مقالات

نتنياهو يرفع الرايات البيضاء استسلاما ويستنجد بجون كيري طلبا لوقف اطلاق النار.. انها الخسائر المتعاظمة في جبهات القتال وصمود رجال المقاومة الاسطوري.. وشكرا اهل غزة

عندما يقول جون كيري وزير الخارجية الامريكي الثلاثاء ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو اتصل به طالبا مساعدة واشنطن من جديد للتوسط في وقف اطلاق النار في غزة، فهذا يعني انه رفع الراية البيضاء وادرك انه لن يحقق اي انتصار، صغير او كبير، في عدوانه الوحشي.

نتنياهو ذهب الى “المنقذ” الامريكي صاغرا متوسلا مستسلما، متخليا عن غروره وغطرسته، والفضل في ذلك يعود الى ابطال قطاع غزة الذين فاجأوا العالم بأسره بادارتهم الرائعة لهذه الحرب، وصمودهم المشرف في وجه العدوان، وصناعتهم العسكرية المتطورة، واعتمادهم على انفسهم، ودماء شهدائهم، وادارة الظهر لكل المتواطئين من العرب واموالهم وترسانات اسلحتهم التي لا تستخدم الا في قتل الشعوب.

نتنياهو الذي هدد بالامس فقط بتوسيع هجومه البري، وارسل طائراته الحربية المثقلة بالصواريخ والقنابل لارتكاب مجزرة راح ضحيتها عشرة اطفال شهداء ادرك انه مهزوم في هذه الحرب، فقرر الهروب وتقليص الخسائر.

اعتقد نتنياهو ان الحرب سهلة، ومثل سابقاتها، قصفا جويا مكثفا وقتل المئات من الابرياء، ثم بعد ذلك يأتي العرب في معسكر “الاعتدال” وادعياء الحكمة والواقعية والحرص على السلام لوقف اطلاق النار، ولكنها المرة الاولى، في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي، يرفض رجال المقاومة كل عروض وقف اطلاق النار التي لا تلبي شروطهم كاملة في رفع الحصار، والتصدي للعدوان الذي استعدوا له جيدا رغم الحصار والجوع وحملات التشويه والتضليل الاعلامية المكثفة.

***

نقطة التحول الرئيسية تتمثل في هذا الالتفاف الشعبي غير المسبوق، ومن كل التوجهات، حول المقاومة، واظهار اقوى صور الاستعداد لتقديم التضحيات والصمود في مواجهة العدوان، معززة بالتكافل الاجتماعي، والاعتماد على النفس والايمان بالنصر.

الانفاق ظلت وستبقى شامخة على حالها، عنوانا للابداع والعبقرية الفلسطينية، والصواريخ ما زالت تهبط كالمطر، وستظل، على المستوطنات الاسرائيلية والمدن الفلسطينية المحتلة في تل ابيب وحيفا ويافا والقدس وعسقلان واسدود، وتهدد باغلاق مطار تل ابيب في اي لحظة، وستكون اكثر دقة في اصابة اهدافها، وتحمل رؤوسا اكثر تدميرا.

الخوف كل الخوف من المتواطئين العرب الذين يخافون من ثقافة المقاومة اكثر من الاسرائيليين انفسهم، لكننا على ثقة انهم سيصابون الآن، وبعد رفع نتنياهو راية الاستسلام، وطلب طوق النجاة من كيري الذي كان يسبه بالامس، بحالة من الاكتئاب والانكسار “فبطلهم” الاسرائيلي لم يحقق طموحاتهم في القضاء على هذه الظاهرة، ونزع سلاح المقاومة، واغراق ابناء القطاع في السلام الاقتصادي، لانهم وبكل بساطة يجهلون هذا الشعب، ولا يعرفون عزيمته الجبارة، وحالة الاعتزاز والثقة بالنفس التي يتمتع بها.

فالوزير كيري جعلنا نضع ايدينا على قلوبنا خوفا من ان يسلب بعض العرب هذا الانتصار المشرف للمقاومة، عندما قال ان “هناك مفاوضات جديدة ستجري في القاهرة وستكون باكملها دون اي شروط مسبقة، ولن تعرقل قدرة اسرائيل في الدفاع عن نفسها”، فقاهرة اليوم ليست القاهرة التي عرفناها واحببناها، قاهرة حرب السويس وحرب الاستنزاف وحرب اكتوبر.

الوسطاء العرب صمتوا طوال الاسابيع الثلاثة الماضية من عمر العدوان، انتظارا لانتصار نتنياهو، وتوقعا لرفع اهل غزة الرايات البيضاء، وعندما طال انتظارهم نطقوا، نطقوا كفرا، وبتوجيههم اللوم للضحية وتبرئة الجلاد، مثلما سمعنا على لسان الامير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودي الاسبق.

نتنياهو تراجع بطريقة مذلة ومهينة عندما شاهد جنوده وضباطه يتساقطون مثل الذباب في هجمات المقاومة التي خرج عليهم رجالها من تحت الارض، وقاتلوا برجولة لم يتعود عليها هؤلاء ولم يحسبوا حسابها، ومعركة مستوطنة “نحال عوز″ شمال قطاع غزة التي اقتحمها رجال المقاومة وقتلوا عشرة من الجنود الاسرائيليين واصابوا العشرات خير شاهد.

مهندسو معجزة الانفاق، الذين لم يدرسوا في جامعات سانت هيرست وسانت بونيت العسكريتين او جامعة الامبيريال كوليدج المدنية وتخرجوا من اكاديمية الكرامة الاعرق تحت الارض، سيعيدون بناء ما دمرته اسرائيل وطائراتها فوق الارض، وسيفرضون شروطهم كاملة، وستكون انجازاتهم ورجولتهم هما الضمانة الوحيد لالزام نتنياهو، هذا اذا بقي في السلطة، بتلبية شروط او بنود اي اتفاق جديد.

***

عندما يحمل الآباء جثامين اطفالهم الطاهرة الى مقابر الشهداء، وصادحين بالدعم للمقاومة ورجالها، ومستعدين لتقديم ما تبقى من ابنائهم فداء للوطن، فهذا شعب لا يمكن ان يهزم.

فالشرعية هي المقاومة والمقاومة هي الشرعية، وعملية التغيير بدأت، وستنطلق من مقابر الشهداء وانفاق غزة، وبسواعد رجالها، الذين حققوا معجزة الانتصار في زمن التخاذل.

شكرا لابطال غزة الذين غيروا كل المعادلات، واعادوا الكرامة الى هذه الامة، وضربوا اروع الامثلة في الصمود وكسر حاجز الخوف والرهبة، واثبتوا ان الارادة القوية، والعزيمة الصادقة، والسباق نحو الشهادة، اقوى من كل طائرات امريكا، وقبب اسرائيل الحديدة، ودبابات “الميركافا”.

نتنياهو ويعالون جرى تلقينهم اصعب الدروس، واحترقت اصابعهم في غزة، وسيحسبوا الف حساب في المرة القادمة قبل ان يفكرا بتكرار عدوانهم مرة اخرى.

“مزاد” امريكي لنزع سلاح المقاومة مقابل خمسين مليارا والسماسرة كثيرون.. وفجعنا الامير تركي الفيصل بتحميل حماس وليس نتنياهو مسؤولية العدوان وتبعاته

عبد الباري عطوان

بات واضحا ان معظم الاتصالات والوساطات التي تجري حاليا، سواء كان محورها باريس او واشنطن او القاهرة تتركز حول نقطة واحدة اساسية وهي “شراء” سلاح المقاومة تحت عنوان رئيسي وهو اعادة اعمار قطاع غزة، وتحسين الظروف الاقتصادية لابنائه، في تطبيق “حرفي” لما يجري حاليا في الضفة الغربية، وبما يخلق “وحدة حال” وليس “وحدة مقاومة”.

المعادلة السابقة التي تتحدث عن “تهدئة مقابل التهدئة” تجاوزتها الاحداث، وباتت من الماضي، والشيء نفسه يقال عن الصواريخ والانفاق، المعادلة الجديدة ترتكز على مفهوم قديم متجدد “السلام الاقتصادي مقابل الامن”، والامن هنا لاسرائيل ومستوطنيها، وهي المعادلة التي ترسخت بعد القضاء على الانتفاضة الثانية، وتشكيل قوات الامن الفلسطينية وفق تعليمات وتصورات الجنرال الامريكي دايتون لحماية اسرائيل ووأد المقاومة.

الصمود الاسطوري الذي اظهره رجال المقاومة والخسائر السياسية والاقتصادية ومن ثم العسكرية التي اوقعوها باسرائيل وقواتها فاجأ بنيامين نتنياهو مثلما فاجأ قيادته العسكرية، وحتى امريكا نفسها، فمقتل اكثر من سبعين عسكريا اسرائيليا بينهم ضباط كبار، وظهور اسلحة متطورة، وادارة الجناح العسكري لحركة “حماس″ والفصائل الاخرى، والجهاد خاصة، المعركة بطريقة عجزت عنها جيوش عسكرية متضخمة بالرتب والنياشين، وخريجي كليات عسكرية شهيرة مثل “ويست بوينت” الامريكية، و”سانت هيرست” البريطانية، كل هذا اصاب الاسرائيليين بحالة من الرعب من المستقبل وليس من الحاضر فقط، فعندما يتوقف مطار تل ابيب عن العمل وتلغي شركات عالمية كبرى رحلاتها فهذا من اعظم الانتصارات المعنوية التي تحققت في هذه الحرب والحروب الاخرى.

***

قبل عامين، واثناء حرب “عامود السحاب” حسب التسمية الاسرائيلية، لم تكن هناك حرب انفاق ولم تكن الصواريخ المصنعة محليا على هذه الدرجة من الدقة، ولا التكتيكات العسكرية في فنون المواجهة، ولم تطلق فصائل المقاومة طائرات دون طيارن وعلينا ان نتخيل كيف سيكون عليه الحال بعد عامين، او خمسة او عشرة؟ انها معجزة يقف خلفها رجال قل نظيرهم.

نتنياهو حتى كتابة هذه السطور لم يحقق انجازا واحدا، الا اذا اعتبرنا قتل الاطفال وتدمير البيوت انجازا، فلم يوقف عدوانه الصواريخ، ولم يدمر الانفاق، ولم يغتل مسؤولا واحدا من الصف الاول لحركة حماس او الجهاد الاسلامي او الفصائل الاخرى، ولم يكسر عزيمة اهل غزة والتفافهم حول مقاومتهم رغم تضخم اعداد الشهداء وحجم الدمار.

اسرائيل، وبعد عشرين يوما من عدوانها على قطاع غزة، او مجازرها التي ارتكبتها، باتت بلا اصدقاء، او تراجع عددهم بشكل كبير، واصبحت مكروهة في اوساط حلفائها في الرأي العام الغربي، ومن طالع تغطية الصحف البريطانية الداعمة عادة لاسرائيل ظالمة او مظلومة، وهي دائما ظالمة على اي حال، يرى الفرق الكبير في التغطية بين الحروب الماضية والحرب الحالية.

في حرب “الرصاص المصبوب” عام 2006، لم يدخل مراسلا اجنبيا واحدا قطاع غزة اثناء العدوان، وسمحت لهم السلطات الاسرائيلية بتغطية الحرب من تلة صغيرة مطلة على القطاع من مسافة ثلاثة كيلومترات، ويعتمدون في معلوماتهم على الرواية الرسمية الاسرائيلية المضللة.

في هذه الحرب دخل كبار الصحافيين الاجانب الى القطاع، وبثوا نشرات اخبارهم من وسط الدمار، ومن عنابر الجرحى في مستشفى الشفاء، وتحدثوا عن الاسلحة المحرمة دوليا التي استخدمت، وصوروا اشلاء الاطفال الذين مزقت جثامينهم الطاهرة القنابل الاسرائيلية.

جون سنو الصحافي الاشهر في بريطانيا اقام استوديو بث مباشر لنشرته الاخبارية في القناة الرابعة المستقلة من وسط احياء غزة المدمرة، وقال ان الجيش الاسرائيلي “الحضاري” يعطي الأسر ثلاث دقائق انذارا قبل تدمير بيوتهم، وهي كافية فقط للنجاة بأرواحهم وبملابسهم التي يرتدونها، اما صحيفة “الديلي تلغراف” اليمينية فقد نشرت صور واسماء الاطفال والنساء الشهداء في صفحتين وبطريقة غير مسبوقة في العالم الغربي.

لي قريب يقيم في مخيم الشاطيء في غرب مدينة غزة، قال لي في مكالمة هاتفية ان المشكلة الاكبر التي يواجهها هي كيفية اجلاء والدته ووالده المقعدين على كرسيين متحركين في حالة طلب منهم المغادرة قبل قصف المنزل فكل واحد منهم يحتاج الى اربعة رجال لحمله، ولذلك وكل امره وامرهما الى الله ولن يغادر المنزل.

نحن الآن نتابع مسلسلا مرعبا من القتل والدمار، ولكننا في الوقت نفسه نتايع “مزادا” موازيا لثمن التخلي عن سلاح المقاومة والصناعات العسكرية التي اذهلت العالم بتقدمها، وقد وصل هذا المزاد الذي يقوده جون كيري وزير الخارجية الامريكي الى خمسين مليارا، ومن الواضح ان دولا عربية خليجية هي التي ستغطي هذا المبلغ كاملان تماما مثلما غطت حروب تدمير العراق.

لا نجادل مطلقا في ان اهل قطاع غزة يحتاجون الى هدنة مع اسرائيل توقف سفك الدماء ومسلسل الدمار تحقق لهم مطالبهم العادلة وابرزها رفع الحصار، لكن الهدنة الاهم المطلوبة حاليا هي بين معسكرين عربيين يتقاتلان فيما بينهما عبر “اسلحة” المبادرات لوقف اطلاق النار، وبما يصب في نهاية المطاف الى اطالة امد الحرب والدمار وزيادة عدد الشهداء، وخدمة مشاريع نتنياهو.

الامير تركي الفيصل رئيس جهاز المخابرات السعودي الاسبق فجعنا عندما نشر مقالا في صحيفة “الشرق الاوسط اون لاين” يوم الجمعة حملّ فيه حركة “حماس″ مسؤولية ما يحدث في قطاع غزة من مجازر “لتكرارها اخطاء الماضي وغطرستها عبر ارسالها الصواريخ عديمة الاثر الى اسرائيل”.

***

اقول فجعنا لان الامير حمّل المسؤولية الى الضحية وكأنه يبريء الجلاد بصورة غير مباشرة، وهذا امر صادم بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لانه جاء من فم رجل استشهد والده لانه اعلن “الجهاد” لتحرير القدس المحتلة، واستخدم سلاح النفط لنصرة اشقائه المصريين والسوريين اثناء حرب رمضان اكتوبر عام 1973.

حماس حركة مقاومة، مثلها مثل كل الفصائل الاخرى، تأسست من اجل التصدي لاحتلال يحتل الارض والمقدسات، بعد ان فشلت كل البدائل “السلمية” العربية الاخرى، وآخرها مبادرة السلام العربية التي احتقرتها اسرائيل وبالت عليها.

السؤال الذي نتمنى ان نتلقى عليه اجابة من الامير الفيصل وكل الذين يقفون في معسكره، هو عن اسباب صمتهم ولاكثر من ثماني اعوام على الحصار الاسرائيلي الخانق المذل لاكثر من مليوني فلسطيني عربي مسلم، واغلاق المعابر لاشهر متواصلة، وهي كانوا يتوقعون ان يبقى ابناء غزة في هذا الوضع المذل المزري الى ما لا نهاية حتى يثبتوا انهم عقلاء وغير متغطرسين او متهورين؟

هل قرأ الامير التقارير الاخبارية الاسرائيلية الموثقة التي تحدثت عن احصاء السلطات الاسرائيلية للسعرات الحرارية التي كانت تسمح بدخولها الى القطاع للرجل والمرأة، وبما يكفي لبقائهم على قيد الحياة فقط؟ فماذا فعل العرب، معتدلين كانوا او متطرفين لوقف هذا الاذلال واعمال التجويع لاشقائهم في القطاع؟

العدوان على قطاع غزة يجب ان يوحد العرب جميعا خلف واجب التصدي له، ووضع كل الخلافات والمماحكات جانبا، ولكن هذا لم يحدث للاسف، بل ازدادت هذه المماحكات والمناكفات القبلية العشائرية العربية سخونة على حساب اشلاء الشهداء الاطفال.

سلاح المقاومة لا يباع، تماما مثل حق العودة، والارض الفلسطينية المقدسة، مهما بلغ حجم المليارات التي يعرضها السمسار الامريكي وشريكه الاوروبي، ولو كان ابطال المقاومة يبحثون عن المال والعيش الرغد لما تحولوا الى مشاريع شهادة، وحملوا راية “الجهاد” في وقت يتآمر فيه اشقاؤهم العرب عليهم مع العدو الاسرائيلي.

رسالتنا للاشقاء العرب ان يصمتوا وان يوفروا نصائحهم اذا كانوا لا يريدون الوقوف في معسكر الشهداء والمدافعين بشرف وكرامة عن القطاع في مواجهة العدوان الاسرائيلي الشرس والهمجي، فأهل غزة لا ينتظرون منهم شيئا غير كف شرهم عنهم.

مليارديرات “حماس″: هنية يملك اربعة مليارات.. ومشعل خمسة.. وابو مرزوق ثلاثة.. والله عيب يا اعلام مصر ان تهبط الى هذا المستوى في حملاتكم التحريضية على قادة يتصدون لابشع عدوان

ان تستمر الحملة الاعلامية التي تشنها صحف ومحطات تلفزة مصرية على حركة المقاومة الاسلامية “حماس″ وفصائل اخرى في الوقت الذي يستمر العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة ويزداد شراسة، وتتصاعد ارقام الشهداء والجرحى، من الاطفال خصوصا، فهذا امر معيب تتحمل مسؤوليته السلطات المصرية التي تمادت في الاساءة للشعب الفلسطيني، ولم تحترم الحد الادنى من “اخلاقيات” خصومه اخترعتها هي، مستغلة ضعف الطرف الآخر، ومن منطلقات استعلائية غير مفهومة وغير مقبولة معا.

فمن العار ان تظهر مذيعات ومذيعون مصريون على الشاشات المصرية وينتصرون لبنيامين نتنياهو ويطالبونه باكمال حرب الابادة حتى القضاء على آخر فلسطيني في قطاع غزة، ومن العار ايضا ان تمتلأ صحف مصرية بمقالات تخطّيء المقاومة وتحملها مسؤولية العدوان على القطاع، وتتشفى بدماء الاطفال والشهداء، و”تزغرد” ابتهاجا بكل غارة اسرائيلية تطلق صواريخها وحممها لتمزيق اللحم الفلسطيني وتشرد مئات الآلاف في العراء وفي شهر رمضان الكريم.

من يتابع حملات الحقد والكراهية هذه يتبادر الى ذهنه ان الشعب الفلسطيني احتل مصر، وانتهك عرض نسائها، ونهب ثرواتها واذل رجالها وحول مياه نيلها، وفرض عليها حصارا تجويعيا خانقا، تماما مثلما فعل “الهكسوس″ او التتار وكل الغزاة الآخرين.

قطاع غزة الذي لا تزيد مساحته عن 150 ميلا مربعا، ويعتبر اكثر مناطق العالم ازدحاما بالسكان، اصبح في نظر الكثير من الاعلاميين المصريين دولة عظمى تملك قنابل نووية، وتشكل الخطر الاكبر على امن مصر واستقرارها حتى في ظل المجازر التي يتعرض لها على ايدي الاسرائيليين على مدى عشرين يوما من القصف المتواصل برا وبحرا وجوا.

***

مظاهرات احتجاج على هذا العدوان انطلقت في معظم العواصم العالمية: في لندن، في باريس، في واشنطن، في الهند، في باكستان، في بنغلاديش، ولا مظاهرة واحدة في القاهرة ترتقي الى مكانة مصر ودورها وتعكس روابط الجوار والتاريخ المشترك.

صبرنا كثيرا على هذه الحملة، وقررنا عدم الرد لان معركتنا ليست مع مصر، ولن تكون، ولان العدو الذي يسفك الدماء هو اسرائيل المدعومة امريكيا وغربيا، ولاننا اعتقدنا ان هذا العدوان الوحشي قد يعيد احياء بعض الضمائر الميتة، او يحرك مشاعر الاخوة والمحبة، ولكن اعتقادنا لم يكن في محله للأسف.

فتحنا اعيننا هذا الصباح على تقرير طويل نشرته صحيفة مصرية، تعتبر واحدة من الاوسع انتشارا، نقلا عن صحيفة اسرائيلية تدعى “غلوبس″ يكشف النقاب عن الحسابات البنكية الخاصة بقيادات حركة “حماس″، وزعم التقرير ان السيد اسماعيل هنية يملك اربعة مليارات دولار، بينما تصل ثروة السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي للحركة من 2 ـ 5 مليارات، اما السيد موسى ابو مرزوق فتبلغ ثروته ثلاثة مليارات دولار، علاوة على اساطيل السيارات الفارهة والشقق الفخمة في عواصم عالمية.

الحديث عن ثروات القادة الفلسطينيين بهذه الصورة المضخمة ليس جديدا في مصر، فقد قرأنا تحقيقات ومقالات في هذا الخصوص لاقلام معروفة في حينها مثل موسى صبري وانيس منصور وصلاح قبضايا، صبت كلها في تصعيد الكراهية للشعب الفلسطيني وتحريض الشعب المصري ضده، وبما يبرر زيارة الرئيس محمد انور السادات للقدس المحتلة ومخاطبة الكنيست، وتوقيع اتفاقات كامب ديفيد بعد ذلك في نسف للارث القومي المصري الذي بناه وعزز اسسه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وجعل قضية فلسطين ومواجهة المشروع الاسرائيلي العدواني عنوانه الرئيسي.

نفهم، ولا نتفهم مطلقا لجوء الرئيس السادات الى هذا التحريض الاعلامي كضربة استباقية لتوفير الغطاء لشق الصف العربي والتفريط بحقوق العرب المشروعة في فلسطين، ولكن لا نفهم لماذا يلجأ الرئيس عبد الفتاح السيسي للاسلوب نفسه، بل ما هو اشرس منه، وفي مثل هذا التوقيت التي تتعرض فيها الامتين العربية والاسلامية الى مثل هذا العدوان الدموي الوحشي؟

انا اعرف شخصيا جميع قادة “حماس″ الذين وردت اسماؤهم في هذا التقرير المفبرك، فالسيد هنية ما زال يعيش في مخيم الشاطيء للاجئين الفلسطينيين وفي بيت بسيط ومتواضع جدا، ويعيش حياة متقشفة مثل باقي اهل المخيم، ويمكن ان يتعرض للاغتيال في اي لحظة، اما الدكتور موسى ابو مرزوق فلا يبعد بيته في مخيم “يبنا” عن بيتنا في مخيم اسدود في رفح الا خمسين مترا، وتوفيت والدته في البيت نفسه ولم تنقل للعلاج في مصر او غيرها من المرض الذي اقعدها، وقول الصحيفة نفسها انه ذهب الى امريكا في التسعينيات، نقلا عن شهادة ضابط اسرائيلي، من اجل الحصول على اموال لتمويل ودعم حركة “حماس″ من شخصيات امريكية ثرية، فلا يستحق التعليق عليه، لان الدكتور ابو مرزوق كان في حينها معتقلا في احد السجون الاسرائيلية، وكنت ارسل له اشتراكا يوميا في الصحيفة التي كنت اترأس تحريرها في لندن، وعلى تواصل دائم معه.

وبقي السيد خالد مشعل الذي قالت الصحيفة انه يملك خمسة مليارات دولار، وانا شخصيا زرته في مكتبه وبيته في دمشق، واعرف جيدا انه زوّج ابنته من احد كوادر حركة “حماس″ وهو شاب بسيط ينتمي الى اسرة معدمة من مخيم اليرموك في سورية، وكان حفل الزفاف متواضعا جدا.

لو قالت الصحيفة المصرية ان ثروة هؤلاء بالملايين، وهي ليست كذلك حتما، ربما وجدت من يصدقها، ولكن بالمليارات فهذا ابشع انواع الفبركة ولدينا مثل يقول “كيف عرفتها كذبة فيرد لانك كبرتها”.

من يقف خلف نشر هذا المقال ليس غبيا ويعرف جيدا ماذا يفعل، فعندما يقرأ اشقاؤنا البسطاء المعدمين الذين يعيشون على الكفاف في مصر مثل هذه الارقام يميل معظمهم الى تصديقها للأسف، وانا تعلمت في الجامعات المصرية، واعرف تأثير الاعلام وحملاته على البسطاء، وتابعت كيف نجح هذا الاعلام في تحويل توجه الشعب المصري من المحبة المطلقة للعرب والعروبة الى الكراهية الحاقدة لهم عندما اراد الرئيس السادات نقل البندقية من الكتف الروسي الى الكتف الامريكي، وحرف السياسة المصرية تجاه التطبيع مع اسرائيل ورفع علمها في قلب القاهرة.

***

سنظل، ورغم جرحنا الغائر من جراء هذه الحملات الاعلامية الظالمة، نثق بالشعب المصري الشقيق ونعتبره عمقا وسندا لنا وللعرب جميعا، فهذا الشعب الذي قدم اكثر من مئة الف شهيد نصرة للقضية الفلسطينية لا يمكن الا ان يكون في خندقها، وان حملات التحريض هذه، على شراستها، ستظل محدودة الاثر، ومجرد سحابة عابرة مثل كل سابقاتها، اما الزبد فيذهب هباء واما ما ينفع الناس فيمكث في الارض”.

مصر العراقة والتاريخ ونصرة المظلوم والانتصار لقضايا الحق والعدل التي عرفناها واحببناها لن تتغير في اذهاننا، وسنورث حبها، وعرفاننا بجميلها، لكل ابنائنا واحفادنا، اما هؤلاء الذين يتطاولون على اشقائهم المحاصرين المجوعين الذين يعيشون تحت القصف وينتظرون الشهادة في اي لحظة، ويقفون في خندق العدوان الاسرائيلي، فلا يسيئون للشعب الفلسطيني بقدر ما يسيئون لمصر والى دينهم وعقيدتهم، وارث شعبهم وتاريخه المشرف في الانتصار لقضايا الحق والعدل.

نحن متيقنون ان شرفاء مصر هم الاغلبية الساحقة، وهؤلاء لا يمكن ان يقبلوا بهذه الاساءات لمصر قبل الشعب الفلسطيني وبهذه الطريقة الهابطة والمستهجنة، اساءات لاناس يقفون في خندق المواجهة لعدو شرس دموي يتآمر على مصر ودورها ومكانتها ونيلها.

فخامة الرئيس السيسي لا “نزايد” عليك ولكن خطابك خيب آمالنا لخلوه من الحد الادنى من التعاطف مع اشلاء الشهداء الاطفال في غزة.. لا نطالبك بحشد الجيوش.. وانما بفتح معبر وانهاء الحصار فقط فهل هذا بكثير؟!

عبد الباري عطوان

تابعت الخطاب الذي القاه الرئيس الفلسطيني محمود عباس مساء الثلاثاء في اجتماع القيادة الفلسطينية لعلي اجد فيه موقفا شجاعا يرفع من معنويات الذين يواجهون المجازر الاسرائيلية ويدافعون عن كرامة الامة في قطاع غزة، ولكني اصبت بخيبة امل اخرى اكبر من كل خيبات الامل السابقة، فقد جاء الخطاب “التاريخي” عرضا مملا لجولة الرئيس ومقابلاته مع بعض الزعماء والمسؤولين من اجل وقف اطلاق النار، وكأن العدوان يستهدف هنودا حمرا في غابات الامازون.

اعتقدت ان خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي القاه ظهر الاربعاء سيكون مختلفا، لانه يأتي بمناسبة ثورة 23 تموز (يوليو) عام 1952 التي ارخت لفجر مصري وعربي جديد غّير كل المعادلات السياسية والفكرية في المنطقة العربية باسرها، وارخ لدور مصري ريادي وقيادي حظي باحترام العالم باسره، لتبنيه الوقوف في خندق القضايا الانسانية والسياسية العادلة، والانتصار للمظلومين سواء داخل مصر او خارجها، ولكن خيبة املي الثانية كانت اكبر من الاولى، خاصة ان العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة “مسقط رأسي” لم يستغرق في الخطاب الا ست دقائق.

***

الرئيس السيسي قال ان مصر قدمت اكثر من مئة الف شهيد دفاعا عن القضية الفلسطينية، واضعاف هذا الرقم من الجرحى، وطالب بان لا “يزايد” عليه احد في هذا المضمار، ونحن نتفق معه كليا في الجزئية الاولى ونختلف معه في الثانية المتعلقة بتعبير “المزايدة” التي ما كنا نتمنى على كاتب خطاب الرئيس ان يستخدمها في هذا السياق.

جميع الحروب التي خاضها الجيش المصري جاءت بالدرجة الاولى دفاعا عن مصر وامنها القومي وسيادتها الوطنية في مواجهة مشروع اسرائيلي توسعي يهدد هذا الامن، ويريد الانتقاص من هذه السيادة، ومن المؤسف ان الدور المصري القيادي والريادي تراجع الى حدوده الدنيا منذ ان رفعت قيادات مصرية سابقة التي ورثت الحكم بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر الرايات البيضاء، وتقوقعت داخل حدودها، وما الاخطار التي تهدد مصر حاليا التي تحدث عنها الرئيس السيسي حاليا الا نتيجة لهذا التقوقع، والتخلي عن الدور القيادي الريادي الذي افقد مصر هيبتها ومكانتها، واوصلها لما هي فيخ من ازمات.

مطالبنا من مصر العظيمة تواضعت الى درجة فتح معبر امام الجرحى والمرضى، وان تكون وسيطا محايدا نزيها، ولم نعد نطالب، او حتى نجرؤ على المطالبة، بارسال وحدات من الجيش المصري وطائراته ودباباته الحديثة للتصدي للعدوان الاسرائيلي، والانتصار للاطفال والرضع الذين تذبحهم صواريخ الطائرات والدبابات الاسرائيلية، وتدمر بيوتهم فوق رؤوس قاطنيها، وتقصفهم من البر والبحر والجو، وقادة الجيوش العربية يتفرجون، بل ويديرون وجوههم الى الناحية الاخرى حتى لا يرون اشلاء جثامين الشهداء الاطفال، بل ربما انعدمت النخوة والشهامة عند معظمهم ان لم يكن كلهم.

الرئيس السيسي قال انه سيقف مع الاشقاء الخليجيين في مواجهة اي عدوان ايراني يمكن ان يستهدفهم، وسيرسل الجيش المصري بكل وحداته وفرقه لاداء واجباته تجاه اهله واشقائه، فالمسألة فقط “مسافة السكة”، وهذا موقف وطني واخلاقي يحمد عليه، ولكن لماذا لا نرى الموقف نفسه تجاه اهل قطاع غزة الذين يتعرضون لعدوان حقيقي وليس لعدوان ايراني “افتراضي” وبصورة وحشية.

بحثت عن كلمة واحدة في خطاب الرئيس السيسي الرجل المؤمن الذي يؤدي الفروض جميعا في اوقاتها تدين العدوان الاسرائيلي ووحشيته وقتله للاطفال وتحذره من التمادي، وتنتصر للعزل المحاصرين، ولكني لم اجد هذه الكلمة او العبارة، فحتى الكلام، ونحن لا نتحدث هنا عن الافعال، باتت عملة نادرة لان العدو اسرائيلي.

ندرك جيدا ان هناك عداءا مستفحلا بين الرئيس السيسي وحركة “حماس″ بسبب تأييد الاخيرة لحركة الاخوان المسلمين والرئيس محمد مرسي، ولكن ليس جميع اهل القطاع ينتمون الى هذه الحركة، وان انتموا فهذا حقهم، مثلهم تماما مثل اكثر من نصف الشعب المصري، مثلما رأينا في الانتخابات البرلمانية والرئاسية، ومن انتخب الرئيس مرسي ليس حركة حماس ولا ابناء قطاع غزة وانما المصريون انفسهم.

سبع سنوات ومليونا فلسطيني تحت الحصار يعيشون في ظروف صعبة وغير انسانية، وازدادت صعوبة منذ وصول الرئيس السيسي الى الحكم في العام الماضي، سواء بشكل مباشر او من خلف ستار، فما العيب ان يطالب قادة الفصائل الفلسطينية التي تتصدى للعدوان وحركة حماس من بينها، برفع الحصار وفتح المعابر، وحرية الصيد والزراعة واعادة تشغيل المطار والميناء؟ فهل هذه المطالب الانسانية تشكل خطرا امنيا على الجار المصري، والمطالبة بها انتقاص من مصر وسيادتها وهيبتها؟

تمسك فصائل المقاومة بهذه المطالب قبل وقف اطلاق النار لا يعود الى عدم الثقة في مصر، وانما لعدم الثقة بالاسرائيليين، فها هو الرئيس عباس يتفاوض منذ عشرين عاما ولم يحصل على تنازل واحد ولو صغير من الاسرائيليين ولم ينجح في منع بناء شقة واحدة من المستوطنات، وها هي امريكا تضمن اتفاقات عديدة دون ان تلزم اسرائيل بها، عندما تخترقها وترمي بها عرض الحائط “فالمقروض يخاف من جرة الحبل” مثلما يقول المثل العربي المعروف، لماذا لا تكون مصر العظيمة داعمة لهذه المطالب وسندا لها؟

الرئيس السيسي طالب حركة “حماس″ دون ان يسميها، باجراء مراجعة لمواقفها، ولكنه هو نفسه اولى بهذه المراجعة لسياساته تجاه ابناء القطاع الذين يكنون كل الحب والتقدير والعرفان بالجميل لمصر وشعبها، فهذا الموقف العدائي من هؤلاء غير مبرر وغير مقبول على الاطلاق، فهل من المنطقي ان يتشاور الرئيس السيسي حول بنود مبادرته مع الطرف الاسرائيلي المعتدي ولا يتشاور مع فصائل المقاومة، او حتى يعرضها عليها مباشرة وليس عبر وسائل الاعلام، وجمعيها تكن لمصر اسمى آيات التقدير والاحترام.

***

الرئيس السيسي يفتخر بانتمائه الى ارث الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ويؤكد بكل الطرق والوسائل انه يسير على نهجه وسياساته، وهذا امر جميل، ولكن نسأله وبكل احترام انه لو كان عبد الناصر هو رئيس مصر حاليا هل يصمت على هذا العدوان، بل هل كانت اسرائيل ستجرؤ على ارتكاب مجازرها هذه؟

نعم مصر مهددة وتواجه اخطارا كبيرة من كيانات صغيرة وكبيرة، ولكن حتى تتحصن في مواجهة هذه الاخطار لا بد من اتباع سياسات اكثر تواضعا مع الضعفاء، واكثر صلابة وقوة في وجه المعتدين، سياسات توحد مصر اولا والعرب جميعا، فقراء واغنياء، خلف مصر وشعبها وقيادتها في مواجهة هذه الاخطار.

مصر تكبر بالقضايا الكبرى، وتصغر وتنكمش بالصغائر منها، ولم تصل الى مكانتها الا بتبنيها لقضية فلسطين وانتصارها لها ولاهلها، فالعدالة كل لا يتجزأ، والانتصار للعدالة الداخلية لا يكتمل الا بالانتصار لقيم العدالة لشعوب جارة مثل الشعب الفلسطيني.

ختاما نتمنى على الرئيس السيسي ان يتصرف تصرف بعض رؤساء دول امريكا اللاتينية الذين طردوا السفراء الاسرائيليين احتجاجا، وان يوقف حملات التحريض الاعلامي البشعة ضد اهلنا في غزة وهم في مواجهة العدوان ويذهب بعضها الى حد حث نتنياهو على المزيد من المجازر في حقهم، وكأن هؤلاء احتلوا مصر وحاصروا شعبها وجوعوه وذبحوا اطفاله، ومنعوا عنه الدواء والغذاء، والذي اوقف برنامج باسم يوسف يستطيع ان يوقف هؤلاء بجرة قلم، لانه يعرف جيدا من يقف خلف حملات التحريض البشعة هذه التي تسيء لمصر وتراثها المشرف قبل ان تسيء للفلسطينيين.

نريد لمصر وشعبها الطيب كل الازدهار والاستقرار دائما، ولكننا نود التذكير بان مصر عاشت افضل نماذج هذا الاستقرار والازدهار والعدالة الاجتماعية عندما انحازت للمظلومين داخلها وفي الوطن العربي والعالم بأسره.

ان يتحول عباس الى وسيط في حرب غزة فهذه واحدة من اكبر نكسات الشعب الفلسطيني.. ونصيحتنا لقادة المقاومة ان يرفضوا مبادرته ومصيدة المفاضات التي نُصبت لسرقة دماء الشهداء

عبد الباري عطوان

من اكبر النكسات التي لحقت بالشعب الفلسطيني منذ بدء العدوان الاسرائيلي الوحشي على قطاع غزة، ان يتحول الرئيس الفلسطيني محمود عباس الى واحد من الوسطاء الذين يسعون الى وقف هذا العدوان جنبا الى جنب مع بان كي مون امين عام الامم المتحدة، وجون كيري وزير الخارجية الامريكي وآخرين.

استمعت اليوم الى تصريحات ادلى بها السيد عزام الاحمد عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” والذراع الايمن للرئيس عباس التي قال فيها “ان القيادة الفلسطينية قدمت اقتراحا في اطار المبادرة المصرية للتهدئة في غزة، يتضمن وقف اطلاق النار يعقبه مفاوضات تستمر خمسة ايام”، واضاف “ان مصر لم تمانع بالنسبة لهذا الاقتراح”.

السيد الاحمد ينطبق عليه المثل الذي يقول “واخيرا فسر الماء بالماء”، فالمقترحات التي يتحدث عنها لا تتضمن اي جديد وتأتي تكرارا لجوهر المبادرة المصرية، باستثناء وضع سقف زمني للمفاوضات بين وفد المقاومة المفاوض من جهة، والوفد الاسرائيلي من جهة اخرى عمره خمسة ايام فقط.

المسؤولون في السلطة الفلسطينية “مهووسون” لشيء اسمه المفاوضات وآلياتها واسقفها الزمنية، وكأن خبرتهم “الطويلة جدا” في هذا الميدان “وردية” و”مثمرة” يجب اقتداء الآخرين بها، وفصائل المقاومة على وجه الخصوص.

السيد الاحمد وريسه وزملاؤه في السلطة يفاوضون اسرائيل منذ اثنين وعشرين عاما، اي منذ بدء مفاوضات اوسلو ومع ذلك لم يحققوا اي تقدم بل ما حدث هو العكس تماما، فقد انكمشت مساحة الارض التي كانوا يفاوضون من اجل استرجاعها بمقدار الثلث، وارتفع عدد المستوطنين الى 700 الف مستوطن واصبحوا دولة مستقلة بذاتها، وارقامهم ورقعتهم الاستيطانية في تزايد وتحظى بحماية السلطة وقوات امنها.

فصائل المقاومة الفلسطينية التي تتصدى برجولة مشرفة للعدوان الاسرائيلي تعرف هذه الحقائق، وتستوعب دروس فشل السلطة بشكل معمق ولا تريد الوقوع في مصيدتها، ولهذا ترفض رفضا قاطعا اي مفاوضات بعد وقف اطلاق النار وتريد اتفاقا متكاملا واضح المعالم يلبي مطالبها وهي محقه تماما في هذا الموقف، وتجد تأييدا مفتوحا من الاغلبية الساحقة من ابناء الشعب الفلسطيني (باستثناء السلطة) بما في ذلك اسر الشهداء والجرحى الذين لا يريدون ان تذهب دماء ابنائهم سدى.

***

ندرك جيدا، قبل ان يسارع البعض بالقول بأن كل يوم يمر دون وقف الحرب يعني المزيد من الشهداء والجرحى، ان وضع اهلنا في قطاع غزة صعب جدا في مواجهة عدو يتعمد قتل الاطفال وتدمير البيوت، او ما تبقى منها، فوق رؤوس اصحابها، ولكننا ندرك في الوقت نفسه ان القيادة الاسرائيلية المهزومة والمرتبكة، تريد استخدام مجازرها كورقة ضغط على فصائل المقاومة لاجبارها على رفع الرايات البيضاء والتنازل كليا عن مطالبها العادلة في رفع الحصار.

القبول بوقف اطلاق النار ثم الذهاب الى مصيدة المفاوضات التي جرى نصبها باحكام، يعني الدخول في متاهة لا مخرج منها، والقول بان هذه المفاوضات ستنتهي في خمسة ايام حول قضايا سياسية وفنية معقدة مثل فخ المعابر والمطار والميناء واعادة الاعمار، وانهاء المنطقة العازلة الحدودية البرية وفتح البحر امام حرية الصيد، هو ضحك على الذقون واستخفاف بالعقول، لان بحث هذه القضايا، منفردة او مجتمعة، والاتفاق عليها، مع عدو مراوغ مبتز يحتاج الى خمسة قرون وليس خمسة ايام، وكبير مفاوضي السلطة الدكتور صائب عريقات ورئيسه اول من يعرف هذه الحقيقة.

ثم بعد ذلك نأتي الى مسألة في غاية الخطورة والاهمية معا، وهي مسالة الضمانات بشأن التزام الطرف الاسرائيلي بالاتفاقات التي يمكن ان تتبلور من خلال هذه المفاوضات، وآليات تنفيذها على الارض، فالرئيس عباس ومعاونوه اعتمدوا على الضمانات الامريكية في وقف الاستيطان، والافراج عن الاسرى الفلسطينيين، وانهاء مفاوضات الوضع النهائي في غضون تسعة اشهر، فاين هذه الضمانات الامريكية، وهل التزمت بها امريكا الدولة الاعظم واجبرت حليفها الاسرائيلي على تنفيذ ما تعهد به؟ ألم يغسل جون كيري الذي يتواجد حاليا في القاهرة يديه من هذه الضمانات دون ان يوجه كلمة نقد واحدة للاسرائيليين؟

فصائل المقاومة لم تخض هذه الحرب، ويقدم اهلنا في قطاع غزة حوالي ستمائة شهيد حتى الآن واربعة آلاف جريح ومئات الآلاف من المشردين من اجل الوقوع في مصيدة ثانية من المفاوضات العبثية يشارك في نصبها من لدغ من هذا الجحر اكثر من مرة للأسف.

ارقام الشهداء الفلسطينيين في ارتفاع.. نعم.. ولكن ارقام القتلى الاسرائيليين في ارتفاع ايضا، ومعها الخسائر الامنية والاقتصادية والمعنوية الاسرائيلية، فعندما تقرر معظم شركات الطيران الغربية وقف رحلاتها الى مطار تل ابيب، فهذا يعني الكثير لمن يفهم في الاقتصاد والسياحة وعلم النفس العسكري، ولم يأت هذا الانجاز بالصدفة، وانما بناء على حسابات دقيقة رسمتها صواريخ المقاومة التي يسخر منها ومفعولها بعض “العقلاء” العرب.

الرئيس عباس لا يريد المقاومة، ولا يريد انتفاضة، ولا يريد وقف التنسيق الامني او حل السلطة، لا يرد ان يفعل شيئا على الاطلاق وهذا ليس من حقه، ويجب ان يكون هناك من يردعه من حركة “فتح”، وهذا للأسف غائب كليا، ولكن يجب منعه، طالما ان هذه خياراته، ان لا يفرضها على المقاومين، ويتدخل في شأنهم، ويفرض نفسه عليهم.

***

المقاومة لا تبالغ ولا تكذب لانها مقاومة مؤمنة، فعندما اعلنت عن اسر جندي اسرائيلي، ونشرت صورته واسمه ورقمه العسكري، وانطلقت حملات التشكيك تماما مثلما انطلقت مثيلاتها حول وقوع قتلى بالعشرات في صفوف الجيش الاسرائيلي، وها هي حكومة نتنياهو تضطر لبلع كبريائها وغرورها الكاذبين وتعترف مكرهة بالخطف وارقام الجنود القتلى.

نتمنى على القيادة الميدانيين لحركات المقاومة و”حماس″ بالذات، زعيمتها، الذين يقودون هذه المعركة المشرفة ان لا يستمعوا الى السلطة ومبادراتها وكل الوسطاء الآخرين الذين يدعون الحكمة والعقلانية ويلقون المحاضرات في “المرونة” و”الواقعية” وهم الذين يكرهون المقاومة اكثر الف مرة من كراهيتهم لنتنياهو، ولو خيروا بين الاثنين لاختاروا نتنياهو، وان يتمسكوا بمطالبهم، فصمودهم البطولي بدأ يعطي ثماره وبشكل متسارع.

غزة يجب ان تنتصر في معركة الكرامة هذه، لانها تستحق الانتصار لما قدمته من شهداء وتضحيات، واول من قدموا هذه التضحيات قياداتها الصامدة التي تقود من تحت الارض على رأسهم اسماعيل هنية ومحمود الزهار وخليل الحية والقائمة تطول.

انهم القلة المؤمنة التي ستهزم الاكثرية الباغية باذن الله، طالما استمروا في الاعتماد على ربهم وانفسهم، وهم كذلك، وللمرة الثاني نقول ان النصر صبر ساعة، فصبرا آل ياسر.

من حقنا ان نحتفل باسر جندي اسرائيلي.. وحماس “الارهابية” تقتل جنودا ونتنياهو “الحضاري” يقتل اطفالا.. واخشى على دماء الشهداء من “الوسطاء” وهذه هي اسبابي

من تابع بركان الفرح الذي انفجر في اكثر من مدينة عربية، وفي قطاع غزة على وجه الخصوص، الذي عاد لتوه من تشييع شهدائه الى جنات الخلد باذن الله، بعد اعلان السيد “ابو عبيدة” الناطق الرسمي باسم كتائب “القسام” عن اسر جندي اسرائيلي ونشر صورته مذيلة باسمه ورقمه العسكري، يدرك كم هي متعطشة امتنا للنصر بعد ان ازدحمت صفحات تاريخها الحديث بالهزائم من مختلف الانواع والاشكال وفي الميادين شتى.

اسر جندي اسرائيلي ربما لا يشكل نصرا كبيرا في نظر “العقلاء” الذين يستخدمون معادلات الارقام والمقارنات “الواقعية”، على حد تعبيرهم، في تحليلهم لسير العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة، ولكن الشعوب المقهورة تنظر للامور من منظار مختلف اكثر وطنية، واكثر عاطفية، ومن منطلقات مختلفة، فعندما تأتي عملية الاسر هذه في اطار اعتراف بنيامين نتنياهو بمقتل عشرين اسرائيليا (ارتفع العدد الآن الى ثلاثين)، وعلامات الهزيمة والانكسار مرسومة على وجهه، وهو المتغطرس، فان مهرجانات الفرح العفوية هذه تأتي منطقية ومفهومة بالنسبة الى كل الذين يقفون في خندق المقاومة ونحن منهم.

***

المقاومة الفلسطينية تقتل وتاسر جنودا، بينما الطائرات الاسرائيلية تقتل اطفالا، وتدمر بيوتا فوق رؤوس اهلها المدنيين بعد ان عجزت عن الوصول الى المقاتلين دفاعا عن امه تتعرض كلها لهذا العدوان، وهنا تأتي المقارنة الحقيقية لتبرز الفرق بين مقاومة مؤمنة اخلاقية وبين عدو عنصري وحشي لا مكان للقيم الانسانية في قاموسه، اذا كان يملك قاموسا آخر غير القتل والدمار.

اسرائيل في مأزق، ونتنياهو في ازمة، ولهذا يهرع جون كيري وزير الخارجية الامريكي وبأوامر من رئيسه باراك اوباما الى المنطقة من اجل انقاذ الاثنين، وليس من اجل انقاذ اطفال قطاع غزةن ولكن امريكا نفسها تغرق في وحول الشرق الاوسط وتبحث عن منقذ.

امريكا وكل الانظمة العربية المتواطئة معها، اعطت نتنياهو اسبوعا لانجاز مهمة تركيع قطاع غزة والقضاء على الصواريخ، ونزع سلاح المقاومة وتدمير بناها التحتية والفوقية، وعندما فشل مددوا له لاسبوع آخر، وعندما بدأت الخسائر تتعاظم في صفوف قواته، ارسلوا له من يحمل طوق النجاة عبر البحث عن موقف لاطلاق النار بأسرع وقت ممكن مستغيثا بحلفائه الخلص وما اكثرهم في قمم السلط.

غزة كانت وستظل مقبرة الاسرائيليين فهي التي قضت على اسحق رابين الذي يوصف بأكبر العقول العسكرية اليهودية (كان رئيس اركان الجيش الاسرائيلي في حرب عام 1967) وهي التي اذلت ارييل شارون وارغمته على الانسحاب مهزوما ومستوطنيه دون شروط، ولا ننسى الثنائي ايهود اولمرت وتسيبي ليفني “بطلي” عدوان “الرصاص المصبوب” عام 2008، والآن جاء دور نتنياهو الذي سيكون ابرز ضحايا هذا العدوان، وايا كانت الصورة التي ينتهي عليها.

عندما يرقص اهل قطاع غزة واشقاؤهم في الضفة الغربية ومخيمات لبنان طربا لاسر جندي اسرائيلي، فانهم يحتفلون بانتصار الكف على المخرز، وقرب تحرير الف معتقل يقبعون خلف القضبان في المعتقلات الاسرائيلية ان لم يكن اكثر، وهذا ما لا يفهمه الذين يكرهون المقاومة ويشككون فب انجازاتها من خلال ولعهم بالارقام والآلات الحاسبة عديمة الاحساس وفاقدة الوطنية.

فرانسوا هولاند رئيس فرنسا الذي دعم العدوان الاسرائيلي بقوة، وادان ظهره لقيم الحريات الفرنسية عندما منع مظاهرة احتجاج على هذا العدوان وضحاياه الابرياء في باريس يعلن بأنه لا بد من بذل كل جهد ممكن لانهاء معاناة سكان غزة على الفور”، متى كانت دماء اطفال غزة ومعاناة اهلهم تهمه، ولماذا لم يرسل طائرات الناتو لحمايتهم مثلما فعل سلفه نيكولا ساركوزي المتهم بالفساد ثم اين “رسول المحبة والسلام” برنارد ليفي ولماذا هو صامت؟ الا يرى اشلاء الاطفال على شاشات التلفزة؟

ما الذي حدث حتى تنقلب المواقف رأسا على عقب؟ ويتحول الصقور الى دعاة سلام؟ وتصبح ارواح اطفال غزة ودمائهم عالية، تتصاعد الدعوات لوقف ازهاقها بالطائرات الامريكية الصنع؟

انه الخوف على اسرائيل من ظاهرة المقاومة وانتقال “فيروسها” الطاهر ليس فقط الى المحيط العربي والشرق اوسطي وانما الى اوروبا وامريكا ايضا، فهذه المقاومة الشريفة التي توحد العالم الاسلامي، قبل العربي خلفها لا يستطيع اوباما او هولاند وصمها بالارهاب مهما حاولوا، واعلان الحرب عليها بالتالي، لانها مقاومة مشروعة، بل اكثر شرعية من المقاومة الفرنسية للاحتلال النازي، والامريكية للاحتلال الانكليزي.

لاول مرة في تاريخ العرب الحديث، ولا ابالغ مطلقا، نعيش العودة القوية لهذه الظاهرة، ونرى رجالا يرفضون الرد على مكالمات الوسطاء والسماسرة ويستمرون في القتال بشجاعة ورجولة، لانهم يتطلعون الى الشهادة، ويتمنونها في اسرع وقت ممكن، ووقف اطلاق النار الذي لا يربي مطالبهم وشروطهم المشروعة يحرمهم منها، وهذه الروحية لا يفهمها نتنياهو ولا حلفاؤه في واشنطن وباريس ولندن، ولهذا يخطئون الحساب دائما.

***

نعم خسر ابناء القطاع وخسرنا معهم خمسمائة وخمسين شهيدا، الى جانب اربعة آلاف جريح وتدمير آلاف البيوت، تشرد مئات الآلاف في العراء، ولكن الرعب الذي يعيشه الاسرائيليون حاليا، وهم يرون جنود جيشهم يتساقطون قتلى وجرحى في معارك الشرف والكرامة على مشارف غزة، يجعل هذه الخسائر متواضعة ومبررة، ومن استمع الى تلك المرأة التي قدمت سبعة من ابنائها وزوجها شهداء، وهي تقول بأعلى صوتها انها مع المقاومة ولا ترجى شيئا من الزعماء العرب، وتترفع عن الاستنجاد بهم وجيوشهم، وانا انقل كلامها حرفيا الذي قالته على شاشة احدى الفضائيات، يدرك ان قيما جديدة، تنبت وسط ركام بيوت حي الشجاعية البطل شرق مدينة غزة.

نخشى على هذا الصمود الرائع المشرف.. مثلما نخشى على تضحيات الرجال الرجال في قطاع غزة من الوسطاء العرب اكثر من خشيتنا من الوسطاء الاجانب، فدماء الشهداء لا تعني بالنسبة الى الكثير من هؤلاء غير زيادة رصيدهم عند الكفيل الامريكي، ولا اقول اكثر من ذلك.

غزة تتحول الى مصيدة للجيش الاسرائيلي ايضا وتعاظم خسائره سيعزز المقاومة والصمود ويغير وجه المنطقة.. والحراك العربي الامريكي الحالي لمنع انفجارها.. والنصر صبر ساعة

عبد الباري عطوان

في الوقت الذي ترتكب فيه الطائرات والدبابات الاسرائيلية مجزرة دموية في حي الشجاعية في قطاع غزة وتقتل العشرات من الابرياء وتدمر البيوت وتهجر عشرات الآلاف الى العراء يخرج علينا جون كيري وزير الخارجية الامريكي بتصريحات يلقي فيها اللوم على حركة “حماس″ وحركات المقاومة الاخرى في القطاع لانها رفضت وقف اطلاق النار، بينما يؤكد رئيسه باراك اوباما على حق اسرائيل في الدفاع عن النفس.

هذه المواقف التي تتسم بالوقاحة وانعدام الضمير، تؤكد لنا مجددا ان الولايات المتحدة شريكة في هذا العدوان، ومسؤولة جنبا الى جنب مع الحكومة الاسرائيلية، ان لم يكن اكثر، عن كل قطرة دم تسفك في القطاع المنكوب.

كيري يقول “اننا عرضنا عليهم وقفا لاطلاق النار ولكنهم رفضوه “بتعنت”، وبقي ان يكمل كلامه هذا بقوله ولهذا هذه المجازر وما هو اكثر منها.

موقف كيري هذا لم يفاجئنا لانه جاء محصلة لمواقف انظمة عربية ارادت فرض اتفاق وقف اطلاق النار على حركات المقاومة الفلسطينية بطريقة مهينة ومتعجرفة من اجل ان ترفضه، وبما يعطي اسرائيل الضوء الاخضر، والغطاء العربي، لارتكاب مجازرها التي نراها على شاشات التلفزة العربية والعالمية.

حركة “حماس″ وفصائل المقاومة الاخرى لم تطلب المعجزات، ولم تعرض اي شروط، طالبت فقد برفع الحصار، وخروج مليوني فلسطيني من قفصه والافراج عن معتقلي صفقة شاليط وتطبيق بنود اتفاقات سابقة نكثتها اسرائيل، ووقف الاعتداءات، وحرية السفر، والحياة بصورة طبيعية مثل البشر الآخرين، فهل هذا تعنت، وهل هذه طلبات مستحيلة يا مستر كيري ويا مستر باراك حسين اوباما؟

***

مخجل ان يقف اوباما ووزيره كيري اللذان افشل الاسرائيليون مبادرتهما للسلام، ونقضوا تعداتهما بالافراج عن الاسرى وفقا لنصوصها، مخجل ان يتحدثوا عن حق اسرائيل في الدفاع عن النفس، وفي مواجهة من؟ مجموعة من العزل المحاصرين المجوعين، وعبر قتل مئات الاطفال والنساء وتدمير آلاف البيوت، وتهجير مئات الآلاف.

فاذا كان كيري سيأتي الى المنطقة، ويمثل هذه الروحية، التي تفتقد الى الحد الادنى من الانسانية والحس الاخلاقي، فاننا ننصحه بأن يعيد النظر في حضوره وخططه، لان المقاومة لن تتخلى عن شروطها حتى لو ارادت، لادراكها ان الشعب الفلسطيني في غزة لن يضحي بدماء شهدائه من اجل هدنة تنقذ اسرائيل، وتبرئها من مجازرها، وتعيده الى وضع الموت البطيء السابق.

قطاع غزة يعيش حاليا اروع صور التلاحم بين الشعب والمقاومة على ارضية رفض الاذلال والخنوع، والتصدي للعدوان مهما تعاظمت التضحيات وعدم العودة للوراء، وانا هنا الخص مواقف امهات الشهداء وآبائهم، واصحاب البيوت المدمرة التي شاهدناها على شاشات الفضائيات بالصوت والصورة، هؤلاء الذين لم ار في حياتي معنويات مثل معنوياتهم، واستعداد للتضحية مثل استعداداتهم.

الجيش الاسرائيلي والمتواطئون مع عدوانه من العرب يعيشون “حالة سعار” بعد فشلهم في فرض ارادتهم على ابناء القطاع ورجال مقاومته، واجبارهم على القبول بمبادرة لوقف اطلاق النار صاغ بنودها نتنياهو وتوني بلير وحملها اليهم “ساعي بريد” مصري، منفصل كليا عن الواقع الاقليمي ومتغيراته، واعمته العنجهية عن رؤية الحقائق على الارض.

حالة السعار هذه انعكست في مجزرة حي “الشجاعية” التي رفض اهلها تحذيرات باخلاء بيوتهم، وقرروا تحدي الصواريخ والقذائف الاسرائيلية، في وقفه صمود شجاعة ستدخل كتب التاريخ لكي تدرسها كل الاجيال القادمة ليس في فلسطين، وانما في العالم بأسره، كأحد فصول الصمود الاسطورية.

حاولوا ترويع المدنيين بكل الطرق والوسائل، استخدموا الطائرات بكل انواعها، والقوا فوق رؤوسهم اكثر من الفي طن من المتفجرات في ايام معدودة، وهددوهم بالدبابات والهجوم البري، فلم يجدوا الا المزيد من الصمود والمزيد من الدعم للمقاومة، والالتفاف حولها، والاعتماد على الله وحده.

المجازر التي استخدمت لاجبار فصائل المقاومة على القبول بالمبادرة المصرية ورفع الرايات البيضاء لم تعط ثمارها مع شعب “عنيد” في الحق، وكريم جدا في العطاء، وعزيز في الحفاظ على كرامته الوطنية قبل الشخصية.

المقاومة الفلسطينية، وبعد 12 يوما من المواجهات بدأت توجع المعتدي الاسرائيلي، وتلحق به الخسائر البشرية القاتلة رغم دباباته المحصنة والغطاء الجوي الذي يحميها، ودون ان تتوقف هذه المقاومة عن اطلاق الصواريخ على تل ابيب وديمونة والقدس وعسقلان واسدود وكل المستوطنات الاسرائيلية.

رجال المقاومة يقتلون جنودا ويدمرون دبابات وعربات مصفحة، بتفجير اجسادهم الطاهرة هذا هو ميزان القوى ومعاييره المختلة التي تحكم هذه الحرب، ولكن الادارة تظل اقوى من كل الطائرات والدبابات، فاسرائيل ليست اقوى من امريكا التي هزمت في العراق وتهزم في افغانستان.

المنطقة العربية تشهد حاليا حالة استنفار قصوى، حيث تتعاظم الاتصالات واللقاءات، والجولات والزوار، والهدف منها جميعا ليس انقاذ اهل غزة وانما انقاذ اسرائيل وجيشها وقيادتها السياسية قبل العسكرية من خلال الضغط على فصائل المقاومة بالتهديد والوعيد، وزهق ارواح المئات من الاطفال والنساء والعجزة، ولكن كل هؤلاء المنخرطين في هذه اللقاءات، فلسطينيين كانوا ام عربا لا يستطيعون فرض “شروطهم” على اهل القطاع ورجاله، لانهم اصحاب اليد العليا المكللة بالصمود والتضحية، فالذي سيقرر هو المقاتل على الارض، الذي لم يبدأ هذه الحرب ولكنه هو وحده الذي يستطيع ان ينهيها ووفق شروطه، ويدرك جيدا ان عامل الزمن لصالحه فهو يقاتل دفاعا عن نفسه وارضه وعرضه.

***

الحرب ما زالت في بداياتها، ومثلما يتحدث نتنياهو عن مرحلة اولى وثانية وثالثة، فان كتائب القسام وسرايا القدس والناصر صلاح الدين وابو علي مصطفى وابو الريش وشهداء الاقصى وجهاد جبريل والقائمة تطول، تملك مراحلها ايضا، مثلما تملك نفسا طويلا، وقدرة اكبر على تقديم التضحيات.

بالامس قالوا انهم يريدون وقف اطلاق الصواريخ، واليوم يقولون انهم يريدون تدمير الانفاق، فماذا سيقولون ويطلبون غدا؟ تحويل ابناء الشعب الفلسطيني الى عبيد ونسائهم الى سبايا للاحتلال الاسرائيلي ليس امامهم الا الخنوع للسيد الاسرائيلي في ظل مباركة عربية؟

يتهمون “حماس″ وفصائل المقاومة باستخدام المدنيين دروعا بشرية، وهل هناك في غزة غير كتل اللحم؟ وحتى لو كان هذا صحيحا، وهو ليس كذلك حتما، فجميع المقاتلين تحت الارض اساسا وليس فوقها، فان اسرائيل هي التي تستخدم المدنيين كدروع بشرية فعلا لحماية دباباتها وعرباتها المصفحة، وتسفك وارواحهم ودمائهم كورقة ضغط في محاولة يائسة لفرض شروطها من موقع القتل والترهيب.

الجميع، بلا استثناء سقطوا في اختبار الكرامة في غزة، ابتداء من الرئيس محمود عباس وسلطته وانتهاء بالنظام العربي سقطوا جميعا بشكل مخجل ومهين وسيسقط معهم نتنياهو وكل جنرالاته، وستكون المنطقة العربية بعد صمود اهل غزة غيرها قبله، فقد عادت ثقافة المقاومة اكثر قوة وصلابة وعمقا، فالصمود والبطولات والتضحيات هي مفردات التغيير وادواته وليس الخنوع والاستسلام للاعداء.

فعندما لا تجد جثامين الشهداء مكانا في ثلاجات مستشفيات قطاع غزة، وعندما تنعدم الادوية الاساسية ناهيك عن الاسرة لتضميد جراح المصابين بشظايا القصف، فان هذا عار على كل الزعامات العربية.

كان امام الجنرال السيسي رئيس مصر الجديد فرصة ذهبية للتصالح مع نفسه وضميره والامة باسرها ومحو الكثير من الخطايا، واعادة الهيبة والمكانة لمصر العزيزة علينا جميعا، بادارة ازمة العدوان والتصدي برجولة وشجاعة، واظهار معدن الشعب المصري الاصيل، ولكنه للاسف لم يفعل، ولن يفعل، واضاع هذه الفرصة التاريخية، التي قد لا تتكرر، لانه اخطأ الحسابات واساء التقدير واستمع لمن لا يجب ان يستمع اليهم، فتركيع اهل قطاع غزة الذين هزموا الاسكندر المقدوني ليس بالامر السهل.

فلسطين هي بوصلة الشرف والكرامة والعزة والوطنية، ومن يحيد عنها سيلفظه شعبه والتاريخ معا، والحكيم من اتعظ بغيره.

اذا كانت الحرب الجوية الاسرائيلية لم تحقق اهدافها بعد عشرة ايام من القصف باستثناء قتل الاطفال فهل سيكون الاجتياح البري افضل حالا؟ لا نعتقد ذلك ولنا تفسيراتنا

يقول بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي ان المرحلة الثانية من عدوانه على قطاع غزة، وتمثلت في البدء في الحرب البرية، تأتي بهدف معالجة الانفاق الهجومية، الامر الذي يعطي انطباعا بأن المرحلة الاولى، اي الهجوم الجوي، تكللت بالنجاح واعطت نتائجها، وهذا افتراض غير دقيق، فالغارات الجوية الاسرائيلية المستمرة منذ عشرة ايام لم توقف اطلاق الصواريخ على تل ابيب والقدس وحيفا واسدود وعسقلان مثلما توعد نتنياهو، ولم توفر الطمأنينة بالتالي للمستوطنين الاسرائيليين، وشلت الحياة الاقتصادية تماما، ولا نعتقد ان حال المرحلة الثانية من هذه الحرب سيكون افضل، بل لن نفاجأ اذا كان اسوأ كثيرا.

القيادة في اسرائيل بشقيها السياسي والعسكري اعتقدت ان فصائل المقاومة المحاصرة في قطاع غزة تعيش عزلة عربية، ووضعها مختلف عن وضع حزب الله في جنوب لبنان لان مصر لا تقوم بدور داعم للمقاومة، ولا تشكل عمقا استراتيجيا لها، مثلما هو حال سورية، بل متطابق مع الموقف الاسرائيلي في الوقت الراهن على الاقل، ولهذا توقعت القيادتان الاسرائيلية والمصرية معا ان ترفع فصائل المقاومة الراية البيضاء بعد يومين او ثلاثة على الاكثر من بدء الغارات وهو ما لم يحدث.

***

ما لا يعرفه نتنياهو ومعظم القادة العرب الذين يصّلون من اجل نجاحه في اقتلاع ثقافة المقاومة من جذورها في قطاع غزة، فرادي كانوا او مجتمعين، ان الروح القتالية لفصائل المقاومة، اسلامية كانت ام علمانية، في ذروة قوتها وعلوها، والايام العشرة الماضية كانت شاهدا على هذه الحقيقة، لاسباب عديدة نوجزها في النقاط التالية:

*اولا: لاول مرة، ومنذ ان بدأت الحروب الاسرائيلية على قطاع غزة، يتوحد الشعب ويلتف حول فصائل المقاومة، ويبدي استعدادا كبيرا للتضحية غير مسبوق، فاهل القطاع رفضوا كل الدعوات الاسرائيلية التي هبطت عليهم مناشيرا من السماء، او رسائل نصية تطالبهم بمغادرة اماكنهم، وقررت العائلات البقاء في بيوتها انتظارا للشهادة.

*ثانيا: القناعة السائدة في اوساط الغالبية الساحقة من ابناء القطاع هي العودة الى الاحتلال الاسرائيلي ولا العودة الى الاوضاع المزرية والمهينة تحت الحصار العربي والاسرائيلي معا، ولهذا لم يأسف الا القليلون جدا على رفض فصائل المقاومة وبالاجماع للمبادرة المصرية التي كانت تريد تكريس الحصار لا رفعه، لسنوات قادمة، ودون اي تغيير، وان حدث فللاسوأ.

*ثالثا: اعادت هذه الحرب القضية الفلسطينية الى الواجهة وسلطت الاضواء عليها مجددا، بعد ثلاث سنوات عجاف من التعتيم والتضليل، التعتيم بسبب الثورات العربية التي اعطت في معظمها نتائج عكسية كارثية، والثاني، اي التضليل، الذي يعود الى غرق السلطة في رام الله في الرهان على وهم المفاوضات وحل الدولتين الخاسر، ومنع كل اشكال المقامة للاحتلال.

*رابعا: فصائل المقاومة الفلسطينية تقاتل وظهرها للبحر، وليس للحائط لان هذا الحائط غير موجود في القطاع، الامر الذي يجعلها في وضعية القائد الفذ طارق بن زياد عندما ركب البحر لفتح الاندلس، اي انه ليس امامها (المقاومة) غير القتال حتى الشهادة او النصر، وليس هناك ما يمكن ان تخسره.

*خامسا: اذا كانت الحروب هذه الايام اعلامية بالدرجة الاولى، فان اسرائيل لم تكسب الحرب الاعلامية الحالية حتما رغم محاولاتها والناطقين باسمها المستميتة، لحجب الحقائق، ولي عنقها، واللجوء الى كل اساليب الكذب والتضليل، وكلما طال امد الحرب كلما زاد حجم الخسائر الاسرائيلية في جبهاتها على عكس كل الحروب السابقة، فالرأي العام العالمي بدأ ينتفض، والمظاهرات الاحتجاجية تتعاظم في مختلف انحاء العالم، ومؤشرات التعاطف الشعبي في ارتفاع متسارع، وانا اعيش في الغرب واتحدث من خبرة وتجربة ومتابعة، فمجزرة الشاطيء التي ارتكبتها المدفعية الاسرائيلية بحق الاطفال الاربعة هزت ضمائر الملايين وما زالت.

الدبابات الاسرائيلية التي تقدمت بضعة امتار داخل حدود القطاع تتقدمها الجرافات، ربما تواجه مفاجآت عديدة، لان كل ادعاءات اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية بمعرفتها للقطاع وجغرافيته من خلال تقنياتها الفنية العالية، وشبكة جواسيسها، ثبت زيفها، هذا اولا، ولانه لا احد يعرف ماذا يجري تحت ارض غزة من انفاق ثانيا.

منذ عشرة ايام والطائرات الاسرائيلية، بطيار او بدونه، تجوب سماء القطاع، ولم تنجح في ضرب منصة صواريخ واحدة، ولم تقتل قياديا واحدا من حركة “حماس″ او غيرها، و”تشاطرت” على بيوتهم واطفالهم فقط تعبيرا عن يأسها واجرامها معا عندما قصفت هذه البيوت.

هاتفت ظهر الجمعة الدكتور موسى ابو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس″ في القاهرة مستفسرا، فقال لي ان جميع قادة حماس السياسيين لا يعرفون مطلقا التجهيزات العسكرية للجناح العسكري للحركة تحت الارض بالذات وهو من بينهم، وان صناعة الصواريخ مستمرة ولم تتوقف رغم القصف المتواصل، واكد لي ان اي مبادرة لا تلبي شروط المقاومة وترفع الحصار مرفوضة من اي جهة جاءت، وقال لو فتحت مصر معبر رفح بشكل طبيعي لما احاجت لاطلاق مبادرتها اساسا ولكنها تحدثت عن كل المعابر الاسرائيلية ولم تتطرق مطلقا لمعبر رفح، وتجاهلت مبدأ التشاور مع فصائل المقاومة.

فصائل المقاومة تخوض “حربا استشهادية” بكل ما تعنية هذه الكلمة من معنى، ولا تأبه بالنظريات والحسابات “العقلانية” لمن نسميهم “بعجائز الغجر” في بلادنا الذين يدعون الحكمة والتعقل، فقد واجهت العدوان الاسرائيلي اربع سنوات عام 2006، وعام 2008 وعام 2012، وحاليا 2014 اي بمعدل عدوان كل عامين، ولم تحترم اسرائيل اتفاق، ولم يحتج ضامنوا هذه الاتفاقات من دول الجوار على انتهاكاتهم، والاكثر من ذلك تحمّل هذه الفصائل المسؤولية عن العدوان لانها قالت “لا” كبيرة مصحوبة بالصواريخ لكسر هذا الوضع المخجل.

***

فاجأنا طلب الرئيس محمود عباس من لوران فابيوس وزير خارجية فرنسا اقناع اصدقائه الاتراك والقطريين بالضغط على حركة “حماس″ للقبول بالمبادرة المصرية لوقف اطلاق النار، مثلما صرح وزير الخارجية الفرنسي في مؤتمره الصحافي الذي عقدة بعد اللقاء بين الاثنين في مطار القاهرة، مصدر المفاجأة ان الرئيس عباس كان في طريقه الى انقرة للقاء المسؤولين الاتراك فلماذا لا ينقل هذا الطلب اليهم بنفسه؟ ولماذا يوسط فابيوس.

اذا كان هدف المبادرات المصرية والتركية هو التهدئة مقابل التهدئة، فان هذه النتيجة لا تحتاج الى وساطات ومبادرات، فيكفي ان تعلن فصائل المقاومة في بيان مشترك عزمها وقف اطلاق الصواريخ في ساعة محددة، ليلتزم نتنياهو وتتوقف الغارات، وتعود الاوضاع الى ما كانت عليه من حصار وتجويع واذلال.

اسرائيل اختارت الحرب، واعدت لها العدة بشكل جيد، واستغلت جريمة مقتل المستوطنين الشبان الثلاثة، “الغامضة” كغطاء للعدوان، الا ما معنى اعتقال اكثر من 700 من النشطاء السياسيين من حركتي الجهاد وحماس، بما في ذلك الاسرى المحررين في صفقة شاليط التبادلية، غير “تجريف” الضفة من هؤلاء الذين يمكن ان يكونوا قادة لتحرك جماهيري صاخب ضد عدوانها الحالي.

العدوان الجوي لم يوقف صواريخ المقاومة، والهجوم البري سيفشل في تركيع ابناء القطاع حتما مثلما فشلت كل الاجتياحات السابقة، فقد ذهبت انظمة عربية، وذهب قادة اسرائيليون، وبقيت المقاومة وصواريخها وثقافتها وستبقى طالما هناك احتلال.

الدكتور ابو مرزوق قال لي في ختام المكالمة بيننا انه عندما يستشهد مقاتل في غزة لا يبكي زميله لفقدانه وانما لانه لم يستشهد معه او قبله.

هذه الروحية المجبولة بالكرامة والفداء التي باتت نادرة هذه الايام تتواجد بكثرة في قطاع غزة، ولهذا ترتجف الدبابات الاسرائيلية ومن يحتمون في جوفها وهي تتقدم في اراضيه ببطىء شديد خوفا وقلقا.

في جميع الاجتياحات السابقة كانت المقاومة تسعى للتهدئة وتتسرعها.. في هذا الاجتياح ترفضها ولا تابه بها واصحابها.. انه انقلاب في كل المعادلات يؤشر لمرحلة مختلفة حافلة بالمتغيرات.

يا اهلنا في الضفة نرجوكم ان تتحركوا انتصارا لاطفال قطاع غزة وانتم الذين قدمتم آلاف الشهداء في الانتفاضتين الاولى والثانية.. وتجاوزوا هذه السلطة التي تريد تشويه تاريخكم المشرف

السؤال المسكوت عنه فلسطينيا هو لماذا تخرج مظاهرات غاضبة ادانة للعدوان الاسرائيلي على قطاع غزة في كل انحاء العالم، ولا تخرج مظاهرة مماثلة في مدن الضفة الغربية يشارك فيها مئات الآلاف تضامنا مع اشقائهم الذين تتعرض بيوتهم ومستشفياتهم واطفالهم للقصف وتتحول اجسادهم النحيلة الى اشلاء؟ وهل باتت الضفة ضفة، والقطاع قطاعا، وضعفت اللحمة القوية الرابطة بين ابناء الوطن الواحد والقضية الواحدة؟

حملت هذه التساؤلات التي تتردد على استحياء شديد على السنة الكثير من ابناء القطاع الى احد اعضاء اللجنة المركزية في حركة “فتح” وقلت له اجبني بصراحة، ودون الاغراق في “التنظير” لماذا لا تتحركون، ولماذا لا نرى القيادات الاخرى في الضفة التي تظهر باستمرار على شاشات الفضائيات تنزل الى الشارع وتحتج على العدوان وتقود المظاهرات؟

اجابني بأن ثقافة المقاومة في الضفة الغربية جرى وأدها وحل محلها “ثقافة الراتب”، و”ثقافة اللامبالاة” وتتحمل السلطة الفلسطينية المسؤولية الاكبر لانها بنيت اصلا واستمرت من اجل اقتلاع “ثقافة المقاومة” في اطار خطة امريكية اسرائيلية مدروسة بعناية من جذورها، وما تصريحات الرئيس محمود عباس التي يؤكد فيها ليل نهار، بمناسبة او دون مناسبة، انه لن يسمح بانتفاضة ثالثة، او باطلاق رصاصة واحدة تجاه الاسرائيليين الا تأكيدا على هذه المسألة، وتطبيقا لهذه الخطة.

حاول بعض الشبان في مدن الضفة الغربية، والخليل خاصة، واستشهد احد شبانها برصاص الاحتلال، الخروج في مظاهرات ولكن قوات الامن تصدت بشراسة لقمعها تنفيذا لاوامر صدرت لها من قيادتها العليا التي تنسق مع الاسرائيليين، وتلتزم بتعهداتها للامريكيين، لان الرئيس عباس لا يريد ان يكون شهيدا مثل سلفه المرحوم ياسر عرفات.

المظاهرات الوحيدة المسوح بها هي تلك “المظاهرات الحميدة” التي تصدر بأمر من السلطة ووعاظ سلاطينها من اجل رفع صور الرئيس عباس والهتاف له، وعودته المظفرة من الامم المتحدة، حاملا انجاز الاعتراف بالدولة الوهمية، اما اي مظاهرات اخرى فهي ممنوعة ومقموعة، وخبيثة المقصد، اذا كانت ضد الاحتلال والاستيطان والاحتجاج على عدوانه.

التقيت الدكتور سلام فياض رئيس الوزراء السابق اثناء زيارة له الى لندن، لافهم منه ماذا يجري في الضفة الغربية، واستفهم عن السلام الاقتصادي الذي يطبقه، والدولة التي وعده توني بلير والرئيس باراك اوباما باقامتها مجرد انتهائه من بناء بنيتها التحتية في غضون عامين، سألته عن هذه الدولة، وقد اكمل مهمته، فاشتكى مر الشكوى من الجميع ابتداء من الرئيس عباس ومرورا بالمستوطنين والاسرائيليين، وانتهاء بالادارة الامريكية، فسألته ولماذا لا تجربون الخيار الآخر، اي العودة الى سياسات الاحتجاج والتظاهر والعصيان المدني، والانتفاضة السلمية ولا نقول المسلحة؟

الرجل اجابني، وبكل وضوح ان السلطة تخشى ان تفشل في السيطرة عليها، اي المظاهرات، وتخرج من يدها، وتخطفها الفصائل الاخرى (حماس والجهاد)، وتطورها الى انتفاضة شاملة، مما يؤدي الى تدمير كل شيء جرى بناؤه على الارض من مشاريع اقتصادية واستثمارات ضخمة فلسطينية واجنبية.

***

قطاع غزة يتعرض للقصف الوحشي الاسرائيلي واطفاله يذبحون بصواريخ الطائرات الاسرائيلية لانه ما زال يحتضن الحد الادنى من “ثقافة المقاومة”، وهذا ما يفسر حجم المؤامرة عليه، وفور ان يتخلص من هذه الثقافة، ويتخلى عن صواريخه جميعا، ويتبنى ثقافة الراتب والسلام الاقتصادي، فان المعابر ستفتح على مصراعيها، واولها معبر رفح، وستتدفق المليارات لاعادة الاعمار، وتحويل مدينة غزة الى “سنغافورة” اخرى تتزاحم في سمائها ناطحات السحاب.

فصائل المقاومة في قطاع غزة حققت انجازين كبيرين في السنوات العشر الماضية:

*الاول: اجبار القوات الاسرائيلية على الانسحاب من القطاع وتفكيك مستوطناتها واخذ مستوطنيها معها، تسليما بعدم القدرة على تحمل الخسائر الاقتصادية والنزيف البشري.

*الثاني: الاستمرار في رفع راية المقاومة باشكالها كافة، وتطوير تكنولوجيا الصواريخ لاختراق الحدود والاسوار العازلة، واختراع هندسة الانفاق، والوصول الى المدن الاسرائيلية الكبرى وترويع مستوطنيها.

مؤشرات عودة ثقافة المقاومة التي بدأت بشائرها تطل مجددا الى بعض المدن مثل نابلس وجنين والخليل، والهبة العارمة في القدس المحتلة وحيفا والمثلت احتجاجا على حرق الشهيد محمد ابو خضير حيا بعد خطفه على ايدي مستوطنين اسرائيليين هي التي تقف وراء العدوان الاسرائيلي الحالي على قطاع غزة، وهو الثالث في غضون خمس سنوات، عدوان يهدف الى قتل “ثقافة المقاومة” في مهدها وعدم امتدادها الى الضفة وداخل الخط الاخضر، والغاء قبضة السلطة الفلسطينية الحديدة، وتصعيد قيادة جديدة شابة ترفض حالة الهوان الراهنة.

اهل الضفة الغربية الذين قدموا آلاف الشهداء اثناء الانتفاضتين الاولى والثانية يعيشون حالة احتقان تنتظر المفجر حتى تتحول الى تسونامي غير مسبوق يجتاح السلطة ويقتلع جذور ثقافة الراتب التي زرعتها وعمقت جذورها في التربة الفلسطينية وتتصدى لتغول الاستيطان واذلال الحواجز، والمسألة مسألة وقت وتوقيت، وما طيران الرئيس عباس الى القاهرة، وحرصه على وقف اطلاق النار، الا محاولة لمنع هذا الانفجار او تأجيله، لانه يدرك جيدا انه سيكون وسلطته اول ضحاياه.

***

فعندما يتحول رئيس السلطة من مقاتل في خندق شعبه الى وسيط نزيه محايد، فاعلموا ان الرجل يعيش عالما آخر وعزول عن شعبهوبات كل همه السير على الطريق الوحيد الذي يضمن له هدف البقاء وبذل كل جهد ممكن للحيلولة دون لعدم اطالة امد “انتفاضة الصواريخ” في قطاع غزة وانهائها بأسرع وقت ممكن، خشية انفجار اهل الضفة انتصارا لدماء اطفالهم في قطاع غزة، واقول اطفالهم متعمدا، وليس سهوا، لان الدم الفلسطيني واحد، وقد راى بنفسه حقيقة مشاعر اهل القطاع تجاه سلطته عندما قذفوا وزير الصحة بالبيض الفاسد عندما جاء لزيارتهم، وهي مشاعر لا تختلف كثيرا عن نظيرتها لدى اهل الضفة.

فصائل المقاومة في قطاع غزة لم ترفع الرايات البيضاء رغم وحشية القصف الاسرائيلي، والعقوق العربي الرسمي، وتخاذل القيادة في رام الله عن القيام بأي خطوة لحماية شعبها، حتى في الحدود الدنيا بما في ذلك الانضمام لمحكمة الجنيات الدولية لمطاردة مجرمي الحرب الاسرائيليين الذين بات قتلهم للاطفال على شاطيء قطاع غزة ليس بحاجة الى اثبات.

ثقافة المقاومة موجودة في جينات كل مواطن فلسطيني في الضفة وغزة والاراضي المحتلة عام 1948 وفي المنفى، ولن تنجح آلة الدمار الاسرائيلية في اقتلاعها من الشعب مثلما نجحت في اقتلاعها من رجال السلطة في رام الله.

قطاع غزة، وباسم كل الشعب الفلسطيني يتحدى الجيش الرابع في العالم وطائراته وصواريخه، ويفرض شروطه لوقف اطلاق النار لالتقاط الانفاس استعدادا لجولة اخرى، فطالما هناك احتلال ستظل هناك مقاومة.

نكتب هذه المقالة بعد انتظار دام تسعة ايام سقط خلالها 250 شهيدا، لهذه الهبة الجماهيرية الغاضبة التي كنا وما زلنا نتطلع اليها من اهلنا في الضفة الغربية للتأكيد على وحدتنا الوطنية في مواجهة عدو متغطرس وفاجر.

قطاع غزة يواجه العدوان تحت ذريعة الانتقام لمقتل ثلاثة شبان مستوطنين بعد خطفهم في مدينة خليل الرحمن لان المعتدي الاسرائيلي لا يفرق بين الضفة الغربية وغزة ويساوي بين الجميع في عمليات القتل الثأرية.

انه امتحان لارادة كل الفلسطينيين، وليس هناك خيار آخر غير اجتيازه وبأعلى درجات الصمود والمقاومة والشهامة والرجولة والتلاحم.

انها “انتفاضة الصواريخ” المباركة ومفجروها من اهل غزة لن يقبلوا بمبادرات الخنوع العربية.. وعباس لا يستحق اي دور.. والذين يتنافسون على وقف اطلاق النار عليهم ان يرسلوا جيوشهم او يصمتوا!

السؤال الذي يتردد على السنة الغالبية الساحقة من ابناء قطاع غزة الذين يعيشون تحت القصف وتطاردهم القنابل الاسرائيلية من كل الاتجاهات هو: لماذا يعيش الاسرائيليون في امن واستقرار ورخاء بينما نعيش نحن في فقر وجوع وقصف واغلاق معابر وانقطاع كهرباء، ومياه ملوثة؟

يقول ابناء القطاع لمن يتصل بهم قلقا مستفسرا عن اوضاعهم: اطمئن نحن بخير سنستشهد واقفين، انتم الذين يجب ان تقلقوا لانكم لا تعرفون “متعة” الصموط بشرف وكرامة ليس في وجه العدوان الاسرائيلي فقط، وانما في وجه هذه الانظمة العربية المتواطئة.

يؤكد ابناء القطاع ايضا انهم يعيشون حياتهم الطبيعية تحت القصف، يذهبون الى محلاتهم التجارية، او الى البحر لصيد سمكة ضالة، او الى الحقل لجني بعض الثمار، وحصد بعض القمح والذرة، تعاني سنابله واكوازه من فقر تربة، وعطش مزمن لماء شحيح.

يقول لي احد ابناء القطاع بلهجة “فلاحية” اصيلة اجابة عن سؤالي حول بيته الذي دمره صاروخ اسرائيلي قبل ثلاثة ايام وساواه بالارض، لا بأس سنعود الى الخيام وسنفترش الارض ونلتحف السماء، تماما مثلما كان يفعل آباؤنا واجدادنا في ايام النكبة الاولى، الحجر يمكن العثور عليه، والبيت يمكن اعادة بناؤه، لكن المهم ان لا تنكسر الكرامة التي هي اعز لدينا من ارواحنا.

يتحدث اليك اهل غزة بتواضع الاقوياء ويقولون ايهما افضل الموت البطيء ام الموت السريع، طالما ان الشهادة باتت حتمية؟ نعم لم تعد الطائرات او الدبابات الاسرائيلية تخيفنا، ولم نعد ننتظر مساعدة من احد، ولا نتطله الى شفقة احد.

***

بهذه الروحية، وهذه المواقف، الغالبية الساحقة من اهل قطاع غزة مع المبادرة المصرية لوقف اطلاق النار، ويتطابق موقفهم مع مواقف جميع فصائل المقاومة الرافضة لها بقوة واباء، ويؤكدون انهم لن يقبلوا العودة الى الوراء والتضحية بكل دماء شهدائهم حتى يخرج نتنياهو منتصرا، فلا عودة مطلقا للوضع المزري السابق مهما كان الثمن.

في الماضي كان هناك تباين في مواقف ابناء القطاع، فأهل حماس وسلطتها الحاكمة غير اهل حركة “فتح”، والموقفان كانا في تضاد في معظم الحالات، الآن ذابت كل هذه الفروقات والخلافات، وانخرط الجميع في “انتفاضة الصواريخ” في وحدة حال غير مسبوقة، وباتوا جميعا يقفون في الخندق الرافض للمبادرة المصرية التي اعتبرها مذلة ومهينة، ويتحدون الموت ونتنياهو وكل الانظمة العربية الصامتة بل والمشجعة لمجازره على امل الانتهاء من ظاهرة المقاومة التي يمقتونها وتقض مضاجعهم.

السلطات المصرية قدمت هذه المبادرة وعبر وسائل الاعلام بعد الاتفاق على بنودها مع نتنياهو، اعتقادا منها ان فصائل المقاومة التي تخوض حربا تعرف جيدا انها غير متوازنة، ستتلقف هذه “العظمة” باحتفال مهيب، لانها ستوقف آلة القتل الاسرائيلية، ولكنها اخطأت وكعادتها دائما في فهم نفسية وشهامة ورجولة ابناء قطاع غزة وطلائعهم المقاتلة.

واذا صحت الانباء التي تقول ان الرئيس محمود عباس والمجموعة الخانعة المحيطة به، هي التي وضعت خطوطها العريضة، فهذا سبب جوهري آخر لرفضها بقوة اكبر، لان هذا الرجل لا يفهم الشعب الفلسطيني ومشاعره المفعمة بالوطنية، سواء في الضفة او القطاع، فمن يتنازل عن حقه في العودة الى مسقط رأسه في صفد لا يمكن ان يفهم هذا الشعب، او يقدر معنى المقاومة بعد ان فشلت كل رهاناته التفاوضة الاستجدائية.

الرئيس عباس طار الى القاهرة بحثا عن دور بعد ان همشته فصائل المقاومة، وفضحت بصمودها تخاذله وسلطته، ولكنه لن يجد هذا الدور، لانه لا يستحقه، فقد خسر احترام كل المقاومين بما فيها رجال كتائب الاقصى التابعة لحركة “فتح” الذين اظهروا المعجزات في هذا الشهر الفضيل، واوصلوا صواريخهم الى القدس وتل ابيب وحيفا وديمونة و”صفد” وكل المدن الفلسطينية المحتلة التي لم يستطيع الرئيس عباس الوصول اليها كسائح رغم التنسيق الامني وكل التنازلات الاخرى التي قدمها للاسرائيليين.

وعندما نقول انهم حققوا المعجزات فاننا نشير الى عجز اسرائيل وكل اجهزتها وجواسيسها ومخابراتها عن كشف او ضرب منصة اطلاق واحدة، او نفق من انفاق غزة تحت الارض التي تشكل عالما آخر بني بسواعد المؤمنين المقاومين الذين تخرجوا من اكاديميات العزة والكرامة.

المعتدلون والمحللون العقلاء في السلطة واروقتها ومركز ابحاثها، يخطئّون حركات المقاومة لرفضها المبادرة المصرية من منطلق حرص مزور، ويقولون ان نتنياهو سيستغل هذا الرفض لمواصلة العدوان، وحصوله على شرعية وغطاء دولي، وردنا عليهم، متى غاب الغطاء الدولي عن جرائم نتنياهو ومجازره؟ وهل كان هذا “الرفض” موجودا عندما ارسل طائراته الامريكية الصنع لقصف القطاع وقبلها قانا في جنوب لبنان؟ ثم متى التزم الاسرائيليون باتفاقات هدنة مع الفلسطينيين او اللبنانيين.

السلطات المصرية لم تكلف نفسها الاتصال بحركة حماس او اي فصيل فلسطيني آخر مقاوم، ووضعت المسدس في رؤوس قادة هذه الفصائل، وقالت لهم اما ان تقبلوها كاملة دون اي نقاش او نعطي الضوء الاخضر الشرعي لنتنياهو لقتل الآلاف من ابناء القطاع وعليكم تحمل المسؤولية، ونفضت يدها من مبادرتها، ولجأت الى توني بلير مجرم الحرب لعله يعيد صياغتها بطريقة اكثر سوءا.

هل هذا منطق؟ “اشقاء”، هل هذا هو موقف دولة عربية كبرى ونعول عليها وجيشها وشعبها لنصرة المظلومين المحاصرين؟ هل هذه مصر التي تغلق معابرها وحدودها في وجه اشقائها، وتمنع وصول من يريد التضامن معهم في محنتهم من العرب والاجانب؟

لا نعرف ما هو شعور الرئيس عبد الفتاح السيسي وهو يرى اشلاء اطفال شاطيء غزة الذين قصفتهم الطائرات الاسرائيلية بصواريخها وهم يلعبون الكرة، فهل هؤلاء دروع بشرية؟ او هل تابع مثلنا الطائرات الاسرائيلية من طراز “اف 16″ وهو الرجل العسكري وهي تلقي حممها فوق رؤوس الصائمين في منازلهم المتهالكة؟ فهل تحركت نخوته العسكرية؟

لا نعرف موقف الزعماء العرب وهم يسمعون ويقرأون الانذارات الاسرائيلية لاجلاء مئة الف فلسطيني من منازلهم تمهيدا لقصفها وهل سألوا انفسهم اين يذهب هؤلاء؟ والى اي مكان في قطاع لا تزيد مساحته عن 150 ميلا مربعا حدوده مع العالم الخارجي محكمة الاغلاق؟ ويشكل اكواما من اللحم البشري مكدسة فوق بعضها البعض في اكثر مناطق العالم ازدحاما بالسكان!

ثم اين يذهب الجرحى والاطباء في مستشفى “الوفاء” في غزة استجابة لطلب اسرائيلي بالاخلاء؟ الى المقابر؟ تخيلوا هؤلاء الجرحى المقطعة ارجلهم، والمفتوحة بطونهم، والذين يعيشون على محلول معلق في اسرتهم، تخيلوا هؤلاء يغادرون المستشفى حتى تقصفه الطائرات الاسرائيلية؟

***

ابناء قطاع غزة رفضوا هذه الاوامر “الشيلوكية” الاسرائيلية، وبقوا في منازلهم ومستشفياتهم وفضلوا الشهادة على المغادرة، في واحدة من اروع المواقف المتحدية في تاريخ هذه الامة.

نشعر بالعضب ونحن نرى وبعض الحكومات العربية وغير العربية (تركيا) تتبارى فيما بينها من اجل التوصل الى وقف لاطلاق النار، ويحاول كل طرف افساد مبادرة الطرف الآخر او عرقلتها، لصالح انجاح مبادرته او فرضها بقوة التدمير والقتل الاسرائيلية بدلا من توجيه الانذارات بارسال الجيوش واعلان الحرب اذا لم توقف اسرائيل مجازرها، او حتى اغلاق سفارة اسرائيل فيها كأضعف الايمان.

عزاؤنا وسط هذا الظلام الحالك ان هناك رجالا في قطاع غزة نذروا ارواحهم ودماءهم من اجل نصرة قضايا هذه الامة العادلة، وليهنأ الزعماء العرب في قصورهم، ولتهنأ جيوشهم في ثكناتها الفارهة المكيفة.