المكارثية، واحياء لمحاكم التفتيش الاوروبية الديكتاتورية التي تنتمي الى عصر الظلمات والتخلف الفكري.

الشيخ رائد صلاح لم يدخل بريطانيا متزنرا بحزام ناسف، ولم يخف متفجرات تحت قبعته، كما انه لا يعتنق فكر تنظيم 'القاعدة' وايديولوجيته، وانما دخلها كرجل صاحب رسالة سلمية، وداعية للتعايش بين الاديان والثقافات، اسلحته الحجة والمنطق والفكر المستنير.
تيريزا ماي وزيرة الداخلية البريطانية التي اتخذت حكومتها قرار الاعتقال، ومن ثم الابعاد لا تقف على اي ارضية قانونية، وانما تخضع في موقفها هذا لابتزاز جماعات ضغط يهودية صهيونية، تريد تحويل بريطانيا الى جمهورية موز، وتشوه صورة مؤسساتها الديمقراطية، وبرلمانها الاعرق الذي كان الشيخ رائد صلاح سيحاضر في احدى قاعاته، وبحضور عدد من نوابه.
فكيف تبرر حكومة المحافظين الائتلافية منع رجل مسالم لم يدن في البلد الاكثر عنصرية في العالم الذي يحمل جنسيته، وسمح له بالمغادرة، وهي التي تتدخل عسكريا في ليبيا، وتقتل صواريخها وطـــائراتها عشرات المدنيين تحت شعار الحرية وحقوق الانسان وترسيخ قيم العدالة والديمقراطية؟
انها حكومة اكثر اسرائيلية من اسرائيل نفسها، وتمارس قمع الحريات التعبيرية والانسانية ضد كل صاحب حق يريد التعبير عن مظالم شعبه بالطرق الحضارية الديمقراطية، ويدخل الدول من ابوابها وليس متسللا في شاحنة او بجواز سفر مزور.
الشيخ رائد صلاح يتحدث باسم اصحاب الارض الشرعيين الذين اغتصب اليهود الهاربون من القمع والمحارق الاوروبية ارضهم وطردوا وهجروا الغالبية العظمى منهم، اما من تبقى، وهم يمثلون خمس عدد سكان الدولة الجديدة العنصرية فيواجهون اقسى انواع التمييز والتفرقة، ويعاملون كمواطنين من الدرجة العاشرة في دولة تتباهى زورا وبهتانا بانها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة.
كنا نتمنى لو ان الحكومة البريطانية قد اعتقلت ايهود باراك وزير الدفاع الاسرائيلي الذي ارتكب جرائم حرب في قطاع غزة، واصدر اوامره باستخدام قنابل الفوسفور الابيض ضد ابنائها العزل المحاصرين، او بنيامين نتنياهو وافراد حكومته الذين ارتكبوا مجزرة السفينة مرمرة في عرض البحر المتوسط في المياه الدولية، ولكنها لم تفعل ولن تفعل، لان هؤلاء يمثلون دولة تعامل من الغرب المتحضر الديمقراطي كما لو انها فوق كل القوانين، ويتمتع ارهابيوها بالحصانة مهما ارتكبوا من جرائم او مجازر.
' ' '
كيف يمكن ان يكون الشيخ رائد صلاح معاديا للسامية وهو وكافة ابناء الشعب الفلسطيني اكبر ضحايا السامية. الشيخ رائد صلاح لم يقتل اسرائيليا ولم يلق حجرا على اي يهودي داخل اسرائيل او خارجها، بل لم يؤذ احدا طوال حياته، فكيف يعامل بهذه الطريقة العنصرية المهينة استجابة لجماعات تريد كتم الصوت الآخر، ومصادرة حرية التعبير في دولة تقول انها قبلة الرأي الآخر والقيم الديمقراطية.
هذا الرجل الوقور القادم من رحم المعاناة، المؤمن بدينه، المدافع عن عقيدته مثال الصبر والجلد في وجه الظلم والاضطهاد، لا يستحق مثل هذه المعاملة ذات الطابع العنصري الاقصائي، ومن حكومة تمثل الدولة التي تسببت في نكبة الشعب الفلسطيني، وحرمانه من ارضه ووطنه، وتشريده في مختلف انحاء المعمورة دون ان يرتكب اي ذنب، تكفيراً عن خطاياها في الصمت على محرقة اليهود في المانيا النازية.
لا نستغرب مثل هذا الموقف العنصري من حكومة يرأسها ديفيد كاميرون أحد الاعضاء البارزين في جمعية انصار اسرائيل في البرلمان البريطاني، ومن حزب المحافظين ان يتباهى بان ثمانين في المئة من نوابه اعضاء في هذه الجمعية، وعلى رأس هؤلاء وليام هيغ وزير الخارجية الذي يفتخر بانه انضم الى اللوبي المؤيد لاسرائيل عندما كان عمره لا يتجاوز الخمسة عشر عاماً.
انها احدى حلقات 'الاسلاموفوبيا' او المعاداة للاسلام التي تجتاح اوروبا، وبريطانيا على وجه الخصوص، هذه الايام، وتجعل من المسلمين الاعداء الجدد بعد انهيار امبراطورية الشر السوفييتية، فاذا كنت مسلماً فانك ارهابي، وعليك ان تثبت العكس.. انه امر مؤسف بكل المقاييس.
' ' '
ولعل ما هو أخطر من ذلك اتهام كل شخص ينتقد اسرائيل ومجازرها ضد العرب والمسلمين بانه معاد للسامية، ويجب مطاردته واغتيال شخصيته، ومنعه من التعبير عن وجهة نظره، بغض النظر عن دينه او جنسيته، فاسرائيل كيان مقدس، ويهودها هم الملائكة الذين يحرم توجيه اي نقد اليهم، وشاهدنا كيف كتب نيكولا ساركوزي رسالة الى الجندي الاسرائيلي غلعاد شاليط الاسير لدى حركة 'حماس' بينما لم يعر اي اهتمام لعشرة آلاف اسير فلسطيني معظمهم من المدنيين، وبينهم نساء وأطفال.
نلوم انفسنا كعرب ومسلمين قبل ان نلوم بريطانيا وفرنسا وكل حكومات الغرب المتحضر على هذه المعاملة الاحتقارية لنا، والخنوع الكامل للابتزاز الاسرائيلي، فنحن الذين نملك البترول والارصدة، ونحن الذين نستثمر اكثر من ثلاثة تريليونات دولار، ونشتري صفقات اسلحة بمئات المليارات من الدولارات لانقاذ الاقتصادات الغربية من الافلاس، ومع ذلك لا نملك ذرة من التأثير لوقف هذا الهوان والذل اللذين نتعرض لهما على أيدي الحكومات الغربية واللوبيات الصهيونية المتحكمة فيها.
تضامننا الكامل مع الشيخ رائد صلاح، ونقدم شكرنا له في الوقت نفسه، لانه فضح اكذوبة ادعاءات الحكومة البريطانية حول الحرية واحترام حقوق الانسان، وكشف لنا الوجه الاستعماري البشع والقبيح الذي تحاول اخفاءه بلبس قناع الديمقراطية الزائف.
الاعتقال ليس جديداً على هذا الشيخ المجاهد من اجل قضية شعبه ومطالبه في العدالة والمساواة واستعادة حقوقه المشروعة، فقد قضى حياته متنقلاً من زنزانة الى اخرى، ولم يهرب مطلقاً، وهو المريض المتقدم في السن، اعتقاله وسام فخر جديد نضيفه الى اوسمة اخرى عديدة، وهو لن يكون الوسام الأخير على أي حال.
 
 

ساركوزي و’المقدس شاليط’

ان يبعث الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي برسالة الى الجندي الاسرائيلي الاسير جلعاد شاليط يعرب فيها عن تضامنه معه، ويؤكد له فيها ان فرنسا التي يحمل جنسيتها لن تتخلى عنه، فهذه خطوة انسانية لا يمكن التقليل من اهميتها، ولكن من حقنا ان نناقشها من جميع جوانبها، لنكشف حجم النفاق والانحياز السافر الذي يمكن ان تعكسه ممارسات اسرائيل العدوانية في الاراضي العربية المحتلة.

بداية يجب الاشارة الى ان شاليط لم يكن انسانا مدنيا تعرض للخطف على حين غرة، وانما هو جندي في جيش احتلال لا يتورع عن قتل المدنيين الابرياء، ولا نستغرب ان يكون شاليط نفسه قد شارك في عمليات القتل هذه بدم بارد اسوة بزملائه الآخرين، وتنفيذا لاوامر قيادته التي بعثت به الى كرم ابو سالم المحتل قرب مدينة رفح.
الرئيس ساركوزي يؤكد في هذه الرسالة ايضا مدى حرصه على المواطنين الفرنسيين حتى لو كانوا من مزدوجي الجنسية، وهذا امر جميل ايضا، ولكن من حقنا ان نسأل، ونطلب الجواب ايضا، عما اذا كان الرئيس الفرنسي قد بعث برسائل مماثلة الى المعتقلين الفرنسيين من اصول جزائرية او مغربية او تونسية او افريقية في سجن غوانتانامو مثلا، او في سجون اوروبية وآسيوية، وهؤلاء في معظمهم مدنيون؟
فلماذا فقط يتعاطف المستر ساركـــــوزي مع الجندي الاسرائيلي شاليط، ويؤكد انه لن يتخلى عنه، بينما لم يظهر مــــثل هذا التــــعاطف مع اي فرنسي آخر، وبالطريقة نفسها، خاصة ان اسرائيل تعتقل مواطناً فرنسياً من اصل فلسطيني ايضا ولم يتلق اي رسالة من رئيسه الفرنسي، هل هذا لانه عربي مسلم، ولان سجانيه ومعذبيه هم من الاسرائيليين الذين هم فوق القانون الدولي، وكل القوانين السماوية والوضعية مهما اقترفوا من جرائم وارهاب؟
لا نريد ان نذّكر الرئيس ساركوزي باكثر من عشرة آلاف اسير فلسطيني يقبعون في سجون الاحتلال الاسرائيلي وبينهم سيدات واطفال، وبعضهم يقبع خلف القضبان منذ اكثر من ثلاثين عاما، والبعض الآخر لم يعرف غير السجن الذي ولد فيه عندما دخلت اليه امه المناضلة وهي حامل.
' ' '
كنا نتمنى ان يُظهر المستر ساركوزي هذه المشاعر الانسانية الفياضة والجياشة عندما كانت الطائرات الاسرائيلية تقصف الابرياء في قطاع غزة في كانون الاول (ديسمبر) عام 2008 بقنابل الفوسفور الابيض، لتحرق اجساد اكثر من 1400 فلسطيني اعزل وتدمر 60 الف منزل فوق رؤوس اصحابها، ولا نستبعد ان يكون شاليط هو احد المشاركين في هذا القصف.
لم يذهب المستر ساركوزي في حينها الى مجلس الامن الدولي لاستصدار قرار لفرض منطقة حظر جوي فوق قطاع غزة لمنع المذبحة الاسرائيلية
ضد المدنيين الفلسطينيين، او منطقة حظر جوي أخرى فوق جنوب لبنان، او الضاحية الجنوبية، في بيروت عندما قصفتها الطائرات الاسرائيلية لأكثر من ثلاثين يوماً، وارتكبت خلالها مجزرة بلدة قانا نفسها التي ارتكبت فيها مجزرتها الاولى قبل ذلك بعشر سنوات.
الرئيس ساركوزي يعتبر العزلة المفروضة على شاليط في سجنه منذ خمس سنوات 'انتهاكاً لجميع قواعد القانون الدولي وابسط المبادئ الانسانية' ولكنه لم يقل من الذي اطال مدة هذه العزلة، اليست الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة من حكومة شارون الى حكومة اولمرت وانتهاء بحكومة نتنياهو صديق ساركوزي الحميم التي اخلّت اكثر من مرة باتفاقات للافراج عنه في اللحظات الاخيرة تحت حجج وذرائع متعددة، وتصريحات والد شاليط تشهد على ذلك.
ثم كيف يعتبر الرئيس ساركوزي عزلة جندي اسير تحت القضبان انتهاكاً للقانون الدولي، بينما عزلة مليوني فلسطيني في ظل حصار قاتل ظالم لأكثر من خمس سنوات ليس كذلك.. هل هذه هي الانسانية وقيم العدالة ومبادئ الثورة الفرنسية العظيمة التي يفاخر بها ويتباهى؟
' ' '
شاليط ليس اسير درجة اولى ممتازة وأسرانا درجة سياحية، ولا هو أقدس من الفرنسي العربي الاصل صلاح حموري المتهم بمحاولة اغتيال الحاخام اليميني العنصري المتطرف عوفاديا يوسف الذي اعتبر العرب حشرات يجب سحقها، وتمنى وباء يفني العرب الفلسطينيين جميعاً، ويمثل حزبه بالعديد من المقاعد في الكنيست (البرلمان) الاسرائيلي، ويشارك في حكومة نتنياهو التي تعرقل كل اتفاقات الافراج عن شاليط.
فالانسانية الفرنسية هذه لم تعر هذا الشاب العربي اي اهتمام، ولم تسأل عنه حكومته وترعاه بالشكل المطلوب الا قبل شهر عندما زار آلان جوبيه وزير الخارجية الفرنسي والديه للتغطية على زيارته لاسرة شاليط، وبعد ان قذف اهل قطاع غزة سلفه الوزيرة ميشال اليو ماري بالاحذية والبيض الفاسد، بعد زيارتها لوالدي شاليط، وتجاهلها لأكثر من عشرة آلاف اسير فلسطيني، وكانوا، اي سكان القطاع المحاصرون، محقين في ذلك تماماً. 
مللنا من هذا النفاق السافر.. مللنا من هذه الازدواجية والانحياز السافر لساركوزي وحكومته لجرائم دولة العدوان والارهاب الاسرائيلية وحان الوقت لتمزيق اقنعة 'الانسانية الكاذبة' هذه حتى تظهر الوجوه على حقيقتها.
 

انتصار طالبان.. درس لعرب امريكا

يقول الكاتب البريطاني الشهير جورج اورويل ان اقصر الطرق لانهاء الحرب هو خسارتها ولذلك فان اعلان الرئيس الامريكي باراك اوباما سحب 33 الف جندي من قواته في افغانستان في غضون عام هو اعتراف صريح بالهزيمة، ومحاولة يائسة لتقليص الخسائر.

الرئيس اوباما الذي اعتبر انجاز المهمة في افغانستان هو قمة اولويات ادارته، وحدد ثلاثة اهداف لهذه المهمة في خطابه الذي اعلن فيه زيادة القوات الامريكية في افغانستان ثلاثين الف جندي، الاول: بناء الامة والدولة الافغانية وتنصيب رئيس كفء في قمتها، وتعزيزها بمؤسسات منتخبة وتدريب قوات امن على اسس حديثة. الثاني: محاربة تنظيم القاعدة. الثالث: وقف تقدم حركة طلبان عسكريا على الارض.
معظم هذه الاهداف لم يتم تحقيقها. فالدولة الافغانية موجودة فقط في ربع مدينة كابول العاصمة، والقوات الامنية التي جرى انفاق ما يقرب من ستة مليارات دولار على تدريبها لا تستطيع توفير الحماية لرئيس البلاد حامد كرزاي الذي يوكل هذه المهمة لقوات المارينز الامريكية، تسعون في المئة من عناصرها مساطيل من ادمان المخدرات، اما حركة طالبان فتواصل تقدمها وتوسع رقعة نفوذها، بحيث صارت تسيطر على اكثر من ثلثي الاراضي الافغانية حاليا.
اما الحرب على تنظيم 'القاعدة' فقد كانت في المكان الخطأ اذا وضعنا في اعتبارنا انها ركن اساسي من اركان الحرب على الارهاب، فوجود 'القاعدة' في افغانستان كان محدودا في السنوات الاخيرة، ومعظم مقاتليها انتقلوا الى فروعها الاخرى في اليمن والصومال والمغرب الاسلامي والعراق، لان حركة طالبان لم تعد بحاجة الى خدماتهم اولا ولان مطاردة القوات الامريكية لهم من خلال الطائرات بدون طيار في منطقة وزيرستان الحدودية، باتت تعطي نتائج عكسية لانها تقتل مدنيين معظمهم من الاطفال، الامر الذي دفع كرزاي الى التهديد بالاستقالة فورا اذا واصلت هذه الطائرات قتلها للابرياء.
الرئيس اوباما اتخذ قرار سحب القوات الامريكية من افغانستان على وجه السرعة لاسباب داخلية وليس لانـــه انجــز المهمة في افغانستان، فهذه الحرب الى جانب نظيرتها في العراق كلفت امريكا اكثر من تريليون دولار حتى الآن ككلفة اجمالية، وبمعدل سبعة مليارات دولار شــهريا في افغانستان وحدها، والرأي العام الامريكي بات يعارضها، ويمكن ان تتحول الى قضية محورية في انتخابات الرئاسة التي تبدأ حملاتها رسميا في الخريف المقبل.
اغتيال الشيخ اسامة بن لادن زعيم تنظيم 'القاعدة' قبل شهرين في مخبئه في بلدة ابوت اباد الباكستانية، والغموض الذي احاط به، استخدم كذريعة لاعلان الانسحاب من قبل ادارة اوباما، رغم الروايات العديدة التي تقول انه قد يكون اغتيل قبل اعوام، او انه جرى اعتقاله حيا وما زال يخضع للتحقيق، فقليلون يصدقون الرواية الامريكية حول اغتياله ومن ثم القاء جثمانه في بحر العرب. واحد المصورين البريطانيين الذي زار منزل بن لادن قال انه لم يشهد اي علامة على اطلاق نار او حدوث معارك داخل المنزل، ويرجح ان الرواية مفبركة، والا لماذا لم نسمع او نقرأ اي رواية اخرى محايدة او مستقلة.
ادارة الرئيس اوباما اعترفت انها انخرطت في مفاوضات مع حركة طالبان بهدف 'اشراكها' في الحكم في مرحلة ما بعد الانسحاب، وكشف وزير الخارجية البريطاني وليم هيغ عن اتصالات بريطانية مماثلة في هذا الاطار. ولكن الهدف الحقيقي ليس اشراك طالبان في الحكم، وانما تأمين انسحاب آمن لقوات حلف الناتو ومن ثم تسليمها الحكم.
' ' '
الحرب في افغانستان التي استمرت عشر سنوات وبهدف حلق لحى الرجال الافغان، وتحرير المرأة، واقامة دولة ديمقراطية حديثة، ستنتهي بتسليم البلاد مجددا الى حركة طالبان التي جاءت القوات الامريكية للاطاحة بها، وازالة حكمها من الوجود. فما الذي حدث بالضبط حتى تغير الادارة الامريكية رأيها وترفع الراية البيضاء استسلاما بهذه الطريقة المهينة والمذلة؟
انها المقاومة، وعدم التسليم بالحلول الوسط، والاصرار على النصر مهما كلف الامر من تضحيات، فحركة طالبان اعادت تجميع صفوفها، وحشد اكبر عدد ممكن من الافغان في حربها لاخراج الاستعمار الغربي من اراضيها، والتفت حول قيادة متواضعة لا تظهر على شاشات التلفزة، وتبتعد كليا عن الاضواء، وتعيش على الخبز الجاف والشاي وبعض الارز مع خضار محلية مطبوخة بصلصة الطماطم.
عملاء قوات الناتو في افغانستان الذين صدقوا الروايات الامريكية حول الديمقراطية والرخاء وتحويل كابول الى سان فرانسيسكو بدأوا يبحثون عن مستقبل لهم في المنافي الغربية، اما مساطيل قوات الشرطة والجيش فاختار بعضهم ان يهرول للانضمام الى قوات طالبـــان والقتـــال في صفوفها في مواجهة 'اعمامهم' الغربيين الذين دربوهم وسلحوهم.
لا نعرف ما الذي سيكون عليه مصير حامد كرزاي، وان كنا سنتكهن بانه سيعود الى الولايات المتحدة وطنه الثاني، وحامل جنسيته للاستمتاع بتقاعد مريح مدعوم بثروة مالية لا بأس بها، فأيامه في افغانستان باتت معدودة بالاضافة الى كونها محفوفة بالمخاطر.
' ' '
هذا الانتصار الافغاني الطالباني هو درس للعرب، درس لعرب الناتو الذين يراهن بعضهم على تدخل حلف الناتو لانقاذ ربيعهم، ودعم طموحاتهم الديمقراطية المشروعة (نحن مع الثورة وضد الاستعانة بالتدخل الاجنبي ومثلنا الاعلى الثورتان التونسية والمصرية)، مثلما هو درس للقيادة الفلسطينية وكل الذين يعارضون الكفاح المسلح، بل والعصيان المدني لتأمين استمرار الرواتب والحفاظ على بطاقات 'في.آي.بي'.
حركة طالبان، ونحن لسنا من المعجبين بايديولوجيتها او تطرفها الديني، قاتلت حلف الناتو بزعامة الولايات المتحدة ومشاركة قوات اكثر من ثلاثين دولة لمدة عشر سنوات دون كلل او ملل، ولم يقل قائدها الملا عمر انه يقاوم الدولة الاعظم في التاريخ ولذلك من الصعب هزيمتها والانتصار عليها بالتالي ولا بد من البحث عن حلول سلمية، بل قال انه سيقاتل حتى خروج آخر جندي اجنبي من ارضه.
 
 

شهداء الناتو.. لا بواكي عليهم

تصاعدت في الايام الاخيرة اعداد ضحايا قصف طائرات حلف الناتو من المدنيين في العاصمة الليبية طرابلس وضواحيها وسط صمت عربي مريب، وتواطؤ واضح من الامم المتحدة ومنظمات غربية لحقوق الانسان.

بالامس اعلنت السلطات الليبية عن استشهاد العشرات في قصف صاروخي لمدينة زليطن، وقالت ان هناك صعوبات كبيرة في الوصول الى الجرحى والقتلى بسبب كثافة غارات الطائرات الحربية.
قيادة الحلف اعترفت يوم الاحد الماضي بمقتل تسعة اشخاص، خمسة منهم من اسرة واحدة، بينهم ثلاثة اطفال، عن طريق الخطأ اثر انحراف الصواريخ عن هدفها، وتدمير عمارة مجاورة له نتيجة خلل ما في البرمجة، وقدمت اعتذارها لاسر الضحايا على لسان راسمونسن امين عام الحلف الذي وعد باجراء تحقيقات.
بعد هذا الاعتذار بيومين، اغارت الطائرات مرة اخرى على منزل السيد الخويلدي الحميدي عضو مجلس قيادة الثورة واحد المقربين من الزعيم معمر القذافي، في بلدة صرمان شمال طرابلس، وادى القصف الى استشهاد 19 شخصا، بينهم عشرة من احفاده، وزوجة ابنه، وخادمة مغربية.
ولا يفوتنا التذكير بان القصف لم يتوقف على مدى الشهرين الماضيين لاهداف مدنية وعسكرية وموانئ ومطارات مدنية، ومرافق عامة، كان من ابرز ضحاياها سيف العرب نجل الزعيم معمر القذافي واربعة من احفاده قتلوا نياما عند قصف منزلهم في قاعدة باب العزيزية العسكرية.
الصحافيون الغربيون الذين زاروا المستشفى الذي نقل اليه ضحايا الغارة على منزل السيد الحميدي ذكروا تفاصيل تقشعر لها الابدان عن اشلاء لاطفال كان من الصعب التعرف على هوياتهم، والشيء نفسه يقال ايضا عن جثامين نساء كن في المنزل ساعة القصف.
القنوات الفضائية العربية التي تفننت في بث صور جثامين شهداء قصف كتائب القذافي في مصراتة وبنغازي والبريقة، واعادتها بطريقة مبالغ فيها، لم تنقل لنا اياً من صور جثامين شهداء قصف حلف الناتو حتى لا يتعاطف معهم احد، وحتى تكتمل عملية التعتيم على حقائق الاوضاع في ليبيا، وبما يصب في مصلحة الثوار في نهاية المطاف.
الفضائية الليبية لم تبث صور الجثامين ايضا، ليس تعففا او من منطلق الانسانية والحفاظ على الذوق العام، واتباع المعايير المهنية، وانما لانها غير موجودة، فقد قرر وزراء الاعلام العرب طردها، وهي البائسة، من القمر الصناعي العربي 'عربسات'، واكملت طائرات الناتو المهمة، وهي التي تمثل دولا تحاضر علينا في الديمقراطية واحترام الرأي الآخر، بقصف المحطة وتدميرها وتعطيل بثها.
' ' '
شهداء طرابلس وزليطن وصرمان وباب العزيزية لا بواكي عليهم، لان قتلهم بصواريخ طائرات الاباتشي، او 'اف15' الامريكية، او الـ'يوروفايتر' الفرنسية، و'التورنيدو' البريطانية امر مشروع، فطالما انهم ليسوا في مناطق الحظر الجوي المشمولة بقرار مجلس الامن الدولي رقم 1973 فقتلهم حلال، وسفك دمائهم مشروع، والتعاطف معهم، او حتى التعزية بهم ممنوعان لانهما سيعتبران تأييدا للديكتاتورية والقمع والفساد.
كل شهداء هذه الفتنة التي نرى تفاصيلها في ليبيا منذ اربعة اشهر، سواء كانوا في طرابلس او مصراتة او الزاوية او بنغازي، وسواء قتلوا على يد كتائب القذافي الدموية المتوحشة، او من قبل حلف الناتو ومرتزقته، كل هؤلاء اهلنا واشقاؤنا نبكي عليهم ونترحم على ارواحهم دون اي تفرقة او انحياز، فكلهم عرب ومسلمون وليبيون ايضا.
حلف الناتو خرج عن تفويض قرار مجلس الامن الدولي، ويمارس حاليا عملية تدمير لليبيا وبناها التحتية، تماما مثلما فعل في العراق فهذه الاهداف المدنية، بل وحتى العسكرية، التي تقصفها طائرات الحلف هي ملك للشعب الليبي وليس للعقيد معمر القذافي وأبنائه.
أذكر ان برنامج 'مواجهة' الذي كان يقدمه الزميل جاسم العزاوي في قناة 'أبوظبي' قبل وأد توجهها العروبي وتحويلها الى قناة منوعات، استضافني في احدى حلقاته، وكان خصمي متحدثاً باسم الخارجية البريطانية، وكان الموضوع بناء الرئيس الراحل صدام حسين قصوراً ايام الحصار، وأراد الضيف البريطاني ان يحرجني بالقول ان الرئيس صدام يبني هذه القصور بينما الشعب العراقي يتضور جوعاً. فقلت له انني لست من مؤيدي بناء القصور، بل اكرهها، ولكن هذه القصور ليست ملكاً لصدام، وانما للشعب العراقي، ولن يأخذها معه الى قبره، وها هي قصور ملوك اسرة محمد علي تعود للشعب المصري، بل ها هي الاهرامات التي بناها ملوك الفراعنة مقابر لهم، تدر المليارات كعوائد سياحية الى الشعب المصري.
معمر القذافي رغم كل ما يقال عن فساده واسرته لم يبن قصوراً، بل لم يبن اي شيء مفيد للشعب الليبي غير بناء مجدٍ واهٍ له، بما في ذلك قاعدة العزيزية التي دمرها قصف الناتو، ولكن ما يجري تدميره حالياً من مبان وسفن تجارية ومطارات هي أصول ليبية جرى بناؤها من أموال الشعب الليبي.
شعرت بالصدمة، واقولها بحزن، عندما شاهدت فرانكو فراتيني وزير خارجية ايطاليا، وليس اياً من الزعماء او المسؤولين العرب، يطالب بوقف فوري لهجمات حلف الناتو، لوقف الكارثة الانسانية التي تنتج عنها، لحقن الدماء، وفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الطبية والانسانية للسكان المدنيين في طرابلس ومصراتة والزاوية وزليطن والبريقة، لان الوضع الانساني في هذه المدن، وبسبب القصف المستمر بات مأساوياً، ولان وقف اطلاق النار سيمنع تقسيم ليبيا.
عزائي ان السيد عمرو موسى امين عام الجامعة العربية اصيب بصحوة ضمير، وان جاءت متأخرة، وكفر عن خطيئته بتأييد غير مشروط للتدخل الغربي العسكري في ليبيا، عندما عبر عن ندمه، وتراجعه عن هذا الموقف المخجل، واعلان معارضته للقصف الجوي الغربي، وذلك في حديث ادلى به لصحيفة 'الغارديان' البريطانية ونشرته في عددها الصادر امس.
السيد موسى قال ايضاً في هذه التصريحات التي لم تنقلها اية فضائية عربية ايضاً، انه لا يستطيع ان يرى اطفال ليبيا يذبحون بصواريخ الناتو، ولهذا يطالب بوقف فوري لاطلاق النار تحت اشراف دولي، يظل خلالها العقيد القذافي على رأس السلطة، ثم تلي ذلك فترة انتقالية تمهد للوصول الى تفاهم دولي حول مستقبل ليبيا.
' ' '
مطالب فراتيني والسيد موسى قوبلت بالرفض الفوري من قبل ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا، وآلان جوبيه وزير خارجية فرنسا، فالأول قال ان اعمال الناتو العسكرية ستستمر في ليبيا حتى تحقيق اهدافها وايده الثاني دون اي تحفظ، مما يعني استمرار آلة القتل الجهنمية هذه الى ما لا نهاية.
أهداف الناتو واضحة وعلى رأسها تغيير النظام في ليبيا، ورهن ثرواتها لعقود وربما لقرون قادمة، فالنفط الليبي هو الذي سيغطي تكاليف هذه الحرب وعمليات اعادة اعمار ما جرى تدميره عمداً. فالناتو ليس مؤسسة خيرية، وانقاذ اهل بنغازي من مجازر القذافي وكتائبه لم يكن على قمة اجندات الحلف عندما فرض الحظر الجوي، رغم نبل هذا الهدف واهميته الانسانية.
غارات الناتو تعكس حالة من التغول التي تعيشها القيادات السياسية المؤيدة لها، خاصة بعد ان فشلت حتى الآن، ورغم مرور شهرين، في تحقيق اهدافها. وابرزها اغتيال العقيد القذافي، وهذا ما يفسر الاصرار على تكثيف هذه الغارات في الفترة الاخيرة، رغم معارضة القادة العسكريين البريطانيين والفرنسيين، وتصاعد اصوات المعارضين للحرب في الاوساط الاوروبية.
ولعل أخطر ما يخشاه الغربيون هو ما كشف عنه ديريك دينسي خبير الارهاب الفرنسي المشهور في دراسة اعدها مع مجموعة باحثين آخرين وكشف فيها عن معلومات موثقة حول حصول تنظيم 'القاعدة' في المغرب الاسلامي على صواريخ 'سام 6' المضادة للطائرات وذخائر ومتفجرات استولى عليها مهربون وباعوها لمن يملك المال.
نترحم على أرواح جميع شهداء ليبيا دون اي استثناء ونطالب بحقن دماء الاطفال والمدنيين العزل في اسرع وقت ممكن، بوقف كامل لاطلاق النار من جميع الاطراف، والبحث عن حلول سياسية لهذه الحرب الاهلية الدامية، تقود الى دولة ديمقراطية تسودها العدالة والمساواة، وحكم القانون، وتحول دون تقسيم البلاد او تفتيتها.
 
 

خطاب الاسد الثالث

بين خطاب الرئيس بشار الاسد الذي ألقاه في مجلس الشعب، وخطابه الذي القاه امس على مدرج جامعة دمشق فترة زمنية تمتد الى شهرين سقط خلالها 1500 شهيد، وآلاف الجرحى، وهروب اكثر من عشرة آلاف مواطن سوري الى الجانب الآخر من الحدود التركية للنجاة بارواحهم.

ما يمكن استخلاصه، وللوهلة الاولى، ان الحلول الامنية التي اتبعتها السلطات السورية في قتل المحتجين او اكبر عدد منهم، للسيطرة على الاوضاع، لم تحقق اهدافها، بل اعطت نتائج عكسية تماما، من حيث اتساع دائرة الاحتجاجات، ومشاركة اعداد اكبر فيها جمعة بعد جمعة.
خطاب الرئيس بشار الاسد الذي انتظرناه طويلا ومعنا كل السوريين وبعض العرب، لم يقدم جديدا ملموسا، او بالاحرى 'خريطة طريق' للخروج من المأزق الدموي الراهن الذي تعيش فصوله البلاد جمعة بعد اخرى، وكل ما تضمنه مجموعة جديدة من الوعود بالاصلاح، وحديث مطول عن المؤامرة.
الرئيس بشار حصر الازمة في مجموعة صغيرة من المخربين، وحملهم مسؤولية ما يحدث من اعمال عنف وصدامات مع قوات الامن وحرق المباني والمؤسسات العامة، وهذا تبسيط من الصعب ان يقنع غالبية الشعب التي تتابع ما يجري في بلادها بالصوت والصورة عبر الفضائيات العربية والاجنبية بأدق التفاصيل.
منذ بداية الازمة، قبل اربعة شهور، والرئيس بشار يتحدث عن تشكيل لجان، واحدة لتعديل الدستور، وثانية لوضع قانون للانتخابات، وثالثة للاعلام، ورابعة لمكافحة الفساد، وجميع هذه اللجان ما زالت تعمل، وتدرس، وتمحص، ولم نر النتائج على الارض حتى الآن.
مكافحة الفساد لا تحتاج الى لجنة، فرموز الفساد معروفة للرئيس بشار مثلما هي معروفة لاصغر طفل في سورية، فاذا كانت هناك نوايا فعلا لمحاسبتها، فان الامر لا يستغرق ساعات، فمثلما تعطى الاوامر للاجهزة الامنية باطلاق النار على المتظاهرين، ويتم التنفيذ فورا، يمكن ان تقوم بالشيء نفسه لاعتقال الفاسدين وتقديمهم الى محاكم عادلة مثلما شاهدنا ما حدث لنظرائهم في تونس ومصر.
الفساد موجود في بطانة الحكم السوري، مثلما كان موجودا في بطانة الحكم المصري، والشعب في سورية لا يمكن ان يصدق اي وعود بمحاربة الفساد الا عندما يرى رموزه خلف القضبان، ولا نعتقد ان مثل هذا الامر بات وشيكا في سورية. والدليل على ذلك ان السيد رامي مخلوف احد رموز الفساد والمحسوبية في سورية انتقل برمشة عين من كونه حوتا كبيرا يسيطر على مفاصل البزنس في سورية (60 ' من حجم الاعمال والشركات) بدعم من النظام، الى فاعل خير، يكرس ما تبقى من حياته للاعمال الخيرية.
' ' '
نصدق السيد مخلوف لو انه اعلن التبرع بالمليارات التي جناها على مدى السنوات العشر الماضية (عمره 41 عاما) الى الشعب السوري، ومشاريع توفير الوظائف لملايين العاطلين من اعماله، ومكافحة الفقر في الريف، تماما مثلما فعل بيل غيتس الملياردير الامريكي الذي كون ثروته بطرق مشروعة، وتبرع بثلاثين مليار دولار (اكثر من نصفها) لفقراء العالم الثالث، والشيء نفسه فعله ابن جلدته الملياردير الآخر وارين بافيت.
الشعب السوري لا يريد تخفيض اسعار المازوت ومواد البناء، وانما ديمقراطية ومحاسبة وعدالة اجتماعية، وانهاء كل انواع التمييز في الوظائف والمراكز، والمشاركة في تقرير مصيره من خلال مؤسسات منتخبة، واعلام حر، وخدمات تعليمية وصحية ترتقي الى الحد الادنى من المواصفات المتبعة ليس في العالم المتقدم فحسب وانما حتى في دول في العالم الثالث.
من يريد اصدار قانون للاعلام يؤسس لمرحلة جديدة من المهنية والحريات التعبيرية، يبادر فوراً لادخال اصلاحات في المؤسسات الاعلامية الحالية لتأكيد نواياه في هذا الصدد، وخاصة في محطات الاذاعة والتلفزة، ولا نرى اي مؤشر يوحي بتغييرات حقيقية مقنعة في هذا المضمار.
الرئيس بشار يقول في خطابه انه لا حل مع اناس يحملون السلاح، هذا كلام جميل، دعونا نقلب الآية ونقول ان الشعب قد لا يقبل الحوار مع من يطلقون عليه النار ويقتلون العشرات من ابنائه كل اسبوع، الامر الذي يجعلنا ندخل في دوامة من العنف يصعب بل يستحيل الخروج منها.
الحوار حتى ينجح يجب ان يسبقه قرار او هدنة من السلطة السورية، يتوقف خلالها اطلاق النار لمدة اسبوع او اسبوعين، لتوفير المناخات اللازمة، واعادة بعض الثقة، واعطاء المقابر اجازة من الجنازات شبه اليومية، في اكثر من مدينة او قرية على طول سورية وعرضها.
' ' '
توقفت كثيراً عند اعتراف الرئيس الاسد بان الازمة يمكن ان تمتد شهوراً او سنوات، ولذلك يجب ان يعمل الشعب على اعادة الامور الى وضعها الطبيعي، هذا الاعتراف، او هذه النبوءة، تعني ان الاصلاحات الموعودة ستتباطأ وقد تؤجل، وان اللجوء للحلول الامنية سيستمر، فالانتفاضة بدأت بسبب القمع الامني، وانتهاك حقوق الانسان، واهدار كرامته، واللجوء الى القوة لتركيع كل محتج باعتباره مخرباً وخارجاً عن النظام والقانون.
وتوقفت اكثر عند تساؤلات كثيرة طرحها الرئيس بشار في الخطاب، ابرزها دوره ومساهمته كفرد، وطبيعة النموذج الاقتصادي الذي يجب ان تتبناه سورية، اشتراكياً كان او رأسمالياً، فهل يعقل ان سورية حتى هذه اللحظة لا تعرف النظام الاقتصادي الذي يصلح لها، وهي التي تمتلك العقول الكبيرة في الوطن والمهجر، ثم من المسؤول عن هذا القصور؟
في الغرب يقيسون مدى أهمية اي خطاب للمسؤولين الكبار، وخاصة من يتربعون على قمة الهرم، بمعيار 'القيمة الاخبارية' ، واعترف انني كصحافي بحثت عن هذه القيمة الاخبارية في خطاب الرئيس بشار الثالث فلم أجد الا القليل، وهذا في رأيي مسؤولية من وضعوا النص وخيبوا آمال الكثيرين الذين كانوا ينتظرونه، ونحن منهم.
اعترف بانني شخصياً شعرت بالاهانة عندما شاهدت السيد رجب طيب أردوغان يرسل كتاباً الى الرئيس بشار ليستخرج من ثناياه مخرجاً من الازمة، وبلغت الاهانة ذروتها عندما سمعت السيد أردوغان يمهله اسبوعاً لتطبيق الاصلاحات مهدداً ومتوعداً في حال عدم التنفيذ. ولعل الرئيس بشار كان يرد عليه عندما قال انه لا ينتظر دروساً من احد بل سيعطي دروساً للآخرين.
لا نعرف طبيعة الدروس التي ستعطى للآخرين، هل هي تلك التي تمارسها اجهزة الامن في التصدي لمحتجين لا يملكون غير الحناجر واللافتات التي تهتف بالاصلاح، ام في التحجر الاقتصادي، واستفحال الفساد والمحسوبية باعتراف الرئيس بشار نفسه.
أردوغان يعطي الدروس ليس فقط للرئيس بشار وانما لجميع القادة العرب دون استثناء، لانه قدم نموذجاً فريداً في الديمقراطية والاصلاحات السياسية عبر صناديق الاقتراع، وفاز بثلاث ولايات متتالية بسبب نقله تركيا وفي اقل من عشر سنوات من كونها دولة متخلفة مدينة فاسدة منهارة اقتصادياً الى سادس اقوى اقتصاد في اوروبا، والسادس عشر على مستوى العالم وبنسبة نمو تصل الى ثمانية في المئة سنوياً.
عندما يحقق الرئيس بشار او اي زعيم عربي آخر هذه الانجازات او نصفها فاننا والآخرين على استعداد لتلقي الدروس منه مرفوقة بالشكر والامتنان اما قبل ذلك فلا وألف لا.