القاعدة

“رياح الجنة” تحول المساعدات العسكرية الامريكية الى مناطق “الدولة” في “عين العرب”.. ومفاجآت كثيرة في الطريق.. وتراجع تركيا عن فتح حدودها للبشمرغة احداها!

لا يأتينا من سورية هذه الايام غير “المفاجآت”، بعضها مفهوم ومعظمها يستعصي على الفهم من شدة غرابته وتعقيداته، لكن الشيء المؤكد ان الازمة ستستمر وتزداد تفاقما اسبوعا بعد اسبوع، وشهرا بعد شهر، وعاما بعد عام، ولا احد يملك المفتاح السحري للحل.
صحيح ان “الدولة الاسلامية” خطفت الاضواء بتقدمها “على حين غفلة” في الاراضي السورية والعراقية، واجبارها امريكا على تشكيل تحالف من اربعين دولة، والعودة بطائراتها ومستشاريها العسكريين الى العراق مكرهة، ولكن الايام الحالية تشهد عودة قوية لملف الازمة السورية مجددا والحديث عن حل سلمي لها، وصفقات سرية يجري طبخها، او بالاحرى محاولة طبخها في الغرف المغلقة.
***
لنبدأ اولا بالمفاجآت التي وقعت في اليومين الماضيين ولا يمكن ان ندعها تمر دون التوقف عندها لطرافتها احيانا، وللمعاني الكبيرة التي يمكن استخلاصها من ثناياها:
* المفاجأة الاولى: اسقاط الطائرات الامريكية شحنات من الاسلحة النوعية المتقدمة جدا على مناطق خاضعة لسيطرة “الدولة الاسلامية” في مدينة “عين العرب” او كوباني الكردية في شمال سورية بطريق الخطأ، حيث كانت موجهة الى الاكراد، فاستولت عليها “الدولة” “غير شاكرة”، و”غير مقدرة”، معتبرة هذا الخطأ غير المقصود هو “ارادة الله” جلّ وعلى، وتأكيد على انه يقف معها في وجه اعدائها، مثلما قال احد انصارها على احد شبكات التواصل الاجتماعي.
فهذه الاسلحة وشحنات الادوية جاءت في الوقت المناسب، والمكان المناسب، حيث انهالت المساعدات العسكرية والطبية من امريكا وكردستان العراق وفرنسا على الاكراد المدافعين عن المدينة ومنع سقوطها، بينما تعاني قوات “الدولة” من بعض النقص في العتاد والذخائر.
*المفاجأة الثانية: اعلان السيد مولود شاوش اوغلو وزير الخارجية التركي في تصريح لمحطة تلفزيون “ان تي في” التركية الثلاثاء، ان المقاتلين من كردستان العراق لم يعبروا الحدود الى “عين العرب” انطلاقا من الاراضي التركية حتى الآن وان مفاوضات جارية في هذا الصدد، بعد ان اكد بعظمة لسانه قبل ثلاثة ايام، وعلقنا عليه في هذا المكان، ان بلاده لن تسمح بسقوط “عين العرب” (كوباني) وانها فتحت حدودها لقوات “البشمرغة” الكردية للدخول اليها.
لا نعرف الدوافع التي تكمن خلف هذا التراجع التركي، فهل هو الخوف من الميليشيا الكردية المدافعة عن (كوباني) ام من “الدولة الاسلامية” وانتقامها ام من الاثنتين معا؟ ولكننا نعرف تبعات هذا التراجع، واولها اتساع دائرة الخلاف مع الولايات المتحدة، بعض الدول المشاركة في التحالف الامريكي لاضعاف، ومن ثم القضاء على “الدولة الاسلامية”، وعودة قوية للاتهامات العربية والغربية التي تتهم تركيا بدعم “الدولة الاسلامية” بطرق مباشرة او غير مباشرة.
*المفاجأة الثالثة: اختيار السيد حيدر العبادي رئيس وزراء العراق الجديد العاصمة الايرانية “طهران” لكي تكون المحطة الاولى التي يزورها بعد توليه منصبه، واكمال تشكيل حكومته، الامر الذي سيفسر في اوساط معارضيه الكثر داخل العراق وخارجه، بأن الوضع لم يتغير في بغداد، وانه ما زال يسير على خطى سلفه السيد نوري المالكي، الامر الذي سيجعل من مخططاته لتشكيل قوات “حرس وطني” في المناطق السنية والعشائرية “صحوات”، ولكن “بتسمية جديدة” مسألة في غاية الصعوبة، كما سيخيب آمال الكثير من دول الجوار التي كانت تتوقع ان يكون رئيس الوزراء الجديد على مسافة واحدة مع الجميع، وليس حليفا قويا لايران، ونحن نتحدث هنا عن المملكة العربية السعودية ودول خليجية وتركيا على وجه الخصوص.
ما نريد قوله ان كل هذه المفاجآت الثلاث التي تعكس تخبطا واضحا من اللاعبين الدوليين والاقليميين على حد سواء حول كيفية التعاطي مع خطر “الدولة الاسلامية” باتت تدفع بحتمية العودة الى الازمة الاصلية، ومحاولة معالجتها اولا، وليس الذهاب الى اعراضها الجانبية.
هذه العودة لاصل الازمة يمكن رصدها في تطورين اساسيين من الصعب اغفالهما:
*الاول: دعوة المبعوث الخاص بالامم المتحدة الى سورية السويدي ستفان ميستورا الثلاثاء اثناء زيارته لموسكو الى حل “عاجل” للازمة السورية على خلفية “تهديد ارهابي متفاقم، مؤكدا اثناء لقائه سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي “ان الحل العسكري مستبعد وعلينا ان نحل هذه المشكلة بالحوار السياسي”.
*الثاني: نفي مصادر دبلوماسية روسية لقناة “الميادين” عقد اي صفقات من وراء الكواليس بين واشنطن ودمشق على حساب موسكو وطهران، وقالت “ان واشنطن تتمنى عقد صفقة مع الاسد لابعاد ايران وروسيا عن المنطقة لكن الرئيس السوري لم يوافق ابدا”.
لا نعرف اسباب هذا الحديث عن صفقة سرية بين الاسد وامريكا من وراء الكواليس، واذا كان ليس صحيحا فلماذا تقدم موسكو على نفيه، وتتعمد قناة “الميادين” الداعمة لايران وسورية ابرازه، اي النفي بهذه الطريقة؟ وهل يصح المثل الذي يقول “لا دخان من غير نار” في هذه الحالة؟
السيد الاخضر الابراهيمي (هل تتذكرونه) قال قبل ايام في محاضرة القاها في المعهد الملكي للدراسات الدولية (تشاتام هاوس) البريطاني الشهير، انه ليس هناك خطط للسلام بل الحرب، ولا خطط امريكية لضرب مواقع النظام السوري ولا احد يطالب باسقاطه ولا توجد انشقاقات في صفوفه.
الرسالة التي يريد الابراهيمي ايصالها هي ان النظام باق، وان عليكم التعاون معه، وان حدود “سايكس بيكو” راسخة اكثر مما يعتقد الكثيرون.
السيد الابراهيمي يعرف جيدا دهاليز السياسة الدولية ونوعية مطابخها، وعندما يقول هذا الكلام الخطير علينا ان نسمع ونحلل لنعرف ما هو المقصود منه، وماذا سيحدث بعده.
في الماضي القريب جدا كانت المعارضة السورية السلمية والمسلحة، تغضب كثيرا عندما يقول البعض لماذا تحظى هذه المعارضة بدعم امريكا وتسليحها ولا تفعل الشيء نفسه للفلسطينيين، في اشارة الى النفاق والازدواجية الامريكيين، الآن، وفصائل المعارضة السورية تعاني من التهميش الامريكي، وتشتكي من عدم دعوتها وممثليها الى مؤتمر دول التحالف الدولي ضد “الدولة الاسلامية” الذي انعقد اخيرا في باريس، باتت تتحدث عن النفاق الامريكي وتقول كيف تقدم واشنطن كل هذه الاسلحة الحديثة للمدافعين عن “عين العرب” وتستخدم طائراتها لقصف “الدولة الاسلامية” وتجمعاتها بينما لم تفعل الشيء نفسه لها؟
السؤال مشروع، وسبحان مغير الاحوال، ولكن ما هو غير مشروع هو الثقة في امريكا، ووضع كل البيض في سلتها، والرهان عليها، واعتبارها صديقة للعرب والمسلمين وتضع مصالحهم في عين الاعتبار.
***
الشيء الوحيد الذي يمكن ان نختم به هذه المقالة انه بعد شهرين من القصف الجوي الامريكي العربي المكثف ما زالت “الدولة الاسلامية” صامدة، وتتقدم وتزداد قوة، بينما استطاعت القوات والطائرات الامريكية احتلال العراق في ثلاثة اسابيع وليبيا بضعف هذه المدة، مما يؤكد ما قاله ليون بانيتا وزير الدفاع الامريكي السابق بأن الحرب ضدها ستستمر ثلاثين عاما، وكرر الكلام نفسه العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني اثناء لقائه يوم امس مع عدد من النواب الاردنيين.
المفاجآت ستستمر تفاجئنا في الاشهر، وربما السنوات المقبلة، ولا نستبعد ان تكون “غير سارة” لقادة دول المنطقة، والتحالف الامريكي الذي سارعت بالانضمام اليه للقضاء على “دولة” يعترف الجميع انهم اساءوا تقدير قوتها.
اهلا بالمفاجآت، سواء كانت “سارة” او “غير سارة” فلم يعد لشعوب المنطقة ما تخسره بعد ان تحولت معظم دولها الى دول فاشلة تسودها فوضى دموية لاسباب معروفة لا داعي لتكرارها.

الاردن “يمهد” لارسال “قوات خاصة” لقتال “الدولة الاسلامية” ان لم يكن ارسلها فعلا.. فما هو حجم المخاطرة؟ وما هي انعكاساتها على الجبهة الداخلية؟ وما هو المقابل السياسي والمادي؟

بعد اكثر من شهرين من القصف لمواقع “الدولة الاسلامية” سواء داخل الاراضي السورية لمنع قواتها من الاستيلاء على مدينة عين العرب (كوباني) شمال سورية او في مناطق عراقية في هيث والرمادي وتكريت وحديثه وغلاف بغداد، بات واضحا ان هذه المهمة التي تشارك فيها طائرات عدة دول، سواء بشكل مباشر او غير مباشر لم تحقق الا نجاح محدود للغاية، بات الحديث عن تدخل بري جنبا الى جنب مع التدخل الجوي يتصاعد خاصة في الاوساط الامريكية ويجد اصداء ملحوظة في المنطقة العربية.
في هذا الاطار يمكن اخذ تصريحات السيد خالد الكلالدة وزير الشؤون السياسية والبرلمانية في الحكومة الاردنية التي ادلى بها قبل ثلاثة ايام وقال فيها صراحة ان بلاده بصدد ارسال قوات ارضية لمحاربة قوات “الدولة الاسلامية” دون ان يعطي المزيد من التفاصيل في هذا الخصوص.
الطريقة الاردنية المتبعة في التمهيد لادوار عسكرية هنا وهناك تأتي دائما خجولة، وعلى لسان وزراء لا يتولون حقائب سياسية، الهدف منها اطلاق بالونات اختبار لقياس ردود فعل الرأي العام، واحيانا بهدف “تطبيع″ او تعويد” المواطنين الاردنيين على هذا النوع من الخطوات التي تجد معارضة قوية في اوساطهم، ويجب اخذ تصريحات الوزير الكلالدة في هذا الاطار حتى نستطيع ان نستقرأ الخطوة او الخطوات المقبلة.

***

لنكن اكثر صراحة ووضوحا في تناول امرين اساسيين يتعلقان بهذه المسألة: الاول ان الاردن لا يستطيع مخالفة اي طلب امريكي بارسال قواته الارضية للقتال على جبهات وفي مهمات تحدد له، فقد ارسل قوات اردنية تحت جنح الظلام للقتال الى جانب القوات الامريكية اثناء احتلال العراق عام 2003، بل ان القوات الامريكية التي دخلت بغداد انطلقت من الاراضي الاردنية، مثلما ارسلت قوات الى ليبيا كانت على رأس حربه في احتلال طرابلس واقتحام قاعدة العزيزية حيث مقر القيادة العسكرية للعقيد الليبي معمر القذافي، مثلما بادر بارسال قوات الى البحرين للمساندة في قمع الانتفاضة الشعبية التي جارت نظيراتها في دول عربية عديدة عام 2011 تحت عنوان ما اطلق عليه في حينها ثورات “الربيع العربي”، ولم يصدر اي اعلان رسمي حول هذه المشاركات، وجرى ابعاد الصحافة عن اي خوض فيها وطبيعتها.
اما الامر الثاني فيتعلق بالدور الوظيفي للاردن في القيام بأدوار عسكرية وسياسية بايعاز امريكي والحاح عربي، مقابل مساعدات مالية، فالاردن لا يملك ذهبا ولا نفطا، وموارده المالية شحيحة وعوائد السياحة تتناقص، وتتضخم ديونه العامة في المقابل، وهناك من يقدرها 25 مليار دولار في ظل عجز مزمن في الميزانية السنوية يصل الى ملياري دولار، والدعم المالي الخليجي يتراجع ويضمحل.
الاردن ارسل طائرات شاركت بقصف مواقع “الدولة الاسلامية” في سورية جنبا الى جنب مع طائرات امريكية وسعودية واماراتية، ولكنها تظل خطوة رمزية لان طائرات السلاح الجوي الاردني قديمة، ومعظمها انتهت صلاحيتها القتالية بالمقارنة مع نظيراتها الخليجية والغربية الاخرى، ولكن شهرة المؤسسة العسكرية الاردنية لم تكن قائمة على اسراب طائراتها الحربية وقواتها الجوية، وانما على قواتها الارضية المدربة تدريبا جيدا على اعمال الاقتحام.
العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني يتباهى امام زواره الخلص بأنه اسس، عندما كان في القوات المسلحة الاردنية، وقبل ان يتولى العرش فجأة اثر وفاة والده، وحدات قتالية يطلق عليها اسم “قوات النخبة الخاصة”، وتعتبر الاكثر ولاء له، والاشرس في العمليات القتالية، ويتم اختيار عناصرها بطريقة صارمة، ووفق معايير دقيقة تضمن تنفيذ الاوامر القيادية بشجاعة وتفان دون تردد، ولم يكن من قبيل الصدفة، وبسبب نجاح هذه القوات، ان تتم محاكاتها من قبل عدة دول عربية، بل والطلب من قيادتها تدريب قوات مماثلة، وابرز العناوين في هذا المضمار قوات الامن الفلسطينية في الضفة الغربية، ولاحقا قوات معارضة سورية.
اي مهمة قادمة للقوات الخاصة الاردنية في سورية والعراق قد تتلخص في عمليات التفافية خلف خطوط “العدو” وهو في هذه الحالة قوات “الدولة الاسلامية”، وهذه مهمة خطرة بكل المقاييس لان هذه القوات (الدولة) مدربة تدريبا جيدا، وقياداتها عملت تحت لواء الجيش العراقي السابق ووحداته الخاصة التي اسسها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، بمعنى آخر، ان كفاءتها القتالية لا تقل عن نظيراتها في الاردن ودول عربية اخرى، ان لم تكن تفوقها، علاوة على نزعتها الايمانية الاسلامية القوية وتسليحها الجيد (حصلت عليه من مخازن الجيش العراقي)، وفوق هذا وذاك يتطلع افرادها للشهادة فأقصر الطرق الى الجنة.
الاردن، وباختصار شديد، يقدم على “مقامرة” محفوفة بالمخاطر، لان قطاعا عريضا من رأيه العام يعارض مثل هذا التدخل، ليس من منطلق التعاطف مع “الدولة الاسلامية” باعتبارها وريثة تنظيم التوحيد والجهاد الذي اسسه ابو مصعب الزرقاوي الجهادي الذي يحظى بشعبية كبيرة في الاردن، وتقاتل باسم “السنة”، وانما ايضا من منطلق الكراهية لامريكا والغرب والشكوك في نواياهما، وكل خطوة يقدمان عليها باعتبارها تخدم في نهاية المطاف اسرائيل وتمزيق الامة العربية، فالكثيرون في الاردن لا ينظرون الى “الدولة الاسلامية” كمنظمة ارهابية، ويعتقدون انه طالما انها مستهدفة امريكيا وغربيا وتشكل خطرا على مصالحها فانها ليست ارهابية.
شيوخ الجهاد في الاردن مثل الشيخ ابو محمد المقدسي لم يستمع الى التحذيرات الرسمية التي جاءت اليه من جهاز المخابرات الاردني في مواجهة مباشرة، بعد استدعائه الى مقره في عمان، بعد التحريض من قبله ضد التحالف الامريكي، على موقعه على “التويتر”، وواصل توصيف هذا التحالف بـ”الصليبي” والدول المشاركة فيه بـ”دول الردة”، الامر الذي خلق مزاجا عاما مغايرا لما تريده الدولة، وقد يفسد عليها مشاركتها في الحرب، وهي حرب ستطول، وسيسقط فيها جنود قتلى من كل الجنسيات المشاركة حتما، والقوات الاردنية لن تكون استثناء، فاذا كان ليون بانيتا وزير الدفاع الامريكي الاسبق يؤكد ان هذه الحرب ضد “الدولة الاسلامية”، وفي كتاب جديد صدر له، ستستمر ثلاثين عاما على الاقل، فهل يستطيع الاردن تحمل تبعات ذلك، ويواصل تقديم التضحيات، وربما الكثير من القتلى والجرحى طوال هذه المدة؟
***
زرت الاردن قبل شهر تقريبا، والتقيت الكثير من القيادات الدينية المؤيدة للجماعات الجهادية، وتنظيمي “الدولة الاسلامية” و”النصرة”، مثلما التقيت بالمعارضين الشرسين لهما، والانطباع الذي خرجت به من هذه اللقاءات ان اعداد الجهاديين الاردنيين في العراق وسورية اكثر من الفي مقاتل على الاقل وهو في تصاعد مستمر، وعلينا ان نتذكر جيدا ان الاردن يحاذي جبهتي القتال الملتهبة حاليا، وقوات الدولة والنصرة معا تقف على بعد بضعة كيلومترات من حدوده، والاهم من ذلك ان قتال القوات الامريكية والمتحالفة معها يأتي على قدم المساواة مع قتال قوات الجيش السوري ان لم يكن اكثر اولوية بالنسبة اليهما، ومن يتابع حسابات قادة الجهاديين على مواقع التواصل الاجتماعي، بأسماء صريحة او مستعارة، يدرك هذه الحقيقة جيدا.
لا نعرف متى سترسل المؤسسة السياسية الاردنية “قواتها الخاصة” الى جبهات القتال، وقد تكون ارسلت فعلا، وتقاتل حاليا في عين العرب او الفلوجة، ولكن ما نعرفه ان هذه الخطوة ستكون محفوفة بالمخاطر لما لها من انعكاسات على الجبهة الداخلية الاردنية وتماسكها مع وضعنا في عين الاعتبار قوة وصلابة وخبرة اجهزة الامن الاردنية، فقوة هذه الاجهزة داخليا شيء، وقدراتها في الخارج، وفي جبهات بعيدة وارض غير صديقة شيء آخر مختلف تماما.
الاردن يلعب بالنار، ولكنها نار مختلفة هذه المرة وتزداد لهيبا وقد تحرق طرف ثوبه، او معظمه، والامريكان كعادتهم دائما يهربون من المنطقة اذا وجدوا ان الخسارة كبيرة او وشيكة، هكذا فعلوا في الصومال والعراق وقريبا في افغانستان، وهكذا سيفعلون في سورية، والمأمول ان تدرك القيادة الاردنية حجم “المقامرة” او “المغامرة” التي يدفعها الامريكي وحليفه العربي اليائس نحوها، وتبادر الى التدقيق جيدا في حساباتها، وتجنب التورط بقدر الامكان على غرار ما حدث في سورية، او بالاحرى في الحدود الدنيا، ونحن في كل الاحوال ضد هذا التورط، وضد هذا التحالف “الاعور” الذي لم يتدخل مطلقا لصالحنا، وصالح ضحايانا الذين تذبحهم الطائرات والقوات الامريكية والاسرائيلية بصفة دورية.

الحكم باعدام الشيخ النمر قنبلة موقوتة بين يدي السلطات السعودية فالتنفيذ مشكلة وعدمه مشكلة اكبر.. فهل يتم التسريع بالتنفيذ ام يلجأ العاهل السعودي الى العفو؟

الازمات تحاصر المملكة العربية السعودية من الجوانب الاربعة، فهناك ازمة الحوثيين الذين تتساقط امام زحفهم المدن اليمنية في الجنوب، وهناك أزمة الدولة الاسلامية في العراق والشام شمالا التي تشّكل تحالفا من خمسين دولة لمواجهتها وتعتبر ان خلافتها التي اعلنتها لا تكتمل الا بالسيطرة على مكة المكرمة، وتفاقم الخلاف مع ايران شرقا، ولا ننسى ذيول ازمة الاخوان المسلمين في مصر وتبعاتها في ليبيا من جهة اخرى، ولكن الازمات الداخلية، ومهما بدت صغيرة في نظر البعض تظل الاكثر خطورة والتي لا يجب التقليل من شأنها لانها مرشحة للتضخم وقلب كل المعادلات الداخلية.
في الايام القليلة الماضية شهدت الساحة السعودية حدثين داخليين كسرا حاجز الصمت، وركزا الانظار على الوضع الداخلي في المملكة، الاول سني الطابع، تمثل في اطلاق الشاب عبد العزيز الرشيد النار على سيارة تقل مواطنين امريكيين يعملان في شركة عسكرية تدرب الحرس الوطني فقتل احدهما واصاب الثاني، وهناك تكهنات بأن الشاب المولود في امريكا ويحمل جنسيتها قد يكون اقدم على هذا العمل لاسباب سياسية دينية، ونتيجة لارتباط مع جماعات جهادية متشددة مثل “الدولة الاسلامية” او تنظيم “القاعدة”.
اما الحدث، او الامر الثاني، فيتعلق بإصدار المحكمة الجزائية السعودية المتخصصة حكما بالإعدام تعزيرا في حق الشيخ نمر النمر الداعية الشيعي بعد ادانته بتهمة الخروج على ولي الامر واشعال الفتنة الطائفية وقيادة احتجاجات شعبية ضد السلطة وحمل السلاح في وجه رجال الامن واشاعة الفوضى، والمطالبة بسحب القوات السعودية من البحرين وضم المنطقة الشرقية السعودية حيث يشكل ابناء الطائفة الشيعية اغلبية في بعض مدنها الى البحرين.
***
الهجوم على السيارة الامريكية وسط الرياض جرت معالجته في افتتاحية “رأي اليوم” قبل يومين، ولكن حكم الاعدام هذا الذي أثار ردود فعل في ايران ولبنان (حزب الله) وقوبل بإدانة من قبل منظمات حقوقية عالمية مثل منظمة العفو الدولية هو الذي يستحق التوقف عنده في هذا الحيز لما له من دلالات عديدة، وما أثاره من موجه احتجاجات صاخبة في العوامية والقطيف واماكن اخرى في شرق المملكة.
السلطات الايرانية حذرت من اعدام الشيخ النمر، وقالت انه سيؤجج التوتر في العالم الاسلامي، مثلما جاء على لسان السيد حسين امير عبد اللهيان نائب وزير الخارجية، بينما وصف “حزب الله” في بيان رسمي حكم الاعدام بأنه “جائر وسياسي بامتياز″ وحذر من تبعات تنفيذه.
حكم المحكمة الجزائية بإعدام الشيخ النمر لن يطبق فورا، وهو قابل للنقض من قبل محكمة الاستئناف، وحتى لو جرى التصديق عليه فانه يرفع بعد ذلك الى مجلس القضاء الاعلى لاعتماده، وبعد ذلك الى الملك، الذي من المفترض ان يحيله الى وزارة الداخلية للتنفيذ في حالة اقراره، اي ان الامر قد يتطلب بضعة اشهر من الاجراءات القانونية، ولكن الملك عبد الله بن عبد العزيز يمكن ان يسرع بتنفيذ الاعدام لو اراد ذلك لسبب ما.
في غير المرجح ان يسرع العاهل السعودي بعملية التنفيذ في مثل هذا الظرف الحرج الذي تمر فيه المملكة داخليا وخارجيا، الا اذا اراد تأجيج الصراع مع ايران، واشعال نار الاضطرابات في المنطقة الشرقية ومع ابناء الطائفية الشيعية بالذات، ولذلك من غير المستبعد ان يتريث في تنفيذ حكم الاعدام، واطالة امد الاجراءات القانونية او ان يقرر اصدار عفو عن الشيخ النمر لامتصاص التوتر مع ايران وابناء الطائفة الشيعية في الاحساء.
التنفيذ سيغضب ايران وابناء الطائفة الشيعية في المنطقة وداخل المملكة نفسها، وعدم التنفيذ قد ينظر اليه البعض بأنه تهاون معهم ومحاباة لهم من منطلق الخوف بالنظر الى تغريدات بعض المتشددين على شبكات التواصل الاجتماعي خصوصا.
***
لا نعرف كيف سيتعاطى العاهل السعودي مع هذه المسألة، ولكننا نتمنى ان لا يتم تنفيذ الاعدام، ليس خوفا من ردود الفعل او استجابة للتهديدات والتحذيرات التي صدرت من هذه الدولة او تلك الجهة، وانما من منطلق الثقة والحرص على الوحدة الوطنية وحقن الدماء، ونأمل في الوقت نفسه ان نرى عفوا عاما عنه وعن كل العلماء المسجونين في سجون المملكة حاليا مثل الشيخ سعود الهاشمي، والشيخ محمد العريفي، والشيخ بن زعير، والقائمة طويلة.
الخروج على ولي الامر لم يعد جريمة تستحق عقوبتها الاعدام في زمن الحريات والثورات المطالبة بالعدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد، ثم ان هذه مسألة جدلية لها جوانب متعددة وخلافية، والا لماذا تتبنى المملكة رسميا “المناصحة” منهجا رسميا للتعاطي مع هؤلاء في السجون والمعتقلات، وبعضهم اقدم على كل انواع التحريض ضد النظام وشارك في هجمات دموية؟

الواعظ توني بلير عندما يحاضر علينا في التعايش والتسامح وهو الذي بذر بذور الطائفية السامة وحلفاؤه العرب والامريكان واوصلونا الى حالة الانهيار الراهنة

من سخريات القدر ان يخرج علينا توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الاسبق محاضرا حول كيفية احترام الاديان ومحاربة جذور التطرف من خلال شن حملة عالمية مدروسة مثلما قال في مقالة نشرها (الاربعاء) على موقع شبكة “بي بي سي”.
بلير الذي يشغل حاليا منصب مبعوث اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الاوسط يتحول فجأة الى واعظ ينشر قيم الفضيلة والعدالة، ويطالب باجتثاث فكر المتطرفين وليس مجرد تعطيل اعمالهم فقط لان الحرب على الارهاب يتطلب الانخراط في معركة الافكار لانه من الحماقة انفاق المليارات من الدولارات على معركة عسكرية مع التطرف الاسلامي وترك التعصب دون عائق.
التطرف في نظر بلير هو التطرف الاسلامي فقط الذي يريد شن حرب مزدوجة فكرية وعسكرية لمواجهته، ولا ينطق بكلمة واحدة في حق نظرائه في الاديان الاخرى، والاسباب الحقيقية التي تؤدي الى صعوده واستفحاله.
فالمستر بلير لم ينطق مطلقا، وعلى مدى ما يقرب من العشر سنوات، من وجوده في القدس المحتلة كمبعوث للسلام، بكلمة واحدة عن التطرف اليهودي على سبيل المثال لا الحصر، الذي يتجلى في ابشع صوره واشكاله في عمليات اقتحام المسجد الاقصى، وتقسيم الحرم الابراهيمي، والاعتداء على المواطنين الفلسطينيين العزل وقلع اشجار زيتونهم واطلاق النار عليهم.

***

الواعظ بلير الذي يقرع طبول الحرب ضد “الدولة الاسلامية” هو وصديقه جورج بوش الابن الذي وفر البيئة الحاضنة لميلاد هذه الدولة وتوسعها عندما غزا العراق وقتل مليون من ابنائه، ويتّم اكثر من اربعة ملايين طفل وبذر بذور الفتنة الطائفية في ارضه ونسيجه الاجتماعي والسياسي، ويرفض حتى هذه اللحظة الاعتراف بخطئه والاعتذار عنه.
العراق الذي دمره بلير تحت اكذوبة اسلحة الدمار الشامل، كان من اكثر الدول محاربة للتطرف بشقيه السني والشيعي معا، وضرب مثلا في التعايش بين المذاهب والاديان، ففي الوقت الذي كان يتقاتل فيه الكاثوليك والبروتستانت في ايرلندا الشمالية، ويخوضان حربا دموية ضد بعضهما البعض كان العراقيون والسوريون يتزاوجون وينصهرون في بوتقة التسامح والتعايش، وكان السؤال عن مذهب الشخص من المحرمات مع استثناءات قليلة جدا.
لم يكن من قبيل الصدفة ان جميع الدول العربية التي تدخل فيها بلير وحلفاؤه الامريكان والعرب، وحولوها الى دول فاشلة، تسودها الفوضى الدموية هي تلك الدول التي اوصدت ابوابها في وجه الفتن الطائفية، وحصنت مجتمعاتها من امراضها، من خلال انظمة تعليمية منفتحة تكرس التسامح الديني، واحترام الاخر وعقيدته.
الاحتلال الامريكي هو الذي ادخل المحاصصة الطائفية الى العراق، وهو الذي انحاز الى طائفة ضد اخرى، وحل الجيش العراقي الذي كان يجسد الهوية العراقية الموحدة الجامعة، وبتشجيع ومباركة حلفاء امريكا من العرب الذين يصيغون مواقفهم وسياساتهم انطلاقا من عقيدة ثأرية، وليس وفق معايير التسامح والتآخي والمصالح المشتركة.
نعم التدخل العسكري الذي يقوده التحالف الامريكي الحالي لن يهزم “الدولة الاسلامية”، وان الآلاف وربما مئات الآلاف من البشر الذين سيخسرون ارواحهم من جراء صواريخه وقذائف طائراته ستذهب سدى لان هذا التدخل لم يأت من اجل القضاء على التطرف وانما لتعميقه واعطائه قوة اضافية توسع دائرته، لانه يبدو في نظر شريحة واسعة من ابناء المنطقة حربا صليبية ضد الاسلام والمسلمين، وكل من ينضم اليه من العرب والمسلمين من قوى الردة، ولكن يبدو ان المستر بلير وحلفاءه العرب لا يقرأون ادبيات هذه الشريحة على مواقع التواصل الاجتماعي.
***
الذين يحاربون في صفوف “الدولة الاسلامية” ويقودون معاركها وحروبها في العراق وسورية، هم من “اجتثهم” الاحتلال الامريكي وحلفاؤه، وهمشهم تحت ذرائع متعددة، واسقط عنهم هويتهم العراقية، لانهم كانوا وما زالوا يعتزون بهويتهم العربية الجامعة العابرة للطوائف، والساعين من اجل تعايش الجميع تحت مظلة هذه الهوية.
الذين يطالبون حاليا “بحرب عقول”، ومواجهات فكرية ضد التطرف ومنظماته وجماعاته، تسير جنبا الى جنب مع قصف الطائرات والصواريخ، تأخروا كثيرا، لان نشوة الانتصار الكاذبة اعمتهم عن رؤية الحقائق المرة على الارض، والنمو السريع للتوجهات المتطرفة على جانبي السور الطائفي في الدول العربية، والعراق وسورية خصوصا.
من المؤسف ان بضاعة بلير وحلفائه الامريكيان والعرب المغشوشة، بل والمسمومة، تجد اسواقا رائجة في اوساط الحكومات العربية، يجني من ورائها عشرات الملايين من الدولارات، ويفرش له الاغبياء العرب السجاد الاحمر في المطارات، ويعينونه مستشارا رفيع المستوى مكافأة له على الدمار البشري والمادي الذي سببته حروبه في منطقتنا، واوصلتنا الى حالة الانهيار هذه.
هؤلاء العرب الاغبياء قصيرو النظر الذين يهدرون ثرواتنا، ويدمرون بلداننا ويتعاملون مع سماسرة الحروب من امثال توني بلير لا يستحقون الا المنظمات المتطرفة التي تعرف كيف تتعامل معهم وفسادهم، ليس المعتدلين والليبراليين ومن لف لفهم.

رواية امريكا “الجديدة” عن اغتيال بن لادن ودفنه في البحر “مضلله” وهناك الكثير من الاسرار التي يريدون “دفنها” ومن حقنا ان نمنعهم من ذلك ونطالب بالحقائق كاملة

عبد الباري عطوان
من المعروف ان الاجهزة الامنية الامريكية مثلها مثل جميع نظيراتها الغربية، تحرص على توثيق معظم الاحداث التاريخية الهامة، وتحفظها في ارشيفاتها، وتسمح بالاطلاع على تفاصيلها لكل باحث، وفق قانون حرية المعلومات، ولكن هذه القاعدة لا تنطبق على زعيم تنظيم “القاعدة” الشيخ اسامة بن لادن والظروف التي احاطت بعملية اعتقاله ومن ثم اغتياله في منزله بمدينة أبوت اباد في باكستان في شهر ايار (مايو) عام 2011؟
فحتى هذه اللحظة لم نشاهد اي صورة لجثمان الشيخ الراحل ومن قتلوا معه، ولم يتم السماح لابنائه وزوجاته الذين كانوا معه لتقديم روايتهم عما حدث في تلك الليلة التي جري فيها الهجوم المباغت من قبل “وحدة العجول” الخاصة، فقد جرى نقل هؤلاء، وبعد اعتقالهم لعدة اشهر في باكستان، تحت ذرائع متعددة، من بينها دخول البلاد بطريقة غير مشروعة، ومخالفة قوانين الاقامة، وعندما تم السماح لهم بمغادرة باكستان الى المملكة العربية السعودية، حيث يقيمون حاليا في مدينة جدة، جرى منعهم من الكلام والاتصال بالصحافة بالتالي.
***
قبل عامين، استوقفني في احد شوارع مدينة لندن شاب وسيم، وقدم لي نفسه على انه عبد الله ابن اسامة بن لادن، واظهر بطاقته الشخصية التي تؤكد هذه الحقيقة، وكان في قمة التهذيب ودماثة الخلق، وكان اللقاء مفاجأة سارة بالنسبة الي، لاني اعرف عنه واسرته والكثير، وكان هو باعتباره النجل الاكبر للشيخ الراحل، الذي اشرف على رعاية الاسرة عندما كانت في باكستان تحت الاقامة الجبرية، ورتب سفرها الى مدينة جدة.
حاولت ان اعرف منه بعض التفاصيل عما حدث في “ابوت اباد” وعميلة الاغتيال، فلا بد انه يعرف الكثير من اشقائه وشقيقاته وزوجات والده، ولكنه اعتذر بأدب شديد عن الاجابة، وافترقنا والابتسامة مرسومة على وجهه، وتحمل معاني كثيرة ملخصها انه لا يريد الحديث، لاسبابه، وربما تجنبا للمشاكل، تماما مثلما هو حال جميع اشقاء الشيخ بن لادن الذين حاولت الاتصال بهم عندما كنت اجمع المعلومات لكتابي الاول “التاريخ السري للقاعدة”.
الادارة الامريكية قدمت لنا اشرطة مصورة عن كيفية اعتقال الرئيس صدام حسين، مثلما فعلت الشيء نفسه لوقائع عملية اعدامه، وولديه من قبله عدي وقصي، ولكنها لم تقدم صورة واحدة ولو من بعيد للهجوم المذكور على منزل الشيخ بن لادن، او عملية دفنه في البحر وفق الشعائر الاسلامية، حسب ما اكد ليون بانيتا رئيس وكالة المخابرات المركزية الامريكية “سي اي ايه” ووزير الدفاع السابق في كتابه الجديد (حروب تستحق المجازمة).
كا ما كشفه بانيتا في وصفه لعملية اغتيال الشيخ بن لادن ودفنه في البحر هو معلومات قديمة حول كيفية لف جثمانه باسلاك حديدية يزيد وزنها عن 136 كيلوغراما للتأكد من استقرار الجثمان في قاع بحر العرب.
نستغرب كيف تصمت الصحافة الغربية التي لا تترك حجرا دون ان تقلبه خاصة اذا تعلق الامر بالعرب والمسلمين، لاكثر من اربع سنوات، دون ان تقدم لنا الرواية الحقيقة عما حدث في “ابوت اباد”، وتمارس ضغوطا على ادارة اوباما لاثبات صحة ادعاءاتها حول مقتله ودفنه في عمق البحر.
من المؤكد ان الرواية الرسمية الامريكية تنطوي على الكثير من الاكاذيب التي تحرص على عدم فضحها، واذكر مرة انني شاركت في برنامج تلفزيوني في محطة “بي بي سي” البريطانية وكان “خصمي” صحافيا بريطانيا عريقا، وعندما شككت في صحة الرواية، ورد علي حانقا باتهامي بأنني مثل كل زملائي من العرب والمسلمين مسكونون بنظرية المؤامرة، وقال ان الرئيس الامريكي لا يكذب.
قلت له ألم يكذب الرئيس جورج بوش الابن وتابعه بلير رئيس الوزراء البريطاني حول اسلحة الدمار الشامل في العراق؟ واضفت: ألم يكذب الرئيس الامريكي الذي سبقه كلينتون عندما قال امام الكاميرات بانه “لم يمارس الجنس مع تلك المرأة” في اشارة الى مونيكا لوينسكي متدربة البيت الابيض؟
***
من حقنا ان نعرف كل تفاصيل عملية اغتيال الشيخ بن لادن، واخفاء جثمانه بالطريقة التي اخفي فيها، خاصة هذه الايام التي يكثر فيها الحديث عن الارهاب، وترسل الولايات المتحدة طائراتها لقتل الارهابيين في سورية والعراق وتصفية منظماتهم، طالما انها نصبت نفسها حامية لقيم الاخلاق وحقوق الانسان، والشفافية وحرية المعلومات.
كتاب بانيتا خيبة امل كبرى، خاصة الجزء المتعلق منه بهذه الواقعة تحديدا، ويأتي في اطار مسلسل الاكاذيب لخداعنا وتضليلنا، او حكامنا على وجه الخصوص، للتدخل عسكريا في بلداننا، وتحويلها الى مقابر جماعية، ودول فاشلة تعمها الفوضى الدموية.

الاستيلاء على “عين العرب” وسط قصف جوي كثيف ودفاع ارضي مستميت “صدمة كبرى” للتحالف ومخططاته فأين الخلل؟ وهل تصدق نبوءة بانيتا باستمرار الحرب لثلاثين عاما؟

الاستيلاء على “عين العرب” وسط قصف جوي كثيف ودفاع ارضي مستميت “صدمة كبرى” للتحالف ومخططاته فأين الخلل؟ وهل تصدق نبوءة بانيتا باستمرار الحرب لثلاثين عاما؟

عبد الباري عطوان

شعار انصار “الدولة الاسلامية” والمتعاطفين معها، الذي يرددونه دائما في ادبياتهم ومشاركاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي يقول “انها باقية وتتمدد”، ومن يتابع سير المعارك في عين العرب (كوباني) شمال سورية قرب الحدود التركية لا يملك الا ان يهز رأسه موافقا، ولو في الوقت الراهن على الاقل.

طائرات امريكية حديثة جدا تلقي بحممها من الجو، وميليشيات كردية تقاتل بشراسة على الارض، ومع ذلك تتقدم قوات “الدولة” من الجهات الاربع نحو عمق المدينة، وترفع علمها الاسود فوق مبانيها، وعلى جبالها.

لا نستبعد ان نصحو من النوم في الصباح الباكر على انباء استيلاء قوات الدولة على كامل المدينة، فاذا كان الرئيس رجب طيب اردوغان “يبشر” اللاجئين السوريين الذين زارهم اليوم (الثلاثاء)، حيث يوجد معسكرهم في مدينة غازي عنتاب، لتهنئتهم بالعيد على رأس وفد كبير “ان عين العرب على وشك السقوط”، وطالب باقامة منطقة “حظر طيران” وضرورة تدريب المعارضة “المعتدلة” في العراق وسورية لهزيمة “الارهاب” فان مسألة سقوط هذه المدينة الاستراتيجية باتت محسوما.

***

لا نعرف لماذا يريد الرئيس اردوغان منطقة “حظر جوي” في سورية طالما ان الهدف هو محاربة “الدولة الاسلامية”، فنحن وكل العالم معنا يعرف، ان مناطق الحظر الجوي مطلوبة، بل ضرورية، لمنع استخدام الطيران في غارات لقتل المدنيين والعزل، ولكننا نعرف ايضا، والعالم كله يعرف معنا، ان “الدولة الاسلامية” لا تملك سلاحا جويا، ولا طائرات حديثة او قديمة، حتى يتم حظرها.

وبمناسبة الحديث عن الطيران، تتردد هذه الايام الكثير من الاسئلة على السنة “خبراء” واناس عاديين، خاصة في الجانب الكردي، عن الاسباب التي تحول دون القضاء الكلي على قوات “الدولة الاسلامية” التي تحاصر مدينة “عين العرب”، او تتقدم نحو قلبها، لدرجة ان هناك من يشكك في رغبة الولايات المتحدة في القضاء على هذا التنظيم، وبالتالي غض النظر عن احتلاله للمدينة.

السؤال مشروع، وما هو اكثر مشروعية منه، هو التساؤل حول عدم تجاوب تركيا مع كل النداءات، بل والتهديدات، التي اطلقها حزب العمال الكردستاني، بالغاء اتفاق السلام مع الحكومة التركية اذا لم تتدخل قواتها وتمنع سقوط عين العرب “فطريق السلام يمر عبر كوباني”، مثلما قال بيان رسمي لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي المظلة الكردية الجامعة.

لسنا خبراء في الشؤون العسكرية، وان كنا نعتقد ان الكثير من خبراء “الفضائيات” اصدروا “فتاوى” وتحليلات عسكرية افتقرت الى الدقة في معظم الحروب الاخيرة، فالجماعات المقاتلة العابرة للحدود لا تنطبق عليها نظريات الاكاديميات العسكرية وعلومها، ثم سموا لي حربا انتصرت فيها الجيوش العربية التقليدية باستثناء حروبها على شعوبها!، ولكن بالقياس الى التجارب السابقة، يمكن القول ان من يقودون الهجوم على عين العرب هم انفسهم الذين قادوا الهجومين الكاسحين على الموصل والرقة ويوم امس على الرمادي، اي ان هؤلاء اثبتوا امتلاكهم لخبرات عسكرية متقدمة لا يجب التهوين منها، والانطباع السائد لدى الكثيرين بأن مقاتلي “الدولة الاسلامية” هم من “الهواة” او المتطوعين الذين يطلقون لحاهم، ولا يعرفون غير ارتداء الاحزمة الناسفة، او ذبح الاسرى الاجانب وغير الاجانب امام عدسات الكاميرات، انطباع خاطيء جدا.

نقطة اخرى يجب اضافتها في هذا الاطار، وهي ان حلف الناتو والمتحالفين معه، يخوض حربا شرسة وعلى مدى 13 عاما في افغانستان، من الارض والجو لانهاء حركة طالبان، وبمشاركة عشرات الطائرات ومئة الف جندي، فهل نجح في القضاء على هذه الحركة التي لا تملك ربع اسلحة واموال “الدولة الاسلامية”؟

معلوماتنا ان هناك قيادات عالية الخبرة العسكرية تقود هجمات التنظيم وتضع خطط المواجهات، وبعض هؤلاء قاتل في افغانستان في صفوف طالبان، وقاتل في العراق وسورية ايضا، واصبح يعرف متى تغير الطائرات وكيف يمكن تجنب قذائفها وصواريخها بقدر الامكان، وبأقل قدر ممكن من الخسائر.

***

الرئيس اردوغان اخذ تفويضا مشروطا من البرلمان بالانضمام الى التحالف الامريكي، وارسال قوات ارضية وجوية للقتال خارج الاراضي التركية “اي سورية والعراق” ولكنه لم يقرر متى سترسل هذه القوات وما هو “الثمن” الذي يريده مقابل ذلك.

وعندما نقول ان هذه الموافقة “مشروطة”، فاننا نشير الى البند الذي يقول ارسال هذه القوات “اذا دعت الحاجة”، والفقرة الاخيرة “مطاطة” وتعطي الرئيس اردوغان وقيادته العسكرية، حرية تقدير هذه “الحاجة” وشروطها ومواصفاتها.

من الواضح ان الرئيس اردوغان “لا يمانع″ ان تدخل قوات “الدولة الاسلامية” الى “عين العرب” وفي افضل الاحوال او اسوأها (حسب رأي كل طرف) انه لا يريد ان يرسل قواته للتصدي لقوات الدولة التي على وشك اكمال الاستيلاء عليها، الامر الذي قد يعرضه لمواجهات دموية مع اكراد تركيا، وينسف اتفاق السلام ووقف القتال الذي وقعه مع عبد الله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني، والمظاهرات التي انطلقت في اكثر من مدينة تركية يوم امس واليوم وفي عواصم عربية ايضا هي احد المؤشرات.

لوغارتيمات عديدة يصعب فك رموزها بالنسبة الينا على الاقل، فماذا يقصد اردوغان مثلا بقوله بأنه يجب تسليح المعارضة المسلحة في سورية و”العراق” فنحن سمعنا وطوال السنوات الماضية عن خطط لتسليح المعارضة المسلحة المعتدلة في سورية، وهذه هي المرة الاولى التي نسمع فيها عن معارضة معتدلة في “العراق” تستحق التسليح؟ ومن من؟ ولقتال من؟ النظام العراقي ام ميليشياته، ام الحرس الثوري الايراني، ام “الدولة الاسلامية”؟

ليون بانيتا وزير الدفاع ورئيس وكالة الاستخبارات الامريكية السابق والذي يعتبر من “الحمائم”، تنبأ في كتاب له صدر قبل ايام، بأن تستمر الحرب ضد “الدولة الاسلامية” اكثر من ثلاثين عاما على الاقل، وربما تكون هذه النبوءة قريبة جدا من الصحة، ولكن كيف سيكون شكل المنطقة طوال هذه السنوات؟ وهل سيتم فعلا القضاء على هذه الدولة قضاء مبرما؟

سننتظر ثلاثين عاما لنعرف النتيجة اذا كتب الله لنا طول العمر.

علم دولة “الخلافة الاسلامية” يرفرف فوق جبل الرحمة في عرفة وسط ملايين الحجاج.. نعم قد تكون “صدفة” او فعل متعمد.. ولكنها “رسالة” تنطوي معانيها على درجة كبيرة من الاهمية والخطورة معا

بينما كنت اتابع البث المباشر لوقفه عرفة من المشاعر المقدسة، حيث اكثر من مليوني حاج جاءوا من مختلف اصقاع المعمورة لاداء فريضة الحج، في ملابس الاحرام البيضاء بوجوه نضرة طافحة بالسعادة والايمان معا، لفت نظري علم الخلافة الاسود الاسلامية يرفرف من بعيد فوق جبل الرحمة، وتتوسطه كلمات “لا الله الا الله محمد رسول الله” مكتوب بالابيض.

لا اعرف من رفع هذا العلم، فلم تدم هذه القطة للنظر الا بضعة ثوان، مثلما لا اعرف، وكيف اعرف، ما حدث لصاحبه، فالسلطات السعودية تمنع اي ممارسة سياسية الطابع في الاماكن المقدسة، ناهيك عن رفع علم “الدولة الاسلامية” التي تكن لها هذه السلطات كل انواع العداء، وتعتبرها قمة الارهاب، وتشارك طائراتها الحربية، جنبا الى جنب مع نظيراتها الامريكية في قصف مواقعها وتجمعاتها لاضعافها ومن ثم القضاء عليها في اطار تحالف دولي يضم خمسين بلدا.

الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية كان معبرا عن موقف هذه السلطات ولسان حال دول التحالف جميعا، اسلامية او غير اسلامية، عندما دعا في خطبة الجمعة التي القاها من مسجد نمرة في عرفات، قادة الدول الاسلامية الى ضرب “الدولة الاسلامية”، دون ان يسميها، بيد من حديد، وقال مخاطبا لهم، “دينكم مستهدف.. امنكم مستهدف.. عقيدتكم مستهدفة”، واضاف “ابتلينا بأمه سفكوا الدماء.. وقتلوا النفوس المعصومة.. وقدموا بهذا تمثيلا سيئا لا يمثل اسلاما.. هؤلاء اجراميون سفكوا الدماء ونهبوا الاموال وباعوا الحرائر لا خير فيهم”.

وخطبة الشيخ آل الشيخ، اعلى مرجعية دينية في المملكة، تعكس حجم القلق السعودي الرسمي من هذه “الدولة” وعقيدتها الدينية والقتالية، وامتدادها الى العمق الشعبي المهيء جزئيا او كليا لكي يكون حاضنة لفكرها الذي يشكل في معظم جوانبه تجسيدا للدعوة الوهابية في نسختها الاولى قبل ثلاثة قرون، مثلما تؤكد دراسات جادة عديدة في الشرق والغرب معا.

***

العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز حث الدول الغربية على التدخل بسرعة لمحاربة “الدولة الاسلامية” والقضاء عليها محذرا من انها ستصل الى اوروبا في غضون شهر، والى امريكا في غضون شهرين، ويبدو ان الولايات المتحدة لبت هذا النداء فورا، وشكلت الحلف الخمسيني الحالي، وبدأت في غاراتها الجوية على مواقع الدولة في العراق وبعد ذلك في سورية، وكسرت القيادة السعودية قاعدة عسكرية وسياسية التزمت بها اكثر من خمسين عاما، بارسال طائراتها الحربية الى خارج حدودها، والمشاركة في الضربات الجوية الامريكية، واختارت اميرين طيارين لتنفيذ الطلعات الجوية الاولى احدهما نجل ولي العهد ووزير الدفاع السعودي الامير سلمان بن عبد العزيز.

القلق السعودي مشروع ومبرر في نظر السلطة وانصارها وهم كثر، فـ”الدولة الاسلامية” وقيادتها لا تخفي عدائها للاسرة الحاكمة السعودية ورغبتها في اطاحة النظام، ورفع راية الخلافة فوق الحرم المكي الشريف في مكة، والسيد ابو بكر البغدادي زعيمها يصر على ان يضم اسمه نسبين على درجة كبيرة من الاهمية والغزى الاول “الحسني” (نسبة الى آل البيت) والثاني القرشي (نسبة الى قبيلة قريش).

وما اقلق القيادة السعودية اكثر، ما كشفه استطلاع للرأي اجري على وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر على نطاق واسع، وافاد بأن اكثر من 92 بالمئة من الشباب السعودي يؤيدون فكر “الدولة الاسلامية” وعقيدتها، وقد وعدت السلطات في الرياض باجراء استطلاع رأي علمي رسمي لاثبات بطلان هذا الاستطلاع او عدم دقته، وحتى الآن لم يصدر على حد علمنا، ولكن ما هو اهم من الاستطلاع ارتفاع عدد المقاتلين السعوديين في صفوف “الدولة الاسلامية” الى اكثر من ثمانية آلاف مقاتل، ويوصفون بأنهم الاكثر شراسة في القتال والعمليات “الانغماسية” من بين اقرانهم.

ادبيات “الدولة الاسلامية” المتوفرة على شبكة الانترنت تؤكد ان المملكة العربية السعودية، او ارض الجزيرة العربية والحجاز حسب مصطلحاتها، هي الهدف الثالث بعد سورية والعراق، وهذا ما يفسر دعوة العاهل السعودي لرجال الدين والدعاة في بلاده للتصدي للمنطلقات الفكرية لهذه الظاهرة، لان الحرب عليها يجب ان تكون حرب “عقول” جنبا الى جنب مع الحرب العسكرية، ولكن الاستجابة لهذه الدعوة من قبل العلماء والدعاة كانت محدودة، وخاصة مما يطلق عليهم “علماء الصحوة” واصحاب ملايين المتابعين على شبكات التواصل الاجتماعي، والذي يوصفون بالدعاة “النجوم”.

الغارات الجوية على مواقع “الدولة الاسلامية” المستمرة منذ اكثر من شهر، وبأحدث الطائرات المقاتلة من مختلف الانواع، لم تعط نتائجها حتى الآن، حسب اراء خبراء غربيين، بدليل استمرار “تمددها” وسيطرة قواتها على معظم مدينة “عين العرب” الكردية على الحدود الشمالية السورية، مما يؤكد ان الحرب ستطول اكثر من التوقعات الغربية والاقليمية.

الحكومات الاقليمية، والخليجية منها بالذات، ساهمت بطريقة او بأخرى بصعود قوة التيارات الاسلامية المتشددة عندما حرضت بعض اوساطها الدينية والدعوية الشباب السعودي على الانخراط في صفوف الجهاد، وجماعاته في كل من سورية والعراق، معتقدة ان عمقها محصن من اخطارها، ليثبت لها العكس، ولتكتشف انها اخرجت “المارد” من قمقمه، ولم تعد قادرة على السيطرة عليه، وهنا تكمن المعضلة الكبرى.

***

لم نبالغ عندما قلنا في هذا المكان ان عدد المقاتلين تحت لواء “الدولة الاسلامية” يزيد عن مئة الف، ولا نبالغ مرة اخرى اذا قلنا ان العدد ازداد بمقدار الثلث في البلدين، اي سورية والعراق، بسبب تدفق المتطوعين من الدول الاسلامية في العالم بأسره، ومن الجماعات والتيارات الاسلامية الاخرى التي تريد الانضمام الى صفوفه في مواجهة “التحالف الصليبي” حسب تعبيرهم، وهذا ما دفع السلطات الاردنية الى منع الشيخ ابو محمد المقدسي من استخدام هذا “التعبير” في فتاواه ومداخلاته على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب مدلولاتها التحريضية ضد هذا التحالف، ودورها في تشجيع الشباب الى الانضمام الى صفوف الجماعات الجهادية.

“علم الخلافة” الاسلامية وصل الى المشاعر المقدسة في مكة المكرمة وجبل عرفة يوم الوقفة، وربما يكون مجرد صدفة، او من فعل حاج متحمس، او عمل متعمد جرى التخطيط له بشكل جيد، وايا كان الامر فان هذه الخطوة تنطوي على “رسالة” على درجة كبيرة من الاهمية والخطورة معا.

استيلاء “الدولة الاسلامية” على “عين العرب” سيورط تركيا في حرب شرسة وطويلة في سورية والعراق.. فهل خطط البغدادي لهذه “المصيدة”؟ وكيف سيكون “الشرق الاوسط” الجديد؟ وهل سيخرج اردوغان فائزا؟

نجاح قوات “الدولة الاسلامية” في اقتحام مدينة “عين العرب” والسيطرة على مواقع استراتيجية فيها، بعد حصار استمر اكثر من اسبوعين، ووسط مقاومة شرسة من المقاتلين الاكراد المدافعين عنها، يشكل نقطة تحول استراتيجية في الصراع الدائر حاليا في المنطقة، ومستقبل خطط التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة (50 دولة) لتصفية هذه “الدولة” والقضاء على قواتها باعتباره هدفا يحتل قمة اولوياته.

اللافت ان هذا “النجاح” المفاجيء جاء رغم القصف الجوي المكثف من قبل الطائرات الامريكية الحديثة لمواقع “الدولة” واستحكاماتها حول المدينة من الجهات الاربع طوال الاسابيع الثلاثة الماضية، الامر الذي يؤكد ان القصف الجوي وحده لن يحقق اهدافه، مما يحتم التدخل العسكري الارضي في اسرع وقت ممكن.

وربما لم يكن من قبيل الصدفة ان يتزامن سقوط المدينة (عين العرب)، ومواقع استراتيجية داخلها وحولها، مع تبني البرلمان التركي بالاغلبية (298 صوتا مقابل رفض 98) طلب التفويض الذي تقدم به السيد احمد داوود اوغلو رئيس الحكومة لاعطاء الضوء الاخضر للقوات المسلحة التركية بالتدخل عسكريا في اطار التحالف الامريكي، برا وجوا، في العراق وسورية، للقضاء على تنظيم “الدولة الاسلامية” قضاء مبرما، والسماح لقوات وطائرات اجنبية (امريكية) باستخدام القواعد العسكرية الموجودة على الاراضي التركية (قاعدة انجرليك الجوية).

***

هذا التفويض البرلماني يضع الرئيس رجب طيب اردوغان في وضع داخلي وخارجي صعب للغاية، لان اي خطأ في الحسابات قد يؤدي الى نسف كل انجازاته السياسية والاقتصادية التي جعلت حزبه العدالة والتنمية يفوز في جميع الانتخابات البرلمانية والرئاسية والبلدية على مدى السنوات الاثني عشر الماضية.

فاكبر حزب معارض في البرلمان التركي (الحزب الشعب الجمهوري) صوت ضد هذا التفويض، الامر الذي دفع السيد اوغلو الى اتهامه بتأييد “الدولة الاسلامية” (داعش)، مما يعني انه يريد ان ينأى بنفسه عن هذه الخطوة بالغة الخطورة، وتجنب تبعاتها.

استيلاء قوات “الدولة الاسلامية” على مدينة عين العرب يعني سيطرتها على شريط محاذ لتركيا يمتد من اقصى شرق الحدود السورية الى اقصى نقطة في غربها، ولن تفقد هذه السيطرة الا من خلال حرب برية يشارك فيها عشرات الآلاف من الجنود.

ولا نستبعد ان يكون هدف “الدولة الاسلامية” من اقتحام هذه المدينة والاستيلاء عليها في ذروة القصف الجوي الامريكي هو استدراج وتوسيع الحرب البرية ضدها ومواقعها لخلط الاوراق، والحاق خسائر كبيرة في القوات التركية التي من الواضح انها ستقوم بالدور الاكبر في هذه الحرب، واحراج الرئيس اردوغان وحكومته امام مواطنيه الاتراك خاصة، اذا تصاعدت اعداد القتلى، وامتدت العمليات الارهابية الى العمق التركي، وطالت صناعة السياحة التي تشكل مصدرا اساسيا للدخل (35 مليار دولار سنويا)، الى جانب تداعيات اخرى مثل تصدع الجبهة الداخلية وتصاعد تكاليف الحرب ماديا وبشريا.

الرئيس اردوغان كان ذكيا عندما اجل اي تدخل في الحرب ريثما جرى الافراج عن جميع الدبلوماسيين الرهائن لدى “الدولة الاسلامية” كانوا في قنصلية بلاده في الموصل (49 دبلوماسيا)، ولكن الدخول في الحرب ربما يعرض ارواح مئات او حتى آلاف من الجنود الاتراك للخطر، ويدفع بـ”الدولة الاسلامية” الى تدمير ضريح سليمان باشا اب السلاطين العثمانين، حيث يحاصره المئات من قواتها في الوقت الراهن استعدادا لتدميره فور اقرار البرلمان التركي بالتدخل عسكريا للقضاء عليها.

ارسال طائرات تركية لضرب اهداف خارج الحدود التركية ليس جديدا، فقد طاردت هذه الطائرات مقاتلي حزب العمال الكردستاني داخل الاراضي الشمالية العراقية قبل احتلال العراق وفي اطار معاهدة مع حكومة بغداد، كما ارسلت قوات للسيطرة على الجزء التركي من قبرص في مطلع السبعينات، ولكنها المرة الاولى التي ترسل فيها قوات الى الارضي السورية والعراقية معا في حرب مفتوحة على جميع الاحتمالات ومرشحة للتوسع والامتداد لعدة سنوات.

لا نعرف تفاصيل خطة التدخل التركية في اطار التحالف الامريكي “الخمسيني”، وكيفية هذه المشاركة، فقرار البرلمان صدر في ساعة متأخرة الخميس، لكن ما يمكن ان نتكهن به ان السيد اردوغان قرر ان يضع كل ثقله العسكري والسياسي خلف هذا التحالف، ويجعل من بلاده “باكستان” اخرى بالمقارنة مع دور الاخيرة في الحرب الامريكية لاخراج القوات السوفيتية من افغانستان اولا، ثم اسقاط حكم حركة طالبان في كابول بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ثانيا.

“الدولة الاسلامية” ليست حركة “الطالبان” كما انها لا تشبه تنظيم “القاعدة” والظروف العسكرية والسياسية المحيطة بالتنظيمين، فهي تسيطر على اراضي اكبر من مساحة بريطانيا العظمى، وتملك اسلحة حديثة متطورة، ووفر لها التحالف الدولي غطاء “شرعيا اسلاميا”، حسب ادبياتها، قد يمكنها من تجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين العراقيين والسوريين والاسلاميين من مختلف انحاء العالم للقتال في صفوفها.

***

الرئيس اوباما اعترف بأنه اخطأ في تقدير قوة “الدولة الاسلامية” وخطرها، وربما يكون مصيبا هذه المرة، لان عدد قوات هذه الدولة التي هزمت جيشا عراقيا تكلف بناؤه وتسليحه 25 مليار دولار، واستولت على نصف العراق وثلث سورية يزيد عن مئة الف مقاتل ومسلح تسليحا “مجانيا” جيدا من غنائم الجيش العراقي الامريكية، وحتى تتم هزيمته يحتاج الامر الى اكثر من مئة الف جندي على الارض، حسب تقديرات السير الجنرال ديفيد ريتشارد قائد الجيش البريطاني السابق.

نستطيع ان نقول الآن، وبعد قرار البرلمان التركي، واقتحام مدينة “عين العرب” ان حربا حقيقية ستبدأ، وتحالفات جديدة ستنشأ، وشرق اوسط جديد مختلف سيولد، ولا احد يستطيع ان يتنبأ بالشكل الذي سيكون عليه وطبيعة المعادلات السياسية والعسكرية التي ستحكمه.

تركيا اردوغان وضعت كل بيضها في سلة اوباما وحلفه، ولم تفعل ذلك الا بعد اتفاقها معه على كل التفاصيل، ومن ابرزها سورية بدون الرئيس بشار الاسد، بعد ان تحول خلاف الرئيس اردوغان معه الى ثأر شخصي مهما كلف الامر، فهل تحصل على ما تريد آجلا ام عاجلا، وما هو موقف ايران وروسيا والصين؟ وهل ستستمر في موقف المتفرج؟

الايام المقبلة ستحمل لنا الاجابات وليس امامنا غير الانتظار (وتعداد الضحابا) الذي لا نملك غيره ومعنا معظم شعوب المنطقة التي ستدفع الثمن في نهاية المطاف ايا كان المنتصر او المهزوم.

اردوغان يقدم على المغامرة الاخطر في تاريخه وتركيا بالانضمام الى “التحالف الامريكي” للقضاء على “الدولة الاسلامية”.. فهل يكون رأس الاسد هو الثمن. وماذا لو اخطأ في الحساب وما هي الانعكاسات على جبهته الداخلية؟

 

يقف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان امام واحد من اخطر التحديات التي تواجهها بلاده في تاريخها الحديث، بتقدم حكومته (الثلاثاء) مشروع قرار للبرلمان يجيز استخدام القوة، بشقيها البري والجوي، في سورية وانضمامها الى التحالف الامريكي الذي شكله الرئيس باراك اوباما لاضعاف تنظيم “الدولة الاسلامية” تمهيدا لتصفيته نهائيا.

الرئيس اردوغان اعلن الاحد ان بلاده لا يمكنها البقاء خارج التحالف الدولي الذي يحارب تنظيم “الدولة الاسلامية” في سورية والعراق، الامر الذي ينهي حالة الحذر والتردد التي تمسك بها طوال الاشهر الماضية.

البرلمان التركي الذي سيعقد جلسته الحاسمة يوم الخميس سيقر حتما طلب الحكومة، وسيعطي الرئيس اردوغان الضوء الاخضر للانضمام الى التحالف وبدء التدخل عسكريا في سورية والعراق فورا، فحزب العدالة والتنمية الحاكم يملك الاغلبية فيه، وهو بالتالي لا يمكن ان يرفض طلب زعيمه.

هناك سؤالان يطرحان نفسيهما بقوة: الاول حول كيفية تسارع تطورات الموقف التركي من الحذر المطلق الى المشاركة الكاملة، والثاني حول الثمن الذي سيحصل عليه الرئيس اردوغان مقابل هذه المشاركة؟

***

الصحافيون الاتراك الذين رافقوا الرئيس اردوغان على طائرته وهو في طريق عودته من نيويورك التي قضى فيها خمسة ايام لحضور اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة الى انقرة عاصمة بلاده، كشفوا في تقاريرهم انه تلقى مكالمة هاتفية بالغة الاهمية من الرئيس اوباما تلاها اجتماع مغلق مع جو بايدن نائب الرئيس الامريكي، ومن المعتقد انه اتفق على الخطوط العريضة مع الرئيس الامريكي حول التدخل في سورية والعراق وبحث التفاصيل مع نائبه بايدن.

التفاصيل التي تسربت الى الصحافيين وتعكس الخطة التركية يمكن اختصارها في ثلاث نقاط رئيسية:

*الاولى: اقامة منطقة حظر جوي في الجانب السوري بالتعاون مع طيران التحالف على غرار مناطق الحظر التي اقيمت في جنوب العراق وشماله، ويمنع على اي طيران حربي سوري للاقتراب منها او اختراقها.

*الثانية: التدخل العسكري التركي البري والجوي لقصف، ومن ثم الاستيلاء، على الاراضي التي يسيطر عليها تنظيم “الدولة الاسلامية” في الرقة ودير الزور والحزام الارضي الكردي الممتد على الحدود التركية السورية من آقصى الشرق الى اقصى الغرب السوري.

*الثالثة: تسوية دائمة للصراع في سورية، تقوم على اساس اقامة حكومة جديدة على انقاض النظام الحالي، وتقوية المعارضة السورية بعد اعادة غربلتها، وتدريب وحدات عسكرية جديدة في تركيا والسعودية والاردن يتم اختيارها بعناية فائقة بالمعايير نفسها التي اختيرت فيها قوات الامن الفلسطينية في رام الله تحت اشراف الجنرال الامريكي دايتون (فحص دقيق من اربع مخابرات: الاسرائيلية والامريكية والاردنية والفلسطينية) وتكون هذه الوحدات هي نواة الجيش السوري الجديد (السعودية ستدرب 5000 جندي) وصلت الدفعة الاولى منهم الى احد قواعدها العسكرية.

الرئيس اردوغان اكد ان جميع طلباته حظيت بالموافقة من قبل الادارة الامريكية، ونستطيع ان نستشف من ذلك ان ابرز هذه المطالب اطاحة النظام السوري “كمكافأة” لتدخله البري والجوي في سورية والعراق في اطار التحالف الامريكي، مما قد يعني ان حذره وتردده في الانضمام اليه كان من قبيل رفع السعر والحصول على اكبر صفقة ممكنة، خاصة بعد ان نجح في اطلاق سراح جميع دبلوماسييه المحتجزيين لدى “الدولة الاسلامية” (49 دبلوماسيا كانوا في القنصلية التركية في الموصل ساعة الاستيلاء عليها)، بايهام زعيمها السيد ابو بكر البغدادي ورجاله بأنه لن ينضم الى التحالف الامريكي.

لا نعرف كيف سيكون رد النظام السوري على هذه الخطوة التركية، وما اذا كان يعتبرها لا تشكل اي خطر عليه مثلما تعاطى مع الغارات الامريكية التي انتهكت السيادة السورية وقصفت مواقع “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة” و”احرار الشام”، ام انه سيعتبرها تهديدا له، فاذا قبلنا بأن الادارة الامريكية ابلغته مسبقا بهذه الضربات الجوية ونسقت معه، فانه من الصعب علينا، وربما الكثير مثلنا، توقع اي تنسيق مسبق بين السلطات السورية وحكومة الرئيس اردوغان في اقامة منطقة حظر جوي ومنطقة عازلة داخل الاراضي السورية، الا اذا حدثت معجزة خلف الكواليس لا نعرف كنهها، واذا كانت السلطات في دمشق تعتبرها، اي خطة التدخل التركية معادية لها وخطرا عليها فكيف سيكون ردها، ورد الحليف الروسي؟

ولعل موقف “الدولة الاسلامية” واخواتها في “النصرة” و”احرار الشام” من هذه المشاركة التركية مع قوات “التحالف الصليبي”، حسب ادبيات هذا المثلث وتوصيفاته، ربما يكون مختلفا واقل دبلوماسية و”غمغمة” من موقف النظام السوري، فتنظيم “الدولة الاسلامية” قد يشعر بالخديعة من قبل السلطات التركية، عندما صدق انها لن تنضم للتحالف الذي يريد تصفيتها وافرج عن رهائنها بالتالي، وربما يلجأ الى الانتقام بطريقة او باخرى، خاصة انه هدد بضرب الموسم السياحي التركي الذي يعود على الخزينة بأكثر من 30 مليار دولار سنويا، وكذلك رفع الحصانة عن قبر السلطان سليمان شاه الاب العثماني المؤسس، وربما تفجيره اسوة بالمقامات والاضرحة الاخرى، اذا انضمت تركيا الى التحالف.

***

لا بد ان الرئيس اردوغان، وهو الذي يوصف بقمة الدهاء، قد حسب حسابا دقيقا لكل هذه الاحتمالات مجتمعة او متفرقة، لانه يتصرف اليوم بطريقة مختلفة، بل متناقضة، من وقفته على الحياد اثناء العدوان الامريكي على العراق عام 2003، ورفض ان ينضم الى التحالف الامريكي واوعز الى البرلمان بالتصويت ضد هذا الانضمام او السماح باستخدام الطائرات الامريكية لقاعدة “اجيرليك” الجوية، لتوفير الغطاء الديمقراطي الشرعي له.

الرئيس اردوغان تردد في الانضمام الى غارات “الناتو” ضد ليبيا عام 2011 لاسقاط نظام العقيد معمر القذافي الذي اعطاه عقودا بما يقرب من الثلاثين مليار دولار لاعادة تعمير البنى التحتية لليبيا بعد سنوات من الحصار، ولكنه اضطر للتراجع، والمشاركة بالتالي، بعد ان اعاد الامريكان تذكيره بأن المادة 51 من ميثاق حلف “الناتو” الذي هو عضو فيه تفرض عليه ذلك، وتعهدوا له بحفظ مصالح تركيا كاملة في العهد الليبي الجديد الذي سيكون مستقرا مزدهرا، ولكن هذا لم يحدث، وربما لن يحدث قريبا، في ظل الغياب الكامل للدولة الليبية الذي قد يستغرق سنوات وربما عقودا.

ليبيا تظل بعيدة عن تركيا، وان اي خطأ في الحسابات يظل محتملا، فبين البلدين آلاف الكيلومترات من مياه البحر المتوسط، ولكن الحال مختلف تماما في سورية والعراق، فهناك آلاف الكيلومترات من الحدود المشتركة بين البلدين وتركيا، والامريكان يمكن ان يهربوا من المنطقة بطائراتهم ومستشاريهم وبعض المتواطئين معهم، مثلما فعلوا في العراق والصومال وليبيا وقريبا جدا في افغانستان، لكن اين سيهرب اردوغان اذا لم تسر رياح التدخل بما تشتهي سفنه؟

بعد قصف الطائرات الامريكية لحمص هل سيأتي الدور على دمشق قريبا ام بعيدا.. ثم تجفيف منابع التمويل لـ”الدولة الاسلامية” هل سيكون مقدمة لتجريف مئات المليارات الخليجية؟

 

التحالف الامريكي الذي يقاتل “الدولة الاسلامية” وباقي الفصائل المتشددة على الارض السورية يتوسع، وطلعاته الجوية تتضاعف يوما بعد يوم، وتستهدف مواقع في مدن جديدة، ولكن لا احد يقول لنا اين ستنتهي هذه الحرب وكيف، ومن اجل من كل هذا الحشد الدولي، العسكري والسياسي والمالي، من اجل القضاء على تنظيم تقول وكالة الاستخبارات الامريكية ان تعداد مقاتليه لا يزيد عن ثلاثين الفا.

فاما ان تنظيم “الدولة الاسلامية” وحلفاءه اكبر بكثير واقوى من التقديرات الامريكية، او ان التحالف الذي يريد اجتثاثه والقضاء عليه اضعف من انجاز هذه المهمة في مدى زمني منظور، والا كيف نفهم تقدم مقاتلي “الدولة الاسلامية” في محافظة الحسكة، وفي الحزام الكردي على طول الحدود السورية التركية، ويوشك ان يستولي على مدينة عين العرب التي يحاصرها منذ ايام، رغم القصف المكثف لقواعده منذ اربعة اسابيع على الاراضي التي يسيطر عليها وتزيد مساحتها عن مساحة الاردن؟

اليوم اغارت الطائرات الامريكية المقاتلة على مواقع لـ”الدولة الاسلامية” في قلب مدينة حمص، واخرى بالقرب من مدينة حلب، فما الذي يمنع هذه الطائرات، وقد استباحت الاجواء السورية دون اي معارضة او مقاومة، من قصف دمشق او اللاذقية تحت الذريعة نفسها؟

الشيء الوحيد الذي نعرفه في غمرة هذا السيرك الاعلامي التضليلي ان العرب، والدول الخليجية على وجه التحديد، هي التي ستدفع نفقات هذه الحرب كاملة، وفوقها بضعة مليارات كفارق للعملة، فليس المهم بالنسبة الى الولايات المتحدة مشاركة بضعة طائرات من خمس دول عربية، مثل السعودية والامارات وقطر في طلعات جوية لتدمير مصافي نفطية لـ”الدولة الاسلامية”، وانما توفير الغطاء العربي السني اولا، وتسديد النفقات كاملة في ظل الازمات الاقتصادية الخانقة التي تعيشها الولايات المتحدة والدول الغربية الاخرى.

***

بالامس قال غوردون آدمز الاستاذ في الجامعة الامريكية في واشنطن، والمسؤول السابق عن الميزانية في عهد الرئيس الاسبق بيل كلينتون ان هذه الحرب ستكلف الخزانة الامريكية ملياري دولار شهريا تقريبا، وهذا التقدير في المراحل الاولى فقط، ويمكن ان تزيد عدة اضعاف اذا ما توسع نطاق الحرب الى تدخل بري، هذا على افتراض ان الامور ستسير على ما يرام، ودون اي خطأ في الحسابات، او دخول اطراف اخرى الى حلبتها مثل روسيا التي بدأت نغمتها في معارضة التدخل الامريكي تتزايد في الايام الثلاثة الماضية، على اعتبار انه غير شرعي، ويفتقد الى تفويض اممي.

ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني الذي حصل بالامس على ضوء اخضر من البرلمان البريطاني للمشاركة في الغارات الجوية ضد “الدولة الاسلامية” في العراق فقط، توقع ان تستمر هذه الحرب لخمس سنوات دون ان يشرح ولشعبه كيف ولماذا.

علمتنا التجارب السابقة، وما اكثرها ان المرحلة التالية لاي قصف جوي هو تدخل القوات البرية، فالطائرات الامريكية قصفت القوات العراقية في الكويت وجوارها اربعين يوما متواصلة ولم تتورع عن قصف القوات العراقية المنسحبة على طريق المطلاع نحو البصرة، وبعد ذلك بدأت الحرب البرية، ولم تخسر قوات التحالف قتيلا واحدا، وتكرر الشيء نفسه عام 2003 حيث سبق القصف الجوي السجادي اقتحام قوات الغزو للعاصمة بغداد، ولم تخسر القوات الغازية الا 138 جنديا، وارتفع الرقم الى ثلاثة آلاف بفعل عمليات المقاومة.

السياسيون الامريكيون يؤكدون في كل مناسبة انهم لن يتدخلوا في اي حرب برية، وسيتركوا هذه المهمة للجيش العراقي الذي سيتم عملية اعادة تأهيله، والقوات المعارضة السورية، “المعتدلة” ابتداء من تدريب 5000 عنصر في قواعد عسكرية في المملكة العربية السعودية، وقدر الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة اركان الجيوش الامريكية عدد القوات المطلوبة على الارض لمحاربة “الدولة الاسلامية” بحوالي 15 الف مقاتل.

اذا افتراضنا ان السعودية ستدرب خمسة آلاف، وسيكون معظمهم من الجنود الذين انشقوا عن جيش بلادهم، فمن اين ستأتي امريكا بالعشرة آلاف جندي الآخرين؟ ثم كيف ستكون كفاءة هؤلاء الجنود الذين سيعاد تأهيلهم على يد مدربين سعوديين؟ خاصة ان القوات السعودية عانت كثيرا اثناء مواجهتها لجماعة الحوثيين، واستغرق امر اخراجهم من 400 قرية احتلوها في جنوب المملكة اكثر من ثلاثة اشهر رغم الفارق الضخم في العدد والعدة بين الجانبين.

***

لا احد يتحدث عن الاجندات السرية، او الصورة التي ستنتهي عليها المنطقة بعدها، والدولة الجديدة التي ستنشأ، والاخرى التي ستنتهي وتزال من الخريطة كليا، فهذا موضوع محرم لا يجب تناوله او الخوض فيه او السؤال عنه خاصة من قبل ابناء المنطقة الذين سيكون الخاسرين في نهاية المطاف.

النظرية الامريكية التي تعتبر العمود الفقري في العقيدة الامريكية على مر العصور تقول ان هناك “فرصة ما” في جميع الحروب يجب انتهازها وتوظيفها لمصلحة الاقتصاد والشعب الامريكي بالتالي، ولا بد ان الفرصة الذهبية في الحرب “المفتعلة” الحالية هي الاستيلاء على اكثر من ثلاثة تريليونات دولار من الاموال العربية المستثمرة في صناديق سيادية وبنوك اجنبية، سواء في الدول او الافراد.

في عام 1973 خرج علينا هنري كيسنجر بنظريته حول تدوير عائدات النفط، وتشكيل قوات التدخل الامريكي السريع لتأمينها، وما يجري حاليا هو التطبيق الثالث لهذه الخطة.

فليفرح الطيارون والطيارات العرب الذين ساهموا بطائراتهم من طراز “اف 16″ بتدمير مصافي نفط تسيطر عليها “الدولة الاسلامية” لتجفيف مصادرها التمويلية، ولكنهم لا يعرفون ان ثمن مشاركتهم في هذه الحرب المحسوبة بدقة، سيكون تجفيف ارصدتهم ومدخرات اجيالهم، او معظمها في نهاية المطاف، والايام بيننا.