مقالات

هل كانت زلة لسان من الامير سعود الفيصل ام انها سياسة رسمية سعودية جديدة؟ نأمل ان نسمع توضحيا!

عبد الباري عطوان

البيانات المشتركة التي تصدر عادة في ختام المباحثات الرسمية بين الزعماء او الوزراء تنطوي على درجة عالية من الاهمية لانها تعكس مواقف الدول والمزاج السياسي العام، وقضايا الاتفاق والاختلاف، التي جرى التطرق اليها في هذه المباحثات، وانعكاسات كل هذا على مستقبل العلاقات.

كنت حريصا ان اقرأ بتمعن البيان المشترك الذي صدر في ختام مباحثات الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، ونظيره الروسي، سيرغي لافروف، في العاصمة موسكو، للبحث عن اي معلومة، او موقف، يمكن ان يعطي مؤشرا حول الموقف السعودي ومتغيراته تجاه تطورات الصراع في سورية، وحرب التحالف الذي تتزعمه امريكا ضد “الدولة الاسلامية” وتلعب الرياض وطائراتها دورا رئيسا فيه، ولكن عبارة في البيان، لا تتعلق بسورية ولا بـ”الدولة الاسلامية” لفتت نظري وجعلتني اتوقف عندها طويلا متأملا ومحللا في الوقت نفسه، ومسطرا هذا المقال عنها وليس عن ما يجري طبخه في موسكو هذه الايام تجاه الملف السوري.

***

فبعد ان اكد البيان على “ضرورة انطلاق جهود حل الازمة السورية على اساس جنيف 1″ مع التركيز على اهمية الحفاظ على “وحدة وسيادة الاراضي السورية”، ثم انتقل بعد ذلك الى مناقشة العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تنميتها، ونادى الجانبان بـ”ضرورة تفعيل اعمال اللجنة الاقتصادية المشتركة وغيرها من آليات التعاون الثنائي بين البلدين”، وبعد كل هذا ناقش الجانبان مجموعة من الملفات الاقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك بما في ذلك الوضع في سورية والعراق وليبيا واليمن واخيرا، وهذا هو المهم، “الصراع الفلسطيني الاسرائيلي”.

العبارة الاخيرة اصابتني بالذهول والصدمة معا، وتوقفت عندها طويلا، فربما هذه هي المرة الاولى، على حد علمي، التي يصدر فيها بيان مشترك لمباحثات وزير سعودي كبير في مكانة الامير الفيصل ويقول “الصراع الفلسطيني الاسرائيلي” وليس الصراع العربي الاسرائيلي”، فمنذ ان بدأ هذا الصراع وهو صراع بين العرب والاسرائيليين، وجميع البيانات الختامية للقمم العربية، واجتماعات وزراء خارجيتها تؤكد على هذه الحقيقة، فلماذا يخرج الامير الفيصل عن هذه القاعدة الراسخة؟ وفي مثل هذا التوقيت بالذات؟ واذا كان استخدام هذا المصطلح من قبل المسؤولين السعوديين ليس جديدا، فمتى حدث هذا التغيير وعلى اي اساس؟

العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز عندما اطلق مبادرته للسلام، وقبل ان تتحول الى مبادرة عربية في قمة بيروت عام 2002، اكد على انها تأتي من اجل حل الصراع العربي الاسرائيلي من خلال بند “الانسحاب الكامل مقابل الاعتراف العربي الكامل”، فهل اصبح هذا الاعتراف العربي، او الحل العربي، غير ضروري طالما تحول الصراع الى فلسطيني اسرائيلي، اي مسؤولية اهل فلسطين وحدهم، واصبح موقف العرب مثلهم مثل موقف دول البلطيق تجاه هذا الصراع؟

كنت اعتقد انها خطأ مطبعي، او اجتهاد روسي، او سوء ترجمة، ولهذا حرصت ان اذهب الى موقع وكالة الانباء السعودية الرسمية “واس″ لاتحقق من الامر، ونادرا ما اذهب اليه، اي الموقع، ووجدت النص نفسه دون زيادة او نقصان.

المصطلحات السياسية تتسم بأهمية خاصة، لا يجب التقليل من اهميتها، لانها تعكس مواقف رسمية، ويتم نحتها بعناية، ولا تتغير الا مع تغير السياسات او حتى الحكومات التي وضعتها ومن هنا جاءت صدمتنا وتوقفنا عند المصطلح الجديد وافردنا هذه المساحة لمناقشته.

فعندما كان بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل ووزير خارجيته افيغدور ليبرمان يؤكدان في احاديثهما الصحافية ان دولا عربية عديدة لم تعد تعتبر اسرائيل عدوا، كنا نعتقد ان هذه التصريحات تهدف الى التشويش ومحاولة خلق فتنة بين العرب انفسهم، والاصطياد في الماء العكر، ولكن اعتقد ان الوقت قد حان للنظر الى هذه التصريحات بنظرة مختلفة عن السابق.

***

الصراع سيظل عربيا اسرائيليا، بل اسلاميا اسرائيليا، ولن يكون فلسطينيا اسرائيليا، وما تشهده مدينة القدس المحتلة، ومسجد اقصاها من اقتحامات وخطط تقسيم وعمليات استيطان مكثفة يؤكد هذه الحقيقة ويرسخها، واذا كانت حكومات عربية ترى غير ذلك، فإن الشعوب، او غالبيتها الساحقة ستظل متمسكة بهذه الثوابت.

السلطات السعودية التي تواجه حاليا اخطارا داخلية وخارجية تهدد امنها، واستقرارها، ووحدتها الوطنية ترتكب خطأ كبيرا اذا غيرت مواقفها وسياساتها تجاه القضية العربية المركزية الاولى، ونفت عنها البعد العربي والاسلامي، وحصرت امرها في شعب اعزل محاصر يتحمل وحده حماية المدينة المقدسة ومقدساتها ولا يبخل بدمه وارواح شبابه من اجلها.

نأمل ان يكون ما ورد في البيان الروسي السعودي المشترك الذي صدر في ختام زيارة الامير سعود الفيصل مجرد خطأ وليس سياسة رسمية سعودية جديدة تترسخ.

فاسرائيل كانت، وستظل، عدوة للامة العربية، ومغتصبة لارضها ومقدساتها، ومسؤولية تحرير هذه الارض، واستعادة المقدسات، مسؤولية عربية، اسلامية، قبل ان تكون مسؤولية فلسطينية، وان كان المرابطون في الاراضي الفلسطينة لم يبخلوا، ولن يبخلوا، باعز ما يملكون من اجل هذه المهمة السامية نيابة عن الامة الاسلامية بأسرها.

شهران من القصف الجوي والهجوم البري لم يخرجا “الدولة الاسلامية” من “كوباني” الصغيرة.. فكيف سيكون السيناريو في الموصل والرقة؟ وهل سيشهد يوم الاحد انقلابا في الاستراتيجية الامريكية؟

عبد الباري عطوان

لا بد من التحلي بأصول المنطق، والابتعاد عن المكابرة والاعتراف دون تردد، بأن القصف الجوي الامريكي الذي دخل قبل ايام معدودة شهره الثالث، لمواقع “الدولة الاسلامية” وتجمعاتها في العراق وسورية، لم يحقق اي من اهدافه في اضعافها حتى الآن على الاقل، بل بات يعطي نتائج عكسية تماما، ابرزها تخفيف الضغوط على قوات النظام السوري في جبهات القتال، والصاق تهمة، “العمالة” وافتقاد المصداقية، بالمعارضة السورية المسلحة والمعتدلة، مثلما صرح لمراسل صحيفة “الفايننشال تايمز″ البريطاينة السيد احمد ابو عماد المتحدث باسم حركة “حزم” التي تلقت دعما عسكريا وماليا من الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج العربي، في تقرير مطول نشرته (اليوم) الخميس.
فعندما تستطيع هذه “الدولة” ارسال خلية انتحارية الى قلب مدينة اربيل عاصمة اقليم كردستان العراق التي نعمت بالامان على مدى عشر سنوات، وتفجر سيارة مفخخة يقودها انتحاري امام محافظتها، تقتل اربعة وتصيب العشرات، وعندما تستطيع قواتها، ودون اي غطاء جوي، الصمود لشهرين في مدينة “عين العرب ـ كوباني” السورية، فهذا يعني انها لم تضعف او تتراجع، وانما تتقدم فعلا.
***
فاذا كان “الحسم” الامريكي المدعوم بطائرات من احدث ما يوجد في الترسانة الامريكية من طرازات، ومقاتلين من البشمرغة والجيش الحر ووحدات الدفاع الكردية ما زال صعبا بعد شهرين من القتال والقصف باعتراف معظم الخبراء الاستراتيجيين فكم سيستغرق الامر لاستعادة مدن مثل الرقة او الموصل او دير الزور؟
نحن لا نمجد بـ”الدولة” وقدراتها، وندرك جيدا انها ما زالت حديثة العهد، ولا يمكن ان تقارن قوتها العسكرية بقدرات امريكا العظمى والتحالف الخمسيني الذي شكلته (امريكا) لمواجهتها ويضم خمس دول عربية، ولكننا نحاول ان نرسم صورة للواقع كما هو دون بهرجة، في ظل كم هائل من المعلومات المغلوطة والمضللة.
لا ننكر مطلقا ان القوات العراقية حققت تقدما على بعض الجبهات حيث نجحت في كسر الحصار الذي كان مفروضا من قوات الدولة على مصفاة بيجي التي تنتج ستين في المئة من احتياجات الشعب العراقي من المحروقات، وهذا تقدم لا يجب انكاره، ولكن ما زالت هناك اخفاقات سياسية وعسكرية، فعملية اعادة تأهيل الجيش العراقي لم تبدأ بعد، والثقة في حكومة السيد حيدر العبادي لم تكتمل رغم مرور اكثر من شهر على تشكيلها، ومسألة بناء قوات “حرس وطني” او “صحوات” من قوات العشائر تواجه بفتور وبالكثير من السخرية”.
الاستراتيجية الامريكية في العراق وسورية، وليس تجاه “الدولة الاسلامية” فقط قد تتغير كليا، ولا نستبعد اقدام الولايات المتحدة على ارسال قوات برية الى العراق.
نقطة الصفر في هذا الاطار المفاوضات الجارية حاليا بين ايران والدول العظمى الست حول البرامج والمفاعلات النووية الايرانية وانتاجها من اليورانيوم المخصب، وهذه المفاوضات التي بدأت جولتها الاخيرة في فيينا وتنتهي يوم الاحد المقبل، تقف حاليا على حافة الانهيار الا اذا جرى الاتفاق على تمديدها وهذا احتمال جدا ضعيف حتى الآن.
الانهيار يعني العودة الى التوتر العسكري، ومرحلة ما قبل الاتفاق الامريكي الايراني الذي جرى التوصل اليه في مباحثات سرية في مسقط، حيث كان الحوار بالغواصات، وحاملات الطائرات، والسفن الحربية، وبيع صفقات تسليح لدول الخليج بأكثر من 130 مليار دولار استعدادا للحرب التي جرى تصويرها بأنها حتمية في حينها.
اما التوصل الى اتفاق، فقد يعني تحول ايران الى القوة الاقليمية العظمى والحاكم الفعلي في المنطقة التي يعتمد عليها الغرب في ادارته لشؤونها (اي المنطقة) وحفظ الامن فيها.
الانفراج في الازمة الداخلية الخليجية الذي انعكس في اتفاق الرياض “التكميلي” لا يمكن النظر اليه بمعزل عن تطورات المفاوضات هذه، فهو مؤشر قوي على ما يمكن ان يحدث في المرحلة المقبلة حيث ستكون ودول الخليج حتما لاعبا رئيسيا في حالة التوتر او حتى الحرب، وضحية كبرى في حال التوصل الى اتفاق.
***
فمن يتابع الهجمة الدبلوماسية الامريكية الحالية على تركيا يمكن ان يكمل عناصر الصورة التي تحدثنا عنها آنفا، ففي الوقت الذي يغادر فيه جون الن المبعوث العسكري للرئيس باراك اوباما انقرة، يحط الرحال فيها نائب الرئيس الامريكي جوزيف بايدن في زيارة تستمر ثلاثة ايام تدور كلها حول كيفية مواجهة “الدولة الاسلامية” فهل ستكون الشروط التركية التي طالب الرئيس اردوغان بتلبيتها قبل اي انخراط في هذه المواجهة في هذه المواجهة على قمة جدول الاعمال؟ وهل جرى تأخير التجارب معها متعمدا انتظارا للمرحلة المقبلة وتطوراتها؟
في تقديرنا ان المشاركة التركية من عدمها ستتضح في الايام القليلة المقبلة، وعلينا ان لا ننسى مطلقا ان انقرة عضو مؤسس في حلف “الناتو”.
ثلاثة ايام حاسمة في تاريخ المنطقة سلما او حربا، فعندما يقول جون كيري وزير الخارجية الامريكي انه لا تمديد للمفاوضات النووية ولا بد من اتفاق يوم الاحد، فان علينا ان نضع ايدينا على قلوبنا تحسبا للأسوأ على المدى القصير وربما الافضل على المدى الابعد، ولا شيء يمكن استبعاده في منطقتنا التي تعتبر الوحيدة في العالم التي يصعب، بل يستحيل التنبوء بمفاجآتها!

البداية كانت دائما من الاقصى.. وانتفاضة الكرامة اشتعلت.. والكيل طفح

عبد الباري عطوان

اقتحام شابين من اسرة ابو جمل من سكان حي جبل المكبر في القدس المحتلة كنيسا يهوديا وفتحهما النار على رواده، فقتلوا اربعة، ثلاثة منهم من حملة الجنسية الامريكية ورابعهم بريطاني الجنسية اثار حالة من الهلع في صفوف الاسرائيليين واخرجا بنيامين نتنياهو ومتطرفيه عن صوابهم، واثارا حالة من الارتياح في صفوف الغالبية الساحقة من الفلسطينيين، ومعظم العرب والمسلمين الشرفاء.

الارتياح، لان اكثر من مليار ونصف المليار مسلم كانوا يتابعون طوال الاشهر الماضية عمليات اقتحام المسجد الاقصى وباحته، من قبل مستوطنين يهود، يعيثون فيه فسادا ويعملون على تقسيمه بمباركة من حكومة نتنياهو وحمايتها، دون ان تحرك الحكومات العربية وجيوشها الجرارة ساكنة، لانها منشغلة بكيفية حماية “كوباني” الكردية السورية من السقوط، واعادة السفراء الثلاثة الى الدوحة.

***

نعم عملية الاقتحام هذه هزت اسرائيل، واثارت الرعب في اوساط مستوطنيها، لانها وقعت في قلب القدس المحتلة، او الشق الغربي منها، التي من المفترض ان تكون الاكثر أمنا واستقرارا، ولكن هؤلاء الذين اعتقدوا ان الشعب الفلسطيني استسلم للاحتلال مثل سلطته، بدأ يتعايش مع الاهانات الاسرائيلية، والخنوع الرسمي العربي، يجب ان يعيدوا حساباتهم بشكل جدي وبأقصى سرعة ممكنة، لان دورة انتفاض هذا الشعب، وبدء انطلاق ثورة كرامته وعزته، واصراره على حماية مقدساته وحده، قد تسارعت ولن توقفه كل التهديدات الارهابية الاسرائيلية والتواطؤ الرسمي العربي معها.

نتنياهو وجوقته يتباكون على الضحايا، ويركزون على انهم مصلون متعبدون، ويطالبون العالم بالتعاطف معهم، وادانة “الارهاب” الفلسطيني، طيب ماذا كان يفعل اكثر من اربعين مصليا في الحرم الابراهيمي في مدينة الخليل عندما اقتحمه المستوطن باروخ غولدشتاين وفتح نيران رشاشه عليهم في ساعات الفجر الاولى؟ هل كانوا يرقصون؟ الم يقم له المستوطنون ضريحا فاخرا “مهيبا” في مستوطنة قريبة من مجزرته تحول الى مزار يؤمه المئات يوميا يقرأون الصلوات اليهودية على روحه تقديسا وتباركا وتمجيدا؟

نسأل الجوقة نفسها هل القتل في الكنس اليهودية “حرام”، بينما ذبح المئات من اطفال الفلسطينيين في قطاع غزة بقنابل وصواريخ الطائرات والدبابات الاسرائيلية “حلال”؟

الشابان اللذان اقتحما الكنيس طفح كيلهما من التغول الاسرائيلي في سفك دماء اهلهم واشقائهم، وحرقهم احياء، وشنقهم في الحافلات، وخنق مدينتهم المقدسة بالمستوطنات وسط صمت الحكومة الاسرائيلية الفاشية وتحريضها.

هذان الشابان ينتميان الى امه عريقة، وعقيدة مشهود لها بالتسامح، ولكنها لا يمكن، بل لا يجب، ان تتسامح مع القتلة المحتلين، ماذا يتوقعون من ابناء الشعب الفلسطيني الذين يعيشون الاذلال والمهانة تحت الاحتلال الاسرائيلي، ان يستقبلوا مقتحمي المسجد الاقصى بالزهور والرياحين، وان يهنئوا قاتلي الفتى محمد ابو خضير حرقا، وان يقيمون احتفالات في جنازة الشهيد يوسف الرمولي الذي شنقه المستوطنون في حافلته؟ انهم فعلا لا يعرفون هذا الشعب وجبروته وايمانه بقضيته، فقد ضللهم بعض المستسلمين من ابناء جلدته بتعاونهم امنيا مع الاحتلال، و”تشابهت عليهم البقر”.

***

هذا شعب جبار لا يسكت على الضيم، ولا يرهبه نتنياهو، فهذه ارضه، وهذه قدسه، وهذا زيتونه، وذاك بحره، وذاك هواءه، .. هذا شعب علم البشرية بأسرها معنى كلمة الانتفاضة وادخلها في قواميسها في مكانة لائقة جنبا الى جنب مع كل معاني الكرامة والعزة والاباء.

عملية اقتحام الكنيس الاسرائيلي هي رسالة قوية الى اكثر من جهة تقول كلماتها ان المستوطنين اليهود لن ينعموا بالامن والاستقرار طالما استمروا في احتلالهم واستيطانهم واستفزازاتهم، ومجازرهم وحصارهم.

فليذهب نتنياهو الى امريكا واوروبا ويحرض كيفما شاء ضد الشعب الفلسطيني، ويكرر اقواله حول الارهاب، ولتقف معه امريكا واوروبا، وتقدم له اكتافها للبكاء، وتفتح له خزائنها وترسانات اسلحتها، فكل هذا لن يغير من حقيقة كونه الارهابي الاول الذي قتل عملية السلام وعرض امن الغرب كله للخطر، وهيأ الميدان لصعود التطرف وقتل الاعتدال، وكون الشعب الفلسطيني الضحية وصاحب الحق الشرعي في الارض والمقاومة باشكالها كافة لاسترجاعها.

نصلي لله وندعو ان يهدي الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي ادان هذا الهجوم، وان لا يذهب لتقديم واجب العزاء لاهالي الحاخامات القتلى، كما فعل في مرات عديدة، فادانته وتعازيه لم تشفع له عند نتنياهو ومستوطنيه، وحملوه مسؤولية العملية والتحريض على امثالها.

المارد الفلسطيني “يتململ”، وبدأ يخرج من قمقم المهانة والذل، وسيحطم كل من يقف امامه، سلطة كان او احتلالا، او انظمة عربية متواطئة، وليس لديه ما يمكن ان يخسره، فهو شعب مؤمن بأنه المنتصر على اعدائه في نهاية المطاف طال الزمان او قصر، والايام بيننا.

اوباما يمهد من استراليا لتدخل بري واسع في العراق وسورية تحت “ذريعة” محاربة “الدولة الاسلامية” في حال سيطرتها على اسلحة نووية.. اين هذه الاسلحة؟ ومن غير اسرائيل يملكها؟ ولماذا هذا الشرط الآن؟

عبد الباري عطوان
من يعيش في الغرب، ويتابع اساليب الحكومات في التمهيد التدريجي، او تسويق مواقف سياسية وعسكرية معينة للرأي العام، يدرك جيدا ان الرئيس الامريكي باراك اوباما عندما يقول في مؤتمر صحافي عقده على هامش قمة العشرين الاقتصادية في مدينة بريزبين الاسترالية اليوم (الاحد) “لن نتردد في ارسال وحدات برية الى المنطقة في حال سيطرت قوات “الدولة الاسلامية” على سلاح نووي مثلا، لكننا نريد ان تتولى قوات الامن العراقية مهامها”، فإن هذا يعني، وللوهلة الاولى، ان القرار بإرسال قوات امريكية الى العراق وسورية ربما جرى اتخاذه مبكرا وينتظر الذريعة، واننا على ابواب مرحلة التنفيذ.
الرئيس اوباما ضاعف عدد القوات الامريكية البرية في العراق الى 3100 جندي، واكد قبل اسبوع ان العدد سيرتفع، وان قوات اخرى في الطريق، وبرر ارسال هذه القوات، قديمها وجديدها لتدريب الجيش العراقي واعادة تأهيله عسكريا حتى يتمكن من التصدي لقوات “الدولة الاسلامية”.

***

لا نعتقد ان تدريب القوات العراقية يحتاج الى هذا العدد الضخم من المدربين والمستشارين، الا اذا كان تعداد هذا الجيش سيصل الى الملايين من الضباط والجنود، ونرجح ان هناك خطة امريكية عراقية مشتركة، لعودة قوية للتدخل العسكري الامريكي في العراق وسورية، ولكن من “نافذة” محاربة “الدولة الاسلامية”، اي انها لن تكون قوات غازية وانما صديقة، ولكن ما هو الثمن الذي تنتظره واشنطن؟
ما يجعلنا نميل الى هذا الاعتقاد عدة مؤشرات على درجة كبيرة من الاهمية نلخصها في النقاط التالية:
ـ اولا: هناك اجماع في اوساط معظم المحللين العسكريين الامريكيين بأن القصف الجوي الامريكي لتجمعات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية لم يحقق الا القليل من النجاح في اضعافها والحد من قوتها، وانه لا بديل عن وجود قوات على الارض.
ـ ثانيا: توارد انباء كثيرة، ذات مصداقية، من مصادر غربية عن قيام “المستشارين” الامريكيين بمرافقة القوات العراقية في حربها لاستعادة مدن وبلدات في اقليم الانبار، وكذلك فك الحصار عن مدينة بيجي حيث توجد مصفاة النفط التي توفر ستين في المئة من احتياجات البلاد من المشتقات النفطية الضرورية مثل البنزين والمازوت.
ـ ثالثا: زيارة الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة اركان الجيوش الامريكية فجأة الى العراق، وتقدمه بعرض لاشراك قوات امريكية في المعارك التي قد تنطلق في الاماكن الخطرة (نينوى والحدود العراقية السورية) ضد تنظيم الدولة الاسلامية وهو العرض الذي قال السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي انه رفضه.
ـ رابعا: رفض معظم اعضاء التحالف من العرب، مثل المملكة العربية السعودية والاردن والامارات وقطر علاوة على تركيا ارسال قوات برية الى العراق وسورية، ورفض السيد العبادي في المقابل وجودها على ارض بلاده لانه يعتقد “ان العراق لا يحتاج الى اي قوات اجنبية برية، وان الجيش العراقي، مدعوما بالحشد الشعبي وابناء العشائر قادر على انجاز مهامه دون تدخل خارجي”.
تصريحات السيد العبادي حول رفض اي قوات ارضية امريكية ربما تأتي للتغطية على اتفاق جرى التوصل اليه فعلا اثناء زيارة الجنرال ديمبسي الخاطفة الى بغداد بأرسال المزيد من القوات الارضية الامريكية، لان نفيه لا معنى له عمليا، ويعكس تناقضا “غير مفهوم” فالقوات الامريكية الارضية موجودة فعلا وتتزايد، وهذا اولا، وثانيا لا نرى اي فرق بين قوات ارضية او جوية، فالاستعانة بقوات اجنبية قد تمت من حيث المبدأ والباقي تفاصيل.
نقطة اخرى لا يمكن تجاهلها وتتلخص في قول الرئيس اوباما انه لن يتردد في ارسال وحدات برية امريكية الى المنطقة اذا سيطرت “الدولة الاسلامية” على سلاح نووي، فأين يوجد هذا السلاح النووي حتى تسيطر عليه هذه الدولة؟ في العراق او سورية ام ايران؟
الدولة الوحيدة في المنطقة التي تملك اسلحة نووية هي اسرائيل فهل تملك “الدولة الاسلامية” وقواتها القدرة في الوقت الراهن للوصول الى مفاعل ديمونا، او مخازن الرؤوس النووية الاسرائيلية والاستيلاء عليها وكيف؟
***
لا بد ان هناك “طبخة” امريكية يجري اعدادها للمنطقة بأسرها، عنوانها عودة القوات الامريكية الى العراق، ولكن تحت ذريعة حماية المنطقة من خطر “الدولة الاسلامية”، وترددت انباء في اكثر من عاصمة غربية، ان هناك خطة مطروحة فعلا لارسال ثمانين الف جندي، اي نصف عدد القوات التي احتلت العراق عام 2003.
وربما لم يكن من قبيل الصدفة اقدام “الدولة الاسلامية” على اعدام الجندي الامريكي السابق الذي كان رهينة لديها (بيتر كاسيغ) امام الكاميرات في منطقة “دابق” وقول متحدث بإسمها انه “اول صليبي” يدفن فيها، وانها تنتظر (اي الدولة) بلهفة باقي الجنود الامريكيين لدفنهم في المنطقة نفسها.
الرئيس باراك اوباما قال في حديث لمحطة تلفزيونية امريكية ان بلاده ستنتقل الى مرحلة الهجوم في حربها ضد “الدولة الاسلامية”؟ فهل حمل الجنرال ديمبسي هذه الخطة الهجومية وتفاصيلها الى نظرائه العراقيين؟ وهل نحن امام احتلال امريكي جديد للعراق وربما سورية ايضا؟ وهل ستكرر امريكا الاخطاء نفسها ام ستتعلم منها في المرة المقبلة؟
احتمالات غرق امريكا في المستنقع الدموي العراقي السوري مرة اخرى، وبعد ثلاث سنوات من انسحابها، كبيرة، بل كبيرة جدا، وسيكون تدخلها مكلفا لها ولأهل المنطقة، قلنا هذا اثناء غزو عام 2003 ونكرره الآن دون تردد، والايام والاشهر المقبلة حبلى بالمفاجآت.

ماذا بعد ترحيب القرضاوي بمبادرة رفسنجاني وهل الاخير وحده مطالب بترجمة الاقوال الى افعال؟ وما هي الخطوة القادمة لوأد الفتنة الطائفية؟

عبد الباري عطوان

بعد ما يقرب من الخمسة الايام على التصريحات التي اطلقها الشيخ هاشمي رفسنجاني رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام والرئيس الايراني الاسبق وانتقد فيها بشدة شتم بعض الشيعة لصحابة الرسول محمد عليه السلام، والاحتفال باغتيال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اصدر الشيخ يوسف القرضاوي بيانا ظهر السبت رحب فيه بالتصريحات هذه التي وصفها بأنها “مفاجئة” و”متأخرة”، وقال “اننا نشكره على هذا الموقف الشجاع″.

ترحيب الشيخ القرضاوي، وهو على حد علمنا الوحيد من العلماء الكبار، الذي اقدم على هذه المبادرة، واصدر هذا البيان بإسمه واسم هيئة كبار علماء المسلمين الذي يرأسه، خطوة جيدة على طريق طويل لمواجهة الفتنة الطائفية التي تستشري حاليا وتتصاعد في منطقة الشرق الاوسط بسبب اعمال التحريض المذهبي التي يقدم دعاة ورجال دين على طرفي المعادلة السنية والشيعية.

الشيخ القرضاوي دعا الشيخ رفسنجاني الى ترجمة اقواله الى افعال، وقدم له لائحة طويلة من المطالب نختصرها في عدم اقامة مساجد للسنة في طهران، وتعظيم مكانة ابو لؤلؤة الفارسي المجوسي قاتل امير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومساندة النظام الغارق في دماء السوريين، وقتل السنة على الهوية في العراق.

مطالب الشيخ القرضاوي مشروعة، ولكن للطرف الآخر مطالب ايضا، لا تقل في اهميتها عن مطالبه، لا بد من الاستماع اليها في حوار جدي، وصدور واسعة، ووأد هذه الفتنة قبل ان تهلك الامة بأسرها، فاذا كان الشيخ القرضاوي يطالب نظيره رفسنجاني بترجمة الاقوال الى افعال فإنه وباقي العلماء السنة مطالبين بالشيء نفسه وربما ما هو اكثر.

***

نعم يجب عدم الاحتفال بأبو لؤلوة المجوسي وتحويل قبره الى مزار، ويوم اغتياله للخليفة الثاني عمر يوم احتفال، فهذا رجل قاتل، واعتدى على رجل كان مثالا في العدل والتفاني في خدمة العقيدة، عاش صارما في تقشفه، ووهب حياته لنشر الاسلام وتوسيع رقعته، وابو لؤلؤة هذا لم يقتله في قصره الفاره بثرياته الباذخة ووسط حريمه، وانما في مسجد وهو يصلي صلاة الفجر ويعود له الفضل، بعد الله ورسوله، في ايصال الهداية الى قلوب الملايين من اهل بلاد فارس، ونقول نعم ايضا لمطلب بناء مساجد للسنة في طهران، ووقف القتل على الهوية في العراق، وعدم مساندة النظام في سورية، ولكن اليس من حق الطرف الآخر ان يذكر الشيخ القرضاوي والكثير من اهل السنة والجماعة بالسيارات المفخخة والعمليات الانتحارية التي قتلت الآلاف من اهل العراق ايضا؟ وان يلفت الانظار الى فتاوى الشيخ القرضاوي نفسه التي حرضت عشرات الآلاف من الجهاديين للذهاب الى القتال في سورية مرفوقين بأطنان الاسلحة ومليارات الدولارات؟

المنطقة ابتليت بحكام يغيرون جلودهم وفق الاملاءات الامريكية عليهم، فهم يصبحون طائفيين يلعبون بالورقة الطائفية القاتلة، ويفتحون القنوات الفضائية المتخصصة في السب والشتائم للآخر اذا ارادوا ذلك، ويتحولون الى علمانيين اذا شعروا بخطر هذه السياسات، السيد احمدي نجاد الرئيس الايراني السابق يحل ضيفا عزيزا على عدة عواصم عربية، ويقف جنبا الى جنب مع الملوك والامراء والرؤساء، ويتحول الى شيطان رجيم و”مجوسي رافض” اذا تدهورت العلاقات مع حكومته ولاسباب امريكية ايضا في معظم الاحيان.

الم يعتذر الشيخ القرضاوي لنظرائه العلماء السعوديين لانه انخرط في حوار من اجل التقريب بين المذاهب، والشيعي والسني على وجه الخصوص، في ذروة الحرب الاهلية في سورية، لانه صدق نوايا العلماء الشيعة في فتح صفحة جديدة توحد الامة في خندق واحد ضد اعدائها.

لا نريد ان ننكأ الجراح، ونفتح الملفات، فالطرفان وقعا في اخطاء قاتلة، ونصر على ان الخلاف سياسي في شقه الاكبر، ويجري توظيفه طائفيا من قبل اطراف اقليمية بتحريض خارجي لا يريد للامة الاسلامية غير التناخر والاقتتال.

***

نعم.. نريد افعالا لا اقوالا.. مثلما نريد ترجمة عملية لكل النوايا الطيبة وتفهما وتفاهما متبادلين، وعندما نقول ان جوهر عقيدتنا التسامح، واننا امه وسط، فهنا يأتي دور العلماء لاثبات هذه المسلمات والبديهيات.

التحريض الطائفي بلغ ذروته طوال السنوات العشر الماضية وفي المملكة العربية السعودية خصوصا، وعندما وصلت نتائجه الدموية الى العمق السعودي من خلال هجمة لمتشددين على حسينية في الاحساء فجأة تحول الشيعة الى اخوة، وذهب عليّه القوم للمشاركة في جنازات الضحايا وتقديم التعازي لذويهم، وسط مهرجان اعلامي غير مسبوق، وشدد علماء كانوا رموزا للتحريض الطائفي على اهمية الوحدة الوطنية والتعايش بين المذاهب على قدم المساواة، ودون اي تمييز.

الذين يُذبحون بمئات الآلاف في الحرب في سورية والعراق واليمن، سواء بسبب الحرب الاهلية والصراع على السلطة تحت رايات مذهبية هم من العرب والمسلمين، والعشرة ملايين مشرد هم كذلك ايضا، والحقيقة التي يتفق عليها الجميع انه لن يكون هناك منتصرا في هذه الحرب، فلماذا لا نبحث عن بدائل اخرى للقتل والدمار؟

الشيخ رفسنجاني تقدم بمبادرة، والعلامة القرضاوي رحب بها، وهذه ارضية جيدة للتلاقي يجب البناء عليها للوصول الى مستقبل افضل يتم فيه حقن الدماء، والتوصل الى مصالحة تطوي صفحة الماضي، وتؤسس لعلاقة قائمة على الاحترام المتبادل والتعايش المشترك، فهل يفعلها الرجلان؟ نأمل ذلك، وفي اسرع وقت ممكن.

قراءة “سريعة” في الخطاب الثاني لابو بكر البغدادي: السعودية هي الهدف الاكبر.. وتحريض صريح لقتل الشيعة.. والفرحة باغتياله لم تعمر طويلا

فاجأ السيد ابو بكر البغدادي زعيم تنظيم “الدولة الاسلامية” الملايين من انصاره ومتابعيه، علاوة على اجهزة الاستخبارات العالمية التي تقتفي اثره، بظهوره في شريط “صوتي” حمل عنوان “ولو كره الكافرون” وأد من خلاله كل التقارير الاخبارية التي سربتها الحكومة العراقية في بغداد التي تحدثت عن مقتله او اصابته في غارة جوية.
توقيت هذا الظهور جاء سريعا، بل اسرع مما توقعه الكثيرون، ووضع النقاط على الحروف ليس حول الاشاعات عن مقتله، وانما حول استراتيجية “الدولة الاسلامية”، ومنظورها وخطط عملها في الاشهر والسنوات المقبلة، الامر الذي يذكر بأشرطة الشيخ اسامة بن لادن زعيم “تنظيم القاعدة” الصوتية والمرئية التي كان يصدرها بين الحين والآخر، وتتضمن توجيهاته الى انصاره.
كان لافتا ان زعيم “الدولة الاسلامية” اصدر شريطا “صوتيا” وليس “مرئيا” وربما عمد الى ذلك لاسباب امنية محضة، لان الشريط المرئي ربما يخضع لتحليل الخبراء لمعرفة مكان التصوير والاجهزة المستخدمة، وعلينا ان نتذكر ان السيد البغدادي، مثله مثل الشيخ بن لادن، يتجنب اي استخدام لاجهزة الاتصال، والالكترونيات الاخرى، مثل “الحاسوب” وغيرها، ويعتمد على الرسائل الشفوية او المكتوبة التي يحملها مبعوثوه الى اتباعه في ميادين القتال او غيرها، حتى لا يتم رصدها من قبل المخابرات الامريكية والغربية التي تحوم طائرات تجسسها وجواسيسها في اجواء المنطقة ليل نهار بحثا عن معلومة او حتى همسة ربما تفيدهم في رصد مكانه والوصول اليه.
***
اربع نقاط اساسية يمكن استخلاصها من هذه الرسالة التي استغرقت 17 دقيقة وبثتها معظم المواقع الجهادية التي تنشر بيانات الدولة وادبياتها:
ـ اولا: التأكيد على ان “الدولة الاسلامية” ستتمدد الى بلاد الحرمين (السعودية) واليمن وليبيا ومصر والجزائر ولن تتوقف مطلقا، وان جنودها لن يتركوا القتال وسيستمر زحفهم الى روما حتى لو بقي منهم جندي واحد، ولا نعرف لماذ “روما” وليس فيينا او عواصم غربية اخرى، وقد تكررت العاصمة الايطالية دون غيرها في ادبيات التنظيم.
ـ ثانيا: ركز السيد البغدادي هجومه على المملكة العربية السعودية بصورة لافتة، اكثر من الدول الاخرى، واعتبرها “رأس الافعى ومعقل الداء” بحسب قوله، الامر الذي يوضح اسباب حالة الاستنفار التي اعلنتها السلطات السعودية تحسبا لاقتحامها، وحشد اكثر من ثلاثين الف جندي بكامل عتادهم العسكري على الحدود الشمالية المحاذية للعراق (رفحة وعرعر).
ـ ثالثا: حدد زعيم التنظيم اولوياته على قتل من اسماهم بالمشركين في “جزيرة” النبي محمد “صلعم”، وقال “ان لا مكان لهم فيها”، وحرض على قتل الشيعة بقوله “عليكم اولا بالرافضة (في اشارة اليهم) حيثما وجدتموهم”، مثلما حرض على “الاسرة الحاكمة في السعودية وجنودهم من الصليبيين” على حد وصفه، وقال “مزقوهم اربا، نغصوا عليهم عيشهم، وعما قريب ان شاء الله تصلكم طلائع الدولة الاسلامية”.
ـ رابعا: اعلان قبول “بيعة” كل من بايعو “الدولة الاسلامية”، وتأكيد عزمه على اعلان قيام “ولايات جديدة” وتعيين ولاة عليها وجب لهم السمع والطاعة، وهذه اشارة الى انصار بيت المقدس (مصر)، وانصار الشريعة في درنة (ليبيا)، وجماعات اخرى متشددة في الجزائر وباكستان وسورية.
***
انه بيان حرب يحدد الاولويات، ويتوعد الاعداء، ويهدف الى رفع معنويات المقاتلين في الجبهات المتعددة من خلال التأكيد على فشل خطط التحالف الذي يقصف مواقع الدولة وتجمعاتها في سورية والعراق.
تنبؤ السيد البغدادي بنزول قوات التحالف الى الارض ومقاتلة قوات الدولة بريا ينطوي على الكثير من الصحة، والقراءة الصحيحة للخطوات المستقبلية، فمعظم المحللين العسكريين الامريكيين يؤكدون ان القصف الجوي لا يمكن ان يحسم الا هذه الحرب من “البساطير” على الارض، وهذا ما يفسر مضاعفة الرئيس باراك اوباما لاعداد قواته على ارض العراق، وبلوغها 3100 جندي، واستعداده لارسال قوات اخرى بذريعة تدريب قوات الجيش العراقي وتأهيلها للتصدي لقوات الدولة ومنع تمددها.
الحرب البرية اذا اشتعلت تعني سقوط قتلى وجرحى من الجانبين المتحاربين، والقوات الامريكية اذا ما شاركت لن تكون استثناء، وهنا تكمن نقطة ضعف الرئيس الامريكي وجنرالاته.
الاستراتيجية الامريكية المتعلقة بالحرب ضد الدولة تتخبط وتتسم بالارتباك، ويتضح ذلك بجلاء ليس فقط من خلال عدم تحقيق القصف الجوي الذي بدأ قبل شهرين اي نتائج ملموسة، وانما من خلال “ضبابيتها” ايضا، فبلامس اكد الرئيس اوباما ان القضاء على “الدولة الاسلامية” وخطرها لا يمكن ان يتحقق الا بعد القضاء على نظام الرئيس بشار الاسد نقطة الجذب الاساسية للارهابيين على حد وصف مقربين منه لـ “سي ان ان” الامريكية، وهذا يتناقض كليا مع خططه السابقة في اعطاء الاولوية للقضاء على “الدولة الاسلامية”، ويبدو انه بدأ يخضع لضغوط حلفائه في السعودية وتركيا.
خطاب السيد البغدادي الذي يعتبر الاول منذ اعتلائه منبر الجامع النوري الكبير في الموصل بعد الاستيلاء عليها في حزيران (يونيو) الماضي والقاء خطبة الجمعة التي اعلن فيها الخلافة، يجب اخذه وكل ما ورد فيه، بكل الجدية لانه يحدد ملامح “مستقبل دموي” للمنطقة بأسرها قد يغير الكثير من معادلات القوة فيها، وربما حدودها ايضا، والاهم من كل ذلك، ان فرحة البعض بموته لم تتحقق، ولم تعمر طويلا، فالرجل “باق”، ويتوعد بـ تمدد” دولته، الامر الذي سيصيب كثيرين بالقلق والخوف والرعب ويدفعهم للتكتل ضده.

الازمة السورية امام “تحول” جذري.. ومعاذ الخطيب قد يكون رجل المرحلة المقبلة.. وتحالف مصري روسي يبلور حل سياسي “مختلف”.. واحتمال تزايد عملية تهميش المثلث السعودي التركي القطري

اعتقدنا ان مجموعة العمل المنبثقة عن دول اصدقاء سورية التي تضم 11 دولة من بينها خمس دول عربية هي مصر والسعودية والامارات وقطر والاردن قد “انقرضت” وطواها النسيان، بعد ان تغيرت الاولويات، واصبحت “الدولة الاسلامية” وجبهات اسلامية متشددة مقاتلة مثل “النصرة” و”احرار الشام” هي محور الاهتمام الرئيسي والاولوية التي دفعت بالنظام في دمشق الى المقاعد الخلفية، ولكن كم مخطئين في اعتقادنا هذا، فقد استضافت لندن اجتماعا لهذه المجموعة قبل يومين على “مستوى السفراء” لم يسمع به احد، ونعتقد ان الاجتماع المقبل، اذا قدر له الانعقاد سيكون على مستوى القناصل او ربما “بوابي” سفارات الدول المعنية.
الائتلاف الوطني السوري الذي بات يلفظ انفاسه، بعد تراجع الاعتراف به، ليس فقط من الولايات المتحدة وبعض الدول العربية الراعية له، وانما من قطاعات عريضة من الشعب السوري ايضا، بعد ان فشلت كل استغاثات قيادته للحصول على اسلحة تمكنه من الحفاظ على مناطق يسيطر عليها، واستعادة ما تبقى من “هيبته” ومكانته بالتالي.
***
خريطة المعارضة السورية المسلحة تتغير بسرعة لصالح التنظيمات الاسلامية المتشددة التي باتت هدفا للغارات الجوية الامريكية، فقد تضخمت صفوفها بالمقاتلين الجدد الى جانب بعض المنشقين عن الجيش الحر وفصائل اخرى “معتدلة” متحالفة معه، وقوى اخرى جديدة ادركت ان الحل السياسي هو المخرج الوحيد من الازمة الحالية، وابدت استعدادا للحوار مع النظام للوصول اليه، والقتال الى جانبه ضد “الدولة الاسلامية” على وجه الخصوص.
من تابع المقال الذي كتبه السيد احمد معاذ الخطيب على موقعه على “الفيسبوك” بعد عودته من موسكو التي زارها على رأس وفد ضم شخصيات سياسية وعسكرية وحمل عنوان (هل ستشرق الشمس من موسكو)، يدرك ان جسما جديدا بدأ يتكون لمعارضة سورية جديدة، ومختلفة تستعد لاخذ مكان الجيش الحر.
السيد الخطيب قال انه مستعد للجلوس مع النظام لايجاد حل للازمة السورية بعد اربع سنوات من المراوحة في المكان نفسه، واكد ان التحضيرات جارية لعقد مؤتمر للحوار بين النظام والمعارضة تحت اسم “جنيف 3″، واكد ان التفاوض السياسي هو الانجح والاقل خسائر”، وقال “اعترف بخطئي لانني اعتقدت ان هناك دولة يمكن ان تنقذ بلدنا”.
اللافت هنا ان التيار الجديد الذي يجعل من موسكو قبلة له، سيكون نقيضا او بديلا للائتلاف الحر والدول العربية الداعمة له مثل المملكة العربية السعودية وقطر والامارات الى جانب تركيا، مما يعني تراجع دور هذه الدول بشكل كبير في الملف السوري في الاشهر او السنوات المقبلة.
ظهور “الدولة الاسلامية” بالقوة التي نراها، ومثلما اعترف ستيفان دي مستورا المبعوث الاممي الجديد لسورية، بدأ يغير معظم المعادلات السياسية والعسكرية على الارض، ويفرض قوى جديدة، ومفاهيم جديدة، بل واسلوب عمل جديد يتمحور حول بقاء النظام السوري في اطار حل سياسي متطور بالقياس الى نظيره الذي كان مطروحا في مؤتمر جنيف.
فالمبعوث الدولي الجديد بدأ مهمته بطرح مبادرة لـ”تجميد” القتال في مدينة حلب لمنع سقوطها في يد “الدولة الاسلامية”، وهذا اعتراف ضمني بتعاون دولي مع القيادة السورية، ولا نعتقد ان المستر دي مستورا يمكن ان يطرح هذه الفكرة دون التنسيق، وبالتالي موافقة، كل من واشنطن وموسكو، وهذا ما يفسر موافقة القيادة السورية على دراسته بشكل ايجابي.
دخول مصر على خط الملف السوري كشريك لموسكو في الدعوة لمؤتمر سياسي على غرار مؤتمر جنيف يضم المعارضة او اطراف فيها والنظام يعني سحب البساط من تحت اقدام المثلث السعودي القطري التركي الذي كان يهيمن على هذه الملف.
الانباء المتسربة عن الاتصالات المصرية الروسية في هذا الخصوص التي يجريها وزيرا خارجية البلدين مع اطراف سورية عديدة تفيد بأن التيار السوري المعارض الجديد قد يكون برئاسة السيد معاذ الخطيب ومشاركة كل من تيار قدري جميل والسيد صالح مسلم زعيم حزب الاتحاد الكردي السوري، وشخصيات انشقت على الائتلاف سياسية وعسكرية.
***
ملامح التسوية المطروحة ما زالت غامضة، ولكن الخطوط العريضة التي يدور حولها الحديث يمكن اختصارها في اقامة حكومة انتقالية بصلاحيات جدية لمحاربة “الدولة الاسلامية” على الارض مع بقاء الرئيس بشار الاسد في السلطة مع استمرار سيطرته على اجهزة الامن والجيش الى ان يتم بعد ذلك اختيار او انتخاب لجنة لتعديل الدستور الحالي، ثم اجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ويكون للرئيس السوري الحق في خوض الاخيرة.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن فرص نجاح هذه الصيغة الجديدة، ومدى قبول الاطراف السورية والاقليمية الاخرى لها؟
لا نعتقد ان موسكو ومصر يمكن ان تتقدما بهذا الطرح دون مباركة امريكية خاصة اذا تم التوصل الى اتفاق امريكي ايراني حول الملف النووي لايران قبل المهلة الاخيرة المحددة بيوم 24 تشرين الثاني (نوفمير) الحالي، وهو الاتفاق الذي سيؤدي الى رفع الحظر والعقوبات عن ايران وفتح صفحة جديدة في العلاقات الامريكية الايرانية.
نظريا تبدو الامور على الورق براقة، وفرص النجاح للتصورات الجديدة معقولة، ولكن، ونصر على كلمة لكن، هناك اطراف اخرى يمكن ان تفسد الطبخة نكاية وانتقاما من عمليات تهميشها، ولا ننسى ان تحالفا جديدا ينشأ ويتبلور حاليا لاخطر ثلاث تنظيمات اسلامية متشددة وهي “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” وحركة “احرار الشام” لا يمكن تجاهله في هذا الاطار.

تصريحات رفسنجاني الرافضة لسب الصحابة والاحتفال بمقتل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لماذا جاءت الآن.. وما هي دوافعها.. وكيف نرد عليها؟

انتقد الشيخ هاشمي رفسنجاني رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام في ايران، والرئيس الاسبق شتم الصحابة والاحتفال بمقتل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، رضوان الله عليهم، وقال ان هذه التصرفات غير المسؤولة ادت الى ظهور الجماعات المتشددة مثل تنظيم “القاعدة” و”الدولة الاسلامية”.
الشيخ رفسنجاني معروف باعتداله، بل ومعارضته للنظام الحالي في طهران، واقدامه على اتخاذ موقف كهذا، وعلى هذه الدرجة من القوة والشجاعة، يحسب له، ويجب ان يقابل من الطرف الآخر، اي علماء اهل السنة بخطوات مماثلة، تضع حدا لانزلاق العالم الاسلامي الى حروب اهلية طائفية يسعى من اجلها الغرب بزعامة الولايات المتحدة الامريكية لتدمير العالم الاسلامي وتفتيته حتى لا تقوم له قائمة مطلقا.
فمنطقتنا لم تشهد في تاريخها الحديث هذه الموجة من التحريض الطائفي البغيض في الجانبين الشيعي والسني، مما اوصلنا الى حالة الانقسام الحالية، والاستعانة بالاجنبي، واهدار ثرواتنا في حروب عبثية، وصفقات اسلحة لا تستخدم ضد الاعداء وانما لقتل بعضنا البعض.
وقد يجادل البعض ان السيد رفسنجاني الذي يقيم علاقات جيدة مع العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز يصدر مثل هذه التصريحات في وقت تقف المملكة على حافة هاوية “فتنة” تجسدت في عملية الهجوم على حسينية لابناء الطائفة الشيعية في منطقة الاحساء يوم الاحتفال بذكرى عاشوراء، ادت الى مقتل ما يقرب من عشرة اشخاص وبهدف التهدئة، ولما لا، ولكن هذا لا يجب ان يقلل من اهمية هذه التصريحات، وصاحبها، في التقريب بين المذاهب، ووأد الفتنة، وتجنيب المنطقة ما يمكن ان يترتب عليها من صدامات دموية، وعلينا ان نتذكر انه سيواجه حمله شعواء من قبل المتشددين من اهل مذهبه بسبب موقفه هذا ايا كان هدفه، فنحن نحكم على الظواهر، والله اعلم بالبواطن.

***

السلطة السعودية، وبعد هجوم الاحساء، ادركت خطورة هذه الفتنة الطائفية، وبادرت، ان متأخرة، في اغلاق بعض المحطات المرئية المتخصصة في التحريض الطائفي، مثل قناة “وصال”، ولكن هناك قنوات اخرى اطلقتها، ومولتها، وما زالت تبث افكارها، وسمومها المذهبية يجب اغلاقها فورا.
نعم.. هناك قنوات طائفية ايرانية التمويل لا تقل تحريضا ضد ابناء الطائفة السنية، ويقدم بعض شيوخها خطابا طائفيا ساما، موغلا في تطرفه وعدائه المذهبي، يتطاول على الخلفاء والصحابة، وعلى السيدة عائشة وامهات المؤمنين كرم الله وجوههم جميعا، وهذه القنوات ما كان لها ان تؤسس وبأموال ايرانية ايضا، ويجب ان تبادر الحكومة الايرانية الى اغلاقها فورا، واذا كانت حريصة فعلا على الحوار وروابط الاخوة الاسلامية.
خلاف بعض الحكومات العربية مع ايران سياسي وليس مذهبيا، اساسه الخوف من تصاعد قوتها، ولجأت هذه الحكومات الى التحريض الطائفي البغيض لتعبئة مواطنيها في خندقها وفتحت قنوات الفتنة على مصراعيها امام بعض الدعاة لبث افكارهم وفتاواهم، ونبش كتب الفتنة لدعم حججهم وفتاواهم في هذا الاطار، وعندما بدأ سحرها ينفلب عليها، ووصلت نيران الفتنة الطائفية الى عمقها، وهددت امنها الداخلي بدأت تتراجع وتتحدث عن التسامح والتعايش بين الطوائف.
ليس هناك من يحب آل البيت اكثر من أهل السنة والجماعة، وليس هناك من يحب سيدنا عمر بن الخطاب اكثر من سيدنا علي بن ابي طالب واهل بيته، والا لما زوجه احدى بناته الفاضلات، ومن ينكر هذه الحقيقة جاحد طائفي لا يريد للمسلمين غير الانقسام والاقتتال والفتنة، ومن يسب سيدنا عمر يسب آل البيت الكرام.
لم نسمع عن “شيعية” ايران عندما كان الشاه محمد رضا بهلوي يحكمها ويقيم اوثق العلاقات مع اسرائيل، وتزوده امريكا بأحدث الطائرات والمعدات العسكرية حتى يكون حارسا امينا على مصالحها في منطقة الخليج العربي، ولم نشاهد محطات تلفزة سنية تهاجم الشيعة، او شيعية تهاجم السنة وتتطاول على الخلفاء والصحابة كرم الله وجههم جميعا، فلماذا الآن؟ والى متى يستمر هذا التحريض وبذر بذور العداء؟
ايران قوية، وطورت ترسانة عسكرية حديثة، وبنت مفاعلات نووية، وهذا حقها، واذا اراد البعض محاربتها لدرء خطرها، فعليه تحقيق التوازن الاستراتيجي معها اولا من خلال بناء قوة عسكرية تقليدية ونووية متقدمة، فلا ينقص العرب المال او الرجال، وعلينا ان نتذكر جيدا ان العربي الوحيد الذي حقق هذه المعادلة قتله العرب وتآمروا مع الولايات المتحدة علة تدميره ومشروعه واحتلال بلده.
نتحاور مع الاسرائيليين واليهود ونعرض عليهم مبادرة سلام نتنازل فيها عن معظم فلسطين، ونؤسس معاهد وهيئات ومجالس للانفتاح على الاديان الاخرى، وننفق مئات الملايين من الدولارات في هذا الاطار، ونعقد المؤتمرات في لندن وباريس ونيويورك، ونصافح شمعون بيريس الرئيس الاسرائيلي لنظهر حضاريتنا وتسامحنا مع الآخر، ونرفض الحوار مع المذاهب الاسلامية الاخرى ونحرض ضدها ليل نهار، بل ويعتبر بعضنا جماعات اسلامية سنيّة، متطرفة كانت او معتدلة خطرا كبيرا يجب اجتثاثه والاستعانة بأمريكا لمحاربته، ارجوكم قولوا لنا ماذا تريدون؟
***
تقف المنطقة في الوقت الراهن على ابواب كارثة طائفية قد تؤدي، اذا ما انفجرت، الى اغراقها في بحور من الدماء، وكان يجب التبصر بمخاطرها مبكرا، وقبل الهجوم على حسينية الاحساء بكثير، وما زال من الممكن تطويقها، اذا صلحت نوايا الطرفين، السني والشيعي معا.
الايرانيون يتفاوضون مع امريكا التي كانت حتى الامس القريب الشيطان الاكبر، فلماذا لا يتفاوضون مع العرب ابناء العقيدة الواحدة؟ وبعض دول الخليج تقيم تحالفات سرية مع اسرائيل، وتدعم حربها ضد المسلمين السنّة في قطاع غزة، ويهيئونها كحليف مستقبلي لهم ضد ايران المسلمة، فلماذا لا يحلون خلافاتهم مع ايران من خلال الحوار، فهل هم اكثر قوة من الولايات المتحدة الامريكية؟
ربما يبدو كلامنا “مثاليا” وغير و”غير واقعي” في نظر البعض، فما هو البديل لدى هؤلاء، اعلان الحرب على ايران؟ فليتفضلوا او يصمتوا، اليست اسرائيل هي التي تقسّم المسجد الاقصى وتحتل مدينة القدس والارض الفلسطينية وتشن الحروب ضد هذه الامة وتذل شعوبها؟
من المؤسف ان العقلاء تراجعوا لمصلحة تقدم رموز الفتنة وقارعي طبول الحرب، ولكن ضد العدو الخطأ، وفي الوقت الخطأ، وليتصالحوا مع شعوبهم اولا، ويقوون جبهتهم الداخلية، من خلال اقامة الحكم العادل، وتحقيق المساواة، ثم بعد ذلك يحلّون مشاكلهم مع جيرانهم ابناء جلدتهم، ويوقفون حروبهم الاعلامية ضد بعضهم البعض، وبعد تحقيق كل هذا لكل حادث حديث.

امريكا تعيد احتلال العراق من “نافذة الدولة الاسلامية” وبدعوة من حكومته.. وعدد قواتها يتضاعف يوما يعد يوم.. فهل تنجح هذه المرة فيما فشلت فيه في المرة السابقة؟

تعيد الولايات المتحدة احتلالها للعراق مرة ثانية تحت عنوان تأهيل القوات العراقية وتدريبها لمواجهة “الدولة الاسلامية”، ولكنه احتلال سيتم هذه المرة بموافقة الحكومة العراقية والحاحها.
وزارة الدفاع الامريكية “البنتاغون” اعلنت يوم الجمعة الماضي انها ستضاعف عدد عسكرييها في العراق بإرسالها 1500 مستشار عسكري اضافي لتدريب ومساعدة القوات العراقية بما فيها قوات البشمرغة الكردية في حربها ضد “الدولة الاسلامية” في اطار استراتيجية الولايات المتحدة في “دعم الشركاء في عين المكان”.
السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الجديد الذي رفض وجود اي قوات عربية او اسلامية على ارض العراق لقتال “الدولة الاسلامية” الى جانب القوات العراقية رحب بشدة بهذه الخطوة الامريكية التي قالت الادارة الامريكية انها ترسل هذه القوات بناء على طلبه.
الرئيس اوباما قال في تصريحات ادلى بها السبت ان هذه القوات لن تشارك في القتال بل ستركز على تدريب المجندين العراقيين وعدد من العشائر السنية التي تقاتل “الدولة الاسلامية”، ولكن ارسال هذه القوات الامريكية الى محافظة الانبار بالذات يكذب هذه الاقوال ويؤكد انها ستذهب الى هذه المنطقة للقتال وادارة المعارك، والا لماذا لا تتم عمليات التدريب هذه في محافظات اخرى في الجنوب مثلا؟
هذه القوات الامريكية التي تتضاعف اعدادها يوما بعد يوم (وصلت حتى الآن الى 3100 “خبير” عسكري وجندي) هي قوات احتلال وليست قوات تدريب، ومن يقول غير ذلك يغالط نفسه، قبل ان يغالط الآخرين، خاصة عندما تأتي هذه بناء على طلب حكومة عراقية “تباهت” بأنها حررت العراق وانهت الاحتلال الامريكي ورفضت بقاء جندي واحد على ارض العراق، عندما رفضت منح الحصانة لاي قوات امريكية تبقى بعد الانسحاب الشامل.
لا نعتقد ان حكومة السيد العبادي، التي من المفترض ان تكون دائرة تمثيلها للعراقيين اوسع من حكومة السيد نوري المالكي، ستجد التأييد من قطاعات عريضة من الشعب العراقي من ابناء الطائفتين الشيعية والسنية لخطوتها هذه بإستدعاء قوات امريكية لاعادة احتلال العراق، وانتهاك سيادته الوطنية، تحت ذريعة محاربة “الدولة الاسلامية”.
وجود هذه القوات الامريكية على ارض العراق سيكون عامل توتر، وتكريس للطائفية في العراق، وسيصب في مصلحة “الدولة الاسلامية”، واضفاء طابع وطني على وجودها وحروبها، وغير وطني بل و”عمالة” على من استدعوها لحمايتهم منها، فالشعب العراقي، بل معظمه، لا يمكن ان ينسى ان معظم ازمات بلاده الحالية، وتحويلها الى دولة فاشلة، تمزقها الصراعات الطائفية، جاءت بسبب الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003، بل ان “الدولة الاسلامية” نمت وترعرعت، واشتد عودها لان هذا الاحتلال ومجازره وفر لها البيئة الحاضنة والمناخ الملائم.
الاحتلال الامريكي هو الذي حلّ الجيش العراقي وقوات الامن، ومارس كل انواع الاذلال ضدهم، وقذف بهم الى الشارع استجابة لنصائح حلفائه الذين قدموا على ظهور دباباته، وها هم يعودون مقاتلين شرسين تحت مظلة “الدولة الاسلامية” متعطشين للانتقام والثأر.
الحاكم الامريكي بول بريمر الذي اتخذ قرار حل الجيش العراقي، وانشاء الجيش الجديد الذي فر ثلاثون الفا من قواته من الموصل بملابس مدنية ولم يطلقوا رصاصة واحدة ضد “الدولة الاسلامية” وقواتها الزاحفة الى المدينة، والآن يقولون انهم جاءوا لاعادة تأهيل هذا الجيش مرة اخرى، وتدريب “صحوات” عشائرية جديدة.
الظرف الذي سمح بقيام قوات “الصحوات” التي اسسها الجنرال الامريكي ديفيد بترايوس وبلغ تعدادها ثمانين الفا عام 2006 للتصدي لمقاتلي تنظيم “القاعدة” هذا الزمن تغير، كما ان “العدو” تغير ايضا، فـ”الدولة الاسلامية” ليست “القاعدة”، ومعظم مقاتليها من ابناء العراق، والاهم من هذا كله، ان غالبية العراقيين، خاصة من مقاتلي قوات “الصحوات” لا يثقون مطلقا بالامريكيين الذين خذلوهم، وتخلوا عنهم، مثلما لا يثقون بالحكومة العراقية التي رفضت استيعابهم في الجيش والاجهزة الامنية من منطلقات طائفية بحتة.
لا نعرف كم مرة ستدرب الولايات المتحدة الامريكية الجيش العراقي، وكم مرة ستعيد تأهيله، وكم ستنهب من الخزينة العراقية مقابل ذلك، فقد امتصت اكثر من خمسة وعشرين مليار دولار من عرق الشعب العراقي من اجل هذه المهمة على مدى عشر سنوات، فما الذي تغير الآن، ولماذا تنجح هذه المرة حيث فشلت في المرة او المرات السابقة؟
فاذا كان هذا الجيش الذي يزيد تعداده عن نصف مليون ضابط وجندي، علاوة على مثل هذا الرقم من القوات الامنية، ومسلح تسليحا جيدا بأحدث المعدات الامريكية، فشل في هزيمة “الدولة الاسلامية” ومنع استيلائها على نصف العرق تقريبا وفي ايام معدودة، فإن كل محاولات “الترقيع″ الجديدة التي تشرف عليها امريكا ومستشاريها سيكون مآلها الفشل.
ما لا تدركه امريكا وحلفاؤها العراقيين، الجدد والقدامى، ان مشكلة الجيش العراقي ليست في التدريب ولا المعدات، وانما في غياب “العقيدة” القتالية الوطنية الجامعة التي توحد العراقيين جميعا تحت مظلتها، وتدفعهم الى الموت دفعا من اجلها.
الطائرات الامريكية التي تقصف قواعد وتجمعات قوات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية طوال الشهرين الماضيين هي الاحدث في العالم، وطياروها الاكثر براعة وتدريبا، ومع ذلك لم تفلح حتى الآن في وقف تقدم هذه القوات في عمق مدينة صغيرة مثل “عين العرب ـ كوباني” السورية ذات الاغلبية الكردية.
امر مؤسف ان “العراق الجديد المحرر” يستعين بقوات امريكية، من اجل مواجهة تنظيم لا يزيد تعداد قواته عن خمس جيشه وقواته الامنية ولم يتدرب على ايدي الامريكيين وغيرهم، ويقاتل ببقايا معداته واسلحته التي استولى عليها دون قتال بعد اقتحامه لمدينة الموصل.
القوات الامريكية تعرضت لهزيمة مذله في العراق، وها هي تعود للمصيدة نفسها، وستواجه المصير نفسه على ايدي كل العراقيين باستثناء من قدموا بلدهم لقمة سائغة لها، واضفوا شرعية زائفة على احتلالها الجديد مثلما فعلوا مع احتلالها الاول، والايام بيننا.

اوباما “يغازل” السيد خامنئي ويستغيث بمساعدته ضد “الدولة الاسلامية” في رسالة سرية.. فهل يئس من حلفائه العرب؟ وبدأ يعترف ضمنيا بفشل استراتيجيته؟

عبد الباري عطوان
عندما يبعث الرئيس الامريكي باراك اوباما برسالة سرية الى السيد علي خامنئي المرشد الاعلى للثورة الايرانية يؤكد فيها على المصالح المشتركة في محاربة “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية، ويعرض التعاون المشترك في هذا الصدد فإن هذا يعني ثلاثة امور اساسية:
ـ الاول: اعتراف الرئيس الامريكي بشكل غير مباشر بفشل الاستراتيجية الحالية في القضاء على “الدولة الاسلامية” التي تقصف طائراته تجمعاتها على جانبي الحدود السورية العراقية.
ـ الثاني: عدم تعويل الرئيس الامريكي على حلفائه العرب في مواجهة هذا الخطر الكبير الذي تقول الادارة الامريكية انه يهدد مصالحها وحلفاءها في المنطقة.
ـ الثالث: توصل واشنطن الى قناعة راسخة بأن المفاوضات التي ستبدأ في سلطنة عمان يوم الاحد المقبل حول البرنامج النووي الايراني بين جون كيري وزير الخارجية الامريكي ونظيره الايراني محمد جواد ظريف مهددة بالانهيار بسبب تمسك ايران بموقفها في مواصلة عملية تخصيب اليورانيوم، ولذلك يحاول الرئيس الامريكي القاء “جزرة التعاون” ضد “الدولة الاسلامية” على امل تسهيل هذه المفاوضات، واخراجها من حال الجمود التي تعيشها حاليا.

***

هذه هي الرسالة السرية الرابعة التي يبعثها الرئيس اوباما الى مرشد الثورة الايرانية ولم يتلق اي رد منه، ولكنه (اي الرئيس اوباما) لم ييأس، حتى انه استعان بقنوات اخرى لايصال رسائل للقيادة الايرانية مثل قناة حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الجديد، والسيد علي السيستاني المرجع الشيعي العراقي.
ومن المفارقة ان الرئيس الامريكي لم يتشاور مع حلفائه في المنطقة مثل المملكة العربية السعودية واسرائيل حول هذه الخطوة، تماما مثلما اقدمت ادارته على محادثات سرية مع السلطات الايرانية في مسقط عام 2012، واستمرت اكثر من ستة اشهر وتمخضت عن اتفاق اولي حول البرنامج النووي الايراني كان من ابرز بنوده الرفع الجزئي للعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.
الرئيس اوباما حرص في كل رسائله الى المسؤولين الايرانيين، سواء عبر السيد السيستاني، او رئيس الوزراء حيدر العبادي على التأكيد بأن العمليات العسكرية الامريكية لا تهدف الى اضعاف ايران وحلفائها (سورية) وانما “الدولة الاسلامية”، وهذا ما يفسر حالة الارتياح الحالية التي تعيشها السلطات السورية، والقلق الكبير في اوساط المعارضة السورية في المقابل.
المسؤولون في المعارضة السورية المسلحة الذين باتوا يشعرون ان امريكا خذلتهم، وتاجرت بهم، يقولون، مثلما نقلت عن احد قادتهم صحيفة “الغارديان” البريطانية ان امريكا تريدنا ان نخوض حربها (ضد الدولة) وليس حربنا ضد النظام السوري”.
لا نعرف ما اذا كانت القيادة الايرانية ستتجاوب ام لا مع هذا “الغزل” الامريكي، فالخطاب العلني الايراني ما زال يعتبر امريكا “الشيطان الاكبر”، واتهم السيد خامنئي الادارة الامريكية اكثر من مرة بالعمل على اغراق العالم الاسلامي في حروب اهلية طائفية، وبث الفتن في صفوف الامة الواحدة لتجزأتها وتفتيتها.
الرئيس الامريكي يتذلل للايرانيين لانه يدرك جيدا انهم قوة اقليمية عظمى، تملك ترسانة عسكرية متقدمة جدا من صواريخ، وغواصات، وطائرات بدون طيار وزوارق حربية متقدمة لا ترصدها الرادارات ولهذا يتعامل معهم بحذر شديد ويحاول كسبهم الى جانب بلاده على عكس الحال مع القادة العرب، الذين يعاملهم بإحتقار شديد، ويعتبرهم ادوات او مشاريع صفقات اسلحة لانقاذ الصناعة العسكرية الامريكية من الكساد.
لا نستبعد اقدام ايران على استغلال حالة الضعف الامريكية الحالية لمصلحتها وحلفائها، والانضمام الى التحالف الامريكي لمحاربة “الدولة الاسلامية” وقواتها لانها تشكل تهديدا مباشرا لها، ولكن دون ان تتنازل عن شروطها النووية مثلما حدث في المفاوضات السرية الاولى في مسقط، فقد اعربت عن استعدادها للمشاركة في الحرب، وارسلت اسلحة ومعدات عسكرية الى كردستان العراق.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الاطار هو عما اذا كان اي تنسيق امريكي ايراني يمكن ان يغير معادلة الحرب على ارض المواجهات ضد “الدولة الاسلامية”؟
***
السؤال افتراضي، ومن الصعب اعطاء اجابة حاسمة عليه، وايران ما زالت تبقي اوراق اللعبة قريبة الى صدرها حتى لا يراها احد من خصومها، ولكن ما يمكن التكهن به، ان انزلاق ايران الى حرب استنزاف “غير تقليدية” وتحت مظلة عسكرية امريكية ربما يكون “مغامرة خطرة”، فهي تخوض حربا بالنيابة على ارض العراق وسورية، وبدرجة اقل في لبنان ولولا دعمها المادي والعسكري القوي للسلطات السورية (من خلال ميليشيات عراقية الى جانب حزب الله)، لما صمد النظام السوري اربع سنوات في ظل هجمة شرسة اقليمية ودولية تحارب لاسقاطه، ولذلك ربما تفضل توريط امريكا وحلفائها العرب في هذه الحرب الا اذا حصلت على ضمانات امريكية بالاعتراف بها كقوة نووية اقليمية تكون صاحبة الكلمة الاولى والاخيرة في ادارة شؤون المنطقة، وهذا غير مستبعد بالنظر الى الطعنات المسمومة التي وجهتها الادارات الامريكية المتعاقبة لاصدقائها العرب.
فاذا كانت معركة “كوباني” استغرقت ما يقرب من شهرين، وتشارك فيها قوات كردية من تركيا والعراق وسورية الى جانب الجيش الحر وطائرات امريكية من كل الانواع والاصناف، فكم ستحتاج امريكا من القوات والحلفاء والاسلحة لحسم الحرب ضد “الدولة الاسلامية” لصالحها، وهي الدولة الاعظم في التاريخ؟
نترك الاجابة لكم ولما ستحمله الاشهر والسنوات المقبلة من متغيرات ونتائج في جبهات القتال.