مقالات

مشاركة الطيارين العرب غير المسبوقة في الحرب على “الدولة الاسلامية” واخواتها.. ما هي الدوافع والاخطار.. ومن اين اخترع اوباما تنظيم “خراسان” الارهابي؟ وما هو الهدف القادم؟

بعد ان شاهدت بعض صور الطيارين من خمس دول عربية (السعودية، الامارات، قطر، البحرين، الاردن) يلوحون من نوافذ طائراتهم الامريكية الحديثة من طراز “اف 16″ باشارة النصر، والابتسامة مرسومة على وجوههم او وجوههن السمراء (قائدة طائرة اماراتية شاركت في القصف)، بعد عودتهم وانجازهم لمهامهم في تدمير مواقع واهداف لتنظيمات جهادية متشددة (الدولة الاسلامية، جبهة النصرة، احرار الشام) وقتل اكبر قدر ممكن من هؤلاء ومعهم العديد من المدنيين وربما الاطفال ايضا، اقول بعد هذه المشاهدة، اغمضت عيني وسرحت في حلم يقظة طويل (لم امر بهذه التجربة منذ سن المراهقة لكثرة الكوابيس العربية ولعدم وجود وقت لمثل هذه الاحلام) وتخيلت ان هؤلاء الطيارين والطيارات عائدون لتوهم الى قواعدهم، من مهمة في فلسطين المحتلة، تصدوا خلالها للطائرات الاسرائيلية التي تقصف الجوعى المحاصرين العزل في قطاع غزة.

على اي حال الاحلام كلها، يقظة او منام، مشروعة ومحببة، وليست محظورة بمقتضى قوانين الارهاب الامريكية والعربية، وربما هي الوحيدة التي تبقت لهذه الامة وابنائها، في هذا الزمن المتردي الذي لا نعتقد ان له مثيل في تاريخ هذه الامة في كل حقباته.

***

وزارة الدفاع الامريكية اكدت، عبر المتحدثين باسمها، ان المقاتلات العربية، شاركت بكثافة في الضربات الاخيرة ضد مواقع “الدولة الاسلامية” في سورية، وان عشر مقاتلات منها (سعودية واماراتية) اغارت برفقة ست مقاتلات امريكية على مصافي النفط الخاضعة لسيطرة هذه الدولة ودمرتها تدميرا كاملا.

مهمة الطيارين العرب سهلة، وليست محفوفة بأي أخطار على الاطلاق، فالاجواء صافية، والضحايا من اهل البيت (عرب ومسلمون)، والعدو لا يملك رادارات ولا مدفعية او صواريخ مضادة للطائرات، والدولة السورية التي هددت باسقاط اي طائرة تنتهك اجواءها، تعتبر نفسها، ومثلما قالت صحيفة “الوطن” السورية تقاتل في خندق واحد مع القوات الامريكية ضد الارهاب”.

هذه الغارات، وداخل سورية بالذات، تجعلنا نفهم اسباب عدم تزويد امريكا ومنعها دول عربية من تسليم صواريخ (آي باد) المحمولة على الكتف لشل سلاح الطيران السوري، لانها كانت تخشى سقوطها او بعضها، في ايدي الجماعات المتشددة وتستخدمها ضد الطائرات الامريكية والعربية في مرحلة لاحقة مثلما نرى حاليا.

لا نعرف ما اذا كانت هذه الدول العربية الخمس سترسل قوات ارضية في مرحلة لاحقة، وبعد ان يفرغ بنك اهداف الغارات الجوية، ولا يبقى شيء لهذه الطائرات لكي تقصفه بعد انجاز مهمة تدمير مصافي النفط البدائية وبعض مقار الجماعات الارهابية و”بناها التحتية”، ولكن ما يمكن ان نتكهن به انها ربما لم تقدم على هذه المهمة، اي المشاركة الجوية، لو لم تحصل على تعهد امريكي بالذهاب في هذه الحرب الى هدفها النهائي، اي تغيير النظام السوري، تماما مثلما فعلت عندما شاركت مع طائرات حلف الناتو في قصفها لليبيا، واسقاط النظام الليبي في نهاية المطاف.

لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي عزز تكهناتنا هذه عندما اعلن ظهر الخميس في حديث لراديو (فرانس انفو) “ان اعداء بلاده في سورية يتضاعفون وان العدو الاول هو الاسد، ومن ثم تنظيم الدولة الاسلامية الذي يعمل لصالحه”.

كلام وزير الخارجية الفرنسي على درجة كبيرة من الاهمية، ويرسم الخطوط العريضة لهذه الحرب، والمهام المرسومة لكل طرف مشارك فيها، وكل ما نسمعه من احاديث عن الديمقراطية وحقوق الانسان والتطرف الاسلامي هو نوع من التضليل تماما مثل اكذوبة اسلحة الدمار الشامل العراقية.

الرئيس اوباما قال لنا في خطابه الاخير الذي اعلن فيه عن بدء الضربات الجوية داخل الاراضي السورية انه عجل بهذه الضربات لان تنظيم “خراسان” التابع لتنظيم “القاعدة” كان يخطط للقيام بعمليات ارهابية في امريكا ودول اوروبية اخرى انطلاقا من سورية، واقسم بالله، انني اتابع كل صغيرة وكبيرة متعلقة بتنظيم “القاعدة” منذ نشأته عام 1996، وكتبت كتابين حوله، والثالث في الطريق، ولم اسمع مطلقا باسم هذا التنظيم (خراسان) الا من الرئيس الامريكي اوباما، ثم ما حاجة الدكتور ايمن الظواهري لتأسيس تنظيم جديد على الارض السورية للقيام بمثل هذه العمليات، ولديه ثلاثة تنظيمات كبرى مثل “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة” و”احرار الشام”، علاوة على عشرات التنظيمات الصغيرة التي تتبنى فكر “القاعدة” وايديولوجيتها؟ ثم كيف سينفذ هذا التنظيم عمليات ضد امريكا، و”التنظيم الام” لم ينجح في تنفيذ اي “عملية ارهابية” منذ عشرة اعوام تقريبا بسبب اجراءات الطوارىء المشددة في كل مطارات الغرب؟!

التحالف الدولي الجديد الذي تتزعمه الولايات المتحدة يسير وفق مخطط مدروس بعناية، الفصل الاول منه يمكن اختصاره في نقطتين:

*الاول: تجفيف المنابع المالية لتنظيم “الدولة الاسلامية” من خلال قصف 22 مصفاة بدائية للنفط في منطقتي دير الزور والرقة، وهي المصافي التي كانت تدر مليوني دولار يوميا.

*الثانية: تجفيف المنابع البشرية من خلال اصدار قرار عن مجلس الامن الدولي وفق البند السابع من ميثاق الامم المتحدة يمنع ويجرم اي دولة تسمح بمرور المقاتلين الاجانب للانضمام الى الجماعات الارهابية، وتنظيم “الدولة الاسلامية” على وجه الخصوص.

***

الهدفان تحققا جزئيا اليوم بتدمير المصافي المذكورة وآبار نفط اخرى، واعلان تركيا عن ترحيل الف شاب من جنسيات متعددة كانوا في طريقهم للالتحاق بـ”الدولة الاسلامية”، وعندما نقول جزئيا فان تنظيم “الدولة الاسلامية” يستطيع الاستغناء عن هذا المدخول النفطي لخمسة اعوام، اذا ما صحت التقديرات الاجنبية التي تقول انه يملك ارصدة مالية تتراوح بين خمسة وسبعة مليارات دولار، اما بالنسبة لالتحاق المقاتلين في صفوفه، فليس كل هؤلاء يمرون عبر الاراضي التركية، فهناك مقاتلون محليون من سورية والعراق، وعلينا ان نتذكر ان هناك حوالي 250 الف لاجيء غير شرعي في بريطانيا وحدها دخلوها بطرق غير شرعية، ومن خلال المهربين او مساعدتهم.

عندما كان يقول بعضنا ان هدف امريكا وحلفاءها تجميع “الارهابيين الاسلاميين” في بقعة واحدة والقضاء عليهم دفعة واحدة، كان هناك، ومن الاسلاميين خاصة من يشكك في هذا الكلام في غمرة حماسة لدعم ومساندة المعارضة المسلحة في سورية التي تقاتل لاسقاط النظام، فالذين كانوا يسمحوا للمتشددين الاسلاميين القادمين من مختلف انحاء العالم، بالمرور عبر تركيا والاردن والعراق، وتدريبهم وتمويلهم، هم الذين يرسلون طائراتهم لقصفهم والقضاء عليهم بالتالي.

هذه حرب “متدحرجة” ما زالت في ايامها او اسابيعها الاولى، ولذلك من الصعب اطلاق احكام حاسمة بشأنها ونتائجها، فقد تتغير الاهداف، وتنقلب التحالفات، وينسحب منها البعض، وينضم البعض الآخر، وتنتقل بنادق البعض من الكتف الايسر الى الايمن او العكس، فالحروب دائما مليئة بالمفاجآت، وليس كل المخططات وتطبيقاتها تنتهي بالطريقة التي يريدها مخططوها.

القصف الجوي الامريكي استهدف الاراضي السورية.. والنظام والمعارضة يتسابقان للترحيب به.. ماذا يحدث في المنطقة.. وكيف يتوحد عرب “الممانعة” و”الاعتدال” خلف هذا التدخل العسكري الذي سيقتل الآلاف وربما مئات الآلاف من السوريين ايضا؟ وماذا عن السيادة؟

عبد الباري عطوان

لم تحتج الطائرات الحربية الامريكية وصواريخ “التوماهوك” اذنا من السلطات السورية لضرب مواقع لتنظيم “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة” جناحي تنظيم “القاعدة” الى جانب “احرار الشام” داخل الاراضي السورية، لان امريكا باتت الحاكم الناهي المسيطر على المنطقة، ولذلك لا تعترف بسيادة اي دولة عربية على اراضيها او اجوائها، فالسيادة لها فقط، وما على الآخرين غير تقديم “البيعة” لساكن البيت الابيض الذي لم يبق له غير تنصيب نفسه”خليفة” للمسلمين، والعرب منهم خاصة، سنة او شيعة.

انها حرب امريكية بامتياز وبغطاء عربي اسلامي من دول محور “الممانعة”، ومن دول محور “الاعتدال”، من المسلمين السنة، ومن المسلمين الشيعة على حد سواء، فقد تساوى الجميع، وذابت الفوارق المذهبية والعقائدية والسياسية وبات الجميع، ودون اي استثناء يخدم الاجندات العسكرية والسياسية الامريكية، وهو استثناء تاريخي غير مسبوق في تاريخ المنطقة، فلم نسمع صوتا معارضا واحدا لهذا التدخل، ولو من قبيل التحذير من العواقب.

اربع دول خليجية، علاوة على الاردن، تباهت علانية بالمشاركة في هذه الضربات الامريكية، ليس من خلال فتح قواعدها الجوية، وخزائنها المالية، وانما ايضا بارسال طائرات للمشاركة الفعلية في الغارات على مواقع الجماعات الاسلامية المتشددة التي ساهمت بدور كبير، مباشر او غير مباشر، في تمويلها وتسليحها، ووصولها الى ما وصلت اليه من قوة وعنفوان، من اجل تصفيتها، حتى لو ادت هذه الغارات الى قتل مدنيين سوريين ابرياء، ومن بينهم اطفال ونساء بطبيعة الحال، فلا نعتقد ان مقاتلي الجماعات الجهادية المتشددة سيقفون وسط الصحراء السورية ويقولون للطائرات الامريكية تفضلي اقصفينا، كما ان هذه الجماعات لا تملك قواعد او مقرات لوزارات او بنوك مركزية او قصور لقادتها حتى تكون هدفا واضحا، وانما ستذوب قياداتها وافرادها وسط السكان بحيث تصبح ابرة وسط جبل من القش.

***

الشعب السوري لم يعد يعرف هذه الايام على يد من سيقتل، على يد النظام وبراميله المتفجرة، ام على يد فصائل المعارضة المسلحة وقصفها، ام بقذائف الطائرات الامريكية المغيرة، ام بحمم صواريخ “توماهوك”، ام قنابل الطائرات الخليجية، الامريكية الصنع، التي من المفترض ان تكون “قنابل صديقة”.

الجميع يتفق حاليا ويتكاتف ويتحالف على قتل المواطنين السوريين سواء كانوا في خندق النظام او في خندق المعارضة، ودون ان يكون لهذا الشعب اي ذنب، غير انه كان وسيظل عربيا مسلما مخلصا لعروبته واسلامه وقضايا امته.

سوريا تحولت الى حقل تجارب للقتل واختبار فاعلية الاسلحة الحديثة، فها هي الادارة الامريكية ووزارة دفاعها “البنتاغون” ترسل احدث ما في ترسانتها ومخازنها من اسلحة وطائرات مثل طائرة “اف 22″، الى الاجواء السورية للمرة الاولى منذ دخولها الخدمة، لتجرب حظها في القتل، وقياس مدى دقة وفعالية صواريخها، واداء طياريها.

ندرك جيدا ان مشاركة طائرات حربية خليجية في الحرب على الجماعات الاسلامية المتشددة هي مشاركة “رمزية”، او “كمبارس″ عمليا، فالمهمة الكبرى ملقاة على كاهل الطائرات الامريكية، ولكنها مشاركة خطرة جدا، وعلى درجة كبيرة من الاهمية ستظهر مخاطرها لاحقا، لانها توفر “الغطاء الشرعي” العربي والاسلامي لهذه الحرب الامريكية، وتوزع دم الجماعات الاسلامية المتشددة على القبائل العربية، التي اصبحت دولا ترفع اعلاما على مضاربها “العصرية”، وتعطي “صك براءة” لامريكا وكل جرائمها السابقة واللاحقة في حق اهل المنطقة.

نعرف اليوم الموعد او التاريخ الذي يؤرخ لبداية هذه الحرب، ولكننا لا نعرف، ولن نعرف في المستقبل المنظور، متى ستنتهي، وكيف ستنتهي، ومن الخاسر والرابح فيها، وان كنا نشك بأننا كعرب ومسلمين سنكون من الرابحين بالقياس الى جميع الحروب الامريكية السابقة في منطقتنا، امريكا لن تواجه الا الحد الادنى من الخطر، لانها تقاتل من الجو، بينما الخطر الاكبر سيلحق بالذين سيقاتلون على الارض، وهم بكل تأكيد من العرب والمسلمين، سواء كانوا يقاتلون في الخندق الامريكي او الآخر المقابل له.

الغارات الجوية الامريكية “العربية” المشتركة قد تغير معادلات كثيرة في المنطقة، ولن نستغرب ان نرى في الايام او الاسابيع المقبلة “توحد” اكبر ثلاثة فصائل اسلامية فرقهما العداء، والخلاف الايديولوجي، ونقصد بذلك “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة” و”احرار الشام” وهي اكثر الفصائل المعارضة قوة وشكيمة وتأثيرا، ولن نستبعد حدوث اعمال انتقامية ضد الحكومات العربية والاسلامية التي شاركت في هذه الحرب بطرق مباشرة او غير مباشرة من قبل هذه الجماعات وانصارها، ونحن نتحدث هنا عن الاردن والدولة الخليجية الاربع الاخرى (السعودية، قطر، الامارات، البحرين).

جميع التدخلات العسكرية الغربية التي قادتها امريكا في المنطقة خلقت دولا فاشلة، وفوضى امنية عسكرية، وملاذا للجماعات الجهادية المتطرفة، وانهيارا للدولة ومؤسساتها وعدم وجود اي بديل افضل، ولنا في ليبيا والعراق وسورية خير الامثلة.

نعم هناك انصار ومؤيدون لهذه الحرب، ولكن اكثر الناس تأييدا وحماسا هم الذين يقفون في خانة الانظمة الحليفة او حتى غير الحليفة لواشنطن التي ترى في “الدولة الاسلامية” خطرا عليها، وكأن هذه الدولة قوة عظمى تملك الطائرات الحربية واسلحة نووية وصواريخ باليستية، ولكن ماذا عن الغالبية الساحقة من الشباب المحبط الذي يعاني من البطالة والفقر والحرمان والفساد والتهميش؟ وماذا لو لم تنجح هذه الحرب في تحقيق اهدافها؟

***

نسأل هذا السؤال لان الرئيس الامريكي باراك اوباما الذي قال في خطابه قبل اسبوعين انه سيهزم “الدولة الاسلامية” مثلما هزم “القاعدة” كان يجافي الحقيقة، او يضلل مواطنيه، فاذا كان هزم القاعدة فعلا لماذا يضرب جماعة “خراسان” التي يقول ان مواطنا كويتيا يقف خلفها (عبد الرحمن الفضلي) وكانت تخطط لشن هجمات ضد الغرب، وتعتبره فرعا لتنظيم “القاعدة” ثم لماذا يعود الى العراق بطائراته وصواريخه بعد اربع سنوات لمحاربة تنظيم “الدولة الاسلامية” وجبهة النصرة واحرار الشام والقضاء عليها قضاء مبرما؟ وهو الذي اعلن ان الحرب على الارهاب اعطت اؤكلها والعراق “تحرر” وبات نموذجا في الديمقراطية والاستقرار.

“الدولة الاسلامية” تشكل خطرا كبيرا، وتعتنق ايديولوجية دموية يختلف معها غالبية المسلمين لدمويتها وارهابيتها، ولكن علينا ان نسأل هل القتل على ايدي سفاحي “الدولة الاسلامية” محرم بينما هو حلال زلال اذا جاء بصواريخ الطائرات الامريكية والعربية المشاركة معها في عمليات القتل الجوي هذه؟

وهذا النظام السوري الذي بارك هذه الحرب ورحب بها لاستئصال الارهاب، الا يدرك انه المستهدف الاول في هذه الحرب، سواء بعد القضاء على التنظيمات الارهابية او ربما قبلها؟

المنطقة مقبلة على كارثة جديدة ربما تكون اكثر خطرا وتدميرا من كل سابقاتها، وسيهرب الامريكيون مثلما هربوا بعد كل تدخلاتهم العسكرية وهزائمهم السابقة، ونحن العرب الذين سندفع الثمن من دمنا ومالنا ووحدتنا الجغرافية والديمغرافية والاسلامية.

الدولة اليمنية انهارت للأسف.. والبلد على ابواب التفتت.. وهناك ثلاثة سيناريوهات متوقعة في الاشهر المقبلة من بينها عودة الملكية.. والسعودية انتظرت الخطر من الشمال فجاءها من الجنوب

نجحت قوات “انصار الله” الحوثية في الاستيلاء على جميع مؤسسات الدولة في العاصمة اليمنية صنعاء، ابتداء من وزارة الدفاع ومرورا بالمستشفيات وانتهاء بالمصرف المركزي، ودون اي مقاومة تذكر، حتى ان وزير الداخلية ناشد اجهزته الامنية بعدم المقاومة والتعاون مع “الفاتحين” الجدد.

السيد محمد سالم باسندوة رئيس الوزراء اليمني استقال واتهم الرئيس عبد ربه منصور هادي بالديكتاتورية، ووجه رسالة الى الشعب اليمني انه قدم استقالته لاتاحة الفرصة لانجاح اتفاق بين الرئيس و”انصار الله”.

المبادرة الخليجية التي كانت الرافعة الاساسية للانتقال السلمي للسلطة انهارت، وكذلك المؤسسة العسكرية امام تقدم القوات الحوثية، وبات اليمن على حافة مرحلة جديدة قد تحمل عناوين عديدة ابرزها التقسيم، والتفتيت، والحرب الاهلية والقبلية، والطائفية، ولا ننسى الفوضى العارمة على غرار ما حدث ويحدث في ليبيا، وربما سورية ايضا.

الوضع اليمني كان دائما وضعا شائكا يستعصي على الفهم، ولكن ما تعيشه البلاد حاليا من تطورات متسارعة على الارض فاجأ الجميع، واصابهم بحيرة كبيرة، ولا يستطيع اي احد، ان يقدم تفسيرا وافيا ومقنعا، باستثناء بعض التكهنات من هنا وهناك، فالجميع في حالة من الضياع.

صمت المملكة العربية السعودية الجارة الشمالية والنافذة لليمن عما يحدث من تطورات، وعدم تدخلها لانقاذ الرئيس اليمني وحكومته هو السؤال الاكبر الذي يتردد على السنة اليمنيين هذه الايام، فهناك من يقول ان هناك قرارا سعوديا باجتثاث حركة الاخوان المسلمين في اليمن الممثلة في حزب الاصلاح بكل تفرعاته القبلية (آل الاحمر) والعقائدية، والعسكرية (اللواء علي محسن الاحمر)، وطالما ان التيار الحوثي هو الذي يقوم بهذه المهمة نيابة عنها فلا بأس.

وهناك من يؤكد ان هناك تنسيقا قويا بين الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح وانصاره في المؤسستين الامنية والعسكرية من جهة، وحركة “انصار الله” الحوثية في الجهة الاخرى لتعطشه للانتقام من “آل الاحمر” الذين انتصروا للثورة ضده وعملوا على اطاحة نظامه، ووقفوا خلف محاولة الاغتيال الفاشلة التي كادت ان تقضي على حياته.

***

اليمنيون، والنخبة السياسية منهم على وجه الخصوص يطرحون الكثير من علامات الاستفهام حول موقف المملكة العربية السعودية، ويقولون صراحة نحن على دراية بالاستراتيجية السعودية في محاربة حركة “الاخوان المسلمين” باعتبارها “اس البلاء” في نظرهم، واجتثاثها في كل مكان تتواجد فيه بما في ذلك اليمن، ولكن لماذا دعمت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ضدها في مصر، ولم تدعم عبد ربه منصور هادي في اليمن وهو رجلها بالقدر نفسه ماليا وعسكريا؟

ويسألون ايضا: هل تقبل السعودية بهيمنة من قبل “اعدائها” الحوثيين المدعومين من ايران على اليمن خاصرتها الجنوبية الاضعف، ومصدر التهديد التاريخي لها، حسب ادبياتها السياسية.

السيد جمال بن عمر المبعوث الدولي اعلن اكثر من مرة انه توصل الى اتفاق ينص على تشكيل حكومة وحدة وطنية يمينة تتولى ادارة شؤون البلاد، وقبل بها الرئيس هادي وكذلك القيادة الحوثية يوم السبت، وتجدد هذا الاعلان مساء اليوم الاحد، ولكن ما جرى من سيطرة للتيار الحوثي، وانهيار للجيش وقوات الامن امام زحفها على المؤسسات العامة ومعظم صنعاء ربما يضع هذا الاتفاق امام خيارين: الاول هو الغاؤه من الاساس، او ادخال المزيد من التعديلات على بنوده وبما يلبي كل شروط التيار المنتصر في صنعاء، وتظل فرص تطبيقه ناهيك عن فرص صموده موضع شك الكثيرين في اليمن ونخبته السياسية.

سيناريوهات كثيرة يقف على اعتابها هذا البلد بعد هذا الانقلاب الكبير في كل المعادلات السياسية والقبلية والعسكرية والاقليمية التي كانت تحكمه طوال السنوات الخمسين الماضية يمكن ايجازها في النقاط التالية:

*السيناريو الاول: ان يستولي الحوثيون على السلطة، ويعيدون النظام الملكي مثلما كان عليه الحال قبل الثورة عام 1962، فالهاشميون موجودون في اليمن، وزاد حضورهم في الفترة الاخيرة، وما زالوا يتطلعون للعودة الى السلطة، والجيل الثالث منهم تعلم في الخارج واكثر تعليما وخبرة من الاجيال السابقة.

*السيناريو الثاني: ان يتحول السيد عبد الملك الحوثي زعيم “انصار الله” الى “مرشد اعلى” لليمن على طريقة السيد علي خامنئي في ايران، ويمسك بزمام الامور في يديه، ويحكم البلاد من خلال حكومة تنفيذية قوية يتزعمها شخصية موالية له.

*السيناريو الثالث: ان يبقى الرئيس اليمني الحالي عبد ربه منصور هادي في السلطة “شكليا” ودون اي صلاحيات ولو لفترة مؤقتة، ويكون التيار الحوثي هو صاحب القرار الحقيقي في البلاد، ويحكم من خلف ستار.

*السيناريو الرابع: هو الفوضى المسلحة، وتفكك الدولة لان التيار الحوثي غير مهتم ببسط سلطته على الجنوب، ويحصر اهتمامه في المناطق الزيدية فقط في الشمال، فمن جنوب صنعاء وحتى مدينة تعز يعتبر اليمنيون الشوافع انفسهم في حل من الدولة ومن يريد اساسا محاولة السيطرة على مناطق جنوبية مقسومة بين الحراك الجنوبي الذي يريد الانفصال، ومناطق الجنوب الشرقي التي يسيطر على معظمها تنظيم “القاعدة” او بالاحرى يتواجد فيها بشكل مكثف.

من الصعب علينا تفضيل “سيناريو” معين على الآخر فالصورة ضبابية الى جانب كونها مأساوية في اليمن، والشعب اليمني الفقير المنهك المسحوق يعيش حالة غير مسبوقة من خيبة الامل، ويشعر بالخذلان من الدولة والجيران والمجتمع الدولي في الوقت نفسه، وخاصة انه يرى نفاق هذا المجتمع الدولي في ابشع صوره في العراق وسورية، فها هي امريكا تجيش الجيوش وترسل الطائرات لضرب قوات الدولة الاسلامية لانها هجّرت المسيحيين واليزيديين واقتربت من اربيل عاصمة تركستان العراق، ولا تعير اليمن وشعبه اي اهتمام.

الدولة انهارت في اليمن، وكل عمليات “الترقيع″ المقترحة من المبعوث الدولي او غيره لن تمنع هذا الانهيار، وان منعته فلفترة قصيرة، لنا في ليبيا خير مثال للأسف الشديد، ولذلك قد يكون السيناريو الاخير هو الاكثر ترجيحا، فلا احد يهتم باليمن للأسف، وكل الاهتمام ينصب حاليا على “الدولة الاسلامية” في الشمال العربي.

انهيار الدولة اليمينة ومؤسساتها سيشكل عامل عدم استقرار للجوار الخليجي، وللمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، فمجلس التعاون الخليجي ارتكب اكبر خطيئة في تاريخه عندما اهمل اليمن وجوّع شعبه، ووضع العراقيل امام انضمامه الى ناديه الثري، ولم يضع مبكرا خططا حقيقية للتنمية والاستقرار من خلال مشاريع تحفز اقتصاده، وتخلق فرص العمل لشبابه العاطل حيث تصل نسبة البطالة في صفوفه الى اكثر من خمسين في المئة، وطالما انه لا يريد فتح اسواق العمل في الدول الخليجية له.

***

مثلما ترتعد دول الجوار الليبي من فوضى السلاح وخطر الجماعات الاسلامية المتشددة على امنها واستقرارها، فان دول الخليج، والسعودية خصوصا قد تواجه الاخطار نفسها، فهناك اكثر من ثلاثين مليون قطعة سلاح في اليمن، ابتداء من البندقية حتى الدبابة ومدافع الهاون، والاخطر من ذلك انها ستجد نفسها في مواجهة حركات اسلامية شيعية واخرى سنية على الدرجة نفسها من التشدد، ولن نستغرب ان نصحو على انباء فتح فرع جديد لـ”الدولة الاسلامية” في اليمن.

كيف ستتعاطى هذه الدول الثرية مع هذا “التسونامي” الزاحف اليها لا نعرف.. ولكن كل ما نعرفه انه ليس لديها اي استراتيجية او خطط في هذا الخصوص مثلما كان الحال عليه في اماكن اخرى وخاصة العراق قبل الغزو الامريكي وبعده.

الصورة قاتمة.. والاخطار كبيرة.. ولكن هذا هو حال المنطقة بأسرها.. ومن الصعب ان يكون اليمن استثناء رغم كل اطرائنا ومديحنا لثورته السلمية ونموذجها الفريد في الانتقال السلمي للسلطة، وهو نموذج انهار ولم يصمد طويلا، مثل معظم النماذج العربية البديلة الاخرى.

خطة اوباما تقسّم المعارضة السورية.. وانباء عن مصالحة وشيكة بين “داعش” و”النصرة” يرعاها الشيخ المقدسي.. وهل تفجير قيادة “احرار الشام” نفذته مخابرات عربية ولماذا؟

صادق مجلس الشيوخ الامريكي الخميس على خطة الدعم للمعارضة السورية التي عرضها الرئيس الامريكي باراك اوباما بهدف تجنيدها لمواجهة قوات “الدولة الاسلامية” (داعش) واخراجها من المناطق التي تسيطر عليها في الرقة ودير الزور وشمال حلب ومناطق كردية اخرى.

خطة الرئيس اوباما تقف على ساقين رئيسيين في هذا المضمار:

*الاولى: اختيار الفصائل والجماعات السورية “المعتدلة” من اجل ان تكون نواة لمجموعة “الصحوات”.

*الثانية: تدريب وتسليح 5000 عنصر يتم اختيارهم بعناية بالمعايير نفسها التي تم من خلالها اختيار قوات الامن الفلسطينية، اي الانضباط التام، والولاء المطلق لقيادتهم، والالتزام بتنفيذ ما هو مطلوب منهم من مهام، وعدم وجود اي ميول اسلامية او وطنية لديهم، وذلك كدفعة اولى، ومعظم هؤلاء سيكونون من المنشقين عن الجيش العربي السوري.

وكالة المخابرات المركزية (سي اي ايه) هي التي وضعت خطط التدريب والتسليح، وهي التي ستختار العناصر المطلوبة وفق ما جاء في خطة الرئيس اوباما التي عرضها على مجلس النواب والشيوخ للمصادقة عليها.

التدريب سيتم في معسكرات خاصة في كل من المملكة العربية السعودية والاردن، اما التسليح بأسلحة نوعية سيكون من مهمة الجيش الامريكي، وهناك من يحدد هذه الاسلحة بصواريخ “مان باد” المضادة للطائرات، و”لاو” المضادة للدروع، علاوة على مدفعية “هاون” وبنادق متطورة ودبابات وعربات مجنزرة.

***

الفصائل السورية المعارضة المرشحة لتنفيذ المخطط الامريكي، حسب احدث التسريبات، هي جبهة ثوار سورية (جمال معروف) و”جيش المجاهدين”، و”لواء الفرسان”، و”حركة حزم”، و”اجناد الشام”، و”صقور الغاب”، والاتحاد الديمقراطي الكردستاني.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة وبعد عملية الفرز الامريكية هذه، عن مصير اكثر من الف فصيل مقاتل على الارض السورية، واين سيذهب هؤلاء، وهل انتهى دورهم مبكرا؟

من المنطقي القول ان معظم هؤلاء اما سيذهبون الى بيوتهم، هذا اذا بقي لهم بيوت، او ينضمون لتنظيم “الدولة الاسلامية” خاصة اذا كانت عقيدتهم القتالية اسلامية، وكرد فعل على استبعادهم.

هناك مخاوف عديدة عبر عنها عدد كبير من اعضاء “الكونغرس″ ومجلس الشيوخ الذين عارضوا خطة الرئيس اوباما وصوتوا ضدها، وهي مخاوف مشروعة:

*الاولى: سقوط الاسلحة والمعدات الامريكية “النوعية” التي ستقدم الى الفصائل “المختارة” في ايدي قوات “الدولة الاسلامية”، مثلما حدث عندما استولت هذه القوات على مخازن الجيش السوري الحر في “اعزاز″ قرب حلب، او مثلما حدث في ليبيا قبل ذلك.

*الثانية: ان تستخدم هذه الفصائل الاسلحة ضد النظام السوري وليس ضد قوات “الدولة الاسلامية” على اعتبار ان اسقاط النظام يمثل الاولوية بالنسبة اليها.

ما سبق يظل في خانة الافتراضات، ولكن ما هو مؤكد ان انشقاقات كبيرة ستشهدها ساحة المعارضة السورية المسلحة، سياسية وعسكرية، خاصة في صفوف الجبهات الاسلامية، حيث من المعتقد ان نسبة كبيرة من عناصرها اما ستنضم الى “الدولة الاسلامية” او “جبهة النصرة” لانها لا تريد ان تقاتل تحت العلم الامريكي على الارض، واجنحة الطائرات الامريكية والفرنسية التي ستقصف من الجو، حسب ادبيات معظمها او المقربين منها على مواقع التواصل الاجتماعي.

مصادر عليمة داخل المعارضة السورية لم تستبعد ان تكون مخابرات دولة عربية هي التي تقف خلف تصفية خمسين قياديا في تنظيم “احرار الشام” السوري المتشدد في تفجير جرى الاعداد له جيدا، بالتنسيق مع المخابرات الامريكية، لوجود اعتقاد راسخ بأن هذا التنظيم لن يشارك في المخطط الامريكي الجديد ولن يقاتل ضد “الدولة الاسلامية”، وان زعيم التنظيم حسان عبود الذي كان من بين الضحايا ترأس الاجتماع الذي انعقد في ملجأ تحت الارض قرب مدينة ادلب، وان من ابرز القضايا على جدول الاعمال رفض القتال تحت لواء امريكا، وما يرجح ذلك انه لم تعلن اي جهة مسؤوليتها عن هذا التفجير الذي ما زال غامضا، بما في ذلك المخابرات السورية.

ويسود اعتقاد راسخ في اوساط المعارضة الرافضة للمخطط الامريكي بأن نسبة كبيرة جدا من عناصر “احرار الشام” في طريقها للانضمام الى “الدولة الاسلامية” او جبهة “النصرة” باعتبارها الاقرب ايديولوجيا، اذا لم تكن قد انضمت بالفعل.

خطة الرئيس اوباما قسمت المعارضة السورية المسلحة وجبهاتها المقاتلة للنظام عمليا على الارض، ومن غير المستبعد ان تشهد الايام او الاسابيع المقبلة، “مصالحة” بين العدوين اللدوديين، اي جبهة “النصرة” وتنظيم “الدولة الاسلامية” على ارضية رفض الاولى مقاتلة الثانية، وتحدثت مصادر وثيقة عن قيام الشيخ ابو محمد المقدسي منظر الجماعات الجهادية المقيم حاليا في مدينة الزرقاء في الاردن بجهود كبيرة في هذا الصدد حققت نتائج ملموسة.

الشيخ “المقدسي” اكد انه لن يقف في معسكر القوات والجبهات التي تقاتل تحت راية التحالف الامريكي ضد “الدولة الاسلامية”، وقال انه سيضع خلافه معها جانبا.

السؤال الثاني الذي لا يمكن تجنبه هو حول رد “الدولة الاسلامية” على هذا المخطط الامريكي، وعن الخطوات التي اتخذتها او ستتخذها لمواجهته؟

***

الجواب اوردته الجمعة وكالة الصحافة الفرنسية عندما قالت “ان جهاديو تنظيم الدولة الاسلامية سيطروا على اربعين قرية كردية حول بلدة عين العرب (كوباني بالكردية) في شمال سورية، ما يرفع الى ستين عدد القوى الكردية التي سيطر عليها التنظيم في هذه المنطقة خلال 48 ساعة، بحسب المرصد السوري لحقوق الانسان (المعارض).

فمن اللافت ان جهاديي “الدولة الاسلامية” ما زالوا يملكون زمام المبادرة والمفاجأة حتى الآن على الاقل، رغم القصف الجوي الامريكي، فالتحرك شمالا، والسيطرة على هذه القرى في زمن قياسي لم يتوقعه احد، ولم يحسب حسابه احد في الوقت نفسه.

الانباء القادمة من محافظتي الرقة ودير الزور تفيد بأن جهاديي “الدولة” اختفوا من الشوارع وكذلك دباباتهم وعرباتهم المسلحة، واندسوا وسط المدنيين والمناطق الاسمنتية المأهولة كخطوة للاستعداد لحرب عصابات قادمة.

النواب والشيوخ الذين ابدوا شكوكهم في خطة الرئيس اوباما وفرص نجاحها، وبالتالي صوتوا ضدها، يقفون على ارضية قوية في رأينا، فالحرب التي اختارها الرئيس اوباما، وبأعين مفتوحة، وبعد تلكؤ استمر ثلاث سنوات، من الصعب الفوز فيها، وقد تستمر لسنوات، وستكون مكلفة حتما ماديا وبشريا، وقد تعطي نتائج عكسية تماما غير تلك التي خطط لتحقيقها.

استبعاد تجاوب اوباما مع عرض الاسد للتعاون ضد “الدولة الاسلامية”.. ولكن ما هي اسباب هذا التحول في الموقف السوري من “الصقورية” الى “الليونة” والتهدئة؟

 

الجميع يعيش “محنة” اسمها “الدولة الاسلامية” في منطقة الشرق الاوسط، ولكن الامور تبدو نسبية، فهناك من يعتقد انه اكثر تحصينا ازاء الاخطار التي تشكلها، ولكن البعض الآخر الذي يرى انه على رأس قائمة المستهدفين، ولذلك يستعجل التدخل العسكري الامريكي ويصلي من اجله ليل نهار.

الآراء تختلف وتتقاطع، فهناك من يعتقد ان المملكة العربية السعودية والاردن الاكثر قلقا وخوفا، لاسباب عديدة ابرزها تطلع الخليفة ابو بكر البغدادي الى استعادة الاماكن المقدسة في الحجاز، ووجود تأييد قوي لدولته وايديولوجيتها في اوساط الشباب السعودي، وهناك من يرى ان رادار “الدولة الاسلامية” مسلط على الاردن لانها الحلقة الاضعف، ولان قطاعا من شعبها يرفض انضمامها الى التحالف الامريكي، وقطاع آخر منه يتعاطف مع السيد البغدادي يأسا واحباطا من الفقر والفساد وتغول الجار الاسرائيلي.

لا نختلف مع وجهات النظر السابقة واصحابها، ولكننا نعتقد ان ايران وسورية ربما يكونان الاكثر قلقا ورعبا من استراتيجية التدخل العسكري الامريكية في المنطقة، لانها قد تتضمن مشروعا لضربهما في نهاية المطاف، فهما يحتلان المرتبة الثانية على سلم الاولويات الامريكية وحلفائها العرب في المنطقة.

***

ارسال السيد محمد جهاد اللحام رئيس مجلس الشعب السوري (البرلمان) يوم الاثنين رسائل الى رئيس مجلس النواب والشيوخ الامريكي يدعوهم فيها للتعاون مع سورية من اجل انقاذ ارواح السوريين والامريكيين على حد سواء من احتمال هجوم ارهابي بالقنبلة القذرة من قبل تنظيم “الدولة الاسلامية” او “جبهة النصرة”، هذا الارسال هو مؤشر على تزايد منسوب القلق والخوف لدى السلطات السورية، وانقلاب في توجهات دبلوماسيتها.

فقبل ايام معدودة كانت الدكتورة بثينة شعبان مستشارة الرئيس السوري تستخدم لهجة تهديدية قوية ضد الولايات المتحدة في حال اقدمت طائراتها الحربية على اختراق الاجواء السورية وضرب مواقع للدولة الاسلامية دون التنسيق مع حكومتها، كما لوح السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري الى احتمال تصدي سورية للطائرات الامريكية هذه والعمل على اسقاطها، اذا كانت غاراتها احادية الجانب ولا تحترم السيادة السورية.

فما هي دوافع هذا التغيير في الموقف السوري من “الصقورية” الى “الاعتدال” فجأة وتكرار عرض التعاون مع واشنطن، لكن من نافذة الكونغرس هذه المرة بعد اغلاق ابواب الادارة كليا من قبل الرئيس باراك اوباما ووزير خارجيته اللذين اكدا بحسم رفضهما لاي تنسيق مع النظام السوري في حال تقرر نقل الهجمات الجوية الامريكية الى داخل الاراضي السورية.

لا نستبعد ان تكون السلطات السورية اطلعت، او قدرت، ان الاستراتيجية العسكرية الامريكية التي يعكف الرئيس اوباما حاليا على وضعها بعد اكتمال استشاراته للمسؤولين العسكريين الامريكيين تتضمن في بعض فصولها توجيه ضربات داخل الاراضي السورية لتجمعات قوات “الدولة الاسلامية” ومؤسساتها، وتقديم اسلحة متقدمة للمعارضة السورية المسلحة “المعتدلة” من بينها صواريخ “اي باد” المضادة للطائرات التي يمكن ان تشّل قدرات السلاح الجوي السوري، وذلك لاغرائها على التحول الى “قوات صحوات” تتولى مهمة قتال “الدولة الاسلامية” على الارض، والتقدم للاستيلاء على المناطق التي تنسحب منها قواتها (الدولة الاسلامية) بسبب كثافة الغارات الجوية، مثلما فعلت كل من قوات الجيش العراقي والبشمرغة الكردية وقوات بدر وعصائب اهل الحق في العراق في الايام الاخيرة بعد انسحاب قوات الدولة من مدينة ارملي بعد قصف جوي مكثف من الطائرات الامريكية.

من المستبعد ان تقبل الادارة الامريكية العروض السورية بالتعاون من اجل مواجهة “الدولة الاسلامية” والقضاء على خطرها، لاسباب عديدة ابرزها “الفيتو” السعودي، وثانيها حسم ادارة اوباما لامرها، والتخلي عن ترددها، وتحدي المحور الروسي الصيني الايراني على ارض الشرق اوسطية انتقاما لهزيمتها في اوكرانيا.

العلاقات السعودية الامريكية عادت الى طبيعتها الاستراتيجية السابقة بشكل تدريجي، و”الحرد” السعودي الذي ظهر في اوضح صوره في مثل هذا الوقت من العام الماضي، عندما رفض الامير سعود الفيصل القاء كلمة بلاده في اجتماع الجمعية العامة للامم المتحدة، وتبع هذا الرفض بآخر اكثر قوة عندما رفض عرضا باحتلال مقعد مؤقت في مجلس الامن (احتله الاردن)، هذا “الحرد” انطوى بعد تراجع النوايا الامريكية الغربية في توثيق التحالف مع ايران وضمها الى الحلف الجديد ضد دولة البغدادي.

يبدو ان التكتيك الامريكي في التلويح بورقة التحالف مع ايران وسورية “ارعب” السلطات السعودية، ودفعها الى “تليين” مواقفها الغاضبة من الولايات المتحدة بسبب سياساتها الداعمة للاخوان المسلمين، والباردة تجاه نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والتجاوب كليا مع المطالب الامريكية والدخول في التحالف الجديد، مقابل تخلي امريكا عن تقاربها مع ايران وسورية، واتضح هذا “التليين” في دعمها للتحالف الامريكي والجلوس في مقعد قيادته واستخدام نفوذها مع العشائر السنية العراقية لدعمه.

في بداية “الهلع″ الامريكي من تنظيم “الدولة الاسلامية” سمعنا اصواتا تطالب بالتعاون مع النظام السوري على قاعدة “ان عدو عدوي صديقي” وذهب احد كبار المسؤولين البريطانيين مثل مالكوم ريفكند وزير الدفاع والخارجية البريطاني الاسبق الى التذكير بأن ونستون تشرشل تحالف مع عدوه ستالين ضد هتلر لتبرير التقارب والتنسيق مع الرئيس الاسد، ولكن يبدو ان ادارة اوباما الآن قلبت المعادلة واصبحت تؤمن بأن “عدو عدوي عدوي”، في العلن على الاقل.

فعندما لا يستبعد مارتين ديمبسي ارسال قوات امريكية الى العراق اذا دعت الحاجة، وعندما يؤكد تشاك هيغل وزير الدفاع ان الضربات الجوية ستستهدف ايضا معاقل تنظيم “الدولة الاسلامية” في سورية، ويطالب بالشيء نفسه حيدر العبادي رئيس وزراء العراق الجديد، ورجل المرحلة الحالية، فمن حق سورية ان تقلق، وان تصل الى قناعة مفادها ان امريكا ماضية قدما في خططها لاطاحة النظام الحالي كمكافأة للسعودية وقطر والاردن على وقوفها في خندقها ضد هذا الخطر الذي يعتبره الوزير هيغل خطرا يهدد العالم بأسره، وكأن تنظيم “الدولة الاسلامية” يملك صواريخ باليستية عابرة للقارات وترسانة ضخمة من الرؤوس النووية والكيمائية!

***

القوات الامريكية عائدة الى العراق، وربما خطواتها الاولى محاولة استعادة الموصل، كما قال الجنرال ديمبسي، ففي ظل رفض تركيا المشاركة الارضية، ونأي السعودية بنفسها عن اي اقتراح بارسال وحدات من جيشها الى بيئة معادية في العراق، واستعداد الاردن بارسال “قوات خاصة” فقط، وتأكيد وزير خارجية مصر ان الجيش المصري لا يقاتل الا لحماية شعبه وحدود بلاده، لم يبق الا ارسال قوات “المارينز″ الامريكية تحت غطاء تدريب القوات العراقية والكردية.

انها مصيدة كبرى لا نعرف من سيكون ضحاياها في نهاية المطاف، هل هم الامريكيون، ام الايرانيون ام السوريون ام السعوديون، وهل ستتطور الامور الى حرب عالمية ثالثة؟

علمتنا التجارب السابقة انه من المؤكد ان العرب واموالهم وارضهم هم الضحية الاكبر، وان امريكا ستنقلب عليهم مثلما فعلت في السابق عندما تحقق اهدافها وتستعيد وجودها في المنطقة مجددا، فمن الذي خسر من اطاحتها بالرئيس العراقي صدام حسين، ومن الضحية لتدخلها في ليبيا وسورية واليمن؟

العرب تعودوا على الدخول في التحالفات الخطأ، والاتفاقات الخطأ، وتصديق الوعود الخطأ.. فهل ستكون تحالفاتهم الجديدة، والوعود والاتفاقات الامريكية مختلفة هذه المرة؟

السيد علي خامنئي المرشد الاعلى للثورة الايرانية قال قبل اسبوع ان بلاده رفضت الدخول في الحلف الامريكي، وتوعد بأن الرئيس اوباما سيندم كثيرا على تدخله العسكري في المنطقة مرة اخرى، ونجزم بأن العرب سيندمون ايضا، مثلما ندموا بعد كل مغامرة عسكرية امريكية سابقة، ونرجوا ان نكون مخطئين.

مؤتمرات “المرعوبين” تتناسل.. كلهم يريدون تصفية “دولة البغدادي” ولكنهم يخشون انتقامها.. وكيف يمكن ان ينجح تحالف عسكري بدون مشاركه تركيا وايران؟ وكم مرة سيعاد تأهيل الجيش العراقي والمعارضة السورية؟!

تكاثر الاجتماعات، وتناسلها، حول كيفية حشد تحالف دولي لشن حرب لاضعاف “الدولة الاسلامية” تمهيدا للقضاء عليها يذكرنا بمنظومة “اصدقاء سورية” وشقيقتها الكبرى منظومة “اصدقاء ليبيا” حيث حولت المنظومتان الدوليتن الى حالة من الفوضى المسلحة، والتفتيت الديمغرافي والجغرافي والحروب الاهلية، ولا نعرف ما اذا كان حظ هذه المنظومة “العراقية السورية” الجديدة سيكون افضل.

صباح اليوم اجتمع وزراء خارجية ثلاثين دولة معظمهم من العرب والاوروبيين من اجل الاتفاق على خطط عسكرية،  وتوزيع الادوار في الحرب الوشيكة على “الدولة الاسلامية” التي تسيطر على اراضي تشكل نصف العراق وثلث سورية.

انه تحالف “المرعوبين” او المترددين” في افضل الاحوال، فكل الدول المشاركة في هذه المؤتمرات واللقاءات تتهرب من الالتزام بأي دور فاعل في الحرب، اما خوفا من “الدولة الاسلامية” بزعامة السيد ابو بكر البغدادي القرشي، او عدم الثقة بهذا التحالف والدول المشاركة فيه، او الخوف من النتائج التي يمكن ان تترتب على حربه الجديدة، والجهل الامريكي الفاضح بالمنطقة، ونسيجها الاجتماعي والسياسي والمذهبي.

***

فبالامس تجلى هذا الجهل في ابشع صوره عندما ذكرت وكالة المخابرات المركزية الامريكية (CIA) في تقرير رسمي لها انها اخطأت في تقدير عدد المقاتلين تحت لواء دولة السيد البغدادي، وقالت ان عدد هؤلاء الحالي ثلاثين الفا وليس عشرة آلاف، مثلما قالت في بيانات تقديرية سابقة.

نطمئن وكالة المخابرات الامريكية بأن تقديرها الجديد خاطيء مثل القديم ايضا، فحسب معلوماتنا ومن مصادر وثيقة يفوق العدد المئة الف مقاتل، ومرشح لزيادة كبيرة بمقدار الربع على الاقل في الاشهر الثلاثة المقبلة، حيث بدأ المئات من مقاتلي الجماعات الاسلامية المسلحة والمقاتلة على الارض السورية لاسقاط النظام مثل، احرار الشام والجبهة الاسلامية والجيش الاسلامي، وحتى تنظيم جبهة “النصرة” نفسه ينشقون عن تنظيماتهم، وينضمون الى “الدولة الاسلامية” بعد الاعلان عن تأسيس هذا التحالف الامريكي الجديد وبدء القصف القوي، وساهم في هذا التحول مواقف بعض المرجعيات الدينية الجهادية مثل الشيخ ابو محمد المقدسي، الذي اكد انه لن يدعم مطلقا هذا التحالف الغربي، ولن يقف في خندقه، فـ”الدولة الاسلامية” التي يختلف معها شرعيا، تظل احد فروع التيار الاسلامي الجهادي، ولا اكشف سرا (والكلام لكاتب هذه السطور) اذا قلت ان المقدسي عتب في حضوري على صديقه ورفيق سجنه الشيخ عمر ابو عمر “ابو قتادة” لانه ادلى بتصريح من داخل زنزانة سجنه في المحكمة وصف فيه “الدولة الاسلامية” بأنها “فقاعة” وتمنى، وفي حضور ابن الاخير ايضا، لو انه لم يدل بمثل هذا التصريح.

فكيف يمكن ان ينجح تحالف امريكا الجديد في القضاء على خطر “الدولة الاسلامية” واكبر دولتين اقليميتين لا تشاركان فيه، ولا تقران مخططاته واهدافه، ونقصد هنا تركيا التي اكدت انها لن ترسل قوات، ولن تسمح للطائرات الامريكية والغربية الاخرى باستخدام قاعدة “انجيرليك” الجوية القريبة من الموصل كمنطلق لغاراتها الجوية لضرب تجمعات تلك الدولة، اما الدولة الاخرى فهي ايران التي قال مرشدها العام السيد علي خامنئي “ان بلاده رفضت طلبا امريكيا للتعاون في مكافحة تنظيم “الدولة الاسلامية” لان ايدي الامريكيين “ملطخة بالدماء”.

القيادة التركية تتحلى بالحكمة والخوف معا، فهي تخشى على ارواح 49 من دبلوماسييها من مواجهة مصير الرهائن الامريكيين والبريطانيين الذين ذبحوا بطريقة وحشية وامام عدسات الكاميرا لمشاركة دولهم في الحرب على “الدولة الاسلامية” وقصف مواقعها او تسليح اعدائها (البشمرغة)، مثلما تخشى ايضا على موسمها السياحي الذي يدر على خزينتها 35 مليار دولار سنويا، وتشعر بالريبة من التوجهات الغريبة بتسليح الاكراد، اما ايران فتريد انقاذ حليفها السوري في دمشق، وتخشى ان يكون الهدف الثاني، وتشترط مشاركته في الحلف الامريكي الجديد جنبا الى جنب معها، كبوليصة “تأمين” من الغدر الامريكي.

الامريكيون بدأت تصطك ركبهم خوفا ورعبا، فقد اكدوا انهم لن يبدأوا الحرب الشاملة على “الدولة الاسلامية” الا بعد تحقيق ثلاثة اشياء:

*الاول: تدريب المعارضة السورية وتسليحها في قواعد عسكرية في السعودية والاردن.

*الثاني: تأهيل الجيش العراقي وفق اسس عسكرية حديثة حتى يتولى الدور الاكبر في الحرب الارضية ضد “الدولة الاسلامية”.

*الثالث: تسليح قوات “البشمرغة” الكردية العراقية واخضاعها لتدريبات عسكرية على ايدي خبراء امريكيين وفرنسيين وبريطانيين لتحسين قدراتها العسكرية والفنية لتشكيل سد حصين لحماية مناطق الحكم الذاتي الكردية.

واذا انتظرنا تأهيل قوات المعارضة السورية في السعودية والجيش العراقي في بغداد، وتسليح البشمرغة حتى تبدأ العمليات العسكرية الشاملة، فاننا نطمئن “الدولة الاسلامية” بأن الهجوم المنتظر لن يتم قبل عدة اشهر او حتى اعوام.

ونسأل: كم مرة ستؤهل الولايات المتحدة الجيش العراقي؟ الا تكفي عشر سنوات من التدريب والتسليح كلفت الخزينة العراقية اكثر من 25 مليار دولار على الاقل، ثم جاءت النتيجة هروب ثلاثين الفا من خيرة جنوده امام اول طلقة لقوات “الدولة الاسلامية” في الموصل؟!

اما عن تدريب المعارضة السورية المسلحة في السعودية وقواعدها العسكرية، فاسمحوا لنا ان نسأل ايضا بكل البراءة: هل المدربون السعوديون اكثر كفاءة من نظرائهم الاردنيين والامريكان الذين دربوا هذه المعارضة وسلحوها على مدى السنوات الثلاث الماضية، وانهارت بدورها في المواجهات مع “الدولة الاسلامية” وجنودها في الرقة ودير الزور في الشرق، وادلب واعزاز وبعض مناطق ريف حلب في الشمال؟

امريكا تورطت في هذه الحرب الزاحفة، وتريد توريط المنطقة بأسرها معها تماما مثلما فعلت في حربيها الاولى والثانية في العراق التي ادت الى استشهاد اكثر من مليون عراقي.

***

“الدولة الاسلامية” دولة دموية شرسة، بل مغرقة في دمويتها وهمجيتها ولا احد يستطيع ان يقول غير ذلك، وذبحها الرهائن الاجانب امام الكاميرات مدان، وهم في الاساس اما صحافيون او عمال اغاثة، مما يعني ان هذا الذبح للابرياء غير مبرر، ولكن (ونصر على لكن) الم تذبح الطائرات الامريكية آلاف الجنود العراقيين المنسحبين من الكويت على طريق المطلاع وهم يرفعون الرايات البيضاء على دباباتهم المنسحبة وشاهدنا هذه الجزرة بالصوت والصورة في كانون الثاني (يناير) عام 1991؟ الم تحرق الطائرات البريطانية اهالي مدينة درسدن الالمانية بأسلحتها الكيماوية حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وسقوط هتلر؟

المجازر الا تبريء بعضها، والخطآن لا يصنعان صوابا، لكن نود فقط ايضاح بعض فصول التاريخ الحديث جدا لمن نسيها، او يحاول تناسيها، وسط السيرك الحالي الذي نشاهده في جدة وباريس وقريبا في المنامة.

حملات التحريض العنصري ضد النازحين السوريين في لبنان يجب ان تتوقف.. وعلينا جميعا ان لا ننكر جميلهم نحونا.. وفتحهم بيوتهم وقلوبهم لكل العرب.. ارحموا عزيز قوم ذلّ

في مقال عاطفي يعتصر بالالم نشرته هذه الصحيفة للزميل كمال خلف المذيع ومقدم البرامج المعروف في قناة “الميادين”، قال انه شاهد بأم عينيه رجال امن حدود لبنانيين في معبر “المصنع″ الحدودي مع سورية يصفعون ويضربون مواطنيين سوريين، ويشتمون آخرين يتزاحمون للانتقال الى الجانب اللبناني هربا من الموت، وسعيا من اجل هدنة، قد تطول او تقصر، من الخوف والرعب والمعاناة.

الزميل خلف قارن، وبطريقة رومانسية، بين المضايقات التي يتعرض لها النازحون السوريون في لبنان، وبعض حدوده، وبين صديق له هاجر الى هولندا، وكيف استقبل ذلك الصديق الاستقبال الطيب له ولاطفاله، حتى ان اخصائية نفسية قامت بفحص اطفاله خوفا من تأثير الرحلة الطويلة عليهم، وفي آقل من شهر حظي ببيت وراتب شهري.

لبنان قطعا ليس مثل هولندا، فربما لو تدفق مليون ونصف المليون نازح سوري الى الاخيرة لكانت الصورة مختلفة ربما، ولكن سورية اعظم من البلدين، فيما يتعلق بالنازحين واللاجئين العرب على مر العصور، فقد وقفت مع لبنان في كل حروبه، واستقبلت مئات الآلاف من اللبنانيين، ومن قبلهم آلاف الفلسطينيين واكثر من مليون ونصف المليون عراقي، ولم تقم معسكرا واحدا لهؤلاء جميعا، فقد نزلوا في بيوت السوريين وقلوبهم، واقتسموا معهم لقمة الخبز، والمستشفيات والمدارس وعوملوا مثل السوريين ان لم يكن افضل.

***

نقول هذا الكلام بمناسبة ما يتردد عن حملات عنصرية مؤسفة يتعرض لها النازحون السوريين في لبنان هذه الايام بعد ذبح اثنين من الجنود اللبنانيين على ايدي مقاتلين يتبعون لتنظيم “الدولة الاسلامية” (داعش) جرى اسرهم على حدود مدينة عرسال اللبنانية على الحدود السورية، احدهما شيعي وآخر سني، فالذباح طائفي في كل شيء الا في الذبح حيث تتساوى الضحايا ومذاهبهم.

ندرك جيدا ان لبنان يواجه ظروفا اقتصادية وسياسية وامنية صعبة، ويستقبل حاليا اكثر من ربع سكانه من النازحين السوريين، ولكن هذا لا يعني، ويجب ان لا يبرر مطلقا، ان يتعرض هؤلاء للاهانات والطرد من منازلهم، والضرب والشتائم من قبل بعض العنصريين، وفي ظل تحريض اعلامي غير مسبوق، حتى ان صحيفة لبنانية كانت توصف بأنها محترمة، توقعت انهيار لبنان اذا تجاوز عدد النازحين السوريين فيه عتبة المليون، وقد تجاوزوا هذه العتبة ولم ينهار لبنان بل ازداد رخاء وازدهارا وحافظت عملته على قوتها.

بعد اغتيال السيد رفيق الحريري واجه العمال السوريون حملات عنصرية مماثلة، وتعرضوا لاعتداءات مؤسفة، حيث جرى تدمير “بسطاتهم” والقاء بعضهم من فوق العمارات التي يعملون فيها، وطردهم من مقرات اقامتهم المتواضعة واطلاق الكثير من النكات السمجة والعنصرية للسخرية منهم، وها هي الحملات العنصرية تعود بصورة اقوى حتى ان بعض المجالس المحلية فرضت في الآونة الاخيرة حظر تجول من التاسعة مساء حتى السادسة صباحا على بعض الاماكن التي يتكدس فيها النازحون السوريون.

عدت لتوي من الاردن حيث يوجد حوالي مليون نازح سوري في بلد يقترب تعداده من تعداد سكان لبنان، مع فقر في كل الموارد الطبيعية وارتفاع حاد في البطالة، ولم نسمع مطلقا اي حوادث عنصرية ضد هؤلاء من الدولة المضيفة وشعبها الا ما ندر، بل كل الاحترام والتقدير والتفهم، وحدث الشيء نفسه بالنسبة الى اكثر من مليون نازح عراقي.

نعترف مسبقا بأن هذه الفئة العنصرية المعادية للنازحين السوريين محدودة ولا تمثل الشعب اللبناني الطيب المضياف، ونتابع الحملات النشطة على مواقع التواصل الاجتماعي ضدها، والمناهضة لعنصريتها، والمؤكدة على الروابط الاخوية المصيرية بين الشعبين الشقيقين، ولن نسقط في خطيئة التعميم مطلقا.

***

النازحون السوريون لم يكونوا ابدا عبئا على احد، فأينما حلوا يخلقون ازدهارا اقتصاديا، فمعظمهم من الخبرات المهنية العالية الكفاءة، والعمالة الماهرة، والعقول الاقتصادية الجبارة، ففي مصر على سبيل المثال اقاموا سلسلة من المطاعم والمقاهي، نقلت الشام الى قلب مدينة السادس من اكتوبر، واضافت عليها طابعا حضاريا مميزا، وفي بيروت وطرابلس فعلوا الشيء نفسه، واي مكان يهاجرون اليه في العالم يتحولون الى مليونيرات في بضعة اعوام، واشهر الاطباء والمستشفيات الخاصة والمطاعم والشركات الناجحة في لندن وباريس والرياض وجدة ودبي اصحابها سوريون.

الشعب السوري يعيش محنة اكثر شراسة من محن الشعوب العربية الاخرى مجتمعة، ومن العيب والعار ان لا يجد من بعض اهله من يتعاطى معه بعنصرية وعجرفة وفوقية، ويستغل ظروفه الصعبة لسبي حرائره في صفقات مشبوهة وغير انسانية، ولا داعي للخوض في تفاصيل مرعبة في هذا الصدد.

نتمنى ان لا تطول هذه المحنة، وان لا تغير نفسيات الشعب السوري الذي يحمل في عروقه اقوى جينات العروبة والاسلام السمح، هذا الشعب الذي ضرب مثالا مشرفا في التعايش والتكافل، والتعاضد، وترفع عن كل الامراض الطائفية، بل قاومها بكل ما اوتي من قوة، نتمنى ان تتوقف كل محاولات اذلاله وهو الكريم الشهم الاصيل والعزيز، من اي طرف او مكان جاءت، فهذا شعب لا يستحق الا الاحترام والحياة الكريمة.

الدكتورة بثينة شعبان لوحت باسقاط اي طائرات امريكية تنتهك المجال الجوي لبلادها فكيف سيتم تنفيذ هذا التهديد. وهل يملك النظلم السوري الصواريخ المتطورة؟ وهل نقف على اعتاب مواجهة امريكية روسية؟

عبد الباري عطوان

يبدو ان “الدولة الاسلامية” التي يتزعمها السيد ابو بكر البغدادي ستجد حلفاء اقوياء يقاتلون اعداءها في الحلف الامريكي الجديد، او يفسدون مخططاتهم على الاقل، ليس حبا فيها، وانما كراهية لهؤلاء الاعداء، وخوفا من مخططاتهم بعيدة الاجل التي قد تأكلهم بعد ان تلتهم “ثور” “الدولة الاسلامية” الناصع البياض.

هناك عدة مؤشرات بدأت تطفو على السطح، جاءت اسرع مما توقعنا، وتؤكد ان هذا التحالف الامريكي الدولي الاقليمي ولد ضعيفا، مليئا بالعيوب الخلقية، الامر الذي قد يجعل من مهمته التي تأسس من اجلها صعبة، بل ربما مستحيلة، وقد تعطي نتائج عكسية تماما، ليس من حيث عدم القضاء على “الدولة الاسلامية” وانما ايضا زيادة احتمالات اغراق المنطقة في حرب استنزاف اقليمية ربما تتطور الى حرب عالمية.

***

ويمكن ايجاز هذه المؤشرات في النقاط التالية:

*اولا: التصريحات التي ادلت بها الدكتورة بثينة شعبان مستشارة الرئيس السوري لقناة “الميادين” وثم لقناة “سي ان ان” الامريكية ووصفت فيها اي غارات تشنها الطائرات الامريكية داخل الاراضي السورية هو “عدوان سافر” وعدم استبعادها في الوقت نفسه قيام القوات السورية باسقاط هذه المقاتلات حال قيامها بقصف مواقع لـ”الدولة الاسلامية”.

*ثانيا: تشكيك الرئيس الايراني حسن روحاني في احتمالات نجاح التحالف الدولي الامريكي في القضاء على “الارهاب” في المنطقة لان مواجهته يحتاج الى تخطيط منظم وتعاون ثنائي متعدد الاطراف ومكافحة الفقر االثقافي والاقتصادي، اما العميد مسعود جزائري نائب القائد العام لهيئة الاركان المسلحة الايرانية فقال ان “ايران تريد محاربة داعش بينما الولايات المتحدة هي من اوجدت هذا التنظيم”.

*ثالثا: اتفاق روسيا والصين على تشكيل جبهة موحدة في مجلس الامن الدولي لمنع صدور اي قرار يضفي الشرعية على توجيه اي ضربات امريكية جوية داخل الاراضي السورية، واعلان البلدين الصريح والواضح “معارضة هذه الضربات طالما لا تتم بموافقة المنظمة الدولية”، وكيف ستأتي هذه الموافقة في ظل “الفيتو” الروسي الصيني المزدوج!

*رابعا: بروز تيارات عراقية تهاجم التحالف الامريكي الجديد والدول الاقليمية المنضوية تحته، فبعد الانتقادات الشديدة التي وجهها السيد مقتدى الصدر لهذا التحالف، ومطالبته الدولة العراقية بعدم التعاون معه تضامنا مع ايران وسورية، وتبنيا لموقفهما، خرج علينا بالامس السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الجديد والعضو الاهم بعد امريكا، بتصريحات يتهم فيها دولا اعضاء في التحالف الجديد بأنها هي التي مولت وسلحت الجماعات الارهابية في سورية والعراق، في اشارة الى دول الخليج وتركيا، ومطالبته بتجريمها ومحاسبتها دوليا.

صحيح ان معظم ردود الفعل الغاضبة هذه لا تنطلق من منطلق العداء لامريكا والدول الاقليمية المنضوية تحت خيمة تحالفها العسكري الجديد، وانما بسبب استبعادها من التحالف كليا، خاصة ان كل من ايران وسورية الاعلى صوتا رحبتا به، واعربتا عن استعدادهما للمشاركة فيه، ولكن التهوين، او التقليل، من اهمية هذا الغضب يعكس قراءة خاطئة لقدرات هذا التحالف الموازي الذي يتبلور بسرعة، التي يمكن ان تفسد كل مخططات الولايات المتحدة وحلفائها وبما يخدم “الدولة الاسلامية” وتمددها في نهاية المطاف.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو حول الكيفية التي ستتمكن من خلالها السلطات السورية اسقاط الطائرات الامريكية التي ستنتهك اجواءها، وبمعنى آخر هل تملك هذه السلطات الصواريخ والمضادات الارضية، والرادارات المتقدمة التي تؤهلها لاسقاط هذه الطائرات؟

نطرح هذا السؤال لان طائرات اسرائيلية نفذت ضربات جوية اكثر من مرة في العمق السوري ولم تتمكن الطائرات او الصواريخ السورية من اسقاطها لانها قديمة وغير متطورة، ثم ان اسقاط الطائرات الامريكية في حال حدوثه قد يشعل فتيل حرب امريكية شاملة ضد النظام السوري، فما هو موقف روسيا والصين وايران في هذه الحالة؟

***

قبل عام حشدت القوتان العظميان في العالم، اي امريكا وروسيا بوارجهما البحرية في مواجهة الشواطيء السورية، ولم يمنع انفجار الحرب الا تفاهم بين القوتين على نزع الاسلحة الكيماوية السورية، ولا نستبعد ان يتكرر السيناريو نفسه اذا ما تحرشت الطائرات السورية او اسقطت طائرة امريكية مقاتلة، ولا نستبعد ايضا ان يكون الاصرار الامريكي على عدم التنسيق مع النظام السوري في اي ضربات جوية داخل اراضي من منطلق خلق الذرائع لجر النظام السوري الى الحرب تمهيدا لاسقاطه.

لا نعرف كيف سيكون موقف روسيا وايران الحليفان الداعمان للنظام السوري في هذه الحالة، فهل ستتراجع موسكو عن قرارها بعدم تزويد النظام السوري بصواريخ مضادة للطائرات من طراز “اس 300″ المتطورة جدا والضرورية للتصدي للطائرات الامريكية، وما هو رد فعل واشنطن في هذه الحالة؟

الحرب الباردة بين موسكو وواشنطن على ارضية الخلاف حول المسألة الاوكرانية بلغت ذروتها، واظهرت تصميما روسيا على المضي فيها حتى نهايتها، فالرئيس الروسي فلاديمير انتصر حتى الآن في هذه الحرب، وفرض سياسة الامر الواقع على خصمه الامريكي من خلال ضم شبه جزيرة القرم، واستيلاء حلفائه الاوكرانيين على ثلث الاراضي في شرق اوكرانيا، قهل تنتقل هذه الحرب الباردة الى منطقة الشرق الاوسط وتتحول الى ساخنة؟ وهل ستحاول واشنطن الانتقام لهزيمتها في كرواتيا بحرب ضد الروس وحلفائهم في الشرق الاوسط؟

ما زال من المبكر الذهاب بعيدا في هذا السيناريو واعطاء اجابات حاسمة، ولكن ما يمكن التنبؤ به ان “الدولة الاسلامية” تجد حلفاء قد يقاتلون لصالحها من حيث لا تحتسب، وقد تكون الآية القرآنية المفضلة للسيد البغدادي وانصاره طوال الفترة القادمة “ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين” صدق الله العظيم.

المثلث السوري الايراني الروسي قد يشكل عنصر “تخريب” لحرب “التحالف” العربي الامريكي للقضاء على “الدولة الاسلامية”.. و”الصحوات” السورية تستعد للعب الدور الاكبر على الارض.. والجيش العراقي المدعوم بـ”البشمرغة” في الجانب الآخر.. واليكم فرص النجاح والفشل

اختتم مؤتمر جدة الذي ترأسه جون كيري وزير الخارجية الامريكي اعماله بعد مباحثات استغرقت ساعات معدودة اتفق وزراء الخارجية الاحدى عشر الذين شاركوا فيه على الخطة الامريكية المقترحة لاضعاف تنظيم “الدولة الاسلامية” تمهيدا للقضاء عليها حسب ما جاء في خطاب الرئيس الامريكي باراك اوباما الذي القاه فجر الخميس، وتوزيع الادوار والمهام بالتالي.

كان لافتا ان المؤتمر ضم وزراء دول الخليج الست علاوة على الاردن ومصر ولبنان وتركيا والعراق والولايات المتحدة، حيث تغيب عنه المغرب الذي لم يدع، وايران التي استبعدت استجابة لضغوط سعودية.
انه مؤتمر اسس تحالفا اقليميا لاعلان حرب جديدة في منطقة الشرق الاوسط في محاولة لاصلاح الكارثة التي نجمت عن الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003، المصدر الاساسي لكل الاعراض الجانبية الحالية المتمثلة في تحول العراق الى دولة فاشلة وانفجار الصراع الطائفي في المنطقة برمتها، وتمزيق العراق وهويته الوطنية الجامعة.
الحرب الامريكية القادمة ضد “الدولة الاسلامية” ستكون من شقين اساسيين وفق لخطاب اوباما وتصريحات “العراب” كيري:
*الشق الاول: امريكي مباشر سيتمثل في توسيع الغارات الجوية بطائرات بطيار او بدونه، وقد تستمر لعدة اشهر وربما ثلاث سنوات، حسب التقديرات الرسمية.
*الشق الثاني: اقليمي ينقسم الى قسمين، الاول في العراق وسيكون محصورا في قوات الجيش العراقي التي سيعاد تأهيلها تدريبا وتسليحا على ايدي ما يقرب من الف مستشار وخبير عسكري امريكي، وقوات البشمركة الكردية في الاطار نفسه، اما القسم الثاني فسيكون من مهمة المعارضة السورية المسلحة التي ستتلقى عناصرها دورات تدريبية مكثفة في قواعد عسكرية في المملكة العربية السعودية والاردن وربما دول خليجية اخرى، تتولى بعد ذلك مهمة قتال الجبهة الاسلامية داخل الحدود السورية، على غرار قوات “الصحوات” العراقية التي اسسها الجنرال الامريكي ديفيد بترايوس للتصدي لتنظيم “القاعدة” ووقف تفجيراته.
***

الدور الخليجي في هذه الحرب سيكون “محوريا” حيث جرى الاتفاق على قيام الحكومات الخليجية بمهمتين اساسيتين:
*الاولى: تمويل هذه الحرب وتسديد جميع نفقاتها بالتالي، وهي نفقات مفتوحة و”متدحرجة” قد تمتد على مدى ثلاث سنوات كحد ادنى، وقد تصل الى مئات المليارات من الدولارات ان لم يكن اكثر.
الثانية: فتح جميع المطارات العسكرية والاجواء في ثلاث دولة خليجية هي “الظفرة” في الامارات وقطر (قاعدة العيديد)، والكويت (قاعدة علي السالم الجوية) امام الطائرات الامريكية التي ستتولى عمليات القصف الجوي لتجمعات ومقرات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية، وعلاوة على حاملة الطائرات الامريكية “يو اس اس″ جورج بوش الموجودة في مياه الخليج.
من الواضح ان المملكة العربية السعودية وحلفاءها العرب اشترطوا ابعاد ايران من هذا الحلف الجديد، وعدم قيام اي تعاون مع النظام السوري، مثلما حرصوا على بقاء هذا التحالف عربيا امريكيا فقط، وان لا يقتصر على القضاء على “الدولة الاسلامية” وخطرها، وانما النظام السوري، ولكن في مرحلة لاحقة، اذا سارت الامور على الارض وفق المخطط الامريكي، وهذا موضع شك.
تركيا عضو الحلف الاطلسي فضلت ان يكون دورها في هذه الحرب محدودا للغاية، وان تتراجع الى المقاعد الخلفية، لانها تدرك جيدا ان هذا التحالف ربما ينعكس سلبا عليها، لانه يعزز الاكراد، ويسلحهم بأسلحة حديثة، يمكن ان تتسرب الى حزب العمال الكردستاني، وبما يهدد اتفاق السلام الذي جرى توقيعه مؤخرا لانهاء حالة تمرده ضد الحكومة المركزية في انقرة، ولحرصها على حياة رهائنها الدبلوماسيين الذين اسرتهم قوات “الدولة الاسلامية” عندما استولوا على مدينة الموصل، وما هو اخطر من ذلك، تجنب تعرضها الى هجمات انتقامية ضد صناعة السياحة فيها التي تقدر بحوالي 35 مليار دولار سنويا.
المتحدث الرسمي التركي اكد ان بلاده لن تشارك في العمليات العسكرية ضد “الدولة الاسلامية”، ولكنها قد تسمح للتحالف باستخدام قاعدة “انجرليك” الجوية جنوب البلاد لاغراض لوجستية.
واذا كان هذا الموقف التركي يتسم بالغرابة فان ما هو اغرب منه هو موقف الحكومتين الالمانية والبريطانية الرافض للمشاركة في الضربات الجوية، فالدولتان من اقرب الحلفاء لواشنطن وخاصة بريطانيا، بينما قالت فرنسا الحليف الثالث انها ستشارك في هذه الضربات “اذا اقتضت الحاجة”، وربما يعود هذا الرفض لعدم الثقة في نجاح التحالف او لرفض الرأي العام فيهما لاي تورط عسكري في العراق او الاثنين معا.
فرص نجاح هذا التحالف في القضاء على “الدولة الاسلامية” وخطرها تبدو كبيرة على الورق، ولكن عندما تبدأ مرحلة التطبيق على الارض يمكن الجزم بأن كل المفاجآت واردة، لان هناك اطرافا جرى استبعادها من التحالف يمكن ان تلعب دورا “تخريبيا” خاصة اذا طال امد الحرب.
نحن نتحدث عن ايران وسورية اللتين ابديتا امتعاضا لاستبعادهما من هذا التحالف، فايران التي رحبت منذ اليوم الاول بالمشاركة في اي جهد للقضاء على “الدولة الاسلامية”، وارسلت السيد حسين امير عبد اللهيان نائب وزير خارجيتها الى الرياض من اجل التنسيق والتعاون، وجدت نفسها “منبوذة”، اما سورية التي سارع وزير خارجيتها السيد وليد المعلم الى عقد مؤتمر صحافي رحب فيه بالتنسيق مع الولايات المتحدة او اي دول عربية او اجنبية في الحرب ضد “الدولة الاسلامية”، فقد انتقلت من خانة الحليف “المحتمل” في الحرب الجديدة على “الارهاب”، الى عدو مستهدف باعتبارها جزء من المشكلة وبالتالي لن تكون جزءا من الحل مثلما قال ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني.
السيد علي حيدر وزير المصالحة الوطنية في سورية قال ان بلاده تعتبر اي عمل عسكري على ارضها دون موافقتها يشكل عدوانا، وهذا يذكرنا بما قاله السيد المعلم بأن بلاده قد تلجأ الى اسقاط اي طائرة حربية تدخل اجواءها دون اذنها، وتناغمت روسيا مع هذا الموقف السوري عندما قال متحدث باسمها “ان اي ضربات امريكية احادية الجانب ضد “الدولة الاسلامية” في سورية ستشكل انتهاكا فاضحا للقانون الدولي اذا جاءت خارج تفويض من الامم المتحدة”.

***
الحرب الامريكية بـ”النيابة” في منطقة الشرق الاوسط باتت وشيكة جدا، وتصفية “الدولة الاسلامية” ربما يكون الذريعة، او قمة جبل التلج، فالهدف الحقيقي هو اعادة ترسيخ الهيمنة الامريكية مجددا من خلال اقامة قواعد عسكرية جديدة والسيطرة الكاملة على الثروات النفطية.
هل سيحقق هذا التحالف اهدافه القصيرة (تصفية الدولة الاسلامية) او البعيدة والاهم (الهيمنة على المنطقة وثرواتها)؟
من الصعب اعطاء اجابات جازمة فالتدخل الجوي الامريكي والارضي اليمني (الجيش اليمني) فشل في القضاء على تنظيم “القاعدة” على مدى السنوات الخمس الماضية على الاقل، مثلما فشل قبلها في افغانستان، ومرشح للفشل المزدوج في ليبيا.
الشيء الوحيد المؤكد ان الضحايا سيكونون هذه المرة كلهم من العرب والمسلمين، سواء كانوا في معسكر التحالف او المعسكر الآخر المقابل له، فلن يكون هناك جنود امريكيون على الارض، مثلما كان عليه الحال في الحروب السابقة في العراق وافغانستان، وانما عربا يقاتلون ويقتلون عربا ومسلمين.
الحرب الاولى على الارهاب فشلت في القضاء على تنظيم “القاعدة” المركزي، بل اعطت نتائج عكسية رغم مئات الآلاف من الضحايا، وآلاف “المليارات” من الدولارات، ولا نعتقد ان “ملحقها” الجديد يمكن ان يكون افضل حالا، واقل خسائرا.

تحالف اوباما “الاقليمي” لتصفية “الدولة الاسلامية” يواجه صعوبات: تركيا مترددة.. والاردن قلق.. والسعودية مشغولة بالحوثيين.. والشيخ “المقدسي” اكد لي انه سيقف في خندق البغدادي

عبد الباري عطوان

يلقي الرئيس الامريكي باراك اوباما (الاربعاء) خطابا يحدد فيه استراتيجيته المتعلقة باعلان الحرب على “الدولة الاسلامية” بهدف القضاء على خطرها الذي يهدد المصالح الامريكية وحلفاءها في المنطقة، وسيتزامن هذا الخطاب مع جولة يقوم بها كل من وزير خارجيته جون كيري ووزير دفاعه تشاك هيغل في عواصم عديدة في الشرق الاوسط، من بينها الرياض وعمان وانقرة علاوة على بغداد.
تفاصيل هذه الاستراتيجية الامريكية ما زالت غير معروفة، ولكن هناك تسريبات اشارت الى انها ستركز على عدة عناوين ابرزها تجفيف مصادر تمويل “الدولة الاسلامية”، ووقف تدفق المقاتلين الاجانب للانضمام الى صفوفها، وتكثيف التحرك العسكري لتدمير قواعدها وتجمعاتها العسكرية على الاراضي التي تسيطر عليها في العراق وسورية.
الرئيس اوباما قال في خطاب سابق “انه سيقضي على “الدولة الاسلامية” مثلما قضى على تنظيم “القاعدة”، ولكن كلامه هذا يبدو من نوع خداع النفس الى جانب خداع الآخرين، فهو لم يقض على تنظيم “القاعدة” رغم انفاق اكثر من تريليون دولار من اموال دافعي الضرائب الامريكيين تحت عنوان “الحرب على الارهاب” فعندما بدأت هذه الحرب كان هناك مقرا واحدا للتنظيم في افغانستان، والآن له اكثر من عشرة مقرات في منطقة الشرق الاوسط والعالم، جرى الاعلان عن فتح آخرها في الهند.
اما بالنسبة الى تجفيف المنابع المالية لتنظيم “الدولة الاسلامية” فان هذا الهدف لن يتحقق في زمن ولاية الرئيس اوباما (بقي له عامان في السلطة) لسبب بسيط وهو ان “الدولة الاسلامية” مكتفية ذاتيا من الناحية المالية، وهناك من يقدر ثروتها بحوالي سبعة مليارات دولار، ويدخل الى ميزانيتها اكثر من مليوني دولار يوميا من بيع النفط الخام او المكرر، وهذه الاموال يمكن ان تكفيها لخمسة اعوام قادمة ان لم يكن اكثر، فهي لا تملك سفارات ضخمة في الخارج، ولا وزراء فاسدون، ولا يحكمها رئيس او ملك يهدر اموالها في اعمال البذخ والترف والطائرات الخاصة مثل اقرانه العرب الآخرين.

***
لا اقول هذا الكلام مدحا او تمجيدا وانما استنادا الى معلومات مؤكدة حصلت عليها من مصادر عديدة مقربة من “الدولة الاسلامية”، التقيت بها اثناء زيارتي الاخيرة للعاصمة الاردنية بهدف بحث هذه الظاهرة التي يتوحد العالم بأسره ضدها لخطورتها ووحشيتها ودمويتها، ودراسة نشأتها ومعرفة اسباب صعودها الاسطوري على سلم الاهتمام الدولي والاقليمي، ومدى قدرتها على التمدد والاستمرار.
الرئيس اوباما سيجد صعوبة كبيرة في تشكيل التحالف الذي يريد تأسيسه، بشقيه الدولي والاقليمي، لان التمنيات شيء والتطبيق العملي شيء آخر، فالدول التي سيلتقي قادتها المبعوثين الامريكيين “ترتعد” من مجرد الطلب منها ارسال قوات ارضية الى ميادين القتال، فقد تعودت ان يحارب الامريكان والآخرون نيابة عنها مثل دول الخليج، او هناك مخاطر يمكن ان تترتب على مشاركتها مثلما هو حال تركيا التي تخشى على امنها الداخلي، ومدخولها السياحي (30 مليار دولار)، واتفاقها السلمي مع مواطنيها الاكراد، ووحدتها الوطنية الديمغرافية والجغرافية معا، علاوة على امن وحياة مواطنيها الاسرى لدى “الدولة الاسلامية” (46 دبلوماسي كانوا في قنصليتها في الموصل ساعة الاستيلاء على المدينة).
فالمملكة العربية السعودية تواجه ازمات داخلية طاحنة، ومسكونة بتمدد الخطر الحوثي في اليمن، وتدرك جيدا ان الدولة تملك انصارا ومتعاطفين بل ومريدين في اوساط شبابها، وتنوء بحمل “مصر السيسي” الاقتصادي، ولم يحدث مطلقا انها ارسلت قوات سعودية الى خارج اراضيها منذ حرب اليمن.. اما الاردن فالمعارضة لارسال قواته الى العراق تتصاعد على المستويين البرلماني والشعبي، وحالة الاحتقان التي بدأت مع حرب غزة، وكبرت بعد اتفاق استيراد الغاز من اسرائيل، واتساع الفجوة بين الفقراء والاغنياء، تبحث عن مفجر.
في لقاءاتي في عمان سمعت كلاما على درجة كبيرة من الاهمية، فالمتعاطفون مع “الدولة الاسلامية” قالوا لي ان التدخل العسكري الامريكي ربما يؤجج الحرب الطائفية في العراق، ويوحد ابناء الطائفة السنية خلف “الدولة”، وقالوا ايضا انه سيوصف بأنه تدخل لصالح ابناء الطائفة الشيعية، وضربوا مثلا بأن استعادة مدينة “آمرلي” العراقية المختلطة من ايدي قوات “الدولة” بعد قصف امريكي مكثف جاء على يد تحالف يضم قوات الجيش العراقي الى جانب اربع ميليشيات “شيعية” مثل عصائب اهل الحق، فيلق بدر، كتائب السلام (المهدي سابقا) بالاضافة الى قوات البشمركة الكردية.
الشيخ ابو محمد المقدسي الذي يوصف بأنه منظر السلفية الجهادية، ومعلم ابو مصعب الزرقاوي، والمرجعية الفقهية والشرعية الرئيسية لجبهة “النصرة” الى جانب الشيخ “ابو قتادة”، قال لي عندما التقيته في بيته المتواضع في احد الاحياء الفقيرة في مدينة الزرقاء، انه اذا كان خياره بين دعم التدخل العسكري الامريكي وبين “الدولة الاسلامية” فانه سيختار الاخيرة وسيفعل الشيء نفسه الكثير من الشيوخ والدعاة، واكد انه اصدر رسالة في هذا الخصوص وعممها على مريديه على شبكات التواصل الاجتماعي.
والشيخ المقدسي دخل في معركة فقهية شرسة ضد “الدولة الاسلامية” واعلان السيد ابو بكر البغدادي الخلافة، وتعرض لحرب شرسة من انصار الدولة واقل تهمة جرى توجيهها اليه، الكفر والردة، والخروج عن الجماعة.
لا شك ان الولايات المتحدة تملك قوة ضاربة، باعتبارها القوة الاعظم في التاريخ، وتستطيع ان تلحق خسائر كبيرة بـ”الدولة الاسلامية”، تماما مثلما فعلت بامارة الطالبان في افغانستان، واحتلال العراق لاحقا، وتغيير النظام في ليبيا، لكن السؤال الاساسي هو عن عمر هذا التدخل وامده والنتائج التي يمكن ان تترتب عليه.
شخصيا في حواراتي مع بعض المشايخ الذين يتعاطفون مع “الدولة الاسلامية” شعرت انهم لا يعيرون اي اهتمام او خوف من التدخل العسكري الامريكي، ويتحدثون بثقة عن سعادتهم بتورط امريكا مرة اخرى في المنطقة، وقال لي احد الذين قاتلوا تحت لواء ابو مصعب الزرقاوي انه “سيرقص طربا” اذا وصلت قوات التحالف الامريكي بشقيها الدولي والاقليمي الى العراق وسورية، وعندما حاولت ان اعرف مصدر هذه الثقة “ابتسم” ورفض الافصاح.

***
علينا ان نتذكرا امرا واحدا وهو ان تركيا فعلت كل شيء لاسقاط نظام الرئيس بشار الاسد، ابتداء من تسهيل مرور الاموال والجهاديين عبر اراضيها وانتهاء بتأسيس مظلة سياسية بديلة للنظام، ولكن امرا واحدا لم تقدم عليه وهو ارسال قوات تركية للقتال الى جانب المعارضة السورية، وفعلت كل من المملكة العربية السعودية وقطر وهما اكثر دولتين عداء للنظام السوري الشيء نفسه، ولا نعتقد ان هذه الدول الثلاث، مجتمعة او متفرقة، تحتمل خوض حرب استنزاف طويلة جيوشها غير مؤهلة لخوضها
نحن هنا لا نتنبأ بنجاح او فشل التحالف الدولي الاقليمي الجديد بزعامة امريكا الذي تتبلور ملامحه يوما يعد يوم وسيتحول الى حقيقة في غضون اسابيع، خاصة بعد ان كشفت استطلاعات الرأي ان 91 بالمئة من الامريكيين يؤيدون مشروع الرئيس اوباما في القضاء على “الدولة الاسلامية” الارهابية، ولكننا ننظر بعين المجرب نظرة ابعد، معتمدين على علم القياس من خلال تفحص التجارب السابقة المماثلة.
الرئيس اوباما معروف بتلكؤه وابتعاده عن التدخلات العسكرية، وجاء الى سدة الرئاسة لمعارضته للحربين في العراق وافغانستان، ولكن يبدو ان انتقادات النواب والشيوخ الجمهوريين وضغوطهم اخرجته من تحفظاته وعقدة الخوف من الحروب التي تسيطر عليه، ولكن الشيء الوحيد المؤكد ان تجربته لن تكون سهلة ونتائجها غير مضمونة في كل الاحوال.