مقالات

امريكا تعيد احتلال العراق من “نافذة الدولة الاسلامية” وبدعوة من حكومته.. وعدد قواتها يتضاعف يوما يعد يوم.. فهل تنجح هذه المرة فيما فشلت فيه في المرة السابقة؟

تعيد الولايات المتحدة احتلالها للعراق مرة ثانية تحت عنوان تأهيل القوات العراقية وتدريبها لمواجهة “الدولة الاسلامية”، ولكنه احتلال سيتم هذه المرة بموافقة الحكومة العراقية والحاحها.
وزارة الدفاع الامريكية “البنتاغون” اعلنت يوم الجمعة الماضي انها ستضاعف عدد عسكرييها في العراق بإرسالها 1500 مستشار عسكري اضافي لتدريب ومساعدة القوات العراقية بما فيها قوات البشمرغة الكردية في حربها ضد “الدولة الاسلامية” في اطار استراتيجية الولايات المتحدة في “دعم الشركاء في عين المكان”.
السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الجديد الذي رفض وجود اي قوات عربية او اسلامية على ارض العراق لقتال “الدولة الاسلامية” الى جانب القوات العراقية رحب بشدة بهذه الخطوة الامريكية التي قالت الادارة الامريكية انها ترسل هذه القوات بناء على طلبه.
الرئيس اوباما قال في تصريحات ادلى بها السبت ان هذه القوات لن تشارك في القتال بل ستركز على تدريب المجندين العراقيين وعدد من العشائر السنية التي تقاتل “الدولة الاسلامية”، ولكن ارسال هذه القوات الامريكية الى محافظة الانبار بالذات يكذب هذه الاقوال ويؤكد انها ستذهب الى هذه المنطقة للقتال وادارة المعارك، والا لماذا لا تتم عمليات التدريب هذه في محافظات اخرى في الجنوب مثلا؟
هذه القوات الامريكية التي تتضاعف اعدادها يوما بعد يوم (وصلت حتى الآن الى 3100 “خبير” عسكري وجندي) هي قوات احتلال وليست قوات تدريب، ومن يقول غير ذلك يغالط نفسه، قبل ان يغالط الآخرين، خاصة عندما تأتي هذه بناء على طلب حكومة عراقية “تباهت” بأنها حررت العراق وانهت الاحتلال الامريكي ورفضت بقاء جندي واحد على ارض العراق، عندما رفضت منح الحصانة لاي قوات امريكية تبقى بعد الانسحاب الشامل.
لا نعتقد ان حكومة السيد العبادي، التي من المفترض ان تكون دائرة تمثيلها للعراقيين اوسع من حكومة السيد نوري المالكي، ستجد التأييد من قطاعات عريضة من الشعب العراقي من ابناء الطائفتين الشيعية والسنية لخطوتها هذه بإستدعاء قوات امريكية لاعادة احتلال العراق، وانتهاك سيادته الوطنية، تحت ذريعة محاربة “الدولة الاسلامية”.
وجود هذه القوات الامريكية على ارض العراق سيكون عامل توتر، وتكريس للطائفية في العراق، وسيصب في مصلحة “الدولة الاسلامية”، واضفاء طابع وطني على وجودها وحروبها، وغير وطني بل و”عمالة” على من استدعوها لحمايتهم منها، فالشعب العراقي، بل معظمه، لا يمكن ان ينسى ان معظم ازمات بلاده الحالية، وتحويلها الى دولة فاشلة، تمزقها الصراعات الطائفية، جاءت بسبب الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003، بل ان “الدولة الاسلامية” نمت وترعرعت، واشتد عودها لان هذا الاحتلال ومجازره وفر لها البيئة الحاضنة والمناخ الملائم.
الاحتلال الامريكي هو الذي حلّ الجيش العراقي وقوات الامن، ومارس كل انواع الاذلال ضدهم، وقذف بهم الى الشارع استجابة لنصائح حلفائه الذين قدموا على ظهور دباباته، وها هم يعودون مقاتلين شرسين تحت مظلة “الدولة الاسلامية” متعطشين للانتقام والثأر.
الحاكم الامريكي بول بريمر الذي اتخذ قرار حل الجيش العراقي، وانشاء الجيش الجديد الذي فر ثلاثون الفا من قواته من الموصل بملابس مدنية ولم يطلقوا رصاصة واحدة ضد “الدولة الاسلامية” وقواتها الزاحفة الى المدينة، والآن يقولون انهم جاءوا لاعادة تأهيل هذا الجيش مرة اخرى، وتدريب “صحوات” عشائرية جديدة.
الظرف الذي سمح بقيام قوات “الصحوات” التي اسسها الجنرال الامريكي ديفيد بترايوس وبلغ تعدادها ثمانين الفا عام 2006 للتصدي لمقاتلي تنظيم “القاعدة” هذا الزمن تغير، كما ان “العدو” تغير ايضا، فـ”الدولة الاسلامية” ليست “القاعدة”، ومعظم مقاتليها من ابناء العراق، والاهم من هذا كله، ان غالبية العراقيين، خاصة من مقاتلي قوات “الصحوات” لا يثقون مطلقا بالامريكيين الذين خذلوهم، وتخلوا عنهم، مثلما لا يثقون بالحكومة العراقية التي رفضت استيعابهم في الجيش والاجهزة الامنية من منطلقات طائفية بحتة.
لا نعرف كم مرة ستدرب الولايات المتحدة الامريكية الجيش العراقي، وكم مرة ستعيد تأهيله، وكم ستنهب من الخزينة العراقية مقابل ذلك، فقد امتصت اكثر من خمسة وعشرين مليار دولار من عرق الشعب العراقي من اجل هذه المهمة على مدى عشر سنوات، فما الذي تغير الآن، ولماذا تنجح هذه المرة حيث فشلت في المرة او المرات السابقة؟
فاذا كان هذا الجيش الذي يزيد تعداده عن نصف مليون ضابط وجندي، علاوة على مثل هذا الرقم من القوات الامنية، ومسلح تسليحا جيدا بأحدث المعدات الامريكية، فشل في هزيمة “الدولة الاسلامية” ومنع استيلائها على نصف العرق تقريبا وفي ايام معدودة، فإن كل محاولات “الترقيع″ الجديدة التي تشرف عليها امريكا ومستشاريها سيكون مآلها الفشل.
ما لا تدركه امريكا وحلفاؤها العراقيين، الجدد والقدامى، ان مشكلة الجيش العراقي ليست في التدريب ولا المعدات، وانما في غياب “العقيدة” القتالية الوطنية الجامعة التي توحد العراقيين جميعا تحت مظلتها، وتدفعهم الى الموت دفعا من اجلها.
الطائرات الامريكية التي تقصف قواعد وتجمعات قوات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية طوال الشهرين الماضيين هي الاحدث في العالم، وطياروها الاكثر براعة وتدريبا، ومع ذلك لم تفلح حتى الآن في وقف تقدم هذه القوات في عمق مدينة صغيرة مثل “عين العرب ـ كوباني” السورية ذات الاغلبية الكردية.
امر مؤسف ان “العراق الجديد المحرر” يستعين بقوات امريكية، من اجل مواجهة تنظيم لا يزيد تعداد قواته عن خمس جيشه وقواته الامنية ولم يتدرب على ايدي الامريكيين وغيرهم، ويقاتل ببقايا معداته واسلحته التي استولى عليها دون قتال بعد اقتحامه لمدينة الموصل.
القوات الامريكية تعرضت لهزيمة مذله في العراق، وها هي تعود للمصيدة نفسها، وستواجه المصير نفسه على ايدي كل العراقيين باستثناء من قدموا بلدهم لقمة سائغة لها، واضفوا شرعية زائفة على احتلالها الجديد مثلما فعلوا مع احتلالها الاول، والايام بيننا.

اوباما “يغازل” السيد خامنئي ويستغيث بمساعدته ضد “الدولة الاسلامية” في رسالة سرية.. فهل يئس من حلفائه العرب؟ وبدأ يعترف ضمنيا بفشل استراتيجيته؟

عبد الباري عطوان
عندما يبعث الرئيس الامريكي باراك اوباما برسالة سرية الى السيد علي خامنئي المرشد الاعلى للثورة الايرانية يؤكد فيها على المصالح المشتركة في محاربة “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية، ويعرض التعاون المشترك في هذا الصدد فإن هذا يعني ثلاثة امور اساسية:
ـ الاول: اعتراف الرئيس الامريكي بشكل غير مباشر بفشل الاستراتيجية الحالية في القضاء على “الدولة الاسلامية” التي تقصف طائراته تجمعاتها على جانبي الحدود السورية العراقية.
ـ الثاني: عدم تعويل الرئيس الامريكي على حلفائه العرب في مواجهة هذا الخطر الكبير الذي تقول الادارة الامريكية انه يهدد مصالحها وحلفاءها في المنطقة.
ـ الثالث: توصل واشنطن الى قناعة راسخة بأن المفاوضات التي ستبدأ في سلطنة عمان يوم الاحد المقبل حول البرنامج النووي الايراني بين جون كيري وزير الخارجية الامريكي ونظيره الايراني محمد جواد ظريف مهددة بالانهيار بسبب تمسك ايران بموقفها في مواصلة عملية تخصيب اليورانيوم، ولذلك يحاول الرئيس الامريكي القاء “جزرة التعاون” ضد “الدولة الاسلامية” على امل تسهيل هذه المفاوضات، واخراجها من حال الجمود التي تعيشها حاليا.

***

هذه هي الرسالة السرية الرابعة التي يبعثها الرئيس اوباما الى مرشد الثورة الايرانية ولم يتلق اي رد منه، ولكنه (اي الرئيس اوباما) لم ييأس، حتى انه استعان بقنوات اخرى لايصال رسائل للقيادة الايرانية مثل قناة حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الجديد، والسيد علي السيستاني المرجع الشيعي العراقي.
ومن المفارقة ان الرئيس الامريكي لم يتشاور مع حلفائه في المنطقة مثل المملكة العربية السعودية واسرائيل حول هذه الخطوة، تماما مثلما اقدمت ادارته على محادثات سرية مع السلطات الايرانية في مسقط عام 2012، واستمرت اكثر من ستة اشهر وتمخضت عن اتفاق اولي حول البرنامج النووي الايراني كان من ابرز بنوده الرفع الجزئي للعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.
الرئيس اوباما حرص في كل رسائله الى المسؤولين الايرانيين، سواء عبر السيد السيستاني، او رئيس الوزراء حيدر العبادي على التأكيد بأن العمليات العسكرية الامريكية لا تهدف الى اضعاف ايران وحلفائها (سورية) وانما “الدولة الاسلامية”، وهذا ما يفسر حالة الارتياح الحالية التي تعيشها السلطات السورية، والقلق الكبير في اوساط المعارضة السورية في المقابل.
المسؤولون في المعارضة السورية المسلحة الذين باتوا يشعرون ان امريكا خذلتهم، وتاجرت بهم، يقولون، مثلما نقلت عن احد قادتهم صحيفة “الغارديان” البريطانية ان امريكا تريدنا ان نخوض حربها (ضد الدولة) وليس حربنا ضد النظام السوري”.
لا نعرف ما اذا كانت القيادة الايرانية ستتجاوب ام لا مع هذا “الغزل” الامريكي، فالخطاب العلني الايراني ما زال يعتبر امريكا “الشيطان الاكبر”، واتهم السيد خامنئي الادارة الامريكية اكثر من مرة بالعمل على اغراق العالم الاسلامي في حروب اهلية طائفية، وبث الفتن في صفوف الامة الواحدة لتجزأتها وتفتيتها.
الرئيس الامريكي يتذلل للايرانيين لانه يدرك جيدا انهم قوة اقليمية عظمى، تملك ترسانة عسكرية متقدمة جدا من صواريخ، وغواصات، وطائرات بدون طيار وزوارق حربية متقدمة لا ترصدها الرادارات ولهذا يتعامل معهم بحذر شديد ويحاول كسبهم الى جانب بلاده على عكس الحال مع القادة العرب، الذين يعاملهم بإحتقار شديد، ويعتبرهم ادوات او مشاريع صفقات اسلحة لانقاذ الصناعة العسكرية الامريكية من الكساد.
لا نستبعد اقدام ايران على استغلال حالة الضعف الامريكية الحالية لمصلحتها وحلفائها، والانضمام الى التحالف الامريكي لمحاربة “الدولة الاسلامية” وقواتها لانها تشكل تهديدا مباشرا لها، ولكن دون ان تتنازل عن شروطها النووية مثلما حدث في المفاوضات السرية الاولى في مسقط، فقد اعربت عن استعدادها للمشاركة في الحرب، وارسلت اسلحة ومعدات عسكرية الى كردستان العراق.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الاطار هو عما اذا كان اي تنسيق امريكي ايراني يمكن ان يغير معادلة الحرب على ارض المواجهات ضد “الدولة الاسلامية”؟
***
السؤال افتراضي، ومن الصعب اعطاء اجابة حاسمة عليه، وايران ما زالت تبقي اوراق اللعبة قريبة الى صدرها حتى لا يراها احد من خصومها، ولكن ما يمكن التكهن به، ان انزلاق ايران الى حرب استنزاف “غير تقليدية” وتحت مظلة عسكرية امريكية ربما يكون “مغامرة خطرة”، فهي تخوض حربا بالنيابة على ارض العراق وسورية، وبدرجة اقل في لبنان ولولا دعمها المادي والعسكري القوي للسلطات السورية (من خلال ميليشيات عراقية الى جانب حزب الله)، لما صمد النظام السوري اربع سنوات في ظل هجمة شرسة اقليمية ودولية تحارب لاسقاطه، ولذلك ربما تفضل توريط امريكا وحلفائها العرب في هذه الحرب الا اذا حصلت على ضمانات امريكية بالاعتراف بها كقوة نووية اقليمية تكون صاحبة الكلمة الاولى والاخيرة في ادارة شؤون المنطقة، وهذا غير مستبعد بالنظر الى الطعنات المسمومة التي وجهتها الادارات الامريكية المتعاقبة لاصدقائها العرب.
فاذا كانت معركة “كوباني” استغرقت ما يقرب من شهرين، وتشارك فيها قوات كردية من تركيا والعراق وسورية الى جانب الجيش الحر وطائرات امريكية من كل الانواع والاصناف، فكم ستحتاج امريكا من القوات والحلفاء والاسلحة لحسم الحرب ضد “الدولة الاسلامية” لصالحها، وهي الدولة الاعظم في التاريخ؟
نترك الاجابة لكم ولما ستحمله الاشهر والسنوات المقبلة من متغيرات ونتائج في جبهات القتال.

نيران الفتنة الطائفية تزحف نحو العمق السعودي واغلاق قناة الـ”وصال” جاء متأخرا.. ووزير الاعلام السعودي مجرد “كبش فداء”

عملت السلطات السعودية جاهدة طوال الاعوام الماضية على تحصين جبهتها الداخلية من اعمال العنف الطائفي، متبعة اسلوبين اساسيين في هذا الخصوص، الاول تصدير الازمة الطائفية وذيولها الى الخارج، وسورية والعراق بالذات، من خلال ضخ مليارات الدولارات في تمويل جماعات اسلامية متشددة وتسليحها تحت عنوان اسقاط النظام السوري “العلوي الكافر” ومحاربة الحكومة العراقية الطائفية، والثاني اتباع سياسة القبضة الحديدية ضد خلايا تنظيم “القاعدة” و”الدولة الاسلامية” النائمة منها والنشطة، ومنع اي اعمال تمرد في المناطق الشيعية في منطقة الاحساء حيث تشكل الاغلبية في بعض مدنها وقراها وخاصة مدينة القطيف.
هذا التوجه بدأ يعطي ثمارا عكسية، فقد نجحت “الدولة الاسلامية” في اختراق العمق السعودي واقامة “امارة” لها هياكل تنظيمية داخل المملكة تضم اكثر من 75 شخصا، وكانت تخطط لحملة اغتيالات لكبار المسؤولين في الدولة، الامر الذي كان بمثابة جرس انذار للقيادة السعودية التي ادركت ان كل اجراءاتها الوقائية تقريبا، وعلى رأسها سياسة القبضة الحديدية ذات اثر محدود لان الخطر اكبر بكثير مما كانت تعتقد.
حالة “الفزع″ التي رأينا ارهاصاتها في اليومين الماضيين كرد فعل على الهجوم المسلح الذي شنه ثلاثة ملثمين على حسينية شيعية في منطقة الاحساء كان روادها يحيون ذكرى “عاشوراء” واسفر عن مقتل خمسة اشخاص واصابة عشرة آخرين، انعكست في “مسارعة” العلماء الرسميين (هيئة كبار العلماء) وغير الرسميين (سلمان العودة، عائض القرني، وعادل الكلباني) على ادانة هذا الهجوم، والتحذير من اخطاره، والفتنة الطائفية التي بدأت تطل برأسها بقوة في البلاد، والتأكيد على حتمية الوحدة الوطنية.
***
العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز ادرك حجم المخاطر التي تواجهها البلاد من قبل الجماعات الجهادية الاسلامية، وتنبه الى الاضرار التي يمكن ان تنجم عنها على استقرار بلاده وامنها اذا نجحت في نقل فكرها الى المملكة، واصدر قوانين تجرم “الجهاد” خارج المملكة، وتعاقب كل سعودي يقاتل في سورية او العراق او غيرها بعقوبة سجن تصل الى عشرين عاما، وفرض قيودا شديدة على وسائل التواصل الاجتماعي، وعقوبات اشد لمن يستخدمها للمطالبة بالاصلاحات السياسية، او يحرض ضد الحكم.
هذه “الصحوة” على اهميتها جاءت متأخرة بعض الشيء، لان الآلة الاعلامية السعودية الجبارة، والمتمثلة في قنوات فضائية “اسلامية” غذت الفتنة الطائفية، والتشدد الديني في اقوى صوره، عندما ركزت الهجوم الشرس على الشيعة وتكفيرهم او معظم فرقهم، وتحريض الشباب العربي والسعودي بالذات على الجهاد في سورية والعراق لاسقاط الانظمة “الكافرة” فيهما، ووفرت هذه القنوات التي تناسلت بسرعة غير عادية المنابر لدعاة متشددين وطائفيين ليصولوا ويجولوا دون حسيب، والتهجم بالسباب والشتائم البذيئة في بعض الاحيان ضد كل من لا يسلم بوجهة نظرهم وليس مخالفتهم الرأي فقط.
بعد ثلاث سنوات ادركت السلطات السعودية خطورة هذه القنوات على امنها واستقرارها وبثها للفتنة الطائفية، واصدر وزير الاعلام السعودي عبد العزيز خوجة قرارا بإغلاق مكتب قناة “وصال” الاسلامية في المملكة لانها تهاجم الشيعة، وقال في بيان اصدره “ان وزارته لن تسكت على اي وسيلة اعلامية مقروءة او مسموعة او مرئية او رقيمة تحاول النيل من وحدة الوطن وامنه واستقراره”.
اللافت ان الخطوة جاءت بعد يوم واحد من الهجوم على حسينية الاحساء، ويظل السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن اسباب صمت وزارة الاعلام، والدولة السعودية، وسكوتها على هذه المحطة طوال السنوات الثلاث الماضية ما دامت “تحاول النيل من وحدة الوطن وامنه واستقراره”.
الدكتور خوجة قال ان هذه المحطة ليست سعودية، وهذه مغالطة كبيرة وغير مقنعة، لان جميع برامجها تبث من مكتبها في المملكة، وتمول من خزينة الدولة، و”نجومها” يقيمون في المملكة، واصبحوا مصدر تأثير كبير في الشباب السعودي ويتابعهم وصفحاتهم وحساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي الملايين.
وزير الاعلام السعودي ليس صانع قرار، وانما اداة تنفيذية، يتم املاء القرارات عليه “من فوق” ولذلك استغربنا اعفاءه من منصبه “بناء على طلبه” لان الرجل لم يرتكب اي خطأ، ووجود هذه القناة او تلك امر يتعلق بالسياسة السعودية وتوجهاتها، ونعتقد انه كان “كبش فداء” يدفع ثمن “اخطاء غيره” وسياسات لا نعتقد انه كان مقتنعا بها.
السلطات السعودية قالت في بيان على لسان اللواء منصور التركي المتحدث الامني بإسم وزارة الداخلية ان “الخلية” التي هاجمت الحسينية الشيعية تنتمي الى تنظيم “القاعدة” بعد اقل من يوم واحد من الهجوم، ولا نعرف كيف توصلت الى هذه النتيجة بهذه السرعة، ولكن حتى لو كان هؤلاء المهاجمين من تنظيم “القاعدة” فإن هذا امر يدعو الى القلق، خاصة ان الانطباع السائد لدى المواطن السعودي، وبسبب البيانات الرسمية، انه تم القضاء على هذا التنظيم وانصاره قضاء مبرما من خلال الحملات الامنية المكثفة وسياسة القبضة الحديدية.
***
ما يميز هذا الهجوم عن غيره من هجمات تنظيم “القاعدة” السابقة انه استهدف ابناء الطائفة الشيعية هذه المرة وليس قوات الامن او المقيمين الغربيين مثلما كان عليه الحال في مرات سابقة، وآخرها الهجوم على موظفين امريكيين في شركة امنية تدرب عناصر من الحرس الوطني السعودي، واذا تبين ان المنفذيين يمثلون خلايا داخلية، اي لم يأتوا من الخارج، فإن خطورتهم ستكون اكبر، لان هذا يعني ان تنظيم “القاعدة” او ربما “الدولة الاسلامية” قد وصلوا باختراقهم الامني الى العمق السعودي، ويريدون اشعال فتيل “فتنة طائفية” لا تتحملها الممكلة المحاطة حاليا بأخطار الوضع اليمني المتفجر، حيث الحوثيين و”القاعدة” في الجنوب (اليمن) و”الدولة الاسلامية” في الشمال (العراق وسورية).
حذرنا مرارا، وفي هذه الصحيفة من ان النيران الملتهبة في سورية والعراق، ستصل حتما الى طرف الثوب السعودي، ويبدو ان هذا التحذير كان في محله، والسؤال الاهم هو عما اذا كانت السلطات السعودية تملك اجهزة اطفاء الحرائق القادرة على اطفاء هذا الحريق قبل ان يلتهم الثوب كليا او جزئيا.

عندما ينفي جو بايدن انه اعتذر لاردوغان ويتهم البيت الابيض بالتزوير وعندما تحتل “الدولة الاسلامية” اكبر حقل غاز في حمص فهذا يؤكد ان الاستراتيجية الامريكية تسير من فشل الى آخر

لا نحتاج الى قراءة افتتاحية صحيفة الـ”واشنطن بوست” او غيرها من الصحف الامريكية لكي نصل الى نتيجة مفادها فشل الاستراتيجية الامريكية في سورية والمنطقة العربية بأسرها، فيكفي متابعة تطورات المعارك في “عين العرب ـ كوباني” السورية، وحالة القلق والرعب التي تسود اوساط حلفائها لكي نعرف هذه الحقيقة دون عناء التفكير والتحليل.
فاذا كانت الضربات الجوية الامريكية المكثفة تهدف، مثلما تقول التصريحات الرسمية الى تحجيم “الدولة الاسلامية” تمهيدا للقضاء عليها نهائيا، فانه بعد شهرين من القصف، وفي اكثر من موقع في سورية والعراق، ما زالت هذه “الدولة” قوية وتتقدم، بدليل استمرار حصارها للمدينة السورية المذكورة ذات الاغلبية الكردية، ونجاحها في الاستيلاء على اكبر حقول الغاز في منطقة حمص، وسيطرة حليفتها “غير المعلنة” اي “جبهة النصرة” على معظم مدينة ادلب الشمالية.
لا نشك مطلقا في انحياز الولايات المتحدة للمعارضة السورية المسلحة، وتمسكها بإسقاط النظام السوري باعتباره “مصدر الارهاب” في المنطقة حسب تصريحات الناطقين بإسمها، ولكن طريقة تطبيق سياساتها على الارض تعطي نتائج عكسية تماما ودون ان تقصد حتما.

***

نشرح اكثر ونقول ان الادارة الامريكية اضعفت المعارضة السورية المسلحة ومزقت صفوفها بسبب سوء تقديرها وفهمها لهذه المعارضة ومنطلقاتها الايديولوجية، فضربها لمواقع “جبهة النصرة” جنبا الى جنب مع مواقع “الدولة الاسلامية” احدث انشقاقا واسع النطاق داخل صفوف هذه المعارضة، كما دفع بعلاقاتها مع داعميها وخاصة في تركيا الى التوتر.
الكثير من قادة الفصائل الاسلامية السورية المتشددة بات ينظر الى الجيش السوري الحر كجيش “عميل” بسبب قتاله في “كوباني” الى جانب البشمرغة وتحت اجنحة الطائرات الامريكية ضد قوات “الدولة الاسلامية” التي تحاصرها.
سوريون كثر التقيتهم اثناء مشاركتي في مؤتمر الكُتاب العالمي في دبي، وزيارتي الى الشارقة للمشاركة في فعاليات معرض كتابها الدولي، اعربوا لي عن قلق كبير تجاه اوضاع بلادهم، وحالة الخذلان تجاه امريكا والغرب عموما، ويرون انهم وقعوا في مصيدة خديعة كبرى نصبت اليهم وبلادهم بشكل محكم، في المقابل هناك سوريون، وبسبب عدائهم المطلق للنظام، وتحميله مسؤولية الدمار والضحايا يرون عكس ذلك، ولكن عدد هؤلاء يتراجع، وكذلك حدة عدائهم، فالثورة التي بدأت سلمية تغيرت خريطتها كليا، وتحولت الى صراع على السلطة بين اكثر من الف فصيل من ناحية والنظام من الناحية اخرى.
ومن المفارقات التي صادفتها في الاشهر الاخيرة ان نغمة اتهام “الدولة الاسلامية” بأنها احد اذرعة النظام بدأت تعود الى السطح بقوة، وكذلك عدم جدية التصريحات الامريكية بإسقاطه، اي “النظام”، وعندما نسأل وماذا عن قطع رؤوس المئات من جنود النظام بعد الاستيلاء على قاعدة اللواء 93 في منطقة عين عيسى في الريف الشمالي لمحافظة الرقة، وغرسها في قمة قضيان حديدية، والطلب من جنود آخرين بحفر قبورهم الجماعية بأنفسهم قبل اعدامهم، وهناك صور وشهادات تثبت ذلك، يقولون لك ان هذا “تمثيل”!.
انها حالة اليأس والاحباط من حدوث انقلاب في معادلات القوة والضعف، واستمرار النظام طوال السنوات الاربع الماضية، وتماسك الجيش، وتوقف الانشقاقات في صفوفه، وتغير الاولويات الامريكية من اطاحة النظام الى اجتثاث “الدولة الاسلامية”.
***
التخبط الامريكي بات حقيقة، فحكومة حيدر العبادي العراقية التي جاءت بديلا لحكومة السيد نوري المالكي الطائفية لم تنل ثقة معظم ابناء الطائفة السنية العراقية ولم تنجح في انهاء الانقسام وتقديم نفسها كمظلة توحيدية تكرس الهوية العراقية الجامعة، وحلفاء امريكا العرب، مثل السعودية وقطر والامارات ومصر يترددون في المساهمة بأي قوات ارضية لقتال “الدولة الاسلامية”، كما ان حكومة العبادي وبإيعاز ايراني لا ترحب بهم وقواتهم.
ولعل ابرز مؤشرات هذا التخبط خروج جو بايدن نائب الرئيس الامريكي على شاشة “سي ان ان” وتأكيده بأنه لم يقدم اي اعتذار للرئيس التركي رجب طيب اردوغان لاتهامه لتركيا بدعم “الدولة الاسلامية” وغيرها من الجماعات “الارهابية” وقال ما معناه ان البيت الابيض حرّف موقفه واقواله لارضاء الحليف التركي وامتصاص غضبه.
السياسة الامريكية تتخبط لان التدخل العسكري لم يعد فاعلا مثلما كان عليه الحال في مرات سابقة، فالقوى المضادة لهذا التدخل باتت اقوى، والشعوب العربية الاسلامية لم تعد تثق بمثل هذه السياسات وتنظر اليها بعين الريبة والشك، ولهذا تأتي احتمالات فشلها اكبر بكثير من احتمالات نجاحها.

محاولات اختراق “الدولة الاسلامية” استخباريا ستستمر لانها احد ابرز الاسلحة لتدميرها وتقويضها من الداخل.. فكيف ستتعامل معها وكيف كان يكشف الشيخ بن لادن المندسين

عبد الباري عطوان

اذا صحت الانباء التي نشرها ابو حفص المهاجري المقرب من ابو بكر البغدادي زعيم “الدولة الاسلامية” واعترف فيها بأن جهاز الاستخبارات ومكافحة الارهاب العراقي نجح في اختراق تنظيم “الدولة” وتسبب في خسائر كبيرة، فإن هذا حدث كبير ستكون له تداعياته، لان مثل هذه الاختراقات تؤدي عادة الى اضعاف التنظيمات التي تستهدفها، وتحدث انشقاقات واغتيالات لكبار القادة ايضا.
من الطبيعي ان يكون تنظيم مثل “الدولة الاسلامية” هدفا لاختراقات استخبارية متعددة، لان عمره قصير، وتضاعفت قوته والمناطق المسيطر عليها عدة مرات في زمن قياسي، ولان عشرات اجهزة الاستخبارات العالمية والاقليمية تستهدفه ولا تكف عن محاربته، والعمل على زرع عناصرها داخله، وفوق هذا وذاك، ان قوات “الدولة الاسلامية” تخوض حروبا على عدة جبهات هذه الايام، وتتعرض لضربات جوية امريكية مكثفة على مدار الساعة، الامر الذي يشتت تركيزها الامني، كليا او جزئيا.
لا نعرف حجم الاضرار الذي الحقها الاختراق الاستخباري العراقي لتنظيم الدولة الذي تحدث عنه السيد ابو حفصة المهاجري، فقد امتنع عن اعطاء اي معلومات، ولكن نعتقد انه كبير مثلما هو واضح من البيان المقتضب، ومن القرار الذي اتخذه بعدم قبول انضمام متطوعين عراقيين الى صفوف الدولة والاكتفاء بالجهاديين الاجانب، ولكن حتى هؤلاء يمكن ان يكون من بينهم مندسين.
***
تنظيم “القاعدة” المركزي تعرض لاختراقات استخبارية عديدة كان اضخمها الطبيب همام خليل محمد أبو ملال البلوي، الذي حاولت المخابرات الاردنية تجنيده وتكليفه باغتيال قادة فيه، ولكنه استطاع خديعتها، اي المخابرات الاردنية، والقبول بمهمة اغتيال الشيخ اسامة بن لادن ونائبة الدكتور ايمن الظواهري، وفجر نفسه في قيادة المخابرات المركزية الامريكية والجيش الامريكي في ولاية خوست في افغانستان عام 2009، ونتج عن العملية مقتل سبعة من هؤلاء وبعض المحيطين بهم، بالاضافة الى علي بن زيد ضابط الارتباط في المخابرات الاردنية.
احد القادة الميدانيين في تنظيم “القاعدة” ابلغ رئيس تحرير هذه الصحيفة ان محاولات اختراق التنظيم لم تتوقف مطلقا، واكثرها من قبل مخابرات اردنية وعربية، حيث يتم ارسال الجواسيس على شكل متطوعين جهاديين للانخراط في صفوفه، وقال الشخص نفسه ان الشيخ بن لادن ومساعديه كانوا يلجأون الى اكتشاف هؤلاء من خلال الطلب من مجموعة وفي حضور الشخص المشتبه به الاستعداد للقيام بعملية انتحارية، وعندها يتلكأ الشخص المعني في القبول بهذه المهمة فيتم استدعاؤه والتحقيق معه، وغالبا ما كان هذا الاسلوب يعطي مفعوله، ويتم اكتشاف الشخص المندس واعدامه.
المنظمات الفلسطينية تعرضت لاختراقات كبيرة، حتى ان احد العملاء الاسرائيليين نجح في الوصول الى طاقم حراسة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، واراد الرئيس عرفات سجنه وليس اعدامه بعد اثبات التهمة عليه، ولكن المرحوم صلاح خلف (ابو اياد) اصر على اعدامه، وامر فريق اغتيالات بإصطحابه الى منطقة المدينة الرياضية في بيروت وجرت عملية تصفيته.
حركة الجهاد الاسلامي تعرضت لاختراق اسرائيلي كبير، حيث نجح جهاز الموساد الاسرائيلي في تجنيد مدير مكتب الشهيد فتحي الشقاقي في دمشق، وظل اربع سنوات كامنا لا يعطي اي معلومات حتى حان الوقت الملائم عندما طلب منه مشغله في الموساد تحديد الطريق التي سيغادر عبرها المرحوم الشقاقي ليبيا التي كان يزورها، هل هي مالطة او تونس او السودان، فأخبرهم انها مالطة، وكان الموساد قد ارسل ثلاث فرق اغتيال الى الدول الثلاث مسبقا، ونجحت خلية مالطة في اغتيال الشقاقي عبر اطلاق النار عليه من دراجة نارية في 26 تشرين الاول (اكتوبر) عام 1995.
اما كيف جرى اكتشاف مدير مكتب المرحوم الشقاقي، فتم عندما لاحظت اجهزة امن التنظيم بأنه يبالغ في اللطم والبكاء والنحيب، يقدم على حركات متصنعة، وجرى اعتقاله وتسليمه للمخابرات السورية التي حصلت منه على المعلومات الكاملة حول كيفية تجنيده في احدى دول اوروبا الشرقية من اجل هذه المهمة.
***
المخابرات الغربية، والاقليمية تركز كل جهودها حاليا لاختراق تنظيم “الدولة الاسلامية”، من اجل معرفة جميع مفاصله وطرق عمله وربما محاولة الوصول لزعيمه ابو بكر البغدادي واغتياله بهدف تقويض التنظيم من الداخل بالتوازي مع محاولة هزيمته على جبهات القتال ومن خلال انشاء قوات “صحوات” تتولى عمليات القتال الارضي سواء من مجنديين عراقيين او سوريين، وانضمام وحدات من الجيش السوري الحر وقوات من البشمرغة العراقية الى المدافعين الاكراد في مدينة “عين العرب ـ كوباني” السورية ذات الغالبية الكردية هو اول فصل من فصول هذا المخطط.

نعم.. “كوباني” ليست اغلى من القدس ولكن حكامنا العرب يرون غير ذلك.. فعندما يبريء عباس اسرائيل من دم عرفات ويتباهى بعدم اطلاق رصاصة واحدة في الضفة اثناء حرب غزة فماذا تتوقعون؟

عبد الباري عطوان

عندما يتباهى الرئيس الفلسطيني محمود عباس بأنه لن يسمح مطلقا بانتفاضة ثالثة في الضفة الغربية، ويذّكر الاسرائيليين بأن رصاصة واحدة لم تطلق منها (اي الضفة) طوال خمسين يوما من الحرب على قطاع غزة، ويبرىء اسرائيل من اغتيال الرئيس ياسر عرفات، فانه من الطبيعي ان يجتاح المستوطنون المسجد الاقصى وتتجرأ حكومتهم على اغلاقه للمرة الاولى منذ احراقه عام 1967.
ففي الوقت الذي يمارس العالم ضغوطا مكثفة على تل ابيب، وتتعاظم عزلتها الدولية، يتعاطى معها الرئيس عباس بكل نعومة، ويؤكد انه ضد اطلاق الصواريخ التي اصر انها “عبثية” او اي عمل عسكري ضدها وذلك في حديثه للقناة الاسرائيلية العاشرة بثته قبل يومين.
وربما يجادل بعض المحيطين به في المقاطعة في رام الله بأن هذه “النعومة” هي التي تقف خلف الاعتراف اليتيم اوروبيا للحكومة السويدية بدولة فلسطين، وبعدها الاعتراف الرمزي للبرلمان البريطاني، فان ردنا على مثل هذه الاقوال التي تخفي عجزا لا يليق بالشعب الفلسطيني وشهداءه وتاريخه الحافل بالتضحيات بأن هذه النعومة هي التي جعلت الاستيطان يتغول، والاعتداءات تتفاقم، والاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية يتراجع.

***

الرئيس عباس لا يمل من التأكيد بأنه لا يريد انتفاضة فلسطينية ثالثة، وينسى انه الذي جاء به وسلطته من المنفى التونسي الى المقاطعة في رام الله ليست سياسات استجداء السلام والتودد للاسرائيليين، وانما الانتفاضة الاولى وشهداؤها، ولم يعزز بقاءه في كرسيه الا الانتفاضة الثانية التي هزت اسرائيل والعالم بأسره، وكانت وراء تشكيل اللجنة الرباعية ووضع خريطة طريق السلام، وهي انجازات اهدرتها سياسات الاذعان والتنسيق الامني المهين، والرهان على مفاوضات “عبثية” وتحويل الشعب الفلسطيني الى اكبر شعب متسول في العصر الحديث.
الذي حمى، ويحمي، وسيحمي، القدس المحتلة، ومسجد اقصاها، ومقدساتها الاسلامية والمسيحية، ليست السلطة، ولا استغاثاتها، لانه لا احد يستجيب لها، وانما المرابطون من اهلنا في المدينة المقدسة والمناطق المحتلة عام 1948.. هؤلاء الذين هبوا لنجدتها، وتصدوا لمقتحميها اليهود وقوات الامن التي توفر الحماية لجرائمهم.
نتنياهو تراجع عن قراره باغلاق المسجد الاقصى بعد يوم واحد لانه بات يدرك جيدا ان استمرار هذا الاغلاق يعني انفجار انتفاضة الاقصى الثالثة، على غرار الثانية التي تفجرت بعد زيارة ارييل شارون الاستفزازية، واشتعال الاراضي المحتلة كلها لاشهر وربما سنوات قادمة، فقد طفح الكيل من الاعتداءات الاسرائيلية واذعان السلطة معا.
الشهيد معتز حجازي الذي اطلق النار على المستوطن اليهودي المتطرف يهودا غيليك الذي يقود الهجمات المتكررة لاقتحام المسجد الاقصى وباحته، كان يوجه رسالة قوية لكل هؤلاء المستوطنين ورئيسهم نتنياهو الذي يتستر على جرائمهم، بان اهل الارض المحتلة لن يسمحوا بالاعتداء على مقدساتهم، وتقسيم اقصاهم مهما كان الثمن.
يكتب لي الكثير من القراء يتساءلون عما اذا كانت “عين العرب ـ كوباني” اغلى من القدس واكثر قداسة، وهل فيها مقدسات لا نعرفها؟ فلماذا يهتم العالم كله بالاولى ويرسلون الاسلحة والطائرات لحمايتها ومنع سقوطها في ايدي “الدولة الاسلامية” التي تحاصرها؟ التساؤل مشروع وفي محله وكل ما يقولونه هو الصدق بعينه، ولكن الزعماء العرب، بل والمسلمين ايضا، يرون عكس ما ترون، فالجرائم الاسرائيلية في القدس المحتلة، واغلاق المسجد الاقصى، لا تعنيهم على الاطلاق، ويديرون وجوههم حيث تديرها الولايات المتحدة الامريكية اي الى “كوباني” قبلتهم الجديدة التي حددتها وقررتها ادارة باراك اوباما.
في الماضي كنا نعّول خيرا على هؤلاء الزعماء، ونناشدهم التحرك لانقاذ القدس المحتلة، ناهيك عن فلسطين، ولكن بعدما شاهدنا تواطؤهم مع العدوان الاسرائيلي على غزة، وصلواتهم من اجل ابادة كل من فيه، وفي اسرع وقت ممكن، لانهاء قيم المقاومة واقتلاعها من جذورها، في هذا القطاع الصامد الصابر الذي بات وجوده واهله يشكل احراجا لهؤلاء، هذا اذا كانوا يشعرون بالاحراج فعلا.
***
الشعب الفلسطيني في ارض الرباط سيشعل لهيب الانتفاضة الثالثة، ويوسع نطاقها، ولن يعير اي اهتمام للرئيس عباس والتذلل للاسرائيليين، وسيتحدى سياسات الهوان التي يتباهى بها، ويتوسل الى الاسرائيليين العودة الى المفاوضات ووقف الاستيطان.
الرئيس عرفات استشهد مسموما وعلى ايدي الاسرائيليين وعملائهم لانه رفض التفريط بالمدينة المقدسة في مفاوضات كامب ديفيد، مثلما رفض التنازل عن حق العودة، ونسف التنسيق الامني واتفاقات “اوسلو” عندما ارادها انتفاضة ثانية مسلحة، ولا نعتقد ان خلفه السيد عباس يريد ان يفعل شيئا من هذا، بما في ذلك العصيان المدني الذي يلوح به دائما دون ان يتجرأ على تنفيذه عمليا على الارض.
للاقصى شعب صابر مقاوم يحمل في جيناته قيم الكرامة والعزة، لن يتردد مطلقا عن حمايته، والتصدي لكل من يريدون اقتحامه وتقسيمه، وطمس هويته العربية، والاسلامية، تماما مثلما فعل ابناؤه في قطاع غزة وجنين والخليل ونابلس وبيت لحم وكل مدن وقرى فلسطين التاريخية المحتلة دون استثناء.
انتفاضة الاقصى الثانية سطرت نقطة النهاية في حياة شارون السياسية والشخصية، وانتفاضة الاقصى الثالثة ستكون نهاية نتنياهو، وربما بداية النهاية للدولة الاسرائيلية، وغرور قادتها وتطرف مستوطنيها.
الشعوب العربية والاسلامية ستهزم امريكا في العراق وسورية وفلسطين المحتلة، مثلما هزمتها في العراق وافغانستان ولبنان، وسيظل الاقصى المبارك شامخا عزيزا، مثلما كان على مر العصور، وصبرا يا هل ياسر.

صمود قوات “الدولة الاسلامية” في “عين العرب” يصيب القيادة الامريكية بالاحباط والسورية بالسعادة وان ادعت غير ذلك.. والاستغاثة بالعرب لاستعادة “اراضيهم” لن تجد آذانا صاغية

عبد الباري عطوان
كثيرة هي التصريحات الغريبة التي تصدر عن الحكومة السورية في دمشق، ولكن البيان الذي صدر يوم امس عن وزارة الخارجية السورية واعتبرت فيه دخول قوات البشمرغة الى “مدينة عين العرب ـ كوباني” يعتبر واحد من اغربها، هذا ان لم يكن اغربها، فالبيان المذكور وصف عبور هذه القوات الحدود الشمالية مع تركيا الى المدينة بأنه “تدخلا في الشؤون الداخلية للبلاد وانتهاك سافر للسيادة السورية”، وانتقد بشدة الدور التركي المتواطيء والداعم لهذا التدخل.
مصدر الغرابة ان هذا الانتهاك ليس جديدا، ولا مفاجئا، في ظل تدهور الاوضاع في سورية وحالة الفوضى التي تسودها منذ اربع سنوات تقريبا الايام فلم يبق احد لم يتدخل فيها وشؤونها الداخلية وتنتهك سيادتها بطريقة او بأخرى: دول الخليج التي تضخ مليارات الدولارات لدعم المعارضة وتسليحها، والسلطات التركية التي حولت انطاكية المحاذية للحدود الشمالية الغربية السورية الى “بيشاور” اخرى لعبور المقاتلين والاموال الى العمق السوري، على غرار الدور الباكستاني في حرب “المجاهدين” الافغان لاخراج القوات السوفييتية من بلادهم، وفوق هذا وذاك طائرات التحالف الامريكي الجديد التي تسيطر على الاجواء السورية وتشن غارات مكثفة على مواقع “الدولة الاسلامية” وتجمعاتها، فلم تبق دولة في الغرب الا وارسلت طائرات حربية، طالما ان لا خطر عليها وطياريها سواء في الجو او من الارض، فهي طلعات تدريبية آمنة، والضحايا عرب مدنيين كانوا او من مقاتلي “الدولة”.
***
مدينة “عين العرب ـ كوباني” التي لا يزيد عدد سكانها عن ثلاثين الفا في طريقها لكي تتحول الى “لينينغراد” اخرى، فمنذ شهر ونصف الشهر تقريبا والطائرات الامريكية في الجو والقوات الكردية على الارض تحاول منع سقوطها في ايدي قوات “الدولة الاسلامية” الزاحفة نحوها، دون جدوى رغم الفارق الكبير في العدد والعتاد.
عدم نجاح القوات المدافعة عن المدينة في اعادة السيطرة عليها، وفشل الطائرات الامريكية في وقف تقدم قوات “الدولة الاسلامية” يؤكد دون اي تردد بأن التدخل العسكري الامريكي ما زال يدور في المربع الاول ولم يعط نتائجه المرجوه، او هكذا نعتقد، ومعنا الكثير من الخبراء والعسكريين الغربيين وغيرهم.
ارسال 400 جندي من قوات “البشمرغة” وفوقها العدد نفسه من قوات الجيش السوري الحر لا نعتقد انه سيغير معادلات القوة على الارض، بل سيشكل احراجا كبيرا لكل هذه القوى التي تقف خلف التدخل العسكري الارضي، سواء بفتح الحدود مثلما هو حال تركيا، او بارسال القوات والمعدات مثلما فعلت قيادة “دولة” كردستان العراق.
لا نعتقد ان البيان السوري الرسمي المندد بهذا التدخل العسكري الارضي يعكس المشاعر الحقيقية للقيادة السورية، فاندلاع المواجهات العسكرية بين اعدائها هو خبر سار بالنسبة اليها، جاءها دون ان تحتسب، ومن غير ان تبذل اي مجهود للوصول الى هذه النتيجة.
ولا بد ان القيادة العسكرية الامريكية تشعر بالاسى في الوقت نفسه، وهي ترى مدى ضعف حلفائها الذين يقاتلون “الدولة الاسلامية” في المدينة ذاتها (كوباني) وعدم قدرتهم، ورغم اطنان الاسلحة الحديثة التي القتها عليهم من الجو، والتعزيزات الاخرى، على حسم المعركة لصالحهم.
وربما نستشف هذه المشاعر الامريكية المحبطة من التصريحات التي ادلى بها اليوم (الخميس) الجنرال راي اوديرنو رئيس هيئة الاركان المشتركة في الجيش الامريكي في حديث لمحطة الـ”سي ان ان” وقال فيها “ان مهمة قتال تنظيم “الدولة الاسلامية” على الارض ترجع للعراقيين والسوريين والعرب، لان تلك بلدانهم وعليهم استعادتها من جديد”.
واوضح، هذا هو الاهم “ان الجنود الامريكيين ليسوا متطوعين، وهم يتلقون الاوامر التي نصدرها لهم ونحاول تجنيبهم المخاطر والحفاظ على معنوياتهم ومعنويات عائلاتهم، ونفعل كل ما في وسعنا لحماية جنودنا”.
نبشر الجنرال الامريكي بأن الحكومات العربية لن ترسل قوات لمحاربة تنظيم “الدولة الاسلامية” وقواته على الارض وهزيمته خاصة بعد ان شاهدت صمود هذه القوات وقتالها الشرس في “عين العرب”، والحاقها خسائر كبيرة في صفوف القوات الكردية المدافعة عنها وبعد ان تابعت انهيار قوات الجيش العراقي امامها وهروب ثلاثين الفا من جنوده قبل وصولها، اي “الدولة”، الى حدود مدينة الموصل خوفا ورعبا، والشيء نفسه يقال ايضا عن قوات البشمرغة.
***
الحكومات العربية يمكن ان ترسل طائرات حربية لالقاء بعض الصواريخ على آبار ومصافي نفط، وبهدف “الاستعراض الاعلامي” لا اكثر ولا اقل، اما ان ترسل جنودا فهذا من عاشر المستحيلات لان معظم هؤلاء الجنود قد لا يعودون الى بلدانهم، وان عادوا ففي حقائب بلاستيكية سوداء.
لا نضيف جديدا اذا قلنا ان امريكا تورطت ورطة بلا قاع في سورية والعراق، ولا بد ان السلطات السورية تعرف هذه الحقيقة جيدا، وتفرك يديها فرحا، وهي ترى ان هذا المأزق الامريكي والعربي يتعمق، واعداءها يتقاتلون، فسيمر وقت طويل حتى يصفي هؤلاء حساباتهم مع بعضهم البعض قبل ان يلتفتون اليها.
الغالبية الساحقة من الذين تدخلوا ويتدخلون في الازمة السورية خاسرون حتى الآن، سواء بالمال او السلاح او فتح الحدود، وهذا لا يعني ان السلطات السورية ليست من بين الخاسرين، ولكنها ربما تكون الاقل خسارة في الوقت الراهن على الاقل، اما المستقبل فلا احد يستطيع التنبؤ به ومفاجآته وما اكثرها، ولهذا نستغرب بيان وزارة الخارجية السورية.

مللنا من تحويل السلطات المصرية قطاع غزة الى “كبش فداء” لاخفاقاتها في اجتثاث الارهاب في سيناء.. ونرجوها احتلاله فورا لوقف هذه “الذريعة” وانهاء الحصار والمعاناة لمليونين من ابنائه

عبد الباري عطوان

عدت لتوي من تونس حيث تابعت الانتخابات التشريعية، وزرت بعض مراكز الاقتراع، والتقيت اكبر عدد ممكن من السياسيين والاعلاميين، وشاركت في برنامج تلفزيوني “ماراثوني” لمناقشة وتحليل النتائج الاولوية ومدى انعكاسها على تونس المستقبل وواقعنا العربي الراهن، ولكني لن اخصص هذه المساحة للحديث عن تونس، وانما عن مصر، والاسباب التي ادت الى حالة الاستقرار النسبي في الاولى، وتصاعد اعمال العنف والارهاب في الثانية، رغم ان تجربة “ثورات” ما يطلق عليه لـ”الربيع العربي” تتشابه في الكثير من جوانبها في البلدين، من حيث سرعة التغيير في قمة الحكم (بضعة اسابيع)، وتماسك مؤسسات الدولة، وفوز الاسلاميين في الانتخابات الاولية التي جرىت فيهما.
باختصار شديد اقول ان السبب الرئيسي لنجاح التجربة التونسية هو ما تفتقره مصر ومعظم الدول العربية الاخرى، اي وجود مجتمع مدني، ودور بارز للمرأة، واعتدال الاسلام السياسي المتمثل في حزب النهضة وقيادة الشيخ راشد الغنوشي وبراغماتيته، والاحتكام الى صناديق الاقتراع والقبول بنتائجه.
الشعب التونسي اطاح بحكم حزب النهضة الاسلامي من خلال احتجاجات سلمية وانتخابات تشريعية نزيهة، بينما تم الاطاحة بالاخوان المسلمين في مصر من خلال انقلاب عسكري، وقمع دموي لانصارهم، والزج بمعظم قيادتي الصف الاول والثاني في السجون والمعتقلات، ولو تأخر الحسم العسكري قليلا ربما لوصلت مصر الى النتائج نفسها الى نراها في تونس حاليا.
حزب النهضة “والترويكا” الثلاثية التي شكلها لحكم البلاد فشلت في مهمتها بعد عامين تقريبا من المحاولات الدؤوبة، فقرر الانسحاب تقليصا للخسائر وانقاذا لنفسه والبلاد من الانهيار الكامل، والانزلاق الى صدامات دموية تفاقم ازمات البلاد الاقتصادية والامنية، بينما لم تتصرف حركة “الاخوان المسلمين” في مصر بالبراغماتية نفسها، والقراءة الصحيحة لمخططات المؤسسة العسكرية والتيارات المدنية والعلمانية التي تحالفت معها واستخدمتها (اي القوى الليبرالية العلمانية) لتقويض اول حكم منتخب للاسلام السياسي في مصر.
***
يوم الجمعة الماضي شن مسلحون مجهولون هجوما استهدف نقطة عسكرية في محافظة شمال سيناء اسفر عن سقوط 31 قتيلا و30 مصابا، وفق حصيلة رسمية “غير نهائية” مما دفع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الى فرض حالة الطوارىء لمدة ثلاثة اشهر، مرفوقة بحظر تجول طوال ساعات الليل، وارسال تعزيزات من الجيشين الثاني والثالث “لاجتثاث الارهاب من جذوره”، مثلما قال العميد محمد سمير المتحدث باسم القوات المسلحة.
السلطات المصرية محقة في اتخاذ ما تريد من اجراءات لاعادة هيبتها وسيطرتها وفرض الامن في سيناء شريطة ان لا تؤثر هذه الاجراءات على الابرياء، وان تترافق مع حلول سياسية في الوقت نفسه تؤدي الى تنفيس الاحتقان وتعميق الولاء للدولة.
كعاتدتها في جميع المرات السابقة، تبحث السلطات المصرية عن “كبش فداء” لتحميله مسؤولية فشلها في القضاء على “الجماعات الارهابية” وليس هناك افضل من حركة المقاومة الاسلامية “حماس″، وقطاع غزة على وجه التحديد، فلجأت الى اغلاق معبر رفح الى اجل غير مسمى، والغت اجتماعا كان مقررا لاستئناف المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية غير المباشرة لتطبيق الاتفاقات التي جرى التوصل اليها سابقا لتثبيت وقف اطلاق النار، ووقف اعادة الاعتداءات الاسرائيلية، ورفع الحصار، وبدء عملية اعادة الاعمار لاكثر من ثمانين الف منزل دمرها العدوان الاسرائيلي الاخير.
الاعلام المصري كعادته واصل مسلسل التحريض ضد قطاع غزة واهله، واتهم حركة “حماس″ بالتورط في حادث الهجوم الدموي على الجيش المصري حتى قبل ان تبدأ التحقيقات وتجف دماء الجنود الضحايا، بينما اشار الرئيس السيسي الى اصابع خارجية تقف خلف الهجوم.
من يسمع هذه الاتهامات التي تقول ان المهاجمين تسللوا من قطاع غزة عبر الحدود المصرية الفلسطينية يتبادر الى ذهنه ان طول هذه الحدود يزيد عن الف ميل، بينما هي لا تزيد عن عشرة كيلومترات فقط.
كل هذه التعزيزات العسكرية من الجيشين الاول والثاني، علاوة على “قوات التدخل السريع″ من اجل تأمين هذه الحدود، ومنع الارهابيين الفلسطينيين من تهديد الامن القومي المصري، وتأمين سلامة الجنود المصريين بالتالي.
جميع “الارهابيين” الذين قتلتهم القوات المصرية، حسب البيانات الرسمية، من المصريين (عددهم ثمانية) وليس بينهم اي فلسطيني سواء من قطاع غزة او خارجه، فلماذا هذا الانتقام من القطاع واهله وتحميلهم مسؤولية ارهاب لم يمارسونه؟
مشكلة السلطات المصرية هي مع المصريين في سيناء وغير سيناء وليس مع الفلسطينيين، الا اذا كانت تعتبر اهالي سيناء غير مصريين، وتصنفهم في خانة الفلسطينيين، وتشكك في مصريتهم، فلا يوجد فلسطينيون في الصحراء الغربية المصرية التي شهدت مذبحة اقدم عليها ارهابيون وقتلوا اكثر من عشرين جنديا مصريا على حاجز عسكري في واحة الوفرة، ولم تغلق مصر المعبر الحدودي مع ليبيا مثلما تفعل مع معبر رفح.
الحلول الامنية والعسكرية للتصدي للارهاب فشلت في الكثير من الدول، وخاصة في العراق وسورية واليمن وليبيا، وهذا يحتم اتباع وتجريب اساليب اخرى وعلى رأسها الغاء كل سياسات الاقصاء والاجتثاث واللجوء الى الحوار وتقبل الآخر، وهذا ما فعلته تونس طوال السنوات الماضية، ونجحت من خلاله من الخروج من عنق الزجاجة والوصول الى بر المان جزئيا او كليا.

***

نشعر بالاسى عندما نسمع ونشاهد محللين عسكريين مصريين يطالبون، عبر شاشات التلفزة، بارسال قوات مصرية لاقتحام قطاع غزة وقطع رؤوس الارهاب فيه، فمشكلة مصر مع الارهاب ليست موجودة في قطاع غزة، او معبر رفح، وانما في السياسات الامنية والعسكرية المصرية نفسها، ومحاولة البعض التهرب من تحمل مسؤولية القصور والاخفاق بالقائها على عاتق الآخرين.
فاذا ارادت القوات المصرية اقتحام القطاع فستجد الآلاف الذين يرحبون بها، لانها لا يمكن ان تكون الا قوات صديقة، ولكن هذا الاقتحام لن يعيد الهدوء الى سيناء ولن يوقف الهجمات على الجيش المصري وحواجزه في المستقبل المنظور، والا لحدث ذلك بعد تدمير السلطات الامنية المصرية لاكثر من 1300 نفق تحت حدود غزة وتشديد الحصار الخانق على اهلها، واغلاق معبر رفح لاكثر من ثلاثة اشهر متواصلة.
نتمنى على القوات المصرية ان تحتل قطاع غزة وفورا لفترة مؤقتة او دائمة، حتى نتخلص من هذه “الفزاعة” او “الذريعة”، ونضع حدا، ومرة واحدة، لآلام اكثر من مليوني انسان عربي مسلم يعانون مر المعاناة من نتائج تحويلهم الى “كبش فداء” من قبل الشقيق الحاكم في مصر، وتحميلهم مشاكل ومصائب مصر كلها، ولعل الاعلام المصري يبحث عن “كبش فداء” آخر غير غزة، ليوجه اليه حملاته وتحريضه واتهاماته وشيطنته، من اجل التغيير وعدم التكرار، وان كنا نشك في ذلك.

كم نحتاج من الجيوش لمنع استيلاء “الدولة الاسلامية” على بلدة “كوباني” الكردية؟ وما هي النتائج المترتبة على انضمام الجيش السوري الحر للقتال الى جانب المدافعين عنها؟

عبد الباري عطوان

لا نعرف كم عدد الجيوش المطلوبة التي يمكن ان تهزم قوات “الدولة الاسلامية” وتحول دون استيلائها على مدينة “عين العرب ـ كوباني”، وكم عدد الطائرات الحربية الامريكية والعربية اللازمة لوقف تقدمها، وهي التي لا تملك الا بعض المدرعات وبضعة آلاف من المقاتلين المسلحين بأسلحة خفيفة.
فلا نسمع او نقرأ هذه الايام الا عن قوات تتدفق من كل مكان الى المدينة لمواجهة “الدولة الاسلامية”، فالرئيس التركي رجب طيب اردوغان اعلن الخميس ان مئتي جندي من قوات البشمرغة الكردية عبرت الحدود الى “كوباني”، واعلن الجمعة في مؤتمر صحافي عقده في تالين عاصمة استونيا المحطة الثانية في جولته “البلطيقية”، ان 1300 جندي من الجيش السوري الحر سيعبرون الحدود التركية للانضمام الى وحدات حماية الشعب الكردي التي تدافع عن المدينة.
***
الرئيس اردوغان عارض بشدة فتح حدود بلاده امام اي قوات كردية او غير كردية تريد مساعدة القوات الكردية المحلية، ووصف حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني وميليشياته بأنها امتداد لحزب العمال الكردستاني “الارهابي” حليف النظام السوري.
السيد نواف خليل المتحدث باسم حزب الاتحاد الديمقراطي، ابرز الاحزاب الكردية السورية الذي شكك بتصريحات الرئيس اردوغان هذه طرح تساؤلا، يبدو مشروعا للوهلة الاولى، عندما قال “لماذا لا تتوجه قوات الجيش الحر التي تريد الدخول الى كوباني وتقاتل في مدينة حلب التي تكاد تسقط في ايدي النظام”.
ما لا يعرفه السيد نواف خليل ان الاوامر للجيش السوري الحر بالتحرك في هذا الاتجاه او ذاك تأتي من قيادة قوات التحالف الامريكي وبالتنسيق مع السلطات التركية، والرئيس اردوغان اكد على هذه الحقيقة بكل صراحة، عندما قال ان الجيش الحر هو خيارنا الاول للدفاع عن كوباني، ثم بعد ذلك قوات البشمرغة الكردية في الدرجة الثانية.
مشاركة الجيش الحر في القتال ضد “الدولة الاسلامية” ربما تكون خطوة اولى، او “بروفة” لفتح جبهات الرقة ودير الزور واعزاز ليس في مواجهة “الدولة الاسلامية” فقط، وانما الجبهات والفصائل الاخرى التي ادانت التدخل العسكري الامريكي ضد “الدولة الاسلامية”، ووصفت التحالف الامريكي الخمسيني بأنه تحالف “صهيوامريكي”.
نحن نقف الآن امام عملية فرز واضحة داخل المعارضة السورية المسلحة التي انقسمت الى معسكريين رئيسيين:
*الاول: يضم الجماعات الاسلامية المتشددة مثل “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة”، واحرار الشام، ولواء الشام، ومنظمات اخرى وتعارض التدخل العسكري الامريكي.
*الثاني: يتزعمه الجيش السوري الحر (او جناح منه) الى جانب جيش الاسلام، وقوات بركان الفرات وفصيل ثوار الرقة، واحرار جرابلس.
ومن غير المستبعد ان يشهد الجيش السوري انشقاقات جديدة في الاسابيع المقبلة، فالعقيد عبد الجبار الكعيدي احد قادة هذا الجيش اكد في تصريحات لوكالة انباء الاناضول التركية الرسمية انه سيقود مجموعة من الف مقاتل للدفاع عن “عين العرب ـ كوباني” في اطار مبادرة من فصائل كبيرة في الجيش الحر، ودون التنسيق مع المجلس العسكري، الذي من المفترض انه يشكل المظلة العسكرية القيادية للجيش الحر.
معركة “عين العرب ـ كوباني” المحتدمة منذ ما يقرب الشهر، وايا كانت نتائجها، والجهة التي تسيطر عليها، فانها ستكون مقدمة، او بالاحرى خطوة اولى لفتح جبهات اخرى في مناطق تسيطر عليها “الدولة الاسلامية” في الاراضي السورية مثل محافظتي الرقة ودير الزور في الشرق.
***
المؤشرات التي يمكن استخلاصها من سير المعارك في “عين العرب”، وخريطة القوى التي تقاتل دفاعا عنها، تعكس صعوبات كبيرة في طريق مهمة التحالف الامريكي الاساسية، اي اضعاف “الدولة الاسلامية” والقضاء عليها بالسرعة المطلوبة، فاذا كان منع سقوط هذه البلدة الحدودية التي لا يزيد تعداد سكانها عن 35 الف (هرب معظمهم الى داخل تركيا) يحتاج اكثر من شهر من القصف المتواصل وتدفق آلاف من المقاتلين، فكيف سيكون الحال في مدن مثل الموصل والرقة ودير الزور والفلوجة؟ فالنظريات العسكرية الاولية تفيد بأن “مهمة” الذين يقفون في خندق الدفاع اكثر سهولة من المهاجمين الذين يحتاجون الى ثلاثة اضعاف القوات المدافعة، بالاضافة الى غطاء جوي مكثف، وهذا ما لم يتأت لقوات “الدولة الاسلامية”.
لا بد ان القيادة السورية في دمشق تفرك يديها فرحا هذه الايام وهي ترى خصومها الذين كانوا يشكلون جبهة واحدة متماسكة ضدها يقاتلون بعضهم بعضا، والفضل في ذلك للتحالف الامريكي و”الدولة الاسلامية” معا، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، لكن الى متى يستمر هذا الفرح، لا حد يملك الاجابة القاطعة، لان المتغيرات متسارعة جدا في ميادين الصراع في سورية والعراق او هكذا نعتقد.

مصر تنزلق الى حرب استنزاف دموية.. والهجوم الانتحاري الاحدث في سيناء يشكل “علامة فارقة” ويحمل بصمات “القاعدة”.. فلماذا تتصاعد اعمال العنف والارهاب هذه.. وما هي خريطة الطريق اللازمة للحد من اخطارها؟

عبد الباري عطوان
تتحول صحراء سيناء الى ميدان لمواجهات دامية بين الجيش المصري والجماعات الاسلامية المتشددة، فلا يمر اسبوع دون حدوث هجمات تؤدي الى سقوط العديد من القتلى والجرحى، لكن هجوم اليوم (الجمعة) الانتحاري الذي استهدف حاجزا عسكريا للجيش المصري في مدينة الشيخ زويد قرب العريش يشكل علامة فارقة، وينبيء بخطر حقيقي لا يهدد القوات المصرية وانما الاهداف والدوريات العسكرية الاسرائيلية ايضا، ونسف انابيب الغاز الاسرائيلي الذي اتفق البلدان على بنائه مؤخرا.
وعندما نقول ان هذا الهجوم يشكل علامة فارقة، فإننا نستند هنا الى ضخامة عدد القتلى (26 قتيلا) في صفوف الجيش، وطريقة تنفيذه، بالاضافة الى توقيته، وهذا ما دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الى عقد اجتماع عاجل لمجلس الدفاع الوطني لمتابعة التطورات عن كثب، وهذا المجلس يضم وزيري الدفاع والداخلية وكبار القادة العسكريين ويرأسه السيسي نفسه، ولا ينعقد الا في الحالات التي تواجه فيها البلاد تهديدا امنيا عالي الخطورة.
***
من خلال قراءة تفاصيل عملية الهجوم هذه، اي اقتحام سيارة صغيرة يقودها انتحاري، تتبعها سيارة مفخخة اكبر، يمكن الاستنتاج بأن تنظيم “القاعدة”، او جماعة اسلامية متشددة تنتمي اليه، او تنسق معه، يقف خلف هذه العملية “غير المسبوقة” في ضخامتها وعدد ضحاياها.
ما يدفعنا الى الوصول الى هذا الاستنتاج، ان الهجوم يتطابق مع الهجومين اللذين نفذتهما خلايا انتحارية تنتمي الى تنظيم “القاعدة” في تفجير السفارتين الامريكيتين في نيروبي ودار السلام في آب (اغسطس) عام 1998، كما يتطابق ايضا مع عملية التفجير التي نفذها التنظيم نفسه في السفارة المصرية في اسلام اباد عام 1996، واشرف على تنفيذه الراحل ابو حفص المصري القائد العسكري لـ”القاعدة” في حينها انتقاما لاحتجاز وتعذيب واغتصاب عناصر من تنظيم “الجهاد” في قبو السفارة، كما ابلغنا بذلك شخصيا عندما التقيته في جلال اباد في العام نفسه.
الجيش المصري يخوض حربا شرسة لا هوادة فيها لمحاربة الجماعات الارهابية في سيناء منذ الاطاحة بالرئيس المصري المنتخب محمد مرسي في الثالث من تموز (يوليو) عام 2013، ولكن يبدو، ومن تزايد عدد الهجمات بشكل مضطرد في الاسابيع الاخيرة، ان هذه الحرب لم تستطع القضاء على هذا الخطر او حتى تقليص خسائره بل زادته اتساعا.
يوم الاحد الماضي قتل سبعة جنود مصريين واصيب اربعة في هجوم بقنبلة استهدفت مدرعة للجيش كانوا يستقلونها قرب مدينة العريش عاصمة سيناء، وفي تموز (يوليو) الماضي قتل 22 جنديا مصريا واصيب اربعة آخرون في هجوم مسلح ضد نقطة لحرس الحدود بالقرب من واحة الفرافرة في صحراء مصر الغربية.
وعندما نتوقف عند توقيت هجوم الشيخ زويد الاخير نجد لزاما علينا الربط بينه وبين الدعم المصري القوي لقوات اللواء خليفة حفتر التي نجحت في هزيمة الجماعات الاسلامية، وانصار الشريعة الاسلامية بالذات، وطردها من منطقة بنغازي الليبية التي كانت تسيطر عليها.
ومن غير المستبعد ان تكون هذه العملية محاولة للانتقام من هذا الدعم الذي اعطى نتائجه بسرعة، وجاء في اعقاب زيارة قام بها السيد عبد الله الثني رئيس وزراء الحكومة الليبية المنبثقة عن البرلمان المنتخب والمعترف بشرعيته من قبل الولايات المتحدة وعدة دول اوروبية وعربية، فبعدها اعلن السيد الثني بثقة واضحة ان قوات حفتر ستحرر العاصمة الليبية طرابلس قريبا جدا.
لا نستطيع في هذه العجالة تجاهل عملية الربط بين هذا الهجوم على الحاجز العسكري المصري، وعملية فدائية اخرى جرت قبل اربعة ايام وتمثلت في اطلاق نار على دورية اسرائيلية قرب الحدود المصرية، مما اسفر عن اصابة جنديين اسرائيليين وهذه من العمليات الفدائية النادرة في الفترة الاخيرة.
دائرة العنف والارهاب التي تهدد مصر وسلطاتها الحاكمة تتسع، وتشكل خطرا امنيا من كل الجهات، وتصل الى العمق المصري نفسه، واسوأ الامثلة في هذا المضمار تبني تنظيم جهادي جديد يحمل اسم “اجناد مصر” مسؤولية الهجوم المسلح امام جامعة القاهرة الذي اسفر عن اصابة عشرة اشخاص من بينهم ستة من رجال الامن.
مواجهة هذه الهجمات الارهابية بقبضة حديدية امر حتمي، ولكن تبني الحلول العسكرية وحدها لا يمكن ان يعطي مفعوله الا اذا ترافق مع حلول سياسية، وحوار وطني، ينفس حالة الاحتقان التي تعيشها البلاد ويقود الى مصالحة وطنية حقيقية توسع دائرة المشاركة في الحكم بعيدا عن سياسات الاقصاء والتهميش والاعتقال.
التقارب المصري الاسرائيلي الذي تسارعت وتيرته في الاشهر الاخيرة، وبلغ ذروته في توقيع الحكومة المصرية اتفاقا لاستيراد الغاز من تل ابيب مدته تزيد عن عشرين عاما، والصمت على العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة، وعدم اتخاذ خطوات عملية لمواجهته غير استضافة حوار فلسطيني اسرائيلي لوقف اطلاق النار بعد خمسين يوما من المجازر في حق الشعب الفلسطيني، كلها عوامل تصب في مصلحة الجماعات المتشددة التي تريد زعزعة استقرار البلاد واغراق جيشها في دوامة حرب استنزاف دموية.
***
الرئيس السيسي الذي يحاول محاكاة سياسات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وموافقه، ويؤكد انه يسير على نهجه، يجب ان يدرك جيدا ان هذه السياسات التقاربية والتطبيعية مع اسرائيل، في وقت تعم الفوضى الدموية المنطقة، وتهيء البيئة الحاضنة للجماعات الجهادية المتشددة تعطي نتائج تنعكس سلبا على امن مصر واستقرارها.
الحصانة الابرز لمصر من خطر الارهاب تتمثل في تبني القضايا الوطنية دون تردد، اما اغلاق الانفاق، وتشديد الحصار الخانق على قطاع غزة، وتعذيب مليونين من ابنائه امام معبر رفح، فتضعف مثل هذه الحصانة ان لم تنسفها من جذورها، فاذا كانت هذه الاجراءات تهدف الى محاربة الارهاب الذي يعتقد بعض “المستشارين” انه يأتي من غزة، فان تزايد الهجمات في سيناء وارتفاع عدد ضحاياه يؤكد فشل هذه المقولة وينسفها من جذورها.
لا نعرف مستشاري الرئيس السيسي الذين يرسمون له السياسات التي يسير على نهجها حاليا، ولا نريد ان نصدق ان توني بلير الملطخة اياديه بدماء مليون عراقي ليس من بينهم، وما نود قوله ان معظم هؤلاء يقدمون النصائح والتوصيات المضرة به ومصر وامنها، ولو كنت مكانه لاستبعدتهم جميعا، واخترت آخرين ابعد نظرا وافضل قراءة للاوضاع في مصر والمنطقة العربية بأسرها.