الخليج

دمشق تطلق رصاصة رحمة مبكرة على مبادرة دميستورا.. وزيارة ابن عم الاسد لمصر اختراق مهم.. والنظام السوري لن يعود للجامعة العربية في ظل وجود العربي

عبد الباري عطوان
من تابع لقاء الرئيس السوري بشار الاسد مع وفد يمثل جاليات فلسطينية في اوروبا يلحظ شعوره بالارتياح والثقة، مثلما يلحظ ابتسامة لم تفارق وجهه في الوقت نفسه، هذا الارتياح ينعكس ايضا في مواقفه الاخيرة خاصة رفضه المفاجيء وجود قوات تابعة للامم المتحدة للفصل بين قوات النظام والمعارضة، ومراقبة اي وقف لاطلاق النار يمكن ان يتم التوصل اليه وفقا لمبادرة ستيفان دميستورا المبعوث الدولي الى سورية، بعد ان ابدى مرونة تجاهها ووعد بدراستها.
اصرار السلطات السورية على عودة قواتها الى حلب في شقيها الشرقي والغربي يعني رفضا واضحا لمباردة دميستورا، وتبدد الكثير من الآمال التي انعقدت عليها لايجاد مخرج سياسي للازمة السورية ووقف اعمال القتل، وهذا يعني انتكاسة كبيرة لهذه المبادرة بعد الانتكاسة الاولى التي نجمت عن رفض المعارضة لها بصورتها الحالية وطلب ادخال تعديلات عليها.

***

الرئيس الاسد يشعر بالارتياح لان جميع خصومه تقريبا يعيشون مآزق متعددة باتت تشغلهم عن الازمة السورية، وتخفف من درجة تورطهم فيها من خلال دعم المعارضة السورية المسلحة.
فالسيد رجب طيب اردوغان جاره الشمالي بات يخوض حربا داخلية شرسة ضد منتقديه في وسائل الاعلام التركية، تطورت الى درجة اعتقال اكثر من عشرة صحافيين، وتوجيه تهمة دعم الارهاب الى اثنين منهم يعملون في صحيفة “زمان” واسعة الانتشار في البلاد، والشيء نفسه يقال عن المملكة العربية السعودية التي تتزايد فيها اعمال القتل لرجال الامن على يد عناصر تنتمي الى “الدولة الاسلامية” وتنظيم “القاعدة”.
ولعل التغيير الاكبر الذي يعزز من ثقة الرئيس الاسد الانقلاب الكبير في الموقف الامريكي، فمن الواضح ان الرئيس باراك اوباما بات ينسحب تدريجيا من الملف السوري لمصلحة مواجهة خطر “الدولة الاسلامية”.
وصول السيد عماد الاسد ابن عم الرئيس الاسد ورئيس الاكاديمية البحرية في اللاذقية الى مصر في زيارة غير معلنة يشكل اختراقا كبيرا للمعسكر العربي المعادي للنظام السوري، وخطوة مهمة لتطبيع العلاقات بين البلدين اي مصر وسورية، يمكن ان تحدث تغييرا في المنطقة، وتغير من مواقف جامعة الدول العربية تجاه الازمة السورية.
السلطات السورية ترفض رفضا قاطعا العودة الى الجامعة العربية، او اي حديث حول فك التجميد المفروض على عضويتها فيها، وتتخذ موقفا معاديا منها ومن امينها العام الحالي السيد نبيل العربي، ولذلك من الصعب تصور حدوث اي اتصالات بين الجانبين، اي الجامعة وسورية قبل انتهاء مدة السيد العربي، حسبما اكد مصدر لبناني مقرب من القيادة السورية.
استقبال السيد عماد الاسد في مصر لا يتم في اطار مبادرة مصرية، وانما في اطار تحول كبير في موقفها وانتقالها من حالة “شبه الحياد” الى مرحلة توثيق العلاقات تدريجيا مع دمشق، وفتح ابواب القاهرة مجددا امام المسؤولين السوريين، ولذلك من غير المستبعد ان يكون الزائر السوري القادم للعاصمة المصرية السيد وليد المعلم او نائبه السيد فيصل مقداد، وبتشجيع من المملكة العربية السعودية ودول خليجية اخرى، بدأت سياساتها تبدو اقل حدة مما كانت عليه قبل عام، سواء على صعيد دعم المعارضة، او تجاه المطالبة بإسقاط النظام السوري وضخ المليارات واطنان الاسلحة من اجل ذلك.

***

المعسكر الآخر المضاد للنظام السوري يخسر بشكل متسارع في ميادين القتال الاكثر اهمية، فاللواء خليفة حفتر يتقدم في ليبيا، والانباء القادمة من هناك تؤكد انه بات يسيطر كليا على مدينة بنغازي، ومعظم الشرق الليبي، ويحظى بدعم شعبي متزايد، علاوة على الدعم الاماراتي والمصري والامريكي، والحوثيون باتوا القوى المهيمنة في اليمن، والجماعات الاسلامية المتشددة تنقل عملياتها العسكرية الى دول الخليج.
من كان يتصور قبل اربع سنوات ان الرئيس السوري سيظل في موقعه، ويستقبل الوفود الشعبية، ويرسل مبعوثه الى مصر وغيرها، ويعيد فتح سفارة بلاده في الكويت وغيرها؟
الشعب السوري بدأ يدرك انه كان، مثل شعوب عربية اخرى، ضحية عملية تضليل وكذب وخداع من امريكا وحكومات عربية عديدة، عنوانها انفضاض هذه الدول عنه، وتركه لمصيره وسط الخراب والدمار ومعاناة المنافي والمتاجرة فيه وبدمائه.
هل من قبيل الصدفة ان “عدادات” احصاء القتلى والجرحى في سورية توقفت او تباطأت، بشكل كبير هذه الايام بالمقارنة مع اعوام ماضية؟

هل تمهد السعودية لحظر “النقاب” بعد منع “الجهاد” لاسباب امنية؟ وكيف سيكون رد العلماء والاصوليين؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟

عبد الباري عطوان
فجر رجل الدين السعودي المعروف احمد الغامدي جدلا فقهيا غير مسبوق طوال الايام الثلاثة الماضية بعد ظهوره، وزوجته الى جانبه، في برنامج تلفزيوني بثته قناة “ام بي سي” سافرة الوجه في تحد غير مسبوق للتقاليد الصارمة في المملكة العربية السعودية، حيث يعتبر النقاب اللباس شبه الاجباري للمرأة في هضبة نجد على وجه الخصوص، تطبيقا لتعاليم الامام محمد بن عبد الوهاب ودعوته الوهابية.
الغالبية الساحقة من المتدخلين في هذه القضية، سواء من رجال الدين او من خصومهم الليبراليين، خاصة في وسائط التواصل الاجتماعي من “فيسبوك” او “تويتر” ركزوا على جوانبها الدينية، ولجأوا الى التنقيب في المراجع الفقهية، والتفاسير القرآنية لتأييد وجهة نظرهم بهذه الفتوى الشرعية او تلك، وتناسوا كليا الجوانب الامنية والسياسية الاهم لهذه المسألة.
لا شيء يأتي بمحض الصدفة هذه الايام في الممكلة العربية السعودية ودول الخليج، فكل شيء محسوب بعناية فائقة، وفي اطار استراتيجية مستقبلية متفق عليها، خاصة عندما يتعلق الامر بقضايا فقهية مجتمعية لها علاقة بالاسلام السياسي بطريقة مباشرة او غير مباشرة، فحتى اشهر معدودة كان الحديث عن عدم شرعية النقاب و”اباحة” السفور من التابوهات او حتى من “الكبائر”.
وسائل الاعلام السعودية، خاصة تلك التي تصدر من خارج المملكة، مثل محطة “ام بي سي” واخواتها، التي انطلقت في صيف عام 1991 من لندن، اي بعد “تحرير” الكويت مباشرة، هي احد الادوات الرئيسية التي يجري توظيفها في خدمة الايديولوجيات والاجندات السعودية الجديدة التي ترمي الى احداث تغييرات مجتمعية وسياسية تحارب الاسلام السياسي المتشدد وتعيد صياغة العقل السعودي بعيدا عن الفكر الوهابي المتشدد وفي اطار التحالف الاعمق مع الاستراتيجيات الغربية في المنطقة.
السعودية تواجه خطرا اسلاميا اصوليا جاء من صلبها، ويتبنى افكار “مذهبها” الوهابي، ويتمثل في “الدولة الاسلامية” وفكر تنظيم “القاعدة”، وهي ايديولويجة فكرية تتبنى “الجهاد” للاطاحة بالانظمة الديكتاتورية التي لا تطبق الشريعة الاسلامية وفق تفسيرات وفتاوى السلف الصالح وكبار الائمة والعلماء على حد وصف منظري هذه الجماعات وكبار علمائها.

***

واذا عدنا الى الوراء قليلا، وبالتحديد الى الربيع الماضي على وجه التحديد، عندما بدأت محطة “ام بي سي” ومن خلال برنامج الزميل داوود الشريان (الثامنة) حملة شرسة ضد الدعاة السعوديين الذين يحرضون الشباب السعودي على “الجهاد” في سورية، وسمت اسماء العديدين منهم مثل الشيوخ سلمان العودة، ومحمد العريفي، وعدنان العرعور، وقالت انها تدفع بهؤلاء الشباب الى التهلكة، ثم تبين بعد ذلك ان الهدف من هذه البرامج التمهيد لمراسيم سعودية تجرم كل من يحرض او يخرج للجهاد خارج اراضي المملكة، وفرض عقوبات كبيرة على هؤلاء تصل الى السجن 15 عاما.
ربما تكرر محطة “ام بي سي” هذه الايام السيناريو نفسه بكسر “محرم” في المملكة العربية السعودية جرى فرضه لاكثر من 14 قرنا، وتصديره الى دول ومجتمعات خارجها، اي “النقاب”، ولمصلحة الترويج لـ”السفور” كبديل، باعتباره الاكثر عصرية ولا تتناقض مع الدين واصوله، وحشد كل الدعاة ورجال الدين الذين يؤيدونه لدعم هذا التوجه بالحجج والبراهين والادلة الشرعية، ومن هنا جيء بالشيخ احمد الغامدي وزوجته الى شاشة قناة “ام بي سي” دون غيرها.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن توقيت هذا التحرك المدروس بعناية لمحاربة النقاب او التقليل من شرعيته، والاهداف المرجوة منه لاحقا خاصة ان المملكة وعلماءها شنوا حملات شرسة ضد دول غربية مثل فرنسا قررت منع “النقاب” في الاماكن العامة، واعتبروا ذلك منافيا للاسلام وللحريات الدينية؟
الاجابة بسيطة للغاية، ويمكن استخلاصها من حادثين خطيرين، الاول عندما تسللت “منقبة” الى سوق تجاري في مدينة ابوظبي وذبحت مدرسة امريكية في احدى حماماتها، بسكين اخفته تحت ملابسها، والثانية عندما تستر اكثر من خمسة شبان ينتمون الى تنظيم متشدد يعتقد انه “الدولة الاسلامية”، خلف النقاب، وحاولوا اختراق الحدود اليمنية السعودية في حافلة صغيرة، لتنفيذ هجمات في العمق السعودي، حيث جرى العثور على احزمة ناسفة واسلحة ومتفجرات في حوزتهم بعد قتلهم من قبل قوات حرس الحدود، ولا بد ان احداث مشابهة كان للنقاب دور كبير فيها ولكنها لم تنشر.

***

في تقديرنا ان “النقاب” بات يشكل خطرا امنيا في نظر اجهزة الامن السعودية ودول الخليج، ولذلك لا نستغرب وجود توجه رسمي لمنعه منعا مطلقا للحيولة دون استخدامه في اخفاء هويات المطلوبين من النساء والرجال الذين قد يلجأوا اليه لاخفاء وجوههم وهويتاهم في الوقت نفسه.
المحطات السعودية التي تصدر خارج حدود المملكة ادوات سياسية شديدة التأثير وخاصة في المجتمع السعودي، فهي التي قادت وتقود الحرب الاعلامية في سورية والعراق وليبيا ومصر واليمن، وتساند طرفا في مواجهة آخر، وهي التي تنقل الحياة الغربية والامريكية عامة الى قلب المجتمعات العربية من خلال عرض برامج ومسلسلات ذات شعبية عالية تحت مسمى “التحديث والعصرية”، مثل “آراب ايدول” و”فويس″ و”آراب غوت تالنت”، وهي برامج ومسلسلات تستحوذ على عقول الشباب رجالا ونساء، وتتحدى المؤسسة الدينية الرسمية المتزمتة حسب وصف القائمين على هذه المحطات.
انتظروا قرارات سعودية تدريجية لمنع ارتداء “النقاب” او الحد من ارتدائه في اماكن معينة، وذلك لاسباب امنية ليس بناء على فتاوى او تفسيرات شرعية تبطل ارتدائه، ولا تعتبر السفور خروجا على الاسلام.
لا نستبعد ان يتم الغاء هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (الشرطة الدينية” بشكل تدريجي، او استبدال دورها بحيث يتم فتح فرع نسائي اكبر لها، يتولى الدعوة الى السفور، ومحاربة النقاب، فمن كان يتوقع الحرب السعودية الشرسة ضد الاخوان المسلمين الذين كانوا الاكثر احتضانا من قبل المملكة لعقود، حتى انه عهد اليهم صياغة ووضع المناهج الدراسية في عصرهم الذهبي في فترتي الستينات والسبعينات.
الاعتبارات الامنية تتقدم على كل ما عداها في المملكة العربية السعودية في ظل تصاعد الهجمات على قوات الامن والشرطة من قبل الجماعات الاسلامية المتشددة، فلا يمر اسبوع دون مقتل رجل امن سواء من المتشددين السنة او الشيعة، ولا نستبعد ان تتقدم هذه الاعتبارات على جميع ما عداها حتى لو تمثلت في “النقاب”.
راقبوا محطات شبكة “ام بي سي” لكي تتعرفوا على القرارات والخطوات والمتغيرات السعودية القادمة.

طبخة “بوغدانوف” السورية: تطبيع العلاقات بين دمشق وواشنطن وبدء صفحة جديدة عنوانها تكريس شرعية نظام الاسد والتعاون عسكريا ضد “الدولة الاسلامية”.. فهل اقتربت من النضج.. وما هي حصة المعارضة؟

عبد الباري عطوان

لا نعرف مواصفات “الطبخة” الدبلوماسية التي يعكف ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي على اعدادها بشأن كيفية الوصول الى “حل سياسي” للازمة السورية، وما اذا كانت هذه الطبخة قد اوشكت على النضوج ام لا، فالرجل الذي لم يترك حجرا يتعلق بهذه الازمة الا وقلبه، يتنقل مثل “النحلة” بين دمشق وبيروت واسطنبول ويلتقي عشرات المسؤولين في العواصم الثلاث، ابتداء بالرئيس السوري بشار الاسد، ومرورا بقادة المعارضة السورية ومضيفهم من المسؤولين الاتراك، وانتهاء بالسيد حسن نصر الله امين عام حزب الله، وكان لافتا انه تجنب زيارة اي عاصمة عربية، وخليجية على وجه الخصوص، ولم يلتق بأي من زعماء او وزراء خارجية الدول العربية التي تدعم، او كانت تدعم المعارضة السورية المسلحة على مدى ثلاث سنوات بالمال والسلاح.
اليوم “الجمعة” خرج بوغدانوف قليلا عن صمته، والقى بتصريح “قنبلة” الى وكالة “ريا نوفوستي” الروسية قال فيه “ان بلاده جاهزة لدراسة استضافة مفاوضات امريكية سورية في حال تقدمت الحكومة السورية بطلب من هذا النوع″، واضاف “في حال تقديم هذا الطلب سنجري اتصالاتنا مع الاطراف المعنية بهذا الشأن”.
هذا كلام على درجة كبيرة من الاهمية والخطورة معا، ليس لانه غير مسبوق، وانما لانه يشكل اختراقا كبيرا في الازمة السورية، ويؤشر الى احتمالات حدوث انقلاب حقيقي في الموقف الامريكي تجاهها.
فعندما يقول بوغدانوف ان موسكو جاهزة لدراسة استضافة مفاوضات امريكية سورية في موسكو في حال تقدم الحكومة السورية بطلب من هذا النوع، فإن هذا يعني، ودون اي عناء، ان الطلب السوري ربما يكون موجودا “في جيبه”، وحصل عليه اثناء لقائه يوم امس بالرئيس السوري بشار الاسد في القصر الجمهوري.

***

لا نعتقد ان سورية ستتردد للحظة واحدة في التقدم بهذا الطلب، كما اننا نجزم بأن الادارة الامريكية هي التي اعطت نائب وزير الخارجية الروسي الضوء الاخضر للمضي قدما في مبادرة بلاده الحالية لتهيئة الاجواء لمفاوضات مباشرة بين السلطة السورية والفصائل المعارضة لها.
السلطات السورية قطعا سترحب بأي لقاءات مع مسؤولين امريكيين في موسكو او حتى في واشنطن نفسها، لان هذه اللقاءات، في حال حدوثها، شبه متوقع ووشيك، ستعني اعترافا امريكيا بشرعية النظام اولا، واستعدادها للتعاون معه في مواجهة الجماعات الاسلامية المتشددة وخاصة “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” و”احرار الشام”.
وربما يفيد التذكير بأن المبعوث الروسي بوغدانوف ادلى بتصريح على درجة كبيرة من الاهمية عند وصوله الى مطار دمشق، عندما قال انه “جاء للقاء القيادة الشرعية السورية والتباحث معها حول كيفية التوصل الى حل سياسي”، فلم اسمع انا شخصيا مثل هذه العبارة، وبمثل هذا الوضوح، منذ بداية الازمة السورية، فكل التصريحات التي ادلى بها المسؤولون الروس كانت “ممغمغة” وتمسط الهصا من الوسط.
الاسابيع الاخيرة شهدت “غزلا” غير مباشر بين الادارة الامريكية والحكومة السورية، بدأ بترحيب السيد وليد المعلم وزير الخارجية، وفي مؤتمر صحافي عقده عندما اعلنت ادارة الرئيس باراك اوباما بدء الضربات العسكرية الجوية لتجمعات “الدولة الاسلامية” داخل سورية، بمثل هذه الضربات واستعداد حكومته للتنسيق مع واشنطن في حربها ضد “الارهاب”.
وبلغ هذا الغزل ذروته عندما كشف الرئيس بشار الاسد في حديث لمجلة “باري ماتش” الفرنسية عن شكوكه في نجاح الضربات الجوية الامريكية هذه، وقال انها لن تحقق اهدافها في اضعاف ومن ثم القضاء على “الدولة الاسلامية” الا من خلال وجود قوات على الارض تعرف المنطقة وجغرافيتها جيدا.
الرسالة التي اراد الرئيس الاسد ارسالها الى واشنطن تنطوي على استعداد واضح للتعاون بقوة على الارض مع الجهود العسكرية الامريكية ضد “الدولة الاسلامية”، ويبدو ان ادارة اوباما التقطتها بسرعة، وطلبت من موسكو تهيئة الاجواء لمفاوضات مباشرة مع الحكومة السورية.
المعارضة السورية التي كانت آخر من يعلم، وهذا ليس مفاجئا، ادركت بدورها ان المعادلات تتغير بسرعة، وان الحليفين الامريكي والعربي تخليا عن مخططاتهما لاسقاط النظام السوري وتسليمها السلطة بالتالي، وهذا ما يفسر حجيج معظم قياداتها الى موسكو، واستعداد بعض فصائلها المقاتلة (جيش الاسلام بقيادة زهران علوش) للتفاوض مباشرة مع النظام السوري.
“طبخة بوغدانوف” اوشكت على النضوج على نار غير هادئة، والضيف الامريكي الذي سيحط الرحال في موسكو للتفاوض مع النظام السوري سيكون الاكثر حرصا على تذوقها وربما التهام الجزء الاكبر منها، بعد ان فشلت استراتيجية بلاده في اطاحة النظام او هزيمة “الدولة الاسلامية” معا.
***
الرئيس اوباما اطاح بوزير الدفاع الامريكي السابق تشاك هيغل لانه كان يريد (اي هيغل) توجيه الطائرات الحربية الامريكية لقصف القصر الجمهوري في دمشق جنبا الى جنب مع مواقع “الدولة الاسلامية” كنواة لاستراتيجية في المنطقة، ولكن الرئيس اوباما كان يضمر شيئا آخر.
الادارة الامريكية تفاوضت مع ايران وتوصلت الى تسوية مؤقتة معها حول برنامجها النووي، ورفعت الحصار جزئيا عنها، بعد ان توقع الكثيرون ان المواجهة العسكرية بين الطرفين كانت قاب قوسين او ادنى، وافرجت عن المليارات من اموالها المجمدة، ونسقت معها في ضرباتها ضد مواقع “الدولة الاسلامية” شرق العراق، فمن المنطقي ان تتفاوض وتنسق مع الرئيس الاسد الحليف الاوثق لايران.
اذا صح هذا الافتراض، وهو يبدو صحيحا حتى الآن على الاقل، فإن امريكا ربما تكون في طريقها للتخلي عن حلفائها في المعارضة السورية “المعتدلة”، وقررت الاستعانة بالنظام لانجاز خطتها في القضاء على “الدولة الاسلامية”، والاعتماد بالتالي على الحلف الروسي الايراني السوري في هذا المضمار.
اين حلفاء المعارضة السورية من العرب، واين امبراطورياتهم الاعلامية وتعبئتها على مدى السنوات الثلاث الماضية للحرب لاسقاط النظام السوري؟ ولماذا لم نر ضيفا واحدا من هذه المعارضة ولو بصيغة مراقب بين صفوف المدعوين؟
الاجابة موجودة في سطور بيان القمة الخليجية التي انعقدت لمدة ساعتين في الدوحة، والفقرة المتعلقة بالازمة السورية على وجه الخصوص، ولكل من يريد التعرف عليها.

اقصر القمم الخليجية في التاريخ تعيد قطر الى “الحضن المصري” وتأكيد المصالحة مع السيسي.. هل يعني هذا “الطلاق البائن” مع الاخوان.. وتغيير نهج شبكة “الجزيرة”.. وفك التحالف مع اردوغان؟

عبد الباري عطوان

ستدخل قمة مجلس التعاون الخليجي التي انعقدت واختتمت اعمالها مساء اليوم (الثلاثاء) كتاب “غينيس″ للارقام القياسية لكونها القمة “الاقصر” في تاريخ مجلس التعاون الخليجي، فلم تستغرق مدة انعقادها غير ساعتين، واقتصرت على ثلاثة خطابات رئيسية، اولها لرئيسها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني امير الدولة المضيفة، وثانيها للشيخ صباح الاحمد امير الكويت رئيس القمة السابقة، وثالثها للسيد عبد اللطيف الزياني الامين العام للمجلس، ولكن قيمة القمم، عربية كانت او خليجية، لا تنحصر في مدة انعقادها، وانما بالقرارات المهمة التي تصدر عنها، وانعكاساتها على مصير الدول المشاركة فيها، واجنداتها، ومواقفها السياسية، ويمكن القول ان قمة الدوحة، ونتائجها جاءت استثناء، فعندما يؤكد بيانها الختامي الذي اقره زعماء المجلس على “الدعم التام لمصر ولرئيسها عبد الفتاح السيسي وبما يحقق استقرارها وازدهارها” فإن هذا يعني صراحة، ودون اي مواربة، ان العقبة الرئيسية التي كانت تقف امام حل الخلافات الخليجية قد “ازيلت”، وان دولة قطر “مثلت” لشروط المصالحة جميعا، وقررت العودة الى السرب الخليجي، والتغريد من داخله باللحن السياسي نفسه وربما بحماسة اكبر، فقطر تريد دائما ان تكون مختلفة عن غيرها.
***
دعم دولة قطر للرئيس المصري السيسي وبرنامجه السياسي المتمثل في “خارطة الطريق” و”وقوفها التام مع مصر، حكومة وشعبا، من اجل استقرارها وازدهارها”، “تحول” في الموقف القطري ستترتب عليه، اذا ما كان نهائيا، العديد من “الالتزامات” و”المتغيرات” نختصرها في النقاط التالية:
ـ اولا: تخلي قطر كليا عن دعم حركة “الاخوان المسلمين” سياسيا وماليا واعلاميا، وابعاد جميع قيادات الحركة من الصفين الاول والثاني الذين يقيمون في الدوحة حاليا، او الزامهم بعدم الاقدام على اي انشطة سياسية معادية للنظام المصري، وعلى رأس هؤلاء الشيخ يوسف القرضاوي رئيس اتحاد كبار علماء المسلمين.
ـ ثانيا: حدوث تغيير جذري في تغطية قنوات شبكة “الجزيرة” المتعددة للملف المصري وخاصة “الجزيرة مباشر”، ووقف كل الهجمات الاعلامية ضد الرئيس السيسي وحكمه وسياساته، وانتهاج تغطية للحدث المصري اقرب الى اسلوب منافستها قناة “العربية”.
ـ ثالثا: تقديم مساعدات مالية، او اعادة المساعدات التي تم سحبها او اعادتها، الى الخزينة المصرية، سواء بمبادرة سريعة، او من خلال المشاركة في مؤتمر للدول المانحة، دعا اليه العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز في خطاب رسمي ارسله الى الرئيس السيسي بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية واعتبر فيه ان من لا يقدم الدعم لمصر “ليس منا ونحن لسنا منه”، في رسالة واضحة الى قطر في حينها، وكانت دولة قطر قدمت اكثر من عشرة مليارات دولار لمصر في زمن الرئيس محمد مرسي الذي اطيح به بإنقلاب عسكري، اعادت حكومة السيسي معظمها للخزينة القطرية حردا وتحديا.
ـ رابعا: خروج قطر جزئيا او كليا، من الحلف الثنائي مع تركيا ورئيسها رجب طيب اردوغان، خاصة الشق المتعلق منه بكل من الملفين المصري والليبي، مع احتمال بقاء الشق المتعلق منه بسورية والمتمحور حول اطاحة نظام الرئيس الاسد، فالدولتان دعمتا حركة “الاخوان” في مصر، ووقفتا مع التيار الاسلامي في ليبيا، وبالذات قوات “فجر ليبيا” في مواجهة كتائب الزنتان (القعقاع والصواعق) وجيش اللواء خليفة حفتر والبرلمان الليبي المنتخب ومقره مدينة طبرق شرق البلاد.

***

لا نعتقد ان هذا التحول في الموقف القطري جاء مفاجئا او وليد الساعة، بل جرى الاتفاق على كل تفاصيله في قمة الرياض الاستثنائية، التي انعقدت الشهر الماضي واصدرت اتفاق الرياض “التكميلي” الذي صدر عنها، بناء على دعوة من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، فقد كان واضحا ان الاتفاق على دعم مصر السيسي هو الشرط الاساسي لانعقاد قمة الدوحة، ومشاركة الجميع فيها في موعدها ومكانها، وعودة السفراء الثلاثة (السعودية، الامارات، والبحرين).
ما هي الخطوة التالية بعد مفاجآت قمة الدوحة؟
من الصعب استباق الاحداث، ولكن مثلما ادى الاتفاق على بنود قمة الرياض الاستثنائية الى قيام الشيخ محمد بن زايد ولي عهد ابو ظبي ونائب القائد العام للقوات المسلحة الاماراتية، والخصم الاشرس لقطر، بزيارة مفاجئة الى الدوحة على رأس وفد كبير للتأكيد على طي صفحة الخلافات معها، فإننا لا نستبعد ان يقوم الشيخ تميم امير دولة قطر بزيارة “اخوية” الى مصر على رأس وفد قطري كبير ايضا لتأكيد المصالحة وطي صفحة الماضي وكل ما فيها من “شوائب” وما اكثر الاخيرة.
الدوحة ظلت، وعلى مدى ربع القرن الماضي، مصدر “المفاجآت”، وقمة مجلس التعاون الخليجي وبيانها الختامي جاء على النهج نفسه، ولكن في “الاتجاه المعاكس″.
قطر تعرضت لعملية “ترويض” ممنهجة شاركت فيها مراكز قوى عربية وخليجية ودولية اعطت ثمارها في النهاية فيما يبدو.. ولكن هل سيأتي التغيير طويل الامد ام قصيره؟
الاجابة في رحم المستقبل المنظور.

جريمة “المنقبة” الاماراتية سياسية ارهابية الدافع.. وذيول حروب المنطقة بدأت تمتد للخليج

عبد الباري عطوان
جريمة القتل التي ارتكبتها سيدة اماراتية منقبة واستهدفت سيدة امريكية، ليست جريمة قتل عادية مثل تلك التي تحدث في اماكن عديدة من المنطقة العربية والعالم، لان كل المعلومات التي بثتها وزارة الداخلية الاماراتية تؤكد ان دوافعها سياسية انتقامية، الامر الذي يؤشر الى امكانية توسع مثل هذه العمليات في المستقبل بالنظر الى التطورات الارهابية المرعبة التي تسود المنطقة في الوقت الراهن.
السيدة المنقبة اختارت مواطنة امريكية لذبحها في حمام وسط حي تجاري، كما زرعت قنبلة بدائية امام منزل مواطن امريكي آخر، مما يعني انها تستهدف اهدافا امريكية مما يوحي بأنها تنتمي الى احد الجماعات الاسلامية المتشددة، او تتعاطف معها، و”الدولة الاسلامية” على وجه الخصوص.
ما يجعلنا نتكهن بمثل هذا الافتراض اقدام خلايا سعودية على اطلاق النار على رعايا امريكيين واوروبيين في الرياض ومناطق اخرى قبل بضعة ايام، وتوجيه السلطات السعودية اصابع الاتهام الى “الدولة الاسلامية” بالوقوف خلف هذه الهجمات.
***
استهداف دولة الامارات بعد المملكة العربية السعودية ربما يعود الى اشتراكها بفاعلية في التحالف الستيني الدولي الذي اسسته الولايات المتحدة لمحاربة “الدولة الاسلامية” بهدف اضعافها تمهيدا للقضاء عليها، وقواتها في العراق وسورية.
السعودية والامارات وقطر شاركت في هذه الحرب بطريقة مباشرة او غير مباشرة، بما في ذلك توفير قواعد عسكرية لانطلاق الهجمات، او ارسال طائرات لشن غارات لتدمير آبار ومصافي نفط تسيطر عليها “الدولة الاسلامية” في منطقة الرقة السورية على الحدود مع العراق، ومن غير المستبعد ان تكون هذه المنقبة عضوة في احد خلايا هذه “الدولة” النائمة، او تنظيم “القاعدة” المركزي.
صحيح ان قوات الامن الاماراتية استطاعت القاء القبض على “المنقبة”، وتفكيك العبوة الناسفة التي زرعتها امام منزل مواطن امريكي آخر، الامر الذي يظهر كفاءة امنية عالية، ولكن الجريمة في حد ذاتها تقرع ناقوس الخطر، خوفا من كونها جزءا من مخطط يستهدف هز استقرار دول الخليج العربي التي ظلت في منأى عن اي اعمال عنف وارهاب طوال السنوات الماضية، رغم تدخلها المالي والعسكري في بعض بؤر الصراع الساخنة، بل الملتهبة في كل من ليبيا وسورية والعراق واليمن.
وسائل التواصل الاجتماعي باتت ميادين تحريض للشباب الخليجي على “الجهاد” في صفوف الجماعات المتشددة، وتفيد دراسات كثيرة بأن بعض الدعاة استغلوها لتجنيد الآلاف للانخراط في صفوف تنظيمات “القاعدة” و”الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة”، ويكفي الاشارة الى التقديرات شبه الرسمية التي تفيد بأن اكثر من 5000 شاب سعودي يقاتلون حاليا الى جانب “الدولة الاسلامية” وينخرط معظمهم في وحدات “انتحارية” او استشهادية حسب ادبيات هذا التنظيم.
الذين قاموا بتجنيد هذه “المنقبة” وحددوا لها اهدافها بشكل دقيق يريدون هز استقرار دولة الامارات، واثارة “الفزع″ في صفوف مواطنيها والمقيمين فيها، والاجانب منهم على وجه الخصوص، وما زال من المبكر القول بأنهم حققوا اهدافهم في هذا الصدد.
***
انها جريمة بشعة تبعث على القلق كيفما نظرت اليها، فدول الخليج ظلت، باستثناء البحرين والمملكة العربية السعودية بعيدة عن الحروب الاهلية ذات الطابع المذهبي، والصراعات على السلطة في اكثر من بلد عربي، يبدو لم تعد محصنة من وصول بعض ذيولها بشكل مباشر او غير مباشر.
الازدهار الاقتصادي الذي عاشته هذه الدول يعود بالدرجة الاولى الى امرين اساسيين، الاول عوائد النفط المجزية، والثاني الامن والاستقرار، واذا كان انخفاض الاول نتيجة تراجع اسعار النفط لا يؤثر عليها كثيرا بسبب احتياطاتها المالية الهائلة، فإن استهداف امنها واستقرارها سيكون له تاثير سلبي كبير دون ادنى شك.
المنطقة العربية كلها تقف حاليا على فوهة بركان من العنف والصراعات المذهبية، وبداية حممه تجلت بوضوح من الفوضى الدموية التي نراها في ليبيا وسورية والعراق واليمن، ويبدو ان دائرتها بدأت تتسع لتصل الى دول جوار الصف الثاني التي اعتقد الكثيرون انها في مأمن.
وربما يجادل البعض ان جريمة “المنقبة” هذه ربما تكون حادثة فردية ولذلك من الخطأ الذهاب بعيدا في تأويلها وتضخيم نتائجها بالتالي، وهذا الجدل فيه جانب من الصحة، ولكن معظم الاحداث الكبرى التي شهدتها المنطقة، وهزت استقرار بعض دولها، بدأت على هذه الصورة، وثبت لاحقا ان هذه الهجمات الفردية هي قمة جبل الثلج المخفي تحت سطح الماء، ونأمل ان نكون مخطئين في تشاؤمنا هذا.

امريكا تخطط لتشكيل “جيش سني” على غرار “البشمرغة” لمحاربة “الدولة الاسلامية” فهل سيكون حظة افضل من قوات “الصحوات”؟ وهل صحيح انها وافقت على شروط اردوغان؟

عبد الباري عطوان

اذا صحت الانباء المتسربة عن لقاءات ومباحثات وفد العشائر العراقية الذي يزور واشنطن الآن بدعوة من ادارة الرئيس باراك اوباما وتفيد بأن هذه الادارة اعربت عن نيتها تشكيل “قوات سنية” قوامها مئة ألف مقاتل تتولى تسليحها وتدريبها بمعزل عن الحكومة العراقية للتصدي لقوات “الدولة الاسلامية”، وتولي مهمة اخراجها من المناطق التي تسيطر عليها، فإن هذه الخطوة تعني تكريس تقسيم العراق على اسسس طائفية وعرقية، والتأسيس لحرب اهلية في مرحلة لاحقة.
ادارة الرئيس اوباما تتصرف هذه الايام وكأنها الحكم الفعلي للعراق رغم انسحاب قواتها، وانتخاب حكومة عراقية، والا كيف تدعوا وفدا من العشائر وقادة التنظيمات “الميليشاوية” الى عاصمتها، وتبحث معهم تشكيل هذا الجيش وتسلحه وتدربه، تماما مثلما تتعاطى، وبقرار من الكونغرس، مع قوات “البشمرغة” الكردية في شمال العراق؟ وكيف تقبل حكومة السيد حيدر العبادي في بغداد ان تجري هذه الامور الخطيرة امام بصرها وكأنها شاهد زور؟
***
اخذ ادارة واشنطن زمام المبادرة بالصورة التي نراها، والتفكير في تشكيل جيش من الطائفة السنية لمحاربة “الدولة الاسلامية” هو عودة مباشرة الى تجربة قوات الصحوات سيئة الصيت، وتغيير المسمى فقط، اما المهمة واحدة، والنتيجة ايضا ربما ستكون نفسها.
الجنرال ديفيد بترايوس “مخترع″ هذه الصحوات عام 2007 لتصفية تنظيم “القاعدة” والحد من انشطته الدموية التي بلغت ذروتها في حينها من خلال استخدام السيارات المفخخة وتحويل مدينة بغداد وجوارها الى جحيم عنوانه ثلاثة آلاف قتيل شهريا، وثلاثة اضعاف هذا الرقم من الجرحى، هذا الجنرال يتبنى تجربته حرفيا زميله الجنرال المتقاعد جون الين المبعوث والمستشار العسكري للرئيس اوباما في العراق وسورية.
السيد العبادي رئيس وزراء العراق الذي قدم نفسه على انه الرجل الذي سيوحد العراق ويكرس هويته الجامعة، ويمحو كل اخطاء سلفه السيد نور المالكي الطائفية الكارثية، تحدث عن تشكيل قوات “حرس وطني” من ابناء القبائل والعشائر تكون بمثابة “صحوات” حكومية، ولكن بداياته لم تكن موفقه بسبب عدم نجاحه (حتى الآن) في تقديم نفسه وحكومته كبديل مختلف يطمئن ابناء الطائفة السنية ويكسب ثقتهم، ويستوعبهم في الدولة ومؤسساتها على قدم المساواة مع اشقائهم من ابناء الطائفة الشيعية.
صحيح ان السيد العبادي ورث تركة ضخمة من الفساد والفاسدين معظمها يتركز في المؤسستين العسكرية والامنية، وكان جريئا عندما اعلن يوم امس انه اكتشف وجود 50 الفا من الجنود “الوهميين” في اربع فرق عسكرية يقبضون رواتبهم وهم في منازلهم، ولكن الرجل لا يملك “الكاريزما” التي تجعله يكسب ثقة معظم العراقيين، ويتصدى الى خطر غير مسبوق يتمثل في “الدولة الاسلامية”.
الادارة الامريكية التي يجمع معظم المحللين العسكريين والسياسيين في واشنطن وعواصم اوروبية على تخبط استراتيجيتها العسكرية في الشرق الاوسط وفشلها، وتخطط للانتقال من الدفاع الى الهجوم في حربها ضد “الدولة الاسلامية”، وباتت تميل اكثر الى قبول شروط الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في اقامة مناطق عازلة، واخرى لحظر جوي وتدريب المعارضة السورية المسلحة، فقد ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” اليوم (الاثنين) ان ادارة اوباما باتت على وشك التوصل الى اتفاق مع الحكومة التركية لاقامة مناطق الحظر المذكورة على طول الحدود السورية التركية.
اقتراب الادارة الامريكية من الموافقة على الشروط التركية للدخول في الحرب ضد “الدولة الاسلامية” بريا وجويا، يعني توسيع نطاق هذه الحرب بحيث تشمل الهدف القديم الجديد اي اسقاط النظام السوري ايضا، لان الرئيس اردوغان لا يمكن، مثلما قال في اكثر من مناسبة لن يدخل اي حرب ضد “الدولة الاسلامية” طالما لم تشمل موافقة امريكية على اطاحة النظام السوري.
الاستراتيجية الهجومية الامريكية قد تؤدي الى توسيع نطاق الحرب وعدم الاستقرار في المنطقة، وهذا ما يفسر مطالبة السيد وليد المعلم وزير خارجية سورية اصدقاء بلاده الروس اثناء زيارته الاخيرة لموسكو (انتهت الخميس الماضي) بتسليم صواريخ “اس 300″ المضادة للطائرات تحسبا لاقامة مناطق الحظر الجوي.
***
العام الميلادي الجديد الذي نقف على اعتابه ربما يكون مختلفا عن العام الحالي فيما يتعلق بالملفين السوري والعراقي، عنوانه اقامة جيوش طائفية وتكريس الانقسامات المذهبية الحالية.
العنصر الرئيسي الذي يمكن ان يكون عنوان نجاح الاستراتيجية الامريكية او فشلها هو صمود “الدولة الاسلامية” او عدمه، وثقة ابناء الانبار والمحافظات العراقية الاخرى بمشروع الصحوات الامريكي الجديد وهم الذين لدغوا من الحجر نفسه قبل ذلك.
لا نضيف جديدا اذا قلنا ان المهمة الامريكية محفوفة بالمخاطر، ولكن الجديد الذي نقوله بكل ثقة ان التورط الامريكي في الملفين العراقي والسوري لا يمكن ان يكون افضل حالا من سابقه، واسقاط النظام السوري ليس بالسهولة التي يعتقدها الرئيس اردوغان وهزيمة “الدولة الاسلامية” ليست واردة في المستقبل المنظور لانها تزداد قوة، وفشل التحالف الامريكي يخدمها، مثلما تخدمها حالة فوضى السلاح التي تجتاح المنطقة.

نطالب عباس بالكف عن التهديد بالغاء “التنسيق الامني” لحماية اسرائيل.. لانه لن يصدقه احد.. ولا يأتي بأي جديد وليته يصمت!

عبد الباري عطوان

باستثناء المجموعة الصغيرة المحيطة به في رام الله حيث مقر قيادته، لم يعد هناك اي احد في الوسطين الفلسطيني، والعربي، علاوة على الوسط الاسرائيلي طيعا، يأخذ تهديدات الرئيس الفلسطيني محمود عباس واقواله على محمل الجد، لانهم يعرفون جيدا انه لا يجرؤ على تنفيذ هذه التهديدات، بل سرعان ما يتراجع عنها، وينفي انه اطلقها بالاساس.
ففي خطابه الذي القاه مساء السبت في اجتماع طارىء للجامعة العربية (لم يحضرة اي وزير خارجية سواء من الوزن الثقيل او الخفيف) طلب بنفسه عقده لبحث الاوضاع في الاراضي المحتلة، هدد الرئيس عباس بوقف التنسيق الامني مع اسرائيل، وقال انه لن يعود الى مائدة المفاوضات طالما ان الاستيطان الاسرائيلي مستمر.

***

عندنا مثل يقول “ان الذي يهدد لا يكبّر عصاته” (بتشديد حرف الباء) والرئيس عباس اطلق مثل هذا التهديد عشرات المرات، وعندما هددته واشنطن، بتحريض اسرائيلي، بوقف المساعدات المالية لسلطته، سحب كل تهديداته، والانكى من ذلك تأكيده في مقابلات مع اجهزة اعلام اسرائيلية، وخطابات سابقة ان التنسيق الامني مع اسرائيل “مقدس″ وان استمراره “مصلحة فلسطينية” بالدرجة الاولى، وشدد بأنه لن يسمح مطلقا بانتفاضة ثالثة ضد الاحتلال، و”تباهى” بنجاح قواته الامنية بمنع اي مظاهرات او اعمال عنف في الضفة الغربية اثناء العدوان الاسرائيلي الاخير على قطاع غزة وتأييدا لرجال المقاومة الذين تصدوا له بإعجاز اسطوري.
القدس المحتلة تشهد انتفاضة فلسطينية بطولية قدم خلالها اهلنا في الارض المحتلة العديد من الشهداء دفاعا عن المسجد الاقصى الذي يواجه التهديد والتقسيم، ولم يحرك الرئيس عباس وسلطته ساكنا، ولا نعتقد انه سيفعل اي شيء، هو وكل جامعته العربية لو حرقه الاسرائيليون وليس تقسيمه فقط.
هذه المواقف “الباهتة” من رئيس السلطة، ورئيس دولة فلسطين، ورئيس منظمة التحرير، ورئيس حركة “فتح” والقائد العام للقوات المسلحة الفلسطينية (جميعها القاب عباس الرسمية) هي التي اوصلت القضية الفلسطينية الى ذيل اهتمامات العرب والعالم، واتحدى ان يكون انسان عربي واحد قد سمع بخطاب الرئيس عباس في الجامعة العربية او عرف اصلا ان هناك اجتماعا طارئا لها، ولا استبعد ان يكون اجتماع الجامعة المقبل على مستوى “البوابين” لمناقشة القضية الفلسطينية اذا استمر الرئيس عباس على لامبالاته نفسها، هذا اذا انعقد اساسا.
المملكة العربية السعودية احد اكبر الدول العربية واغناها الغت صفة “العروبة” على الصراع مع دولة الاحتلال الاسرائيلي، وباتت تعتبره صراعا “فلسطينيا اسرائيليا”، وسمعنا الرئيس عباس يشيد بها ومواقفها اثناء خطابه الاخير في اجتماع الجامعة، ولم يوجه كلمة “عتاب” واحدة لها، ولن نفاجأ في الغد القريب اذا ما حذت الدول الخليجية كلها حذو السعودية، وتبنت التوصيف نفسه، ومن يمنعها او يلومها، فلم تعد القضية الفلسطينية قضية مركزية عربية بالنسبة لها تضعها على سلم اولوياتها عندما كانت هناك قيادات فلسطينية بما تعنيه هذه الكلمة من معنى.
يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني الذي اقرته الامم المتحدة، وتصادف يوم امس (السبت) بات يوما عاديا مثل كل ايام العرب، ولا اعرف اذا كان الرئيس عباس ما زال يتذكره، ومر مرور الكرام ولم تحتفل به السلطة نفسها، ولا اجهزة اعلامها، ولا اعرف السبب، وشكرا للجاليات الفلسطينية في اوروبا وامريكا التي احتفلت به كعادتها، فمن المسؤول عن هذا التقصير؟
ربما ينبري بعض مقربين من الرئيس عباس للدفاع عنه بتوجيه اللوم الى الوضع العربي السيء، وهذا صحيح، ولكن متى كان الوضع العربي جيدا، وهل كانت المقاومة مرحب بها عندما تبنتها حركة “فتح” ولحقتها باقي المنظمات الفلسطينية الاخرى؟ الم تطارد اجهزة المخابرات العربية من تبنوها لاعتقالهم والزج بهم في السجون؟
***
الرئيس عباس يتحمل المسؤولية الاكبر عن كل حالة الهوان هذه التي تعيشها القضية الفلسطينية وتنعكس في انفضاض الاهتمامين العربي والعالمي بها، لانه يقمع اي تحرك لمقاومة الاحتلال من خلال قوات امنه التي باتت حارسا للمستوطنين الاسرائيليين ومستوطناتهم التي يؤكد انه، اي عباس، لن يذهب الى اي مفاوضات طالما استمرت في التوسع، وكأن هناك من يدعوه الى هذه المفاوضات، او كأن عشرين عاما من التفاوض اوقفت وحدة سكنية واحدة في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
لم نعد نطالب الرئيس عباس بحل السلطة او وقف التنسيق الامني، او حتى الانضمام الى المنظمات الدولية لمطاردة مجرمي الحرب الاسرائيلية لاننا ندرك جيدا انه لا يقرأ، ولا يسمع، ولا ينفذ بالتالي، كل ما نطالب به هذه المرة ان يصمت، يتوقف عن التهديد، رحمة بالشعب الفلسطيني، واعصابه، ومصداقيته، وتاريخه النضالي المشرف، ورحمة بشهدائه، نقولها ونحن كلنا ثقة بأنه لن يصمت وسيستمر حتى لو ظل يتحدث الى نفسه، ولن نستغرب اذا قال لنا القراء لقد اضعت وقتتك ووقتنا بمثل هذا المثال، فلا حياة لمن تنادي.

السعودية تعلن “الحرب النفطية” لتركيع ايران وروسيا وهزيمتهما في سورية واوكرانيا.. فهل ستنجح هذه المرة مثل سابقاتها؟ وهل سيكون نجاحا دون خسائر؟

عبد الباري عطوان

تقدم المملكة العربية السعودية على”مغامرة” تتسم بالكثير من الخطورة في اصرارها على عدم خفض الانتاج النفطي لامتصاص الفائض في الاسواق الذي يقدر رسميا بحوالي مليون برميل وزيادة الاسعار، لان تكاليف هذا القرار السياسي قد تكون باهظة في المدى المنظور.
وزير النفط السعودي السيد علي النعيمي الذي حمل استراتيجية بلاده هذه الى اجتماع منظمة “اوبك” نصف السنوي في فيينا نجح، بالتهديد والوعيد، في فرض وجهة نظر بلاده على نظرائه، في ابقاء معدل الانتاج للمنظمة (30 مليون برميل يوميا) على حاله دون اي تخفيض، وتكريس دورها كلاعب اساسي مهيمن في قطاع النفط ومنظمته، ولكنه نجاح قد يكون مؤلما لما يمكن ان تترتب عليه من نتاج سياسية بالنظر الى الدول المتضررة من هذا النجاح وعلى رأسها روسيا وايران وفنزويلا والجزائر والعراق.
السعودية، وبكل بساطة، قررت استخدام سلاح النفط، ولكن ضد روسيا وايران بالدرجة الاولى، وبتنسيق كامل مع الولايات لمتحدة الامريكية بهدف تركيع هاتين الدولتين بسبب تدخل الاولى عسكريا في اوكرانيا، ودعم الثانية للنظام السوري وتمسكها بحقها المشروع في تخصيب اليورانيوم ورفضها تقديم تنازلات في مفاوضات فيينا الاسبوع الماضي حول طموحاتها ومنشآتها النووية.
فعندما تنخفض اسعار برميل النفط الى اقل من سبعين دولارا بعد ان كانت 120 دولارا قبل بضعة اشهر، اي بمعدل يقترب من الاربعين في المئة، فإن دولا مثل ايران وروسيا تشكل صادرات النفط اكثر من خمسين في المئة من دخلها، ستجد نفسها امام ظروف اقتصادية صعبة للغاية في الاشهر المقبلة.

***

الحكومة السعودية تبرر اتخاذها لهذا القرار للتصدي للبديل الآخر لنفط دول الاوبك، اي النفط الصخري الذي اصبح استخراجه مجديا؟ رغم تكاليفه العالية، بسبب ارتفاع اسعار النفط، حتى ان الولايات المتحدة الامريكية زادت انتاجها منه في الاشهر والسنوات الاخيرة من 5.7 مليون برميل الى 8.4 مليون برميل يوميا.
المبررات السعودية تبدو مقبولة نظريا، ولكنها ليست كذلك عمليا، وقد استخدمت الحجة نفسها في الماضي فيما يتعلق بنفط الشمال الاوروبي، فقد بلغت تكاليف انتاجه اكثر من عشرة دولارات للبرميل مقابل 2.5 دولار للنفط الشرق اوسطي، ومع ذلك لم يتوقف انتاج نفط بحر الشمال مطلقا عندما انخفضت اسعار النفط الى اقل من سبعة دولارات في منتصف الثمانينات.
ولنفترض ان الاستراتيجية السعودية ستقضي على فرص التوسع في النفط الحجري، وتعيد الدول المستهلكة وعلى رأسها امريكا الى الاعتماد على النفط التقليدي، فهل تستطيع المملكة العربية السعودية تحدي امريكا، المتضرر الاكبر من سياساتها وخطواتها هذه، وتدمر استثماراتها في عمليات استخراج النفط الصخري التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات؟
انه قرار سياسي بالدرجة الاولى لتضييق الخناق على ايران وروسيا، وتدمير اقتصادياتها، تماما مثلما اقدمت القيادة السعودية على الخطوة نفسها في منتصف الثمانينات للتعجيل بإنهيار الاتحاد السوفييتي، وعام 1988 لخنق الرئيس العراقي صدام حسين ونظامه حيث وصلت اسعار النفط الى ما يعادل ستة دولارات، مما دفعه الى اطلاق مقولته الشهيرة “قطع الارزاق من قطع الاعناق”، مما مهد الطريق لسقوطه في المصيدة الكويتية التي اعدت له بعناية فائقة وبقية القصة معروفة.
المملكة العربية السعودية التي تملك صندوقا سياديا يضم اكثر من 675.9 مليار دولار ربما لا تتضرر على المدى القصير من انخفاض اسعار النفط، وكذلك هو حال حليفاتها الخليجيات مثل الكويت التي يقدر قيمة صندوقها بحوالي بـ410 مليارات دولار، والامارات773 مليار دولار، وقطر حوالي 170 مليار دولار، هذا غير الاستثمارات العقارية وغيرها، ولكن نحن نتحدث عن الخسائر السياسية التي يمكن ان تكون باهظة جدا داخليا وخارجيا واقليميا.
فعندما يوجه امير من الاسرة الحاكمة في وزن الامير الوليد بن طلال رسالة مفتوحة الى وزير النفط السعودي السيد علي النعيمي ووزراء آخرين يعترض فيها ويستنكر تصريحات هدفت الى “التهوين من الآثار السلبية الكبيرة التي ستلحق بميزانية المملكة واقتصادها جراء التراجع الكبير في اسعار النفط، وذلك على حسابه الشخصي على “التويتر”، فإن هذا الاستنكار يستحق التوقف عنده، لانه يمثل شريحة مهمة في البلاد داخل السلطة وخارجها.
في المرة الاولى، اي في منتصف الثمانينات عندما ضخت المملكة ملايين البراميل لاغراق الاسواق للتعجيل بسقوط الاتحاد السوفييتي بالتنسيق مع امريكا، كانت هذه الامبراطورية السوفييتية في حال ضعف وانهيار ويتزعمها شخص مهزوم نفسيا وسياسيا ومخترق غربيا اسمه ميخائيل غورباتشوف، وخلفه رئيس آخر “مخمور” اسمه بوريس يلتسين، اما الآن فروسيا في حال من الصعود، وتستعيد مكانتها الدولية كقوة عظمى، ويحكمها رئيس قوي منتخب اسمه فلاديمير بوتين، ولعل رفض الاخير استقبال الامير سعود الفيصل اثناء زيارته الاخيرة لموسكو قبل عشرة ايام رسالة على درجة كبيرة من الخطورة باعتبارها احد الادلة على توتر العلاقات السعودية الروسية.

***

نعم.. تخفيض السعودية لاسعار النفط الذي ادى الى استفزاز الرئيس الراحل صدام حسين ودفعه الى احتلال الكويت، ادى الى الاطاحة به وتدمير بلاده في نهاية المطاف، مثلما ارادت الولايات المتحدة الامريكية، ولكن الاطمئنان السعودي الخليجي ظل مؤقتا وجاءت النتائج عكسية تماما، فقد برزت قيادة عراقية معادية للمملكة، وموالية لايران، وانقسام طائفي خطير بدأت اثاره واخطاره تهدد العمق السعودي واستقرار المملكة ووحدتها الداخلية، والديمغرافية والجغرافية.
لا نعرف كيف سيكون رد فعل كل من ايران وروسيا على هذه الخطوة السعودية، فالوقت ما زال مبكرا لرصده، ولكنه لن يكون وديا، كما انه ليس شرطا ان تأتي النتائج هذه المرة لصالح السعودية، مثلما كان عليه الحال في مرات سابقة.
وربما يجادل اهل السلطة وانصارهم في الرياض بأن قيادتهم ليس امامها اي خيار غير اتخاذ هذه السياسية لحماية مصالحها، والتصدي للاخطبوط الايراني الذي يمد اذرعته العسكرية والايديولوجية الى سورية ولبنان واليمن (التيار الحوثي) ويتمترس في العراق، وهذا جدل ينطوي على بعض الصحة، ولكن المملكة العربية السعودية ليست محصنة لردود الفعل الداخلية والخارجية، والانتقامين الروسي والايراني المحتملين.
كنا، مثل الكثيرين غيرنا، نتمنى ان يستخدم سلاح النفط ضد امريكا وليس الى جانبها، وبما يؤدي الى استعادة حقوقنا في فلسطين والقدس المحتلة، وهو السلاح الذي طالما صرخنا حتى بح صوتنا من اجل هذا الهدف، لكن يبدو ان لا احد يستمع الى صراخنا، ولكننا مع ذلك سنستمر لانه ليس لدينا اي خيار آخر غيره حتى لو انفجرت حنجرتنا.

الخاسر والرابح من “تمديد” المفاوضات النووية بين ايران والدول الست العظمى

عبد الباري عطوان

انتهت مفاوضات “الفرصة الاخيرة” في فيينا حول الطموحات النووية الايرانية باتفاق على تمديدها لسبعة اشهر تمهيدا للوصول الى “فرصة” اخيرة ثانية وربما ثالثة ورابعة وهكذا مثلما كان عليه الحال طوال الاعوام العشر الماضية انه اتفاق لانقاذ ماء الوجه لا اكثر ولا اقل.
الفشل في التوصل الى اتفاق نهائي مثلما كان مقررا رغم الجهود الكبيرة المبذولة يعني ان الطرفين، ايران من ناحية، والدول الست الكبرى من ناحية اخرى، رفضا تقديم التنازلات المطلوبة، او المأمولة، قبل انتهاء المهلة.
اذا نظرنا الى هذا الفشل من زاوية الربح والخسارة، نرى انهما غير خاسرين وغير رابحين في الوقت نفسه، لان التأجيل يعني بقاء الامور على حالها لسبعة اشهر اخرى، وان كانت ايران حققت بعض المكاسب.
نشرح اكثر ونقول ان تخصيب اليورانيوم سيستمر واجهزة الطرد المركزي ستواصل عملها دون اي نقصان، والمخزون الايراني من اليورانيوم المخصب بدرجاته كافة سيظل في مكان آمن في ايران، وستضاف اليه كميات جديدة حتما، وسيستمر مفاعل “آراك” في العمل بالماء الثقيل.
***
الخسارة الايرانية تتمثل في استمرار العقوبات الاقتصادية خاصة على القطاع النفطي التي شلت الاقتصاد الايراني منذ فرضها قبل 13 عاما تقريبا، الامر الذي الحق اضرارا كبيرة بخطط التنمية الايرانية، وفاقم من معاناة الشعب الايراني.
واذا استمرت هذه العقوبات لسبعة اشهر اخرى، في ظل انخفاض اسعار النفط الى ما دون الثمانين دولارا للبرميل بعد ان كانت فوق حاجز المئة دولار لاكثر من ثلاثة اعوام، فإن وضع الاقتصاد الايراني سيكون اكثر صعوبة وتعقيدا، بالنظر الى الاعباء الكبيرة الملقاة على الميزانية الايرانية، ليس على صعيد تلبية احتياجات الدخل، وانما تمويل حروب حلفائها في سورية ولبنان وجزئيا في العراق، وتشكل نزيفا ماليا مستمرا.
صحيح ان ايران حصلت على تنازل مهم من مفاوضات فيينا تمثل في السماح بحصولها على 700 مليون دولار شهريا من اموالها المجمدة في البنوك الامريكية، ولكن هذا المبلغ يظل ذا اهمية محدودة واقل كثيرا من السقف الاعلى للمطالب الايرانية.
المعلومات المتسربة من دهاليز مفاوضات فيينا تفيد بأن واشنطن لم تعد مطلقا برفع كامل للعقوبات في حال التوصل الى اتفاق نهائي، وان هذا الرفع سيكون تدريجيا، وهو ما لم يقبل به المفاوض الايراني.
الايام المقبلة قد تكشف عن المزيد من التفاصيل حول ما جرى في الغرف المغلقة طوال الايام السبعة الماضية، لكن من الواضح، ومن خلال ما رشح من معلومات محدودة، ان الخلافات لم تكن حول امور تقنية فقط، وانما حول مسائل سياسية استراتيجية وتقاسم نفوذ ايضا، ويتضح هذا بجلاء من خلال امرين رئيسيين الاول ما قاله جون كيري وزير الخارجية الامريكي بأن المفاوضات مع ايران جعلت المنطقة اكثر هدوءا، والثاني نص اتفاقية “الاطار” التي ارتكز عليها قرار التمديد على مرحلة سياسية من حوالي ثلاثة اشهر تليها مرحلة الاتفاق على التفاصيل حتى نهاية شهر حزيران (يونيو) المقبل.
المرحلة السياسية هذه تعني التوصل الى اتفاق امريكي ايراني حول القضايا الرئيسية في المنطقة مثل الملفين السوري والعراقي، وموقف ايران من اسرائيل ويتفرع عن ذلك دعمها لحزب الله وجماعات جهادية فلسطينية مثل حركة “حماس″ و”الجهاد الاسلامي”.
***
ما يمكن استخلاصه من كل ما تقدم ان الادارة الامريكية مدعومة من الدول الغربية تريد استمرار الحوار مع ايران، والاعتراف بها كقوة اقليمية عظمى في المنطقة، ويبدو ان تقدما كبيرا حصل في هذا الشأن، فالرئيس الايراني حسن روحاني اوضح هذه المسألة في خطابه الذي ادلى به بعد انتهاء المفاوضات عندما قال “انه سيتم التوصل الى اتفاق نهائي وقد تم ردم معظم الخلافات”.
الايرانيون استخدموا طوال العقد الماضي اساليب المراوغة والمناورة التي يجيدونها جيدا، ولم ترهبهم كل التهديدات العسكرية الامريكية، ومن غير المعتقد ان هذا النهج سيتغير في الاشهر السبعة المقبلة من المفاوضات، واذا كانوا قد صمدوا ثلاثين عاما في مواجهة الحصار الاقتصادي الامريكي الغربي، فليس من الصعب عليهم الصمود بضعة اشهر اخرى.
المفاوضات تقرب بين ايران والغرب، ودون ان تخسر الاولى حلفاءها الروس والصينيين، والسؤال الذي يطرح نفسه هو عن العرب وموقفهم في هذا الحراك السياسي والدبلوماسي؟
نترك الاجابة لكم

العرب الضحية الاكبر سواء اتفق الايرانيون والامريكان او اختلفوا.. ولماذا يلتقي كيري مع سعود الفيصل ويهاتف نظراءه الخليجيين؟ هل لاعدادهم للحرب ام تهيئتهم لصفقة مع طهران؟

عبد الباري عطوان

من المفترض ان تنتهي “مفاوضات الفرصة الاخيرة” بين ايران والدول الست الكبرى حول طموحات الاولى النووية مساء “الاثنين”، ولكن من الواضح ان صمود وتصلب المفاوض الايراني في مواقفه، واصراره على التمسك بحقه في تخصيب اليورانيوم، ورفع كامل للحصار الاقتصادي المفروض على بلاده، هو الذي ادى ويؤدي الى اقتراب الموعد النهائي المحدد دون التوصل الى اتفاق، الا اذا حدثت معجزة او اكتملت الصفقة.
وزراء خارجية الدول الست العظمى، بالاضافة الى السيدة كاثرين اشتون وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي يتواجدون حاليا في فيينا، ويشكلون جبهة واحدة للضغط على ايران ودفعها لتقديم تنازلات اكبر، في اطار حملة مساومات نفسية غير مسبوقة، تستخدم فيها سياسة العصا (التهديد بعقوبات جديدة وربما عمل عسكري) والجزرة (رفع شبه تدريجي للعقوبات الاقتصادية) ولكن الوفد الايراني المفاوض يتصرف كلوح من الثلج، ويستمر في المناورة التي ابدع فيها طوال 12 عاما من المفاوضات والعلاقات المتوترة مع واشنطن وحلفائها.
علينا ان نتصور لو كان المفاوضون العرب مكان المفاوض الايراني، لكانوا رضخوا للضغوط الامريكية منذ الجولة الاولى تماما مثلما فعل الرئيس المصري الراحل محمد انور السادات في كامب ديفيد الاولى، وقدموا كل ما تريده الادارة الامريكية من تنازلات، بحجة ان امريكا قوة عظمى تملك كل اوراق اللعبة ولا يجوز مخالفتها او عصيان امرها، لانه لا احد يحاسبهم، لا برلمان ولا صحافة ولا رأي عام، و”دار ابو سفيان على حالها”.
العربي الوحيد، على حد علمنا، الذي كسر هذه القاعدة المهينة هو الشهيد ياسر عرفات، عندما قاوم كل الضغوط الامريكية الاسرائيلية في مؤتمر كامب ديفيد الثاني عام 2000، ورفض التنازل عن القدس المحتلة وحق العودة للاجئين، وعاد الى الارض المحتلة ليشعل فتيل الانتفاضة المسلحة الثانية ودفع حياته ثمنا لذلك.

***

جون كيري وزير الخارجية الامريكي الذي يرابط في العاصمة النمساوية لانجاز اتفاق قبل الموعد النهائي (مساء الاثنين) التقى الامير سعود الفيصل في طائرة الاخير في مطار فيينا، وتباحث معه حول تطورات المفاوضات، كما اتصل بنظرائه الخليجيين في الكويت والامارات وقطر والبحرين للغرض نفسه.
لا نعرف لماذا اقدم الوزير كيري على هذه الخطوة، فليس من عادته التشاور مع نظرائه العرب حول الملف النووي الايراني، فقد تفاوض مع الايرانيين ستة اشهر في سلطنة عمان دون ان يطلع هؤلاء، حلفاءه الخلص على هذه المفاوضات فما هو الجديد هذه المرة؟
هناك احتمالان يمكن من خلالهما تفسير هذا التصرف الامريكي المفاجيء مع وزراء الخارجية العرب الخمسة (كان لافتا انه لم يتصل بنظيره العماني):
ـ الاول: ان تكون الادارة الامريكية غير واثقة من نجاح المفاوضات، وتخطط للتصعيد مع ايران في حالة فشلها في التوصل الى اتفاق، مما يعني تشديد العقوبات الاقتصادية، والعودة الى سياسة التهديد بالمناورات العسكرية وارسال حاملات الطائرات الى الخليج على غرار ما حدث قبل اتفاق كانون الثاني (يناير) المرحلي مع ايران في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2013.
ـ الثاني: ان يكون كيري يتوقع التوصل الى اتفاق وشيك مع ايران قبل المهلة، مما يعني رفع كامل للعقوبات، وتطبيع العلاقات، والتفاهم معها على ملفات اقليمية مثل الازمتين السورية والعراقية.
وربما يجادل البعض بالقول ان الوزير الامريكي لا يريد تكرار الاخطاء السابقة التي وترت علاقات بلاده مع المملكة العربية السعودية عندما طعنت الاخيرة في الظهر بتوصلها الى اتفاق مع ايران دون ابلاغها بالتفاصيل الامر الذي احرجها كثيرا، واظهرها بمظهر التابع وليس الشريك الاستراتيجي.
من الصعب علينا ترجيح اي من الاحتمالين المذكورين لان المفاوضات ما زالت مستمرة، لكن اتصالات كيري مع بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل اسوة بوزراء الخارجية العرب ربما يوحي بأن الادارة الامريكية تستعد للتصعيد العسكري والاقتصادي اذا لم تحصل على ما تريده من تنازلات وتهيئ حلفاءها مبكرا لمثل هذا الخيار، ونحن هنا نتكهن، او لعله استخدم هذه الاتصالات لارسال رسالة تهديد اضافية الى المفاوض الايراني ومن هم اعلى منه.
***
الرئيس باراك اوباما ادلى بحديث على درجة كبيرة من الاهمية اليوم (الاحد) لمحطة تلفزيون “اي بي سي” الامريكية يمكن ان يسلط ضوءا جديدا عما يدور في خلد الرجل وادارته عندما قال “هناك مشاكل لا تزال قائمة مثل الدعم الايراني للانشطة الارهابية في المنطقة، وموقف طهرن حيال اسرائيل”.
ماذا يعني هذا التصريح ولماذا في مثل هذا التوقيت (لا شيء يمكن ان يكون عشوائيا في امريكا)؟ انه يعني، وبكل بساطة، ان المفاوضات في فيينا لا تدور حول تخصيب اليورانيوم ودرجاته، واعداد اجهزة الطرد المركزي، وانما ايضا حول صفقة سياسية متكاملة، ابرز عناوينها الاعتراف باسرائيل، وتجريد حزب الله من اسلحته، ووقف تدخل الحرس الثوري في سورية والعراق، واخيرا الامتناع عن دعم الميليشيات الشيعية المتطرفة في العراق مثل عصائب اهل الحق، وكتائب ابو الفضل العباس والقائمة طويلة.
امريكا تستخدم المنشآت النووية الايرانية كذريعة للضغط على ايران في محاولة لاعادتها الى بيت الطاعة الامريكي والتوصل الى صفقة سياسية اقليمية معها، وعندما نقول ذريعة، فإننا نذكر بكل الاكاذيب الامريكية والاسرائيلية التي كانت تحشد العالم، والعرب طبعا، ضد ايران بحجة انها ستنتج اسلحة نووية في ستة اشهر، او عام على الاكثر، وها هو يمر عام على توقيع الاتفاق المرحلي ولا نسمع كلمة واحدة في هذا الخصوص.
ما يمكن استخلاصه من كل ما سبق، انه سواء اطلع كيري نظرائه الخليجيين على تطورات مفاوضات فيينا او لم يطلعهم، فإن العرب، والخليجيين منهم، سيكونون ضحايا اي اتفاق يتم التوصل اليه سلما او حربا، وسيدفعون ثمن هذا الاتفاق غاليا من امنهم ومالهم، وسيادتهم او ما تبقى منها، ونأمل ان نكون مخطئين.