UK

المبادرة المصرية في غرفة الانعاش وتوني بلير سيقود مصر وحلفاءها الخليجيين الى هزائم وفوضى على غرار ليبيا والعراق وافغانستان

ان يهبط توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الاسبق واحد ابرز المسؤولين عن قتل مليون عراقي في مطار القاهرة مساء الاحد للانضمام الى المباحثات الجارية حاليا حول كيفية التعاطي مع الاوضاع في قطاع غزة فهذا نذير شؤم، وعنوان تآمر، ومشروع انقاذ لاسرائيل وتوريط مصر اكثر في مستنقعها العدواني.

اذا صحت الانباء بأن بلير هو احد مستشاري الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وانه وضع خطوط مبادرته لوقف الحرب في قطاع غزة التي دمرت سمعة مصر في الوطن العربي والعالم الاسلامي، واظهرتها بمظهر المتواطيء مع العدوان الاسرائيلي، فان هذا يمكن اعتباره اكبر جريمة في حق مصر وشعبها وتاريخها العريق في الوقوف في خندق الشعوب المظلومة، او التي تقاتل من اجل الحرية والاستقلال.

المبادرة المصرية فشلت بطريقة مأساوية لان الرئيس السيسي وحكومته ارادا فرضها بالقوة على فصائل المقاومة، ودون اي تشاور معها وبطريقة استعلائية، وتطورات الامس اجهزت عليها كليا، وخاصة القرار الاسرائيلي بالانسحاب من جانب واحد من القطاع، ورفض نتنياهو ارسال وفد الى القاهرة للتفاوض.

***

هذه المبادرة تقوم على جناحين لا يمكن ان تحلق من دونهما:

الاول هو وقف اطلاق نار متفق عليه في قطاع غزة، والثاني الانخراط في مفاوضات لوضع آليات لهدنة طويلة، يتوقف خلالها اطلاق الصواريخ مقابل استقرار وامن للمستوطنين الاسرائيليين شمال قطاع غزة، واقدام نتنياهو على انسحاب احادي الجانب كسر الجناح الاول، ومقاطعته للمفاوضات كسر الجناح الثاني للمبادرة.

سحب القوات الاسرائيلية من الشريط الحدودي الذي رابطت فيه في عمق ثلاثة كيلومترات شرقا، هو اعتراف بالهزيمة، وعدم القدرة في الاستمرار في الحرب، واعادة احتلال القطاع بالتالي، وتحقيق الاهداف التي حددها نتنياهو لتسويق العدوان للاسرائيليين والعالم، وابرزها وقف الصواريخ، وتدمير الانفاق ونزع سلاح المقاومة، وهي الاهداف التي دفعته لاستدعاء اكثر من مئة الف من جنود الاحتياط وكأنه يعلن الحرب على امريكا او روسيا القوتين الاعظمين.

لم يتخذ زعيما اسرائيليا قرارا بوقف الحرب من جانب واحد الا وسقط وخسر مستقبله السياسي، واولهم ايهود باراك الذي اتخذ قرار الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، ومن المؤكد ان نتنياهو سيكون الثاني، بعد ان يهدأ غبار هذا العدوان، ويظهر الحجم الحقيقي لخسائر الجيش الاسرائيلي البشرية، والتكاليف الاقتصادية والمعنوية.

قطاع غزة سيتحول الى جنوب لبنان آخر، اي قاعدة للمقاومة، ومثلما استعد ابناؤه من اشقاء ضحايا حرب عام 2008 لهذه الحرب جيدا وطوروا قدراتهم الدفاعية وصواريخهم وحرب الانفاق، سيبدأ اشقاء ضحايا هذه الحرب وشهداؤها في الاستعداد لحرب قادمة باستعدادات اكبر وانفاق اطول، وصواريخ اكثر دقة واكثر تدميرا.

حركة “حماس″ وفصائل المقاومة الاخرى التي تتزعمها، ستكون اكثر شراسة في الحرب المقبلة، وستخترق التنسيق الامني الذي تطبقه السلطة في الضفة كشريك لاسرائيل واجهزتها الامنية، وستنقل تكنولوجيا الصواريخ ومدافع الهاون الى مدن كالخليل ونابلس وجنين، ومعها تكنولوجيا الانفاق، وبما يلغي فاعلية الحائط العنصري، فحماس باتت في حل من السيطرة على الفصائل الاخرى وكبح جماح صواريخها وعملياتها العسكرية الفدائية.

الحكومة المصرية ارتكبت خطأ استراتيجيا بدورها عندما حشرت حركة حماس والفصائل الاخرى في الزاوية، وشددت الحصار الخانق عليها، ورفضت كل رسائل التودد والمصالحة من طرفها، وافشلت حكمها في غزة بتدمير الانفاق واغلاق معبر رفح لاشهر متواصلة، ومنع وصول الاموال اليها من الخارج، واذا استمرت المعاملة نفسها فلا نستغرب ان يتم شق انفاق اخرى الى سيناء لتهريب الاسلحة والخبرات القتالية لمن ينتظرها بلهفة، فليس لدى حركة حماس والفصائل الاخرى ما يمكن ان تخسره.

نتيناهو في خطاب الامس اكد ان اسرائيل باتت تملك اصدقاء وحلفاء عرب، في اشارة الى بعض الدول التي صمتت على العدوان او تواطأت معه مثل السعودية ومصر والامارات والاردن، حسب تفسيرات الصحافة الاسرائيلية، وما ذكره نتنياهو وكرره قبله شمعون بيريس رئيس اسرائيل، وافيغدور ليبرمان وزير الخارجية، يشير الى ان هذه الدول ربما تكون مرشحة لازمات امنية وسياسية خطيرة في المستقبل القريب.

فاذا كان خطر الجماعات الاسلامية المتشددة يهدد هذه الدول وامنها واستقرارها، فان التحالف مع نتنياهو يوفر لها الذخيرة التي تتطلع اليها وتنتظرها، واللافت ان هذه الدول لم تتعلم من اخفاقات سياساتها في العراق وسورية وليبيا وتحاول تكرارها حاليا بالتقرب من الاسرائيليين والصمت على مجازرهم في قطاع غزة.

***

في العدوانين الاخيرين على قطاع غزة كانت الخسائر البشرية الاسرائيلية معدومة تقريبا، في الحرب الحالية اعترفت القيادة الاسرائيلية رسميا بمقتل 55 جنديا وثلاثة مدنيين وجنديين اسيريين، وفوجئت بادارة متفوقة للمواجهات، ومدينة كاملة تحت الارض عجزت كل اجهزتها الاستخبارية عن معرفة دهاليزها، وهذا التطور العملياتي ينبيء بان الحرب المقبلة ستكون مختلفة ايضا.

بلير الذي ورط بلاده في حربين خاسرتين في العراق وافغانستان، وثالثة في ليبيا باستشاراته وفبركاته، سيورط مصر واصدقائها في الخليج العربي في حروب مضمونة الخسارة ايضا، ولا نستبعد ان يكون هو عراب الحلف الاسرائيلي الخليجي الجديد الذي اشار اليه نتنياهو وبيريس وليبرمان.

شعب قطاع غزة الذي ضرب اروع الامثلة في التصدي للعدوان، سيتجاوز آثار الحرب الحالية، مثلما تجاوز كل الحروب السابقة، وسيخرج شامخا من وسط الدمار، ولكن الخسارة الاكبر ستلحق باسرائيل والمتواطئين معها، وستصل النار الى ثوبهم، وليس طرفه فقط، لان بلير لم يدعم دولة وانتصرت بما فيها بلده بريطانيا، وهذا لا يعني انه سيخرج رابحا لانه يكره العرب اولا، وانما لانه سيخرج بمبلغ مالي محترم مقابل استشاراته التدميرية، فحبه للمال لا يحتاج الى اثبات.

لسنا ارهابيين.. حتى نعتذر

من تابع الصحف ومحطات التلفزة البريطانية في الايام الثلاثة الماضية، يخرج بانطباع مفاده ان البلد في حالة حرب عالمية عظمى، وان طائرات الاعداء تقصف المدن البريطانية بصواريخها النووية.
اعلان حالة طوارئ قصوى، رئيس الوزراء ديفيد كاميرون يقطع زيارة رسمية ويعود فورا، ويجتمع فور وصوله باللجنة الامنية العليا (كوبرا) التي تضم قادة اجهزة المخابرات والشرطة.
كل هذا حدث لان شابين مسلمين من اصل نيجيري، احدهما اعتنق الاسلام قبل عشر سنوات، اقدما على قتل جندي بريطاني بطريقة دموية بشعة، وقال شهود عيان ان احدهما كان يقول ‘الله اكبر’ وهو ينهال على الجندي بساطور.
هذه الجريمة مدانة في كل القوانين، والطريقة التي نفذت من خلالها تنطوي على الكثير من الوحشية والنزعة الانتقامية التي تخفي حقدا دفينا وتعطشا لسفك الدماء.
منذ اللحظة الاولى لانتشار نبأ حدوث هذا الهجوم على الجندي، وبثّ صور القاتل وفي يده اليمنى ساطور ملوث بدماء الضحية، اما راحة اليد اليسرى فكانت حمراء قانية يلوّح بها صاحبها لكاميرات اجهزة الهاتف النقال المتعطشة لالتقاط الصور، نقول منذ الدقائق الاولى بدأت الحملات المكثفة لتجريم الاسلام والمسلمين، والصاق تهمة الارهاب بهم، بطريقة مباشرة او غير مباشرة.
لم ينتظروا نتيجة التحقيقات، ولا اكتمال البحث الجنائي، وتحليل شخصية المتورطين، وهل كانا تحت تأثير الكحول او المخدرات، او انهما مجندان من جهات تريد تأثيم الاسلام والمسلمين، او يعانيان من امراض نفسية او عقلية.
‘ ‘ ‘ 
الصحافة البريطانية، الرصينة منها والشعبية، التقت كلها على ارضية الاثارة، ونشرت الصورة نفسها على صدر صفحتها الاولى، والدماء تقطر من يدي صاحبها، مع ترديد لكلماته التي تهدد بعدم تمتع البريطانيين بالأمان طالما ان هناك مسلمين يقتلون في افغانستان والعراق.
كاميرون رئيس الوزراء الذي تزعم مجلس حرب اعلن ان هذا اعتداء على بريطانيا مثلما هو اعتداء على المسلمين. اي تبسيط هذا، مقتل جندي يشكل عدوانا على بريطانيا العظمى؟
بعد دقائق من اعلان نبأ وقوع الجريمة، وبدء حملات التحريض الاعلامي ضد المسلمين، تدفق المئات من انصار الجماعات اليمينية المتطرفة الى مكان الجريمة مطالبين بالثأر والانتقام، بينما اختار البعض الآخر الهجوم على بعض المساجد.
بوريس جونسون عمدة مدينة لندن الكبرى الذي نفى ان تكون هناك اي علاقة بين هذا الهجوم والسياسة الخارجية البريطانية في الشرق الاوسط، نسأله وكل الذين يحاولون تبرئة هذه السياسة ونقول: لماذا لم تشهد شوارع لندن اي اعتداءات من قبل مسلمين قبل توريط توني بلير رئيس الوزراء الاسبق ومبعوث السلام الحالي بلاده في حرب دموية في العراق فبرك اسبابها، وادت الى مقتل مليون انسان؟
نزيد المستر جونسون من الشعر بيتا ونقول ان الشيخ خالد الفواز سفير زعيم تنظيم القاعدة كان يقيم في مكتب علني في شارع اكسفورد الشهير، وكان هذا المكتب بمثابة ممثلية للتنظيم في العاصمة البريطانية، والشيء نفسه يقال ايضا عن السيد ابو مصعب السوري الذي اقام مركزا للدراسات في مكتب قريب.
كل هذه الضجة المفتعلة، وكل هذه المبالغة جاءت لان هذا القاتل اعتنق الاسلام وكبّر ‘الله اكبر’ عندما ذبح ضحيته، ولو كان القاتل من ديانة اخرى لجرى نشر الخبر في الصفحات الداخلية، وبحرف صغير.
مرى اخرى ندين هذه الجريمة، وكل جرائم القتل المماثلة، سواء ضد بريطانيين او اي جنسية اخرى، ولكن من حقنا ان نتوقف قليلا ونناقش الأمر بهدوء، وبعد ان هدأ غبار التحريض ضد الاسلام قليلا:
الضحية لم يكن مدنيا، وانما جندي خدم في افغانستان لمدة سبع سنوات، فهل فكر البريطانيون ان جنودهم أيضا يقتلون مدنيين ابرياء أثناء حروبهم الخارجية هذه، وهل يدركون ان مقاتلي حركة طالبان يقاتلون لأنهم يريدون اخراج قوات احتلال اجنبية من بلادهم؟
لقد أرسلت السلطات البريطانية اكثر من عشرين الف جندي الى افغانستان يتركزون في اكثر من مدينة، مثلما ارسلت العدد نفسه او اكثر او اقل الى العراق، ألم تنخرط هذه القوات في عمليات عسكرية ادت الى سقوط آلاف القتلى والجرحى، مستخدمة كل انواع الاسلحة من طائرات وصواريخ؟
ألم تكن الحكومة البريطانية لاعبا رئيسيا في القصف الجوي الذي مارسته الطائرات والسفن الحربية لأكثر من اربعة اشهر في ليبيا، ولا نعرف حتى الآن، بل ممنوع علينا ان نعرف كم عدد القتلى والجرحى الابرياء الذين سقطوا بسببه؟
‘ ‘ ‘ 
للمرة المليون نقول ونؤكد اننا ضد الارهاب، وضد جرائم القتل، واننا ضد جريمة قتل الجندي البريطاني دون تردد، ولكن نجد لزاما علينا كعرب ومسلمين، اكتوينا بنيران القتل البريطاني والامريكي ان نصرخ من شدة الألم.
الجالية الاسلامية في بريطانيا يزيد تعدادها عن مليونين ونصف المليون مسلم، بينما لم ينفذ عملية القتل الاجرامية هذه الا شخصان فقط هناك من يشكك بإسلامهما وسلوكهما، ونؤكد من جانبنا ان دوافعهما ما زالت غامضة.
المخابرات البريطانية كانت تراقب الشخص الابرز منفذ الجريمة، فلماذا لم تعتقله مبكرا، ولماذا، وهي التي تراقب كل صغيرة وكبيرة، وتسجل جميع المكالمات الهاتفية، وترصد تحركات المشبوهين، لم تمنعه من تنفيذ هذه الجريمة؟
انا شخصيا، وبعد ان فبرك بلير الرجل الاقوى والاكثر نفوذا في حينها، اكذوبة اسلحة الدمار الشامل، وملف اعدادها لضرب بريطانيا في اقل من خمس واربعين دقيقة، بدأت اصدق النظريات التآمرية علينا كمسلمين وعرب، ولا اتقبل كل ما يطرح علينا من معلومات وروايات بالطريقة التي كنت اتقبلها قبل غزو العراق، واعتقد ان هناك الكثيرين مثلي مسلمين كانوا او اوروبيين.
اعيش في بريطانيا منذ 35 عاما وعايشت هجمات الجيش الجمهوري الايرلندي في قلب لندن، ولم اسمع من يقول ان هذا ارهاب مسيحي او كاثوليكي، ولم اقرأ ان كاردينالات الطائفة المسيحية قد خرجوا معتذرين عن هذه الهجمات، بالطريقة التي سارع فيها قادة الجالية الاسلامية لإدانة الجريمة، وهي طريقة تنطوي على الاحساس بالذنب.
في شهر آب (اغسطس) عام 2011 دهست سيارة شرطة بريطانية مسلمين اثنين كانا خارجين من مسجد بعد صلاة الجمعة، وقبل ذلك بيوم قتلت الشرطة مسلما من اصل افريقي بالرصاص في ظروف غامضة، ولم يعتذر لنا قادة الكنائس المسيحية ولا الشرطة.
الارقام تقول ان اربعة آلاف مسلم حصدت ارواحهم صواريخ طائرات بدون طيار (درونز) في افغانستان معظمهم من الابرياء، ومن بينهم اطفال ونساء كانوا يحضرون حفل زفاف، فهل اعتذر لنا احد؟ انا شخصيا لم اسمع باعتذار صريح كهذا، بل سمعت يوم امس الرئيس باراك اوباما يقول لنا انه سيستمر في ارسال هذه الطائرات بل والمزيد منها لقتل الارهابيين.
من حق بريطانيا ان تدافع عن امنها، وارواح مواطنيها، فهذا من ابرز واجبات حكوماتها، ولكن من حقنا ايضا ان نقول ان سياستها الخارجية، وحروبها في العالم الاسلامي، التي هي في الغالب تنطلق من منطلقات استعمارية او مصالح اقتصادية، تلعب دورا رئيسيا في تهديد هذا الامن والاستقرار، وتلعب دورا في تعريض حياة مواطنيها للخطر.
المتطرفون موجودون في كل المجتمعات وليسوا حكرا على المجتمعات الاسلامية فقط، فمن قتل 180 شخصا في مجزرة اوسلو، ومن فجر مقر البلدية في اوكلاهوما لم يكونا مسلمين، وكان الأول ارهابيا يمينيا متطرفا وكارهاً للاسلام. نقول هذا للتذكير فقط لمن يحاول ان يلصق تهمة الارهاب بنا فقط كمسلمين.
 
Twitter:@abdelbariatwan
 

فضيحة دبلوماسية عربية

كشف برنامج وثائقي بثته القناة التلفزيونية الانكليزية الرابعة ان اللوبي الاسرائيلي استطاع تجنيد نصف وزراء حكومة الظل في حزب المحافظين البريطانيين لخدمة المصالح الاسرائيلية والدفاع عن سياساتها، وذلك من خلال دفع تبرعات وصلت في مجملها الى عشرة ملايين جنيه استرليني.

حزب المحافظين البريطاني يتفوق بأكثر من عشرين نقطة على حزب العمال الحاكم في استطلاعات الرأي، وبات في حكم المؤكد فوزه في الانتخابات البرلمانية التي ستجرى في شهر ايار (مايو) المقبل كحد أقصى، مما يعني ان انصار اسرائيل في حكومة الظل هم الذين سيسيطرون على الحكومة، ويوجهون دفة سياساتها ضد العرب بشكل خاص، والمسلمين بشكل عام.
هذا الكشف التلفزيوني الخطير المدعّم بالأرقام والوثائق، يؤكد حقيقتين اساسيتين، الاولى تتعلق باحتقار السياسيين البريطانيين للعرب والاستخفاف بهم، رغم الخدمات الجليلة التي قدمها ويقدمها العرب كحكومات وشركات، لبريطانيا ومصالحها السياسية والاقتصادية، والثانية تتعلق بفشل الدبلوماسية العربية، بل وانعدام وجودها، ناهيك عن تأثيرها، رغم الرهط الكبير من الدبلوماسيين العرب والسفارات العربية الفارهة في العواصم الغربية.
الدبلوماسيون العرب في معظمهم مشغولون بكل شيء ،الا القضايا المتعلقة بواجباتهم، مثل استقبال زوجات وابناء الزعماء والاسر الحاكمة، وكلها اسر حاكمة هذه الايام، يتساوى فيها الجمهوريون والملكيون، وترتيب جولات التسوق والترفيه وحركة التنقلات. ومن المفارقة ان معظم هؤلاء السفراء يعينون في العواصم الغربية اما بهدف العلاج او الراحة، او الابعاد.
السفارات العربية في بريطانيا تقيم سنوياً عشرات حفلات الاستقبال، تدعو اليها آلاف الشخصيات والقيادات البرلمانية والاقتصادية البريطانية، وتدفع عشرات الملايين من الجنيهات الاسترلينية لدعم اعمال خيرية ومؤسسات بريطانية، ومع ذلك تنجح جمعية اسرائيلية في بزّ هؤلاء جميعاً، وتجنيد معظم النواب واللوردات البريطانيين في خدمة السياسات العدوانية الاسرائيلية.
نتلقى في هذه الصحيفة، مثل غيرنا، عشرات البيانات الصحافية شهرياً من هذه السفارة العربية او تلك، مزينة بصور سعادة السفير وحرمه وهما يستقبلان الوزراء والنواب واللوردات البريطانيين اثناء حفل الاستقبال الذي نظمه سعادته بمناسبة العيد الوطني لبلاده، لنكتشف بعد ذلك ان معظم هؤلاء هم من المجندين لمصلحة اللوبي الاسرائيلي.
' ' '
نذهب الى ما هو اكثر من ذلك ونشير الى جود المئات من اللوردات واعضاء مجلس النواب يعملون كمستشارين لدى حكومات وسفارات وشركات عربية، مقابل رواتب خيالية، ثم نُصدم عندما نرى اسماء هؤلاء، او معظمهم، تتصدر قوائم اللوبي الاسرائيلي في بريطانيا.
هذا دليل على اننا فاشلون، منافقون، سذج، نفتقر الى الجدية والمنهج العلمي والاخلاقي لخدمة قضايانا، بل اننا لا نريد اصلاً تحرير الاراضي المحتلة والمقدسات العربية والاسلامية.
الحكومات العربية قدمت، وما زالت تقدم، خدمات غير عادية للغرب، وبريطانيا على وجه الخصوص، نشتري اسلحتهم، ونقدم لشركاتهم العقود التجارية المغرية، ونستثمر مئات الآلاف من المليارات في عقاراتهم وشركاتهم، ونخرج اقتصادياتهم من عثراتها بشراء السندات، وخلق الوظائف للعاطلين، ومع ذلك يهرع سياسيوهم الى اسرائيل، مقدمين لها كل الطاعة والولاء، ويتآمرون ضدنا، ويصوتون في الامم المتحدة والمحافل الدولية ضد قضايانا العادلة.
حزب المحافظين هذا الذي يتجند نصف وزراء حكومة ظله في خدمة اللوبي الاسرائيلي، مدين للعرب ،والمملكة العربية السعودية بالذات، ببقائه في الحكم لأكثر من عشرين عاماً، فلولا صفقة اليمامة للاسلحة التي وقعتها السعودية مع السيدة مارغريت ثاتشر زعيمته في الثمانينات، وبلغت قيمتها 75 مليار دولار في حينها (حوالى 200 مليار دولار بمقاييس اليوم) لما استطاعت المرأة الحديدية اخراج الاقتصاد البريطاني من ازمته الطاحنة التي اطاحت بحكومة جيمس كالاهان العمالية، وجاءت بالمحافظين الى سدة الحكم.
ورثة السيدة ثاتشر في الحزب ينسون كل هذه الخدمات وينحازون الى اسرائيل ويعملون في خدمة مصالحها، وهي الدولة التي اُدينت، ومن خلال تقرير لقاض يهودي صهيوني، بارتكاب جرائم حرب ضد الانسانية اثناء عدوانها الاخير على قطاع غزة.
العيب ليس في هؤلاء النواب واللوردات فقط، وانما فينا نحن كعرب، الذين تحولنا الى اضحوكة في العالم، بسبب هذه الانظمة الفاسدة، ودبلوماسييها الفاشلين عديمي الضمير الوطني والاخلاقي. 
هذه الانظمة الفاسدة التي حولتنا الى مهزلة في العالم بأسره، هي المسؤولة عن حالة الانهيار التي نعيشها حالياً على المستويات كافة، وهي التي خلقت الفراغ الاستراتيجي الحالي الذي سارعت الى ملئه قوى غير عربية.
في الماضي القريب كنا اسرى مفهوم خاطئ يقول ان اللوبي اليهودي المؤيد لاسرائيل يجلس على قمة امبراطوريتين هائلتين، مكّنتاه من توظيف العالم الغربي في خدمة اسرائيل ومصالحها، الاولى مالية، والثانية اعلامية، لنكتشف متأخرين ، كعادتنا، ان هذه كذبة كبرى. فنحن الآن نملك صناديق سيادية مستثمرة في الغرب تبلغ قيمتها اكثر من ثلاثة تريليونات دولار، وتتدفق الى خزائننا عوائد نفطية تصل الى 800 مليار دولار سنوياً، ونستطيع شراء شركات العالم وصحفه وتلفزيوناته جميعاً، ومع ذلك تنجح جمعية لوبي اسرائيلي في بريطانيا بتجنيد غالبية النواب البريطانيين بأقل من عشرة ملايين جنيه.
' ' '
اشترينا انديه كروية بريطانية ولاعبين بمئات الملايين من الجنيهات. ولم نترك عقاراً فخماً إلاّ وهرعنا لضمه الى امبراطورياتنا المالية، وفتحنا اراضينا وقواعدنا الجوية والبحرية والبرية، وما زلنا، للطائرات والدبابات والسفن الحربية البريطانية والامريكية لغزو بلد عربي (العراق)، وآخر اسلامي (افغانستان)، وشاركنا بفاعلية في الحرب على الارهاب، ووفرنا الحماية بذلك للمواطنين والشوارع في بريطانيا، ومع ذلك نتلقى الصفعات من السياسيين والحكام البريطانيين، بينما يحصد الاسرائيليون المنافع والتأييد والمساندة لممارساتهم العدوانية ومجازرهم في حق اهلنا واشقائنا.
نقول لليبيين والسعوديين والخليجيين والجزائريين، وكل العرب الذين يفتحون بلادهم على مصارعها امام الشركات الغربية، دون شروط او قيود، 'كفى' لقد طفح الكيل. آن الأوان ان نخاطب هؤلاء بلغة المصالح.. آن الأوان ان نكون جديين، نعرف كيف نخدم قضايانا، وان نفرض احترامنا. لقد مللنا من لعب دور المغفل، وقرقنا من كوننا اضحوكة.
اما السفراء العرب في بريطانيا فنقول لهم ان كشف المحطة التلفزيونية الرابعة المذكور هو 'وصمة عار' في سجلاتهم وتاريخهم، ودليل دامغ على فشلهم وعجزهم، رغم مئات الملايين التي ينفقونها، من عرق البسطاء الجوعى، على حفلاتهم الباذخة تحت مسمى خدمة العرب والمسلمين.
كلمة اخيرة للنواب البريطانيين المسجلين على قوائم اللوبي الاسرائيلي، والمحافظين منهم على وجه الخصوص، وهي ان شراءهم بهذه المبالغ الرخيصة والتافهة، وانخراطهم في خدمة دولة عدوانية مارقة، هو الذي يؤدي، الى جانب اسباب اخرى، الى ازدهار تنظيمات متشددة مثل القاعدة، وتهديد مصالح بريطانيا وامن مواطنيها في الداخل والخارج.
 
 
 

ترهيب المسلمين في بريطانيا

تعكف الحكومة البريطانية حالياً على وضع خطط تستهدف التضييق على الجالية الاسلامية، من خلال تصنيف أبنائها إلى 'معتدلين' و'متطرفين'، في اطار استراتيجيتها المزعومة الرامية إلى مكافحة الارهاب، الأمر الذي قد يعطي نتائج عكسية تماماً، ويصب في مصلحة تكريس ظاهرة العداء للاسلام 'الاسلاموفوبيا' المنتشرة حالياً في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية واضفاء شرعية رسمية عليها.

الاستراتيجية الجديدة هذه، التي ستعلن في الشهر المقبل رسمياً، وقد تتحول إلى قوانين ملزمة تعزز قوانين الطوارئ التي دخلت حيز التنفيذ فعلاً، تضع جميع أبناء الجالية الاسلامية البريطانية، وعددهم يفوق المليون ونصف المليون، تحت المراقبة وفي قلب دائرة الشكوك، وسيعتبر متطرفاً، وفق تصنيفها، كل من: 
يطالب باقامة الخلافة الاسلامية أو توحيد الأمة الاسلامية تحت راية دولة واحدة.
ينادي بتطبيق الشريعة الاسلامية ويروج لها.
يؤمن بالجهاد، أو المقاومة المسلحة في أي مكان في العالم بما في ذلك الكفاح المسلح لتحرير فلسطين في مواجهة الآلة العسكرية الاسرائيلية الجبارة.
يجادل بأن الاسلام يحرّم الشذوذ الجنسي، وان من يمارسه يرتكب خطيئة يعاقب عليها الخالق جلّ وعلا. 
يرفض ادانة قتل الجنود البريطانيين في العراق وأفغانستان.
والتطرف هنا هو كلمة ملطفة لـ 'الارهاب'، وكل من تلصق به هذه التهمة، قد يعامل معاملة الارهابي في المطارات والموانئ والمعاملات الحكومية، وربما يتعرض للاعتقال باعتباره يشكل خطراً على الأمن. فقوائم الارهابيين المحتملين التي أعدتها وزارة الأمن الداخلي الأمريكي تضم أكثر من مليون شخص غالبيتهم الساحقة من المسلمين، ويتعرضون لأبشع الاهانات في المطارات الأمريكية، وكاتب هذا المقال أحدهم.
ان مجرد التفكير بمثل هذه الخطط، ناهيك عن تطبيقها، يكشف عن نظرة عنصرية تمييزية راسخة ضد المسلمين في بريطانيا، تذكرنا بمحاكم التفتيش في أوروبا، والمكارثية في الولايات المتحدة الأمريكية، لأنها تجعل من كل مسلم متهماً وعليه ان يثبت براءته، وتحاكمه بشكل مسبق على أفكاره لا أفعاله، وتلصق به تهمة التطرف، لأنه مارس الحق في التفكير والتزم بمبادئ دينه وتعاليمه.
هذا تدخل سافر في المعتقدات الدينية والفكرية لمواطنين مسلمين لأن كل ذنبهم انهم مسلمون ويحملون أسماء وملامح غير أوروبية. فالشريعة الاسلامية التي تجرّمها هذه الخطط، وترى ان المطالبة بتطبيقها، أو الترويج لها أحد مبررات الاتهام بالتطرف، هي أحد الأركان الأساسية للعقيدة الاسلامية، حتى ان اساقفة بريطانيين مشهود لهم بالتبحر في العلوم الدينية، ويحوزون أعلى الدرجات فيها، مثل الاسقف روان ويليامز اسقف كانتربري الذي طالب بتطبيقها في بعض الحالات وادخال بعض نصوصها في القوانين البريطانية، مثل قانون الأحوال الشخصية، وتعرض بسبب ذلك لحملة ارهاب فكري كادت أن تطالب بصلبه.
اما فيما يتعلق بمسألة الشذوذ الجنسي وتحريم الاسلام لممارسته، فهذا لا يعني ان المسلمين متطرفيون، فالدين المسيحي نفسه يعارض الشذوذ ويحرمه، وهناك الملايين من المسيحيين البريطانيين يرفضونه في وضح النهار، والمشرّع البريطاني لم يقره إلا قبل أربعين عاماً فقط، بينما استمرت الكنيسة في معارضته حتى يومنا هذا. فلماذا يحق لهؤلاء اخذ كل حقوقهم بما في ذلك الزواج ولا يحق لاخرين ايا كانت عقيدتهم الاعتراض بطرق ديمقراطية.
 
ولا نفهم لماذا يعارض مسؤولون بريطانيون مسألة المطالبة بالخلافة الاسلامية، ويعتبرونها دعوة للتطرف، فبريطانيا نفسها عضو في الاتحاد الأوروبي، ويمثلها نواب في برلمانه، مثلما هي عضو في حلف الناتو، فلماذا تحرّم على مواطنيها المسلمين ما تحلله لنفسها ولمواطنيها المسيحيين؟ فهل الوحدة الأوروبية حلال والوحدة الاسلامية كفر وزندقة؟
ولعل النقطة الأخطر في هذه الخطط العنصرية الاستفزازية تلك المتعلقة بالجهاد، وتجريم المقاومة المسلحة حتى في فلسطين في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي والمجازر الدموية الوحشية التي يرتكبها ضد الفلسطينيين الأبرياء العزل. فهل يريد المسؤولون البريطانيون أن يقدم الفلسطينيون باقات الورود والرياحين لقتلة أطفالهم حتى لا يتهموا بالتطرف؟
الجهاد فريضة على كل مسلم اذا تعرضت أراضيه للاحتلال من قبل قوات أجنبية غازية، والحكومة البريطانية نفسها أيدته ودعمته عندما رفع رايته المجاهدون الأفغان لتحرير أراضي بلادهم من الاحتلال السوفييتي. واستقبلت العاصمة البريطانية قادة المجاهدين استقبال الأبطال عندما حلوا ضيوفاً على حكومتها مثل الشيخ صبغة الله مجددي الذي فرشت له السجاد الأحمر عندما زارها على رأس وفد من المجاهدين في مطلع الثمانينات.
من حقنا ان نسأل الحكومة البريطانية، وأي حكومة أوروبية أخرى قد تحذو حذوها، السؤال نفسه بطريقة مختلفة: ما هو موقفها من أبناء الجالية اليهودية الذين يؤيدون المجازر الاسرائيلية الدموية الأخيرة في قطاع غزة ويبررونها، وهي التي أسفرت عن تمزيق أجساد 1350 شخصاً، من بينهم 450 طفلاً، هل ستصنف هؤلاء على انهم متطرفون ارهابيون أيضاً يقفون في خندق دولة ترتكب جرائم حرب ضد الانسانية؟
الجاليات الاسلامية في الغرب عموماً، وبريطانيا بشكل خاص، تتعرض إلى عملية تحريض خطيرة لم تعد مقتصرة على الأحزاب والجماعات اليمينية المتطرفة، وانما من قبل هيئات حكومية عليا أيضاً، وهذا يتعارض كلياً وللأسف الشديد مع قيم التسامح والمساواة والعدالة والديمقراطية التي تعتبر من صميم الحضارة الأوروبية الحديثة التي يحاول منظّروها نشرها وتطبيقها في مختلف انحاء العالم، الاسلامي منه بشكل خاص.
 
الاسلام يُستخدم حالياً كفزاعة، أو احدى الأدوات الأساسية التي توظفها الحكومات الغربية لنشر ثقافة الخوف في أوساط مواطنيها، وبما يعطيها المبررات والذرائع، لحرمانهم من حقوقهم المدنية التي ناضلوا طيلة قرون من أجل ترسيخها، وهي الحريات التي لعبت الدور الأبرز في النهضة الأوروبية الحديثة في المجالات كافة. 
السيدة ستيلا يمنغتون رئيسة جهاز الاستخبارات البريطانية (MI5) أصابت كبد الحقيقة عندما حذرت، في تصريحات أدلت بها مؤخراً، من تحول بريطانيا إلى دولة بوليسية بسبب تدخل وزرائها في الحياة الخاصة للمواطنين والتلصص على هواتفهم واتصالاتهم ورسائلهم الالكترونية.
فقبل ثلاثة أشهر تقريباً أفاق المجتمع البريطاني على حادثة اقتحام الشرطة مكتب وزير في حكومة الظل المعارضة، ومصادرة حاسوبه الآلي، وتفتيش مقتنياته، لانه شكك في الأرقام الرسمية حول معدلات الهجرة، وأمور أخرى، وهي سابقة لم يحدث لها مثيل منذ قرون.
ان مثل هذه السياسات التي تقلص من الحريات والحقوق المدنية للمواطن، تلتقي في نتائجها مع أهداف الجماعات الارهابية التي تقول انها تحقد على الغرب بسبب اسلوب حياته المختلف القائم على الحريات والمساواة والعدالة.
ولا نبالغ اذا قلنا انها تخدم الارهاب، وتصعّد موجات التطرف، وتبذر بذور الكراهية والشعور بعدم الانتماء في أوساط الجاليات الاسلامية الأمر الذي يجعل بعض أبنائها صيداً سهلاً لمن يريدون تحويلهم إلى قنابل بشرية، اللهم إلا إذا كانت الحكومة الحالية تريد تحقيق هذه الأهداف مجتمعة أو متفرقة.
هذه الخطط تشكل خطراً كبيراً على أمن المواطن البريطاني، علاوة على كونها انتهاكاً لأبسط حقوق الانسان التي كفلتها المواثيق والمعاهدات الدولية، ولهذا يجب ان تتكاتف كل فئات المجتمع البريطاني للحيلولة دون تمريرها، لانها ستعتبر نقطة سوداء في تاريخه، ربما أكثر سواداً من نظيراتها الأمريكية مثل التعذيب في سجن أبوغريب، ومعتقل غوانتانامو في كوبا.
 
 

بلير وبداياته الخاطئة

لا نعتقد ان شخصا في ذكاء توني بلير وخبرته لا يدرك حجم الصعوبات التي يمكن ان تواجهه كمبعوث للجنة الرباعية الدولية لتسوية الصراع العربي ـ الاسرائيلي، ولذلك فان قبول الرجل بهذه المهمة يظل موضع الكثير من علامات الاستفهام والتعجب في آن.

بلير بدأ امس مهمته رسميا بزيارة الاردن والدولة العبرية، حيث التقي وزيري خارجية البلدين، وقال متحدث باسمه انه يحضر من اجل الاستماع ولهذا لم تصدر عنه اية تصريحات رسمية علنية عن طبيعة هذه اللقاءات، والنهج الذي يتبعه ويبدو مختلفا عن الآخرين الذين سبقوه علي الطريق نفسه.
نتفق مع الرأي الذي يقول بانه من السابق لأوانه اطلاق احكام متسرعة علي الرجل ومهمته وهو لم يبدأ عمله بعد، وضرورة اعطائه فرصة ليجرب حظه، ويظهر ما في جعبته من حلول سحرية غير مجربة في السابق من قبل من سبقوه، ولكن المقدمات الخاطئة لا يمكن ان تؤدي الي نتائج صحيحة علي اي حال.
وما نقصده بالمقدمات الخاطئة عدة امور اساسية نلخصها في النقاط التالية:
اولا: ان يقول المتحدث باسمه انه جاء الي المنطقة من اجل الاستماع، فهذا امر يمكن ان يكون مقبولا من شخص لا يعرف المنطقة جيدا، وغير خبير في دهاليزها، ويحتاج الي وقت لمعرفة دقائق الامور قبل ان يبلور استراتيجيته، ولكن بلير زار المنطقة اكثر من مرة، ويعرف جميع المسؤولين فيها، كبارا وصغارا، وشارك في جميع اجتماعات اللجنة الرباعية، والقمم الاوروبية التي بحثت هذه المسألة واصدرت بشأنها مواقف وبيانات عديدة، والاكثر من ذلك انه ترأس مؤتمرا حول الشرق الاوسط دعا الي عقده في لندن قبل عام ونصف العام تقريبا حضره معظم وزراء الخارجية العرب علاوة علي السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية والرئيس الفلسطيني محمود عباس.
ثانيا: اختار بلير القدس المحتلة مقرا لاقامته، ونقطة انطلاق لجولاته المكوكية في المنطقة، مثلما تعمد اختيار مقر الحاكم العسكري البريطاني في زمن الانتداب المسمي بـ القصر مكتبا ومنزلا له، وهما اختياران سيئان بكل المقاييس يكشفان عن رغبة متعمدة لاستفزاز العرب. فالحكومة البريطانية نفسها التي كان يتزعمها بلير لاكثر من عشر سنوات، لم تعترف بالقدس المحتلة عاصمة للدولة العبرية، وما زالت تحتفظ بسفارتها في تل ابيب، وقنصلية فقط في المدينة المقدسة.
ثالثا: تعمد بلير اختيار دانيال ليفي ابن مبعوثه السابق لشؤون الشرق الاوسط كمستشار له في وظيفته الجديدة، وليفي هذا عمل في مكتب ايهود باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي، ووالده اللورد ليفي معروف بعلاقاته الوثيقة مع المسؤولين الاسرائيليين.
ربما يكون دانيال ليفي علي درجة كبيرة من الخبرة والدراية، ولا اعتراض عليه كشخص، ولكن الاعتراض ألا يلجأ بلير الي التوازن، اي يختار مستشارا عربيا الي جانبه، فبريطانيا مليئة بالكفاءات البريطانية من اصل عربي وفلسطيني، وبعضهم اساتذة وقضاة ومحامون كبار.
واذكر ان وفدا فلسطينيا التقي بلير اثناء مجزرة جنين، كنت احد اعضائه، طرح مسألة التوازن هذه، وطالب بمبعوث عربي الي جانب اللورد ليفي مبعوثه الخاص لشؤون الشرق الاوسط، ولكنه لم يعر هذا الطلب اي اهتمام، وها هو يكرر الخطأ نفسه.
رابعا: استبعد المتحدث باسم بلير اية لقاءات مع مسؤولين من حماس ، وهذا يعني انه سيقصر لقاءاته علي مكتب الرئاسة الفلسطينية، والرئيس عباس علي وجه الخصوص، اي نصف الشرعية الفلسطينية، الامر الذي سيحكم علي مهمته بالفشل حتي قبل ان تبدأ. فحركة حماس فازت باغلبية المقاعد في المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب بطريقة شفافة ونزيهة. وبلير ادعي دائما انه يؤيد الديمقراطية ويشجع عليها كأسلوب حكم في الشرق الاوسط. وها هو يناقض كل اقواله في هذا الخصوص. وهذه ليست صفة من صفات الوسيط الناجح.
خامسا: يبدو من خلال الصلاحيات المحددة لبلير من قبل اللجنة الرباعية، والادارة الامريكية خصوصا، انه سيركز علي الجانب الفلسطيني، وكيفية قيام مؤسسات فلسطينية تكون قادرة علي استلام الحكم في حال قيام دولة فلسطينية مستقلة، او بالاحري كيفية اعادة تأهيل الفلسطينيين، والارتقاء بمستواهم حتي يصبحوا اهلا لهذه المهمة، وهو الشعار نفسه الذي انعقد تحته مؤتمر لندن للسلام الذي قاطعته الحكومة الاسرائيلية في حينه. والسؤال هو حول كيفية اقامة مثل هذه المؤسسات في ظل خمسمئة حاجز اسرائيلي تقطع اوصال الضفة الغربية، وتحول حياة المواطنين الي جحيم، وفي ظل اغلاق المعابر المؤدية الي قطاع غزة بأمر اسرائيلي، وبما يجعل من مليون ونصف المليون فلسطيني معتقلين فعليا، ومحرومين من ابسط اساسيات الحياة من طعام وشراب وطبابة وحرية حركة.
لا نريد من بلير ان يقوم بدور المستمع، وانما الصوت القوي الذي يتحدث عن صلب القضايا، والا فإن مهمته هذه ستكون مضيعة للجهد والمال والوقت، وهو ما نتوقعه في جميع الاحوال.
ومن الغريب ان المدافعين عن بلير، والمادحين لكفاءاته، وخبراته التفاوضية، والدبلوماسية، يركزون علي انه ضحي بملايين الدولارات كان يمكن ان يجنيها من جراء كتابة مذكراته، او القاء محاضرات في اوروبا وامريكا، وكأن الرجل سيقوم بهذه المهمة تطوعا، وبدون اي مقابل مادي. ولو كان الحال كذلك لما اختار هذا القصر الفخم في القدس المحتلة الذي يبدو ضعفي حجم مقر رئاسة الوزراء في لندن كمقر لإقامته.
توني بلير ارتكب العديد من الخطايا في حق العرب والمسلمين، ابرزها حربه في العراق التي ادت الي تخريب هذا البلد وتقطيع اوصاله، ومقتل مليون من خيرة ابنائه، وتشريد خمسة ملايين علي الاقل في الداخل والخارج، واغراقه في حرب اهلية طائفية دموية، وفوضي عارمة. ولا نعتقد انه ذاهب الي المنطقة من اجل التكفير عنها، وانما ارتكاب خطيئة جديدة في حق الفلسطينيين.
من حقنا ان نشعر بالشك والريبة تجاه الرجل ومهمته، فقد تعرضنا لاكثر من لدغة من حجره في السابق علي مدي سنواته العشر في الحكم، وعندما قلنا ان المجرم يظل يحوم في مكان جريمته لم نكن نبالغ علي الاطلاق. ونأمل ان يثبت بلير خطأ اعتقادنا هذا عمليا من خلال الافعال والاقوال معا.
 

تفجيرات لندن: قراءة مختلفة

اعلان حالة الطوارئ القصوي، وتشديد الاجراءات الامنية في المطارات البريطانية، وارتباك حركة المواصلات والتنقل، كلها تؤكد ان الارهابيين المفترضين الذين يقفون خلف عمليات التفجير الاخيرة في لندن قد حققوا اهدافهم دون ان يقتلوا شخصا واحدا، او يطلقوا رصاصة واحدة.
علامات استفهام عديدة ما زالت تطرح نفسها حول موجة التفجيرات هذه، اولاها عدم انفجار السيارتين الاوليين اللتين اكتشفتا في وسط لندن، والسيارة الثالثة التي اصطدمت في مدخل مطار مدينة غلاسكو الاسكتلندية، رغم البيانات الاولية عن وجود اسطوانات غاز ومسامير فيها.
فاللافت ان السيارة الثالثة التي اكلتها النيران بالكامل لم تنفجر مطلقا، كما ان الحزام الناسف الذي قيل ان سائقها كان يتزنر به، وجري اكتشافه بعد وصوله الي المستشفي مصابا بحروق خطيرة، لم ينفجر ايضا، فكيف تكون سيارة مفخخة ولم تنفجر رغم كل النيران التي اشتعلت فيها وحولتها الي هيكل عظمي، وكيف يكون حزاما ناسفا مجهزا بمتفجرات ولم ينفجر ايضا؟ هناك امور كثيرة غامضة، والمعلومات التي ادلي بها المتحدثون باسم الشرطة البريطانية شحيحة للغاية، الامر الذي فتح الباب علي مصراعيه امام من يقدمون انفسهم علي انهم خبراء في شؤون الارهاب، وتنظيم القاعدة علي وجه الخصوص، لتقديم نظريات وافتراضات تكشف عن جهل فاضح، وتكرار ممل قيلت في مناسبات سابقة، تعليقا علي عمليات مختلفة كليا.
عدة ملاحظات يمكن التوقف عندها لاستقراء ما بين سطور هذه السيارات المفخخةو، ما احترق منها وما لم ينفجر، نوجزها في النقاط التالية:
اولا: صلة تنظيم القاعدة المباشرة مع منفذي هذه الهجمات تبدو ضعيفة. إذ أن التنفيذ عكس فقرا كبيرا في الأداء والتنفيذ والاعداد.
لان عمليات تنظيم القاعدة السابقة سواء في بريطانيا (السابع من تموز/يوليو عام 2005) او في اسبانيا (تفجيرات مدريد في 11 آذار (مارس) 2005) وقبلهما في بالي (اندونيسيا) واسطنبول (تركيا) كانت عالية الدقة في الاعداد والتنفيذ، واسفرت عن خسائر بشرية ضخمة.
ثانيا: المرجح ان يكون من اقدموا علي تفخيخ هذه السيارات من المواطنين البريطانيين الشبان، الذين لم يتلقوا اي تدريب في الخارج، واكتسبوا خبرتهم المحدودة عبر الانترنت.
ثالثا: يستبعد وجود اي عناصر خارجية جاءت الي بريطانيا، واشرفت علي الخلية، او الخلايا التي تقف خلف هذه السيارات، ومن تنظيم القاعدة علي وجه الخصوص، لانه لو كان الحال كذلك لاختلف الوضع كليا، وجاءت النتائج كارثية. فخبراء القاعدة في العراق وافغانستان يعدون ويفجرون السيارات المفخخة يوميا، ونادرا ما تفشل عملياتهم، كأن لا تنفجر السيارة في الهدف الذي ارسلت من اجله.
رابعا: جميع السيارات الثلاث لم يتم اكتشافها من قبل البوليس او اجهزة الاستخبارات، وانما بمحض الصدفة، وهذا يؤكد ان عمليات الاعتقال المكثفة التي استهدفت الجالية الاسلامية في بريطانيا علي مدي السنوات الست الماضية، اي منذ احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) وتضاعفت بعد تفجيرات لندن، لم تحقق اغراضها في منع العمليات الارهابية.
خامسا: اصابع الاتهام توجهت منذ اللحظة الاولي الي ابناء الجالية الاسلامية باعتبارهم المسؤولين عن هذه العمليات رغم ان اثنين من المعتقلين الخمسة حتي الآن هما من الآسيويين حسب بيانات البوليس، الامر الذي سيؤدي الي مصاعب ومضايقات جديدة لابناء الجالية الاسلامية في بريطانيا.

ما يمكن استخلاصه من كل ما سبق ان الجهة التي تقف خلف هذه السيارات المفخخة ارادت ايصال رسالة واضحة للحكومة البريطانية الجديدة برئاسة غوردون براون، مفادها ان التغيير في الاشخاص علي قمة السلطة في البلاد لا يكفي لتوفير الامن، وانما التغيير في السياسات.
فإذا اراد رئيس الوزراء الجديد ان يجعل شوارع بريطانيا ومطاراتها ومرافقها العامة والخاصة آمنة، فإن عليه ان يفعل ما فعلته حكومة ساباتيرو الاسبانية بعد تفجيرات مدريد، اي سحب القوات البريطانية من العراق، والابتعاد عن الحروب والسياسات الامريكية الكارثية في الشرق الاوسط والعالم الاسلامي بشكل عام.
ولا نعرف ما اذا كان المستر براون سيتفهم مضمون هذه الرسالة ويعمل علي اساسه أم انه سيكابر مثل سلفه توني بلير، ويواصل اتباع السياسات نفسها التي جعلت بريطانيا هدفا للهجمات واعمال العنف والارهاب، ولكننا نعتقد ان امامه فرصة كبيرة في هذا الخصوص، وقد دشن عهده منذ ايام معدودة، وعين وزيرا شابا للخارجية كان معروفا بمعارضته لتورط بلاده في حرب غير شرعية وغير اخلاقية في العراق ادت حتي الآن الي مقتل مليون عراقي وتشريد خمسة ملايين آخرين، علاوة علي مقتل واصابة المئات من الجنود البريطانيين.

نأمل ان لا ينعكس اكتشاف السيارات المفخخة هذه سلبا علي الجالية الاسلامية في بريطانيا، لان عمليات التحريض والاستهداف التي تعرضت لها هذه الجالية في الاعوام الاخيرة من بعض المسؤولين واجهزة الاعلام اليمينية صبت في خدمة التطرف والمتطرفين، وساهمت في عزل هذه الجالية وابنائها، وعرقلة عملية اندماجها المجتمعي.
فتحميل الجالية وابنائها مسؤولية حفنة من المتطرفين واعمالهم العنفية، ومطالبتهم ان يتحولوا الي مخبرين و جواسيس كان اسلوبا خاطئا، علاوة علي سذاجته، والاهداف المريبة من خلفه، ادي الي نتائج عكسية في معظم الاحيان. فهذا عمل اجهزة الامن بالدرجة الاولي، واذا كانت هذه الاجهزة، ورغم عشرات المليارات التي تنفق عليها، والخبرات الضخمة التي تضمها، وثمانية آلاف كاميرا نصبتها في لندن وحدها، قد عجزت عن اكتشاف هذه السيارات المفخخة، فكيف نلوم ابناء الجالية العاديين المسالمين الذين باتوا يبحثون عن لقمة عيش وسط مجتمع بدأ يمارس التمييز ضدهم، وينظر اليهم نظرات الشك والاتهام مسبقا؟
المسلمون في بريطانيا مواطنون، ويجب ان يعاملوا كذلك، وعلي قدم المساواة مع الآخرين، في الوظائف، وفرص العمل، وامام القانون، نقول هذا الكلام لان هناك حملة يتعرض لها هؤلاء تشكك في ولائهم، وتأخذهم بجريرة حفنة من المتطرفين من بينهم. فعندما تكشف الاحصاءات الرسمية ان المسلم البريطاني معرض للتوقيف من قبل البوليس سبع عشرة مرة اكثر من نظرائه البيض فان هذا يقرع جرس انذار ، للنتائج الخطرة التي يمكن ان تترتب علي ذلك بالنسبة الي الجالية نفسها، والسلم البريطاني.

داعية سلام ام مجرم حرب؟

اختيار توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق مبعوثا للجنة الرباعية الدولية للسلام في الشرق الاوسط يؤكد مرة اخري اصرار الدول الغربية، والولايات المتحدة علي وجه الخصوص، علي استفزاز مشاعر العرب والمسلمين، والاستمرار في السياسات الخاطئة التي ادت الي حالة الفوضي الدموية الراهنة التي تعم منطقة الشرق الاوسط.

فبلير الذي أراد الرئيس جورج بوش مكافأته لانقياده الاعمي خلف ادارته فاقد المصداقية تماما، ويعتبر اكثر شخص مكروه في نظر العرب والمسلمين بعد الرئيس بوش نفسه، وارتبط اسمه بالحروب والكذب والخداع والانحياز الي الاسرائيليين وعدوانهم ومجازرهم ضد ابناء الشعب الفلسطيني.
الشعوب العربية والاسلامية لا يمكن ان تنسي كيف كان بلير يروج للحرب علي العراق، ويلفق الاكاذيب امام البرلمان البريطاني لتعبئة الرأي العام لمساندة قراره بدعمـــها وارسال قوات بريطــــانية للمشاركة فيها، ومن ابرزها قوله ان الرئيس العراقي صدام حسين يستطيع ان يجهز ترسانة اسلحة الدمار الشامل التي في حوزته في اقل من خمس واربعين دقيقة.
شخص كذب علي شعبه وضلله، وكان الاكثر حماسة بين اقرانه لخوض حرب ظالمة غير قانونية وغير شرعية، لا يمكن ان يصلح لان يكون مبعوث سلام في المنطقة نفسها التي ابتليت باكاذيبه ونتائجها المدمرة في العراق وافغانستان وفلسطين.
هذا الرجل يجب ان لا يكافأ، بل يجب ان يقدم الي المحكمة كمجرم حرب، لانه يتحمل مسؤولية مقتل اكثر من مئتي جندي بريطاني واكثر من مليون عراقي، جنبا الي جنب مع الرئيس جورج بوش وكل عصابة المحافظين الجدد ابتداء من ديك تشيني ومرورا بدونالد رامسفيلد، وانتهاء ببول وولفوفتز، ومثلما خرج الاخير من البنك الدولي مطرودا لفساده الاخلاقي، فان بلير يجب ان لا يتولي اي وظيفة عامة، او يكرم في اي منصب لان المجرم يحوم دائما في مكان جريمته.
ربما يجادل البعض بان بلير يملك خبرة طويلة في فض النزاعات، اكتسبها اثناء تعامله مع القضية الايرلندية الشمالية، وتكللت بتحقيق السلام ووقف نهائي للحرب، وكان دائما من اشد المتحمسين لايجاد حل للصراع العربي ـ الاسرائيلي، وتعهد اكثر من مرة امام مؤتمرات حزب العمال السنوية بالعمل من اجل اقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة، بل وبرر مشاركته الحماسية في حرب العراق وعلاقته الخاصة مع الرئيس بوش للتأثير علي الاخير من اجل اقامة هذه الدولة.
ايرلندا الشمالية ليست مثل قضية فلسطين، ودور بلير في الاولي مختلف كليا عن دوره في الثانية، فعندما قرر ان يطرق باب السلام في بلفاست كان رئيسا للوزراء، وكان الشعب البريطاني كله يدفع في هذا الاتجاه، بعد ان وصلت التفجيرات الي عصب المال الرئيسي في قلب لندن. اما دوره الجديد في الشرق الاوسط فلن يزيد عن دور ساعي البريد ينقل الرسائل والمواقف ويرتب اللقــاءات والمؤتمرات دون اي صلاحيات حقيقية.
بلير اقام في السلطة عشر سنوات ولم يقدم شيئا مفيدا للعرب والمسلمين خاصة علي صعيد القضية الفلسطينية، والاهم من ذلك انه عين اللورد ليفي مبعوثا له في المنطقة العربية، وهو يهودي بريطاني معروف بعلاقاته القوية مع الدولة العبرية، والغي في عهده اي دور لوزارة الخارجية البريطانية في الشرق الاوسط، تحت ذريعة ان معظم المسؤولين والخبراء فيها من المستعربين.
اثناء المجزرة الاسرائيلية في جنين كنت عضوا في وفد فلسطيني من اربعة اشخاص، زار مقر مجلس الوزراء (10 دواننغ ستريت) للقاء بلير كممثل عن الجالية لحثه علي التدخل واستخدام نفوذه لوقف هذه المجزرة. واذكر انني قلت له، بعد ان تجنب اي ادانة لاسرائيل وجرائمها، سيد بلير، هل انت مثلنا بشر، تحس باحاسيسنا، وتجري دماء في شرايينك مثل دمائنا؟ ألا تري الدبابات الاسرائيلية وهي تدك الابرياء وتهدم البيوت فوق رؤوس اهلها، الا تعلم انكم انتم البريطانيون سبب محنتنا، فإما ان تتدخل لوقف هذا العدوان واما ان تسلحوا هؤلاء الابرياء لكي يدافعوا عن انفسهم . بلير اجابني ببروده الانكليزي المعتاد بابتسامة صفراء وقال: لا استطيع ان افعل شيئا، امريكا هي الوحيدة القادرة علي الفعل، وانا ذاهب الي واشنطن بعد اسبوع وسأستخدم نفوذي لدي الرئيس بوش من اجل حل القضية الفلسطينية.
بلير ذهب الي الرئيس بوش فعلا ولم يفعل شيئا كعادته، للفلسطينيين، وانما للعراقيين، حيث ارسل اليهم المزيد من القنابل والصواريخ وفرق الموت، والفلتان الامني، والصراع الطائفي المقيت.
نفهم ان يترشح بلير لهذا المنصب لو كان داعية سلام مثل الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر، ولكنه لم يترك حربا ضد العرب والمسلمين الا وأيدها، ورفض كل ضغوط حزبه وصحافة بريطانيا للتدخل لوقف العدوان الاسرائيلي علي لبنان صيف العام الماضي، واستصدار قرار عن مجلس الامن الدولي بوقف اطلاق النار. بل وكان من اشد المتحمسين لفرض حصار مالي وتجويعي علي الشعب الفلسطيني عقابا له علي انتخاب مرشحي حركة حماس في الانتخابات التشريعية الاخيرة التي اشاد الجميع بحريتها ونزاهتها.
ترحيب الاسرائيليين الحار بتعيين بلير في منصبه الجديد، واختيار القدس المحتلة مقرا له، وصمت معظم العواصم العربية، تلخص جميعها معني هذه الخطوة والنتائج المترتبة عليها. فالرجل بدأ مهمة تخريب المنطقة ونشر الدمار والفوضي فيها عندما كان في سدة الحكم، ويريد اكمالها حتي بعد مغادرتها، وهنا تكمن الكارثة.
اللجنة الرباعية التي سيمثلها بلير او سيكون مبعوثا لها، لم تفعل شيئا مفيدا للعرب والمسلمين علي مدي الســــنوات الاربع الماضـــية، لانها لم تشكل من اجل ان تنجح، وانما لذر الرماد في العيون، والايحاء للعرب والمسلمين بان الادارة الامريكية عازمة علي حل المشكلة الفلسطينية عندما كانت تلقي حممها فوق العراق وشعبه في الحرب الاخـــــيرة. ولذلك انتهي مفعولها، اي اللجنة، بعد ان تحقق الاحتلال وأزيح النظام فـــي بغداد بالقوة.
الشعوب العربية والاسلامية يجب ان ترفع صوتها معارضة لبلير الذي يريد بوش تحويله من مجرم حرب الي داعية سلام، معتقدا ان هذه الشعوب غبية وقصيرة الذاكرة ويمكن ان تنسي بسهولة.
الاستقبال الوحيد اللائق ببلير هو قذفه بالبيض الفاسد والبندورة في اول زيارة له الي فلسطين المحتلة، او اي عاصمة عربية اخري.
 

دروس عمولات اليمامة

فاجأت صحيفة الغارديان اليومية البريطانية ومحطة تلفزيون هيئة الاذاعة البريطانية (بي.بي.سي) العالم بأسره بنشرهما تفاصيل الرشاوي والعمولات التي تلقاها الامير بندر بن سلطان السفير السعودي السابق في واشنطن، وامين عام مجلس الامن القومي السعودي في اطار صفقة اسلحة اليمامة التي اشترتها الحكومة السعودية من بريطانيا وبلغت قيمتها 43 مليار جنيه استرليني اي ما يعادل ثمانين مليار دولار وتضمنت شراء طائرات تورنيدو و هوك .

التفاصيل حول كيفية دفع هذه العمولات والرشاوي عديدة، وباتت معروفة، وربما تتضح بشكل افضل، وبالصوت والصورة، عندما تذيع الـ بي.بي.سي برنامجها المتلفز الذي يتضمن ثمرة التحقيقات واللقاءات لمعرفة الحقيقة، ولكن ما هو غير معروف، للقارئ العربي علي الاقل، الجهة التي تقف خلف هذا الكشف، وتسريب المعلومات الي الاعلام، والاسباب التي دفعت الي ذلك.
قبل الاجابة علي هذا السؤال لا بد من العودة الي الوراء قليلا، وبالتحديد الي تدخل توني بليررئيس وزراء بريطانيا شخصيا، وايقافه التحقيقات التي كانت تجريها لجنة قضائية مستقلة في الصفقة وعمولاتها، بعد تهديد المملكة العربية السعودية بقطع علاقاتها مع بريطانيا، وايقاف تعاونها في الحرب علي الارهاب، والانسحاب من صفقة اسلحة جديدة تعتزم شراءها من بريطانيا تبلغ قيمتها الاجمالية سبعين مليار دولار وتضم طائرات يورو فايتر الحديثة.
توني بلير الذي سيغادر منصبه بعد اسبوعين تقريبا، قال انه يتحمل مسؤولية اتخاذ هــذا القرار شخصــيا، لان الاستمرار في التحقيقات سيؤدي الي كشف نتائج تهدد الامـــن القــــومي البريطاني، وتلحق ضررا بالعلاقات مع دولة حليفة شاركت بفاعلية في الحربين علي الارهاب والعراق.
قرار بلير هذا اثار حالة من الاستياء في الاوساط السياسية والقضائية البريطانية، وشكل احراجا للقيم الديمقراطية الغربية، وكان بمثابة القشة التي قصمت ظهر بعير المؤسسة البريطانية الحاكمة التي هي اعلي من بلير، وتتكون من مجموعة معقدة من الحكماء في مجالات الاقتصاد والفكر والسياسة والقضاء، وتعتبر حارسة فعلية للنظام السياسي، وحكما يضبط ايقاعه، واقرب شــبه لها في العالم الثالث هـــو المؤسســة العسكرية في تركيا.
هذه المؤسسة شعرت ان بلير اساء لها، وتجاوز كل الخطوط الحمراء، وتعدي علي المؤسسة القضائية، واخترق مبدأ الفصل بين السلطات، ولهذا كان يجب ان يعاقب وهو داخل السلطة، وليس بعد ان يغادرها، حتي يخرج منها ذليلا منبوذا فاقدا اي مصداقية داخلية او خارجية.
فالاسرار التي نشرتها الصحف البريطانية جاءت في الغالب من لجنة التحقيقات التي قمعها بلير، او جهات قريبة منها، او مصادر من داخل وزارة الدفاع البريطانية، او الاثنين معا. لان القضاء البريطاني لا يتسامح في نشر اي معلومات كهذه لا تستند الي وثائق دامغة. وقد اخذ الامير بندر نفسه صحيفة الغارديان الي القضاء قبل عشر سنوات عندما لمحت مجرد التلميح الي مسألة العمولات والرشاوي ودوره فيها واجبرها علي الاعتذار في صدر صفحتها الاولي، لانها لم تملك الوثائق التي تؤكد مزاعمها في حينه.
المؤسسة البريطانية ارادت ان توجه صفعة الي توني بلير والنائب العام الذي سانده بفتاوي قانونية تمنع الاستمرار في التحقيقات. وكأنها حرصت ان تقول له انت اردت اخفاء اسماء اصدقائك في المملكة العربية السعودية المتورطين في العمولات، ومنع نشر حجم الاموال المدفوعة (مليارين ونصف المليار دولار فقط للامير بندر) ها نحن نسربها للصحافة وننشرها امام الرأي العام البريطاني، فسمعة القضاء ومصداقيته واستقلاليته اهم من عشرات المليارات تدخل جيوب المساهمين في شركة الاسلحة ومصانعها، مثلما هي اهم من بضعة آلاف من الوظائف يتم ايجادها للعاطلين عن العمل في بريطانيا.
ومن هنا فاننا نعتقد ان كرة الثلج قد بدأت في التدحرج، فبالامس كشفت الصحف البريطانية عن احتمال التحقيق مع النائب البريطاني العام غولدسميث بتهمة اخفاء الحقائق وعرقلة سير القضاء، ولن نستغرب اذا ما بدأنا نقرأ في الايام القليلة المقبلة اسماء متورطين آخرين من داخل الأسرة الحاكمة في السعودية او خارجها من الذين تورطوا بطريقة او بأخري في صفقة العمولات هذه.
هذه الفضيحة مست بريطانيا في نقطة حساسة جدا، في مركز تجمع عصبها الديمقراطي، ونخاع هيبتها القضائية، فهي لا يمكن ان تستمر في وقف التحقيقات في صفقة فساد بحجة الدفاع عن امنها ومصالحها، وتعطي محاضرات في الوقت نفسه عن الفضيلة والشفافية والحفاظ علي المال العام للقادة في العالم الثالث، وخاصة في القارة الافريقية، ولهذا كان لا بد من انقاذ شرف المؤسسة البريطانية وقيمها بهذه الطريقة الحاسمة وغير المسبوقة.
دروس كثيرة يمكن استخلاصها من نقطة التحول الاساسية هذه في صفقات الفساد في العالم العربي علي وجه الخصوص، ابرزها ان الزمن الذي كان يعقد فيه الحكام العرب صفقات اسلحة من اجل العمولات فقط قد ولي الي غير رجعة، فلا حصانة بعد اليوم لاي مسؤول يحاول نهب المال العام، لان الحقائق ستظهر ولو بعد عشرين عاما، مثلما حدث مع صفقة اليمامة هذه.
المؤلم انه رغم الايجابيات الكثيرة للكشف عن صفقة العمولات هذه، فان السلبية الاخطر تتمثل في ارتباط اسم العرب بالفساد والرشاوي والعمولات ونهب المال العام، واستخدام سلاح المال والنفط لافساد المؤسسات القضائية للدول الاخري.
الحكومة السعودية ربما تعتبر ما ينشره الاعلام البريطاني حول رشاوي صفقة اليمامة جزءا من الحملات الصهيونية ضد المملكة مثلما جرت العادة، او تذهب الي ما هو ابعد من ذلك وتســحب ســـفيرها من بريطـــانيا، او تلغي صــفقة طائــرات يوروفايتر انتــقاما. ولكن هذا لن يغــير كثــيرا من الحقــيقة، وربما يرتد عكســـيا عليها، ويزيد من الخســائر بدلا من ان يقللها.
يسجل للاعلام البريطاني، ورغم بعض تحفظاتنا علي بعضه، وتغطياته لهمومنا وقضايانا، انه انتصر للحقيقة، ووقف الي جانب مصالح مواطنيه، ولم يساوم علي قيم العدالة والشفافية والحريات وسيادة القانون ومبدأ الفصل بين السلطات، ونأمل ان يأتي اليوم الذي يرتقي فيه اعلامنا العربي الي هذا المستوي من المسؤولية المهنية والاخلاقية.
 

السعودية وبريطانيا: من يبتز الآخر؟

نجحت الأسرة الحاكمة السعودية في استخدام عضلاتها المالية بشكل كبير، وتوجيه ضربة قاتلة الي حكم القانون، والقضاء المستقل في بريطانيا، عندما اجبرت الحكومة البريطانية، ورئيسها توني بلير علي وجه التحديد، علي ايقاف التحقيقات في عمولات صفقة طائرات تورنيدو التي وصفت حين توقيعها، قبل عشرين عاما، بانها صفقة القرن بسبب ضخامة قيمتها (45 مليار جنيه استرليني) وكثرة عدد السماسرة المتورطين فيها.

التدخل السعودي بلغ ذروة شراسته عندما هددت الحكومة السعودية بالغاء صفقة طائرات اليوروفايتر الجديدة التي جري توقيعها قبل اشهر معدودة وبلغت قيمتها عشرين مليار دولار، ويمكن ان تصل الي سبعين مليارا في غضون اعوام محدودة، بل وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتردد انها امهلت حكومة بلير عشرة ايام لحسم امرها، في هذه المسألة، وإلا ستلغي كل شيء، وتعطي الصفقة، وصفقات اخري مستقبلية الي منافسي بريطانيا، اي فرنسا والولايات المتحدة.
هذا النزق الرسمي السعودي جاء بعد ان اقتربت التحقيقات من الحسابات السرية لاثنين من الوسطاء، احدهما رجل اعمال سوري، والآخر وزير لبناني في حكومة الحريري، وكادت ان تكشف حجم العمولات الضخمة التي ذهبت الي كبار الأمراء، وبلغت ارقاما خيالية، يقدرها البعض بثلاثة مليارات دولار علي الأقل.
فالرجلان كانا مجرد واجهة لأمراء تفاوض بعضهم علي الصفقة، وأقرها بحكم مكانته ونفوذه، ولدرجة طلب رفع سعر طائرة التورنيدو بنسبة 35% لزيادة نسبة العمولة.
انها عملية ابتزاز بكل المقاييس كانت الحقيقة ابرز ضحاياها جنباً الي جنب مع سمعة القضاء البريطاني، والقيم الديمقراطية الغربية، ومسألة الفصل بين السلطات التي تحتل قمتها، وتشكل اسس نجاح المجتمع الغربي وتقدمه.
الحكومة البريطانية ابتزت المملكة العربية السعودية، وأسرتها الحاكمة، عندما أوعزت للجنة مكافحة الفساد بفتح تحقيقات في صفقة اليمامة وعمولاتها، لإجبارها علي شراء اسلحة وطائرات بريطانية توفر وظائف لأكثر من خمسين الف بريطاني، عندما ادركت حجم العوائد المالية السعودية الضخمة من جراء ارتفاع اسعار النفط (بلغت 250 مليار دولار سنويا في المتوسط)، وأرادت ان تأخذ نصيبها منها.
فالبريطانيون الذين يتميزون علي نظرائهم الغربيين بالمكر والدهاء، يعرفون جيدا كيف يجمعون اوراق الضغط، ومتي يستخدمونها، وصفقة العمولات هذه كانت احداها، فهم يدركون، اي البريطانيون، ان الأمراء الكبار المستفيد الاكبر من العمولات، سيرضخون لأي مطالب مهما بلغت ضخامتها، مقابل عدم الكشف عن اسمائهم او عمولاتهم.
السعوديون ابتزوا الحكومة البريطانية ايضا، عندما ادركوا مدي ضعف رئيسها توني بلير، وحاجته الي المضي قدماً في صفقة الطائرات الجديدة، والحفاظ علي علاقات التحالف مع السعودية لإنقاذ مشروعه الفاشل والكارثي في العراق اولا، والاستناد اليها كنواة في التحالف السني الجديد الذي تعمل حاليا علي تأسيسه، للتصدي للبرنامج النووي الايراني، وتوفير غطاء عربي واسلامي لأي ضربة قادمة لتدميره اذا اقتضي الأمر.
ضحية هذين الابتزازين السعودي والبريطاني هما الشعبان السعودي والبريطاني اولا، والأمتان العربية والاسلامية ثانيا. وقيم العدالة والاخلاق ثالثا. وسمعة بريطانيا كقلعة للديمقراطية والشفافية والحريات والقضاء المستقل رابعاً.
الشعب السعودي الذي يعاني من البطالة ونقص الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية، هو الخاسر الاكبر لأن امواله هي التي تسرق وتبدد، وتذهب لشراء اسلحة بمئات المليارات من الدولارات، ليس من اجل الحفاظ علي امنه الوطني، ونصرة القضايا العربية والاسلامية، وانما من أجل العمولات التي تستفيد منها نسبة محدودة من الامراء وحاشيتهم.
فهذه الاسلحة، قديمها وحديثها، لم تستخدم مطلقا في اي حرب، رغم ضخامة قيمتها، وعندما تعرض امن المملكة للخطر، بعد اجتياح الكويت، ظلت هذه الأسلحة في مخازنها، وتم اللجوء لنصف مليار جندي امريكي للقيام بالمهمة، وحتي الطائرات السعودية التي انطلقت لضرب بغـــداد فشلت معظمها في تحقيق اهدافها، وبعضها لم يعد، وسقط طياروها اسري لدي العراقيين.
توني بلير الحق من الأضرار ببلاده ما لم يلحقه عشرات رؤساء الوزراء السابقين مجتمعين. فقد ورطها في حرب دموية في العراق وافغانستان، أودت بحياة العشرات من جنودها، وشوهت سمعتها في اوساط مليار ونصف المليار مسلم، وعرضت ارواح مواطنيها للخطر عندما وصلت الهجمات الارهابية الي قلب مترو الانفاق في عاصمتها لندن. وها هو الآن يضرب قيمها الديمقراطية العريقة في الصميم بايعازه للمدعي العام بوقف التحقيقات في صفقة الطائرات والعمولات. وهو المدعي العام نفسه الذي قدم له فتوي قانونية مضللة لتغطية تورطه في حرب العراق دون قرار دولي من الامم المتحدة.
الحكومة البريطانية الحالية فقدت مصداقيتها كحكومة ديموقراطية، عندما قدمت المصالح التجارية علي حكم القانون، والقيم الاخلاقية، وهي لا تستطيع بعد اليوم ان تلقي علي العرب والمسلمين، والعالم الثالث بشكل عام، دروسا ومحاضرات في الديمقراطية وحقوق الانسان ومكافحة الفساد.
فقرارها بوقف التحقيقات في صفقة فساد تشريع للفساد، ومأسسة له، وجعله حقا قانونيا مشروعا، والتستر عليه بات من سخرية القدر مسألة حتمية لحماية الامن الوطني الامر الذي سيشجع الكثيرين في العالم الثالث علي وجه الخصوص، علي ممارسته في وضح النهار مسجلة بذلك سابقة ليس لها مثيل في تاريخها او تاريخ الديمقراطيات العريقة.
نشعر بالحزن والأسي، لأمرين اساسيين، الاول هو عدم قدرتنا علي الترويج للنموذج الغربي في العدالة والقضاء المستقل والفصل بين السلطات وانتقاد الأنظمة الديكتاتورية العربية التي تقمع الحريات وتحول القضاء الي مسخرة بتدخلاتها الاستفزازية. والأمر الثاني اننا كعرب اصبحنا رمزا للفساد والإفساد في العالم. بل بتنا نصدر هذا الفساد الي العوالم الاخري، بدلا من تقديم نموذج في العدالة والشفافية والاصلاح والمساواة والتوزيع العادل للثروة، وهي من صميم قيمنا واساس عقيدتنا الاسلامية.
وما يؤلمنا اكثر ان عملية الابتزاز للسعودية وحكومتها لن تتوقف، فقد يؤدي هذا النجاح والتهديدات التي سبقته الي تشجيع الحكومات البريطانية القادمة علي فتح ملف التحقيقات هذه مجددا، في الصفقات القديمة او الحالية، لإجبار الأسرة الحاكمة السعودية علي انفاق العشرات من المليارات لشراء اسلحة جديدة ومن بريطانيا بالذات. انه نجاح اخطر بكثير من الفشل علي اي حال.
 

محنة المسلمين في بريطانيا

ان تكون مسلما في بريطانيا، فهذه تهمة عليك ان تظل دائما في حال استعداد دائم لكي تدافع عن نفسك، وتثبت بالادلة والقرائن انك لست ارهابيا، وانه لا يوجد اي متطرف بين افراد اسرتك، ولو وجد مثل هذا الشخص فانك علي استعداد للاتصال باجهزة الاستخبارات البريطانية للتبليغ عنه، او تسليمه لاقرب مخفر شرطة.

فصورة المسلم في الغرب باتت محصورة في شخص متطرف شاهر سيفه، ويلف حزاما ناسفا حول وسطه، ويبحث عن ضحايا لتفجيرهم دون اي ذنب او سبب جوهري، غير القتل، اي القتل للقتل، مثل الشعارات التي اطلقها نقاد فترة السبعينات، اي الفن للفن، او الضحك للضحك.
فانت موضع شبهة من قبل الجيران اذا كانت زوجتك او ابنتك محجبة، او زارتك سيدة او قريبة محجبة، وتبلغ حالة العصاب ذروتها اذا كانت هذه القريبة او الزوجة او الابنة منقبة، او مبرقعة.
وانت مشروع عملية ارهاب، او خطف طائرة، اذا كنت مغادراً مطار هيثرو او اي مطار آخر في المدن البريطانية، خاصة اذا كنت ملتحيا، او تحمل حقيبة علي ظهرك علي غرار تلك التي استخدمها مفجرو قطارات مترو انفاق لندن.
في الاسبوع الماضي كنت مدعوا لالقاء محاضرة في جامعة ترينتي المشهورة في دبلن عاصمة ايرلندا الجنوبية، تحت عنوان السياسة الامريكية في المنطقة العربية ودورها في تصعيد التطرف الرحلة داخلية ورغم ذلك كانت الاجراءات الامنية مشددة للغاية، ليس بسبب العنصر الايرلندي، فقد انتقل الايرلنديون من قائمة الارهاب الي قائمة المسالمين، وحل المسلمون مكانهم في هذا التصنيف، واصبح هؤلاء هم الهدف وهم الخطر.
امروني ان اخلع نعلي، وحزامي، وفتشوا حقيبتي اليدوية بدقة متناهية وصادروا كل ما فيها من سوائل، بما في ذلك معجون الحلاقة والاسنان، وقصاصة الاظافر، وعندما مررت داخل حاجز كشف المعادن الاليكتروني، طلب مني الموظف ان انتحي جانبا، وقام بتفتيشي جسديا، وعندما احتججت بان الحاجز الاليكتروني لم يزمر وكان صامتا صمت القبور قال انها الاجراءات الامنية وعلي الطاعة.
انتحيت جانبا لكي اتحقق ما اذا كانت هذه الاجراءات تنطبق علي الجميع، ولكن الحال لم يكن كذلك مطلقا، ولاحظت ان من يتعرضون لمثل هذه المعاملة هم اصحاب الملامح الشرق اوسطية او ابناء شبه القارة الهندية، او بالاحري من يمكن ان يكونوا من المسلمين. اما اصحاب البشرة البيضاء والعيون الزرق فيمرون بامان.لست ملتحيا، ولا احمل حقيبة علي ظهري، كما انني تجاوزت مرحلة المراهقة بعقود، ومع ذلك كان لا بد من التفتيش، الشيء الوحيد ربما الذي يكشف عن هويتي هو شاربي الذي يشبه شوارب حراس الرئيس العراقي صدام حسين عندما كان يصول ويجول في العراق قبل غزوه وتدميره.
لا يمر اسبوع تقريبا دون ان يحتل المسلمون العناوين الرئيسية في الصحف ونشرات الاخبار التلفزيونية.. انها حملة ارهاب نفسية منظمة تنخرط فيها اجهزة متعددة، تبدأ من رئيس الوزراء، وتمتد الي رئيس المعارضة، وتصل الي صحف شعبية يمينية تنضح حقدا وضغينة وعنصرية.
فبعد ان ألقي توني بلير رئيس وزراء بريطانيا مسؤولية ارهاب السابع من تموز (يوليو) العام الماضي علي الجالية الاسلامية لانها لا تكافح المتطرف، ولا تتعاون مع البوليس لتنظيف صفوفها من الارهابيين، ها هي حكومته تطالب، مثلما كشفت صحيفة الغارديان البريطانية المحترمة امس، من المحاضرين وموظفي الجامعات في مختلف انحاء البلاد التجسس علي الطلاب المسلمين ذوي الملامح الآسيوية والشرق اوسطية، الذين يشتبه بانهم متطرفون اسلاميون ويدعمون الارهاب.
جاك سترو وزير الخارجية البريطاني السابق بدأ يقرع اجراس هذه الحملة عندما هاجم النقاب بشدة، وقال انه يمنع اندماج الجالية الاسلامية في المجتمع البريطاني، واضاف انه يطالب المنقبات في دائرته الانتخابية بخلع نقابهن اذا اردن الحديث معه لانه لا يمكن الحديث بشكل فاعل دون مشاهدة تعابير الوجه للشخص المقابل.
ولا نعرف كيف تعرقل خمسة آلاف امرأة، هو مجموع عدد المنقبات في بريطانيا اندماج جالية يبلغ تعدادها مليونا ونصف المليون شخص في هذا البلد. ثم لماذا الحديث مع هؤلاء من قبل اجانب اغراب او كفار وهن لا يتحدثن اساسا مع مسلمين الا في حالات الضرورة القصوي.
الهجوم علي الاسلام والمسلمين في بريطانيا بات موضة وموضوعا مثيرا في كل الاوساط السياسية والاعلامية في بريطانيا، حملات مغرضة تهدف الي شيطنة المسلمين، والصاق تهمة الارهاب بهم، حتي يتحولوا الي جالية منبوذة تشكل خطرا علي امن البلاد واستقرارها.
هذه الحملات تأتي في اطار سياسة التخويف التي تتبعها حكومة بلير للتغطية علي سياساتها الخارجية وحروبها الفاشلة والكارثية في العراق وافغانستان وتحويلها بريطانيا الي عميل صغير تابع لإدارة الرئيس بوش. الجالية الاسلامية تتحول الي كبش فداء لتحويل الانظار عن هذا الفشل.
وليس صدفة ان تتصاعد هذه الحملة مع نشر تقرير لمجلة لانست البريطانية الطبية المحترمة لدراسة اجراها باحثون في جامعة جون هوبكنز الامريكية، وليس جامعة صنعاء او عمان، يؤكد مقتل 655 الف عراقي من جراء الحرب الامريكية ـ البريطانية علي العراق.
وليس صدفة ايضا ان تنشغل معظم وسائل الاعلام تقريبا في مناقشة قضية مدرّسة منقبة طردت من عملها لانها رفضت ان تخلع النقاب في وقت يؤكد فيه الميجور جنرال دانات رئيس هيئة اركان الجيش البريطاني فشل الحرب في العراق في تحقيق الديمقراطية والاستقرار، وتحول وجود القوات البريطانية الي مصدر للتوتر والعنف، ومطالبته بسحبها فورا، وهي النتيجة نفسها التي توصل اليها تقرير قدمه للكونغرس 16 جهازا امنيا استخباريا امريكيا قبل اسبوعين.
السياسة الخارجية البريطانية الظالمة والحاقدة هي التي تهدد أمن بريطانيا وليس حفنة من المنقبات. والنظرة المتشككة بالجالية الاسلامية والضغوط الاعلامية المتواصلة عليها والصاق تهمة الارهاب بابنائها، هي التي تصب في مصلحة التطرف ومنظماته، وهي التي تعرقل الاندماج، وتخلق غيتوهات اسلامية في بريطانيا.
مسموح للفتيات ان يسرن شبه عاريات في الشوارع، ويسحلن سراويلهن الي ادني مستوي بحيث تظهر ملابسهن الداخلية الفاضحة، ولكنه غير مسموح بأقلية الأقلية من المسلمات بتغطية وجوههن، ويتحدثون في الوقت نفسه عن تقديس الحريات الشخصية، ويتدخلون لتحرير المرأة في البلدان العربية والاسلامية.
الإرهابي الحقيقي ليس الذي يطلق لحيته او يتعبد في مجلسه او الذي يتحدث عن مظالم ابناء عقيدته، وانما هو الذي يقتل مئات الآلاف في العراق وفلسطين ولبنان وافغانستان، ويرفض ان يقر بأن حرب الابادة هذه هي سبب التطرف والاحباط في اوساط الجاليات الاسلامية.