مقالات

السعودية تفشل المبادرة الفنزويلية وترفض اجتماعا طارئا للاوبك.. واسعار النفط تهبط الى الاربعين دولارا.. وايران تهدد وتتوعد وروسيا صامته.. وخسائر الخليج تعيد اعمار العالم العربي كله

عبد الباري عطوان
ذكرتني الجولة التي يقوم بها حاليا الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في اربع دول رئيسية منتجة للنفط هي ايران والسعودية وقطر والجزائر في محاولة لاقناعها بمبادرته التي تنص على انعقاد قمة طارئة لمنظمة الاوبك لبحث ازمة تدهور الاسعار الحالية، بجولة مماثلة لسلفه الاسبق الرئيس كارلوس رودريغز قبل 37 عاما تقريبا ومن اجل الهدف نفسه لكن لاسباب مختلفة.
كنت في حينها، اي عام 1977 على ما اذكر اعمل محررا في صحيفة “المدينة” اليومية السعودية، واوفدني رئيس التحرير الصديق احمد محمد محمود الى الرياض لتغطية زيارة الرئيس الفنزويلي وجاء اختياري، لسبب ليس له علاقة بالكفاءة، بقدر ما له علاقة بلغتي الانكليزية المعقولة، فقد كنت اتحسس طريقي في هذه المهنة الصعبة، وهذه قصة اخرى.
الرئيس الفنزويلي رودريغز حط الرحال في الرياض من اجل اقناع العاهل السعودي الملك خالد بن عبد العزيز برفع اسعار النفط السعودي بنسبة 5 بالمئة من اجل ردم الهوة مع اسعار دول اوبك اخرى رفعته في اجتماع سابق لها بنسبة 10 بالمئة وهو ما رفضته السعودية واصرت على ان تكون الزيادة نصف هذه النسبة، وتردد ان هذا الرفض جاء بضغوط امريكية.
اذكر انني سألت الامير فهد بن عبد العزيز ولي العهد الذي ترأس الوفد السعودي في المباحثات مع الضيف الفنزويلي وكان الحاكم الفعلي للبلاد، عما اذا كانت المملكة ستتجاوب مع مطلب رفع اسعار نفطها اسوة بالدول الاخرى، فقال لي ان المملكة “ملتزمة” بوحدة منظمة الاوبك وكانت هذه كلمة السر، وفعلا رفعت المملكة سعر نفطها 5 بالمئة اخرى ومرت الازمة، وخرجت انا بسبق صحافي عالمي.
***
يبدو ان الرئيس الفنزويلي الحالي مادورو اقل حظا من الرئيس كارلوس، لان مبادرته بخفض انتاج النفط السعودي من اجل رفع الاسعار او بالاحرى وقف انهيارها السريع لم تحقق اي من اهدافها، فقد اعلن بعد اجتماعه مع السيد عبد الملك سلاس رئيس وزراء الجزائر المحطة الاخيرة في جولته “انه لا يوجد اجماع بين الدول الاعضاء في اوبك لعقد اجتماع طارىء للمنظمة”، وفي واقع الحال ليس هناك حاجة لاجماع، وانما موافقة دولة واحدة تنتج 9.6 مليون برميل يوميا وهي السعودية يمكن ان تحل الازمة اذا ارادت، وتوافق على الاجتماع الطارىء، وتقبل بالتالي بخفض الانتاج.
فشل جهود الرئيس الفنزويلي يعني ان اسعار النفط التي وصلت امس الى اقل من 45 دولارا للبرميل قد تصل الى اربعين دولارا غدا، و35 دولارا الاسبوع المقبل حتى تصل الى عشرين دولارا مثلما بشر السيد علي النعيمي وزير نفط المملكة الدول الاخرى الاعضاء، الامر الذي قد يؤدي الى افلاس معظم الدولة المنتجة غير الخليجية، وخاصة فنزويلا ونيجيريا وايران وروسيا.
كل دولار انخفاض في اسعار برميل النفط يعني خسارة مقدارها ملياري دولار من دخل روسيا يوميا، واذا قدرنا ان اسعار النفط انخفضت بحوالي سبعين دولارا منذ حزيران (يونيو) الماضي فإن هذا يعني ان خسارة روسيا السنوية 140 مليار دولار مرشحة للزيادة، والحسبة نفسها تنطبق على ايران وفنزويلا ونيجيريا وجميع الدول المصدرة للنفط.
السعودية ودول الخليج الاخرى لن تتأثر على المدى القصير، لان جيوبها عميقة، فالسعودية تملك فائض نقدي مقداره 750 مليار دولار وتستطيع تحمل الخسائر لعدة سنوات، والشيء نفسه يقال عن الكويت والامارات وقطر التي تملك صناديق سيادية تزيد قيمتها على ترليون ونصف ترليون دولار تقريبا، ولكن ليس البحرين وسلطنة عمان، الدول الافقر والاقل انتاجا والاكثر سكانا مثلما هو حال الثانية (عمان).
هناك ثلاثة اعتبارات او اسباب رئيسية ادت الى انخفاض اسعار النفط بهذه الصورة المتسارعة:
• اولا: ضعف الطلب بسبب الازمة الاقتصادية العالمية.
• ثانيا: زيادة الانتاج الامريكي من النفط الصخري حوالي خمسة ملايين برميل يوميا سترتفع الى عشرة عام 2020.
• ثالثا: رفض السعودية خفض الانتاج من اجل زيادة الاسعار اثناء اجتماع اوبك الاخير في كانون الاول (ديسمبر) الماضي.

روسيا وايران لديهما انطباع مؤكد ان هناك مؤامرة سعودية امريكية تهدف الى تضييق الخناق عليهما اقتصاديا من خلال تخفيض اسعار النفط، الاولى بسبب ضمها لجزيرة القرم ودعم انفصال شرق اوكرانيا، والثانية لدعمها النظام السوري وحزب الله وحركة المقاومة الاسلامية الفلسطينية، فالاقتصاد الروسي الذي يعتمد بنسبة 70 بالمئة على صادرات النفط والغاز مرشح للدخول في حال كساد هذا العام، والروبل خسر ستين في المئة من قيمته امام الدولار، وكل محاولات دعمه بما في ذلك رفع سعر الفائدة الى 17 بالمئة باءت بالفشل، والشيء نفسه يقال عن ايران التي تدهورت عملتها لاكثر من ثمانين في المئة، وقد اقرت ميزانيتها للعام المقبل ابتداء من اول اذار (مارس) على اساس سعر 72 دولارا للبرميل اي بعجز متوقع بنسبة 33 بالمئة على اقل تقدير اذا وقف انهيار اسعار النفط عند حاجز 45 دولارا مثلما هو الحال اليوم.

***

ايران بدأت تشعر بسخونة الازمة، وانعكس هذا في تصريحات الرئيس حسن روحاني التي هدد فيها امس بأن من خفضوا اسعار النفط (في اشارة الى السعودية) ضد بعض البلدان (في شارة الى ايران وروسيا) سيندمون على هذه الخطوة، وقال “ايران لن تخضع للمؤامرة وستتغلب عليها.
السعودية التي تخوض حاليا حربا في سورية والعراق ضد “الدولة الاسلامية” واخرى ضد التهديد الامني لانصارها في الداخل بدأت الآن على حافة حرب اخرى ضد دول منظمة اوبك وخارجها بعضها مسلم مثل ايران ونيجيريا والجزائر وليبيا واخرى غير مسلمة مثل روسيا وفنزويلا.
خسائر دول الخليج وحدها من انخفاض اسعار النفط الى 45 دولارا تصل الى اكثر من 300 مليار دولار سنويا وهي خسارة كفيلة بإعادة اعمار وتنمية كل الدول العربية مجتمعة وايجاد وظائف لكل الشباب العربي العاطل عن العمل، ناهيك عن الشباب السعودي الذي تبلغ نسبة البطالة في صفوفه اكثر من ثلاثين في المئة.
لا نعرف من هم الاكثر حكمة وتبصر في التعاطي مع الازمات النفطية الطارئة، حكام السعودية القدامى ام الحاليين.
المقارنة ليست في محلها، والظروف تغيرت حتما، ولكن ما يمكن قوله ان السيد النعيمي وزير النفط السعودي ومن يرسمون له السياسات يقدمون على مقامرة خطيرة جدا سياسيا واقتصاديا من الصعب التنبؤ بنتائجها، خاصة ان الامور بدأت تخرج من ايدي الجميع وباتت امكانية السيطرة عليها معدومة، والله اعلم.

لماذا يتقدم مسؤولون عربا مظاهرة باريس تضامنا مع الضحايا الفرنسيين جنبا الى جنب مع الحمل الوديع نتنياهو ولم نراهم مطلقا في مظاهرة تضامنا مع ضحايا مجازر العراق وغزة وقانا اللبنانية؟ ولماذا نشكر وزير خارجية المغرب الذي قاطع مهرجان النفاق العربي هذا؟

عبد الباري عطوان
بعد ان يهدأ غبار عاصفة “التضامن” مع ضحايا مجلة “تشارلي ابدو” الفرنسية الاسبوعية، ويذوب “ثلج النفاق” الذي تراكم في مقدمة مسيرة اليوم المليونية في قلب باريس، وتهدأ العواطف الصادقة والكاذبة معا، ستظهر الحقائق تباعا، الواحدة تلو الاخرى، وابرزها ان معظم المسؤولين العرب والاجانب الذين تقدموا الصفوف هم من اكبر صناع الارهاب الحقيقي الذي جاءوا لادانته، والحاضنة الدافئة والمريحة له، بقصد وتعمد او بغير قصد، ابتداء من بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي ارتكب لتوه مجزرة في قطاع غزة راح ضحيتها الفين ومئتي الف انسان ثلثهم من الاطفال، وما زال مئة الف من اهاليهم في العراء في مواجهة عاصفة ثلجية قاتلة، ومرورا بالسيد احمد داوود اوغلو المتهمة حكومته بتوفير الممر الآمن والسريع لآلاف الجهاديين العرب والمسلمين المتهمين بالوقوف خلف هجوم باريس، وانتهاء بفرانسوا هولاند رئيس فرنسا واصدقائه البريطانيين والامريكان الذين تمارس طائراتهم، بطيار او بدونه، في هذه اللحظة قتل الابرياء في افغانستان والعراق وسورية واليمن، عمدا او عن طريق الخطأ.
الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي لم يتزعم او يتصدر مظاهرة واحدة في رام الله، ناهيك عن غزة، تضامنا مع ابنائه ومواطنيه الذين ذبحتهم الطائرات الاسرائيلية تحت سمع اصدقائه في فرنسا وبريطانيا وامريكا وبصرهم، كان الاكثر حماسا في الظهور في مقدمة مظاهرة باريس على بعد امتار من القاتل بنيامين نتنياهو.
***
ايريك هولدر وزير العدل الامريكي الذي شارك في المظاهرة ايضا قال انه لا توجد اي معلومات حتى الآن تؤكد ان تنظيم “القاعدة” يقف وراء الهجمات على المجلة الفرنسية الساخرة، واكد الشيء نفسه الجنرال مارتن ديمبسي قائد الجيوش الامريكية، الامر الذي يطرح العديد من علامات الاستفهام حول الاصرار على قتل المتورطين الثلاثة، وعدم الانخراط في اي مفاوضات معهم، وهم الذين عرضوا الاستسلام، لاعتقالهم احياء، والتحقيق معهم لمعرفة ما اذا كانوا اقدموا على هذه الجريمة وحدهم ام بتكليف من جماعة “ارهابية”، تماما مثلما حدث مع الفرنسي من اصل جزائري محمد مراح مقتحم مدرسة تولوز الفرنسية اليهودية عام 2012، وتسرع الكثيرون باتهام تنظيم “القاعدة” في اليمن بالوقوف خلف الهجوم لان شريف كواشي زار صنعاء.
للمرة المليون نؤكد هنا اننا لسنا مع الارهاب، واننا مع حرية التعبير، والا لما اصدرنا هذه الصحيفة من لندن، وليس من اي عاصمة عربية اخرى، ولكننا لسنا مع حرية الاساءة للانبياء والرسل وتطاول المجلة المذكورة على الديانتين اليهودية والمسيحية ورموزها لا يمكن، بل الا يجب، ان يبرر تطاولها ورساميها، على الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي ضرب مثلا في الرحمة والتسامح حتى مع خصومه وقال كلمته المأثورة “عظّموا انفسكم بالتغافل” ونزلت الآية الكريمة تأكيدا على ذلك التي تقول “واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما” صدق الله العظيم.
مكافحة الارهاب لا تتم بالتنسيق الاستخباري، واستهداف ابناء العقيدة الاسلامية بالملاحقة والتوقيف والتفتيش (المسلم معرض للتوقيف اكثر من 30 مرة بالمقارنة بغير المسلم في معظم الدول الاوروبية)، وانما ايضا من خلال وقف السياسات الاستعمارية الاذلالية في العالم الاسلامي.
نحن نرفض المقولة التي يرددها القادة الغربيون لتبرير تدخلاتهم الدموية في العالم الاسلامي، وتقول اننا نحاربهم في بلدانهم حتى لا يأتوا الينا، مما يعني ارتكاب المجازر في حق الابرياء دون اي سند قانوني او اخلاقي تحت عنوان مكافحة الارهاب، واكبر دليل على فشل هذه المقولة عملية الهجوم على المجلة الفرنسية، والكنيس اليهودي في بروكسل، واقتحام المدرسة الفرنسية اليهودية في “تولوز″، بل لا نبالغ اذا قلنا ان جميع هذه التدخلات ادت الى تحويل دول آمنة الى دول فاشلة تشكل البيئة الاخصب للجماعات المتشددة.
مجلة “الايكونوميست” البريطانية قالت في عددها الاخير الصادر يوم الجمعة الماضي ان ليبيا التي “حررها” الناتو ستصبح الدولة الفاشلة القادمة رسميا بعد اربع سنوات بالتمام والكمال على بدء ثورة الربيع العربي فيها، واكدت ان اهمال ليبيا كان خطأ ولكنها حذرت من التدخل العسكري مرة اخرى فيها، وقالت ان انقاذ ليبيا يجب ان يتم بأيدي الليبيين وحدهم، ولكن لماذا لا تنطبق هذه القاعدة على السوريين واليمنيين والعراقيين، بعيدا من طائرات “الدرونز″ وشقيقاتها من “اف 16″ و”اف 15″ و”اف 23″ وكل “الافات” الامريكية الاخرى.
بعد ان قررت مجلة “شارلي ابدو” اعادة نشر الرسوم الدانماركية المسيئة للرسول الكريم عام 2006، حاول الرئيس الفرنسي جاك شيراك في حينها اثنائها عن هذه الخطوة بالحسنى، واعتبرها “استفزازية” ولكنه لم يقف في طريقها ويحاول منعها رغم معرفته بالنتائج التي يمكن ان تترتب على ذلك، كان رجلا عاقلا ترك الساحة لساركوزي وامثاله لقيادة فرنسا الى الغزوات والحروب والتدخلات العسكرية الكارثية.
***
باريس اصبحت اليوم “عاصمة العالم” ضد الارهاب هذا هو الشعار الذي ردده كل من شارك في المظاهرة المليونية، والمقصود هنا “الارهاب الاسلامي” ولعمري ان هذا الارهاب الاسلامي يتواضع كثيرا امام الارهاب الغربي واسلحته، طائرات وصواريخ كروز، وحاملات الطائرات، والغواصات النووية وجنود المارينز، فالاول، وهو مدان، يقتل افرادا بالعشرات او المئات بالكلاشينكوف، بينما الثاني يقتل مئات الآلاف، ويدمر دولا ويمزق مجتمعات، ويدفع بالملايين الى العراء او الى قوارب الموت بحثا عن ملاذ آمن، وهو مدان ايضا، والادانة لا تفيد في الحالين، ويأتي هذا التدمير والقتل في معظمه متدثرا بأكاذيب وقيم زائفة وفي العالم الاسلامي دون غيره
ختاما وفي ظل هذا المشهد الغارق في السخرية السوداء المرة، هناك نقطة مضيئة لا بد من التوقف عندها احتراما، وهي مقاطعة وزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار والوفد المرافق له الذي ذهب الى باريس لتقديم التعازي في ضحايا الهجوم، المشاركة في “المسيرة التضامنية”، وقال بيان الوزارة المغربية “لا يمكن ان يشارك وزير الخارجية والتعاون الدولي او اي مسؤول رسمي مغربي في هذه المسيرة التي رفع فيها متظاهرون رسوم كاريكاتورية مسيئة للرسول علية الصلاة والسلام”.
كم تمنينا لو ان الزعماء والمسؤولين العرب الذين شاركوا في المسيرة اتخذوا الموقف الشجاع نفسه. ولكن لم تحقق اي من تمنياتنا السابقة، وربما اللاحقة، عندما يتعلق الامر بالزعماء والمسؤولين العرب.
شكرا لوزير الخارجية المغربي على هذا الموقف، نقولها تيمنا بالقول الكريم “من لا يشكر الناس لا يشكر الله”.

انا مسلم اعيش في اوروبا منذ اربعين عاما.. لست ارهابيا ولن اكون.. فلماذا اوضع وعشرة ملايين مثلي في حال دفاع عن النفس في كل مرة تتعرض مؤسسة اوروبية لهجوم ارهابي.. وهل اعتذر 300 مليون امريكي لضحايا حربهم في العراق؟ او 66 مليون فرنسي لقصفهم ليبيا؟.. ثم هل “الهولوكوست” اكثر قداسة من النبي محمد؟

عبد الباري عطوان

ردود الفعل التحريضية التي جاءت كرد فعل على الهجوم الدموي الذي استهدف مجلة “شارلي ايبدو” الفرنسية الساخرة، اخطر بكثير من هذه الجريمة، لانها فتحت الباب على مصراعيه امام كل الحاقدين على الاسلام والمسلمين لبث سمومهم واحقادهم والتحريض ضد عشرة ملايين مواطن اوروبي مسلم.
الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند قال “اننا نواجه حربا” ولم يحدد طبيعة هذه الحرب، الامر الذي دفع رئيس وزرائه مانويل فالس على التأكيد ان فرنسا “في حرب ضد الارهاب وليس ضد دين ما”، في اشارة “مغمغمة” الى الاسلام، بينما ذهب بعض الكتاب الفرنسيين الى درجة القول “ان فرنسا تواجه هجمات مثل هجمات الحادي عشر من سبتمبر”.
ما حدث في فرنسا “جريمة” يريد البعض استغلالها وتحويلها الى حرب ضد الاسلام والمسلمين، وتحميل المسلمين في فرنسا والعالم بأسره المسؤولية عنها، ومن لا يدينها او يتبرأ منها بشكل مباشر مشروع مجرم او ارهابي.
لماذا نوضع كمسلمين في اوروبا في حال الاتهام، ونطالب بالدفاع عن النفس، ولماذا مطلوب من كل واحد من العشرة ملايين مسلم اوروبي ان يشارك في المظاهرات المنددة بالارهاب، وان يقدم صك براءة من منفذي هذا الهجوم، حتى يتم القبول به كمواطن سوي يستحق العيش الكريم بعيدا عن الشبهات؟
نسأل مرة اخرى: هل طالبنا اكثر من 300 مليون امريكي ان يتبرأوا، الواحد تلو الآخر، من العدوان الامريكي على العراق الذي رمّل مليون امرأة ويتّم اربعة ملايين طفل بناء على اكاذيب ومعلومات جرى تلفيقها خصيصا لتسويق هذا العدوان؟
نسأل للمرة الثالثة: الم ترسل الحكومة الفرنسية طائراتها الى ليبيا لتقصف جنودا ومواطنين ليبيين، والآن سوريين وعراقيين، وهل طالبنا الشعب الفرنسي بالاعتذار لنا، او تنظيم المسيرات تضامنا مع ضحايانا، او رفع لافتتات نقول “كلنا “عمر” او “خالد” او “مصطفى” مثلا، وامريكا اعترفت قبل اربعة ايام فقط انها تحقق في سقوط مدنيين سوريين من جراء قصف طائراتها.
***
مساجد اسلامية في فرنسا تعرضت لاطلاق رصاص، ورؤوس الخنازير وامعائها علقت على ابواب بعضها، وكتب على احد جدرانها الموت للعرب، واليمين المتطرف يسن اسنانه للانتقام، والجالية الاسلامية الفرنسية والاوروبية عموما في حال من القلق والخوف من هجمات ارهابية.
هؤلاء الثلاثة الذين نفذوا الهجوم على المجلة الفرنسية قتلوا برصاص الامن الفرنسي، وذهب سرهم معهم، وكنا نتمنى لو بقي واحد منهم على قيد الحياة حتى نعرف التفاصيل كاملة، والجهة التي يمثلها، وهل هي اسلامية او غير اسلامية لوضع حد للتأويلات والاحكام المسبقة، تماما مثلما جرى قتل محمد مراح مقتحم المدرسة اليهودية في تولوز عام 2012.
وفي كل الاحوال فإن هؤلاء الثلاثة لا يمثلون ستة ملايين مسلم في فرنسا، ولا يجب اخذ هؤلاء بجريرة هجومهم، والتحريض بالتالي ضدهم ووضعهم في خانة الاتهام لان هذا سيؤدي الى حرب حقيقية ليس ضد الارهاب، وانما ضد السلم الاجتماعي والتعايش والاستقرار وهي حرب سيكون الجميع وقودها دون اي استثناء، وعلى القادة الاوروبيين ان لا ينسوا اننا شركاء في البحر المتوسط، ويجب ان نحوله الى بحيرة سلام وتعايش واستقرار.
نعم كلنا “تشارلي ايبدو” في الوقوف في وجه العنف والقتل والارهاب بدلا من الحوار والتعبير السلمي عن وجهة النظر، ولكننا نقول “لا” كبيرة لها في مواقفها المتطاولة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وجرح مشاعر مليار ونصف المليار مسلم بالتالي، والتحريض ضد المسلمين والمهاجرين عموما.
المجلة ورئيس تحريرها ورساموها يدركون جيدا ان اكثر من 500 مسلم قتلوا في مظاهرات الاحتجاج التي انفجرت ضد نشر الرسوم المسيئة للرسول فأعادوا نشرها استفزازا وتحديا، وشاهدنا السيدة انجيلا ميركل مستشارة المانيا “تكرم” رسام الكاريكاتير الذي رسمها في احتفال عام.
منذ عام 2006 والمجلة تعيد نشر هذه الرسوم وغيرها نكاية بالمحتجين، فهل هذه “حرية التعبير”؟ نفهم ولا نتفهم النشر مرة واحدة اواثنتين، لكن ان يتحول الامر الى مسلسل طويل من الاهانات والاستفزازات فهذا امر غير مقبول على الاطلاق، مع رفضنا في الوقت نفسه ان يتم اللجوء الى القتل لمحرري المجلة ورساميها، كرد فعل على ذلك.
للمرة الالف نقول ان المسألة ليست قضية “حرية تعبير” والا لكانت دول وصحف غربية عديدة اعادت نشر الرسوم المسيئة، فهل الصحافة البريطانية، او شبكة تلفزيون “بي بي سي” والمحطات البريطانية الخاصة الأخرى او صحف فرنسية محترمة مثل “الوموند” ضد “حرية التعبير” عندما رفضت نشر مثل هذه الرسوم؟
دول اوروبية عديدة اعتبرت اي محاولة لانكار “الهولوكوست” او التشكيك بإرقامه جريمة يعاقب عليها القانون بالسجن سبع سنوات، ويقبع الآن خلف القضبان المؤرخ البريطاني ديفيد إيرفينغ في النمسا تطبيقا لهذه العقوبة، فهل “الهولوكوست” اكثر قداسة من رسول يمثل اكثر من مليار ونصف المليار مسلم؟
حكومات وبرلمانات اوروبية غيرت قوانينها واسقطت الجنسية عن مواطنين مسلمين متهمين بالتورط في “الجهاد” في الصومال وسورية والعراق، وهؤلاء ذهبوا الى هناك تماهيا مع سياسات هذه الحكومة ودعمها للمعارضة السورية المسلحة، وتمجيدها للجهاديين الذين يضحون بأرواحهم من اجل الاطاحة بنظام ديكتاتوري في دمشق، فلماذا لا تصدر قوانين وتشريعات تجرم من يتطاول على الرسل والانبياء جميعا دون اي استثناء، وتعفينا من هذا المسلسل الدموي الذي يتكرر كل عام؟ ولتتوقف حرية التعبير بشكل استثنائي عندما يتعلق الامر بالانبياء والرسل فأين الكارثة.. فلعل ذلك يحقن دماء كثيرة، ويؤدي الى التعايش والتواصل بين الشعوب وهي من ابرز تعاليم كل الديانات ورسلها.
***
المسلمون في اوروبا مواطنون لهم حقوق المواطنة مثل الآخرين، والتعرض لهؤلاء من اليمين، او اليسار، او الوسط، سيصب في مصلحة المتطرفين منهم، ويجب التذكير بأن ضحايا الجماعات الاسلامية المتشددة من المسلمين اكثر عشرات آلاف المرات من المواطنين الغربيين، فهؤلاء ليسوا “عنصريين” في القتل والارهاب، ولكن الذين يحرضون ضد المسلمين في اوروبا يفعلون ذلك من منطلق عنصري بحت.
مثلما يطالب البعض المسلمين بالانضباط والاعتدال وادانة هجوم المجلة المذكورة فإننا نطالب الاعلام الاوروبي وحكوماته ايضا بالحكمة والتعقل والبعد عن كل اشكال التحريض التي تؤدي الى “ارهاب” ابناء الجالية الاسلامية وإثارة القلق في صفوفهم والتعاطي معهم كمتهمين عليهم اثبات براءتهم، في عصر تتعاظم فيه ظاهرة الاسلاموفوبيا ومعها ظاهرة العنصرية البغيضة واحزابها، ويكفي الاشارة الى ان نصف الالمان يعتبرون المسلمين اعداء في آخر استطلاع للرأي.
ربما لا يعجب كلامنا هذا الكثير من الذين يقولون انهم مع “حرية التعبير” حتى من مسلمين يرفعون شعار “كلنا شارلي ايبدو”، ولكننا نقوله من المنطق نفسه، اي الحق في التعبير وقول كلمة حق قد تبدو تغريدا خارج السرب.

الهجوم الدموي على المجلة الفرنسية المعادية للاسلام والمسيئة لرسوله هل هو حادث انتقامي فردي ام في اطار سلسلة من الهجمات الاخرى؟ وهل المنفذون من العائدين من سورية والعراق؟ وما هو الهدف المقبل؟

عبد الباري عطوان
بعد هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) عام 2001 اختتمت مجلة “الايكونوميست” العريقة افتتاحيتها الرئيسية بالقول ما معناه “نحن نهاجمهم، ونقصفهم، ونذهب آلاف الكيلومترات لقتالهم، وعلينا ان نتوقع ان يأتي الينا من يحاول الرد والانتقام”.
تذكرت هذه الافتتاحية وانا اتابع بقلق الهجوم الذي شنه ثلاثة شبان يعتقد انهم ينتمون الى “التيار الجهادي” الاسلامي على مجلة “تشارلز ايبدو” في قلب العاصمة الفرنسية باريس، وفتحوا نيران بنادقهم الآلية (كلاشينكوف) ومدفع “الآر بي جي” الذي كان في حوزة احدهم فقتلوا 12 شخصا بينهم رئيس تحرير الصحيفة واربعة رسامين وشرطيان.
بداية لا بد من التأكيد على ان قتل اي صاحب رأي لا يجوز شرعا وقانونا ومدان بكل العبارات واقواها، ولكن هذا لا يعني التطاول، وبشكل استفزازي مسيء لمعتنقي الديانات السماوية، والتطاول على الرسل والانبياء، مسيحيين كانوا او مسلمين او يهودا.
نحن لسنا مع الكاتب البريطاني الهندي الاصل سلمان رشدي الذي بادر بالقول “بأن الاديان يجب ان تكون موضوعا للسخرية” في اطار تضامنه مع المجلة، ومطالبة الجميع بالوقوف الى جانبها، لانها كانت قوة لليبرالية والحريات ضد الطغيان” لان الاديان في رأينا يجب ان تحظى بالاحترام وتوضع في موضع القداسة التي تستحقها.

***

مجلة “تشارليز ايبدو” اخترقت كل الخطوط الحمراء وما فوق الحمراء في تهجمها على الديانة الاسلامية من خلال حملاتها الشرسة على الرسول محمد صلي الله عليه وسلم، ولم تقتصر هذه الحملات على اعادة نشر الرسم الكرتوني المسيء اليه للرسام النرويجي عام 2006، وهو الرسم الذي اثار غضب مليار ونصف المليار مسلم، وتسبب في مظاهرات احتجاجية صاخبة، قتل فيها اكثر من مئتي شخص، وانما بلغت ذروتها عام 2011 عندما نشرت رسوما اخرى اكثر اساءة واستفزازا من بينها واحدة تصور الرسول الكريم عاريا.
مرة اخرى نعيد التأكيد بأننا بذكر هذه الوقائع الموثقة لا نبرر الهجوم الدموي الذي تعرضت له هذه المجلة، او اننا نساند او ندعم من نفذه، وسنظل دائما في خندق حرية الرأي النزيه الشريف الذي يتجنب الاساءة للاديان السماوية بطريقة تنطوي على التعمد والاصرار والتحدي وكأن هذه الاساءة عمل من اعمال البطولة، فنحن نطالب بالتآخي بين الاديان ومعتنقيها في اطار من المحبة والاحترام المتبادل.
ناشر المجلة ورئيس تحريرها اساءوا تقدير الخطر الذي يواجههم، والتحذيرات التي وصلتهم، وتمادوا في خطهم التحريري الاستفزازي، اعتقادا منهم ان الحماية التي وفرها البوليس الفرنسي لهم كافية لمنع اي هجوم عليهم، وكم كانوا مخطئين في تقديراتهم، فهذا يؤكد قدرة هؤلاء المتشددين في الوصول الى اي هدف يريدون الوصول اليه، وهنا يكمن خطرهم الحقيقي على كل من يختلف معهم، او يتطاول على عقيدتهم، مسلما كان او غير مسلم.
الذين اطلعوا على الشريط المصور للمهاجمين الذي صوره احد الهواة، يخرج بإنطباع ان هؤلاء كانوا في قمة الهدوء والطمأنينة، وعلى درجة عالية من الاحتراف، مما يوحي انهم تلقوا تدريبات مكثفة، وقاتلوا في جبهات قتال حقيقية.
حتى كتابة هذه السطور لم تعلن اي جهة مسؤوليتها عن هذا الهجوم، وتضاربت آراء “الخبراء” في هذا المضمار، فمنهم من قال ان تنظيم “القاعدة” يقف خلفه لاثبات وجوده، وخطف الاضواء من “الدولة الاسلامية”، وهناك آخرون لا يستبعدون ان يكون المنفذون من “الجهاديين” الفرنسيين الالف الذين ذهبوا الى العراق وسورية للقتال في صفوف “الدولة الاسلامية”، وعادوا للانتقام من حكوماتهم التي شاركت في الحرب ضدها في اطار التحالف الامريكي.
وسواء كانت “منظمة” ما تقف خلف هذه الهجوم، او جاء كحادث معزول نظمته “خلية” بعيدة عن اي تنظيمات اخرى، مثل الهجوم الذي نفذه الشاب الفرنسي الجزائري الاصل محمد مراح عندما هاجم مدرسة يهودية في تولوز جنوب فرنسا عام 2012، فإن فرنسا مهددة ومستهدفة اسوة بدول اوروبية اخرى، بسبب مشاركتها في حرب شرسة ضد “الجهاديين” في مالي، وارسالها طائرات حربية الى الاردن للمشاركة في الضربات التي تهدف الى اضعاف ومن ثم انهاء “الدولة الاسلامية”، والقضاء عليها كليا.

***

نعم.. من المتوقع ان تؤدي هذه العملية الهجومية الدموية الى تعزيز اليمين الاوروبي المتطرف الذي يصعد هذه الايام ويكن عداءا شرسا للمهاجرين المسلمين خاصة، وان تنعكس سلبا على اكثر من عشرة ملايين مسلم يعيشون في اوروبا ويحملون جنسيتها، ولكن على الحكومات الاوروبية ان تدرك جيدا ان الغالبية الساحقة من هؤلاء من المسلمين المعتدلين الذين ينبذون العنف والارهاب باشكالهما كافة، ولا يجب ان يؤخذوا بجريرة اقلية الاقلية من ابنائهم المتشددين، وحمايتهم كمواطنين يجب ان يكون على قمة سلم اولوياتها.
الحكومات الاوروبية، ومن بينها الحكومة الفرنسية، يجب في المقابل ان تتوقف عن التدخل عسكريا في الشرق الاوسط، وهي تدرك جيدا انها بمثل هذا التدخل تعمل على خدمة هذا الارهاب، وتعززه وتسهل عمليات تجنيد منظماته لآلاف الشباب الاسلامي المحبط، علاوة على ان هذا التدخل لم ينجح في تحقيق اهدافه التي جاء من اجلها، بل فرخ ازمات اخرى اكثر خطورة.
وربما يفيد التذكير بتدخل حلف الناتو وطائراته في ليبيا والوضع الذي آلت اليه، وقبل ذلك في العراق وافغانستان، واخيرا في سورية واليمن، ومقتل اكثر من مليون انسان كضحية له.
السياسات الغربية في البلاد العربية والاسلامية خلقت دولا فاشلة، وحروبا طائفية وعرقية، واوجدت الحاضنات للجماعات الاسلامية الجهادية المتشددة، وبدأت ترتد عليها على شكل هجمات دموية، وهجرات جماعية لشبان يركبون البحر بالآلاف، عشرة آلاف منهم شهريا من ليبيا وحدها، التي وعد الرئيس الفرنسي ساركوزي بتحويلها الى واحة للديمقراطية والاستقرار والازدهار وحقوق الانسان.
نتمنى ان يكون الهجوم الدموي على المجلة الفرنسية فرديا، وليس مقدمة لهجمات اخرى ضد ابرياء، مثلما نتمنى على الدول الغربية وحكوماتها واعلامها تبني سياسات ترتكز على العدالة والمساواة، والتعايش، ووقف كل اشكال التحريض ضد الاسلام والتدخل العسكري، ومساندة القضايا العادلة، واولها قضية فلسطين التي شاركوا جميعا في خلق وتعميق معاناة شعبها لما يقرب من سبعين عاما، فهي ام القضايا، وآلة التفريخ للتطرف في المنطقة بشكل مباشر او غير مباشر، حتى لو تراجعت اهميتها هذه الايام في نظر البعض، وهذا موضوع آخر.

هجوم خلية “الدولة الاسلامية” “الاستشهادية” على مخفر حدودي سعودي في عرعر تطور خطير ينبيء بحرب صعبة في المستقبل المنظور اسلحتها اعلامية فكرية قبل ان تكون امنية وعسكرية.. لماذ؟

عبد الباري عطوان

في غمرة انشغال المملكة العربية السعودية، حكومة وشعبا، بصحة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز (92 عاما) المتدهورة، اكد بيان رسمي مقتل ثلاثة جنود بينهم عميد يدعى عودة معوض البلوي في هجوم نفذه اربعة عناصر على نقطة حدودية في منطقة عرعر المحاذية للعراق.
المهاجمون قتلوا جميعا برصاص قوات الامن السعودية، احدهما فجر نفسه بحزام ناسف رافضا الاستسلام، بينما اصيب اثنان من القوات الامنية السعودية.
الهجوم يعتبر الاول من نوعه على الحدود الشمالية للمملكة، حيث حشدت الحكومة السعودية اكثر من ثلاثة آلاف جندي على طولها الذي يبلغ 814 كيلومترا مما يبعث على القلق بالنسبة الى السلطات السعودية لان علاقاتها مع العراق، الجار الشمالي، ليست على ما يرام حيث سحبت الحكومة العراقية جميع قواتها على الجانب الآخر من الحدود، مضافا الى ذلك منطقة الانبار المحاذية للسعودية بات معظمها تحت سيطرة “الدولة الاسلامية” وقواتها، وتجد الاخيرة تعاطفا كبيرا بين اهالي المنطقة السنة المذهب.

***

ما زالت دوافع هذه الخلية للتسلل عبر حدود المملكة، والاصطدام بقوات الامن غير معروفة، لكن المؤكد انها “خلية انتحارية” ارادت زعزعة امن واستقرار المملكة، فالسيد ابو بكر البغدادي زعيم “الدولة الاسلامية” اصدر شريطا على”اليوتيوب” قبل شهر تقريبا طالب فيه مواطني “بلاد الحرمين” بالثورة على نظامهم الفاسد، والانضمام الى دولته، وتبني عقيدتها الجهادية.
ادبيات “الدولة الاسلامية” تؤكد ان الهدف الاول لها هو استعادة الحجاز، واعلان المدينة المنورة او مكة المكرمة عاصمة لدولة الخلافة التي تريد اقامتها على مناطق شاسعة من العالم تمتد من الصين حتى فيينا وما بعدها، ولذلك من غير المستبعد ان تشهد المرحلة المقبلة المزيد من هذه الهجمات.
ولم يكن من قبيل الصدفة ان يعّرف “الخليفة” البغدادي نفسه بأنه ابراهيم عواد ابراهيم البدري الحسني القرشي السامرائي، مؤكدا نسبه الى آل البيت من ناحية، وقبيلة قريش من ناحية اخرى.
ومن يطّلع على العقيدة والايديولوجية التي ترتكز اليها “الدولة” يجد انها عودة الى جذور الوهابية وفكر الامام محمد بن عبد الوهاب في صيغته “الطهرية” الاولى، الامر الذي يشكل نقطة جذب للشباب السعوديين الذين كشفت استطلاعات رأي على مواقع التواصل الاجتماعي ان 92 بالمئة منهم يؤيدون “الدولة الاسلامية” وعقيدتها المتشددة، ووعدت السلطات السعودية التي شككت رسميا بنتائج هذا الاستطلاع باجراء استفتاء علمي يشرف عليه اكاديميون في اوساط الشباب للرد على الاستطلاع المذكور، ولكنه لم يصدر حتى كتابة هذه السطور.
السلطات السعودية باتت تقاتل على جبهتين في آن واحد، الاولى داخلية والثانية خارجية، ومن الصعب ترجيح ايهما اخطر من الاخرى، فكلاهما مصدر قلق وخوف، فماذا يمكن ان تفعل قوات الامن بمهاجمين في الداخل او قادمين من الخارج يرتدون الاحزمة الناسفة، ويريدون تفجير انفسهم على الاستسلام والاسر، ومصممون على القتال حتى السقوط “كشهداء” والصعود الى دار البقاء؟
التقديرات شبه الرسمية تقول ان هناك اكثر من 5000 سعودي يقاتلون في صفوف “الدولة الاسلامية”، وينخرط معظمهم في “الفرق الاستشهادية”، وهناك من يقدر العدد بأكثر من سبعة آلاف، ومن غير المفاجيء ان تكون خلية الهجوم على عرعر يوم امس مكونة من هؤلاء.
العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز اكد اكثر من مرة في خطاباته، سواء التي قرأها بنفسه، او قُرأت بالنيابة عنه، في المناسبات الرسمية مثل عيدي الفطر والاضحى، طالب العلماء والدعاة ورجال الدين بالتصدي لما اسماه بالفكر الضال، ولكن التجاوب مع هذه الدعوة ظلت محدودة، والشيء نفسه يقال عن محاولات السلطات السعودية السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي مثل “التويتر” و”الفيسبوك” حيث ينشط انصار “الدولة” بشكل غير عادي.
المعركة السعودية مع “الدولة الاسلامية” لها جوانب امنية واعلامية وفكرية، ويبدو انه من الصعب كسبها بسهولة، وبالحد الادنى من الخسائر، فمن يتابع الانشطة الاعلامية للدولة، المرئية منها والمقروءة والمسموعة، وما تتضمنه من فكر وحرفية عالية، يدرك هذه الصعوبة، ولا نبالغ اذا قلنا، نحن الذين درسنا هذه الانشطة طوال الاشهر العشرة الماضية على الاقل، ان انتاج هذه الدولة الاعلامي يتفوق على نظيره الامريكي الهوليودي، ناهيك عن الاعلام السعودي، الرسمي منه وغير الرسمي، مما يؤكد ان عقولا جبارة اكتسبت خبرات غربية متقدمة تقف خلفه وتوجهه.
استراتيجية “الدولة الاسلامية” في السعودية او غيرها تقوم على الرعب والترهيب، وزعزعة الاستقرار، فاطلاق النار على مواطن دانمركي في احد شوارع الرياض، او ذبح امريكية في مركز تسوق مركزي في ابو ظبي، او ارسال خمسة رجال منقبين الى الحدود السعودية الجنوبية مع اليمن، كلها تصب في هذا المضمار.
***
وعندما نقول ان معركة المملكة ليست سهلة مع “الدولة الاسلامية” لا ننسى ان نتوقف عند انهيار اسعار النفط، وانخفاض الدخل السعودي السنوي بأكثر من خمسين في المئة، واذا صحت نبوءة السيد علي النعيمي بأن الاسعار قد تصل الى عشرين دولارا للبرميل، فان هذا سيصب في مصلحة “الدولة الاسلامية” وقد يسهل او يسرع عملية تجنيدها للشباب السعودي المحبط، خاصة اذا علمنا ان نسبة البطالة في اوساط هؤلاء تصل الى اكثر من ثلاثين في المئة في الوقت الراهن.
“خلية عرعر” وهجومها غير المفاجيء يقرع جرس انذار شديد الصدى في اوساط الحكومة السعودية ويؤكد ان الخطر يتضخم، ويدخل المناطق الحرجة المحرمة التي ظلت “محصنة” طوال السنوات الثمانين من عمر المملكة.
السلطات السعودية عملت طوال السنوات الاربع الماضية الى ابعاد العنف والارهاب عن عنقها وحدودها، وصدرت الشباب المتطرف والمحبط الى دول الجوار وخاصة العراق وسورية، وصدرت المليارات سواء لدعم “الثورات” في دول (سورية والعراق) او لاجهاضها (مصر واليمن) في دول الجوار، ولكن يبدو ان هذه الاستراتيجية المتناقضة والعصية على الفهم بدأت تعطي ثمارا دموية معاكسة، فهل بدأ السحر ينقلب على السحرة.
ندرك جيدا ان السلطات السعودية تجرم السحر وتعدم السحرة، ولكن لم نجد توصيفا افضل من هذا للمستقبل المنظور.
هيئة كبار العلماء في السعودية ادانت هذا “الحادث الارهابي” بعد دقائق من وقوعه، وايدت القبضة الحديدية للدولة في مواجهة هذا “الفكر الضال”، ونعتقد ان السلطات تحتاج الى ما هو اكثر من الادانة في معركتها الحالية، واول خطوة في هذا الصدد ترتيب بيتها من الداخل، واختيار حاكم قوي، ونشر قيم العدالة والمساواة والحكم الرشيد، والاصلاحات السياسية، والتعلم من دروس بعض دول الجوار؟

الاعلام هو الضحية الاكبر للازمة المصرية المغربية: الاسباب غامضة.. والهجوم بجديده وقديمه خرج عن كل الاعراف.. ونحتاج الى ميثاق شرف اخلاقي للحكومات العربية برفع يدها عن الاعلام وتوريطه في ازماتها

عبد الباري عطوان
الازمة السياسية المتفاقمة حاليا بين المغرب ومصر تعكس المستوى البائس الذي انحدرت اليه السياسة العربية، والعلاقات بين الحكومات والدول، والتوظيف المنحرف والسطحي لوسائل الاعلام لبذر بذور الفتنة، بل القطيعة، بين الشعوب بدلا من تشجيع التقارب، وازالة الحواجز بعيدا عن الخلافات الرسمية التي سرعان ما تزول بتبويس اللحى، وتبادل الزيارت على ارضية “عفا الله عما سلف”.
غياب المهنية والاستقلالية عن معظم الوسائل الاعلامية العربية، والتلفزيونية منها على وجه الخصوص، وسيطرة بعض مراكز القوى من خلال “رأس مال” غير معروفة مصادره، واحتمال جمعه وتكوينه من صلب الفساد والافساد، وحصر الحرية في “الردح” و”السب” و”الشتم” لكل من تختلف معه الحكومة المسيطرة شخصيا او نظام حكم، كلها عوامل منفردة او مجتمعة ادت، وتؤدي الى الحالة المزرية التي تشهدها العلاقات العربية العربية هذه الايام.
فجأة وبعد عام ونصف العام، اكتشفت بعض الاوساط الاعلامية المغربية ان الرئيس عبد الفتاح السيسي وصل الى الحكم عبر انقلاب عسكري اطاح برئيس منتخب يقبع في السجن، اسمه محمد مرسي، انه اكتشاف عظيم دون ادنى شك، جاء بتوجيه من جهات تعتقد انها عليا، طلبت فتح النار على مصر ورئيسها وحكومتها، دون اي مقدمات توضح اسباب هذا الهجوم الشرس، مما فتح الباب على مصراعيه للتأويلات والصيد في ماء لم يكن صافيا اصلا.
نفهم ان “تنحرف” بعض محطات التلفزة المصرية الى هذا المنزلق، وتهاجم هذا الطرف او ذاك بأفظع الالفاظ والاتهامات، فهناك ارث اعلامي “عريق” لديها في هذا المضمار، ولكن ما لم نفهمه هو ان تحذو بعض المحطات “الرسمية” المغربية الحذو نفسه في مضمار ليست ضليعة فيه لا يجب ان تنزلق اليه اساسا.

***

نشعر ككتاب، واعلاميين، بالمرارة ونحن نتابع هذه “الخصومة” المفتعلة تلتهم ما تبقى من مصداقية ومهنية لبعض الاعلام العربي، مثلما نشعر بالغصة عندما يتحول “بعض” زملائنا الى ادوات تحركهم احقاد وثارات شخصيات رسمية لمهاجمة هذه الجهة او تلك وكأننا “كلاب حراسة”.
نعم بعض المحطات التلفزيونية اخطأت في حق المغرب، عندما تخطت مذيعة مصرية مغمورة كل الخطوط الحمر، وخرجت عن كل اللياقات والآداب والاعراف المهنية والاخلاقية، عندما تهجمت على المغرب وشعبه وحكومته، وقالت ان دعائم الاقتصاد المغربي تقوم على “الدعارة”، وان البلد تحتل مرتبة متقدمة على لائحة الدول التي ينتشر فيها مرض “الايدز″، وكأن مصر ودول عربية كثيرة ليس فيها دعارة او ايدز، ولكن هذا التصرف الذي يعكس غباء وقصر نظر ما كان يجب ان يثير ازمة في علاقات بلدين كبيرين تتسم بالقوة والقواسم والمصالح المشتركة، ولولا تسليط الاعلام المغربي على هذا “التجاوز الوقح” وتضخيمه والمطالبة باعتذار رسمي لما سمع احد بهذه المذيعة او ما قالته.
وما المانع من انتقاد مذيع مصري آخر العاهل المغربي وسفره الى تركيا في موكب من خمسة طائرات، فالخبر اساس جرى نشره في عدة صحف فرنسية، واذا كان كاذبا فقد كان من المفترض ان يصدر الديوان الملكي المغربي تكذيبا له واغلاق هذه الصفحة.
تعددت الآراء والاجتهادات حول تفسير اسباب هذا “الهجوم” الاعلامي الرسمي المغربي المفاجيء على مصر، وتسمية الاشياء باسمائها الصحيحة، فمن قال انها “فتنة” يقف خلفها التنظيم الدولي للاخوان المسلمين، ونحمد الله انهم لم يقولوا حركة “حماس″، ومن يذهب الى ابعد من ذلك ويقول انه انحياز مصر الى الجزائر، وتأييدها لجبهة “البوليساريو” بعد حصولها على غاز جزائري بأسعار مخفضة، ومشاركة وفد مصري في مؤتمر انعقد في العاصمة الجزائرية لدعم الاخيرة.
الاختلاف امر طبيعي بين الحكومات في قارات العالم الخمس، ولكن لماذا اللجوء الى “الردح” الاعلامي بدلا من القنوات الرسمية المتبعة، مثل السفارات وتبادل الرسائل وايفاد المبعوثين لتطويق الازمات، وايجاد حلول كلية او جزئية لها عبر الحوار الاخوي الحضاري؟
امر مؤسف ان اول خطوة يلجأ اليها الوسطاء في الخلافات البيتية العربية هو طلب “هدنة” اعلامية، وتهيئة الاجواء، لفتح افق افضل للحوار، وبالتالي المصالحة، وغالبا ما تتم هذه المصالحة ويتعانق الزعماء او الوزراء، وتطوى الصفحة، ولكن الاعلام “وفرسانه” الذين كانوا سيوف الحرب، وترسها، هم الضحية وكبش الفداء، ونذكِر في هذه العجالة بإغلاق قناة “الجزيرة مصر مباشر” ولجم القناة العامة، كشرط لاي مصالحة مصرية قطرية.
القطيعة التي خلقتها الحرب الاعلامية الجزائرية المصرية على ارضية احداث وصدامات مباريات تصفية كأس العالم قبل بضعة اعوام بين شعبي البلدين ما زالت ذيولها السلبية موجودة، وجراحها لم تلتئم كليا، بينما تتطور العلاقات بين نظامي البلدين بشكل متسارع وهذه مأساة كبرى.

***

كان الاحرى بالسلطات المغربية ان تصدر بيانا رسميا تحتج فيه على انحياز مصري لصالح الجزائر في قضية الصحراء الغربية، اذا كانت هناك اسباب مقنعة او موثقة، وكان المأمول من السلطات المصرية في المقابل ان تفعل الشيء نفسه، وفوق ذلك تتخلى عن عقدتها تجاه “الاخوان المسلمين” واشهار سيف العداء مع اي دولة تقترب منهم، مع يقيننا انه لا يوجد اي دليل يؤكد ان المغرب اقام علاقة رسمية معهم، ولكنه، اي المغرب تصرف بحكمة عندما سمح لحزب العدالة والتنمية بدخول الحكم وتشكيل الوزارة، بعد فوزه بالمقاعد التي تؤهله لذلك في البرلمان، مع تأكيدنا مسبقا على اختلاف ظروف المغرب واسلاميه عن نظرائهم في دول مشرقية اخرى وخاصة مصر.
الحكومات العربية، قبل ثورات ما يسمى بالربيع العربي، وعزت لوزراء اعلامها بوضع ميثاق شرف اعلامي عربي، ليس له اي علاقة بالشرف، او المهنية، وانما بالقمع والترهيب وخنق الحريات، ونحن الآن نطالب الحكومات نفسها بوضع ميثاق شرف اخلاقي فيما بينها من ناحية، وبينها وبين الاعلام من ناجية اخرى، اي ان تكف يدها واذاها عن الاعلام ووسائله وتتوقف عن توظيفه في خدمة اجنداتها، “الردحية” ضد بعضها البعض، استغلالا لاوضاع بعض الاعلاميين المعيشية البائسة، والاستعانة بالمتطفلين على المهنة في الكثير من الحالات.
حرصنا في هذه المقالة على الاكثار من كلمة “بعض” او “معظم” لتجنب الوقوع في مصيدة “التعميم” وللتأكيد على ان هناك وسائط اعلامية تتحلى بأكبر قدر ممكن من المهنية واتباع الاصول، ولكن هؤلاء قلة للأسف هذه الايام.
ربما يطير وزير الخارجية المصري سامح شكري الى الرباط غدا ويقدم اعتذارا يتم قبوله فورا، وتنهال التصريحات بعده حول عمق العلاقات الاخوية التاريخية بين البلدين، وتطوى صفحة الخلاف، وتهدأ العاصفة الاعلامية، ويخرج الاعلام او بعضه ملطخة صفحاته ببقع سوداء يحتاج الى سنوات لتنظيفها.

ماذا سيفعل الرئيس عباس الآن بعد ان سقط مشروعه في مجلس الامن بشكل مهين.. هل سيجمد التنسيق الامني مثلما توعد وهدد؟ ام سيكتفي بمسرحية توقيع طلبات الانضمام للمنظمات الدولية؟ وهل نلوم الشعب “الصامت” ام حركات المقاومة حماس والجهاد؟

نعترف، وعلى رؤوس الاشهاد، ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس، اكثر فهما ومعرفة بالشعب الفلسطيني منا جميعا، مثلما يعرف ان الطريقة الامثل للتعاطي معه، اي الشعب، هي “ادارة القطيع″، يضرب اغنامه بعصاه فتهرول في الاتجاه الذي يريد، وشعارها السمع والطاعة.
نقول هذا الكلام ونحن في ذروة اليأس والألم، وبعد ان تابعنا مهزلة التصويت في مجلس الامن الدولي على مشروع القرار الفلسطيني بوضع سقف زمني للانسحاب الاسرائيلي الى حدود عام 1967 وفشله المهين والمذل.
الرئيس عباس ورهطه لم يذهب الى مجلس الامن من اجل استصدار مثل هذا القرار، او احراج الولايات المتحدة الامريكية بدفعها لاستخدام حق النقض “الفيتو”، وانما لمحاولة امتصاص غضبة الشارع الفلسطيني بعد اقتحامات المسجد الاقصى والعدوان على قطاع غزة واخيرا استشهاد الوزير السابق زياد ابو عين، ولاشغاله بوهم وسراب جديد، على غرار حركات بهلوانية دبلوماسية سابقة ليس هناك اي داع لتكرارها.
قبل عام فعل الرئيس عباس الشيء نفسه عندما ذهب الى مجلس الامن وسط طبل وزمر وحشد اعلامي، للحصول على قرار بالاعتراف بعضوية دولة فلسطين في المنظمة الدولية، وتحدي الولايات المتحدة، وبعد ان تأكد ان القرار لن يحصل على الاصوات التسعة التي يحتاجها، وبما يعفي الولايات المتحدة من عناء استخدام “الفيتو” عرض القرار على التصويت وكانت النتيجة معروفة اي السقوط المريع.
***
الرئيس عباس، هدد وارعد وازبد، بأنه سيوقف التنسيق الامني اذا لم يمر مشروع قراره بانهاء الاحتلال في مجلس الامن، وجادل المطالبين بوقف هذا التنسيق بأن اي خطوة في هذا الصدد ستؤثر سلبا على مشروع القرار الاممي ومن الافضل تأجيل اي خطوة قد تعطي نتائج سلبية.
اليوم ووسط مسرحية هزلية، شاهدنا الرئيس عباس يوقع على طلبات الانضمام الى عشرين منظمة دولية من بينها محكمة الجنايات امام عدسات تلفزيون فلسطين التابع للسلطة، كرد على فشل خطوته في مجلس الامن، والتوقيع على الطلبات “مناورة” مثل كل المناورات السابقة، ولا يعني الانضمام الفوري، لان الطلبات قد تظل في الادراج لاسابيع او حتى سنوات، دون ان تقدم للمنظمات المعنية، واذا جرى تقديمها فعلا فإن طلب ملاحقة الاسرائيليين مجرمي الحرب قد يتأخر ربما لعقود، اذا بقي السيد عباس على قيد الحياة.
نتحدث عن الاستبداد والتفرد في الرأي في الكثير من الدول العربية، وننسى ان الشعب الفلسطيني يعيش ابشع فصول الاستبداد، واكثرها قمعا، ونحن لا نتحدث هنا عن القمع الجسماني، وانما ايضا عن القمع السياسي، فالرئيس عباس يقرر كما شاء، ويقدم التنازلات التي تريدها امريكا واسرائيل، ويعدل مشروع قرار مجلس الامن تجاوبا مع املاءاتهما دون ان يستشير احدا، حتى اعضاء لجنته المركزية، او الاخرى التنفيذية، والفصائل الاخرى المتحالفة معه.
التصويت في الامم المتحدة اكد فشل الرئيس محمود عباس وسلطته ودبلوماسيته وسفاراته (80 سفارة في العالم) والجيش الجرار من “السفراء” و”الدبلوماسيين”، فهل يعقل ان دولا وقفت تاريخيا مع الشعب الفلسطيني مثل رواندا ونيجيريا تمتنع عن التصويت على قرار لا يطالب بشن حرب على اسرائيل، ولا فرض عقوبات عليها، وانما تحديد سقف زمني لاحتلالها؟ وهل من المنطقي ان نخسر دولة عظمى مثل الهند التي وقفت دائما مع قضايانا وتحولت الى صديق حميم لاسرائيل؟ ومن المسؤول.
سيقولون لنا “متباهين” ان فرنسا الدولة دائمة العضوية في مجلس الامن صوتت لصالح القرار، ونقول لهم هذا صحيح، ولكن بعد ان ضمنت ان هناك سبع دول من اصل تسعة ستؤيده فقط، وانه ساقط حتما، ولذلك قررت ان تؤيده وهي مطمئنة، وفي تنسيق واضح مع الولايات المتحدة واسرائيل.
***
لعل سقوط مشروع القرار الذي تقدم به الرئيس عباس الى مجلس الامن خير، ورب ضارة نافعة، لانه يتناقض كليا مع الثوابت الفلسطينية، ويتنازل عن السيادة الحقيقية على القدس الشرقية والغربية معا، ولا يذكرها، خاصة الاولى بالاسم، ويؤكد بعد التعديلات التي اجريت عليه، ونزعت منه كل الكرامة الوطنية، مثل القول بأن القدس عاصمة للدولتين في اطار اتفاق يتم التوصل اليه بين الجانبين، والشيء نفسه تردد في البند المتعلق بحق العودة للاجئين الفلسطينيين.
لا نوجه اللوم لوصول القضية الفلسطينية الى هذه الحالة المزرية من التهميش الدولي الى الشعب الفلسطيني فقط الذي صدق وعود وتهديدات الرئيس عباس المضللة والفارغة، ولم يتحرك مطلقا الا في حدود دنيا لاسماع صوته الاحتجاجي، وانما الى اللجنة المركزية لحركة “فتح” وتنظيم “فتح” نفسه الذي صمت ويصمت ايضا، مثلما نوجه اللوم ايضا الى الفصائل الفلسطينية وامنائها العامين، ونخص بذلك حركتي “حماس″ و”الجهاد الاسلامي”، اللتين هادنتا الرئيس عباس طوال السنوات الماضية، وهو السلوك الذي ادى الى تماديه في التفرد في القرار وتقديم التنازل تلو الآخر.
ما يحز في القلب ان هذا الفشل الفلسطيني يتزامن مع الذكرى الخمسين لانطلاق رصاصة حركة التحرير الوطني الفلسطيني لحركة “فتح” التي يتزعمها الرئيس عباس.
المطالبة بالتحرر من عبودية الراتب باتت اولوية للشعب الفلسطيني، واكثر الحاحا، من تحرير فلسطين، ويبدو ان هذا الشعب يحتاج الى “منظمة تحرير” جديدة وجدية في اسرع وقت ممكن، ورحم الله الشهيد ياسر عرفات وكل شهداء الشعب الفلسطيني

الطيار الكساسبة يفضح الروايات الامريكية الكاذبة ويؤكد اسقاطه بصاروخ.. انها رسالة ايضا للطيارين العرب زملائه في التحالف.. واخيرا هل سيعتذر لنا الامريكيون ويعترفون بخطأ أحدث اكاذيبهم؟

عبد الباري عطوان
لا نعرف ما هو شعور القيادة العسكرية الامريكية التي اصدرت بيانا شككت فيه برواية “الدولة الاسلامية” التي قالت انها اسقطت الطائرة الحربية الاردنية “بصاروخ حراري” بعد ان اطلعوا على النص الحرفي للمقابلة التي اجرتها مجلة “دابق” مع الملازم طيار معاذ الكساسبة وروى فيها بالتفصيل كيفية سقوط طائرته الامريكية الصنع، وقفزه منها بعد ان انحرفت عن مسارها والسنة الدخان تنبعث من محركاتها.
ولا نعرف ايضا ما هو شعور القيادة العسكرية الاردنية التي تبنت الرواية الامريكية الكاذبة والمضللة هذه التي تكشف عن غباء مطلق، واستهتار بعقل المشاهد والقاريء، والامكانيات الاعلامية الهائلة للطرف الآخر، تقنيا وبشريا.
يجب ان تعرف الادارة الامريكية وقيادتها العسكرية وتعترف ان الاعلام تغير في عصر “الانترنت” و”اليوتيوب” و”الفيسبوك” و”التويتر”، وان العرب والمسلمين لم يعودوا اغبياء، وتحرروا من هيمنة الاعلام الرسمي وادواته الرقابية المتخلفة، مثلما تحرروا من الاعتماد على وسائل الاعلام الغربية للوصول الى المعلومات، وان ما كان صالحا في الحربين العالميتين الاولى والثانية لم يعد صالحا في القرن الواحد والعشرين.
الادارة الامريكية تكابر في تعاطيها مع مسألة اسقاط الطائرة الاردنية، وترفض الاعتراف بأن هذا النوع من الطائرات (تف 16) الذي كان يصول ويجول في الاجواء العربية ويقصف ويدمر كيفما شاء دون ان يعترضه احد، يمكن ان يسقط مثل الذباب عندما يجد من يعرف كيف يتعاطى معه، ويكسر شوكته ولو جزئيا.
***
اسرائيل كانت تتحلى بالغرور نفسه، وتعتقد ان دباباتها من نوع “الميركافا” عصية على رجال المقاومة وصواريخهم، الى ان جاء اليوم الذي سجل انهيار هذه الاسطورة في قطاع غزة وجنوب لبنان بسواعد المؤمنين طالبي الشهادة، وشاهدنا مقابرها ماثلة للاذهان وشاهدة، في شمال وشرق قطاع غزة وفي ميليتا في جنوب لبنان.
الطيار الاسير الكساسبة كشف المستور وفضح اللعبة واللاعبين، وقدم معلومات دقيقة عن جميع الدول الخليجية والعربية التي ارسلت طائراتها للمشاركة في ضرب مواقع وتجمعات “الدولة الاسلامية”، والقواعد التي تنطلق منها الطائرات، وانواعها، مثلما كشف عن اعداد الطيارين والمهندسين، والمستشارين الامريكيين الذين يعملون في هذه القواعد.
المعلومات الدقيقة هذه التي قدمها الطيار الكساسبة ربما نقطة في بحر، ولا بد ان هناك اخرى جرى حجبها، او انها ستظهر لاحقا، وهي ثمينة جدا بكل المقاييس، وما يؤكد صحتها ان وزارة الدفاع الامريكية تلتزم الصمت ولم تعلق عليها مطلقا حتى كتابة هذه السطور ربما خجلا، ونحن نفترض ان هناك من يخجل في البنتاغون من اعمال القتل والتعذيب التي مارسها ويمارسها رجاله واجهزته الاستخبارية في العراق وافغانستان وغوانتانامو.
الطيار الكساسبة “صيد ثمين” في يد آسريه في “الدولة الاسلامية” وورقة ضغط كبرى على السلطات الاردنية والامريكية معا، كما ان عملية اسقاط طائرته واسره رسالة قوية الى الطيارين العرب (والطيارات)، وبينهم امراء، تباهوا وهم يقودون طائراتهم الى الاجواء السورية والعراقية لتنفيذ ضرباتهم وفق الاوامر الموجهة اليهم، ويقتلون مواطنين ابرياء الى جانب مقاتلي “العدو” اي تنظيم “الدولة الاسلامية”.
***
لسنا من بين المصدقين للغالبية العظمى من البيانات الامريكية، لاننا نملك مخزونا ضخما من الادلة التي تؤكد كذبها وتضليلها، ألم يقولوا لنا ان هناك معلومات موثقة عن اسلحة الدمار الشامل العراقية، ألم يؤكدون لنا قبل ثلاثة اعوام ان ايران على بعد اقل من ستة اشهر من انتاج رؤوس نووية، وقالوا الشيء نفسه قبل ذلك عن صدام حسين ونظامه.
اعترف انني شعرت بغصة في حلقي وانا ارى الطيار الكساسبة يرتدي البدلة البرتقالية، ويقول دون تردد في اجابته عن سؤال عما ستفعل به “الدولة الاسلامية” ومقاتليها بعد وقوعه في الاسر “انهم سيقتلونني”.
اتمنى من كل قلبي ان لا تعدم “الدولة” هذا الطيار الشاب وتحسن معاملته، فقد جرى الزج به في حرب اعتقد انه لا يؤمن بها وجدواها، وشرعيتها، في اعماقه، وكم كنت سأفتخر به واعلق صورته في مكتبي لو ان آسريه من الاسرائيليين.
انه ضحية سياسات خاطئة اقدمت عليها السلطات الاردنية، باختيارها او رغما عنها، فهذه الحرب ليست حربها، ودورها فيها ثانوي جدا، ولن تخرج منها الا خاسرة، وان ربحت بعض المال وبعض الرضاء الامريكي.

العلم السوري يرفرف غدا فوق السفارة السورية في الكويت بألوانه الحمراء والبيضاء والسوداء.. انه انقلاب كبير لم يكن متوقعا قبل 22 شهرا.. ما الذي حدث؟ وما هي اسبابه ومتى نرى العلم نفسه يرفرف في الرياض والدوحة؟

عبد الباري عطوان
سيرفرف العلم السوري بألوانه الاحمر والابيض والاسود فوق السفارة السورية في الكويت التي سيعاد فتحها رسميا اليوم الاثنين، بعد اغلاق استمر عشرين شهرا توقعت خلالها الحكومة الكويتية، ودول خليجية اخرى سقوط النظام وتسليم السفارة الى المعارضة السورية المسلحة برئاسة الائتلاف الوطني السوري، بعد ان جمدوا عضويته في الجامعة العربية وسمحوا لزعيم المعارضة في حينها (معاذ الخطيب) الجلوس على مقعدها والقاء كلمتها في قمة الدوحة العربية.
النظام لم يسقط، ولا يوجد اي مؤشرات انه سيسقط في المنظور المتوسط على الاقل، رغم الانشقاقات التي وقعت في صفوفه في بداية الازمة، سواء في الجيش او في المؤسسات السياسية والدبلوماسية، حيث قفز الكثيرون من سفينته، سواء عن قناعة، او استجابة للاغراءات المالية الضخمة، نتيجة اعتقاد راسخ، كرسته امبراطورية اعلامية غربية، وخليجية جبارة، مرفوقة بتأكيدات امريكية واسرائيلية وتركية بأن ايام النظام باتت معدودة، وان سفينته غارقة لا محالة.
لا نجادل مطلقا بأن النظام ارتكب مجازر، ويتحمل المسؤولية الاكبر عن ما حدث ويحدث في سورية، لكن الطرف الآخر في المقابل لم يكن حملا وديعا، واحتكم الى السلاح على امل التعجيل في اسقاط هذا النظام وتغييره ببديل ديمقراطي، ولكن في ظل انقلاب “الثورة” السورية الى صراع على الحكم، وصب المليارات، وآلاف الاطنان من الاسلحة في الاتجاهين، اختلطت الاوراق، وتغيرت المعادلات، وتبدلت المفاهيم، واصبح الشعب السوري الذي تشرد منه عشرة ملايين يعيشون حاليا في العراء في ظروف معيشية ومناخية صعبة، وخسر اكثر من ثلاثمائة الف من خيرة ابنائه هو الضحية الكبرى، ويترحم نسبة كبيرة منه على الايام السابقة، بعد ان تحولت بلاده الى فوضى دموية، وميدان صراع للامم، وفقدت وحدتها الجغرافية والديمغرافية وتقدمت الهوية الطائفية على كل الهويات الاخرى الجامعة للأسف.

***

المعارضة السورية، مثلها مثل الشعب السوري، تعرضت لخديعة كبرى عندما صدقت الوعود الامريكية، والتطمينات العربية، والخليجية منها على وجه الخصوص، واعتقدت انها باتت على بعد ايام معدودة للتخلص من النظام الديكتاتوري القمعي حسب نصوص ادبياتها وبياناتها، واقامة الجمهورية الديمقراطية الفاضلة.
اعادة فتح السفارة السورية في الكويت اهم اعتراف علني، وعملي، بأن السياسة الخليجية في سورية انهارت، خاصة انها توازت مع انفتاح كبير على العراق حليف سورية، تمثل في فتح قنصليتين وتوقيع 46 اتفاقية تجارية مع حكومته في اطار استراتيجية كويتية جديدة بتطبيع العلاقات وتعزيزها.
الكويت عندما سحبت سفيرها من دمشق واغلقت سفارتها، وطلبت من السفير السوري العودة الى بلاده في شباط (فبراير) عام 2012، اقدمت على هذه الخطوة في اطار تنسيق خليجي مشترك ومتفق عليه (سلطنة عمان لم تلتزم وابقت سفارتها مفتوحة في دمشق)، لهذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو عما اذا كان قرارها هذا منفردا، ام في اطار اتفاق خليجي على اعادة فتح سفارات سورية، في جميع او معظم العواصم الخليجية؟
انه موسم الحجيج الى دمشق، فها هي تونس التي كانت اول دولة عربية تغلق سفارتها في دمشق، ويعرض رئيسها المؤقت السابق (المنصف المرزوقي) على نظيره السوري حق اللجوء السياسي، ويستضيف اول اجتماع لمنظومة اصدقاء سورية (هل ما زالت موجودة؟) تعيد فتح سفارتها، ويتبادل رئيسها الجديد “المنتخب” الباجي قائد السبسي برقيات التهاني مع نظيره السوري، ولا نستبعد ان تبدأ احجار الدومينو تتساقط الواحدة تلو الاخرى، او فتح السفارة تلو الاخرى.
اسباب عديدة ادت الى هذا التطور “غير المفاجيء” على اي حال:
• اولا: ادركت الولايات المتحدة ان المعسكر الايراني السوري العراقي المدعوم من روسيا هو المنتصر “حاليا” فقررت الرهان عليه، والتعاطي معه، والاعتراف به على حساب حلفائها القدامى، وبعد ان “حلبتهم” ماليا وباعتهم اسلحة بأكثر من 150 مليار دولار.
• ثانيا: صعود “الدولة الاسلامية” بقوة، وازالتها الحدود السورية العراقية، واقامة دولة مكتفية ذاتيا بالمال والسلاح، حجمها اكبر من حجم فرنسا، وجميع الدولة الخليجية مجتمعة، عدا المملكة العربية السعودية، واعتمادها التوسع الجغرافي والعقائدي كنهج واستراتيجية، على عكس كل الحركات الاسلامية الاخرى، الامر الذي بث الرعب في جميع دول المنطقة، وغير اولويات الغرب، وجعل الجميع يرون في النظام السوري حليفا مستقبليا يمكن الاعتماد عليه، والتعاون معه، وغفر كل خطاياه، ما تقدم منها وما تأخر.
• ثالثا: انهيار الجامعة العربية ومصداقيتها كمظلة سياسية اقليمية، وحدوث تغيير جذري في مصر عنوانه انقلاب عسكري بقيادة الفريق اول عبد الفتاح السيسي (مشير ورئيس منتخب لاحقا) اطاح بحكم الاخوان المسلمين، والتحالف القطري التركي معهم، وجاءت عودة الليبراليين والدستوريين في تونس عبر صناديق الاقتراع، وتراجع ترويكا النهضة الثلاثية، وانهيار الاستقرار في ليبيا، وتصاعد الحرب الدموية فيها كلها عوامل غيرت المشهدين السوري والعربي تماما.
• رابعا: تراجع اسعار النفط بأكثر من خمسين في المئة، وتوقعات بوصولها الى عشرين دولارا للبرميل في سنوات مقبلة، اضعفت المعسكر الخليجي وقبضته على المنطقة، وصعدت من مخاوفه في حدوث اضطرابات داخلية، سياسية واجتماعية، بعد تزايد احتمالات تخفيض الانفاق الحكومي، وفرض ضرائب على المواطنين، ورفع الدعم عن المواد الاساسية مثل المحروقات والمواد الغذائية.
• خامسا: انقلاب السحر على الساحر، وعودة “الارهاب” بقوة الى دول خليجية ظلت محصنة منه لعقود، وشاهدنا هجمات تستهدف اجانب في كل من الامارات والسعودية، وظهور إعلام مواز مؤثر وفاعل لـ”الدولة الاسلامية” يحرض على اطاحة الانظمة، ويجذب نسبة كبيرة من الشباب الخليجي لاطروحاته، وتشكيله خلايا نائمة وحية بالتالي.
• سادسا: بروز المحور المصري الروسي الذي نشط في الاسابيع الاخيرة من اجل عقد مؤتمر حوار بين الحكومة والمعارضة في سورية للتوصل الى حل سياسي للازمة دون اي شروط مسبقة، وبمعزل عن المحور الخليجي التركي، وتجاوب معظم فصائل المعارضة السورية معه بشكل ايجابي والاستعداد للانخراط في الحوار دون شرط اسقاط النظام.
***
لا نستبعد ان يجلس السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري على مقعد سورية في الاجتماع المقبل لمؤسسة القمة العربية المقرر ان يعقد في القاهرة في الثلث الاخير من شهر اذار (مارس) المقبل، ولن نستغرب اذا كان السيد معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني السوري السابق، والسيد حسن عبد العظيم رئيس هيئة التنسيق وآخرين اعضاء في الوفد السوري يجلسون في المقاعد خلف شيخ الدبلوماسية السورية.
لم لا.. فكل شيء جائز هذه الايام، فمن كان يتوقع اتفاقا امريكيا ايرانيا بعد ان وصلت الامور الى حافة المواجهة، او من كان يتوقع هذا الصعود لـ”الدولة الاسلامية”، واطاحتها بالسيد نوري المالكي ووصول قواتها الى ابواب بغداد واربيل؟، وعودة الطائرات واكثر من خمسة آلاف جندي امريكي الى العراق، والاهم من كل ذلك، من كان يحلم بأن الرئيس بشار الاسد سيستمر في الجلوس على كرسي الحكم للعام الخامس على التوالي؟
نكتفي بهذا القدر.. ومن المؤكد ان لنا عودة لمتابعة تطورات هذا الزلزال.

اسقاط “الدولة الاسلامية” لطائرة اردنية واسر طيارها “سابقة” مرعبة لامريكا واسرائيل معا.. واحراج كبير لسلطات عمّان.. وهذه قراءتنا لتطورات الايام المقبلة

عبد الباري عطوان

لم يكن متوقعا ان تنجح دفاعات “الدولة الاسلامية” في اسقاط طائرة حربية من طائرات “التحالف الستيني” الذي يقصف مواقعها ليل نهار، لان الطائرات المستخدمة في هذا القصف “اف 16″ حديثة ومتطورة اولا، ولان الانطباع السائد عدم وجود صواريخ مضادة لدى اي من الاطراف العربية قادرة على اسقاط هذا النوع من الطائرات.
نشرح اكثر ونقول ان طائرات “اف 16″ هذه، والاسرائيلية والامريكية منها على وجه الخصوص، اغارت مئات المرات على سورية والعراق، وما زالت، وكنا نتلهف على اسقاط ولو واحدة منها، لوضع حد لعربدتها ولكن دون جدوى، وكأن قدر العرب والمسلمين انتظار “طيور ابابيل” للقيام بهذه المهمة التي ظلت مستحيلة حتى اليوم.
دفاعات “الدولة الاسلامية” نحجت في كسر هذه القاعدة، وسجلت سابقة مهمة في هذا المضمار، ولكن للأسف ضد طائرة اردنية من الطراز نفسه “اف 16″ اسقطتها واسرت طيارها الشاب، ومن المفارقة انها حصلت على هذه الصواريخ الامريكية الحديثة من المعارضة السورية “المعتدلة” وحصلت عليها لاسقاط طائرات حربية سورية، وسبحان مغير الاحوال.
هناك اسئلة كثيرة تفرض نفسها في هذا الصدد، ابرزها هو عما اذا كانت الطائرات الحربية التي تبيعها امريكا الى حلفائها العرب من النوع “المنزوع الدسم العسكري” اي اقل كفاءة، وتحرم عليها انظمة متقدمة تحول دون اسقاطها، واذا كان هذا الافتراض غير صحيح، فهل كفاءة الطيارين الحربيين العرب اقل بكثير من نظرائهم الامريكيين والاوروبيين، ولماذا؟ ومن المسؤول؟
لا نستطيع تقديم اجابة على هذين السؤالين، لاننا لسنا خبراء عسكريين اولا مثل اولئك الذين يظهرون على شاشات الفضائيات يحللون لساعات، لنكتشف بعد ذلك ان معظم تحليلاتهم تنتمي الى مدرسة قديمة تجاوزتها التكنولوجيا والنظريات الحديثة، ولان الحكومات العربية تتكتم على المعلومات المتعلقة بأسلحتها، وطائراتها، باعتبارها سرا مقدسا، على طريقة “كمساري” الحافلة المصرية العامة الذي يعلن للركاب عن محطة المطار العسكري “السري” القادمة حتى يتحضروا للنزول مبكرا بسبب الزحام الشديد ثانيا.

***

دخول الاردن في التحالف الدولي المضاد لـ”الدولة الاسلامية” وارساله طائرات وقوات خاصة لقتالها وقواتها في العراق وسورية كان وما زال موضع اعتراض قطاعات شعبية اردنية واسعة، لان الاردن دولة صغيرة، بامكانات محدودة، وكان يفترض ان يترك هذه المهمة للدول الاكثر تعرضا للتهديد من قبل هذه الدولة، والاضخم تسلحيا وماليا مثل المملكة العربية السعودية ودول الخليج.
يستطيع المسؤولون الاردنيون ان يبرروا اي رفض للمشاركة في هذا التحالف الدولي بالمعارضة الشعبية، وانتقاداتها المتصاعدة لسياسات التدخل العسكري الخارجي في دول عربية التي تتبناها الحكومة، مثل ارسال قوات خاصة للقتال في ليبيا والبحرين والسعودية، واخيرا في سورية والعراق، وتساؤل هذه المعارضة، والاسلامية منها على وجه الخصوص، عن عدم ارسال هذه الطائرات لقتال اسرائيل التي خنقت مدينة القدس المحتلة بمستوطناتها ومستوطنيها، وتغض حكومتها النظر عن الاقتحامات المستمرة للمسجد الاقصى وباحته، والاعتداء كل عامين على قطاع غزة، وتصر على اجبار العرب على اعترافهم بها كدولة يهودية عنصرية.
المشكلة ان معظم هذه التضحيات والخدمات العسكرية التي يقدمها الاردن للولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين تبدو “شبه مجانية”، بدليل ان ديون الاردن تتناسخ بحيث وصلت اكثر من عشرين مليار دينار في اعوام محدودة، بينما تشتكي الميزانية الاردنية عجزا سنويا اكثر من مليار دينار، رغم رفع الدعم عن المحروقات والكهرباء وزيادة معاناة المواطن الفقير المسحوق بالتالي.
مشاركة الطائرات الحربية الاردنية بـ”حماسة” تحسد عليها في قصف قواعد “الدولة الاسلامية” وتجمعات قواتها، خطوة خطيرة غير محمودة العواقب، وثمنها ربما يكون باهظا، داخليا وخارجيا، واسقاط طائرة الملازم الاول معاذ الكساسبة، هو اول هذه الاثمان وربما لن يكون آخرها، فـ”الدولة الاسلامية” لها امتدادات في الاردن، وتحظى بتعاطف ملموس في بعض الاوساط الدينية المتشددة، ولا يجب ان ننسى ان ابو مصعب الزرقاوي كان من ابرز مؤسسيها بصفة مباشرة او غير مباشرة، ويعتبره الكثير من الشباب الاردني المحبط من الاهانات الامريكية والاسرائيلية “بطلا” وقدوة حسنة.
ارسال طائرات حربية اردنية مقاتلة للمشاركة في الحرب على “الدولة الاسلامية” طابعه “رمزي”، وسواء شاركت هذه الطائرات في الحرب او لم تشارك، فانها لن تغير موازين القوى على الارض، فالاردن ليس دولة عظمى، ولا يملك مئات او آلاف الطائرات الحديثة المتطورة، وكان يفضل ان يظل بعيدا عن المغامرات الامريكية العسكرية التي تنتهي دائما بكوارث للدول المتدخلة فيها مثل العراق وسورية واليمن وليبيا.
القوات الامريكية “هربت” من العراق بسبب المقاومة البطولية وتعاظم الخسائر المادية والبشرية، ولكن الاردن لا يستطيع ان يهرب من المنطقة، او من الجماعات العنيفة والارهابية المتواجدة فيها بكثرة هذه الايام وتزداد قوة وصلابة وتمددا، واستقراره الامني هو رصيده ورأسماله وثروته الحقيقية.
نشعر بالحزن والالم لاسر هذا الطيار الاردني الشاب، خاصة بعد ان شاهدنا بالصوت والصورة الطريقة التي اسر بها، ولكن هناك من يشعر بالفرح والانتصار على الجانب الآخر، لانه يتطلع للانتقام والثأر، ويجادل بأن هذا الطيار كان يقصف عربا ومسلمين، سواء كانوا يقاتلون في صفوف “الدولة الاسلامية” او من المدنيين الابرياءالذين اندس جنود الدولة في صفوفهم او نصبوا مدافعهم وصواريخهم واستحكموا بسياراتهم بالقرب منهم ومنازلهم.
السلطات الاردنية ستجد نفسها في حرج شديد، وبعد اسر هذا الطيار الشاب امام اهله في الجنوب “الكرك” الذي يضم احد اكبر مخازن التعاطف مع “الدولة الاسلامية” والفصائل الجهادية الاخرى في الاردن قاطبة، مثلما تجد نفسها في حرج اكبر امام برلمانها الذي اعترض عدد لا بأس به من نوابه على المشاركة في الضربات الجوية في سورية والعراق بزعامة امريكا المكروهة في نظر الغالبية الساحقة من العرب والمسلمين، وعلى رأسهم الشعب الاردني.
امن الاردن واستقراره يعتبر اكثر اهمية من امن امريكا واوروبا ومن امن النفط العربي وامداداته، الذي يحاول التحالف الدولي الستيني الجديد تحقيقه في نظر الغالبية العظمى من الاردنيين من شتى الاصول والمنابت، خاصة ان “الدولة الاسلامية” ليست بعيدة عن حدوده، ووصلت قبل ثلاثة اشهر الى معبر طريبيل مع العراق واحتلته، وانسحبت منه بعد ان اوصلت رسالتها واضحة المعاني الى السلطات الاردنية.

***

الحكومة الاردنية ستجد نفسها مضطرة، وفي ما هو قادم من ايام، للدخول في مفاوضات مؤلمة، مباشرة او غير مباشرة، مع “الدولة الاسلامية” للافراج عن طيارها الشاب، وتقديم تنازلات كبيرة في هذا الصدد، من بينها الافراج عن عشرات وربما مئات المعتقلين من الاسلاميين في سجونها، وربما يكون على رأسهم الشيخ ابو محمد المقدسي، والسيدة ساجدة الريشاوي التي فشل حزامها الناسف في تفجير احد فنادق العاصمة الاردنية، وتنتمي الى حركة “التوحيد والجهاد” التي يتزعمها ابو مصعب الزرقاوي لخطأ ما في التجهيز والاعداد.
عملية الاسر هذه جعلت من ايام الاردن الحالية صعبة ومؤلمة، وستكون اكثر صعوبة وايلاما اذا ما اقدمت “الدولة الاسلامية” على اعدام هذا الطيار الشاب، او تمكنت من اسر طيارين آخرين او اعضاء في قوات خاصة اردنية تقاتل الآن بشكل سري ضمن وحدات امنية استخبارية امريكية وبريطانية وفرنسية في العراق وسورية مثلما تؤكد بعض التقارير الغربية رغم النفي الرسمي الاردني.
نتمنى ان لا تعدم “الدولة الاسلامية” هذا الطيار الاردني الاسير، وان تتعاطى معه بكل الرحمة والتسامح، وان تستخدمه كورقة قوية في عملية تبادل، وهو اولا واخيرا ضحية سياسات يراها الكثيرون في الاردن خاطئة بل كارثية.