مقالات

الدكتورة بثينة شعبان لوحت باسقاط اي طائرات امريكية تنتهك المجال الجوي لبلادها فكيف سيتم تنفيذ هذا التهديد. وهل يملك النظلم السوري الصواريخ المتطورة؟ وهل نقف على اعتاب مواجهة امريكية روسية؟

عبد الباري عطوان

يبدو ان “الدولة الاسلامية” التي يتزعمها السيد ابو بكر البغدادي ستجد حلفاء اقوياء يقاتلون اعداءها في الحلف الامريكي الجديد، او يفسدون مخططاتهم على الاقل، ليس حبا فيها، وانما كراهية لهؤلاء الاعداء، وخوفا من مخططاتهم بعيدة الاجل التي قد تأكلهم بعد ان تلتهم “ثور” “الدولة الاسلامية” الناصع البياض.

هناك عدة مؤشرات بدأت تطفو على السطح، جاءت اسرع مما توقعنا، وتؤكد ان هذا التحالف الامريكي الدولي الاقليمي ولد ضعيفا، مليئا بالعيوب الخلقية، الامر الذي قد يجعل من مهمته التي تأسس من اجلها صعبة، بل ربما مستحيلة، وقد تعطي نتائج عكسية تماما، ليس من حيث عدم القضاء على “الدولة الاسلامية” وانما ايضا زيادة احتمالات اغراق المنطقة في حرب استنزاف اقليمية ربما تتطور الى حرب عالمية.

***

ويمكن ايجاز هذه المؤشرات في النقاط التالية:

*اولا: التصريحات التي ادلت بها الدكتورة بثينة شعبان مستشارة الرئيس السوري لقناة “الميادين” وثم لقناة “سي ان ان” الامريكية ووصفت فيها اي غارات تشنها الطائرات الامريكية داخل الاراضي السورية هو “عدوان سافر” وعدم استبعادها في الوقت نفسه قيام القوات السورية باسقاط هذه المقاتلات حال قيامها بقصف مواقع لـ”الدولة الاسلامية”.

*ثانيا: تشكيك الرئيس الايراني حسن روحاني في احتمالات نجاح التحالف الدولي الامريكي في القضاء على “الارهاب” في المنطقة لان مواجهته يحتاج الى تخطيط منظم وتعاون ثنائي متعدد الاطراف ومكافحة الفقر االثقافي والاقتصادي، اما العميد مسعود جزائري نائب القائد العام لهيئة الاركان المسلحة الايرانية فقال ان “ايران تريد محاربة داعش بينما الولايات المتحدة هي من اوجدت هذا التنظيم”.

*ثالثا: اتفاق روسيا والصين على تشكيل جبهة موحدة في مجلس الامن الدولي لمنع صدور اي قرار يضفي الشرعية على توجيه اي ضربات امريكية جوية داخل الاراضي السورية، واعلان البلدين الصريح والواضح “معارضة هذه الضربات طالما لا تتم بموافقة المنظمة الدولية”، وكيف ستأتي هذه الموافقة في ظل “الفيتو” الروسي الصيني المزدوج!

*رابعا: بروز تيارات عراقية تهاجم التحالف الامريكي الجديد والدول الاقليمية المنضوية تحته، فبعد الانتقادات الشديدة التي وجهها السيد مقتدى الصدر لهذا التحالف، ومطالبته الدولة العراقية بعدم التعاون معه تضامنا مع ايران وسورية، وتبنيا لموقفهما، خرج علينا بالامس السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الجديد والعضو الاهم بعد امريكا، بتصريحات يتهم فيها دولا اعضاء في التحالف الجديد بأنها هي التي مولت وسلحت الجماعات الارهابية في سورية والعراق، في اشارة الى دول الخليج وتركيا، ومطالبته بتجريمها ومحاسبتها دوليا.

صحيح ان معظم ردود الفعل الغاضبة هذه لا تنطلق من منطلق العداء لامريكا والدول الاقليمية المنضوية تحت خيمة تحالفها العسكري الجديد، وانما بسبب استبعادها من التحالف كليا، خاصة ان كل من ايران وسورية الاعلى صوتا رحبتا به، واعربتا عن استعدادهما للمشاركة فيه، ولكن التهوين، او التقليل، من اهمية هذا الغضب يعكس قراءة خاطئة لقدرات هذا التحالف الموازي الذي يتبلور بسرعة، التي يمكن ان تفسد كل مخططات الولايات المتحدة وحلفائها وبما يخدم “الدولة الاسلامية” وتمددها في نهاية المطاف.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو حول الكيفية التي ستتمكن من خلالها السلطات السورية اسقاط الطائرات الامريكية التي ستنتهك اجواءها، وبمعنى آخر هل تملك هذه السلطات الصواريخ والمضادات الارضية، والرادارات المتقدمة التي تؤهلها لاسقاط هذه الطائرات؟

نطرح هذا السؤال لان طائرات اسرائيلية نفذت ضربات جوية اكثر من مرة في العمق السوري ولم تتمكن الطائرات او الصواريخ السورية من اسقاطها لانها قديمة وغير متطورة، ثم ان اسقاط الطائرات الامريكية في حال حدوثه قد يشعل فتيل حرب امريكية شاملة ضد النظام السوري، فما هو موقف روسيا والصين وايران في هذه الحالة؟

***

قبل عام حشدت القوتان العظميان في العالم، اي امريكا وروسيا بوارجهما البحرية في مواجهة الشواطيء السورية، ولم يمنع انفجار الحرب الا تفاهم بين القوتين على نزع الاسلحة الكيماوية السورية، ولا نستبعد ان يتكرر السيناريو نفسه اذا ما تحرشت الطائرات السورية او اسقطت طائرة امريكية مقاتلة، ولا نستبعد ايضا ان يكون الاصرار الامريكي على عدم التنسيق مع النظام السوري في اي ضربات جوية داخل اراضي من منطلق خلق الذرائع لجر النظام السوري الى الحرب تمهيدا لاسقاطه.

لا نعرف كيف سيكون موقف روسيا وايران الحليفان الداعمان للنظام السوري في هذه الحالة، فهل ستتراجع موسكو عن قرارها بعدم تزويد النظام السوري بصواريخ مضادة للطائرات من طراز “اس 300″ المتطورة جدا والضرورية للتصدي للطائرات الامريكية، وما هو رد فعل واشنطن في هذه الحالة؟

الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن على ارضية الخلاف حول المسألة الاوكرانية بلغت ذروتها، واظهرت تصميما روسيا على المضي فيها حتى نهايتها، فالرئيس الروسي فلاديمير انتصر حتى الآن في هذه الحرب، وفرض سياسة الامر الواقع على خصمه الامريكي من خلال ضم شبه جزيرة القرم، واستيلاء حلفائه الاوكرانيين على ثلث الاراضي في شرق اوكرانيا، قهل تنتقل هذه الحرب الباردة الى منطقة الشرق الاوسط وتتحول الى ساخنة؟ وهل ستحاول واشنطن الانتقام لهزيمتها في كرواتيا بحرب ضد الروس وحلفائهم في الشرق الاوسط؟

ما زال من المبكر الذهاب بعيدا في هذا السيناريو واعطاء اجابات حاسمة، ولكن ما يمكن التنبؤ به ان “الدولة الاسلامية” تجد حلفاء قد يقاتلون لصالحها من حيث لا تحتسب، وقد تكون الآية القرآنية المفضلة للسيد البغدادي وانصاره طوال الفترة القادمة “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين” صدق الله العظيم.

المثلث السوري الايراني الروسي قد يشكل عنصر “تخريب” لحرب “التحالف” العربي الامريكي للقضاء على “الدولة الاسلامية”.. و”الصحوات” السورية تستعد للعب الدور الاكبر على الارض.. والجيش العراقي المدعوم بـ”البشمرغة” في الجانب الآخر.. واليكم فرص النجاح والفشل

اختتم مؤتمر جدة الذي ترأسه جون كيري وزير الخارجية الامريكي اعماله بعد مباحثات استغرقت ساعات معدودة اتفق وزراء الخارجية الاحدى عشر الذين شاركوا فيه على الخطة الامريكية المقترحة لاضعاف تنظيم “الدولة الاسلامية” تمهيدا للقضاء عليها حسب ما جاء في خطاب الرئيس الامريكي باراك اوباما الذي القاه فجر الخميس، وتوزيع الادوار والمهام بالتالي.

كان لافتا ان المؤتمر ضم وزراء دول الخليج الست علاوة على الاردن ومصر ولبنان وتركيا والعراق والولايات المتحدة، حيث تغيب عنه المغرب الذي لم يدع، وايران التي استبعدت استجابة لضغوط سعودية.
انه مؤتمر اسس تحالفا اقليميا لاعلان حرب جديدة في منطقة الشرق الاوسط في محاولة لاصلاح الكارثة التي نجمت عن الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003، المصدر الاساسي لكل الاعراض الجانبية الحالية المتمثلة في تحول العراق الى دولة فاشلة وانفجار الصراع الطائفي في المنطقة برمتها، وتمزيق العراق وهويته الوطنية الجامعة.
الحرب الامريكية القادمة ضد “الدولة الاسلامية” ستكون من شقين اساسيين وفق لخطاب اوباما وتصريحات “العراب” كيري:
*الشق الاول: امريكي مباشر سيتمثل في توسيع الغارات الجوية بطائرات بطيار او بدونه، وقد تستمر لعدة اشهر وربما ثلاث سنوات، حسب التقديرات الرسمية.
*الشق الثاني: اقليمي ينقسم الى قسمين، الاول في العراق وسيكون محصورا في قوات الجيش العراقي التي سيعاد تأهيلها تدريبا وتسليحا على ايدي ما يقرب من الف مستشار وخبير عسكري امريكي، وقوات البشمركة الكردية في الاطار نفسه، اما القسم الثاني فسيكون من مهمة المعارضة السورية المسلحة التي ستتلقى عناصرها دورات تدريبية مكثفة في قواعد عسكرية في المملكة العربية السعودية والاردن وربما دول خليجية اخرى، تتولى بعد ذلك مهمة قتال الجبهة الاسلامية داخل الحدود السورية، على غرار قوات “الصحوات” العراقية التي اسسها الجنرال الامريكي ديفيد بترايوس للتصدي لتنظيم “القاعدة” ووقف تفجيراته.
***

الدور الخليجي في هذه الحرب سيكون “محوريا” حيث جرى الاتفاق على قيام الحكومات الخليجية بمهمتين اساسيتين:
*الاولى: تمويل هذه الحرب وتسديد جميع نفقاتها بالتالي، وهي نفقات مفتوحة و”متدحرجة” قد تمتد على مدى ثلاث سنوات كحد ادنى، وقد تصل الى مئات المليارات من الدولارات ان لم يكن اكثر.
الثانية: فتح جميع المطارات العسكرية والاجواء في ثلاث دولة خليجية هي “الظفرة” في الامارات وقطر (قاعدة العيديد)، والكويت (قاعدة علي السالم الجوية) امام الطائرات الامريكية التي ستتولى عمليات القصف الجوي لتجمعات ومقرات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية، وعلاوة على حاملة الطائرات الامريكية “يو اس اس″ جورج بوش الموجودة في مياه الخليج.
من الواضح ان المملكة العربية السعودية وحلفاءها العرب اشترطوا ابعاد ايران من هذا الحلف الجديد، وعدم قيام اي تعاون مع النظام السوري، مثلما حرصوا على بقاء هذا التحالف عربيا امريكيا فقط، وان لا يقتصر على القضاء على “الدولة الاسلامية” وخطرها، وانما النظام السوري، ولكن في مرحلة لاحقة، اذا سارت الامور على الارض وفق المخطط الامريكي، وهذا موضع شك.
تركيا عضو الحلف الاطلسي فضلت ان يكون دورها في هذه الحرب محدودا للغاية، وان تتراجع الى المقاعد الخلفية، لانها تدرك جيدا ان هذا التحالف ربما ينعكس سلبا عليها، لانه يعزز الاكراد، ويسلحهم بأسلحة حديثة، يمكن ان تتسرب الى حزب العمال الكردستاني، وبما يهدد اتفاق السلام الذي جرى توقيعه مؤخرا لانهاء حالة تمرده ضد الحكومة المركزية في انقرة، ولحرصها على حياة رهائنها الدبلوماسيين الذين اسرتهم قوات “الدولة الاسلامية” عندما استولوا على مدينة الموصل، وما هو اخطر من ذلك، تجنب تعرضها الى هجمات انتقامية ضد صناعة السياحة فيها التي تقدر بحوالي 35 مليار دولار سنويا.
المتحدث الرسمي التركي اكد ان بلاده لن تشارك في العمليات العسكرية ضد “الدولة الاسلامية”، ولكنها قد تسمح للتحالف باستخدام قاعدة “انجرليك” الجوية جنوب البلاد لاغراض لوجستية.
واذا كان هذا الموقف التركي يتسم بالغرابة فان ما هو اغرب منه هو موقف الحكومتين الالمانية والبريطانية الرافض للمشاركة في الضربات الجوية، فالدولتان من اقرب الحلفاء لواشنطن وخاصة بريطانيا، بينما قالت فرنسا الحليف الثالث انها ستشارك في هذه الضربات “اذا اقتضت الحاجة”، وربما يعود هذا الرفض لعدم الثقة في نجاح التحالف او لرفض الرأي العام فيهما لاي تورط عسكري في العراق او الاثنين معا.
فرص نجاح هذا التحالف في القضاء على “الدولة الاسلامية” وخطرها تبدو كبيرة على الورق، ولكن عندما تبدأ مرحلة التطبيق على الارض يمكن الجزم بأن كل المفاجآت واردة، لان هناك اطرافا جرى استبعادها من التحالف يمكن ان تلعب دورا “تخريبيا” خاصة اذا طال امد الحرب.
نحن نتحدث عن ايران وسورية اللتين ابديتا امتعاضا لاستبعادهما من هذا التحالف، فايران التي رحبت منذ اليوم الاول بالمشاركة في اي جهد للقضاء على “الدولة الاسلامية”، وارسلت السيد حسين امير عبد اللهيان نائب وزير خارجيتها الى الرياض من اجل التنسيق والتعاون، وجدت نفسها “منبوذة”، اما سورية التي سارع وزير خارجيتها السيد وليد المعلم الى عقد مؤتمر صحافي رحب فيه بالتنسيق مع الولايات المتحدة او اي دول عربية او اجنبية في الحرب ضد “الدولة الاسلامية”، فقد انتقلت من خانة الحليف “المحتمل” في الحرب الجديدة على “الارهاب”، الى عدو مستهدف باعتبارها جزء من المشكلة وبالتالي لن تكون جزءا من الحل مثلما قال ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني.
السيد علي حيدر وزير المصالحة الوطنية في سورية قال ان بلاده تعتبر اي عمل عسكري على ارضها دون موافقتها يشكل عدوانا، وهذا يذكرنا بما قاله السيد المعلم بأن بلاده قد تلجأ الى اسقاط اي طائرة حربية تدخل اجواءها دون اذنها، وتناغمت روسيا مع هذا الموقف السوري عندما قال متحدث باسمها “ان اي ضربات امريكية احادية الجانب ضد “الدولة الاسلامية” في سورية ستشكل انتهاكا فاضحا للقانون الدولي اذا جاءت خارج تفويض من الامم المتحدة”.

***
الحرب الامريكية بـ”النيابة” في منطقة الشرق الاوسط باتت وشيكة جدا، وتصفية “الدولة الاسلامية” ربما يكون الذريعة، او قمة جبل التلج، فالهدف الحقيقي هو اعادة ترسيخ الهيمنة الامريكية مجددا من خلال اقامة قواعد عسكرية جديدة والسيطرة الكاملة على الثروات النفطية.
هل سيحقق هذا التحالف اهدافه القصيرة (تصفية الدولة الاسلامية) او البعيدة والاهم (الهيمنة على المنطقة وثرواتها)؟
من الصعب اعطاء اجابات جازمة فالتدخل الجوي الامريكي والارضي اليمني (الجيش اليمني) فشل في القضاء على تنظيم “القاعدة” على مدى السنوات الخمس الماضية على الاقل، مثلما فشل قبلها في افغانستان، ومرشح للفشل المزدوج في ليبيا.
الشيء الوحيد المؤكد ان الضحايا سيكونون هذه المرة كلهم من العرب والمسلمين، سواء كانوا في معسكر التحالف او المعسكر الآخر المقابل له، فلن يكون هناك جنود امريكيون على الارض، مثلما كان عليه الحال في الحروب السابقة في العراق وافغانستان، وانما عربا يقاتلون ويقتلون عربا ومسلمين.
الحرب الاولى على الارهاب فشلت في القضاء على تنظيم “القاعدة” المركزي، بل اعطت نتائج عكسية رغم مئات الآلاف من الضحايا، وآلاف “المليارات” من الدولارات، ولا نعتقد ان “ملحقها” الجديد يمكن ان يكون افضل حالا، واقل خسائرا.

تحالف اوباما “الاقليمي” لتصفية “الدولة الاسلامية” يواجه صعوبات: تركيا مترددة.. والاردن قلق.. والسعودية مشغولة بالحوثيين.. والشيخ “المقدسي” اكد لي انه سيقف في خندق البغدادي

عبد الباري عطوان

يلقي الرئيس الامريكي باراك اوباما (الاربعاء) خطابا يحدد فيه استراتيجيته المتعلقة باعلان الحرب على “الدولة الاسلامية” بهدف القضاء على خطرها الذي يهدد المصالح الامريكية وحلفاءها في المنطقة، وسيتزامن هذا الخطاب مع جولة يقوم بها كل من وزير خارجيته جون كيري ووزير دفاعه تشاك هيغل في عواصم عديدة في الشرق الاوسط، من بينها الرياض وعمان وانقرة علاوة على بغداد.
تفاصيل هذه الاستراتيجية الامريكية ما زالت غير معروفة، ولكن هناك تسريبات اشارت الى انها ستركز على عدة عناوين ابرزها تجفيف مصادر تمويل “الدولة الاسلامية”، ووقف تدفق المقاتلين الاجانب للانضمام الى صفوفها، وتكثيف التحرك العسكري لتدمير قواعدها وتجمعاتها العسكرية على الاراضي التي تسيطر عليها في العراق وسورية.
الرئيس اوباما قال في خطاب سابق “انه سيقضي على “الدولة الاسلامية” مثلما قضى على تنظيم “القاعدة”، ولكن كلامه هذا يبدو من نوع خداع النفس الى جانب خداع الآخرين، فهو لم يقض على تنظيم “القاعدة” رغم انفاق اكثر من تريليون دولار من اموال دافعي الضرائب الامريكيين تحت عنوان “الحرب على الارهاب” فعندما بدأت هذه الحرب كان هناك مقرا واحدا للتنظيم في افغانستان، والآن له اكثر من عشرة مقرات في منطقة الشرق الاوسط والعالم، جرى الاعلان عن فتح آخرها في الهند.
اما بالنسبة الى تجفيف المنابع المالية لتنظيم “الدولة الاسلامية” فان هذا الهدف لن يتحقق في زمن ولاية الرئيس اوباما (بقي له عامان في السلطة) لسبب بسيط وهو ان “الدولة الاسلامية” مكتفية ذاتيا من الناحية المالية، وهناك من يقدر ثروتها بحوالي سبعة مليارات دولار، ويدخل الى ميزانيتها اكثر من مليوني دولار يوميا من بيع النفط الخام او المكرر، وهذه الاموال يمكن ان تكفيها لخمسة اعوام قادمة ان لم يكن اكثر، فهي لا تملك سفارات ضخمة في الخارج، ولا وزراء فاسدون، ولا يحكمها رئيس او ملك يهدر اموالها في اعمال البذخ والترف والطائرات الخاصة مثل اقرانه العرب الآخرين.

***
لا اقول هذا الكلام مدحا او تمجيدا وانما استنادا الى معلومات مؤكدة حصلت عليها من مصادر عديدة مقربة من “الدولة الاسلامية”، التقيت بها اثناء زيارتي الاخيرة للعاصمة الاردنية بهدف بحث هذه الظاهرة التي يتوحد العالم بأسره ضدها لخطورتها ووحشيتها ودمويتها، ودراسة نشأتها ومعرفة اسباب صعودها الاسطوري على سلم الاهتمام الدولي والاقليمي، ومدى قدرتها على التمدد والاستمرار.
الرئيس اوباما سيجد صعوبة كبيرة في تشكيل التحالف الذي يريد تأسيسه، بشقيه الدولي والاقليمي، لان التمنيات شيء والتطبيق العملي شيء آخر، فالدول التي سيلتقي قادتها المبعوثين الامريكيين “ترتعد” من مجرد الطلب منها ارسال قوات ارضية الى ميادين القتال، فقد تعودت ان يحارب الامريكان والآخرون نيابة عنها مثل دول الخليج، او هناك مخاطر يمكن ان تترتب على مشاركتها مثلما هو حال تركيا التي تخشى على امنها الداخلي، ومدخولها السياحي (30 مليار دولار)، واتفاقها السلمي مع مواطنيها الاكراد، ووحدتها الوطنية الديمغرافية والجغرافية معا، علاوة على امن وحياة مواطنيها الاسرى لدى “الدولة الاسلامية” (46 دبلوماسي كانوا في قنصليتها في الموصل ساعة الاستيلاء على المدينة).
فالمملكة العربية السعودية تواجه ازمات داخلية طاحنة، ومسكونة بتمدد الخطر الحوثي في اليمن، وتدرك جيدا ان الدولة تملك انصارا ومتعاطفين بل ومريدين في اوساط شبابها، وتنوء بحمل “مصر السيسي” الاقتصادي، ولم يحدث مطلقا انها ارسلت قوات سعودية الى خارج اراضيها منذ حرب اليمن.. اما الاردن فالمعارضة لارسال قواته الى العراق تتصاعد على المستويين البرلماني والشعبي، وحالة الاحتقان التي بدأت مع حرب غزة، وكبرت بعد اتفاق استيراد الغاز من اسرائيل، واتساع الفجوة بين الفقراء والاغنياء، تبحث عن مفجر.
في لقاءاتي في عمان سمعت كلاما على درجة كبيرة من الاهمية، فالمتعاطفون مع “الدولة الاسلامية” قالوا لي ان التدخل العسكري الامريكي ربما يؤجج الحرب الطائفية في العراق، ويوحد ابناء الطائفة السنية خلف “الدولة”، وقالوا ايضا انه سيوصف بأنه تدخل لصالح ابناء الطائفة الشيعية، وضربوا مثلا بأن استعادة مدينة “آمرلي” العراقية المختلطة من ايدي قوات “الدولة” بعد قصف امريكي مكثف جاء على يد تحالف يضم قوات الجيش العراقي الى جانب اربع ميليشيات “شيعية” مثل عصائب اهل الحق، فيلق بدر، كتائب السلام (المهدي سابقا) بالاضافة الى قوات البشمركة الكردية.
الشيخ ابو محمد المقدسي الذي يوصف بأنه منظر السلفية الجهادية، ومعلم ابو مصعب الزرقاوي، والمرجعية الفقهية والشرعية الرئيسية لجبهة “النصرة” الى جانب الشيخ “ابو قتادة”، قال لي عندما التقيته في بيته المتواضع في احد الاحياء الفقيرة في مدينة الزرقاء، انه اذا كان خياره بين دعم التدخل العسكري الامريكي وبين “الدولة الاسلامية” فانه سيختار الاخيرة وسيفعل الشيء نفسه الكثير من الشيوخ والدعاة، واكد انه اصدر رسالة في هذا الخصوص وعممها على مريديه على شبكات التواصل الاجتماعي.
والشيخ المقدسي دخل في معركة فقهية شرسة ضد “الدولة الاسلامية” واعلان السيد ابو بكر البغدادي الخلافة، وتعرض لحرب شرسة من انصار الدولة واقل تهمة جرى توجيهها اليه، الكفر والردة، والخروج عن الجماعة.
لا شك ان الولايات المتحدة تملك قوة ضاربة، باعتبارها القوة الاعظم في التاريخ، وتستطيع ان تلحق خسائر كبيرة بـ”الدولة الاسلامية”، تماما مثلما فعلت بامارة الطالبان في افغانستان، واحتلال العراق لاحقا، وتغيير النظام في ليبيا، لكن السؤال الاساسي هو عن عمر هذا التدخل وامده والنتائج التي يمكن ان تترتب عليه.
شخصيا في حواراتي مع بعض المشايخ الذين يتعاطفون مع “الدولة الاسلامية” شعرت انهم لا يعيرون اي اهتمام او خوف من التدخل العسكري الامريكي، ويتحدثون بثقة عن سعادتهم بتورط امريكا مرة اخرى في المنطقة، وقال لي احد الذين قاتلوا تحت لواء ابو مصعب الزرقاوي انه “سيرقص طربا” اذا وصلت قوات التحالف الامريكي بشقيها الدولي والاقليمي الى العراق وسورية، وعندما حاولت ان اعرف مصدر هذه الثقة “ابتسم” ورفض الافصاح.

***
علينا ان نتذكرا امرا واحدا وهو ان تركيا فعلت كل شيء لاسقاط نظام الرئيس بشار الاسد، ابتداء من تسهيل مرور الاموال والجهاديين عبر اراضيها وانتهاء بتأسيس مظلة سياسية بديلة للنظام، ولكن امرا واحدا لم تقدم عليه وهو ارسال قوات تركية للقتال الى جانب المعارضة السورية، وفعلت كل من المملكة العربية السعودية وقطر وهما اكثر دولتين عداء للنظام السوري الشيء نفسه، ولا نعتقد ان هذه الدول الثلاث، مجتمعة او متفرقة، تحتمل خوض حرب استنزاف طويلة جيوشها غير مؤهلة لخوضها
نحن هنا لا نتنبأ بنجاح او فشل التحالف الدولي الاقليمي الجديد بزعامة امريكا الذي تتبلور ملامحه يوما يعد يوم وسيتحول الى حقيقة في غضون اسابيع، خاصة بعد ان كشفت استطلاعات الرأي ان 91 بالمئة من الامريكيين يؤيدون مشروع الرئيس اوباما في القضاء على “الدولة الاسلامية” الارهابية، ولكننا ننظر بعين المجرب نظرة ابعد، معتمدين على علم القياس من خلال تفحص التجارب السابقة المماثلة.
الرئيس اوباما معروف بتلكؤه وابتعاده عن التدخلات العسكرية، وجاء الى سدة الرئاسة لمعارضته للحربين في العراق وافغانستان، ولكن يبدو ان انتقادات النواب والشيوخ الجمهوريين وضغوطهم اخرجته من تحفظاته وعقدة الخوف من الحروب التي تسيطر عليه، ولكن الشيء الوحيد المؤكد ان تجربته لن تكون سهلة ونتائجها غير مضمونة في كل الاحوال.

اكتب لكم من الاردن: القلق والخوف من “الدولة الاسلامية” يسيطر على كل المحافل.. والاجتماع المغلق بين العاهل الاردني واوباما في لندن اكد ان المشاركة في الحرب باتت وشيكة

اينما تذهب في العاصمة الاردنية هذه الايام، في المطاعم، في دور الصحف، في اللقاءات الخاصة، في مكاتب الوزراء، حتى في سيارات التاكسي، فان السؤال الذي يتردد بقوة، ويسيطر على كل المحافل هو حول “الدولة الاسلامية”، وخليفتها ابو بكر البغدادي، وهل سينجح التحالف الدولي والاقليمي الذي يعكف الرئيس باراك اوباما على اقامته في احتوائها او القضاء عليها؟

في الاردن حالة قلق، بل حالة رعب من هذه الدولة، ومن الخطر الأكبر الذي تشكله، وهل ستصل جحافلها الى الاطراف ام الى العمق، وهل هناك خلايا نائمة، وهل سينضم الاردن الى التحالف الدولي لقتالها، وهل سيتم ذلك في السر، مثلما حصل في الحرب الامريكية في العراق عام 2003، ام ستكون هذه المشاركة معلنة.

التقيت خلال فترة اقامتي القصيرة في العاصمة الاردنية بعدد كبير من المسؤولين من الصف الاول، ورجال اعلام، ومفكرين، ودعاة، ومواطنين عاديين، وكنت مستمعا معظم الوقت، ولمست حالة من الانقسام تجاه هذه الظاهرة وكيفية التعاطي معها، مثلما كان هذا الانقسام واضحا حول تشخيص بيئتها الحاضنة، وكيفية صعودها بالصورة التي نراها حاليا، ولكن هناك قاسم مشترك بين الجميع عنوانه الابرز عدم التهوين بخطرها، وحجم قوتها، والاتفاق على انها ليست عابرة للحدود فقط، وانما للعقول ايضا، والشابة منها على وجه الخصوص.

القمة التي عقدها زعماء حلف “الناتو” في لندن يومي الخميس والجمعة الماضيين، كانت متابعة بشكل لصيق في الاردن لثلاثة اسباب رئيسية:

*الاول: انها ركزت في معظم جلساتها على خطر “الدولة الاسلامية” على المنطقة العربية والمصالح الغربية، وموازين القوى فيها.

*والثاني: انها تمخضت عن تحالف دولي من عشر دول بينها تركيا، على غرار التحالف الدولي الذي تأسس عام 1990 لاخراج القوات العراقية من الكويت عام 2003 لغزو العراق واحتلاله.

*الثالث: عقد الرئيس الامريكي اوباما لقائين مغلقين مع كل من رجب طيب اردوغان رئيس تركيا، والعاهل الاردني عبد الله الثاني، الاول كان متواجدا في اجتماع “الناتو” لان بلاده عضو فيه، والثاني دعي خصيصا، من دون الزعماء العرب الآخرين للقاء الرئيس الامريكي، رغم ان الاردن ليست عضوا في الحلف.

***

لقاء العاهل الاردني المغلق مع الرئيس الامريكي كانت له اصداء كبيرة في الاردن، واثارت العديد من الاستنتاجات ابرزها مشاركة الاردن بقوة في التحالف الاقليمي، او الشق الشرق اوسطي منه على وجه الخصوص، وارسال قوات الى العراق او سورية او الاثنين معا لقتال “الدولة الاسلامية”.

هذه التكهنات التي خرجت عن دائرة الهمس الى الحديث بأصوات اعلى في المجالس والمنتديات، دفعت السيد عبد الله النسور رئيس وزراء الاردن الى اطلاق تصريحات اكد فيها ان الاردن ليس من الدول العشر التي ستشارك في التحالف الذي اعلنه الرئيس اوباما، الامر الذي دفع بعض الصحف الى نشر مانشيتات على صفحاتها الاولى تقول ان الاردن لن يشارك في الحرب على “الدولة الاسلامية”، تماشيا مع الرأي العام الاردني الذي يعارض هذه المشاركة في معظمه، وهو الموقف الذي جسده بقوة صدور مذكرة وقع عليها 20 عضوا في مجلس النواب الاردني (البرلمان) تعارض بقوة هذه المشاركة لما تشكله من خطر على البلاد، ونشرت على مواقع التواصل الاجتماعي “والفيسبوك” خاصة، وايدها اكثر من 50 الفا في الساعات الاولى من نشرها.

الحكومة الاردنية سارعت الى اصدار بيان عبر وزير اعلامها السيد المومني اكدت فيه انها لن تكن مع تحالف الدول العشر الذي اعلنه الرئيس اوباما، ولكنها لم تقل انها ستنضم الى التحالف الاقليمي اذا ما طلب منها ذلك، ولكن حتى الآن لم تتلق طلبا في هذا الخصوص.

من المؤكد ان الوفد الامريكي الذي سيحط الرحال في المنطقة اليوم، ويضم كل من وزير الخارجية جون كيري ووزير الدفاع تشاك هيغل سيتقدم بهذا الطلب “المشاركة” الى الدول العربية التي سيزورها ومن بينها المملكة العربية السعودية ومصر والاردن والامارات العربية المتحدة وقطر.

فعندما يذهب الرئيس اوباما الى الكونغرس غداً حاملا تفاصيل استراتيجيته للقضاء على “الدولة الاسلامية”، فان هذا يعني انه يريد دعما ماليا وسياسيا ومعنويا لاعلان وشيك للحرب، لان موافقة الكونغرس هي المرحلة الاخيرة والضرورية للانخراط في حرب جديدة في منطقة الشرق الاوسط.

السلطات الاردنية تتجنب الحديث عن “الدولة لاسلامية” واطلاق يد الاعلام لنهش لحمها، وتكتفي بترك هذه المهمة لرجال دين سلفيين من المعارضين لقيامها واعلان زعيمها ابو بكر البغدادي خليفة، مثل الشيخ ابو محمد المقدسي والشيخ عمر “ابو قتادة” المعروفين بعدائهما لـ”الدولة الاسلامية” للتشكيك بشرعيتها وشرعية خلافتها.

سألت مسؤولا “كبيرا” في الحكومة الاردنية عن اسباب هذه “الهدنة” الاعلامية والسياسية تجاه “الدولة لاسلامية” فرد علي بتحفظ شديد، وبعد انتقاء كلماته بعناية، لاننا وبكل بساطة لا نريد “استفزازها”، وقال “نحن الآن نعمل على منع توفير الحاضنة الشعبية لها من خلال حملة للتوظيف لتقليص البطالة، وتحسين الخدمات، والقضاء على الفساد، وتخفيف معاناة المواطن”، ولكنه اعترف ان الامور تسير ببطىء، ولكن بثقة.

***

المعلومات المتداولة في الشارع الاردني تقول ان اجهزة الامن اعتقلت اكثر من 150 شابا بتهمة الانتماء او التعاطف مع فكر “الدولة لاسلامية” وايديولوجيتها، وانها تراقب عن كثب كل شخص يمكن ان يكون مشروع تجنيد في صفوفها وخلاياها النائمة.

المسؤول الاردني الكبير الذي التقيته قال انه يخشى ان يقوم تنظيم “الدولة الاسلامية” على تفجيرات في الاردن، وعندما قلت له ان هذا التنظيم مختلف في نهجه وممارساته وآليات عمله عن تنظيم “القاعدة ” فهو “دولة” لها جيش تعداده حوالي 75 الفا من المدربين والمسلحين بشكل جيد، والدولة تحتل او تستعيد ارض لتوسيع “امبراطوريتها” ولا تفجر، فرأيته يرفع حاجبيه استغرابا، ويصمت لحظة كأنه تعرض الى ضربة على رأسه.

باختصار شديد نقول في عجالة، ان الاردن يجد نفسه هذه الايام يقف امام اخطر التحديات التي تواجهه منذ اربعين عاما، والاهم من ذلك، عدم قدرته على المناورة او محاولة مسك العصا من الوسط، مثلما فعل امام التحدي السوري الاخير، وليس امامه اي خيار غير المشاركة سواء بارسال قوات ارضية او خاصة او تقديم خدمات استخباراتية، ومن غير المستبعد ان يقدم على هذه الخيارات مجتمعة واسرع مما يتوقع الكثيرون، وهذه مخاطرة كبيرة بالنظر الى النسيج المجتمعي الاردني، ووجود تأييد لـ”الدولة الاسلامية” في بعض الاوساط التي لم يتردد بعض شبابها على رفع علمها الاسود في شوارع بعض المدن.

احد الشيوخ البارزين المتعاطفين مع “الدولة الاسلامية” ويجاهر بشقيه الاقليمي والدولي، قال “هزمناهم في العراق وفي افغانستان، ولن يختلف الحال في المرة القادمة، والثالثة نابتة”، مثلما يقول المثل الشعبي.

هل ستحارب قوات السعودية وايران ومصر “الدولة الاسلامية” تحت قيادة امريكية.. ايهما “القتيل” وايهما “الشهيد” ومن سيذهب الى الجنة ومن سيذهب الى النار.. وما هو مستقبل نظام الاسد؟

بعد عشر سنوات من غزو العراق واحتلاله، واربع سنوات من سحب القوات الامريكية مهزومة، ها هو الرئيس الامريكي باراك اوباما يستعد للعودة الى العراق مجددا على رأس تحالف دولي واقليمي للقضاء على تنظيم “الدولة الاسلامية” وخطرها على منطقة الشرق الاوسط والمصالح الامريكية فيها.

تشكيل الشق الدولي من هذا التحالف ستكون عملية سهلة لان الدول الرئيسية فيه مثل بريطانيا وفرنسا واستراليا وكندا اعلنت استعدادها للمشاركة، اما الدول الاخرى التي ستكون مشاركتها “رمزية” مثل هولندا وبلجيكا وبولندا وبعض الدول الاسكندنافية، واعضاء آخرين في حلف “الناتو” فلن تمانع طالما ان المطلوب منها الدعم المعنوي، لا اكثر ولا اقل.

المشكلة في اعتقادنا ستتمثل في الشق الاقليمي من هذا التحالف، اي دول مثل المملكة العربية السعودية وايران والاردن وتركيا والامارات العربية المتحدة ومصر وقطر، فالعلاقات بين معظم هذه الدول متوترة، وخاصة بين السعودية وايران، وبين السعودية وتركيا، وبين السعودية وقطر، وبين مصر وتركيا والقائمة تطول.

فكيف ستقاتل القوات السعودية جنبا الى جنب مع القوات الايرانية والعقيدة العسكرية لديهما طائفية بالدرجة الاولى، وتقوم على الاستعداد النفسي والديني والعسكري لمواجهة الطرف الآخر.

وكيف ستقف القوات التركية في الخندق المصري نفسه الذي يصفه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان رئيسه عبد الفتاح السيسي بالقاتل ومغتصب السلطة عبر انقلاب عسكري على رئيس منتخب من الشعب في انتخابات حرة نزيهة؟

كان لافتا ان تركيا باعتبارها عضوا في حلف الناتو حسبت على الشق الغربي في التحالف ضد “الدولة الاسلامية”، وليس في اطار الحلف الاقليمي، اي مع السعودية وايران ومصر والعراق والاردن، مثلما كان متوقعا، فهل يعني هذا عدم ارسالها قوات برية واقتصار دورها على القصف الجوي؟ هذا الامر الذي ينطوي على بعض الغموض ربما يتضح في الايام المقبلة، ومن خلال التعرف على خريطة الجولة التي سيقوم بها الوفد الامريكي المكون من كيري وهيغل وزيرا الخارجية والدفاع الامريكيين.

***

الرئيس اوباما لن يرسل قوات ارضية على غرار ما فعل جورج بوش الاب وسلفه جورج بوش الابن عندما قرر الاول تشكيل تحالف دولي لاخراج قوات العراق من الكويت، وكرر الثاني الامر نفسه لاكمال ما عجز عنه والده، واكمال مهمته في احتلال العراق واطاحة نظامه، وسيكتفي بالضربات الجوية فقط، واقصى ما يمكن ان يفعله هو توسيعها.

بمعنى آخر هل توافق كل من السعودية وايران على القتال تحت المظلة الامريكية، ولمتى، وما هي كمية، ونوعية، القوات التي ستفرزانها من اجل هذا الغرض؟

الرئيس الامريكي واضح في استراتيجيته، وهو يقول للدول الاقليمية، والسعودية وايران ومصر والاردن خاصة، ان “الدولة لاسلامية” تشكل الخطر الاكبر على بلدانكم وانظمة حكمكم، ولذلك عليكم ان تلعبوا الدور الاكبر في عملية التصدي لها، وانهاء خطرها، وهي عملية مزدوجة ومتكاملة، الشق البري من مسؤوليتكم، والشق الجوي من مهامنا.

لا نعتقد ان ايران ستعترض لانها المستفيد الاكبر على المدى المنظور من هذا التحالف، اذا تأكدت ان الرئيس الامريكي جدي، وان هزيمة “الدولة الاسلامية” مضمون، ولكن ماذا عن المملكة العربية السعودية فهل هي مستعدة للمخاطرة وارسال آلاف من جنودها الى خارج حدودها، واختلاطها بالتالي مع قوات اخرى بعضها من مذهب آخر، (شيعي)، وفي بيئة معادية (سورية والعراق)، وفي مواجهة “دولة” تحمل لواء “السنة”.

والاهم من ذلك ان اقامة هذه القوات (السعودية) يمكن ان تطول لاشهر، وربما سنوات في جبهات القتال، وبعضها قد يقتل، والبعض الآخر قد يصاب، والبعض الثالث قد ينشق وينضم لصفوف الاعداء (الدولة الاسلامية).

ثم ما هو حكم من سيقتلون في هذه الحرب الذين يقاتلون تحت لواء “قيادة كافرة” فهل هؤلاء “شهداء” ام قتلى، ولا بد في هذه الحالة من فتوى شرعية من علماء ثقاة لهم احترامهم في اوساط الرأي العام.

لا نعتقد ان الرئيس اوباما ومستشاريه فكروا في هذه الجوانب السياسية والعقائدية التي يمكن ان تقفز في وجه الدول الاقليمية التي ستشارك في تحالفه هذا، ففي التحالفات الامريكية التي خاضت حربي العراق السابقتين، تواجدت القوات السعودية والمصرية بشكل رمزي، وفي اطار “الفيلق العربي” وبقيادة الامير خالد بن سلطان، مساعد وزير الدفاع السعودي، بينما فضلت الوحدة العسكرية السورية البقاء بعيدا عن ميادين القتال، ولم تدخل الكويت مطلقا.

نحن امام مصيدة خطيرة جدا جرى نصبها بعناية لتوريط المنطقة كلها في حرب دموية قد تغير شكلها الجغرافي وطبيعتها الديمغرافية جذريا، والسؤال هو عن الطرف، او الجهة، التي اعدت هذه المصيدة، هل هي الولايات المتحدة ام “الدولة الاسلامية”؟

***

يصعب علينا الاجابة لاننا لا نملك المعلومات، ولا نملك بلورة سحرية لقراءة المستقبل، ولكن اقدام “الدولة الاسلامية” على ذبح صحافيين امريكيين في اقل من عشرة ايام، وامام عدسات الكاميرا، وبطريقة وحشية، يوحي ان هذه الدولة وخليفتها، يريدان جر الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين والعرب الى هذه المصيدة، ولا يمكن ان تصدق ان خبراء هذه الدولة وعقولها الكبيرة، وبينهم ضباط كبار تولى بعضهم مناصب عسكرية رفيعة في عهد الرئيس العراقي الاسبق صدام حسين لا يدركون خطورة ما يفعلون، ولا يتوقعون رد الفعل الامريكي والغربي على خطوتهم هذه.

نقطة اخرى لا يمكن تجاهلها في هذا المضمار، وهي الدور السوري في هذه الحرب، فهل سيتم التنسيق مع الرئيس الاسد في دمشق قبل قصف قوات “الدولة الاسلامية” وتجمعاتها في الاراضي السورية؟ وفي حالة الاتفاق على التنسيق، هل سيكون الثمن الذي سيقبضه النظام هو منحه صك براءة واسقاط خطط اسقاطه من الحكم؟ واذا لم يتم هذا التنسيق “لان نظام الاسد هو جزء من المشكلة وليس جزءا من الحل” مثلما قال ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا، فهل سيتحول هذا التحالف الاقليمي الدولي للاطاحة بالنظام السوري في مرحلة لاحقة؟ وما هو موقف ايران وروسيا في هذه المرحلة؟

نترك الاجابة على هذه الاسئلة وغيرها للايام او الاسابيع المقبلة، وكل ما نستطيع قوله ان الاطراف التي ستقاتل “الدولة الاسلامية” ستعيش مأزقا اكبر بكثير من مأزقها.

عندما يصف عباس مشعل بـ “الكاذب” ويؤكد انه فقد الثقة بالجميع بما فيهم “فتح” ويصدق اكذوبة انقلاب “حماس العسكري” للاطاحة بسلطته وينصحه امير قطر بـ “الهدوء”.. فان الشعب الفلسطيني في محنة حقيقية يتواضع امامها العدوان على غزة

 

قرأت محضر الاجتماع الذي انعقد بين وفدي حركة “فتح” برئاسة الرئيس محمود عباس من ناحية وحركة “حماس″ برئاسة السيد خالد مشعل في الناحية الاخرى، برعاية امير قطر تميم بن حمد آل ثاني، ثلاث مرات، في الاولى، شعرت بالصدمة، والثانية، بالغضب والهوان، وفي الثالثة، وصلت الى قناعة راسخة بأن الرئيس عباس يجب ان يستقيل، ويتقاعد من العمل السياسي بالتالي، لان حالته الصحية والنفسية لم تكن على ما يرام من شدة الضغوط التي يتعرض لها من كل الجهات.

الرئيس عباس، ومثلما جاء في المحضر الذي نشر على نطاق واسع في صحف ومواقع عربية، ولم نسمع نفيا قاطعا له من الحكومة القطرية، او اي من الاطراف المشاركة فيه، اعترف بأنه فقد الثقة بحركة “فتح” التي يتزعمها، وباسرائيل وبالامريكان والعرب، وقال بالحرف الواحد “حماس بدها تجنني”.

ذهاب الرئيس عباس الى امير دولة قطر لكي يشكو حركة “حماس″ ويتهمها بترتيب “انقلاب” للاطاحة به وسلطته، بناء على معلومات “مقتنع″ بها تماما، زوده بها رئيس جهاز الشاباك (المخابرات الداخلية الاسرائيلية) وحفرت انفاقا، وزرعت الغاما لاغتياله، هذا التصرف في مضمونه وتوقيته غير مقبول من رئيس شعب كان يتعرض في حينها لعدوان اسرائيلي شرس قتل اكثر من الفي انسان بريء، ربعهم من الاطفال، وجرح 12 الف شخص، ودمر اكثر من عشرين الف بيت، وربما يتطلب التركيز على كيفية مواجهة هذا العدوان ووقف سفك الدماء، ووضع كل القضايا الخلافية جانبا.

***

جميع الحاضرين، من الوفدين “الفتحاوي” و”الحمساوي” التزموا بآداب الحديث، مع استثناءات قليلة جدا، الا الرئيس عباس الذي وجه الشتائم للكثيرين، ابتداء من غريمه محمد دحلان الذي وصفه بـ”الحقير”، وانتهاء بالسيد مشعل الذي اتهمه بالكذب والتضليل، والمناورة، وفي حضوره.

والاكثر من ذلك ان الرئيس عباس كان متناقضا في الكثير من اقواله، فقد قال: “البعض كان يريد ان تشارك الضفة في القتال (اثناء العدوان على غزة) فقلت على جثتي، لن اسمح بذلك رغم التحريض”، وفي موضع آخر “يعاير” حركة حماس بقوله “لماذا تهريب الاموال والسلاح الى الضفة، ولا يستخدم هذا السلاح ضد اسرائيل؟ اين المقاومة؟”، ونسي الرئيس عباس انه قال قبل بضعة دقائق انه لن يسمح مطلقا بالمقاومة في الضفة.

هل مشاركة الضفة الغربية واهلها الشجعان اشقاءهم في مواجهة العدوان الاسرائيلي جريمة ام عار حتى يتصدى له الرئيس عباس وقواته الامنية، وهل يريد ان تذبح اسرائيل اطفال غزة وابناء الضفة يقفون متفرجين مثله؟ واي مشروع وطني يتحدث عنه اذا كان لا يحشد الجميع في مواجهة العدوان؟

نحن لا نتجنى هنا على الرئيس عباس، ولكن امير قطر الشاب، كان يحاول تهدئته، ويؤكد له طوال الاجتماع بأن حركة “حماس″ شريك له ويجب التفاهم معها، وخيّره بين خيارين لا ثالث لهما، اما فتح تحقيق مستقل حول جميع الاتهامات التي وجهها الى حركة حماس، او اغلاق الملف، وقال انه، اي الامير القطري، يفضل الخيار الثاني، وطلب من الرئيس عباس ان يختار احدهما، ولكنه قال انه لا يستطيع ان يقرر في حينها، فقال له امير قطر “انت منرفز″ ولا بد من رفع الاجتماع الى المساء.

واظهر الوفد الفتحاوي المرافق له كل مناقب الحكمة والتعقل، وكانوا يصرون طوال الاجتماع على ضرورة التفاهم لايجاد حلول للأزمة، كما التزم السيد مشعل بالانضباط وكتم الغيظ ومخاطبة الرئيس عباس بكل الاحترام.

نفهم ان لا يثق الرئيس عباس بحركة “حماس″ والسيد خالد مشعل زعيمها، وكذلك بالاسرائيليين والعرب والامريكان، ولكن ان يقول انه لم يعد يثق بحركة “فتح” التي يتزعمها، ويضعها على قدم المساواة مع الآخرين الذين ذكرهم، فان هذا امر غير مقبول وغير مفهوم على الاطلاق من شخص في مكانته وخبرته.

واذا كان السيد عباس لا يثق بالاسرائيليين، وهو محق في ذلك، فلماذا يتبنى روايتهم حول حركة الانقلاب التي كانت تعدها خلية حركة “حماس″ المكونة من 93 عنصرا للاطاحة به وسلطته؟

استغربت كثيرا ان يقول الرئيس عباس انه كان مقتنعا كليا بالرواية الاسرائيلية هذه، ومصدر استغرابي امران:

*الاول: اعتقاده الراسخ بأنه يتزعم فعلا رئاسة دولة مستقلة، تملك السيادة الكاملة على ارضها وحدودها، وبالتالي يمكن ان تغري بعض الطامحين للتآمر والترتيب لانقلاب للاستيلاء على الحكم فيها، واقسم حازما ان هذه السلطة، وبوضعها الحالي المهين، لا تغري احدا من الشرفاء الذين يؤمنون بالمقاومة كأداة لتحرير الارض واستعادة الحقوق المغتصبة، وفقدوا الثقة كليا بعملية سلمية عقيمة وحل الدولتين المضلل.

*الثاني: ان هذه الخلية المكونة من هذا العدد المحدود من العناصر، ولا يملك الا بضعة بنادق ومئة الف دولار فقط تستطيع ان تقوم بعملية الانقلاب هذه على سلطة تملك اكثر من خمسين الف رجل امن وشرطة وحرس رئاسي، ومدربة على يد كبار الخبراء العسكريين الامريكيين، ومسلحة ببنادقهم ومعداتهم الحديثة جدا، وحتى لو نجحت هذه الخلية “العملاقة” في اطاحة سلطة الرئيس عباس بانقلابها المزعوم هل تستطيع ان تستمر في مكانه في المقاطعة دقيقة واحدة، او هل يسمح لها الاسرائيليون بهذه الدقيقة اساسا؟

***

لا نريد ان ينهي الرئيس عباس حياته السياسية منهارا متعبا وفاقدا الثقة بجميع من حوله، وخاصة تنظيمه الفتحاوي، ولكننا ورغم اختلافنا مع كل سياساته، نتمنى عليه ان ينفذ ما هدد به في هذا الاجتماع، اي انهاء التنسيق الامني مع اسرائيل، والذهاب الى نتنياهو وتسليمه مفاتيح السلطة، وفي اسرع وقت ممكن، وبعد ان اكد ان مفاوضاته مع الاسرائيليين على مدى عشرين عاما لم تحقق مليمترا واحدا من التقدم، لان الامريكان لن يستمعوا الى مطالبه الاخيرة بتحديد الحدود واقامة الدولة المستقلة، ولان الاسرائيليين لن يخافوا من تهديداته، ويوقفوا بالتالي تقسيم الحرم القدسي الشريف زمنيا، مثلما فعلوا في الحرم الابراهيمي في الخليل.

الرئيس عباس يعيش حالة توتر غير مسبوقة تنعكس سلبا على الشعب الفلسطيني وقضيته، ومن ابرز اسبابها سياسة “الصفر” التي يتبعها طوال السنوات الماضية، اي البقاء في مكانه وعدم اتخاذ اي قرار، او الاقدام على اي خطوة الى الامام او الخلف، والرهان على كسب الوقت، فهذه السياسة يمكن اتباعها لبضعة اشهر، وفي حالات محدودة جدا، لا ان تصبح سياسة استراتيجية، مثلما فعل ويفعل حاليا ويجد التأييد والمساندة من الدائرة الضيقة من وعاظ السلاطين المحيطة به.

الرئيس عباس يضع نفسه وشعبه في مأزق خطير جدا لا يستفيد من تبعاته الا العدو الاسرائيلي، ولا اعتقد ان الشعب الفلسطيني سيصبر كثيرا”، وسيطفح كيله قريبا جدا، لان هذا الشعب يستحق قائدا يرتقي الى مستوى تضحياته ودماء شهدائه وتاريخه الحافل بالكرامة والبطولات.

هجمة دبلوماسية ايرانية على مصر والفضل يعود لـ”الدولة الاسلامية” وخطرها.. ولا نستبعد قيام تحالف مصري سعودي ايراني لمواجهة تركيا وتسوية للازمة السورية تبقي الرئيس الاسد لسنوات قادمة

عبد الباري عطوان

عندما يقول علي اكبر ولايتي مستشار السيد علي خامنئي قائد الثورة الايرانية ومرشدها الاعلى “ان انتصار الشعب الفلسطيني وصموده ضد العدوان الاسرائيلي الغاشم على قطاع غزة لم يكن يتحقق لولا دعم مصر”، ويؤكد في تصريحات “غير مسبوقة” خلال استقباله وفد اعلامي مصري “ان الشعب المصري كان سباقا في دعم الفلسطينيين منذ ان بدأت القضية الفلسطينية”، فان هذا يعتبر مؤشرا قويا لتقارب مصري ايراني قد يقلب كل المعادلات السياسية وربما الامنية القائمة حاليا في المنطقة.

زيارة وفد اعلامي مصري يضم ممثلين عن صحف ومحطات تلفزة مصرية وخاصة لا يمكن ان يأتي من قبيل الصدفة، واستقبال هذا الوفد من قبل السيد ولايتي المستشار الاهم للمرشد الاعلى والسيد حسين الدين اشتاه مستشار الرئيس حسن روحاني لشؤون الاعلام خطوة مقصودة، كما ان تركيز المستشارين على التأكيد بأن انتصار الشعب الفلسطيني وصموده ضد العدوان الاسرائيلي على غزة لم يكن يتحقق دون دعم مصر، رسالة جرى اختيار كل كلمة فيها بعناية فائقة للرد على كل المواقف التي اتهمت السلطات المصرية الحالية بالتواطؤ مع هذا العدوان، وممارسة ضغوط على الوفد الفلسطيني المفاوض لتقديم تنازلات والقبول بالمبادرة المصرية لوقف اطلاق النار.

***

نحن امام حلف جديد يتبلور في المنطقة، يضم ايران ومصر والمملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة والاردن، يأتي مزيجا غريبا وغير مسبوق بين اعداء لدودين حتى قبل بضعة اشهر مثل ايران من ناحية والمملكة العربية السعودية والامارات من الناحية الاخرى في مواجهة المحور التركي القطري حتى الآن على الاقل.

الفضل الاكبر في حدوث هذا الانقلاب في المعادلات السياسية في المنطقة يعود بالدرجة الاولى الى صعود خطر “الدولة الاسلامية” بقيادة “الخليفة” ابو بكر البغدادي القرشي الذي بات يهدد جميع هذه الدول وحكوماتها خاصة، مجتمعة او متفرقة، والمملكة العربية السعودية على قمتها.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا يدور حول الخطوة التالية لهذا التحالف الجديد وفي اي اتجاه ستكون، وماذا يمكن ان يترتب عليها من خطوات اخرى فرعية؟

منذ ان شارك السيد حسين امير عبد اللهيان نائب وزير الخارجية الايراني والمقرب جدا من المرشد الاعلى في حفل تنصيب الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس للجمهورية بعد فوزه في الانتخابات مطلع الصيف الماضي، والغزل الايراني المصري لم يتوقف، رغم الجمود في العلاقات بين البلدين، فهذه المشاركة بددت النظرية التي كانت تقول ان القيادة الايرانية تقف في خندق الاخوان المسلمين ضد الانقلاب العسكري، وتؤازر الرئيس المخلوع محمد مرسي الذي زار طهران قبل الاطاحة به في اول زيارة لرئيس مصري منذ اربعين عاما.

موقف الرئيس السيسي من الازمة السورية، وعدم اتخاذه مواقف شرسة ضد الرئيس بشار الاسد والمطالبة باطاحة نظامه مثل حلفائه في معسكر “الاعتدال” العربي، وتأكيده في لقاء مع رؤساء تحرير الصحف المصرية قبل اسبوع بأنه يقف على مسافة واحدة من النظام والمعارضة في سورية، شكلت “كلمة السر” الرئيسية التي جعلت طهران تتقارب معه وتنفتح عليه.

الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل واحد ابرز مستشاري الرئيس السيسي وضع اللبنة الاولى في هذا التقارب عندما لعب دور الوسيط بين ايران والفريق اول السيسي عندما كان وزيرا للدفاع، بعد الاطاحة بحكم الاخوان في مصر وزار بيروت بدعوة من السيد حسن نصر الله زعيم حزب الله حيث التقى خلالها بمسؤولين ايرانيين جاءوا خصيصا لمقابلته تردد ان من بينهم مستشارين للسيد خامنئي بينهم علي اكبر ولايتي، علاوة على غضنفر ركن ابادي، السفير الايراني في العاصمة اللبنانية في حينها، وذلك في كانون الاول (ديسمبر) من العام الماضي، وقد التقيت السيد هيكل مرتين حيث تصادف وجودي هناك واكد لي انه التقى السيد حسن نصر الله، وانه لا يستبعد تقاربا وشيكا بين مصر وايران، واكد لي انه يؤيد هذا التقارب ويسعى له.

الفتور في علاقة ايران مع حركة الاخوان المسلمين والرئيس مرسي خصوصا وصل ذروته عندما اعلن الاخير (الرئيس مرسي) في اجتماع انعقد في مدينة نصر، بحضور الشيخ يوسف القرضاوي ومجموعة من العلماء الكبار من سعوديين ومصريين، الجهاد في سورية واغلاق سفارتها في القاهرة قبل الانقلاب العسكري الذي اطاح نظامه بعشرة ايام تقريبا (حزيران عام 2013)، وكذلك اهانة الرئيس الايراني محمد احمدي نجاد قبلها من قبل شيخ الازهر اثناء زيارته للقاهرة، حيث خاطبه بالكثير من التعالي والعجرفة وانتقد سياسات حكومته “الطائفية” وحظي بسبب ذلك بـ”تكريم” خليجي رسمي غير مسبوق.

***

المحور السعودي الايراني المصري الجديد الذي بات في مرحلة التبلور يعتقد اعتقادا راسخا انه لا يمكن هزيمة “الدولة الاسلامية” دون التعاون والتنسيق مع النظام السوري، وهذا قد يفسر على ان بقاء هذا النظام، ولو لفترة انتقالية “طويلة” امر حتمي، وجرى تكليف السلطات المصرية بالقيام بالتمهيد لهذا التنسيق والتعاون وفتح قنوات حوار مع النظام في دمشق.

اللقاء الخماسي الذي انعقد في مدينة جدة يوم الاحد قبل الماضي للدول العربية الاعضاء في منظومة “اصدقاء سورية” بحضور وزراء خارجية كل من مصر والسعودية والامارات وقطر ومستشار وزير خارجية الاردن، والزيارة المفاجئة للسيد عبد اللهيان قبلها، كانا تمهيدا للتحالف الجديد وانعكاسا لحدوث انقلاب وتغيير في الاولويات، من اسقاط النظام السوري الى فتح قنوات حوار معه، للتركيز على الخطر الاكبر الذي تشكلة “الدولة الاسلامية”، وجرى تكليف مصر بهذه المهمة، باعتبارها الاكثر حيادا في الازمة السورية.

وزير الخارجية المصري سامح شكري كشف الاحد ان بلاده لم تطرح مبادرة محددة بشأن الازمة السورية، و”انما تسعى لجمع الاطراف المتنازعة في اطار سياسي مثلما حدث في مؤتمر جنيف للتوصل الى توافق يرفع المعاناة غن الشعب السوري”، وذلك في تصريحات لصحيفة “عكاظ” السعودية.

“الدولة الاسلامية” قربت بين العدوين التاريخيين السعودية وايران، وكسرت جمود العلاقة بين القاهرة وطهران، وجرت امريكا جزئيا وربما كليا الى رمال الشرق الاوسط الملتهبة، وقلبت كل المعادلات القائمة، وافرزت “كوكتيلا” غريبا يجمع دول في معسكر الممانعة مع اخرى في معسكر الاعتدال، كل هذا في اقل من عاملين فقط.

هل نتحدث هنا عن دولة عظمى؟ ربماّ، وهل سنرى مندوب سورية قريبا يحتل مقعهد بلاده في الجامعة العربية؟ ومتى انتقد السيد نبيل العربي امينها العام النظام السوري آخر مرة؟ بل متى هاجم الامير سعود الفيصل وكل وزراء خارجية مجلس التعاون النظام السوري آخر مرة ايضا؟ وماذا عن الائتلاف الوطني السوري واخباره، ولماذا لم يعد يفرش السجاد الاحمر لرئيسه الجديد هادي البحرة؟

نترك الاجابة لكم، والامر متروك لفهمكم اولا واخيرا.

انهم يحشدون الجيوش ويؤسسون لتحالف ضخم لاجتثاث “الدولة الاسلامية” وخطرها.. ماذا سيحدث بعد نجاح مهمتهم؟ وماذا سيترتب على فشلهم؟ ومن سيدفع الثمن؟

اذا كان عقد النصف الاخير من التسعينات والنصف الاول من العقد الاول من القرن الواحد والعشرين يمكن وصفه بعقد تنظيم “القاعدة”، فان العقد الحالي الذي جاء بعده يمكن وصفه بأنه عقد تنظيم “الدولة الاسلامية” مع فارق رئيسي ان العقد الاخير هذا مرشح للاستمرار لعقود اخرى قادمة.

العالم كله يتحشد لمواجهة هذا التنظيم والقضاء على اخطاره، وهو لا يملك رؤوس نووية، ولا صواريخ عابرة للقارات، ولا مخزون هائل من الاسلحة الكيماوية او البيولوجية، فالمستر جون كيري وزير الخارجية الامريكي سيذهب وفي معيته زميله تشاك هاغل وزير الدفاع لحضور اجتماع حلف الناتو الذي سيعقد يوم الخميس المقبل من اجل تشكيل تحالف دولي لمواجهة هذه “الدولة” من الدول الاعضاء على هامش هذا الاجتماع، ويتوجه بعدها الى الشرق الاوسط للحصول على دعم “الدول المهددة” بشكل مباشر من خطره، وضمها، وربما طلب تمويلها لنفقات هذا التحالف.

بريطانيا اعلنت حالة التأهب القصوى في صفوف اجهزتها الامنية، ورفعت مستوى التهديد الى المرحلة ما قبل الاحمر، خوفا من تفجير ارهابي يمكن ان ينفذه مواطنوها العائدون من سورية والعراق بعد قتالهم في صفوف هذا التنظيم.

ولكن التحذير الاخطر جاء وللمرة الرابعة هذا الشهر، من العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز يوم الجمعة، الذي تمثل في اعلان حالة “النفير” على المستوى العالمي، عندما طالب سفراء الدول الغربية الذين استقبلهم اثناء تقديم اوراق اعتمادهم، بضرب المتطرفين (المسلمين) بـ”القوة والعقل” وبسرعة، لانهم سيصلون الى اوروبا في غضون شهر، والى امريكا في غضون شهرين.

***

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن طبيعة هذا الخطر الذي تشكله “الدولة الاسلامية” على دول وحكومات من المفترض انها تملك جيوشا جرى انفاق مئات المليارات من الدولارات على تسليحها بأحدث الصواريخ والطائرات الحديثة، علاوة على اجهزة امنية تعتبر من الاقوى عالميا؟

نفهم ان تخشى دول العالم نظاما “مارقا”، على حد وصفها، مثل نظام الرئيس العراقي صدام حسين، لانه يملك ترسانه من اسلحة الدمار الشامل، وجيشا قويا حارب ايران ثماني سنوات، ويشكل خطرا على جيرانه بعد احتلاله الكويت، ولكن لا نفهم مطلقا تشكيل تحالف دولي اقوى من التحالف الذي قادته امريكا لـ”تحرير” الكويت عام 1990، وضد من؟ ضد تنظيم صغير بالكاد يزيد عمره الزمني عن عامين على اكثر تقدير!

هل المشكلة تكمن في قوة “الدولة الاسلامية” ام في ضعف الدول الاقليمية، وحالة الرعب التي تسودها من جراء الانتصارات الكبيرة التي حققها في السيطرة على نصف العراق وثلث سورية في غضون اشهر معدودة؟ ثم من الذي وفر البيئة الحاضنة لهذا التنظيم وزوده بأسباب القوة؟ اليست تلك الدول التي “تولول” ذعرا من خطره، وتخشى وصوله الى عمقها؟

لا شك ان هذا التنظيم المتشدد في تطبيق عقيدته وممارساته في الترهيب والتوحش، مثل التغول في الذبح والقتل وتكفير كل من لا يتبنى او يعتنق هذه العقيدة، لا شك انه يثير القلق والرعب، ولكن هذا الرعب مقصود مثلما هو مصدر فخر لقادته، ولا يتبرأون منه، بل يؤلفون الكتب، ويخطون المقالات والشروحات على مواقعهم على وسائل التواصل الاجتماعي للتنظير له، وشرح منطلقاته واسبابه.

لا نعتقد ان هذا التنظيم ورجاله سيصل الى اوروبا في غضون شهر، وامريكا في غضون شهرين، ليس لانه قادر او غير قادر على ذلك، وانما لانه يركز حاليا على “العدو القريب” وجوار دولته، اي دول مثل العراق وسورية ولبنان والاردن والمملكة العربية السعودية، حيث يصف حكام هذه الدول بغير المؤمنين، ولا يطبقون شرع الله مثلما هو مطلوب منهم.

ممارسات هذا التنظيم غير انسانية ومدانة بأقوى العبارات، ولكن هل هبطت علينا “الدولة الاسلامية” هذه من السماء ام من بيئتنا العربية والاسلامية، ولها جذور عميقة في تاريخنا، وحتى نفهمها علينا الرجوع الى الوراء اربعة او خمسة قرون، والى فكر الشيخ بن تيميه وتلميذه الامام محمد بن عبد الوهاب مؤسس الحركة الوهابية “الاصلاحية”، وسنجد ان فكر “الدولة الاسلامية” هو حركة تصحيحية لهذا الارث الفقهي، وليس غريبا ان يكون هذا الارث الاعمدة الاساسية لهذه “الدولة الاسلامية”، وتدرسه حاليا في مناهجها الدراسية في العام الدراسي الجديد في المناطق التي باتت تحت سيطرتها.

***

في غمرة حالة الهياج المصحوبة بالرعب والتحريض الاقليمي والدولي على مواجهة هذه الدولة، اسمحوا لنا ان نطرح العديد من الاسئلة ونأمل ان نتلقى اجابات واضحة وصريحة عنها:

*الاول: كيف سيحارب التحالف الجديد بقيادة امريكا هذه الدولة، وهل سيرسل قوات ارضية ام سيكتفي بالهجمات الجوية، وفي حال ارسال هذه القوات من هي الدول التي سترسل جنودا؟

*الثاني: هل ستنضم سورية الى هذا التحالف بشكل مباشر او غير مباشر، واذا كان الجواب بالنفي، ماذا لو ربطت ايران انضمامها الى هذا التحالف بهذه المشاركة السورية؟

*الثالث: ما هي خطط واستراتيجيات هذا التحالف في حال فشله في تحقيق اهدافه، او نجاحه في تحقيقها؟ بمعنى آخر هل سنشهد حالة فوضة دموية اكبر على غرار ما يحدث في ليبيا واليمن وسورية والعراق نفسه حاليا في حال النجاح او الفشل؟

تدخل الناتو نجح في تحقيق اهدافه في اسقاط النظام في ليبيا والعراق، ولكنه لم ينجح في تقديم النموذج الصالح في الحكم والاستقرار مثلما كان مأمولا.

*الرابع: الرئيس الامريكي جورج بوش الاب وعد بحل القضية الفلسطينية عندما كان يخطط لتشكيل التحالف الثلاثي لاخراج القوات العراقية من الكويت، وذهب ابنه جورج بوش الابن الى التعهد باقامة دولة فلسطينية مستقلة بعد احتلال العراق في حربه التي كان يستعد لها عام 2003، ولم ينفذ الزعيمان اي من وعودهما، ندرك جيدا ان قضية فلسطين لم تعد الاولوية لدى الرئيس باراك اوباما او دول حلف الناتو او الاعضاء العرب في التحالف المقبل ضد “الدولة الاسلامية”، ولكن هل تتعهد دول هذا التحالف، وتضمن امريكا زعيمة العالم الحر تعهداتها هذه، من حيث نشر قيم الديمقراطية وتطبيق العدالة الاجتماعية والمساواة والقضاء العادل المستقل في مرحلة ما بعد القضاء على “الدول الاسلامية” وهزيمتها؟ نطرح هذه الاسئلة مبكرا لتكون وثيقة سنعود اليها حتما في المرحلة المقبلة بعد ان تبدأ عملية تجيش الجيوش، وانطلاق الطائرات الحربية لقصف اهدافها وقتل مئات الآلاف من المدنيين العراقين والسوريين، فيبدو ان قتل 200 الف سوري حتى الآن، ومليون عراقي قبلها لا يشفي غليل البعض.

لا شك ان “الدولة الاسلامية” وممارساتها وتوسعها وتغولها في الدم يشكل خطرا كبيرا، لكننا لا نستبعد ان يأتي الدواء الذي تعمل امريكا على تركيب عناصره حاليا بالتعاون مع دول اقليمية ودولية اكثر خطورة، بحيث لا يشفي المرض، ويخلق اعراض جانبية اقوى منه.

قراءة في “دبلوماسية اللحظة الاخيرة” السعودية لانقاذ مجلس التعاون الخليجي من الانقسام.. واسباب زيارة الوفد السعودي الثلاثي المفاجئة للدوحة وما سر تعدد الزيارات والمهل؟ ولماذا سيكون اجتماع جدة السبت حاسما في كل الاتجاهات؟

انتهت الحرب العسكرية الاسرائيلية على قطاع غزة ومن المتوقع ان يؤدي اتفاق وقف اطلاق النار الذي رعته السلطات المصرية الى التفرغ لحرب دبلوماسية اخرى، ربما لا تقل شراسة، بين المحور المصري السعودي الاماراتي البحريني، وبين المحور التركي القطري الذي وقف ويقف في الخندق الآخر المقابل.

بعد غد السبت يعقد وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي اجتماعا في مدينة جدة غرب المملكة العربية السعودية لبحث التقرير الذي وضعته لجنة متابعة تنفيذ “اتفاق الرياض” الخاص بأزمة سحب السفراء من الدوحة (بدأت في آذار مارس من هذا العام) بشكل خاص والخلافات الخليجية مع السلطات القطرية بشكل عام.

تقرير اللجنة اشار الى عدم قيام الى دولة قطر بالالتزام بتنفيذ بنود الاتفاق وابرزها وقف التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج الاخرى، من بينها تجنيس معارضين خليجيين وتوفير الملاذ الآمن لهم، وعدم اتخاذ سياسات خارجية تلحق الضرر بمجلس التعاون الخليجي ودوله، في اشارة الى حركة الاخوان المسلمين وتبني موقفها الرامي الى اطاحة النظام المصري الحالي والعودة الى السلطة التي سلبت منها واطلاق سراح قيادتها المعتقلة.

وزير الخارجية القطري السيد خالد العطية رفض توقيع تقرير اللجنة المذكورة اسوة بزملائه الخمسة الآخرين اثناء اجتماع عقد في هذا الخصوص في جدة قبل عشرة ايام وغادر الى الدوحة غاضبا، وهو موقف منطقي، فكيف يوقع على تقرير يدين دولته، ويمهد لفرض عقوبات عليها من قبل شقيقاتها في المجلس؟

***

العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز شكل وفدا من ثلاثة امراء كبار برئاسة وزير الخارجية سعود الفيصل، ووزير الداخلية محمد بن نايف، ورئيس المخابرات خالد بن بندر، والثلاثة من احفاد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، وطلب منه التوجه الى الدوحة ولقاء المسؤولين فيها، في زيارة وصفتها صحيفة “الشرق الاوسط” المقربة من النظام السعودي بأنها “دبلوماسية اللحظة الاخيرة” لتسوية ازمة العلاقات مع قطر التي القت بظلالها على مسيرة مجلس التعاون الخليجي وشلتها جزئيا، او كليا، طوال الاشهر الستة الماضية.

تشكيل الوفد من ثلاثة امراء، الاول من الصقور الذين لا يكنون الكثير من الود للنظام الحالي في قطر وسياساته، اي الامير سعود الفيصل، والثاني من “الحمائم” الذي يعرف بعلاقته الوثيقة مع هذا النظام وصداقته القوية بالامير القطري الشاب تميم بن حمد آل ثاني، ويتردد باستمرار على الدوحة في زيارات خاصة معلنة وغير معلنه، والثالث الامير خالد بن بندر رئيس جهاز الاستخبارات الذي يوصف بجديته وموضوعيته، علاوة على “وسطيته”، هذا التشكيل للوفد جاء مقصودا، اي للايحاء للسلطات القطرية بأنه لا يوجد صراع اجنحة في السعودية، او آراء متباينة بشأن الخلاف معها، وان الكل مجمع على ضرورة تنفيذها اتفاق الرياض وبنوده كافة، او تحمل نتائج عدم التنفيذ التي ربما تشمل اغلاق حدود برية وعقوبات اقتصادية وتجميد العضوية في مجلس التعاون.

الوفد الثلاتي قضى ساعة ونصف الساعة في الدوحة فقط، التقى خلالها الامير القطري، مما يوحي ان المسألة تنحصر في تسليم رسالة محددة او “انذار”، والاستماع الى الرد الفوري عليها، حيث لم يكن هناك اي مجال للمجاملات الخليجية التقليدية ومآدب الغداء او العشاء الرسمية المتبعة في هذا الصدد، فقد كانت زيارة “جافة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

الزيارة تمت وانتهت وسط تكتم شديد، ولم ترشح اي معلومات حول نتائجها او ما دار فيها، خاصة من الجانب القطري المضيف، ولكن الصحف السعودية او المحسوبة عليها في لندن، اكدت عدم نجاحها في اقناع الجانب القطري بالتجاوب مع ما هو مطلوب منه تنفيذه في اتفاق الرياض، بينما التزمت الصحف القطرية في الدوحة او تلك التي تصدر في الخارج الصمت المطبق، ولم تتناول زيارة الوفد السعودي للدوحة الا بشكل روتيني تقليدي على طريقة وكالات الانباء الرسمية.

مسؤول كويتي قامت دولته بجهود وساطة مكثفة لاحتواء هذه الازمة الخليجية بعد ان عجزت عن ايجاد حلول جذرية لها، قال ان ما هو مطلوب من قطر، وبكل بساطة، اصدار تعليمات فورية لقناة “الجزيرة” بتغيير خطابها الاعلامي، فيما يتعلق بالاوضاع في مصر وتطوراتها، اي التوقف عن دعم الاخوان المسلمين وتوجيه اي انتقاد لحكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، ووضع آلية واضحة لوقف التجنيس للمعارضين الخليجيين، ومن البحرين والامارات خصوصا، في اطار سقف زمني محدد.

لا نعتقد ان السلطات القطرية ستلبي اي من الطلبين في غضون اليومين القادمين السابقين لاجتماع وزراء الخارجية في مدينة جدة، ولو كانت مستعدة لذلك لفعلتها قبل اشهر، لان تحالفها مع حركة الاخوان المسلمين استراتيجي وفي اطار تحالف اكبر مع قوى اقليمية مثل تركيا، واي تغيير لخط “الجزيرة” السياسي، اي التوقف عن دعم الاخوان ومصالحة الرئيس السيسي بالتالي يعني بدء العد التنازلي لاضمحلال هذه المحطة، وفقدانها لما تبقى لها من مصداقية ونفوذ وتأثير، بالتالي تراجع اهمية الدولة القطرية التي تعتمد عليها كورقة اساسية في يدها لدعم سياساتها الخارجية المتشعبة.

الخلاف بين قطر وشقيقاتها لا يعود، في اعتقادنا، بالدرجة الاولى الى مسائل داخلية مثل قضية التجنيس واحتضان المعارضين، وانما الى قناة “الجزيرة” ودورها وحملاتها ضد نظام السيسي، واحتضانها لحركة الاخوان المسلمين والانتصار لها وفكرها واهدافها، وهي ستستمر في هذه السياسة مهما تعاظمت الضغوط الخليجية عليها فيما يبدو، بدليل تعيينها الزميل ياسر ابو هلالة المعروف بميوله الاسلامية مديرا عاما لقناة “الجزيرة” في تحد يحمل في طياته استفزازا لمن يريدون تغيير خط المحطة.

***

السعودية تقف اليوم امام تحديات خطيرة جدا، ابرزها خطر القوة المتنامية لـ”الدولة الاسلامية” بقيادة ابو بكر البغدادي الحسيني “القرشي” التي تحاكي، بصورة او بأخرى، الحركة الوهابية في صيغتها البكر الاولى، وتهدد باجتياح المملكة فكريا وعقائديا وعسكريا في الوقت نفسه، مثلما تواجه ايضا، اي السعودية، انقلابا في اولويات الولايات المتحدة ودول اوروبا في تحشيد القوى لمواجهة هذا الخطر “الاسلامي السني المتشدد”، وليس اسقاط النظام السوري، ولو مرحليا على الاقل.

ما يقلق القيادة السعودية هو انجذاب نسبة كبيرة من الشباب السعودي الى هذا الفكر المتشدد للدولة الاسلامية، واعجابهم بـ “انتصاراتها” على الارض في العراق وسورية وتساقط المدن والقواعد العسكرية مثل الذباب امام زحفها، حيث قدر استطلاع غير رسمي اجري على وسائل التواصل الاجتماعي تأييد 92 بالمئة من الشباب السعودي لـ”الدولة الاسلامية”، ومهما كانت نسبة الخطأ في هذا الاستطلاع فانه يظل مرعبا للسلطات السعودية، وهذا ما يفسر هبة العلماء الرسميين والائمة وتجنيدهم لتجريم هذه “الدولة” وفكرها، وتحذير الشباب السعودي من الانضمام اليها، وكان لافتا في المقابل، وهذا خطر اشد ايضا، التزام “علماء الصحوة” الاسلاميين السعوديين الصمت تجاه هذه الظاهرة وعدم ادانتها ومحاربتها مثلما طلب منهم العاهل السعودي، في وسائل الاعلام الرسمية، او على مواقعهم في وسائل التواصل الاجتماعي حيث يحظون بملايين المتابعين في السعودية وحدها.

في ظل هذا التحدي تريد القيادة السعودية حشد مجلس التعاون الخليجي وتوحيد صفوفه لتحصين بيتها الداخلي، وتشكيل تحالف مصري خليجي اردني في مواجهته وهذا الطموح لا يتأتى، او يصبح اكثر صعوبة في التحقيق، جزئيا، او كليا، في ظل حالة الشلل الراهنة التي يعيش في ظلها المجلس بسبب تغريد قطر في سرب آخر وتوظيف دخل سنوي يصل الى 200 مليار دولار في دعم سياسات ومواقف وجماعات ترى السعودية انها خطر عليها، وهذا ما يمكن ان يفسر المهل العديدة التي اعطتها لدولة قطر، والوفود العديدة من الامراء التي بعثتها الى الدوحة لاقناعها في التجاوب مع طلباتها لانها لا تريد التصعيد وتدرك مخاطره في الوقت نفسه، ولكن الخيارات بدأت تضيق امامها بعد ان طفح كيلها مثلما يبدو لاي متابع لتحركاتها.

يمكن القول ان اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في جدة يوم السبت، ربما يكون مختلفا عن كل الاجتماعات السابقة بالنظر الى المعطيات والقضايا المتفجرة التي سببت فيها فاما ان تذعن السعودية وحلفاؤها لهذا “الجنوح” القطري وتقرر التعايش معه، او تلجأ لمواجهته، وليس هناك اي مؤشرات حتى كتابة هذه السطور تفيد بامكانية التوصل الى اتفاق يحول دون تطور الخلافات الى عقوبات او قطيعة الا اذا حدثت معجزة، ولكننا لسنا في زمن المعجزات، والخليجية منها بالذات، والايام المقبلة حافلة وحاسمة على اكثر من صعيد، وفي اكثر من اتجاه، وليس امامنا اي خيار آخر غير انتظار المفاجآت، ويبدو انها ستكون كبيرة ومن الوزن الثقيل والله اعلم!

نتنياهو يكذب.. ويدعي تحقيق انجازات وهمية.. ويحاول التملص من اتفاق الهدنة.. هذه اهانة لمصر وننتظر ردا قويا منها على هذا “الهذيان” الناجم عن ضخامة الهزيمة

عبد الباري عطوان

عندما يقول بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل في مؤتمر صحافي “ان حماس لم تحقق اي من مطالبها” وبعد اقل من 24 ساعة من بدء تطبيق اتفاق وقف اطلاق النار، فاما انه يكذب على نفسه ومستوطنيه، ويحاول امتصاص حالة الغضب التي يواجهها عن طريق اساليب الخداع والتضليل التي ظل يمارسها طوال السنوات العشرين الماضية وفقدت مفعولها وتحطمت على صخرة الصمود في قطاع غزة، او انه لا يريد تطبيق بنود الاتفاق، وهذا غير مستبعد، وهنا تكون مشكلته مع مصر راعية هذا الاتفاق والضامن الاساس له.

دعونا نفترض جدلا ان “حماس″ وباقي فصائل المقاومة الاخرى لم تحقق اي من مطالبها، ونسأل نتنياهو في المقابل عما اذا كان حقق مطالبه التي اراد تحقيقها من شنه هذا العدوان الدموي على قطاع غزة؟ بمعنى آخر هل قضى على صواريخ المقاومة ومنصاتها، هل دمر الانفاق فعلا، وكيف، وهو الذي لم تتقدم دباباته الا بضعة امتار داخل حدود قطاع غزة، والاهم من كل هذا هل نجح في نزع سلاح فصائل المقاومة مثلما اصر طوال ايام المفاوضات العشرين؟

***

الصواريخ موجودة ولم تتوقف عن التناسل في مرابضها تحت الارض، والانفاق ما زالت على حالها، وما جرى تدميره سيعاد بناؤه او بديله، في ايام او اسابيع، وشاهدنا السيد محمود الزهار وقادة المقاومة الآخرين يتجولون في الشوارع ويحتفلون مع المحتفلين بالنصر دون اي حراسة او اجراءات امنية مشددة.

لنذهب الى ما هو ابعد من ذلك، ونسأل نتنياهو مرة اخرى، لماذا يحتفل اهل القطاع حتى الصباح بالانتصار ويرقصون طربا لهزيمته بالشوارع، بينما لم نر اي احتفال في تل ابيب المحتلة او اي مدينة اخرى، بل نرى الوجوه الاسرائيلية العابسة المكفهرة، وغالبية ساحقة من مقالات ومقابلات في الصحف ومحطات التلفزة الاسرائيلية لجنرالات ورؤساء اركان حرب اسرائيليين تتحدث بصوت عال عن هزيمة اسرائيل وانتصار المقاومة؟

نتنياهو “يهذي” من شدة الضربة التي وجهتها اليه فصائل المقاومة عندما هزمت جيشه، وهجّرت مستوطنيه، واثارت الرعب في تل ابيب وحيفا وعكا واسدود والقدس المحتلة، وبثت الرعب في نفوس اكثر من ستة ملايين مستوطن قضوا الخمسين يوما الماضية من عمر العدوان في الملاجيء.

موشيه يعلون وزير الدفاع الاسرائيلي يهدد بقوله “سنضرب حماس بطريقة اقوى اذا هاجمتنا”، وهذا تهديد اجوف، فماذا يستطيع ان يفعل اكثر مما فعل في الحرب الاخيرة، هل سيقتل اطفالا اكثر؟ هل سيدمر ابراجا اعلى؟ وهل سيقصف ما تبقى من المدارس في القطاع؟

***

المقاومة خرجت من هذه الحرب منتصرة وموحدة، بينما خرجت منها اسرائيل مهزومة ومنقسمة ومنهارة نفسيا ومعنويا وهذا هو الفارق الكبير الذي يريد نتنياهو ويعلون تجنب الحديث عنه في مؤتمراتهم الصحافية التضليلة والتبريرية.

سنترك نتنياهو يكذب ويبرر ويضلل مثلما شاء وكيفما شاء، فأكاذيبه لن تنطلي على احد، فالحقائق ساطعة على الارض، والعالم كله شاهدها ووثقها، وباذن الله سنراه في الاشهر القادمة مطاردا هو وكل جنرالاته، ووزير دفاعه، من قبل محكمة الجنايات الدولية والبوليس الدولي كمجرمي حرب للمثول امام العدالة.

ننتظر الرد المصري على اقوال نتنياهو هذه، لانها تشكل اهانة لهم، وتشكك في مصداقيتهم، وتضعهم في خانة التواطؤ، ونأمل ان لا يطول انتظارنا طويلا.