الخليج

الخاسر والرابح من “تمديد” المفاوضات النووية بين ايران والدول الست العظمى

عبد الباري عطوان

انتهت مفاوضات “الفرصة الاخيرة” في فيينا حول الطموحات النووية الايرانية باتفاق على تمديدها لسبعة اشهر تمهيدا للوصول الى “فرصة” اخيرة ثانية وربما ثالثة ورابعة وهكذا مثلما كان عليه الحال طوال الاعوام العشر الماضية انه اتفاق لانقاذ ماء الوجه لا اكثر ولا اقل.
الفشل في التوصل الى اتفاق نهائي مثلما كان مقررا رغم الجهود الكبيرة المبذولة يعني ان الطرفين، ايران من ناحية، والدول الست الكبرى من ناحية اخرى، رفضا تقديم التنازلات المطلوبة، او المأمولة، قبل انتهاء المهلة.
اذا نظرنا الى هذا الفشل من زاوية الربح والخسارة، نرى انهما غير خاسرين وغير رابحين في الوقت نفسه، لان التأجيل يعني بقاء الامور على حالها لسبعة اشهر اخرى، وان كانت ايران حققت بعض المكاسب.
نشرح اكثر ونقول ان تخصيب اليورانيوم سيستمر واجهزة الطرد المركزي ستواصل عملها دون اي نقصان، والمخزون الايراني من اليورانيوم المخصب بدرجاته كافة سيظل في مكان آمن في ايران، وستضاف اليه كميات جديدة حتما، وسيستمر مفاعل “آراك” في العمل بالماء الثقيل.
***
الخسارة الايرانية تتمثل في استمرار العقوبات الاقتصادية خاصة على القطاع النفطي التي شلت الاقتصاد الايراني منذ فرضها قبل 13 عاما تقريبا، الامر الذي الحق اضرارا كبيرة بخطط التنمية الايرانية، وفاقم من معاناة الشعب الايراني.
واذا استمرت هذه العقوبات لسبعة اشهر اخرى، في ظل انخفاض اسعار النفط الى ما دون الثمانين دولارا للبرميل بعد ان كانت فوق حاجز المئة دولار لاكثر من ثلاثة اعوام، فإن وضع الاقتصاد الايراني سيكون اكثر صعوبة وتعقيدا، بالنظر الى الاعباء الكبيرة الملقاة على الميزانية الايرانية، ليس على صعيد تلبية احتياجات الدخل، وانما تمويل حروب حلفائها في سورية ولبنان وجزئيا في العراق، وتشكل نزيفا ماليا مستمرا.
صحيح ان ايران حصلت على تنازل مهم من مفاوضات فيينا تمثل في السماح بحصولها على 700 مليون دولار شهريا من اموالها المجمدة في البنوك الامريكية، ولكن هذا المبلغ يظل ذا اهمية محدودة واقل كثيرا من السقف الاعلى للمطالب الايرانية.
المعلومات المتسربة من دهاليز مفاوضات فيينا تفيد بأن واشنطن لم تعد مطلقا برفع كامل للعقوبات في حال التوصل الى اتفاق نهائي، وان هذا الرفع سيكون تدريجيا، وهو ما لم يقبل به المفاوض الايراني.
الايام المقبلة قد تكشف عن المزيد من التفاصيل حول ما جرى في الغرف المغلقة طوال الايام السبعة الماضية، لكن من الواضح، ومن خلال ما رشح من معلومات محدودة، ان الخلافات لم تكن حول امور تقنية فقط، وانما حول مسائل سياسية استراتيجية وتقاسم نفوذ ايضا، ويتضح هذا بجلاء من خلال امرين رئيسيين الاول ما قاله جون كيري وزير الخارجية الامريكي بأن المفاوضات مع ايران جعلت المنطقة اكثر هدوءا، والثاني نص اتفاقية “الاطار” التي ارتكز عليها قرار التمديد على مرحلة سياسية من حوالي ثلاثة اشهر تليها مرحلة الاتفاق على التفاصيل حتى نهاية شهر حزيران (يونيو) المقبل.
المرحلة السياسية هذه تعني التوصل الى اتفاق امريكي ايراني حول القضايا الرئيسية في المنطقة مثل الملفين السوري والعراقي، وموقف ايران من اسرائيل ويتفرع عن ذلك دعمها لحزب الله وجماعات جهادية فلسطينية مثل حركة “حماس″ و”الجهاد الاسلامي”.
***
ما يمكن استخلاصه من كل ما تقدم ان الادارة الامريكية مدعومة من الدول الغربية تريد استمرار الحوار مع ايران، والاعتراف بها كقوة اقليمية عظمى في المنطقة، ويبدو ان تقدما كبيرا حصل في هذا الشأن، فالرئيس الايراني حسن روحاني اوضح هذه المسألة في خطابه الذي ادلى به بعد انتهاء المفاوضات عندما قال “انه سيتم التوصل الى اتفاق نهائي وقد تم ردم معظم الخلافات”.
الايرانيون استخدموا طوال العقد الماضي اساليب المراوغة والمناورة التي يجيدونها جيدا، ولم ترهبهم كل التهديدات العسكرية الامريكية، ومن غير المعتقد ان هذا النهج سيتغير في الاشهر السبعة المقبلة من المفاوضات، واذا كانوا قد صمدوا ثلاثين عاما في مواجهة الحصار الاقتصادي الامريكي الغربي، فليس من الصعب عليهم الصمود بضعة اشهر اخرى.
المفاوضات تقرب بين ايران والغرب، ودون ان تخسر الاولى حلفاءها الروس والصينيين، والسؤال الذي يطرح نفسه هو عن العرب وموقفهم في هذا الحراك السياسي والدبلوماسي؟
نترك الاجابة لكم

العرب الضحية الاكبر سواء اتفق الايرانيون والامريكان او اختلفوا.. ولماذا يلتقي كيري مع سعود الفيصل ويهاتف نظراءه الخليجيين؟ هل لاعدادهم للحرب ام تهيئتهم لصفقة مع طهران؟

عبد الباري عطوان

من المفترض ان تنتهي “مفاوضات الفرصة الاخيرة” بين ايران والدول الست الكبرى حول طموحات الاولى النووية مساء “الاثنين”، ولكن من الواضح ان صمود وتصلب المفاوض الايراني في مواقفه، واصراره على التمسك بحقه في تخصيب اليورانيوم، ورفع كامل للحصار الاقتصادي المفروض على بلاده، هو الذي ادى ويؤدي الى اقتراب الموعد النهائي المحدد دون التوصل الى اتفاق، الا اذا حدثت معجزة او اكتملت الصفقة.
وزراء خارجية الدول الست العظمى، بالاضافة الى السيدة كاثرين اشتون وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي يتواجدون حاليا في فيينا، ويشكلون جبهة واحدة للضغط على ايران ودفعها لتقديم تنازلات اكبر، في اطار حملة مساومات نفسية غير مسبوقة، تستخدم فيها سياسة العصا (التهديد بعقوبات جديدة وربما عمل عسكري) والجزرة (رفع شبه تدريجي للعقوبات الاقتصادية) ولكن الوفد الايراني المفاوض يتصرف كلوح من الثلج، ويستمر في المناورة التي ابدع فيها طوال 12 عاما من المفاوضات والعلاقات المتوترة مع واشنطن وحلفائها.
علينا ان نتصور لو كان المفاوضون العرب مكان المفاوض الايراني، لكانوا رضخوا للضغوط الامريكية منذ الجولة الاولى تماما مثلما فعل الرئيس المصري الراحل محمد انور السادات في كامب ديفيد الاولى، وقدموا كل ما تريده الادارة الامريكية من تنازلات، بحجة ان امريكا قوة عظمى تملك كل اوراق اللعبة ولا يجوز مخالفتها او عصيان امرها، لانه لا احد يحاسبهم، لا برلمان ولا صحافة ولا رأي عام، و”دار ابو سفيان على حالها”.
العربي الوحيد، على حد علمنا، الذي كسر هذه القاعدة المهينة هو الشهيد ياسر عرفات، عندما قاوم كل الضغوط الامريكية الاسرائيلية في مؤتمر كامب ديفيد الثاني عام 2000، ورفض التنازل عن القدس المحتلة وحق العودة للاجئين، وعاد الى الارض المحتلة ليشعل فتيل الانتفاضة المسلحة الثانية ودفع حياته ثمنا لذلك.

***

جون كيري وزير الخارجية الامريكي الذي يرابط في العاصمة النمساوية لانجاز اتفاق قبل الموعد النهائي (مساء الاثنين) التقى الامير سعود الفيصل في طائرة الاخير في مطار فيينا، وتباحث معه حول تطورات المفاوضات، كما اتصل بنظرائه الخليجيين في الكويت والامارات وقطر والبحرين للغرض نفسه.
لا نعرف لماذا اقدم الوزير كيري على هذه الخطوة، فليس من عادته التشاور مع نظرائه العرب حول الملف النووي الايراني، فقد تفاوض مع الايرانيين ستة اشهر في سلطنة عمان دون ان يطلع هؤلاء، حلفاءه الخلص على هذه المفاوضات فما هو الجديد هذه المرة؟
هناك احتمالان يمكن من خلالهما تفسير هذا التصرف الامريكي المفاجيء مع وزراء الخارجية العرب الخمسة (كان لافتا انه لم يتصل بنظيره العماني):
ـ الاول: ان تكون الادارة الامريكية غير واثقة من نجاح المفاوضات، وتخطط للتصعيد مع ايران في حالة فشلها في التوصل الى اتفاق، مما يعني تشديد العقوبات الاقتصادية، والعودة الى سياسة التهديد بالمناورات العسكرية وارسال حاملات الطائرات الى الخليج على غرار ما حدث قبل اتفاق كانون الثاني (يناير) المرحلي مع ايران في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2013.
ـ الثاني: ان يكون كيري يتوقع التوصل الى اتفاق وشيك مع ايران قبل المهلة، مما يعني رفع كامل للعقوبات، وتطبيع العلاقات، والتفاهم معها على ملفات اقليمية مثل الازمتين السورية والعراقية.
وربما يجادل البعض بالقول ان الوزير الامريكي لا يريد تكرار الاخطاء السابقة التي وترت علاقات بلاده مع المملكة العربية السعودية عندما طعنت الاخيرة في الظهر بتوصلها الى اتفاق مع ايران دون ابلاغها بالتفاصيل الامر الذي احرجها كثيرا، واظهرها بمظهر التابع وليس الشريك الاستراتيجي.
من الصعب علينا ترجيح اي من الاحتمالين المذكورين لان المفاوضات ما زالت مستمرة، لكن اتصالات كيري مع بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل اسوة بوزراء الخارجية العرب ربما يوحي بأن الادارة الامريكية تستعد للتصعيد العسكري والاقتصادي اذا لم تحصل على ما تريده من تنازلات وتهيئ حلفاءها مبكرا لمثل هذا الخيار، ونحن هنا نتكهن، او لعله استخدم هذه الاتصالات لارسال رسالة تهديد اضافية الى المفاوض الايراني ومن هم اعلى منه.
***
الرئيس باراك اوباما ادلى بحديث على درجة كبيرة من الاهمية اليوم (الاحد) لمحطة تلفزيون “اي بي سي” الامريكية يمكن ان يسلط ضوءا جديدا عما يدور في خلد الرجل وادارته عندما قال “هناك مشاكل لا تزال قائمة مثل الدعم الايراني للانشطة الارهابية في المنطقة، وموقف طهرن حيال اسرائيل”.
ماذا يعني هذا التصريح ولماذا في مثل هذا التوقيت (لا شيء يمكن ان يكون عشوائيا في امريكا)؟ انه يعني، وبكل بساطة، ان المفاوضات في فيينا لا تدور حول تخصيب اليورانيوم ودرجاته، واعداد اجهزة الطرد المركزي، وانما ايضا حول صفقة سياسية متكاملة، ابرز عناوينها الاعتراف باسرائيل، وتجريد حزب الله من اسلحته، ووقف تدخل الحرس الثوري في سورية والعراق، واخيرا الامتناع عن دعم الميليشيات الشيعية المتطرفة في العراق مثل عصائب اهل الحق، وكتائب ابو الفضل العباس والقائمة طويلة.
امريكا تستخدم المنشآت النووية الايرانية كذريعة للضغط على ايران في محاولة لاعادتها الى بيت الطاعة الامريكي والتوصل الى صفقة سياسية اقليمية معها، وعندما نقول ذريعة، فإننا نذكر بكل الاكاذيب الامريكية والاسرائيلية التي كانت تحشد العالم، والعرب طبعا، ضد ايران بحجة انها ستنتج اسلحة نووية في ستة اشهر، او عام على الاكثر، وها هو يمر عام على توقيع الاتفاق المرحلي ولا نسمع كلمة واحدة في هذا الخصوص.
ما يمكن استخلاصه من كل ما سبق، انه سواء اطلع كيري نظرائه الخليجيين على تطورات مفاوضات فيينا او لم يطلعهم، فإن العرب، والخليجيين منهم، سيكونون ضحايا اي اتفاق يتم التوصل اليه سلما او حربا، وسيدفعون ثمن هذا الاتفاق غاليا من امنهم ومالهم، وسيادتهم او ما تبقى منها، ونأمل ان نكون مخطئين.

شهران من القصف الجوي والهجوم البري لم يخرجا “الدولة الاسلامية” من “كوباني” الصغيرة.. فكيف سيكون السيناريو في الموصل والرقة؟ وهل سيشهد يوم الاحد انقلابا في الاستراتيجية الامريكية؟

عبد الباري عطوان

لا بد من التحلي بأصول المنطق، والابتعاد عن المكابرة والاعتراف دون تردد، بأن القصف الجوي الامريكي الذي دخل قبل ايام معدودة شهره الثالث، لمواقع “الدولة الاسلامية” وتجمعاتها في العراق وسورية، لم يحقق اي من اهدافه في اضعافها حتى الآن على الاقل، بل بات يعطي نتائج عكسية تماما، ابرزها تخفيف الضغوط على قوات النظام السوري في جبهات القتال، والصاق تهمة، “العمالة” وافتقاد المصداقية، بالمعارضة السورية المسلحة والمعتدلة، مثلما صرح لمراسل صحيفة “الفايننشال تايمز″ البريطاينة السيد احمد ابو عماد المتحدث باسم حركة “حزم” التي تلقت دعما عسكريا وماليا من الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج العربي، في تقرير مطول نشرته (اليوم) الخميس.
فعندما تستطيع هذه “الدولة” ارسال خلية انتحارية الى قلب مدينة اربيل عاصمة اقليم كردستان العراق التي نعمت بالامان على مدى عشر سنوات، وتفجر سيارة مفخخة يقودها انتحاري امام محافظتها، تقتل اربعة وتصيب العشرات، وعندما تستطيع قواتها، ودون اي غطاء جوي، الصمود لشهرين في مدينة “عين العرب ـ كوباني” السورية، فهذا يعني انها لم تضعف او تتراجع، وانما تتقدم فعلا.
***
فاذا كان “الحسم” الامريكي المدعوم بطائرات من احدث ما يوجد في الترسانة الامريكية من طرازات، ومقاتلين من البشمرغة والجيش الحر ووحدات الدفاع الكردية ما زال صعبا بعد شهرين من القتال والقصف باعتراف معظم الخبراء الاستراتيجيين فكم سيستغرق الامر لاستعادة مدن مثل الرقة او الموصل او دير الزور؟
نحن لا نمجد بـ”الدولة” وقدراتها، وندرك جيدا انها ما زالت حديثة العهد، ولا يمكن ان تقارن قوتها العسكرية بقدرات امريكا العظمى والتحالف الخمسيني الذي شكلته (امريكا) لمواجهتها ويضم خمس دول عربية، ولكننا نحاول ان نرسم صورة للواقع كما هو دون بهرجة، في ظل كم هائل من المعلومات المغلوطة والمضللة.
لا ننكر مطلقا ان القوات العراقية حققت تقدما على بعض الجبهات حيث نجحت في كسر الحصار الذي كان مفروضا من قوات الدولة على مصفاة بيجي التي تنتج ستين في المئة من احتياجات الشعب العراقي من المحروقات، وهذا تقدم لا يجب انكاره، ولكن ما زالت هناك اخفاقات سياسية وعسكرية، فعملية اعادة تأهيل الجيش العراقي لم تبدأ بعد، والثقة في حكومة السيد حيدر العبادي لم تكتمل رغم مرور اكثر من شهر على تشكيلها، ومسألة بناء قوات “حرس وطني” او “صحوات” من قوات العشائر تواجه بفتور وبالكثير من السخرية”.
الاستراتيجية الامريكية في العراق وسورية، وليس تجاه “الدولة الاسلامية” فقط قد تتغير كليا، ولا نستبعد اقدام الولايات المتحدة على ارسال قوات برية الى العراق.
نقطة الصفر في هذا الاطار المفاوضات الجارية حاليا بين ايران والدول العظمى الست حول البرامج والمفاعلات النووية الايرانية وانتاجها من اليورانيوم المخصب، وهذه المفاوضات التي بدأت جولتها الاخيرة في فيينا وتنتهي يوم الاحد المقبل، تقف حاليا على حافة الانهيار الا اذا جرى الاتفاق على تمديدها وهذا احتمال جدا ضعيف حتى الآن.
الانهيار يعني العودة الى التوتر العسكري، ومرحلة ما قبل الاتفاق الامريكي الايراني الذي جرى التوصل اليه في مباحثات سرية في مسقط، حيث كان الحوار بالغواصات، وحاملات الطائرات، والسفن الحربية، وبيع صفقات تسليح لدول الخليج بأكثر من 130 مليار دولار استعدادا للحرب التي جرى تصويرها بأنها حتمية في حينها.
اما التوصل الى اتفاق، فقد يعني تحول ايران الى القوة الاقليمية العظمى والحاكم الفعلي في المنطقة التي يعتمد عليها الغرب في ادارته لشؤونها (اي المنطقة) وحفظ الامن فيها.
الانفراج في الازمة الداخلية الخليجية الذي انعكس في اتفاق الرياض “التكميلي” لا يمكن النظر اليه بمعزل عن تطورات المفاوضات هذه، فهو مؤشر قوي على ما يمكن ان يحدث في المرحلة المقبلة حيث ستكون ودول الخليج حتما لاعبا رئيسيا في حالة التوتر او حتى الحرب، وضحية كبرى في حال التوصل الى اتفاق.
***
فمن يتابع الهجمة الدبلوماسية الامريكية الحالية على تركيا يمكن ان يكمل عناصر الصورة التي تحدثنا عنها آنفا، ففي الوقت الذي يغادر فيه جون الن المبعوث العسكري للرئيس باراك اوباما انقرة، يحط الرحال فيها نائب الرئيس الامريكي جوزيف بايدن في زيارة تستمر ثلاثة ايام تدور كلها حول كيفية مواجهة “الدولة الاسلامية” فهل ستكون الشروط التركية التي طالب الرئيس اردوغان بتلبيتها قبل اي انخراط في هذه المواجهة في هذه المواجهة على قمة جدول الاعمال؟ وهل جرى تأخير التجارب معها متعمدا انتظارا للمرحلة المقبلة وتطوراتها؟
في تقديرنا ان المشاركة التركية من عدمها ستتضح في الايام القليلة المقبلة، وعلينا ان لا ننسى مطلقا ان انقرة عضو مؤسس في حلف “الناتو”.
ثلاثة ايام حاسمة في تاريخ المنطقة سلما او حربا، فعندما يقول جون كيري وزير الخارجية الامريكي انه لا تمديد للمفاوضات النووية ولا بد من اتفاق يوم الاحد، فان علينا ان نضع ايدينا على قلوبنا تحسبا للأسوأ على المدى القصير وربما الافضل على المدى الابعد، ولا شيء يمكن استبعاده في منطقتنا التي تعتبر الوحيدة في العالم التي يصعب، بل يستحيل التنبوء بمفاجآتها!

البداية كانت دائما من الاقصى.. وانتفاضة الكرامة اشتعلت.. والكيل طفح

عبد الباري عطوان

اقتحام شابين من اسرة ابو جمل من سكان حي جبل المكبر في القدس المحتلة كنيسا يهوديا وفتحهما النار على رواده، فقتلوا اربعة، ثلاثة منهم من حملة الجنسية الامريكية ورابعهم بريطاني الجنسية اثار حالة من الهلع في صفوف الاسرائيليين واخرجا بنيامين نتنياهو ومتطرفيه عن صوابهم، واثارا حالة من الارتياح في صفوف الغالبية الساحقة من الفلسطينيين، ومعظم العرب والمسلمين الشرفاء.

الارتياح، لان اكثر من مليار ونصف المليار مسلم كانوا يتابعون طوال الاشهر الماضية عمليات اقتحام المسجد الاقصى وباحته، من قبل مستوطنين يهود، يعيثون فيه فسادا ويعملون على تقسيمه بمباركة من حكومة نتنياهو وحمايتها، دون ان تحرك الحكومات العربية وجيوشها الجرارة ساكنة، لانها منشغلة بكيفية حماية “كوباني” الكردية السورية من السقوط، واعادة السفراء الثلاثة الى الدوحة.

***

نعم عملية الاقتحام هذه هزت اسرائيل، واثارت الرعب في اوساط مستوطنيها، لانها وقعت في قلب القدس المحتلة، او الشق الغربي منها، التي من المفترض ان تكون الاكثر أمنا واستقرارا، ولكن هؤلاء الذين اعتقدوا ان الشعب الفلسطيني استسلم للاحتلال مثل سلطته، بدأ يتعايش مع الاهانات الاسرائيلية، والخنوع الرسمي العربي، يجب ان يعيدوا حساباتهم بشكل جدي وبأقصى سرعة ممكنة، لان دورة انتفاض هذا الشعب، وبدء انطلاق ثورة كرامته وعزته، واصراره على حماية مقدساته وحده، قد تسارعت ولن توقفه كل التهديدات الارهابية الاسرائيلية والتواطؤ الرسمي العربي معها.

نتنياهو وجوقته يتباكون على الضحايا، ويركزون على انهم مصلون متعبدون، ويطالبون العالم بالتعاطف معهم، وادانة “الارهاب” الفلسطيني، طيب ماذا كان يفعل اكثر من اربعين مصليا في الحرم الابراهيمي في مدينة الخليل عندما اقتحمه المستوطن باروخ غولدشتاين وفتح نيران رشاشه عليهم في ساعات الفجر الاولى؟ هل كانوا يرقصون؟ الم يقم له المستوطنون ضريحا فاخرا “مهيبا” في مستوطنة قريبة من مجزرته تحول الى مزار يؤمه المئات يوميا يقرأون الصلوات اليهودية على روحه تقديسا وتباركا وتمجيدا؟

نسأل الجوقة نفسها هل القتل في الكنس اليهودية “حرام”، بينما ذبح المئات من اطفال الفلسطينيين في قطاع غزة بقنابل وصواريخ الطائرات والدبابات الاسرائيلية “حلال”؟

الشابان اللذان اقتحما الكنيس طفح كيلهما من التغول الاسرائيلي في سفك دماء اهلهم واشقائهم، وحرقهم احياء، وشنقهم في الحافلات، وخنق مدينتهم المقدسة بالمستوطنات وسط صمت الحكومة الاسرائيلية الفاشية وتحريضها.

هذان الشابان ينتميان الى امه عريقة، وعقيدة مشهود لها بالتسامح، ولكنها لا يمكن، بل لا يجب، ان تتسامح مع القتلة المحتلين، ماذا يتوقعون من ابناء الشعب الفلسطيني الذين يعيشون الاذلال والمهانة تحت الاحتلال الاسرائيلي، ان يستقبلوا مقتحمي المسجد الاقصى بالزهور والرياحين، وان يهنئوا قاتلي الفتى محمد ابو خضير حرقا، وان يقيمون احتفالات في جنازة الشهيد يوسف الرمولي الذي شنقه المستوطنون في حافلته؟ انهم فعلا لا يعرفون هذا الشعب وجبروته وايمانه بقضيته، فقد ضللهم بعض المستسلمين من ابناء جلدته بتعاونهم امنيا مع الاحتلال، و”تشابهت عليهم البقر”.

***

هذا شعب جبار لا يسكت على الضيم، ولا يرهبه نتنياهو، فهذه ارضه، وهذه قدسه، وهذا زيتونه، وذاك بحره، وذاك هواءه، .. هذا شعب علم البشرية بأسرها معنى كلمة الانتفاضة وادخلها في قواميسها في مكانة لائقة جنبا الى جنب مع كل معاني الكرامة والعزة والاباء.

عملية اقتحام الكنيس الاسرائيلي هي رسالة قوية الى اكثر من جهة تقول كلماتها ان المستوطنين اليهود لن ينعموا بالامن والاستقرار طالما استمروا في احتلالهم واستيطانهم واستفزازاتهم، ومجازرهم وحصارهم.

فليذهب نتنياهو الى امريكا واوروبا ويحرض كيفما شاء ضد الشعب الفلسطيني، ويكرر اقواله حول الارهاب، ولتقف معه امريكا واوروبا، وتقدم له اكتافها للبكاء، وتفتح له خزائنها وترسانات اسلحتها، فكل هذا لن يغير من حقيقة كونه الارهابي الاول الذي قتل عملية السلام وعرض امن الغرب كله للخطر، وهيأ الميدان لصعود التطرف وقتل الاعتدال، وكون الشعب الفلسطيني الضحية وصاحب الحق الشرعي في الارض والمقاومة باشكالها كافة لاسترجاعها.

نصلي لله وندعو ان يهدي الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي ادان هذا الهجوم، وان لا يذهب لتقديم واجب العزاء لاهالي الحاخامات القتلى، كما فعل في مرات عديدة، فادانته وتعازيه لم تشفع له عند نتنياهو ومستوطنيه، وحملوه مسؤولية العملية والتحريض على امثالها.

المارد الفلسطيني “يتململ”، وبدأ يخرج من قمقم المهانة والذل، وسيحطم كل من يقف امامه، سلطة كان او احتلالا، او انظمة عربية متواطئة، وليس لديه ما يمكن ان يخسره، فهو شعب مؤمن بأنه المنتصر على اعدائه في نهاية المطاف طال الزمان او قصر، والايام بيننا.

ماذا بعد ترحيب القرضاوي بمبادرة رفسنجاني وهل الاخير وحده مطالب بترجمة الاقوال الى افعال؟ وما هي الخطوة القادمة لوأد الفتنة الطائفية؟

عبد الباري عطوان

بعد ما يقرب من الخمسة الايام على التصريحات التي اطلقها الشيخ هاشمي رفسنجاني رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام والرئيس الايراني الاسبق وانتقد فيها بشدة شتم بعض الشيعة لصحابة الرسول محمد عليه السلام، والاحتفال باغتيال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اصدر الشيخ يوسف القرضاوي بيانا ظهر السبت رحب فيه بالتصريحات هذه التي وصفها بأنها “مفاجئة” و”متأخرة”، وقال “اننا نشكره على هذا الموقف الشجاع″.

ترحيب الشيخ القرضاوي، وهو على حد علمنا الوحيد من العلماء الكبار، الذي اقدم على هذه المبادرة، واصدر هذا البيان بإسمه واسم هيئة كبار علماء المسلمين الذي يرأسه، خطوة جيدة على طريق طويل لمواجهة الفتنة الطائفية التي تستشري حاليا وتتصاعد في منطقة الشرق الاوسط بسبب اعمال التحريض المذهبي التي يقدم دعاة ورجال دين على طرفي المعادلة السنية والشيعية.

الشيخ القرضاوي دعا الشيخ رفسنجاني الى ترجمة اقواله الى افعال، وقدم له لائحة طويلة من المطالب نختصرها في عدم اقامة مساجد للسنة في طهران، وتعظيم مكانة ابو لؤلؤة الفارسي المجوسي قاتل امير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومساندة النظام الغارق في دماء السوريين، وقتل السنة على الهوية في العراق.

مطالب الشيخ القرضاوي مشروعة، ولكن للطرف الآخر مطالب ايضا، لا تقل في اهميتها عن مطالبه، لا بد من الاستماع اليها في حوار جدي، وصدور واسعة، ووأد هذه الفتنة قبل ان تهلك الامة بأسرها، فاذا كان الشيخ القرضاوي يطالب نظيره رفسنجاني بترجمة الاقوال الى افعال فإنه وباقي العلماء السنة مطالبين بالشيء نفسه وربما ما هو اكثر.

***

نعم يجب عدم الاحتفال بأبو لؤلوة المجوسي وتحويل قبره الى مزار، ويوم اغتياله للخليفة الثاني عمر يوم احتفال، فهذا رجل قاتل، واعتدى على رجل كان مثالا في العدل والتفاني في خدمة العقيدة، عاش صارما في تقشفه، ووهب حياته لنشر الاسلام وتوسيع رقعته، وابو لؤلؤة هذا لم يقتله في قصره الفاره بثرياته الباذخة ووسط حريمه، وانما في مسجد وهو يصلي صلاة الفجر ويعود له الفضل، بعد الله ورسوله، في ايصال الهداية الى قلوب الملايين من اهل بلاد فارس، ونقول نعم ايضا لمطلب بناء مساجد للسنة في طهران، ووقف القتل على الهوية في العراق، وعدم مساندة النظام في سورية، ولكن اليس من حق الطرف الآخر ان يذكر الشيخ القرضاوي والكثير من اهل السنة والجماعة بالسيارات المفخخة والعمليات الانتحارية التي قتلت الآلاف من اهل العراق ايضا؟ وان يلفت الانظار الى فتاوى الشيخ القرضاوي نفسه التي حرضت عشرات الآلاف من الجهاديين للذهاب الى القتال في سورية مرفوقين بأطنان الاسلحة ومليارات الدولارات؟

المنطقة ابتليت بحكام يغيرون جلودهم وفق الاملاءات الامريكية عليهم، فهم يصبحون طائفيين يلعبون بالورقة الطائفية القاتلة، ويفتحون القنوات الفضائية المتخصصة في السب والشتائم للآخر اذا ارادوا ذلك، ويتحولون الى علمانيين اذا شعروا بخطر هذه السياسات، السيد احمدي نجاد الرئيس الايراني السابق يحل ضيفا عزيزا على عدة عواصم عربية، ويقف جنبا الى جنب مع الملوك والامراء والرؤساء، ويتحول الى شيطان رجيم و”مجوسي رافض” اذا تدهورت العلاقات مع حكومته ولاسباب امريكية ايضا في معظم الاحيان.

الم يعتذر الشيخ القرضاوي لنظرائه العلماء السعوديين لانه انخرط في حوار من اجل التقريب بين المذاهب، والشيعي والسني على وجه الخصوص، في ذروة الحرب الاهلية في سورية، لانه صدق نوايا العلماء الشيعة في فتح صفحة جديدة توحد الامة في خندق واحد ضد اعدائها.

لا نريد ان ننكأ الجراح، ونفتح الملفات، فالطرفان وقعا في اخطاء قاتلة، ونصر على ان الخلاف سياسي في شقه الاكبر، ويجري توظيفه طائفيا من قبل اطراف اقليمية بتحريض خارجي لا يريد للامة الاسلامية غير التناخر والاقتتال.

***

نعم.. نريد افعالا لا اقوالا.. مثلما نريد ترجمة عملية لكل النوايا الطيبة وتفهما وتفاهما متبادلين، وعندما نقول ان جوهر عقيدتنا التسامح، واننا امه وسط، فهنا يأتي دور العلماء لاثبات هذه المسلمات والبديهيات.

التحريض الطائفي بلغ ذروته طوال السنوات العشر الماضية وفي المملكة العربية السعودية خصوصا، وعندما وصلت نتائجه الدموية الى العمق السعودي من خلال هجمة لمتشددين على حسينية في الاحساء فجأة تحول الشيعة الى اخوة، وذهب عليّه القوم للمشاركة في جنازات الضحايا وتقديم التعازي لذويهم، وسط مهرجان اعلامي غير مسبوق، وشدد علماء كانوا رموزا للتحريض الطائفي على اهمية الوحدة الوطنية والتعايش بين المذاهب على قدم المساواة، ودون اي تمييز.

الذين يُذبحون بمئات الآلاف في الحرب في سورية والعراق واليمن، سواء بسبب الحرب الاهلية والصراع على السلطة تحت رايات مذهبية هم من العرب والمسلمين، والعشرة ملايين مشرد هم كذلك ايضا، والحقيقة التي يتفق عليها الجميع انه لن يكون هناك منتصرا في هذه الحرب، فلماذا لا نبحث عن بدائل اخرى للقتل والدمار؟

الشيخ رفسنجاني تقدم بمبادرة، والعلامة القرضاوي رحب بها، وهذه ارضية جيدة للتلاقي يجب البناء عليها للوصول الى مستقبل افضل يتم فيه حقن الدماء، والتوصل الى مصالحة تطوي صفحة الماضي، وتؤسس لعلاقة قائمة على الاحترام المتبادل والتعايش المشترك، فهل يفعلها الرجلان؟ نأمل ذلك، وفي اسرع وقت ممكن.

قراءة “سريعة” في الخطاب الثاني لابو بكر البغدادي: السعودية هي الهدف الاكبر.. وتحريض صريح لقتل الشيعة.. والفرحة باغتياله لم تعمر طويلا

فاجأ السيد ابو بكر البغدادي زعيم تنظيم “الدولة الاسلامية” الملايين من انصاره ومتابعيه، علاوة على اجهزة الاستخبارات العالمية التي تقتفي اثره، بظهوره في شريط “صوتي” حمل عنوان “ولو كره الكافرون” وأد من خلاله كل التقارير الاخبارية التي سربتها الحكومة العراقية في بغداد التي تحدثت عن مقتله او اصابته في غارة جوية.
توقيت هذا الظهور جاء سريعا، بل اسرع مما توقعه الكثيرون، ووضع النقاط على الحروف ليس حول الاشاعات عن مقتله، وانما حول استراتيجية “الدولة الاسلامية”، ومنظورها وخطط عملها في الاشهر والسنوات المقبلة، الامر الذي يذكر بأشرطة الشيخ اسامة بن لادن زعيم “تنظيم القاعدة” الصوتية والمرئية التي كان يصدرها بين الحين والآخر، وتتضمن توجيهاته الى انصاره.
كان لافتا ان زعيم “الدولة الاسلامية” اصدر شريطا “صوتيا” وليس “مرئيا” وربما عمد الى ذلك لاسباب امنية محضة، لان الشريط المرئي ربما يخضع لتحليل الخبراء لمعرفة مكان التصوير والاجهزة المستخدمة، وعلينا ان نتذكر ان السيد البغدادي، مثله مثل الشيخ بن لادن، يتجنب اي استخدام لاجهزة الاتصال، والالكترونيات الاخرى، مثل “الحاسوب” وغيرها، ويعتمد على الرسائل الشفوية او المكتوبة التي يحملها مبعوثوه الى اتباعه في ميادين القتال او غيرها، حتى لا يتم رصدها من قبل المخابرات الامريكية والغربية التي تحوم طائرات تجسسها وجواسيسها في اجواء المنطقة ليل نهار بحثا عن معلومة او حتى همسة ربما تفيدهم في رصد مكانه والوصول اليه.
***
اربع نقاط اساسية يمكن استخلاصها من هذه الرسالة التي استغرقت 17 دقيقة وبثتها معظم المواقع الجهادية التي تنشر بيانات الدولة وادبياتها:
ـ اولا: التأكيد على ان “الدولة الاسلامية” ستتمدد الى بلاد الحرمين (السعودية) واليمن وليبيا ومصر والجزائر ولن تتوقف مطلقا، وان جنودها لن يتركوا القتال وسيستمر زحفهم الى روما حتى لو بقي منهم جندي واحد، ولا نعرف لماذ “روما” وليس فيينا او عواصم غربية اخرى، وقد تكررت العاصمة الايطالية دون غيرها في ادبيات التنظيم.
ـ ثانيا: ركز السيد البغدادي هجومه على المملكة العربية السعودية بصورة لافتة، اكثر من الدول الاخرى، واعتبرها “رأس الافعى ومعقل الداء” بحسب قوله، الامر الذي يوضح اسباب حالة الاستنفار التي اعلنتها السلطات السعودية تحسبا لاقتحامها، وحشد اكثر من ثلاثين الف جندي بكامل عتادهم العسكري على الحدود الشمالية المحاذية للعراق (رفحة وعرعر).
ـ ثالثا: حدد زعيم التنظيم اولوياته على قتل من اسماهم بالمشركين في “جزيرة” النبي محمد “صلعم”، وقال “ان لا مكان لهم فيها”، وحرض على قتل الشيعة بقوله “عليكم اولا بالرافضة (في اشارة اليهم) حيثما وجدتموهم”، مثلما حرض على “الاسرة الحاكمة في السعودية وجنودهم من الصليبيين” على حد وصفه، وقال “مزقوهم اربا، نغصوا عليهم عيشهم، وعما قريب ان شاء الله تصلكم طلائع الدولة الاسلامية”.
ـ رابعا: اعلان قبول “بيعة” كل من بايعو “الدولة الاسلامية”، وتأكيد عزمه على اعلان قيام “ولايات جديدة” وتعيين ولاة عليها وجب لهم السمع والطاعة، وهذه اشارة الى انصار بيت المقدس (مصر)، وانصار الشريعة في درنة (ليبيا)، وجماعات اخرى متشددة في الجزائر وباكستان وسورية.
***
انه بيان حرب يحدد الاولويات، ويتوعد الاعداء، ويهدف الى رفع معنويات المقاتلين في الجبهات المتعددة من خلال التأكيد على فشل خطط التحالف الذي يقصف مواقع الدولة وتجمعاتها في سورية والعراق.
تنبؤ السيد البغدادي بنزول قوات التحالف الى الارض ومقاتلة قوات الدولة بريا ينطوي على الكثير من الصحة، والقراءة الصحيحة للخطوات المستقبلية، فمعظم المحللين العسكريين الامريكيين يؤكدون ان القصف الجوي لا يمكن ان يحسم الا هذه الحرب من “البساطير” على الارض، وهذا ما يفسر مضاعفة الرئيس باراك اوباما لاعداد قواته على ارض العراق، وبلوغها 3100 جندي، واستعداده لارسال قوات اخرى بذريعة تدريب قوات الجيش العراقي وتأهيلها للتصدي لقوات الدولة ومنع تمددها.
الحرب البرية اذا اشتعلت تعني سقوط قتلى وجرحى من الجانبين المتحاربين، والقوات الامريكية اذا ما شاركت لن تكون استثناء، وهنا تكمن نقطة ضعف الرئيس الامريكي وجنرالاته.
الاستراتيجية الامريكية المتعلقة بالحرب ضد الدولة تتخبط وتتسم بالارتباك، ويتضح ذلك بجلاء ليس فقط من خلال عدم تحقيق القصف الجوي الذي بدأ قبل شهرين اي نتائج ملموسة، وانما من خلال “ضبابيتها” ايضا، فبلامس اكد الرئيس اوباما ان القضاء على “الدولة الاسلامية” وخطرها لا يمكن ان يتحقق الا بعد القضاء على نظام الرئيس بشار الاسد نقطة الجذب الاساسية للارهابيين على حد وصف مقربين منه لـ “سي ان ان” الامريكية، وهذا يتناقض كليا مع خططه السابقة في اعطاء الاولوية للقضاء على “الدولة الاسلامية”، ويبدو انه بدأ يخضع لضغوط حلفائه في السعودية وتركيا.
خطاب السيد البغدادي الذي يعتبر الاول منذ اعتلائه منبر الجامع النوري الكبير في الموصل بعد الاستيلاء عليها في حزيران (يونيو) الماضي والقاء خطبة الجمعة التي اعلن فيها الخلافة، يجب اخذه وكل ما ورد فيه، بكل الجدية لانه يحدد ملامح “مستقبل دموي” للمنطقة بأسرها قد يغير الكثير من معادلات القوة فيها، وربما حدودها ايضا، والاهم من كل ذلك، ان فرحة البعض بموته لم تتحقق، ولم تعمر طويلا، فالرجل “باق”، ويتوعد بـ تمدد” دولته، الامر الذي سيصيب كثيرين بالقلق والخوف والرعب ويدفعهم للتكتل ضده.

الازمة السورية امام “تحول” جذري.. ومعاذ الخطيب قد يكون رجل المرحلة المقبلة.. وتحالف مصري روسي يبلور حل سياسي “مختلف”.. واحتمال تزايد عملية تهميش المثلث السعودي التركي القطري

اعتقدنا ان مجموعة العمل المنبثقة عن دول اصدقاء سورية التي تضم 11 دولة من بينها خمس دول عربية هي مصر والسعودية والامارات وقطر والاردن قد “انقرضت” وطواها النسيان، بعد ان تغيرت الاولويات، واصبحت “الدولة الاسلامية” وجبهات اسلامية متشددة مقاتلة مثل “النصرة” و”احرار الشام” هي محور الاهتمام الرئيسي والاولوية التي دفعت بالنظام في دمشق الى المقاعد الخلفية، ولكن كم مخطئين في اعتقادنا هذا، فقد استضافت لندن اجتماعا لهذه المجموعة قبل يومين على “مستوى السفراء” لم يسمع به احد، ونعتقد ان الاجتماع المقبل، اذا قدر له الانعقاد سيكون على مستوى القناصل او ربما “بوابي” سفارات الدول المعنية.
الائتلاف الوطني السوري الذي بات يلفظ انفاسه، بعد تراجع الاعتراف به، ليس فقط من الولايات المتحدة وبعض الدول العربية الراعية له، وانما من قطاعات عريضة من الشعب السوري ايضا، بعد ان فشلت كل استغاثات قيادته للحصول على اسلحة تمكنه من الحفاظ على مناطق يسيطر عليها، واستعادة ما تبقى من “هيبته” ومكانته بالتالي.
***
خريطة المعارضة السورية المسلحة تتغير بسرعة لصالح التنظيمات الاسلامية المتشددة التي باتت هدفا للغارات الجوية الامريكية، فقد تضخمت صفوفها بالمقاتلين الجدد الى جانب بعض المنشقين عن الجيش الحر وفصائل اخرى “معتدلة” متحالفة معه، وقوى اخرى جديدة ادركت ان الحل السياسي هو المخرج الوحيد من الازمة الحالية، وابدت استعدادا للحوار مع النظام للوصول اليه، والقتال الى جانبه ضد “الدولة الاسلامية” على وجه الخصوص.
من تابع المقال الذي كتبه السيد احمد معاذ الخطيب على موقعه على “الفيسبوك” بعد عودته من موسكو التي زارها على رأس وفد ضم شخصيات سياسية وعسكرية وحمل عنوان (هل ستشرق الشمس من موسكو)، يدرك ان جسما جديدا بدأ يتكون لمعارضة سورية جديدة، ومختلفة تستعد لاخذ مكان الجيش الحر.
السيد الخطيب قال انه مستعد للجلوس مع النظام لايجاد حل للازمة السورية بعد اربع سنوات من المراوحة في المكان نفسه، واكد ان التحضيرات جارية لعقد مؤتمر للحوار بين النظام والمعارضة تحت اسم “جنيف 3″، واكد ان التفاوض السياسي هو الانجح والاقل خسائر”، وقال “اعترف بخطئي لانني اعتقدت ان هناك دولة يمكن ان تنقذ بلدنا”.
اللافت هنا ان التيار الجديد الذي يجعل من موسكو قبلة له، سيكون نقيضا او بديلا للائتلاف الحر والدول العربية الداعمة له مثل المملكة العربية السعودية وقطر والامارات الى جانب تركيا، مما يعني تراجع دور هذه الدول بشكل كبير في الملف السوري في الاشهر او السنوات المقبلة.
ظهور “الدولة الاسلامية” بالقوة التي نراها، ومثلما اعترف ستيفان دي مستورا المبعوث الاممي الجديد لسورية، بدأ يغير معظم المعادلات السياسية والعسكرية على الارض، ويفرض قوى جديدة، ومفاهيم جديدة، بل واسلوب عمل جديد يتمحور حول بقاء النظام السوري في اطار حل سياسي متطور بالقياس الى نظيره الذي كان مطروحا في مؤتمر جنيف.
فالمبعوث الدولي الجديد بدأ مهمته بطرح مبادرة لـ”تجميد” القتال في مدينة حلب لمنع سقوطها في يد “الدولة الاسلامية”، وهذا اعتراف ضمني بتعاون دولي مع القيادة السورية، ولا نعتقد ان المستر دي مستورا يمكن ان يطرح هذه الفكرة دون التنسيق، وبالتالي موافقة، كل من واشنطن وموسكو، وهذا ما يفسر موافقة القيادة السورية على دراسته بشكل ايجابي.
دخول مصر على خط الملف السوري كشريك لموسكو في الدعوة لمؤتمر سياسي على غرار مؤتمر جنيف يضم المعارضة او اطراف فيها والنظام يعني سحب البساط من تحت اقدام المثلث السعودي القطري التركي الذي كان يهيمن على هذه الملف.
الانباء المتسربة عن الاتصالات المصرية الروسية في هذا الخصوص التي يجريها وزيرا خارجية البلدين مع اطراف سورية عديدة تفيد بأن التيار السوري المعارض الجديد قد يكون برئاسة السيد معاذ الخطيب ومشاركة كل من تيار قدري جميل والسيد صالح مسلم زعيم حزب الاتحاد الكردي السوري، وشخصيات انشقت على الائتلاف سياسية وعسكرية.
***
ملامح التسوية المطروحة ما زالت غامضة، ولكن الخطوط العريضة التي يدور حولها الحديث يمكن اختصارها في اقامة حكومة انتقالية بصلاحيات جدية لمحاربة “الدولة الاسلامية” على الارض مع بقاء الرئيس بشار الاسد في السلطة مع استمرار سيطرته على اجهزة الامن والجيش الى ان يتم بعد ذلك اختيار او انتخاب لجنة لتعديل الدستور الحالي، ثم اجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ويكون للرئيس السوري الحق في خوض الاخيرة.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن فرص نجاح هذه الصيغة الجديدة، ومدى قبول الاطراف السورية والاقليمية الاخرى لها؟
لا نعتقد ان موسكو ومصر يمكن ان تتقدما بهذا الطرح دون مباركة امريكية خاصة اذا تم التوصل الى اتفاق امريكي ايراني حول الملف النووي لايران قبل المهلة الاخيرة المحددة بيوم 24 تشرين الثاني (نوفمير) الحالي، وهو الاتفاق الذي سيؤدي الى رفع الحظر والعقوبات عن ايران وفتح صفحة جديدة في العلاقات الامريكية الايرانية.
نظريا تبدو الامور على الورق براقة، وفرص النجاح للتصورات الجديدة معقولة، ولكن، ونصر على كلمة لكن، هناك اطراف اخرى يمكن ان تفسد الطبخة نكاية وانتقاما من عمليات تهميشها، ولا ننسى ان تحالفا جديدا ينشأ ويتبلور حاليا لاخطر ثلاث تنظيمات اسلامية متشددة وهي “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” وحركة “احرار الشام” لا يمكن تجاهله في هذا الاطار.

عندما ينفي جو بايدن انه اعتذر لاردوغان ويتهم البيت الابيض بالتزوير وعندما تحتل “الدولة الاسلامية” اكبر حقل غاز في حمص فهذا يؤكد ان الاستراتيجية الامريكية تسير من فشل الى آخر

لا نحتاج الى قراءة افتتاحية صحيفة الـ”واشنطن بوست” او غيرها من الصحف الامريكية لكي نصل الى نتيجة مفادها فشل الاستراتيجية الامريكية في سورية والمنطقة العربية بأسرها، فيكفي متابعة تطورات المعارك في “عين العرب ـ كوباني” السورية، وحالة القلق والرعب التي تسود اوساط حلفائها لكي نعرف هذه الحقيقة دون عناء التفكير والتحليل.
فاذا كانت الضربات الجوية الامريكية المكثفة تهدف، مثلما تقول التصريحات الرسمية الى تحجيم “الدولة الاسلامية” تمهيدا للقضاء عليها نهائيا، فانه بعد شهرين من القصف، وفي اكثر من موقع في سورية والعراق، ما زالت هذه “الدولة” قوية وتتقدم، بدليل استمرار حصارها للمدينة السورية المذكورة ذات الاغلبية الكردية، ونجاحها في الاستيلاء على اكبر حقول الغاز في منطقة حمص، وسيطرة حليفتها “غير المعلنة” اي “جبهة النصرة” على معظم مدينة ادلب الشمالية.
لا نشك مطلقا في انحياز الولايات المتحدة للمعارضة السورية المسلحة، وتمسكها بإسقاط النظام السوري باعتباره “مصدر الارهاب” في المنطقة حسب تصريحات الناطقين بإسمها، ولكن طريقة تطبيق سياساتها على الارض تعطي نتائج عكسية تماما ودون ان تقصد حتما.

***

نشرح اكثر ونقول ان الادارة الامريكية اضعفت المعارضة السورية المسلحة ومزقت صفوفها بسبب سوء تقديرها وفهمها لهذه المعارضة ومنطلقاتها الايديولوجية، فضربها لمواقع “جبهة النصرة” جنبا الى جنب مع مواقع “الدولة الاسلامية” احدث انشقاقا واسع النطاق داخل صفوف هذه المعارضة، كما دفع بعلاقاتها مع داعميها وخاصة في تركيا الى التوتر.
الكثير من قادة الفصائل الاسلامية السورية المتشددة بات ينظر الى الجيش السوري الحر كجيش “عميل” بسبب قتاله في “كوباني” الى جانب البشمرغة وتحت اجنحة الطائرات الامريكية ضد قوات “الدولة الاسلامية” التي تحاصرها.
سوريون كثر التقيتهم اثناء مشاركتي في مؤتمر الكُتاب العالمي في دبي، وزيارتي الى الشارقة للمشاركة في فعاليات معرض كتابها الدولي، اعربوا لي عن قلق كبير تجاه اوضاع بلادهم، وحالة الخذلان تجاه امريكا والغرب عموما، ويرون انهم وقعوا في مصيدة خديعة كبرى نصبت اليهم وبلادهم بشكل محكم، في المقابل هناك سوريون، وبسبب عدائهم المطلق للنظام، وتحميله مسؤولية الدمار والضحايا يرون عكس ذلك، ولكن عدد هؤلاء يتراجع، وكذلك حدة عدائهم، فالثورة التي بدأت سلمية تغيرت خريطتها كليا، وتحولت الى صراع على السلطة بين اكثر من الف فصيل من ناحية والنظام من الناحية اخرى.
ومن المفارقات التي صادفتها في الاشهر الاخيرة ان نغمة اتهام “الدولة الاسلامية” بأنها احد اذرعة النظام بدأت تعود الى السطح بقوة، وكذلك عدم جدية التصريحات الامريكية بإسقاطه، اي “النظام”، وعندما نسأل وماذا عن قطع رؤوس المئات من جنود النظام بعد الاستيلاء على قاعدة اللواء 93 في منطقة عين عيسى في الريف الشمالي لمحافظة الرقة، وغرسها في قمة قضيان حديدية، والطلب من جنود آخرين بحفر قبورهم الجماعية بأنفسهم قبل اعدامهم، وهناك صور وشهادات تثبت ذلك، يقولون لك ان هذا “تمثيل”!.
انها حالة اليأس والاحباط من حدوث انقلاب في معادلات القوة والضعف، واستمرار النظام طوال السنوات الاربع الماضية، وتماسك الجيش، وتوقف الانشقاقات في صفوفه، وتغير الاولويات الامريكية من اطاحة النظام الى اجتثاث “الدولة الاسلامية”.
***
التخبط الامريكي بات حقيقة، فحكومة حيدر العبادي العراقية التي جاءت بديلا لحكومة السيد نوري المالكي الطائفية لم تنل ثقة معظم ابناء الطائفة السنية العراقية ولم تنجح في انهاء الانقسام وتقديم نفسها كمظلة توحيدية تكرس الهوية العراقية الجامعة، وحلفاء امريكا العرب، مثل السعودية وقطر والامارات ومصر يترددون في المساهمة بأي قوات ارضية لقتال “الدولة الاسلامية”، كما ان حكومة العبادي وبإيعاز ايراني لا ترحب بهم وقواتهم.
ولعل ابرز مؤشرات هذا التخبط خروج جو بايدن نائب الرئيس الامريكي على شاشة “سي ان ان” وتأكيده بأنه لم يقدم اي اعتذار للرئيس التركي رجب طيب اردوغان لاتهامه لتركيا بدعم “الدولة الاسلامية” وغيرها من الجماعات “الارهابية” وقال ما معناه ان البيت الابيض حرّف موقفه واقواله لارضاء الحليف التركي وامتصاص غضبه.
السياسة الامريكية تتخبط لان التدخل العسكري لم يعد فاعلا مثلما كان عليه الحال في مرات سابقة، فالقوى المضادة لهذا التدخل باتت اقوى، والشعوب العربية الاسلامية لم تعد تثق بمثل هذه السياسات وتنظر اليها بعين الريبة والشك، ولهذا تأتي احتمالات فشلها اكبر بكثير من احتمالات نجاحها.

محاولات اختراق “الدولة الاسلامية” استخباريا ستستمر لانها احد ابرز الاسلحة لتدميرها وتقويضها من الداخل.. فكيف ستتعامل معها وكيف كان يكشف الشيخ بن لادن المندسين

عبد الباري عطوان

اذا صحت الانباء التي نشرها ابو حفص المهاجري المقرب من ابو بكر البغدادي زعيم “الدولة الاسلامية” واعترف فيها بأن جهاز الاستخبارات ومكافحة الارهاب العراقي نجح في اختراق تنظيم “الدولة” وتسبب في خسائر كبيرة، فإن هذا حدث كبير ستكون له تداعياته، لان مثل هذه الاختراقات تؤدي عادة الى اضعاف التنظيمات التي تستهدفها، وتحدث انشقاقات واغتيالات لكبار القادة ايضا.
من الطبيعي ان يكون تنظيم مثل “الدولة الاسلامية” هدفا لاختراقات استخبارية متعددة، لان عمره قصير، وتضاعفت قوته والمناطق المسيطر عليها عدة مرات في زمن قياسي، ولان عشرات اجهزة الاستخبارات العالمية والاقليمية تستهدفه ولا تكف عن محاربته، والعمل على زرع عناصرها داخله، وفوق هذا وذاك، ان قوات “الدولة الاسلامية” تخوض حروبا على عدة جبهات هذه الايام، وتتعرض لضربات جوية امريكية مكثفة على مدار الساعة، الامر الذي يشتت تركيزها الامني، كليا او جزئيا.
لا نعرف حجم الاضرار الذي الحقها الاختراق الاستخباري العراقي لتنظيم الدولة الذي تحدث عنه السيد ابو حفصة المهاجري، فقد امتنع عن اعطاء اي معلومات، ولكن نعتقد انه كبير مثلما هو واضح من البيان المقتضب، ومن القرار الذي اتخذه بعدم قبول انضمام متطوعين عراقيين الى صفوف الدولة والاكتفاء بالجهاديين الاجانب، ولكن حتى هؤلاء يمكن ان يكون من بينهم مندسين.
***
تنظيم “القاعدة” المركزي تعرض لاختراقات استخبارية عديدة كان اضخمها الطبيب همام خليل محمد أبو ملال البلوي، الذي حاولت المخابرات الاردنية تجنيده وتكليفه باغتيال قادة فيه، ولكنه استطاع خديعتها، اي المخابرات الاردنية، والقبول بمهمة اغتيال الشيخ اسامة بن لادن ونائبة الدكتور ايمن الظواهري، وفجر نفسه في قيادة المخابرات المركزية الامريكية والجيش الامريكي في ولاية خوست في افغانستان عام 2009، ونتج عن العملية مقتل سبعة من هؤلاء وبعض المحيطين بهم، بالاضافة الى علي بن زيد ضابط الارتباط في المخابرات الاردنية.
احد القادة الميدانيين في تنظيم “القاعدة” ابلغ رئيس تحرير هذه الصحيفة ان محاولات اختراق التنظيم لم تتوقف مطلقا، واكثرها من قبل مخابرات اردنية وعربية، حيث يتم ارسال الجواسيس على شكل متطوعين جهاديين للانخراط في صفوفه، وقال الشخص نفسه ان الشيخ بن لادن ومساعديه كانوا يلجأون الى اكتشاف هؤلاء من خلال الطلب من مجموعة وفي حضور الشخص المشتبه به الاستعداد للقيام بعملية انتحارية، وعندها يتلكأ الشخص المعني في القبول بهذه المهمة فيتم استدعاؤه والتحقيق معه، وغالبا ما كان هذا الاسلوب يعطي مفعوله، ويتم اكتشاف الشخص المندس واعدامه.
المنظمات الفلسطينية تعرضت لاختراقات كبيرة، حتى ان احد العملاء الاسرائيليين نجح في الوصول الى طاقم حراسة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، واراد الرئيس عرفات سجنه وليس اعدامه بعد اثبات التهمة عليه، ولكن المرحوم صلاح خلف (ابو اياد) اصر على اعدامه، وامر فريق اغتيالات بإصطحابه الى منطقة المدينة الرياضية في بيروت وجرت عملية تصفيته.
حركة الجهاد الاسلامي تعرضت لاختراق اسرائيلي كبير، حيث نجح جهاز الموساد الاسرائيلي في تجنيد مدير مكتب الشهيد فتحي الشقاقي في دمشق، وظل اربع سنوات كامنا لا يعطي اي معلومات حتى حان الوقت الملائم عندما طلب منه مشغله في الموساد تحديد الطريق التي سيغادر عبرها المرحوم الشقاقي ليبيا التي كان يزورها، هل هي مالطة او تونس او السودان، فأخبرهم انها مالطة، وكان الموساد قد ارسل ثلاث فرق اغتيال الى الدول الثلاث مسبقا، ونجحت خلية مالطة في اغتيال الشقاقي عبر اطلاق النار عليه من دراجة نارية في 26 تشرين الاول (اكتوبر) عام 1995.
اما كيف جرى اكتشاف مدير مكتب المرحوم الشقاقي، فتم عندما لاحظت اجهزة امن التنظيم بأنه يبالغ في اللطم والبكاء والنحيب، يقدم على حركات متصنعة، وجرى اعتقاله وتسليمه للمخابرات السورية التي حصلت منه على المعلومات الكاملة حول كيفية تجنيده في احدى دول اوروبا الشرقية من اجل هذه المهمة.
***
المخابرات الغربية، والاقليمية تركز كل جهودها حاليا لاختراق تنظيم “الدولة الاسلامية”، من اجل معرفة جميع مفاصله وطرق عمله وربما محاولة الوصول لزعيمه ابو بكر البغدادي واغتياله بهدف تقويض التنظيم من الداخل بالتوازي مع محاولة هزيمته على جبهات القتال ومن خلال انشاء قوات “صحوات” تتولى عمليات القتال الارضي سواء من مجنديين عراقيين او سوريين، وانضمام وحدات من الجيش السوري الحر وقوات من البشمرغة العراقية الى المدافعين الاكراد في مدينة “عين العرب ـ كوباني” السورية ذات الغالبية الكردية هو اول فصل من فصول هذا المخطط.

كم نحتاج من الجيوش لمنع استيلاء “الدولة الاسلامية” على بلدة “كوباني” الكردية؟ وما هي النتائج المترتبة على انضمام الجيش السوري الحر للقتال الى جانب المدافعين عنها؟

عبد الباري عطوان

لا نعرف كم عدد الجيوش المطلوبة التي يمكن ان تهزم قوات “الدولة الاسلامية” وتحول دون استيلائها على مدينة “عين العرب ـ كوباني”، وكم عدد الطائرات الحربية الامريكية والعربية اللازمة لوقف تقدمها، وهي التي لا تملك الا بعض المدرعات وبضعة آلاف من المقاتلين المسلحين بأسلحة خفيفة.
فلا نسمع او نقرأ هذه الايام الا عن قوات تتدفق من كل مكان الى المدينة لمواجهة “الدولة الاسلامية”، فالرئيس التركي رجب طيب اردوغان اعلن الخميس ان مئتي جندي من قوات البشمرغة الكردية عبرت الحدود الى “كوباني”، واعلن الجمعة في مؤتمر صحافي عقده في تالين عاصمة استونيا المحطة الثانية في جولته “البلطيقية”، ان 1300 جندي من الجيش السوري الحر سيعبرون الحدود التركية للانضمام الى وحدات حماية الشعب الكردي التي تدافع عن المدينة.
***
الرئيس اردوغان عارض بشدة فتح حدود بلاده امام اي قوات كردية او غير كردية تريد مساعدة القوات الكردية المحلية، ووصف حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني وميليشياته بأنها امتداد لحزب العمال الكردستاني “الارهابي” حليف النظام السوري.
السيد نواف خليل المتحدث باسم حزب الاتحاد الديمقراطي، ابرز الاحزاب الكردية السورية الذي شكك بتصريحات الرئيس اردوغان هذه طرح تساؤلا، يبدو مشروعا للوهلة الاولى، عندما قال “لماذا لا تتوجه قوات الجيش الحر التي تريد الدخول الى كوباني وتقاتل في مدينة حلب التي تكاد تسقط في ايدي النظام”.
ما لا يعرفه السيد نواف خليل ان الاوامر للجيش السوري الحر بالتحرك في هذا الاتجاه او ذاك تأتي من قيادة قوات التحالف الامريكي وبالتنسيق مع السلطات التركية، والرئيس اردوغان اكد على هذه الحقيقة بكل صراحة، عندما قال ان الجيش الحر هو خيارنا الاول للدفاع عن كوباني، ثم بعد ذلك قوات البشمرغة الكردية في الدرجة الثانية.
مشاركة الجيش الحر في القتال ضد “الدولة الاسلامية” ربما تكون خطوة اولى، او “بروفة” لفتح جبهات الرقة ودير الزور واعزاز ليس في مواجهة “الدولة الاسلامية” فقط، وانما الجبهات والفصائل الاخرى التي ادانت التدخل العسكري الامريكي ضد “الدولة الاسلامية”، ووصفت التحالف الامريكي الخمسيني بأنه تحالف “صهيوامريكي”.
نحن نقف الآن امام عملية فرز واضحة داخل المعارضة السورية المسلحة التي انقسمت الى معسكريين رئيسيين:
*الاول: يضم الجماعات الاسلامية المتشددة مثل “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة”، واحرار الشام، ولواء الشام، ومنظمات اخرى وتعارض التدخل العسكري الامريكي.
*الثاني: يتزعمه الجيش السوري الحر (او جناح منه) الى جانب جيش الاسلام، وقوات بركان الفرات وفصيل ثوار الرقة، واحرار جرابلس.
ومن غير المستبعد ان يشهد الجيش السوري انشقاقات جديدة في الاسابيع المقبلة، فالعقيد عبد الجبار الكعيدي احد قادة هذا الجيش اكد في تصريحات لوكالة انباء الاناضول التركية الرسمية انه سيقود مجموعة من الف مقاتل للدفاع عن “عين العرب ـ كوباني” في اطار مبادرة من فصائل كبيرة في الجيش الحر، ودون التنسيق مع المجلس العسكري، الذي من المفترض انه يشكل المظلة العسكرية القيادية للجيش الحر.
معركة “عين العرب ـ كوباني” المحتدمة منذ ما يقرب الشهر، وايا كانت نتائجها، والجهة التي تسيطر عليها، فانها ستكون مقدمة، او بالاحرى خطوة اولى لفتح جبهات اخرى في مناطق تسيطر عليها “الدولة الاسلامية” في الاراضي السورية مثل محافظتي الرقة ودير الزور في الشرق.
***
المؤشرات التي يمكن استخلاصها من سير المعارك في “عين العرب”، وخريطة القوى التي تقاتل دفاعا عنها، تعكس صعوبات كبيرة في طريق مهمة التحالف الامريكي الاساسية، اي اضعاف “الدولة الاسلامية” والقضاء عليها بالسرعة المطلوبة، فاذا كان منع سقوط هذه البلدة الحدودية التي لا يزيد تعداد سكانها عن 35 الف (هرب معظمهم الى داخل تركيا) يحتاج اكثر من شهر من القصف المتواصل وتدفق آلاف من المقاتلين، فكيف سيكون الحال في مدن مثل الموصل والرقة ودير الزور والفلوجة؟ فالنظريات العسكرية الاولية تفيد بأن “مهمة” الذين يقفون في خندق الدفاع اكثر سهولة من المهاجمين الذين يحتاجون الى ثلاثة اضعاف القوات المدافعة، بالاضافة الى غطاء جوي مكثف، وهذا ما لم يتأت لقوات “الدولة الاسلامية”.
لا بد ان القيادة السورية في دمشق تفرك يديها فرحا هذه الايام وهي ترى خصومها الذين كانوا يشكلون جبهة واحدة متماسكة ضدها يقاتلون بعضهم بعضا، والفضل في ذلك للتحالف الامريكي و”الدولة الاسلامية” معا، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، لكن الى متى يستمر هذا الفرح، لا حد يملك الاجابة القاطعة، لان المتغيرات متسارعة جدا في ميادين الصراع في سورية والعراق او هكذا نعتقد.