الخليج

المصالحة المصرية القطرية في “مهب الريح” بعد عودة “الجزيرة” الى سيرتها الاولى وخروج القرضاوي عن صمته.. والملك سلمان لا يكن الكثير من الود لدولة قطر.. واحتمالات عودة الحرب الاعلامية الساخنة واردة جدا بين الامبراطوريات المتناطحة

عبد الباري عطوان

من تابع قناة “الجزيرة” الفضائية القطرية وتغطيتها المكثفة للاشتباكات الدموية بين قوات الامن المصرية والمتظاهرين التي سقط فيها اكثر من عشرين قتيلا، حيث خرج الآلاف الى الشوارع في مختلف المحافظات للاحتفال بالذكرى الرابعة لثورة 25 كانون الثاني (يناير) يخرج بإنطباع قوي فماده ان “المصالحة” التي رعاها العاهل السعودي الراحل بين النظام المصري الذي يرأسه السيد عبد الفتاح السيسي ودولة قطر ربما تكون ماتت بموت صاحبها اي الملك عبد الله بن عبد العزيز.
المصالحة فرضت التزمات قوية على دولة قطر ابرزها “لجم” قناة “الجزيرة” ووقف دعمها السياسي والاعلامي لحركة “الاخوان المسلمين” والانتصار لهم في معركتهم لزعزعة استقرار النظام الذي اطاح بحكمهم، واسكات الشيخ يوسف القرضاوي “مدفعية” قطر الاخوانية الثقيلة، وابعاد قيادات الصف “الاخواني” الاول والثاني الذين وجدوا في الدوحة الملاذ الآمن، والحضن الدافيء، ومنصة الانطلاق في معارضتهم للنظام المصري سياسيا واعلاميا.
العاهل السعودي الراحل، وفي ظل تنامي صعود “الدولة الاسلامية” سياسيا وعسكريا، وتشكيلها تهديدا مباشرا لأمن بلاده وحكم اسرته، مارس جهودا كبيرة من اجل ترتيب البيت الداخلي الخليجي اولا، ثم العلاقات المصرية الخليجية ثانيا، وقد نجح في الاولى عندما حل الازمة بين المثلث السعودي الاماراتي البحريني من ناحية وقطر من ناحية اخرى، على اساس “وثيقة الرياض” واعاد السفراء الثلاثة الذين تم سحبهم من الدوحة، ولكن جهوده في حل الازمة الثانية، اي اصلاح العلاقات بين مصر ودولة قطر كانت بطيئة ومتعثرة نوعا ما بسبب صعوية هذا الملف وتعقيداته الاقليمية، وكان آخر جهد بذله في هذا الصدد ارسال السيد خالد التويجري مستشاره ومدير مكتبه الى القاهرة وفي معيته الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مساعد وزير خارجية دولة قطر للقاء بالرئيس عبد الفتاح السيسي، والتمهيد للقاء بينه وبين الشيخ تميم بن حمد آل ثاني امير دولة قطر، اللقاء تم في شهر كانون الاول (ديسمبر)، اي قبل وفاة العاهل السعودي بشهر وقبل ان تتدهور احواله الصحية ويدخل المستشفى مصابا بالتهاب رئوي حاد لم يتمكن الاطباء من علاجه، وكاد ان يثمر في ترطيب الاجواء، وترتيب زيارة مصالحة للامير القطري الى القاهرة.

***

المصالحة المصرية القطرية، وبعد وفاة العاهل السعودي، او بالاحرى ابوها الروحي، باتت على “كف عفريت” مثلما يقولون، مع انتقال الحكم في السعودية الى الملك سلمان بن عبد العزيز، فالعلاقة بينه وبين دولة قطر لم تكن جيدة في يوم من الايام، وظهرت تسريبات في بعض الصحف القطرية، او تلك المحسوبة على دولة قطر، تتهمه بأنه كان العقل المدبر وراء محاولة الانقلاب الفاشلة التي ارادت الاطاحة بالامير السابق حمد بن خليفة واعادة والده الشيخ خليفة الى الحكم عام 1996.
هناك في الدوحة من يراهن على الامير محمد بن نايف وزير الداخلية وولي ولي العهد الجديد الذي تربطه علاقة وثيقة بالامير تميم في تلطيف العلاقات مع الجار السعودي القوي، ولكن من يعرف طبيعة الحكم في السعودية، ودول الخليج عموما، يدرك جيدا ان الكلمة الاولى والاخيرة دائما هي للملك، وما على الآخرين غير السمع والطاعة والتنفيذ.
الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز كان بدويا اصيلا في اخلاقه وتصرفاته، ويتعامل مع قطر ودول الخليج الاخرى من منطلق شيخ القبيلة، او “أب الجميع″، ولهذا صبر كثيرا على بعض المشاغبات القطرية خاصة في ملف “الاخوان المسلمين”، وملف العلاقات مع مصر، ومن غير المعتقد ان يكون للملك الجديد سلمان بن عبد العزيز الصبر نفسه.
نعود الى الخلاف المصري القطري، ونقول ان عودة “الجزيرة” الى سيرتها السابقة، والتعاطي مع ملف الاضطرابات الاخيرة في مصر بلهجة اقرب الى التحريض الذي يذكر يتغطيتها التي اشعلت الثورة المصرية وصبت الزيت على نارها حتى نجحت في اطاحة نظام حكم الرئيس مبارك، ربما لا ينسف فقط جهود المصالحة المصرية القطرية التي بذلها العاهل الراحل وحققت بعض التقدم تمثل في ابعاد قيادات الاخوان من الدوحة، واغلاق قناة “الجزيرة مباشر مصر”، واحالة الشيخ القرضاوي الى حالة من الصيام عن التصريحات المعارضة لنظام الرئيس السيسي، وانما ايضا تؤدي الى نسف المصالحة الخليجية القطرية، وعودة الاوضاع الى المربع الاول، اي الى مرحلة ما قبل “وثيقة الرياض” التي كان عنوانها الابرز سحب ثلاثة سفراء من الدوحة.
الملك سلمان بن عبد العزيز لا يعطي المصالحة بين مصر وقطر جل اهتمامه في الوقت الراهن، ومن الطبيعي ان لا تكون على سلم اولوياته، فهو منشغل حاليا في ترتيب البيت السعودي الداخلي، وتثبيت رجاله في مفاصل السلطة الرئيسية، وابعاد من يشك في ولائهم، ووضع بصماته بقوة على تركيبة الحكم، وسياسات المملكة الداخلية والخارجية، ولذلك لا نستبعد توتيرا في العلاقات بين النظامين المصري والقطري في الايام والاسابيع المقبلة.
***
ولا نبالغ اذا قلنا ان العلاقة السعودية القطرية كانت ترتكز على محور واحد في الاسرة الحاكمة السعودية، اي جناح الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز وابنه الامير متعب بن عبد الله وزير الحرس الوطني، ولم تكن ودية على الاطلاق مع الجناح السديري في الاسرة السعودية الحاكمة، وهو الجناح الذي عاد الى الواجهة بقوة بعد وفاة الملك عبد الله وبات يتحكم بأهم اربع مناصب في الدولة، اي العرش (الملك سلمان) والداخلية (محمد بن نايف) والدفاع (محمد بن سلمان) والنفط (عبد العزيز بن سلمان نائب الوزير والمهندس الحقيقي للسياسة النفطية السعودية).
لا نعتقد ان الرئيس السيسي الذي يعتبر دولة قطر عدوه الاول حاليا سيكون مسرورا من تغطية قناة “الجزيرة” للمظاهرات الاحتجاجية ضده، واعطاء المنبر لخصومه من الاخوان واليساريين معا، كما اننا لا نعتقد ايضا ان حلفاءه في الخليج، وخاصة في دولتي السعودية والامارات الذين ايدوا حربه الطاحنة ضد الاخوان المسلمين ووضعوا كل ملياراتهم وعلاقاتهم السياسية مع الغرب خلفه، سيكونوا “سعداء” بهذا النكوص، او بالاحرى الخروج عن “اتفاق الرياض” وبنوده.
مرة اخرى نقول ان احتمالات العودة الى المربع الاول للازمة واردة، وان الحرب الاعلامية الساخنة بين الامبراطورية الاعلامية القطرية الممثلة في شبكة “الجزيرة” واخواتها في لندن واسطنبول من ناحية، ونظيراتها السعودية (العربية وبناتها) والاماراتية ربما ستشعل بقوة اكبر بالنظر الى المقدمات الحالية المتمثلة في عمليات شحذ السيوف والالسنة و”الخبراء”، ولا ننسى كتائب التدخل السريع الاعلامية المصرية المحلية، وألسنة جنرالاتها السليطة.
باختصار شديد نقول ان “المصالحة” “في مهب الريح” وقد تكون دفنت مع عرابها وراعيها الملك عبد الله، واللهم الا اذا قرر الملك سلمان تهدئة الاوضاع مؤقتا لكسب الوقت الكافي لتثبيت حكمه، وكل شيء جائز، لكن الامر المؤكد ان الايام والاشهر المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت، والله اعلم.

ذبح مغربي طعنا في جنوب فرنسا واعتداء على خمسين مسجدا وما زال المسلمون في دائرة الاتهام.. وقلقهم لا يحتل المرتبة الاولى للحماية في اجندة الحكومات الاوروبية.. ماذا لو طلب امام مسلم بما طالب به حاخام يهود بروكسل بتسليح المسلمين ايضا؟

عبد الباري عطوان
تعرض فرنسي من اصل مغربي لهجوم من قبل جاره الفرنسي ايضا اقتحم منزله ووجه اليه 17 طعنة سكين وارداه قتيلا وسط بركة من الدماء امام زوجته واطفاله، كما اشهر مهاجر من اصل روماني سكنيا في مدينة تولوز جنوب فرنسا وهدد بذبح مسلمين، وافادت التحقيقات الرسمية ان اكثر من خمسين مسجدا ومؤسسة اسلامية تعرضت لاعتداءات عنصرية من بينها كتابات تطالب بالموت للمسلمين ووضع رؤوس وامعاء خنازير امام ابوابها.
من يطالع الصحف البريطانية والفرنسية صباح السبت يجد ان الموضوع الطاغي في صفحاتها الاولى هو تشديد الحراسة من قبل السلطات الامنية على المؤسسات اليهودية لحمايتها من اي هجمات محتملة من قبل متشددين اسلاميين بعد مقتل اربعة اشخاص في المتجر اليهودي الذي اقتحمه احمد كوليبالي، ولا اشارة واحدة لتأمين الحراسة للمسلمين وان وجدت فهي على استحياء شديد.
هناك خوف في اوساط الجاليات اليهودية، ولكن الخوف في اوساط الجالية الاسلامية اكبر في ظل تصاعد نفوذ وقوة الاحزاب والجماعات اليمينية العنصرية المتطرفة التي تستهدف المسلمين وتهدد بترحليهم من اوروبا كلها وسط اعمال تحريض اعلامية وسياسية غير مسبوقة، وجاء الهجوم على صحيفة شارلي ابدو الاسبوعية ليعطيها الذحيرة التي كانت تنتظرها وتحلم بها.

***

في المانيا على سبيل المثال توجد حركة “بيغيدا” اليمينية المتطرفة (حركة وطنيون اوروبيون ضد اسلمة الغرب) هذه الحركة تنظم مظاهرة كل يوم اثنين في جميع المدن الالمانية، في المظاهرة الاولى التي نظمتها في تشرين الاول (اكتوبر) الماضي اشترك فيها 500 شخص، وفي الثانية التي نظمتها في شهر كانون الاول (ديسمبر) الماضي ارتفع الرقم الى 10 الاف شخص، اما مظاهرة الاثنين الماضي فارتفع عدد المشاركين الى 25 الفا.
بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل استغل هجوم المتشددين على مجلة شارلي ابدو لدعوة اليهود الفرنسيين الى الهجرة الى فلسطين المحتلة، وجرى دفن اليهود الاربعة ضحايا هجوم متجر باريس في جبل المكبر في القدس المحتلة، اي في اراضي مغتصبة، وهناك مؤشرات بأن عشرة آلاف يهودي فرنسي قد يهاجرون الى فلسطين المحتلة هذا العام، ومن المؤكد انه سيجري توطين معظمهم في مستوطنات في الضفة الغربية.
الحاخام مناحيم مارجولين، حاخام بروكسل ورئيس الاتحاد الاوروبي للمنظمات اليهودية طالب مختلف وزراء داخلية الحكومات الاوروبية بتعديل قوانين حمل السلاح للافراد بما يسمح لليهود في اوروبا بحمل السلاح للدفاع عن انفسهم، ونقلت عنه صحيفة “بلجيكا الحرة” الصادرة اليوم (السبت) ان اليهود في حال قلق بعد الهجمات الاخيرة في فرنسا.
قلق الجالية اليهودية مفهوم، ولكن ماذا يمكن ان يحدث لو امام او زعيم مؤسسة او هيئة اسلامية في اوروبا تقدم بالطلب نفسه على سبيل المثال، وكيف ستكون ردود الفعل؟
المسألة لم تعد الدفاع عن حرية التعبير مثلما كانت قبل اسبوع، وانما تحولت الى مسألة امنية بحته توجه اصابع الاتهام الى المسلمين، او المتشددين منهم على اعتبارهم مصدر تهديد لامن اوروبا واستقرارها، وبما يحتم ضرورة تحالف القارة العجوز مع امريكا لمواجهة هذا الخطر، مثلما فعل ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا الذي طار الى واشنطن من اجل هذا الغرض.
اذا كان هناك خطر على اليهود في اوروبا واي مكان آخر في العالم فإن سببه اغتصاب فلسطين، وسياسات اسرائيل الاستيطانية والعنصرية، وحروبها ومجازرها ضد العرب والفلسطينيين، واصرار نتنياهو على اعتراف العرب والمسلمين بإسرائيل كدولة يهودية عنصرية، واقناع اليهود والحكومات والاعلام الغربي بأن اي انتقاد لهذه الممارسات العنصرية هو عداء لليهود والسامية، ومن المؤسف انه نجح نجاحا ملموسا في جر اليهود الى هذه المصيدة.
كل من ينتقد المجازر الاسرائيلية في قطاع غزة وجنوب لبنان هو معاد للسامية ولليهود ومتطرف يجب وضعه على لائحة الاتهام، ومن المؤلم ان الكثيرين من الكتاب الغربيين، ناهيك عن العرب والمسلمين وضعوا على هذه اللائحة وطوردوا في اكل عيشهم، ومنعوا من حرية التعبير بطريقة او باخرى ومن بين هؤلاء يهود.
الحكومات الغربية التي تعلن حالة الطوارىء القصوى يجب ان تعلم جيدا بان ما يهدد استقرار مجتمعاتها هو سياساتها التي توفر الذخيرة الاكبر للجماعات المتشددة لتجنيد الشباب المسلم في صفوفها ودفعه لتنفيذ هجمات “ارهابية”.
***
ديفيد كايمرون ونظيره نيكولاي ساكوزي هما اللذان ذهبا الى بروكسل قبل ثلاث سنوات لرفع الحظر عن ارسال السلاح الى الجماعات التي تقاتل لاسقاط النظام في سورية، وعندما خرج المارد من القمقم وباتت هذه الجماعات هي الاقوى وتطالب باقامة دولة الخلافة تحول هؤلاء الى ارهابيين وتغيرت الاولويات والحلفاء ايضا.
الرئيس جورج بوش الاين اعلن الحرب على الارهاب ومعه حلف الناتو، وبعض العرب من اجل محاربة الارهابيين حيث يتواجدون في العالم الاسلامي لمنع وصولهم الى امريكا واوروبا، وربما يكون هناك نجاح تحقق، ولكن لم يدر في ذهن هؤلاء ان محاربة الارهاب في الخارج ستؤدي الى نموه في الداخل.
الاجراءات الامنية المشددة لن تحقق الاستقرار في اوروبا وتمنع الهجمات، وانما اتباع سياسات تقوم على المساواة والعدالة بين ابناء جميع الديانات ووقف كل اعمال التحريض والاستفزاز، ونكرر بأن الذين خلقوا الازمة وتداعياتها هم ثلاثة اشخاص فقط، ولا يملكون طائرات (اف 16) او صواريخ كروز ولا اسلحة نووية.
توجيه اصابع الاتهام الى الجالية الاسلامية من خلال هذه الاجراءات الامنية التي توفر الحماية لغيرهم باعتبارهم ضحايا، قد يعطي نتائج عكسية تماما، لان المسلمين هو الضحايا ايضا، وهم الذين يقتلون ايضا في بلدانهم التي لجأوا اليها، او في بلدانهم التي هربوا منها بحثا عن الحرية ولقمة العيش الكريم.
نحن مع حرية التعبير دون قيود، ولكننا ضد استخدامها كذريعة ليس لاستفزاز المسلمين فقط، وانما كنقطة استغلال لتجريمهم ووضعهم في دائرة الاتهام، وعدم مساواة خوفهم وقلقهم بقلق الآخر وخوفه ايضا.

والله طفح كيلنا من تصاعد الاستفزازات ضدنا كمسلمين ولكننا نحذر من ان الخطر سيطول الطرفين اذا ترجم الى اعمال عدوانية وكل ما نطالب به هو المساواة باليهود في الغرب فهل هذا بكثير؟

عبد الباري عطوان

مر اسبوع على الهجوم على مجلة “شارلي ابدو” الفرنسية و”سوبرماركت” يهودي في قلب باريس، ولكن حملات “التضامن” مع الضحايا وادانة الهجوم بكل الطرق والوسائل ما زالت مستمرة بل في ذروتها.
التضامن الفرنسي مع الضحايا حق لا جدال فيه، لكن ترجمة هذا التضامن بشكل مباشر، او غير مباشر، الى حملات كراهية ضد عشرة ملايين مسلم في اوروبا من خلال وسائل اعلام تحريضية خرجت عن كل الحدود المنطقية، امر خطير وستترتب عليه تبعات خطيرة على طرفي المعادلة مسلمين كانوا او فرنسيين.
يتهموننا نحن العرب والمسلمين بأننا انفعاليون، ردود افعالنا سريعة، وغير متزنة، بعيدة كل البعد عن المنطق، وهذا صحيح في بعض جوانبه ويعود الى جيناتنا، ولكن تعالوا نتحدث عن “العقلانيين” الاوروبيين اصحاب ردود الفعل “المتزنة” الباردة كالثلج والبعيدة عن الانفعال الغاضب، ولنأخذ مثلا الرئيس الفرنسي السابق، ربما القادم، نيكولا ساركوزي الذي بادر الى القول بعد الهجومين “انها حرب على الحضارة” واردف قائلا “انه هجوم على حريتنا” اما فرانسوا هولاند رئيس الجمهورية قال انها “حرب علينا”، واكد اكثر من برلماني وصحافي “ان فرنسا تواجه احداث الحادي عشر من سبتمبر”.
هل يعقل ان يعلن ثلاثة شبان عانوا من الاقصاء والتهميش الحرب على الحضارة الاوروبية ويشنون هجوما على “الحريات الغربية”؟ وهل يمثل هؤلاء الثلاثة ستة ملايين مسلم فرنسي وعشرة ملايين في اوروبا، ومليار ونصف المليار في العالم بأسره مثلما يبدو من التحريض الاعلامي والسياسي؟
نحن لا نريد كمسلمين نعيش في الغرب الا المعاملة نفسها التي يعامل بها “ابناء عمومتنا” اليهود لا اكثر ولا اقل، وان نحظى بالاحترام والحماية التي يحظيان بهما من قبل الرأي العام والحكومات في اوروبا بشكل عام وفرنسا بشكل خاص فهل هذا مطلب كبير ومبالغ فيه؟

***

نشرح اكثر ونضرب بعض الامثلة التي تؤكد مشروعية مطالبنا هذه، ونبدأ بالصحافي البريطاني تيم ويلكوكس مراسل شبكة الـ “بي بي سي” الذي كان يغطي المسيرة التضامنية المليونية يوم الاحد الماضي في باريس، فهذا المراسل الانكلوسكسوني ارتكب خطيئة كبرى عندما قابل ابنه احد الناجين من الهولوكوست وتحدثت اثناء المقابلة عن الخوف الذي يشعر به اليهود في فرنسا بعد الهجومين، فبادر المراسل بسؤالها باللطف كله “بعض النقاد لسياسة اسرائيل قد يقولون بأن الفلسطينيين يعانون كثيرا بين ايدي الاسرائيليين ايضا وهم يهود”.
هنا قامت الدنيا ولم تقعد منذ يوم امس وانهالت الرسائل الالكترونية الهجومية والبذيئة بعض الاحيان التي تطالب محطة “بي بي سي” بطرد هذا المراسل، وكتبت مقالات في الصحف في هذا الشأن، حتى ان السناتور الامريكي المشهور صاحب برنامج “شو” يومي واسمه جو سكاربورا استغرب ان يبقى هذا المراسل في عمله يوما واحدا.
المراسل ويلكولكس اعتذر رسميا على موقعه على “التويتر” واعترف بخطيئته، وكذلك متحدث باسم الشبكة الذي قال انه لم يصغ سؤاله بطريقة مهنية.
ما هو الخطأ الذي ارتكبه هذا المراسل المحترف، ولماذا يعتذر عنه، فهل فعلا لا يتعرض اطفال فلسطين للقتل في قطاع غزة؟ الم يحرق الصبي محمد ابو خضير حيا من الداخل الخارج على ايدي متطرفين يهود؟ الا تعيش حاليا 105 الف اسرة فلسطينية في العراء في قطاع غزة بسبب تدمير منازلهم قصفا من قبل الطائرات الاسرائيلية اثناء العدوان على قطاع غزة، قولوا لنا بالله عليكم يامن تظاهرتم وتقدمتم المسيرات دفاعا عن حرية التعبير اين هذه الحرية التي تتضامنون وتتظاهرون من اجلها؟
نذهب الى ما هو ابعد من ذلك ما دمنا نتحدث عن السخرية والمجلة الفرنسية الممثلة لها، فالكوميدي الفرنسي ديو ديوني مبالا الاسود استدعته الشرطة الفرنسية للتحقيق يوم امس لانه قال على صفحته على “الفيسبوك” اشعر “انني شارلي كوليبالي”، في اشارة الى المجلة الساخرة “شارلي ابدو” والشاب المسلم احمد كوليبالي الذي هاجم المتجر اليهودي واحتجز الرهائن وقتل اربعة منهم عند مداهمة الشرطة للمتجر.
هذا الممثل والكوميدي اوقفوا عروضه المسرحية التي انتقد فيها الاسرائيليين وهجومهم على سفينة مرمرة التركية في عرض المتوسط وقتلهم لتسعة من ركابها كانوا في طريقهم لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، واوصلهم حرفيا الى حافة الموت جوعا.
نزيدكم من الشعر بيتا ونضرب لكم مثلا من بريطانيا التي اعيش فيها، باللاعب المسلم نيكولاس انيلكا الذي كان في فريق ويست بروميتش البيون هذا اللاعب تربطه صداقه مع الكوميدي دي دوني، وارتكب “جريمة” كبرى عندما وضع يده على صدره في اشارة ترمز الى هذا الكوميدي فماذا حصل؟
ضجت بريطلانيا كلها ضد هذا اللاعب، وتعرض للتحقيق بتهمة معاداة السامية، وانهي عقده، وجرى متعه من اللعب كليا، ولا تعرف اين انتهى، فأين حرية التعبير هذه؟
“السامية” وفق المفهوم الغربي اكثر قداسة من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والتهمة بمعاداتها ولو كانت ملفقة تعرض صاحبها للسجن والطرد وقطع لقمة العيش في فرنسا وغيرها من الدول الغربية بينما التطاول على نبي يمثل مليار ونصف المليار مسلم “حرية تعبير”، والاحتجاج على ذبح آلاف الفلسطينيين عداء للسامية.
قبل احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) عام 2001 لم تتعرض اوروبا ولاكثر من عشرين عاما تقريبا لاي هجمات ارهابية، والاستثناء الوحيد حادث فردي في باريس عام 1995 تزامن مع احداث الجزائر واتهامات لفرنسا بدعم النظام ضد جبهة الانقاذ الاسلامية، الحرب التي اعلنتها امريكا واوروبا على الارهاب وادت الى غزو افغانستان والعراق واحتلالها هي التي صبت النار على زيته وادت الى تصاعد هجماته في بريطانيا وفرنسا.
دومنيك دوفيلبان رئيس الوزراء ووزير الخارجية الفرنسي الاسبق الذي عارض بشدة الحرب على العراق عام 2003 ليس ارهابيا ولا عضوا في تنظيم “القاعدة” او “الدولة الاسلامية” عندما قال امس “ان الغرب هو الذي صنع “الارهاب الاسلامي”، وطالب الغرب “بالوقوف امام هذه الحقيقة المؤلمة التي شارك بصنعها بتدخلهم العسكري في افغانستان والعراق وليبيا ومالي”، واضاف كان الارهابيون بضعة آلاف واصبحوا الآن ثلاثين الفا”، وختم كلامه قائلا “هذا التنظيم (الدولة الاسلامية) يكشف الارهاب الحقيقي ويبريء المسلمين من هذه الاعمال الاجرامية”.
***
في برنامج تلفزيوني شاركت فيه اليوم (الخميس) وجه احدهم اتهاما للعرب في فرنسا بِأنهم يرفضون الاندماج في الحضارة الغربية، ولا يقبلون بقيم الحريات الفرنسية، لان اقل من بضعة مئات من المسلمات يرتدين النقاب واكثر من ذلك الحجاب، ونسي او تناسى ان ستة ملايين من المسلمين في فرنسا يحترمون القانون، ويدفعون الضرائب، ويرفضون العنف ويتحدثون الفرنسية بطلاقة اهلها، فما هو الاندماج في نظره وامثاله، التطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم، او التصفيق والرقص والعناق لمن يتطاولون عليه؟
خمسة ملايين نسخة جرى طبعها وتوزيعها من المجلة المسيئة وقف الفرنسيون في طابور لشرائها وهي التي تتضمن رسوما للرسول الكريم الا يعتبر هذا استفزازا واحتقارا لمشاعر مليار ونصف المليار مسلم وبأكثر من 16 لغة بما فيها العربية، الا يعتبر هذا اعلان حرب على دين آخر تحت عنوان الحريات التعبيرية، وامعانا في الاستفزاز والتحدي؟
البابا فرانسيس قال اليوم (الخميس) في مؤتمر صحافي على طائرته وهو في طريقه الى مانيلا “ان حرية التعبير حق اساسي لكنها لا تجيز اهانة معتقدات الآخرين او التهكم عليهم”.
هذا الكلام الموزون لم نسمعه من المليون متظاهر الذين شاركوا في مسيرة التضامن مع ضحايا الهجومين، ورفعوا الرسوم الكرتونية المسيئة، ولم نسمعه ايضا من وزيرة العدل الفرنسية كريستان توبيرا التي قالت بلهجة استفزازية متحدية اليوم (الخميس): “في فرنسا يمكن ان نرسم كل شيء حتى الاديان” اي عدالة هذه؟
نريد من فرنسا وبريطانيا وامريكا وكل الدول الاوروبية “المتحضرة” المساواة فقط بأبناء “عمنا اليهود” والتمتع بالحماية التي يتمتعون بها قانونيا وامنيا، فلسنا نحن المسلمون الذين ارتكبنا محرقة الهولوكوست، بل نحن الذين دفعنا وندفع ثمنها من ارضنا ودمائنا فهل هذا بكثير؟ افيدونا افادكم الله.

السعودية تفشل المبادرة الفنزويلية وترفض اجتماعا طارئا للاوبك.. واسعار النفط تهبط الى الاربعين دولارا.. وايران تهدد وتتوعد وروسيا صامته.. وخسائر الخليج تعيد اعمار العالم العربي كله

عبد الباري عطوان
ذكرتني الجولة التي يقوم بها حاليا الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في اربع دول رئيسية منتجة للنفط هي ايران والسعودية وقطر والجزائر في محاولة لاقناعها بمبادرته التي تنص على انعقاد قمة طارئة لمنظمة الاوبك لبحث ازمة تدهور الاسعار الحالية، بجولة مماثلة لسلفه الاسبق الرئيس كارلوس رودريغز قبل 37 عاما تقريبا ومن اجل الهدف نفسه لكن لاسباب مختلفة.
كنت في حينها، اي عام 1977 على ما اذكر اعمل محررا في صحيفة “المدينة” اليومية السعودية، واوفدني رئيس التحرير الصديق احمد محمد محمود الى الرياض لتغطية زيارة الرئيس الفنزويلي وجاء اختياري، لسبب ليس له علاقة بالكفاءة، بقدر ما له علاقة بلغتي الانكليزية المعقولة، فقد كنت اتحسس طريقي في هذه المهنة الصعبة، وهذه قصة اخرى.
الرئيس الفنزويلي رودريغز حط الرحال في الرياض من اجل اقناع العاهل السعودي الملك خالد بن عبد العزيز برفع اسعار النفط السعودي بنسبة 5 بالمئة من اجل ردم الهوة مع اسعار دول اوبك اخرى رفعته في اجتماع سابق لها بنسبة 10 بالمئة وهو ما رفضته السعودية واصرت على ان تكون الزيادة نصف هذه النسبة، وتردد ان هذا الرفض جاء بضغوط امريكية.
اذكر انني سألت الامير فهد بن عبد العزيز ولي العهد الذي ترأس الوفد السعودي في المباحثات مع الضيف الفنزويلي وكان الحاكم الفعلي للبلاد، عما اذا كانت المملكة ستتجاوب مع مطلب رفع اسعار نفطها اسوة بالدول الاخرى، فقال لي ان المملكة “ملتزمة” بوحدة منظمة الاوبك وكانت هذه كلمة السر، وفعلا رفعت المملكة سعر نفطها 5 بالمئة اخرى ومرت الازمة، وخرجت انا بسبق صحافي عالمي.
***
يبدو ان الرئيس الفنزويلي الحالي مادورو اقل حظا من الرئيس كارلوس، لان مبادرته بخفض انتاج النفط السعودي من اجل رفع الاسعار او بالاحرى وقف انهيارها السريع لم تحقق اي من اهدافها، فقد اعلن بعد اجتماعه مع السيد عبد الملك سلاس رئيس وزراء الجزائر المحطة الاخيرة في جولته “انه لا يوجد اجماع بين الدول الاعضاء في اوبك لعقد اجتماع طارىء للمنظمة”، وفي واقع الحال ليس هناك حاجة لاجماع، وانما موافقة دولة واحدة تنتج 9.6 مليون برميل يوميا وهي السعودية يمكن ان تحل الازمة اذا ارادت، وتوافق على الاجتماع الطارىء، وتقبل بالتالي بخفض الانتاج.
فشل جهود الرئيس الفنزويلي يعني ان اسعار النفط التي وصلت امس الى اقل من 45 دولارا للبرميل قد تصل الى اربعين دولارا غدا، و35 دولارا الاسبوع المقبل حتى تصل الى عشرين دولارا مثلما بشر السيد علي النعيمي وزير نفط المملكة الدول الاخرى الاعضاء، الامر الذي قد يؤدي الى افلاس معظم الدولة المنتجة غير الخليجية، وخاصة فنزويلا ونيجيريا وايران وروسيا.
كل دولار انخفاض في اسعار برميل النفط يعني خسارة مقدارها ملياري دولار من دخل روسيا يوميا، واذا قدرنا ان اسعار النفط انخفضت بحوالي سبعين دولارا منذ حزيران (يونيو) الماضي فإن هذا يعني ان خسارة روسيا السنوية 140 مليار دولار مرشحة للزيادة، والحسبة نفسها تنطبق على ايران وفنزويلا ونيجيريا وجميع الدول المصدرة للنفط.
السعودية ودول الخليج الاخرى لن تتأثر على المدى القصير، لان جيوبها عميقة، فالسعودية تملك فائض نقدي مقداره 750 مليار دولار وتستطيع تحمل الخسائر لعدة سنوات، والشيء نفسه يقال عن الكويت والامارات وقطر التي تملك صناديق سيادية تزيد قيمتها على ترليون ونصف ترليون دولار تقريبا، ولكن ليس البحرين وسلطنة عمان، الدول الافقر والاقل انتاجا والاكثر سكانا مثلما هو حال الثانية (عمان).
هناك ثلاثة اعتبارات او اسباب رئيسية ادت الى انخفاض اسعار النفط بهذه الصورة المتسارعة:
• اولا: ضعف الطلب بسبب الازمة الاقتصادية العالمية.
• ثانيا: زيادة الانتاج الامريكي من النفط الصخري حوالي خمسة ملايين برميل يوميا سترتفع الى عشرة عام 2020.
• ثالثا: رفض السعودية خفض الانتاج من اجل زيادة الاسعار اثناء اجتماع اوبك الاخير في كانون الاول (ديسمبر) الماضي.

روسيا وايران لديهما انطباع مؤكد ان هناك مؤامرة سعودية امريكية تهدف الى تضييق الخناق عليهما اقتصاديا من خلال تخفيض اسعار النفط، الاولى بسبب ضمها لجزيرة القرم ودعم انفصال شرق اوكرانيا، والثانية لدعمها النظام السوري وحزب الله وحركة المقاومة الاسلامية الفلسطينية، فالاقتصاد الروسي الذي يعتمد بنسبة 70 بالمئة على صادرات النفط والغاز مرشح للدخول في حال كساد هذا العام، والروبل خسر ستين في المئة من قيمته امام الدولار، وكل محاولات دعمه بما في ذلك رفع سعر الفائدة الى 17 بالمئة باءت بالفشل، والشيء نفسه يقال عن ايران التي تدهورت عملتها لاكثر من ثمانين في المئة، وقد اقرت ميزانيتها للعام المقبل ابتداء من اول اذار (مارس) على اساس سعر 72 دولارا للبرميل اي بعجز متوقع بنسبة 33 بالمئة على اقل تقدير اذا وقف انهيار اسعار النفط عند حاجز 45 دولارا مثلما هو الحال اليوم.

***

ايران بدأت تشعر بسخونة الازمة، وانعكس هذا في تصريحات الرئيس حسن روحاني التي هدد فيها امس بأن من خفضوا اسعار النفط (في اشارة الى السعودية) ضد بعض البلدان (في شارة الى ايران وروسيا) سيندمون على هذه الخطوة، وقال “ايران لن تخضع للمؤامرة وستتغلب عليها.
السعودية التي تخوض حاليا حربا في سورية والعراق ضد “الدولة الاسلامية” واخرى ضد التهديد الامني لانصارها في الداخل بدأت الآن على حافة حرب اخرى ضد دول منظمة اوبك وخارجها بعضها مسلم مثل ايران ونيجيريا والجزائر وليبيا واخرى غير مسلمة مثل روسيا وفنزويلا.
خسائر دول الخليج وحدها من انخفاض اسعار النفط الى 45 دولارا تصل الى اكثر من 300 مليار دولار سنويا وهي خسارة كفيلة بإعادة اعمار وتنمية كل الدول العربية مجتمعة وايجاد وظائف لكل الشباب العربي العاطل عن العمل، ناهيك عن الشباب السعودي الذي تبلغ نسبة البطالة في صفوفه اكثر من ثلاثين في المئة.
لا نعرف من هم الاكثر حكمة وتبصر في التعاطي مع الازمات النفطية الطارئة، حكام السعودية القدامى ام الحاليين.
المقارنة ليست في محلها، والظروف تغيرت حتما، ولكن ما يمكن قوله ان السيد النعيمي وزير النفط السعودي ومن يرسمون له السياسات يقدمون على مقامرة خطيرة جدا سياسيا واقتصاديا من الصعب التنبؤ بنتائجها، خاصة ان الامور بدأت تخرج من ايدي الجميع وباتت امكانية السيطرة عليها معدومة، والله اعلم.

لماذا يتقدم مسؤولون عربا مظاهرة باريس تضامنا مع الضحايا الفرنسيين جنبا الى جنب مع الحمل الوديع نتنياهو ولم نراهم مطلقا في مظاهرة تضامنا مع ضحايا مجازر العراق وغزة وقانا اللبنانية؟ ولماذا نشكر وزير خارجية المغرب الذي قاطع مهرجان النفاق العربي هذا؟

عبد الباري عطوان
بعد ان يهدأ غبار عاصفة “التضامن” مع ضحايا مجلة “تشارلي ابدو” الفرنسية الاسبوعية، ويذوب “ثلج النفاق” الذي تراكم في مقدمة مسيرة اليوم المليونية في قلب باريس، وتهدأ العواطف الصادقة والكاذبة معا، ستظهر الحقائق تباعا، الواحدة تلو الاخرى، وابرزها ان معظم المسؤولين العرب والاجانب الذين تقدموا الصفوف هم من اكبر صناع الارهاب الحقيقي الذي جاءوا لادانته، والحاضنة الدافئة والمريحة له، بقصد وتعمد او بغير قصد، ابتداء من بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي ارتكب لتوه مجزرة في قطاع غزة راح ضحيتها الفين ومئتي الف انسان ثلثهم من الاطفال، وما زال مئة الف من اهاليهم في العراء في مواجهة عاصفة ثلجية قاتلة، ومرورا بالسيد احمد داوود اوغلو المتهمة حكومته بتوفير الممر الآمن والسريع لآلاف الجهاديين العرب والمسلمين المتهمين بالوقوف خلف هجوم باريس، وانتهاء بفرانسوا هولاند رئيس فرنسا واصدقائه البريطانيين والامريكان الذين تمارس طائراتهم، بطيار او بدونه، في هذه اللحظة قتل الابرياء في افغانستان والعراق وسورية واليمن، عمدا او عن طريق الخطأ.
الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي لم يتزعم او يتصدر مظاهرة واحدة في رام الله، ناهيك عن غزة، تضامنا مع ابنائه ومواطنيه الذين ذبحتهم الطائرات الاسرائيلية تحت سمع اصدقائه في فرنسا وبريطانيا وامريكا وبصرهم، كان الاكثر حماسا في الظهور في مقدمة مظاهرة باريس على بعد امتار من القاتل بنيامين نتنياهو.
***
ايريك هولدر وزير العدل الامريكي الذي شارك في المظاهرة ايضا قال انه لا توجد اي معلومات حتى الآن تؤكد ان تنظيم “القاعدة” يقف وراء الهجمات على المجلة الفرنسية الساخرة، واكد الشيء نفسه الجنرال مارتن ديمبسي قائد الجيوش الامريكية، الامر الذي يطرح العديد من علامات الاستفهام حول الاصرار على قتل المتورطين الثلاثة، وعدم الانخراط في اي مفاوضات معهم، وهم الذين عرضوا الاستسلام، لاعتقالهم احياء، والتحقيق معهم لمعرفة ما اذا كانوا اقدموا على هذه الجريمة وحدهم ام بتكليف من جماعة “ارهابية”، تماما مثلما حدث مع الفرنسي من اصل جزائري محمد مراح مقتحم مدرسة تولوز الفرنسية اليهودية عام 2012، وتسرع الكثيرون باتهام تنظيم “القاعدة” في اليمن بالوقوف خلف الهجوم لان شريف كواشي زار صنعاء.
للمرة المليون نؤكد هنا اننا لسنا مع الارهاب، واننا مع حرية التعبير، والا لما اصدرنا هذه الصحيفة من لندن، وليس من اي عاصمة عربية اخرى، ولكننا لسنا مع حرية الاساءة للانبياء والرسل وتطاول المجلة المذكورة على الديانتين اليهودية والمسيحية ورموزها لا يمكن، بل الا يجب، ان يبرر تطاولها ورساميها، على الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي ضرب مثلا في الرحمة والتسامح حتى مع خصومه وقال كلمته المأثورة “عظّموا انفسكم بالتغافل” ونزلت الآية الكريمة تأكيدا على ذلك التي تقول “واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما” صدق الله العظيم.
مكافحة الارهاب لا تتم بالتنسيق الاستخباري، واستهداف ابناء العقيدة الاسلامية بالملاحقة والتوقيف والتفتيش (المسلم معرض للتوقيف اكثر من 30 مرة بالمقارنة بغير المسلم في معظم الدول الاوروبية)، وانما ايضا من خلال وقف السياسات الاستعمارية الاذلالية في العالم الاسلامي.
نحن نرفض المقولة التي يرددها القادة الغربيون لتبرير تدخلاتهم الدموية في العالم الاسلامي، وتقول اننا نحاربهم في بلدانهم حتى لا يأتوا الينا، مما يعني ارتكاب المجازر في حق الابرياء دون اي سند قانوني او اخلاقي تحت عنوان مكافحة الارهاب، واكبر دليل على فشل هذه المقولة عملية الهجوم على المجلة الفرنسية، والكنيس اليهودي في بروكسل، واقتحام المدرسة الفرنسية اليهودية في “تولوز″، بل لا نبالغ اذا قلنا ان جميع هذه التدخلات ادت الى تحويل دول آمنة الى دول فاشلة تشكل البيئة الاخصب للجماعات المتشددة.
مجلة “الايكونوميست” البريطانية قالت في عددها الاخير الصادر يوم الجمعة الماضي ان ليبيا التي “حررها” الناتو ستصبح الدولة الفاشلة القادمة رسميا بعد اربع سنوات بالتمام والكمال على بدء ثورة الربيع العربي فيها، واكدت ان اهمال ليبيا كان خطأ ولكنها حذرت من التدخل العسكري مرة اخرى فيها، وقالت ان انقاذ ليبيا يجب ان يتم بأيدي الليبيين وحدهم، ولكن لماذا لا تنطبق هذه القاعدة على السوريين واليمنيين والعراقيين، بعيدا من طائرات “الدرونز″ وشقيقاتها من “اف 16″ و”اف 15″ و”اف 23″ وكل “الافات” الامريكية الاخرى.
بعد ان قررت مجلة “شارلي ابدو” اعادة نشر الرسوم الدانماركية المسيئة للرسول الكريم عام 2006، حاول الرئيس الفرنسي جاك شيراك في حينها اثنائها عن هذه الخطوة بالحسنى، واعتبرها “استفزازية” ولكنه لم يقف في طريقها ويحاول منعها رغم معرفته بالنتائج التي يمكن ان تترتب على ذلك، كان رجلا عاقلا ترك الساحة لساركوزي وامثاله لقيادة فرنسا الى الغزوات والحروب والتدخلات العسكرية الكارثية.
***
باريس اصبحت اليوم “عاصمة العالم” ضد الارهاب هذا هو الشعار الذي ردده كل من شارك في المظاهرة المليونية، والمقصود هنا “الارهاب الاسلامي” ولعمري ان هذا الارهاب الاسلامي يتواضع كثيرا امام الارهاب الغربي واسلحته، طائرات وصواريخ كروز، وحاملات الطائرات، والغواصات النووية وجنود المارينز، فالاول، وهو مدان، يقتل افرادا بالعشرات او المئات بالكلاشينكوف، بينما الثاني يقتل مئات الآلاف، ويدمر دولا ويمزق مجتمعات، ويدفع بالملايين الى العراء او الى قوارب الموت بحثا عن ملاذ آمن، وهو مدان ايضا، والادانة لا تفيد في الحالين، ويأتي هذا التدمير والقتل في معظمه متدثرا بأكاذيب وقيم زائفة وفي العالم الاسلامي دون غيره
ختاما وفي ظل هذا المشهد الغارق في السخرية السوداء المرة، هناك نقطة مضيئة لا بد من التوقف عندها احتراما، وهي مقاطعة وزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار والوفد المرافق له الذي ذهب الى باريس لتقديم التعازي في ضحايا الهجوم، المشاركة في “المسيرة التضامنية”، وقال بيان الوزارة المغربية “لا يمكن ان يشارك وزير الخارجية والتعاون الدولي او اي مسؤول رسمي مغربي في هذه المسيرة التي رفع فيها متظاهرون رسوم كاريكاتورية مسيئة للرسول علية الصلاة والسلام”.
كم تمنينا لو ان الزعماء والمسؤولين العرب الذين شاركوا في المسيرة اتخذوا الموقف الشجاع نفسه. ولكن لم تحقق اي من تمنياتنا السابقة، وربما اللاحقة، عندما يتعلق الامر بالزعماء والمسؤولين العرب.
شكرا لوزير الخارجية المغربي على هذا الموقف، نقولها تيمنا بالقول الكريم “من لا يشكر الناس لا يشكر الله”.

الهجوم الدموي على المجلة الفرنسية المعادية للاسلام والمسيئة لرسوله هل هو حادث انتقامي فردي ام في اطار سلسلة من الهجمات الاخرى؟ وهل المنفذون من العائدين من سورية والعراق؟ وما هو الهدف المقبل؟

عبد الباري عطوان
بعد هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) عام 2001 اختتمت مجلة “الايكونوميست” العريقة افتتاحيتها الرئيسية بالقول ما معناه “نحن نهاجمهم، ونقصفهم، ونذهب آلاف الكيلومترات لقتالهم، وعلينا ان نتوقع ان يأتي الينا من يحاول الرد والانتقام”.
تذكرت هذه الافتتاحية وانا اتابع بقلق الهجوم الذي شنه ثلاثة شبان يعتقد انهم ينتمون الى “التيار الجهادي” الاسلامي على مجلة “تشارلز ايبدو” في قلب العاصمة الفرنسية باريس، وفتحوا نيران بنادقهم الآلية (كلاشينكوف) ومدفع “الآر بي جي” الذي كان في حوزة احدهم فقتلوا 12 شخصا بينهم رئيس تحرير الصحيفة واربعة رسامين وشرطيان.
بداية لا بد من التأكيد على ان قتل اي صاحب رأي لا يجوز شرعا وقانونا ومدان بكل العبارات واقواها، ولكن هذا لا يعني التطاول، وبشكل استفزازي مسيء لمعتنقي الديانات السماوية، والتطاول على الرسل والانبياء، مسيحيين كانوا او مسلمين او يهودا.
نحن لسنا مع الكاتب البريطاني الهندي الاصل سلمان رشدي الذي بادر بالقول “بأن الاديان يجب ان تكون موضوعا للسخرية” في اطار تضامنه مع المجلة، ومطالبة الجميع بالوقوف الى جانبها، لانها كانت قوة لليبرالية والحريات ضد الطغيان” لان الاديان في رأينا يجب ان تحظى بالاحترام وتوضع في موضع القداسة التي تستحقها.

***

مجلة “تشارليز ايبدو” اخترقت كل الخطوط الحمراء وما فوق الحمراء في تهجمها على الديانة الاسلامية من خلال حملاتها الشرسة على الرسول محمد صلي الله عليه وسلم، ولم تقتصر هذه الحملات على اعادة نشر الرسم الكرتوني المسيء اليه للرسام النرويجي عام 2006، وهو الرسم الذي اثار غضب مليار ونصف المليار مسلم، وتسبب في مظاهرات احتجاجية صاخبة، قتل فيها اكثر من مئتي شخص، وانما بلغت ذروتها عام 2011 عندما نشرت رسوما اخرى اكثر اساءة واستفزازا من بينها واحدة تصور الرسول الكريم عاريا.
مرة اخرى نعيد التأكيد بأننا بذكر هذه الوقائع الموثقة لا نبرر الهجوم الدموي الذي تعرضت له هذه المجلة، او اننا نساند او ندعم من نفذه، وسنظل دائما في خندق حرية الرأي النزيه الشريف الذي يتجنب الاساءة للاديان السماوية بطريقة تنطوي على التعمد والاصرار والتحدي وكأن هذه الاساءة عمل من اعمال البطولة، فنحن نطالب بالتآخي بين الاديان ومعتنقيها في اطار من المحبة والاحترام المتبادل.
ناشر المجلة ورئيس تحريرها اساءوا تقدير الخطر الذي يواجههم، والتحذيرات التي وصلتهم، وتمادوا في خطهم التحريري الاستفزازي، اعتقادا منهم ان الحماية التي وفرها البوليس الفرنسي لهم كافية لمنع اي هجوم عليهم، وكم كانوا مخطئين في تقديراتهم، فهذا يؤكد قدرة هؤلاء المتشددين في الوصول الى اي هدف يريدون الوصول اليه، وهنا يكمن خطرهم الحقيقي على كل من يختلف معهم، او يتطاول على عقيدتهم، مسلما كان او غير مسلم.
الذين اطلعوا على الشريط المصور للمهاجمين الذي صوره احد الهواة، يخرج بإنطباع ان هؤلاء كانوا في قمة الهدوء والطمأنينة، وعلى درجة عالية من الاحتراف، مما يوحي انهم تلقوا تدريبات مكثفة، وقاتلوا في جبهات قتال حقيقية.
حتى كتابة هذه السطور لم تعلن اي جهة مسؤوليتها عن هذا الهجوم، وتضاربت آراء “الخبراء” في هذا المضمار، فمنهم من قال ان تنظيم “القاعدة” يقف خلفه لاثبات وجوده، وخطف الاضواء من “الدولة الاسلامية”، وهناك آخرون لا يستبعدون ان يكون المنفذون من “الجهاديين” الفرنسيين الالف الذين ذهبوا الى العراق وسورية للقتال في صفوف “الدولة الاسلامية”، وعادوا للانتقام من حكوماتهم التي شاركت في الحرب ضدها في اطار التحالف الامريكي.
وسواء كانت “منظمة” ما تقف خلف هذه الهجوم، او جاء كحادث معزول نظمته “خلية” بعيدة عن اي تنظيمات اخرى، مثل الهجوم الذي نفذه الشاب الفرنسي الجزائري الاصل محمد مراح عندما هاجم مدرسة يهودية في تولوز جنوب فرنسا عام 2012، فإن فرنسا مهددة ومستهدفة اسوة بدول اوروبية اخرى، بسبب مشاركتها في حرب شرسة ضد “الجهاديين” في مالي، وارسالها طائرات حربية الى الاردن للمشاركة في الضربات التي تهدف الى اضعاف ومن ثم انهاء “الدولة الاسلامية”، والقضاء عليها كليا.

***

نعم.. من المتوقع ان تؤدي هذه العملية الهجومية الدموية الى تعزيز اليمين الاوروبي المتطرف الذي يصعد هذه الايام ويكن عداءا شرسا للمهاجرين المسلمين خاصة، وان تنعكس سلبا على اكثر من عشرة ملايين مسلم يعيشون في اوروبا ويحملون جنسيتها، ولكن على الحكومات الاوروبية ان تدرك جيدا ان الغالبية الساحقة من هؤلاء من المسلمين المعتدلين الذين ينبذون العنف والارهاب باشكالهما كافة، ولا يجب ان يؤخذوا بجريرة اقلية الاقلية من ابنائهم المتشددين، وحمايتهم كمواطنين يجب ان يكون على قمة سلم اولوياتها.
الحكومات الاوروبية، ومن بينها الحكومة الفرنسية، يجب في المقابل ان تتوقف عن التدخل عسكريا في الشرق الاوسط، وهي تدرك جيدا انها بمثل هذا التدخل تعمل على خدمة هذا الارهاب، وتعززه وتسهل عمليات تجنيد منظماته لآلاف الشباب الاسلامي المحبط، علاوة على ان هذا التدخل لم ينجح في تحقيق اهدافه التي جاء من اجلها، بل فرخ ازمات اخرى اكثر خطورة.
وربما يفيد التذكير بتدخل حلف الناتو وطائراته في ليبيا والوضع الذي آلت اليه، وقبل ذلك في العراق وافغانستان، واخيرا في سورية واليمن، ومقتل اكثر من مليون انسان كضحية له.
السياسات الغربية في البلاد العربية والاسلامية خلقت دولا فاشلة، وحروبا طائفية وعرقية، واوجدت الحاضنات للجماعات الاسلامية الجهادية المتشددة، وبدأت ترتد عليها على شكل هجمات دموية، وهجرات جماعية لشبان يركبون البحر بالآلاف، عشرة آلاف منهم شهريا من ليبيا وحدها، التي وعد الرئيس الفرنسي ساركوزي بتحويلها الى واحة للديمقراطية والاستقرار والازدهار وحقوق الانسان.
نتمنى ان يكون الهجوم الدموي على المجلة الفرنسية فرديا، وليس مقدمة لهجمات اخرى ضد ابرياء، مثلما نتمنى على الدول الغربية وحكوماتها واعلامها تبني سياسات ترتكز على العدالة والمساواة، والتعايش، ووقف كل اشكال التحريض ضد الاسلام والتدخل العسكري، ومساندة القضايا العادلة، واولها قضية فلسطين التي شاركوا جميعا في خلق وتعميق معاناة شعبها لما يقرب من سبعين عاما، فهي ام القضايا، وآلة التفريخ للتطرف في المنطقة بشكل مباشر او غير مباشر، حتى لو تراجعت اهميتها هذه الايام في نظر البعض، وهذا موضوع آخر.

هجوم خلية “الدولة الاسلامية” “الاستشهادية” على مخفر حدودي سعودي في عرعر تطور خطير ينبيء بحرب صعبة في المستقبل المنظور اسلحتها اعلامية فكرية قبل ان تكون امنية وعسكرية.. لماذ؟

عبد الباري عطوان

في غمرة انشغال المملكة العربية السعودية، حكومة وشعبا، بصحة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز (92 عاما) المتدهورة، اكد بيان رسمي مقتل ثلاثة جنود بينهم عميد يدعى عودة معوض البلوي في هجوم نفذه اربعة عناصر على نقطة حدودية في منطقة عرعر المحاذية للعراق.
المهاجمون قتلوا جميعا برصاص قوات الامن السعودية، احدهما فجر نفسه بحزام ناسف رافضا الاستسلام، بينما اصيب اثنان من القوات الامنية السعودية.
الهجوم يعتبر الاول من نوعه على الحدود الشمالية للمملكة، حيث حشدت الحكومة السعودية اكثر من ثلاثة آلاف جندي على طولها الذي يبلغ 814 كيلومترا مما يبعث على القلق بالنسبة الى السلطات السعودية لان علاقاتها مع العراق، الجار الشمالي، ليست على ما يرام حيث سحبت الحكومة العراقية جميع قواتها على الجانب الآخر من الحدود، مضافا الى ذلك منطقة الانبار المحاذية للسعودية بات معظمها تحت سيطرة “الدولة الاسلامية” وقواتها، وتجد الاخيرة تعاطفا كبيرا بين اهالي المنطقة السنة المذهب.

***

ما زالت دوافع هذه الخلية للتسلل عبر حدود المملكة، والاصطدام بقوات الامن غير معروفة، لكن المؤكد انها “خلية انتحارية” ارادت زعزعة امن واستقرار المملكة، فالسيد ابو بكر البغدادي زعيم “الدولة الاسلامية” اصدر شريطا على”اليوتيوب” قبل شهر تقريبا طالب فيه مواطني “بلاد الحرمين” بالثورة على نظامهم الفاسد، والانضمام الى دولته، وتبني عقيدتها الجهادية.
ادبيات “الدولة الاسلامية” تؤكد ان الهدف الاول لها هو استعادة الحجاز، واعلان المدينة المنورة او مكة المكرمة عاصمة لدولة الخلافة التي تريد اقامتها على مناطق شاسعة من العالم تمتد من الصين حتى فيينا وما بعدها، ولذلك من غير المستبعد ان تشهد المرحلة المقبلة المزيد من هذه الهجمات.
ولم يكن من قبيل الصدفة ان يعّرف “الخليفة” البغدادي نفسه بأنه ابراهيم عواد ابراهيم البدري الحسني القرشي السامرائي، مؤكدا نسبه الى آل البيت من ناحية، وقبيلة قريش من ناحية اخرى.
ومن يطّلع على العقيدة والايديولوجية التي ترتكز اليها “الدولة” يجد انها عودة الى جذور الوهابية وفكر الامام محمد بن عبد الوهاب في صيغته “الطهرية” الاولى، الامر الذي يشكل نقطة جذب للشباب السعوديين الذين كشفت استطلاعات رأي على مواقع التواصل الاجتماعي ان 92 بالمئة منهم يؤيدون “الدولة الاسلامية” وعقيدتها المتشددة، ووعدت السلطات السعودية التي شككت رسميا بنتائج هذا الاستطلاع باجراء استفتاء علمي يشرف عليه اكاديميون في اوساط الشباب للرد على الاستطلاع المذكور، ولكنه لم يصدر حتى كتابة هذه السطور.
السلطات السعودية باتت تقاتل على جبهتين في آن واحد، الاولى داخلية والثانية خارجية، ومن الصعب ترجيح ايهما اخطر من الاخرى، فكلاهما مصدر قلق وخوف، فماذا يمكن ان تفعل قوات الامن بمهاجمين في الداخل او قادمين من الخارج يرتدون الاحزمة الناسفة، ويريدون تفجير انفسهم على الاستسلام والاسر، ومصممون على القتال حتى السقوط “كشهداء” والصعود الى دار البقاء؟
التقديرات شبه الرسمية تقول ان هناك اكثر من 5000 سعودي يقاتلون في صفوف “الدولة الاسلامية”، وينخرط معظمهم في “الفرق الاستشهادية”، وهناك من يقدر العدد بأكثر من سبعة آلاف، ومن غير المفاجيء ان تكون خلية الهجوم على عرعر يوم امس مكونة من هؤلاء.
العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز اكد اكثر من مرة في خطاباته، سواء التي قرأها بنفسه، او قُرأت بالنيابة عنه، في المناسبات الرسمية مثل عيدي الفطر والاضحى، طالب العلماء والدعاة ورجال الدين بالتصدي لما اسماه بالفكر الضال، ولكن التجاوب مع هذه الدعوة ظلت محدودة، والشيء نفسه يقال عن محاولات السلطات السعودية السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي مثل “التويتر” و”الفيسبوك” حيث ينشط انصار “الدولة” بشكل غير عادي.
المعركة السعودية مع “الدولة الاسلامية” لها جوانب امنية واعلامية وفكرية، ويبدو انه من الصعب كسبها بسهولة، وبالحد الادنى من الخسائر، فمن يتابع الانشطة الاعلامية للدولة، المرئية منها والمقروءة والمسموعة، وما تتضمنه من فكر وحرفية عالية، يدرك هذه الصعوبة، ولا نبالغ اذا قلنا، نحن الذين درسنا هذه الانشطة طوال الاشهر العشرة الماضية على الاقل، ان انتاج هذه الدولة الاعلامي يتفوق على نظيره الامريكي الهوليودي، ناهيك عن الاعلام السعودي، الرسمي منه وغير الرسمي، مما يؤكد ان عقولا جبارة اكتسبت خبرات غربية متقدمة تقف خلفه وتوجهه.
استراتيجية “الدولة الاسلامية” في السعودية او غيرها تقوم على الرعب والترهيب، وزعزعة الاستقرار، فاطلاق النار على مواطن دانمركي في احد شوارع الرياض، او ذبح امريكية في مركز تسوق مركزي في ابو ظبي، او ارسال خمسة رجال منقبين الى الحدود السعودية الجنوبية مع اليمن، كلها تصب في هذا المضمار.
***
وعندما نقول ان معركة المملكة ليست سهلة مع “الدولة الاسلامية” لا ننسى ان نتوقف عند انهيار اسعار النفط، وانخفاض الدخل السعودي السنوي بأكثر من خمسين في المئة، واذا صحت نبوءة السيد علي النعيمي بأن الاسعار قد تصل الى عشرين دولارا للبرميل، فان هذا سيصب في مصلحة “الدولة الاسلامية” وقد يسهل او يسرع عملية تجنيدها للشباب السعودي المحبط، خاصة اذا علمنا ان نسبة البطالة في اوساط هؤلاء تصل الى اكثر من ثلاثين في المئة في الوقت الراهن.
“خلية عرعر” وهجومها غير المفاجيء يقرع جرس انذار شديد الصدى في اوساط الحكومة السعودية ويؤكد ان الخطر يتضخم، ويدخل المناطق الحرجة المحرمة التي ظلت “محصنة” طوال السنوات الثمانين من عمر المملكة.
السلطات السعودية عملت طوال السنوات الاربع الماضية الى ابعاد العنف والارهاب عن عنقها وحدودها، وصدرت الشباب المتطرف والمحبط الى دول الجوار وخاصة العراق وسورية، وصدرت المليارات سواء لدعم “الثورات” في دول (سورية والعراق) او لاجهاضها (مصر واليمن) في دول الجوار، ولكن يبدو ان هذه الاستراتيجية المتناقضة والعصية على الفهم بدأت تعطي ثمارا دموية معاكسة، فهل بدأ السحر ينقلب على السحرة.
ندرك جيدا ان السلطات السعودية تجرم السحر وتعدم السحرة، ولكن لم نجد توصيفا افضل من هذا للمستقبل المنظور.
هيئة كبار العلماء في السعودية ادانت هذا “الحادث الارهابي” بعد دقائق من وقوعه، وايدت القبضة الحديدية للدولة في مواجهة هذا “الفكر الضال”، ونعتقد ان السلطات تحتاج الى ما هو اكثر من الادانة في معركتها الحالية، واول خطوة في هذا الصدد ترتيب بيتها من الداخل، واختيار حاكم قوي، ونشر قيم العدالة والمساواة والحكم الرشيد، والاصلاحات السياسية، والتعلم من دروس بعض دول الجوار؟

الطيار الكساسبة يفضح الروايات الامريكية الكاذبة ويؤكد اسقاطه بصاروخ.. انها رسالة ايضا للطيارين العرب زملائه في التحالف.. واخيرا هل سيعتذر لنا الامريكيون ويعترفون بخطأ أحدث اكاذيبهم؟

عبد الباري عطوان
لا نعرف ما هو شعور القيادة العسكرية الامريكية التي اصدرت بيانا شككت فيه برواية “الدولة الاسلامية” التي قالت انها اسقطت الطائرة الحربية الاردنية “بصاروخ حراري” بعد ان اطلعوا على النص الحرفي للمقابلة التي اجرتها مجلة “دابق” مع الملازم طيار معاذ الكساسبة وروى فيها بالتفصيل كيفية سقوط طائرته الامريكية الصنع، وقفزه منها بعد ان انحرفت عن مسارها والسنة الدخان تنبعث من محركاتها.
ولا نعرف ايضا ما هو شعور القيادة العسكرية الاردنية التي تبنت الرواية الامريكية الكاذبة والمضللة هذه التي تكشف عن غباء مطلق، واستهتار بعقل المشاهد والقاريء، والامكانيات الاعلامية الهائلة للطرف الآخر، تقنيا وبشريا.
يجب ان تعرف الادارة الامريكية وقيادتها العسكرية وتعترف ان الاعلام تغير في عصر “الانترنت” و”اليوتيوب” و”الفيسبوك” و”التويتر”، وان العرب والمسلمين لم يعودوا اغبياء، وتحرروا من هيمنة الاعلام الرسمي وادواته الرقابية المتخلفة، مثلما تحرروا من الاعتماد على وسائل الاعلام الغربية للوصول الى المعلومات، وان ما كان صالحا في الحربين العالميتين الاولى والثانية لم يعد صالحا في القرن الواحد والعشرين.
الادارة الامريكية تكابر في تعاطيها مع مسألة اسقاط الطائرة الاردنية، وترفض الاعتراف بأن هذا النوع من الطائرات (تف 16) الذي كان يصول ويجول في الاجواء العربية ويقصف ويدمر كيفما شاء دون ان يعترضه احد، يمكن ان يسقط مثل الذباب عندما يجد من يعرف كيف يتعاطى معه، ويكسر شوكته ولو جزئيا.
***
اسرائيل كانت تتحلى بالغرور نفسه، وتعتقد ان دباباتها من نوع “الميركافا” عصية على رجال المقاومة وصواريخهم، الى ان جاء اليوم الذي سجل انهيار هذه الاسطورة في قطاع غزة وجنوب لبنان بسواعد المؤمنين طالبي الشهادة، وشاهدنا مقابرها ماثلة للاذهان وشاهدة، في شمال وشرق قطاع غزة وفي ميليتا في جنوب لبنان.
الطيار الاسير الكساسبة كشف المستور وفضح اللعبة واللاعبين، وقدم معلومات دقيقة عن جميع الدول الخليجية والعربية التي ارسلت طائراتها للمشاركة في ضرب مواقع وتجمعات “الدولة الاسلامية”، والقواعد التي تنطلق منها الطائرات، وانواعها، مثلما كشف عن اعداد الطيارين والمهندسين، والمستشارين الامريكيين الذين يعملون في هذه القواعد.
المعلومات الدقيقة هذه التي قدمها الطيار الكساسبة ربما نقطة في بحر، ولا بد ان هناك اخرى جرى حجبها، او انها ستظهر لاحقا، وهي ثمينة جدا بكل المقاييس، وما يؤكد صحتها ان وزارة الدفاع الامريكية تلتزم الصمت ولم تعلق عليها مطلقا حتى كتابة هذه السطور ربما خجلا، ونحن نفترض ان هناك من يخجل في البنتاغون من اعمال القتل والتعذيب التي مارسها ويمارسها رجاله واجهزته الاستخبارية في العراق وافغانستان وغوانتانامو.
الطيار الكساسبة “صيد ثمين” في يد آسريه في “الدولة الاسلامية” وورقة ضغط كبرى على السلطات الاردنية والامريكية معا، كما ان عملية اسقاط طائرته واسره رسالة قوية الى الطيارين العرب (والطيارات)، وبينهم امراء، تباهوا وهم يقودون طائراتهم الى الاجواء السورية والعراقية لتنفيذ ضرباتهم وفق الاوامر الموجهة اليهم، ويقتلون مواطنين ابرياء الى جانب مقاتلي “العدو” اي تنظيم “الدولة الاسلامية”.
***
لسنا من بين المصدقين للغالبية العظمى من البيانات الامريكية، لاننا نملك مخزونا ضخما من الادلة التي تؤكد كذبها وتضليلها، ألم يقولوا لنا ان هناك معلومات موثقة عن اسلحة الدمار الشامل العراقية، ألم يؤكدون لنا قبل ثلاثة اعوام ان ايران على بعد اقل من ستة اشهر من انتاج رؤوس نووية، وقالوا الشيء نفسه قبل ذلك عن صدام حسين ونظامه.
اعترف انني شعرت بغصة في حلقي وانا ارى الطيار الكساسبة يرتدي البدلة البرتقالية، ويقول دون تردد في اجابته عن سؤال عما ستفعل به “الدولة الاسلامية” ومقاتليها بعد وقوعه في الاسر “انهم سيقتلونني”.
اتمنى من كل قلبي ان لا تعدم “الدولة” هذا الطيار الشاب وتحسن معاملته، فقد جرى الزج به في حرب اعتقد انه لا يؤمن بها وجدواها، وشرعيتها، في اعماقه، وكم كنت سأفتخر به واعلق صورته في مكتبي لو ان آسريه من الاسرائيليين.
انه ضحية سياسات خاطئة اقدمت عليها السلطات الاردنية، باختيارها او رغما عنها، فهذه الحرب ليست حربها، ودورها فيها ثانوي جدا، ولن تخرج منها الا خاسرة، وان ربحت بعض المال وبعض الرضاء الامريكي.

العلم السوري يرفرف غدا فوق السفارة السورية في الكويت بألوانه الحمراء والبيضاء والسوداء.. انه انقلاب كبير لم يكن متوقعا قبل 22 شهرا.. ما الذي حدث؟ وما هي اسبابه ومتى نرى العلم نفسه يرفرف في الرياض والدوحة؟

عبد الباري عطوان
سيرفرف العلم السوري بألوانه الاحمر والابيض والاسود فوق السفارة السورية في الكويت التي سيعاد فتحها رسميا اليوم الاثنين، بعد اغلاق استمر عشرين شهرا توقعت خلالها الحكومة الكويتية، ودول خليجية اخرى سقوط النظام وتسليم السفارة الى المعارضة السورية المسلحة برئاسة الائتلاف الوطني السوري، بعد ان جمدوا عضويته في الجامعة العربية وسمحوا لزعيم المعارضة في حينها (معاذ الخطيب) الجلوس على مقعدها والقاء كلمتها في قمة الدوحة العربية.
النظام لم يسقط، ولا يوجد اي مؤشرات انه سيسقط في المنظور المتوسط على الاقل، رغم الانشقاقات التي وقعت في صفوفه في بداية الازمة، سواء في الجيش او في المؤسسات السياسية والدبلوماسية، حيث قفز الكثيرون من سفينته، سواء عن قناعة، او استجابة للاغراءات المالية الضخمة، نتيجة اعتقاد راسخ، كرسته امبراطورية اعلامية غربية، وخليجية جبارة، مرفوقة بتأكيدات امريكية واسرائيلية وتركية بأن ايام النظام باتت معدودة، وان سفينته غارقة لا محالة.
لا نجادل مطلقا بأن النظام ارتكب مجازر، ويتحمل المسؤولية الاكبر عن ما حدث ويحدث في سورية، لكن الطرف الآخر في المقابل لم يكن حملا وديعا، واحتكم الى السلاح على امل التعجيل في اسقاط هذا النظام وتغييره ببديل ديمقراطي، ولكن في ظل انقلاب “الثورة” السورية الى صراع على الحكم، وصب المليارات، وآلاف الاطنان من الاسلحة في الاتجاهين، اختلطت الاوراق، وتغيرت المعادلات، وتبدلت المفاهيم، واصبح الشعب السوري الذي تشرد منه عشرة ملايين يعيشون حاليا في العراء في ظروف معيشية ومناخية صعبة، وخسر اكثر من ثلاثمائة الف من خيرة ابنائه هو الضحية الكبرى، ويترحم نسبة كبيرة منه على الايام السابقة، بعد ان تحولت بلاده الى فوضى دموية، وميدان صراع للامم، وفقدت وحدتها الجغرافية والديمغرافية وتقدمت الهوية الطائفية على كل الهويات الاخرى الجامعة للأسف.

***

المعارضة السورية، مثلها مثل الشعب السوري، تعرضت لخديعة كبرى عندما صدقت الوعود الامريكية، والتطمينات العربية، والخليجية منها على وجه الخصوص، واعتقدت انها باتت على بعد ايام معدودة للتخلص من النظام الديكتاتوري القمعي حسب نصوص ادبياتها وبياناتها، واقامة الجمهورية الديمقراطية الفاضلة.
اعادة فتح السفارة السورية في الكويت اهم اعتراف علني، وعملي، بأن السياسة الخليجية في سورية انهارت، خاصة انها توازت مع انفتاح كبير على العراق حليف سورية، تمثل في فتح قنصليتين وتوقيع 46 اتفاقية تجارية مع حكومته في اطار استراتيجية كويتية جديدة بتطبيع العلاقات وتعزيزها.
الكويت عندما سحبت سفيرها من دمشق واغلقت سفارتها، وطلبت من السفير السوري العودة الى بلاده في شباط (فبراير) عام 2012، اقدمت على هذه الخطوة في اطار تنسيق خليجي مشترك ومتفق عليه (سلطنة عمان لم تلتزم وابقت سفارتها مفتوحة في دمشق)، لهذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو عما اذا كان قرارها هذا منفردا، ام في اطار اتفاق خليجي على اعادة فتح سفارات سورية، في جميع او معظم العواصم الخليجية؟
انه موسم الحجيج الى دمشق، فها هي تونس التي كانت اول دولة عربية تغلق سفارتها في دمشق، ويعرض رئيسها المؤقت السابق (المنصف المرزوقي) على نظيره السوري حق اللجوء السياسي، ويستضيف اول اجتماع لمنظومة اصدقاء سورية (هل ما زالت موجودة؟) تعيد فتح سفارتها، ويتبادل رئيسها الجديد “المنتخب” الباجي قائد السبسي برقيات التهاني مع نظيره السوري، ولا نستبعد ان تبدأ احجار الدومينو تتساقط الواحدة تلو الاخرى، او فتح السفارة تلو الاخرى.
اسباب عديدة ادت الى هذا التطور “غير المفاجيء” على اي حال:
• اولا: ادركت الولايات المتحدة ان المعسكر الايراني السوري العراقي المدعوم من روسيا هو المنتصر “حاليا” فقررت الرهان عليه، والتعاطي معه، والاعتراف به على حساب حلفائها القدامى، وبعد ان “حلبتهم” ماليا وباعتهم اسلحة بأكثر من 150 مليار دولار.
• ثانيا: صعود “الدولة الاسلامية” بقوة، وازالتها الحدود السورية العراقية، واقامة دولة مكتفية ذاتيا بالمال والسلاح، حجمها اكبر من حجم فرنسا، وجميع الدولة الخليجية مجتمعة، عدا المملكة العربية السعودية، واعتمادها التوسع الجغرافي والعقائدي كنهج واستراتيجية، على عكس كل الحركات الاسلامية الاخرى، الامر الذي بث الرعب في جميع دول المنطقة، وغير اولويات الغرب، وجعل الجميع يرون في النظام السوري حليفا مستقبليا يمكن الاعتماد عليه، والتعاون معه، وغفر كل خطاياه، ما تقدم منها وما تأخر.
• ثالثا: انهيار الجامعة العربية ومصداقيتها كمظلة سياسية اقليمية، وحدوث تغيير جذري في مصر عنوانه انقلاب عسكري بقيادة الفريق اول عبد الفتاح السيسي (مشير ورئيس منتخب لاحقا) اطاح بحكم الاخوان المسلمين، والتحالف القطري التركي معهم، وجاءت عودة الليبراليين والدستوريين في تونس عبر صناديق الاقتراع، وتراجع ترويكا النهضة الثلاثية، وانهيار الاستقرار في ليبيا، وتصاعد الحرب الدموية فيها كلها عوامل غيرت المشهدين السوري والعربي تماما.
• رابعا: تراجع اسعار النفط بأكثر من خمسين في المئة، وتوقعات بوصولها الى عشرين دولارا للبرميل في سنوات مقبلة، اضعفت المعسكر الخليجي وقبضته على المنطقة، وصعدت من مخاوفه في حدوث اضطرابات داخلية، سياسية واجتماعية، بعد تزايد احتمالات تخفيض الانفاق الحكومي، وفرض ضرائب على المواطنين، ورفع الدعم عن المواد الاساسية مثل المحروقات والمواد الغذائية.
• خامسا: انقلاب السحر على الساحر، وعودة “الارهاب” بقوة الى دول خليجية ظلت محصنة منه لعقود، وشاهدنا هجمات تستهدف اجانب في كل من الامارات والسعودية، وظهور إعلام مواز مؤثر وفاعل لـ”الدولة الاسلامية” يحرض على اطاحة الانظمة، ويجذب نسبة كبيرة من الشباب الخليجي لاطروحاته، وتشكيله خلايا نائمة وحية بالتالي.
• سادسا: بروز المحور المصري الروسي الذي نشط في الاسابيع الاخيرة من اجل عقد مؤتمر حوار بين الحكومة والمعارضة في سورية للتوصل الى حل سياسي للازمة دون اي شروط مسبقة، وبمعزل عن المحور الخليجي التركي، وتجاوب معظم فصائل المعارضة السورية معه بشكل ايجابي والاستعداد للانخراط في الحوار دون شرط اسقاط النظام.
***
لا نستبعد ان يجلس السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري على مقعد سورية في الاجتماع المقبل لمؤسسة القمة العربية المقرر ان يعقد في القاهرة في الثلث الاخير من شهر اذار (مارس) المقبل، ولن نستغرب اذا كان السيد معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني السوري السابق، والسيد حسن عبد العظيم رئيس هيئة التنسيق وآخرين اعضاء في الوفد السوري يجلسون في المقاعد خلف شيخ الدبلوماسية السورية.
لم لا.. فكل شيء جائز هذه الايام، فمن كان يتوقع اتفاقا امريكيا ايرانيا بعد ان وصلت الامور الى حافة المواجهة، او من كان يتوقع هذا الصعود لـ”الدولة الاسلامية”، واطاحتها بالسيد نوري المالكي ووصول قواتها الى ابواب بغداد واربيل؟، وعودة الطائرات واكثر من خمسة آلاف جندي امريكي الى العراق، والاهم من كل ذلك، من كان يحلم بأن الرئيس بشار الاسد سيستمر في الجلوس على كرسي الحكم للعام الخامس على التوالي؟
نكتفي بهذا القدر.. ومن المؤكد ان لنا عودة لمتابعة تطورات هذا الزلزال.

الغرب استغل “الثورة العربية الكبرى” لتقسيم المنطقة لمصلحة “الدولة القطرية”.. ويحاول الآن تفتيت الاخيرة تحت مسمى الثورات الشعبية عبر فرض الحلول “الفيدرالية” والكيانات الطائفية المتصارعة.. فهل من “صحوة” لاحباط هذه المؤامرة؟

عبد الباري عطوان

بعد القنبلة التي فجرها اندرس فوغ راسموسن الامين العام السابق لحلف الناتو في كلمته التي القاها في جامعة في مدينة غازي عنتاب التركية الحدودية مع سورية واكد فيها ان الحل الامثل للازمة الراهنة في سورية هو “الحل البوسني” اي تقسيم البلاد على اسس عرقية وطائفية، بدأت تظهر مقالات عديدة في صحف غربية هذه الايام، اخرها في جريدة “الفايننشال تايمز″ في عددها الصادر اليوم (الثلاثاء) يؤكد ان “الفيدرالية ربما تكون الدواء الشافي للحروب الاهلية والطائفية في المنطقة بأسرها وليس في سورية فقط.
انه “التفتيت” الذي يزحف على المنطقة العربية بقوة تحت ستار الثورات الشعبية التي انطلقت للقضاء على الانظمة الديكتاتورية المستبدة قبل اربع سنوات تقريبا.
عندما انفجر الشارع العربي في مظاهرات احتجاجية سليمة كان هذا الانفجار الذي ركز على الاصلاح السياسي والحريات واحترام حقوق الانسان والعدالة الاجتماعية كان مشروعا ومبررا، ولكن ما حدث بعد ذلك، وخاصة تسليح الانتفاضات او الثورات من قبل دول عربية مرتبطة بأجندات غربية، اثبت ان “الاصلاح” هو كلمة مرادفة لتغيير الانظمة، واستبدالها بالفوضى الدموية والحروب الاهلية، واذكاء النزعات الطائفية والعرقية، كمقدمة لهدف وهو تفتيت “الدولة القطرية” وتشظيها تحت مسميات الفيدرالية والكونفدرالية، بحيث لا تكون هناك دولة قوية في الوطن العربي تتصدى للهيمنة الغربية والمشروع الاسرائيلي.
***
وضعت يدي على قلبي شخصيا عندما اطلق المفكر الصهيوني برنارد لويس “نبوئتين” لا زالتا ملتصقتين في ذهني، الاولى، عندما قال ان “القومية العربية” وكل اسسها انهارت مع احتلال القوات العراقية الكويت، والثانية، عندما بدأ يروج ومعه جوقة من تلاميذه الى ان دول الشرق الاوسط دول “مصطنعة” انشأها التحالف الفرنسي البريطاني المنتصر على الدول العثمانية في الحرب العالمية الاولى، ولا بد من تفكيكها واعادة رسم حدودها مجددا، وكان يقصد بذلك اقامة دول جديدة على اسس طائفية وعرقية.
النبوءتان تتحققان بشكل متسارع هذه الايام، فالفكر القومي تراجع، وجميع الانظمة العربية، التي حكمت باسمه، او انطلاقا من ايديولوجيته الوحدوية، اختفت من الساحة، والدولة القطرية تفككت وتشظت الواحدة تلو الاخرى، بدءا بالعراق ومرورا باليمن، وانتهاء بليبيا، والافت ان سورية ربما تنضم الى منظوم التفكيك هذه اذا نجحت المخططات الغربية التي تستهدفها.
ليس من قبيل الصدفة ان جميع الدول التي تواجه خطر التفتيت، واقامة امارات طائفية او عرقية على ارضها، وبعد مرور مئة عام على اتفاقية سايكس بيكو، هي دول علمانية استندت الى الايديولوجية القومية (ولو شكليا في بعض الحالات) التي تكرس الهوية العربية الجامعة، وتترفع على الطوائف والمذاهب والعرقيات، في اطار مبدأ التعايش.
وربما يجادل البعض محقا بأن الانظمة العلمانية القومية جاءت انقلابية عسكرية في معظمها، ومارست القمع الدموي ضد مواطنيها، واعتمدت التعذيب والتصفية للخصوم ومصادرة حقوق الانسان من خلال اجهزة امنية اعتمدت الاسلوب نفسه، وربما اكثر شراسة الذي تتبعه “الدولة الاسلامية” حاليا، وهذا الجدل صحيح في معظم جوانبه ولا تختلف معه، ولكن هناك من يرد بأن هناك ايجابيات لا يمكن اغفالها، وهي منع هذه الانظمة صعود النزعات والانقسامات الطائفية، والحفاظ على تماسك الدولة القطرية في حدودها “المصطنعة” طالما ان الوحدة العربية الشاملة الهدف الاعلى، لم تتحقق، مضافا الى ذلك انها تصدت للمشروع الصهيوني في حدود امكانياتها، وخاضت اربع حروب، وقاتل بعضها بشراسة داخل منظمة الدول المصدرة للنفط “اوبك” من اجل اسعار عادلة لهذا المنتوج الناضب.
ايراد هذه الحجج والمضادة لها، بموضوعية علمية، لا يعني مطلقا محاولة تزيين الوجه القمعي الديكتاتوري لهذه الانظمة، وانما تبيان كيفية استغلال عيوبها وبسوء نية، وهي كثيرة وكبيرة، من قبل المعسكر الغربي، من اجل انتاج بديل اكثر سوءا يعتمد التفتيت والتقسيم والحروب الطائفية، فليس صدفة ان يعود الينا التفتيت الطائفي عبر بوابة الغزو الامريكي للعراق، وتدخل الناتو في كل من سورية وليبيا واليمن تحت لافتات “مزورة” متعددة.
***
مقال صحيفة “الفايننشال تايمز″ الذي بدأنا به هذه المقالة وكتبه ديفيد غاردنر وهو خبير بريطاني في شؤون الشرق الاوسط ويتحدث العربية، كان مرعبا، لانه طرح سؤالا مهما مفاده “هل يمكن اعادة الاوضاع الى ما كانت عليه قبل “ثورات” الربيع العربي في دول مثل ليبيا وسورية والعراق واليمن؟
واجاب على السؤال بالنفي، ولهذا طالب بعقد سياسي جديد للدول او الامارات الجديدة التي ستظهر على اسس فيدرالية او كونفدرالية.
الثورة العربية الكبرى التي قادها الحسني بن علي شريف مكة بتحريض من الانكليز ضد الامبراطورية العثمانية “المسلمة” انتهت بتقسيم الوطن العربي الى دويلات واعطاء فلسطين لليهود، “الثورات” العربية الحالية قد تنتهي وبتحريض الغرب وتدخله، الى تفتيت هذه الدول الواحدة بعد الاخرى.
للاسف لا توجد هوية سورية او عراقية او يمنية او ليبية جامعة، بل توجد هويات طائفية وعرقية ومناطقية تترسخ في اطار مخطط محكم الاعداد.
هذا الخطر “التفتيتي” يحب ان يواجه بقوة من الجميع دون استثناء، اسلاميين كانوا او قوميين، شيعة او سنة، مسلمين او مسيحيين، لان نتيجته الحتمية تحويل المنطقة الى “امارات” او كيانات” متقاتلة لعشرات السنوات المقبلة، وتغول المشروع الصهيوني والهيمنة الغربية.