افغانستان

امريكا تخطط لتشكيل “جيش سني” على غرار “البشمرغة” لمحاربة “الدولة الاسلامية” فهل سيكون حظة افضل من قوات “الصحوات”؟ وهل صحيح انها وافقت على شروط اردوغان؟

عبد الباري عطوان

اذا صحت الانباء المتسربة عن لقاءات ومباحثات وفد العشائر العراقية الذي يزور واشنطن الآن بدعوة من ادارة الرئيس باراك اوباما وتفيد بأن هذه الادارة اعربت عن نيتها تشكيل “قوات سنية” قوامها مئة ألف مقاتل تتولى تسليحها وتدريبها بمعزل عن الحكومة العراقية للتصدي لقوات “الدولة الاسلامية”، وتولي مهمة اخراجها من المناطق التي تسيطر عليها، فإن هذه الخطوة تعني تكريس تقسيم العراق على اسسس طائفية وعرقية، والتأسيس لحرب اهلية في مرحلة لاحقة.
ادارة الرئيس اوباما تتصرف هذه الايام وكأنها الحكم الفعلي للعراق رغم انسحاب قواتها، وانتخاب حكومة عراقية، والا كيف تدعوا وفدا من العشائر وقادة التنظيمات “الميليشاوية” الى عاصمتها، وتبحث معهم تشكيل هذا الجيش وتسلحه وتدربه، تماما مثلما تتعاطى، وبقرار من الكونغرس، مع قوات “البشمرغة” الكردية في شمال العراق؟ وكيف تقبل حكومة السيد حيدر العبادي في بغداد ان تجري هذه الامور الخطيرة امام بصرها وكأنها شاهد زور؟
***
اخذ ادارة واشنطن زمام المبادرة بالصورة التي نراها، والتفكير في تشكيل جيش من الطائفة السنية لمحاربة “الدولة الاسلامية” هو عودة مباشرة الى تجربة قوات الصحوات سيئة الصيت، وتغيير المسمى فقط، اما المهمة واحدة، والنتيجة ايضا ربما ستكون نفسها.
الجنرال ديفيد بترايوس “مخترع″ هذه الصحوات عام 2007 لتصفية تنظيم “القاعدة” والحد من انشطته الدموية التي بلغت ذروتها في حينها من خلال استخدام السيارات المفخخة وتحويل مدينة بغداد وجوارها الى جحيم عنوانه ثلاثة آلاف قتيل شهريا، وثلاثة اضعاف هذا الرقم من الجرحى، هذا الجنرال يتبنى تجربته حرفيا زميله الجنرال المتقاعد جون الين المبعوث والمستشار العسكري للرئيس اوباما في العراق وسورية.
السيد العبادي رئيس وزراء العراق الذي قدم نفسه على انه الرجل الذي سيوحد العراق ويكرس هويته الجامعة، ويمحو كل اخطاء سلفه السيد نور المالكي الطائفية الكارثية، تحدث عن تشكيل قوات “حرس وطني” من ابناء القبائل والعشائر تكون بمثابة “صحوات” حكومية، ولكن بداياته لم تكن موفقه بسبب عدم نجاحه (حتى الآن) في تقديم نفسه وحكومته كبديل مختلف يطمئن ابناء الطائفة السنية ويكسب ثقتهم، ويستوعبهم في الدولة ومؤسساتها على قدم المساواة مع اشقائهم من ابناء الطائفة الشيعية.
صحيح ان السيد العبادي ورث تركة ضخمة من الفساد والفاسدين معظمها يتركز في المؤسستين العسكرية والامنية، وكان جريئا عندما اعلن يوم امس انه اكتشف وجود 50 الفا من الجنود “الوهميين” في اربع فرق عسكرية يقبضون رواتبهم وهم في منازلهم، ولكن الرجل لا يملك “الكاريزما” التي تجعله يكسب ثقة معظم العراقيين، ويتصدى الى خطر غير مسبوق يتمثل في “الدولة الاسلامية”.
الادارة الامريكية التي يجمع معظم المحللين العسكريين والسياسيين في واشنطن وعواصم اوروبية على تخبط استراتيجيتها العسكرية في الشرق الاوسط وفشلها، وتخطط للانتقال من الدفاع الى الهجوم في حربها ضد “الدولة الاسلامية”، وباتت تميل اكثر الى قبول شروط الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في اقامة مناطق عازلة، واخرى لحظر جوي وتدريب المعارضة السورية المسلحة، فقد ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” اليوم (الاثنين) ان ادارة اوباما باتت على وشك التوصل الى اتفاق مع الحكومة التركية لاقامة مناطق الحظر المذكورة على طول الحدود السورية التركية.
اقتراب الادارة الامريكية من الموافقة على الشروط التركية للدخول في الحرب ضد “الدولة الاسلامية” بريا وجويا، يعني توسيع نطاق هذه الحرب بحيث تشمل الهدف القديم الجديد اي اسقاط النظام السوري ايضا، لان الرئيس اردوغان لا يمكن، مثلما قال في اكثر من مناسبة لن يدخل اي حرب ضد “الدولة الاسلامية” طالما لم تشمل موافقة امريكية على اطاحة النظام السوري.
الاستراتيجية الهجومية الامريكية قد تؤدي الى توسيع نطاق الحرب وعدم الاستقرار في المنطقة، وهذا ما يفسر مطالبة السيد وليد المعلم وزير خارجية سورية اصدقاء بلاده الروس اثناء زيارته الاخيرة لموسكو (انتهت الخميس الماضي) بتسليم صواريخ “اس 300″ المضادة للطائرات تحسبا لاقامة مناطق الحظر الجوي.
***
العام الميلادي الجديد الذي نقف على اعتابه ربما يكون مختلفا عن العام الحالي فيما يتعلق بالملفين السوري والعراقي، عنوانه اقامة جيوش طائفية وتكريس الانقسامات المذهبية الحالية.
العنصر الرئيسي الذي يمكن ان يكون عنوان نجاح الاستراتيجية الامريكية او فشلها هو صمود “الدولة الاسلامية” او عدمه، وثقة ابناء الانبار والمحافظات العراقية الاخرى بمشروع الصحوات الامريكي الجديد وهم الذين لدغوا من الحجر نفسه قبل ذلك.
لا نضيف جديدا اذا قلنا ان المهمة الامريكية محفوفة بالمخاطر، ولكن الجديد الذي نقوله بكل ثقة ان التورط الامريكي في الملفين العراقي والسوري لا يمكن ان يكون افضل حالا من سابقه، واسقاط النظام السوري ليس بالسهولة التي يعتقدها الرئيس اردوغان وهزيمة “الدولة الاسلامية” ليست واردة في المستقبل المنظور لانها تزداد قوة، وفشل التحالف الامريكي يخدمها، مثلما تخدمها حالة فوضى السلاح التي تجتاح المنطقة.

اوباما يمهد من استراليا لتدخل بري واسع في العراق وسورية تحت “ذريعة” محاربة “الدولة الاسلامية” في حال سيطرتها على اسلحة نووية.. اين هذه الاسلحة؟ ومن غير اسرائيل يملكها؟ ولماذا هذا الشرط الآن؟

عبد الباري عطوان
من يعيش في الغرب، ويتابع اساليب الحكومات في التمهيد التدريجي، او تسويق مواقف سياسية وعسكرية معينة للرأي العام، يدرك جيدا ان الرئيس الامريكي باراك اوباما عندما يقول في مؤتمر صحافي عقده على هامش قمة العشرين الاقتصادية في مدينة بريزبين الاسترالية اليوم (الاحد) “لن نتردد في ارسال وحدات برية الى المنطقة في حال سيطرت قوات “الدولة الاسلامية” على سلاح نووي مثلا، لكننا نريد ان تتولى قوات الامن العراقية مهامها”، فإن هذا يعني، وللوهلة الاولى، ان القرار بإرسال قوات امريكية الى العراق وسورية ربما جرى اتخاذه مبكرا وينتظر الذريعة، واننا على ابواب مرحلة التنفيذ.
الرئيس اوباما ضاعف عدد القوات الامريكية البرية في العراق الى 3100 جندي، واكد قبل اسبوع ان العدد سيرتفع، وان قوات اخرى في الطريق، وبرر ارسال هذه القوات، قديمها وجديدها لتدريب الجيش العراقي واعادة تأهيله عسكريا حتى يتمكن من التصدي لقوات “الدولة الاسلامية”.

***

لا نعتقد ان تدريب القوات العراقية يحتاج الى هذا العدد الضخم من المدربين والمستشارين، الا اذا كان تعداد هذا الجيش سيصل الى الملايين من الضباط والجنود، ونرجح ان هناك خطة امريكية عراقية مشتركة، لعودة قوية للتدخل العسكري الامريكي في العراق وسورية، ولكن من “نافذة” محاربة “الدولة الاسلامية”، اي انها لن تكون قوات غازية وانما صديقة، ولكن ما هو الثمن الذي تنتظره واشنطن؟
ما يجعلنا نميل الى هذا الاعتقاد عدة مؤشرات على درجة كبيرة من الاهمية نلخصها في النقاط التالية:
ـ اولا: هناك اجماع في اوساط معظم المحللين العسكريين الامريكيين بأن القصف الجوي الامريكي لتجمعات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية لم يحقق الا القليل من النجاح في اضعافها والحد من قوتها، وانه لا بديل عن وجود قوات على الارض.
ـ ثانيا: توارد انباء كثيرة، ذات مصداقية، من مصادر غربية عن قيام “المستشارين” الامريكيين بمرافقة القوات العراقية في حربها لاستعادة مدن وبلدات في اقليم الانبار، وكذلك فك الحصار عن مدينة بيجي حيث توجد مصفاة النفط التي توفر ستين في المئة من احتياجات البلاد من المشتقات النفطية الضرورية مثل البنزين والمازوت.
ـ ثالثا: زيارة الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة اركان الجيوش الامريكية فجأة الى العراق، وتقدمه بعرض لاشراك قوات امريكية في المعارك التي قد تنطلق في الاماكن الخطرة (نينوى والحدود العراقية السورية) ضد تنظيم الدولة الاسلامية وهو العرض الذي قال السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي انه رفضه.
ـ رابعا: رفض معظم اعضاء التحالف من العرب، مثل المملكة العربية السعودية والاردن والامارات وقطر علاوة على تركيا ارسال قوات برية الى العراق وسورية، ورفض السيد العبادي في المقابل وجودها على ارض بلاده لانه يعتقد “ان العراق لا يحتاج الى اي قوات اجنبية برية، وان الجيش العراقي، مدعوما بالحشد الشعبي وابناء العشائر قادر على انجاز مهامه دون تدخل خارجي”.
تصريحات السيد العبادي حول رفض اي قوات ارضية امريكية ربما تأتي للتغطية على اتفاق جرى التوصل اليه فعلا اثناء زيارة الجنرال ديمبسي الخاطفة الى بغداد بأرسال المزيد من القوات الارضية الامريكية، لان نفيه لا معنى له عمليا، ويعكس تناقضا “غير مفهوم” فالقوات الامريكية الارضية موجودة فعلا وتتزايد، وهذا اولا، وثانيا لا نرى اي فرق بين قوات ارضية او جوية، فالاستعانة بقوات اجنبية قد تمت من حيث المبدأ والباقي تفاصيل.
نقطة اخرى لا يمكن تجاهلها وتتلخص في قول الرئيس اوباما انه لن يتردد في ارسال وحدات برية امريكية الى المنطقة اذا سيطرت “الدولة الاسلامية” على سلاح نووي، فأين يوجد هذا السلاح النووي حتى تسيطر عليه هذه الدولة؟ في العراق او سورية ام ايران؟
الدولة الوحيدة في المنطقة التي تملك اسلحة نووية هي اسرائيل فهل تملك “الدولة الاسلامية” وقواتها القدرة في الوقت الراهن للوصول الى مفاعل ديمونا، او مخازن الرؤوس النووية الاسرائيلية والاستيلاء عليها وكيف؟
***
لا بد ان هناك “طبخة” امريكية يجري اعدادها للمنطقة بأسرها، عنوانها عودة القوات الامريكية الى العراق، ولكن تحت ذريعة حماية المنطقة من خطر “الدولة الاسلامية”، وترددت انباء في اكثر من عاصمة غربية، ان هناك خطة مطروحة فعلا لارسال ثمانين الف جندي، اي نصف عدد القوات التي احتلت العراق عام 2003.
وربما لم يكن من قبيل الصدفة اقدام “الدولة الاسلامية” على اعدام الجندي الامريكي السابق الذي كان رهينة لديها (بيتر كاسيغ) امام الكاميرات في منطقة “دابق” وقول متحدث بإسمها انه “اول صليبي” يدفن فيها، وانها تنتظر (اي الدولة) بلهفة باقي الجنود الامريكيين لدفنهم في المنطقة نفسها.
الرئيس باراك اوباما قال في حديث لمحطة تلفزيونية امريكية ان بلاده ستنتقل الى مرحلة الهجوم في حربها ضد “الدولة الاسلامية”؟ فهل حمل الجنرال ديمبسي هذه الخطة الهجومية وتفاصيلها الى نظرائه العراقيين؟ وهل نحن امام احتلال امريكي جديد للعراق وربما سورية ايضا؟ وهل ستكرر امريكا الاخطاء نفسها ام ستتعلم منها في المرة المقبلة؟
احتمالات غرق امريكا في المستنقع الدموي العراقي السوري مرة اخرى، وبعد ثلاث سنوات من انسحابها، كبيرة، بل كبيرة جدا، وسيكون تدخلها مكلفا لها ولأهل المنطقة، قلنا هذا اثناء غزو عام 2003 ونكرره الآن دون تردد، والايام والاشهر المقبلة حبلى بالمفاجآت.

امريكا تعيد احتلال العراق من “نافذة الدولة الاسلامية” وبدعوة من حكومته.. وعدد قواتها يتضاعف يوما يعد يوم.. فهل تنجح هذه المرة فيما فشلت فيه في المرة السابقة؟

تعيد الولايات المتحدة احتلالها للعراق مرة ثانية تحت عنوان تأهيل القوات العراقية وتدريبها لمواجهة “الدولة الاسلامية”، ولكنه احتلال سيتم هذه المرة بموافقة الحكومة العراقية والحاحها.
وزارة الدفاع الامريكية “البنتاغون” اعلنت يوم الجمعة الماضي انها ستضاعف عدد عسكرييها في العراق بإرسالها 1500 مستشار عسكري اضافي لتدريب ومساعدة القوات العراقية بما فيها قوات البشمرغة الكردية في حربها ضد “الدولة الاسلامية” في اطار استراتيجية الولايات المتحدة في “دعم الشركاء في عين المكان”.
السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الجديد الذي رفض وجود اي قوات عربية او اسلامية على ارض العراق لقتال “الدولة الاسلامية” الى جانب القوات العراقية رحب بشدة بهذه الخطوة الامريكية التي قالت الادارة الامريكية انها ترسل هذه القوات بناء على طلبه.
الرئيس اوباما قال في تصريحات ادلى بها السبت ان هذه القوات لن تشارك في القتال بل ستركز على تدريب المجندين العراقيين وعدد من العشائر السنية التي تقاتل “الدولة الاسلامية”، ولكن ارسال هذه القوات الامريكية الى محافظة الانبار بالذات يكذب هذه الاقوال ويؤكد انها ستذهب الى هذه المنطقة للقتال وادارة المعارك، والا لماذا لا تتم عمليات التدريب هذه في محافظات اخرى في الجنوب مثلا؟
هذه القوات الامريكية التي تتضاعف اعدادها يوما بعد يوم (وصلت حتى الآن الى 3100 “خبير” عسكري وجندي) هي قوات احتلال وليست قوات تدريب، ومن يقول غير ذلك يغالط نفسه، قبل ان يغالط الآخرين، خاصة عندما تأتي هذه بناء على طلب حكومة عراقية “تباهت” بأنها حررت العراق وانهت الاحتلال الامريكي ورفضت بقاء جندي واحد على ارض العراق، عندما رفضت منح الحصانة لاي قوات امريكية تبقى بعد الانسحاب الشامل.
لا نعتقد ان حكومة السيد العبادي، التي من المفترض ان تكون دائرة تمثيلها للعراقيين اوسع من حكومة السيد نوري المالكي، ستجد التأييد من قطاعات عريضة من الشعب العراقي من ابناء الطائفتين الشيعية والسنية لخطوتها هذه بإستدعاء قوات امريكية لاعادة احتلال العراق، وانتهاك سيادته الوطنية، تحت ذريعة محاربة “الدولة الاسلامية”.
وجود هذه القوات الامريكية على ارض العراق سيكون عامل توتر، وتكريس للطائفية في العراق، وسيصب في مصلحة “الدولة الاسلامية”، واضفاء طابع وطني على وجودها وحروبها، وغير وطني بل و”عمالة” على من استدعوها لحمايتهم منها، فالشعب العراقي، بل معظمه، لا يمكن ان ينسى ان معظم ازمات بلاده الحالية، وتحويلها الى دولة فاشلة، تمزقها الصراعات الطائفية، جاءت بسبب الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003، بل ان “الدولة الاسلامية” نمت وترعرعت، واشتد عودها لان هذا الاحتلال ومجازره وفر لها البيئة الحاضنة والمناخ الملائم.
الاحتلال الامريكي هو الذي حلّ الجيش العراقي وقوات الامن، ومارس كل انواع الاذلال ضدهم، وقذف بهم الى الشارع استجابة لنصائح حلفائه الذين قدموا على ظهور دباباته، وها هم يعودون مقاتلين شرسين تحت مظلة “الدولة الاسلامية” متعطشين للانتقام والثأر.
الحاكم الامريكي بول بريمر الذي اتخذ قرار حل الجيش العراقي، وانشاء الجيش الجديد الذي فر ثلاثون الفا من قواته من الموصل بملابس مدنية ولم يطلقوا رصاصة واحدة ضد “الدولة الاسلامية” وقواتها الزاحفة الى المدينة، والآن يقولون انهم جاءوا لاعادة تأهيل هذا الجيش مرة اخرى، وتدريب “صحوات” عشائرية جديدة.
الظرف الذي سمح بقيام قوات “الصحوات” التي اسسها الجنرال الامريكي ديفيد بترايوس وبلغ تعدادها ثمانين الفا عام 2006 للتصدي لمقاتلي تنظيم “القاعدة” هذا الزمن تغير، كما ان “العدو” تغير ايضا، فـ”الدولة الاسلامية” ليست “القاعدة”، ومعظم مقاتليها من ابناء العراق، والاهم من هذا كله، ان غالبية العراقيين، خاصة من مقاتلي قوات “الصحوات” لا يثقون مطلقا بالامريكيين الذين خذلوهم، وتخلوا عنهم، مثلما لا يثقون بالحكومة العراقية التي رفضت استيعابهم في الجيش والاجهزة الامنية من منطلقات طائفية بحتة.
لا نعرف كم مرة ستدرب الولايات المتحدة الامريكية الجيش العراقي، وكم مرة ستعيد تأهيله، وكم ستنهب من الخزينة العراقية مقابل ذلك، فقد امتصت اكثر من خمسة وعشرين مليار دولار من عرق الشعب العراقي من اجل هذه المهمة على مدى عشر سنوات، فما الذي تغير الآن، ولماذا تنجح هذه المرة حيث فشلت في المرة او المرات السابقة؟
فاذا كان هذا الجيش الذي يزيد تعداده عن نصف مليون ضابط وجندي، علاوة على مثل هذا الرقم من القوات الامنية، ومسلح تسليحا جيدا بأحدث المعدات الامريكية، فشل في هزيمة “الدولة الاسلامية” ومنع استيلائها على نصف العرق تقريبا وفي ايام معدودة، فإن كل محاولات “الترقيع″ الجديدة التي تشرف عليها امريكا ومستشاريها سيكون مآلها الفشل.
ما لا تدركه امريكا وحلفاؤها العراقيين، الجدد والقدامى، ان مشكلة الجيش العراقي ليست في التدريب ولا المعدات، وانما في غياب “العقيدة” القتالية الوطنية الجامعة التي توحد العراقيين جميعا تحت مظلتها، وتدفعهم الى الموت دفعا من اجلها.
الطائرات الامريكية التي تقصف قواعد وتجمعات قوات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية طوال الشهرين الماضيين هي الاحدث في العالم، وطياروها الاكثر براعة وتدريبا، ومع ذلك لم تفلح حتى الآن في وقف تقدم هذه القوات في عمق مدينة صغيرة مثل “عين العرب ـ كوباني” السورية ذات الاغلبية الكردية.
امر مؤسف ان “العراق الجديد المحرر” يستعين بقوات امريكية، من اجل مواجهة تنظيم لا يزيد تعداد قواته عن خمس جيشه وقواته الامنية ولم يتدرب على ايدي الامريكيين وغيرهم، ويقاتل ببقايا معداته واسلحته التي استولى عليها دون قتال بعد اقتحامه لمدينة الموصل.
القوات الامريكية تعرضت لهزيمة مذله في العراق، وها هي تعود للمصيدة نفسها، وستواجه المصير نفسه على ايدي كل العراقيين باستثناء من قدموا بلدهم لقمة سائغة لها، واضفوا شرعية زائفة على احتلالها الجديد مثلما فعلوا مع احتلالها الاول، والايام بيننا.

محاولات اختراق “الدولة الاسلامية” استخباريا ستستمر لانها احد ابرز الاسلحة لتدميرها وتقويضها من الداخل.. فكيف ستتعامل معها وكيف كان يكشف الشيخ بن لادن المندسين

عبد الباري عطوان

اذا صحت الانباء التي نشرها ابو حفص المهاجري المقرب من ابو بكر البغدادي زعيم “الدولة الاسلامية” واعترف فيها بأن جهاز الاستخبارات ومكافحة الارهاب العراقي نجح في اختراق تنظيم “الدولة” وتسبب في خسائر كبيرة، فإن هذا حدث كبير ستكون له تداعياته، لان مثل هذه الاختراقات تؤدي عادة الى اضعاف التنظيمات التي تستهدفها، وتحدث انشقاقات واغتيالات لكبار القادة ايضا.
من الطبيعي ان يكون تنظيم مثل “الدولة الاسلامية” هدفا لاختراقات استخبارية متعددة، لان عمره قصير، وتضاعفت قوته والمناطق المسيطر عليها عدة مرات في زمن قياسي، ولان عشرات اجهزة الاستخبارات العالمية والاقليمية تستهدفه ولا تكف عن محاربته، والعمل على زرع عناصرها داخله، وفوق هذا وذاك، ان قوات “الدولة الاسلامية” تخوض حروبا على عدة جبهات هذه الايام، وتتعرض لضربات جوية امريكية مكثفة على مدار الساعة، الامر الذي يشتت تركيزها الامني، كليا او جزئيا.
لا نعرف حجم الاضرار الذي الحقها الاختراق الاستخباري العراقي لتنظيم الدولة الذي تحدث عنه السيد ابو حفصة المهاجري، فقد امتنع عن اعطاء اي معلومات، ولكن نعتقد انه كبير مثلما هو واضح من البيان المقتضب، ومن القرار الذي اتخذه بعدم قبول انضمام متطوعين عراقيين الى صفوف الدولة والاكتفاء بالجهاديين الاجانب، ولكن حتى هؤلاء يمكن ان يكون من بينهم مندسين.
***
تنظيم “القاعدة” المركزي تعرض لاختراقات استخبارية عديدة كان اضخمها الطبيب همام خليل محمد أبو ملال البلوي، الذي حاولت المخابرات الاردنية تجنيده وتكليفه باغتيال قادة فيه، ولكنه استطاع خديعتها، اي المخابرات الاردنية، والقبول بمهمة اغتيال الشيخ اسامة بن لادن ونائبة الدكتور ايمن الظواهري، وفجر نفسه في قيادة المخابرات المركزية الامريكية والجيش الامريكي في ولاية خوست في افغانستان عام 2009، ونتج عن العملية مقتل سبعة من هؤلاء وبعض المحيطين بهم، بالاضافة الى علي بن زيد ضابط الارتباط في المخابرات الاردنية.
احد القادة الميدانيين في تنظيم “القاعدة” ابلغ رئيس تحرير هذه الصحيفة ان محاولات اختراق التنظيم لم تتوقف مطلقا، واكثرها من قبل مخابرات اردنية وعربية، حيث يتم ارسال الجواسيس على شكل متطوعين جهاديين للانخراط في صفوفه، وقال الشخص نفسه ان الشيخ بن لادن ومساعديه كانوا يلجأون الى اكتشاف هؤلاء من خلال الطلب من مجموعة وفي حضور الشخص المشتبه به الاستعداد للقيام بعملية انتحارية، وعندها يتلكأ الشخص المعني في القبول بهذه المهمة فيتم استدعاؤه والتحقيق معه، وغالبا ما كان هذا الاسلوب يعطي مفعوله، ويتم اكتشاف الشخص المندس واعدامه.
المنظمات الفلسطينية تعرضت لاختراقات كبيرة، حتى ان احد العملاء الاسرائيليين نجح في الوصول الى طاقم حراسة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، واراد الرئيس عرفات سجنه وليس اعدامه بعد اثبات التهمة عليه، ولكن المرحوم صلاح خلف (ابو اياد) اصر على اعدامه، وامر فريق اغتيالات بإصطحابه الى منطقة المدينة الرياضية في بيروت وجرت عملية تصفيته.
حركة الجهاد الاسلامي تعرضت لاختراق اسرائيلي كبير، حيث نجح جهاز الموساد الاسرائيلي في تجنيد مدير مكتب الشهيد فتحي الشقاقي في دمشق، وظل اربع سنوات كامنا لا يعطي اي معلومات حتى حان الوقت الملائم عندما طلب منه مشغله في الموساد تحديد الطريق التي سيغادر عبرها المرحوم الشقاقي ليبيا التي كان يزورها، هل هي مالطة او تونس او السودان، فأخبرهم انها مالطة، وكان الموساد قد ارسل ثلاث فرق اغتيال الى الدول الثلاث مسبقا، ونجحت خلية مالطة في اغتيال الشقاقي عبر اطلاق النار عليه من دراجة نارية في 26 تشرين الاول (اكتوبر) عام 1995.
اما كيف جرى اكتشاف مدير مكتب المرحوم الشقاقي، فتم عندما لاحظت اجهزة امن التنظيم بأنه يبالغ في اللطم والبكاء والنحيب، يقدم على حركات متصنعة، وجرى اعتقاله وتسليمه للمخابرات السورية التي حصلت منه على المعلومات الكاملة حول كيفية تجنيده في احدى دول اوروبا الشرقية من اجل هذه المهمة.
***
المخابرات الغربية، والاقليمية تركز كل جهودها حاليا لاختراق تنظيم “الدولة الاسلامية”، من اجل معرفة جميع مفاصله وطرق عمله وربما محاولة الوصول لزعيمه ابو بكر البغدادي واغتياله بهدف تقويض التنظيم من الداخل بالتوازي مع محاولة هزيمته على جبهات القتال ومن خلال انشاء قوات “صحوات” تتولى عمليات القتال الارضي سواء من مجنديين عراقيين او سوريين، وانضمام وحدات من الجيش السوري الحر وقوات من البشمرغة العراقية الى المدافعين الاكراد في مدينة “عين العرب ـ كوباني” السورية ذات الغالبية الكردية هو اول فصل من فصول هذا المخطط.

استبعاد تجاوب اوباما مع عرض الاسد للتعاون ضد “الدولة الاسلامية”.. ولكن ما هي اسباب هذا التحول في الموقف السوري من “الصقورية” الى “الليونة” والتهدئة؟

 

الجميع يعيش “محنة” اسمها “الدولة الاسلامية” في منطقة الشرق الاوسط، ولكن الامور تبدو نسبية، فهناك من يعتقد انه اكثر تحصينا ازاء الاخطار التي تشكلها، ولكن البعض الآخر الذي يرى انه على رأس قائمة المستهدفين، ولذلك يستعجل التدخل العسكري الامريكي ويصلي من اجله ليل نهار.

الآراء تختلف وتتقاطع، فهناك من يعتقد ان المملكة العربية السعودية والاردن الاكثر قلقا وخوفا، لاسباب عديدة ابرزها تطلع الخليفة ابو بكر البغدادي الى استعادة الاماكن المقدسة في الحجاز، ووجود تأييد قوي لدولته وايديولوجيتها في اوساط الشباب السعودي، وهناك من يرى ان رادار “الدولة الاسلامية” مسلط على الاردن لانها الحلقة الاضعف، ولان قطاعا من شعبها يرفض انضمامها الى التحالف الامريكي، وقطاع آخر منه يتعاطف مع السيد البغدادي يأسا واحباطا من الفقر والفساد وتغول الجار الاسرائيلي.

لا نختلف مع وجهات النظر السابقة واصحابها، ولكننا نعتقد ان ايران وسورية ربما يكونان الاكثر قلقا ورعبا من استراتيجية التدخل العسكري الامريكية في المنطقة، لانها قد تتضمن مشروعا لضربهما في نهاية المطاف، فهما يحتلان المرتبة الثانية على سلم الاولويات الامريكية وحلفائها العرب في المنطقة.

***

ارسال السيد محمد جهاد اللحام رئيس مجلس الشعب السوري (البرلمان) يوم الاثنين رسائل الى رئيس مجلس النواب والشيوخ الامريكي يدعوهم فيها للتعاون مع سورية من اجل انقاذ ارواح السوريين والامريكيين على حد سواء من احتمال هجوم ارهابي بالقنبلة القذرة من قبل تنظيم “الدولة الاسلامية” او “جبهة النصرة”، هذا الارسال هو مؤشر على تزايد منسوب القلق والخوف لدى السلطات السورية، وانقلاب في توجهات دبلوماسيتها.

فقبل ايام معدودة كانت الدكتورة بثينة شعبان مستشارة الرئيس السوري تستخدم لهجة تهديدية قوية ضد الولايات المتحدة في حال اقدمت طائراتها الحربية على اختراق الاجواء السورية وضرب مواقع للدولة الاسلامية دون التنسيق مع حكومتها، كما لوح السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري الى احتمال تصدي سورية للطائرات الامريكية هذه والعمل على اسقاطها، اذا كانت غاراتها احادية الجانب ولا تحترم السيادة السورية.

فما هي دوافع هذا التغيير في الموقف السوري من “الصقورية” الى “الاعتدال” فجأة وتكرار عرض التعاون مع واشنطن، لكن من نافذة الكونغرس هذه المرة بعد اغلاق ابواب الادارة كليا من قبل الرئيس باراك اوباما ووزير خارجيته اللذين اكدا بحسم رفضهما لاي تنسيق مع النظام السوري في حال تقرر نقل الهجمات الجوية الامريكية الى داخل الاراضي السورية.

لا نستبعد ان تكون السلطات السورية اطلعت، او قدرت، ان الاستراتيجية العسكرية الامريكية التي يعكف الرئيس اوباما حاليا على وضعها بعد اكتمال استشاراته للمسؤولين العسكريين الامريكيين تتضمن في بعض فصولها توجيه ضربات داخل الاراضي السورية لتجمعات قوات “الدولة الاسلامية” ومؤسساتها، وتقديم اسلحة متقدمة للمعارضة السورية المسلحة “المعتدلة” من بينها صواريخ “اي باد” المضادة للطائرات التي يمكن ان تشّل قدرات السلاح الجوي السوري، وذلك لاغرائها على التحول الى “قوات صحوات” تتولى مهمة قتال “الدولة الاسلامية” على الارض، والتقدم للاستيلاء على المناطق التي تنسحب منها قواتها (الدولة الاسلامية) بسبب كثافة الغارات الجوية، مثلما فعلت كل من قوات الجيش العراقي والبشمرغة الكردية وقوات بدر وعصائب اهل الحق في العراق في الايام الاخيرة بعد انسحاب قوات الدولة من مدينة ارملي بعد قصف جوي مكثف من الطائرات الامريكية.

من المستبعد ان تقبل الادارة الامريكية العروض السورية بالتعاون من اجل مواجهة “الدولة الاسلامية” والقضاء على خطرها، لاسباب عديدة ابرزها “الفيتو” السعودي، وثانيها حسم ادارة اوباما لامرها، والتخلي عن ترددها، وتحدي المحور الروسي الصيني الايراني على ارض الشرق اوسطية انتقاما لهزيمتها في اوكرانيا.

العلاقات السعودية الامريكية عادت الى طبيعتها الاستراتيجية السابقة بشكل تدريجي، و”الحرد” السعودي الذي ظهر في اوضح صوره في مثل هذا الوقت من العام الماضي، عندما رفض الامير سعود الفيصل القاء كلمة بلاده في اجتماع الجمعية العامة للامم المتحدة، وتبع هذا الرفض بآخر اكثر قوة عندما رفض عرضا باحتلال مقعد مؤقت في مجلس الامن (احتله الاردن)، هذا “الحرد” انطوى بعد تراجع النوايا الامريكية الغربية في توثيق التحالف مع ايران وضمها الى الحلف الجديد ضد دولة البغدادي.

يبدو ان التكتيك الامريكي في التلويح بورقة التحالف مع ايران وسورية “ارعب” السلطات السعودية، ودفعها الى “تليين” مواقفها الغاضبة من الولايات المتحدة بسبب سياساتها الداعمة للاخوان المسلمين، والباردة تجاه نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والتجاوب كليا مع المطالب الامريكية والدخول في التحالف الجديد، مقابل تخلي امريكا عن تقاربها مع ايران وسورية، واتضح هذا “التليين” في دعمها للتحالف الامريكي والجلوس في مقعد قيادته واستخدام نفوذها مع العشائر السنية العراقية لدعمه.

في بداية “الهلع″ الامريكي من تنظيم “الدولة الاسلامية” سمعنا اصواتا تطالب بالتعاون مع النظام السوري على قاعدة “ان عدو عدوي صديقي” وذهب احد كبار المسؤولين البريطانيين مثل مالكوم ريفكند وزير الدفاع والخارجية البريطاني الاسبق الى التذكير بأن ونستون تشرشل تحالف مع عدوه ستالين ضد هتلر لتبرير التقارب والتنسيق مع الرئيس الاسد، ولكن يبدو ان ادارة اوباما الآن قلبت المعادلة واصبحت تؤمن بأن “عدو عدوي عدوي”، في العلن على الاقل.

فعندما لا يستبعد مارتين ديمبسي ارسال قوات امريكية الى العراق اذا دعت الحاجة، وعندما يؤكد تشاك هيغل وزير الدفاع ان الضربات الجوية ستستهدف ايضا معاقل تنظيم “الدولة الاسلامية” في سورية، ويطالب بالشيء نفسه حيدر العبادي رئيس وزراء العراق الجديد، ورجل المرحلة الحالية، فمن حق سورية ان تقلق، وان تصل الى قناعة مفادها ان امريكا ماضية قدما في خططها لاطاحة النظام الحالي كمكافأة للسعودية وقطر والاردن على وقوفها في خندقها ضد هذا الخطر الذي يعتبره الوزير هيغل خطرا يهدد العالم بأسره، وكأن تنظيم “الدولة الاسلامية” يملك صواريخ باليستية عابرة للقارات وترسانة ضخمة من الرؤوس النووية والكيمائية!

***

القوات الامريكية عائدة الى العراق، وربما خطواتها الاولى محاولة استعادة الموصل، كما قال الجنرال ديمبسي، ففي ظل رفض تركيا المشاركة الارضية، ونأي السعودية بنفسها عن اي اقتراح بارسال وحدات من جيشها الى بيئة معادية في العراق، واستعداد الاردن بارسال “قوات خاصة” فقط، وتأكيد وزير خارجية مصر ان الجيش المصري لا يقاتل الا لحماية شعبه وحدود بلاده، لم يبق الا ارسال قوات “المارينز″ الامريكية تحت غطاء تدريب القوات العراقية والكردية.

انها مصيدة كبرى لا نعرف من سيكون ضحاياها في نهاية المطاف، هل هم الامريكيون، ام الايرانيون ام السوريون ام السعوديون، وهل ستتطور الامور الى حرب عالمية ثالثة؟

علمتنا التجارب السابقة انه من المؤكد ان العرب واموالهم وارضهم هم الضحية الاكبر، وان امريكا ستنقلب عليهم مثلما فعلت في السابق عندما تحقق اهدافها وتستعيد وجودها في المنطقة مجددا، فمن الذي خسر من اطاحتها بالرئيس العراقي صدام حسين، ومن الضحية لتدخلها في ليبيا وسورية واليمن؟

العرب تعودوا على الدخول في التحالفات الخطأ، والاتفاقات الخطأ، وتصديق الوعود الخطأ.. فهل ستكون تحالفاتهم الجديدة، والوعود والاتفاقات الامريكية مختلفة هذه المرة؟

السيد علي خامنئي المرشد الاعلى للثورة الايرانية قال قبل اسبوع ان بلاده رفضت الدخول في الحلف الامريكي، وتوعد بأن الرئيس اوباما سيندم كثيرا على تدخله العسكري في المنطقة مرة اخرى، ونجزم بأن العرب سيندمون ايضا، مثلما ندموا بعد كل مغامرة عسكرية امريكية سابقة، ونرجوا ان نكون مخطئين.

تحالف اوباما “الاقليمي” لتصفية “الدولة الاسلامية” يواجه صعوبات: تركيا مترددة.. والاردن قلق.. والسعودية مشغولة بالحوثيين.. والشيخ “المقدسي” اكد لي انه سيقف في خندق البغدادي

عبد الباري عطوان

يلقي الرئيس الامريكي باراك اوباما (الاربعاء) خطابا يحدد فيه استراتيجيته المتعلقة باعلان الحرب على “الدولة الاسلامية” بهدف القضاء على خطرها الذي يهدد المصالح الامريكية وحلفاءها في المنطقة، وسيتزامن هذا الخطاب مع جولة يقوم بها كل من وزير خارجيته جون كيري ووزير دفاعه تشاك هيغل في عواصم عديدة في الشرق الاوسط، من بينها الرياض وعمان وانقرة علاوة على بغداد.
تفاصيل هذه الاستراتيجية الامريكية ما زالت غير معروفة، ولكن هناك تسريبات اشارت الى انها ستركز على عدة عناوين ابرزها تجفيف مصادر تمويل “الدولة الاسلامية”، ووقف تدفق المقاتلين الاجانب للانضمام الى صفوفها، وتكثيف التحرك العسكري لتدمير قواعدها وتجمعاتها العسكرية على الاراضي التي تسيطر عليها في العراق وسورية.
الرئيس اوباما قال في خطاب سابق “انه سيقضي على “الدولة الاسلامية” مثلما قضى على تنظيم “القاعدة”، ولكن كلامه هذا يبدو من نوع خداع النفس الى جانب خداع الآخرين، فهو لم يقض على تنظيم “القاعدة” رغم انفاق اكثر من تريليون دولار من اموال دافعي الضرائب الامريكيين تحت عنوان “الحرب على الارهاب” فعندما بدأت هذه الحرب كان هناك مقرا واحدا للتنظيم في افغانستان، والآن له اكثر من عشرة مقرات في منطقة الشرق الاوسط والعالم، جرى الاعلان عن فتح آخرها في الهند.
اما بالنسبة الى تجفيف المنابع المالية لتنظيم “الدولة الاسلامية” فان هذا الهدف لن يتحقق في زمن ولاية الرئيس اوباما (بقي له عامان في السلطة) لسبب بسيط وهو ان “الدولة الاسلامية” مكتفية ذاتيا من الناحية المالية، وهناك من يقدر ثروتها بحوالي سبعة مليارات دولار، ويدخل الى ميزانيتها اكثر من مليوني دولار يوميا من بيع النفط الخام او المكرر، وهذه الاموال يمكن ان تكفيها لخمسة اعوام قادمة ان لم يكن اكثر، فهي لا تملك سفارات ضخمة في الخارج، ولا وزراء فاسدون، ولا يحكمها رئيس او ملك يهدر اموالها في اعمال البذخ والترف والطائرات الخاصة مثل اقرانه العرب الآخرين.

***
لا اقول هذا الكلام مدحا او تمجيدا وانما استنادا الى معلومات مؤكدة حصلت عليها من مصادر عديدة مقربة من “الدولة الاسلامية”، التقيت بها اثناء زيارتي الاخيرة للعاصمة الاردنية بهدف بحث هذه الظاهرة التي يتوحد العالم بأسره ضدها لخطورتها ووحشيتها ودمويتها، ودراسة نشأتها ومعرفة اسباب صعودها الاسطوري على سلم الاهتمام الدولي والاقليمي، ومدى قدرتها على التمدد والاستمرار.
الرئيس اوباما سيجد صعوبة كبيرة في تشكيل التحالف الذي يريد تأسيسه، بشقيه الدولي والاقليمي، لان التمنيات شيء والتطبيق العملي شيء آخر، فالدول التي سيلتقي قادتها المبعوثين الامريكيين “ترتعد” من مجرد الطلب منها ارسال قوات ارضية الى ميادين القتال، فقد تعودت ان يحارب الامريكان والآخرون نيابة عنها مثل دول الخليج، او هناك مخاطر يمكن ان تترتب على مشاركتها مثلما هو حال تركيا التي تخشى على امنها الداخلي، ومدخولها السياحي (30 مليار دولار)، واتفاقها السلمي مع مواطنيها الاكراد، ووحدتها الوطنية الديمغرافية والجغرافية معا، علاوة على امن وحياة مواطنيها الاسرى لدى “الدولة الاسلامية” (46 دبلوماسي كانوا في قنصليتها في الموصل ساعة الاستيلاء على المدينة).
فالمملكة العربية السعودية تواجه ازمات داخلية طاحنة، ومسكونة بتمدد الخطر الحوثي في اليمن، وتدرك جيدا ان الدولة تملك انصارا ومتعاطفين بل ومريدين في اوساط شبابها، وتنوء بحمل “مصر السيسي” الاقتصادي، ولم يحدث مطلقا انها ارسلت قوات سعودية الى خارج اراضيها منذ حرب اليمن.. اما الاردن فالمعارضة لارسال قواته الى العراق تتصاعد على المستويين البرلماني والشعبي، وحالة الاحتقان التي بدأت مع حرب غزة، وكبرت بعد اتفاق استيراد الغاز من اسرائيل، واتساع الفجوة بين الفقراء والاغنياء، تبحث عن مفجر.
في لقاءاتي في عمان سمعت كلاما على درجة كبيرة من الاهمية، فالمتعاطفون مع “الدولة الاسلامية” قالوا لي ان التدخل العسكري الامريكي ربما يؤجج الحرب الطائفية في العراق، ويوحد ابناء الطائفة السنية خلف “الدولة”، وقالوا ايضا انه سيوصف بأنه تدخل لصالح ابناء الطائفة الشيعية، وضربوا مثلا بأن استعادة مدينة “آمرلي” العراقية المختلطة من ايدي قوات “الدولة” بعد قصف امريكي مكثف جاء على يد تحالف يضم قوات الجيش العراقي الى جانب اربع ميليشيات “شيعية” مثل عصائب اهل الحق، فيلق بدر، كتائب السلام (المهدي سابقا) بالاضافة الى قوات البشمركة الكردية.
الشيخ ابو محمد المقدسي الذي يوصف بأنه منظر السلفية الجهادية، ومعلم ابو مصعب الزرقاوي، والمرجعية الفقهية والشرعية الرئيسية لجبهة “النصرة” الى جانب الشيخ “ابو قتادة”، قال لي عندما التقيته في بيته المتواضع في احد الاحياء الفقيرة في مدينة الزرقاء، انه اذا كان خياره بين دعم التدخل العسكري الامريكي وبين “الدولة الاسلامية” فانه سيختار الاخيرة وسيفعل الشيء نفسه الكثير من الشيوخ والدعاة، واكد انه اصدر رسالة في هذا الخصوص وعممها على مريديه على شبكات التواصل الاجتماعي.
والشيخ المقدسي دخل في معركة فقهية شرسة ضد “الدولة الاسلامية” واعلان السيد ابو بكر البغدادي الخلافة، وتعرض لحرب شرسة من انصار الدولة واقل تهمة جرى توجيهها اليه، الكفر والردة، والخروج عن الجماعة.
لا شك ان الولايات المتحدة تملك قوة ضاربة، باعتبارها القوة الاعظم في التاريخ، وتستطيع ان تلحق خسائر كبيرة بـ”الدولة الاسلامية”، تماما مثلما فعلت بامارة الطالبان في افغانستان، واحتلال العراق لاحقا، وتغيير النظام في ليبيا، لكن السؤال الاساسي هو عن عمر هذا التدخل وامده والنتائج التي يمكن ان تترتب عليه.
شخصيا في حواراتي مع بعض المشايخ الذين يتعاطفون مع “الدولة الاسلامية” شعرت انهم لا يعيرون اي اهتمام او خوف من التدخل العسكري الامريكي، ويتحدثون بثقة عن سعادتهم بتورط امريكا مرة اخرى في المنطقة، وقال لي احد الذين قاتلوا تحت لواء ابو مصعب الزرقاوي انه “سيرقص طربا” اذا وصلت قوات التحالف الامريكي بشقيها الدولي والاقليمي الى العراق وسورية، وعندما حاولت ان اعرف مصدر هذه الثقة “ابتسم” ورفض الافصاح.

***
علينا ان نتذكرا امرا واحدا وهو ان تركيا فعلت كل شيء لاسقاط نظام الرئيس بشار الاسد، ابتداء من تسهيل مرور الاموال والجهاديين عبر اراضيها وانتهاء بتأسيس مظلة سياسية بديلة للنظام، ولكن امرا واحدا لم تقدم عليه وهو ارسال قوات تركية للقتال الى جانب المعارضة السورية، وفعلت كل من المملكة العربية السعودية وقطر وهما اكثر دولتين عداء للنظام السوري الشيء نفسه، ولا نعتقد ان هذه الدول الثلاث، مجتمعة او متفرقة، تحتمل خوض حرب استنزاف طويلة جيوشها غير مؤهلة لخوضها
نحن هنا لا نتنبأ بنجاح او فشل التحالف الدولي الاقليمي الجديد بزعامة امريكا الذي تتبلور ملامحه يوما يعد يوم وسيتحول الى حقيقة في غضون اسابيع، خاصة بعد ان كشفت استطلاعات الرأي ان 91 بالمئة من الامريكيين يؤيدون مشروع الرئيس اوباما في القضاء على “الدولة الاسلامية” الارهابية، ولكننا ننظر بعين المجرب نظرة ابعد، معتمدين على علم القياس من خلال تفحص التجارب السابقة المماثلة.
الرئيس اوباما معروف بتلكؤه وابتعاده عن التدخلات العسكرية، وجاء الى سدة الرئاسة لمعارضته للحربين في العراق وافغانستان، ولكن يبدو ان انتقادات النواب والشيوخ الجمهوريين وضغوطهم اخرجته من تحفظاته وعقدة الخوف من الحروب التي تسيطر عليه، ولكن الشيء الوحيد المؤكد ان تجربته لن تكون سهلة ونتائجها غير مضمونة في كل الاحوال.

هل ينجح التحالف الامريكي الايراني السعودي في هزيمة “الدولة الاسلامية”؟ وماذا لو لم ينجح؟ وكيف ستكون صورة المنطقة؟

عندما تدخل المملكة العربية السعودية في حلف مع ايران، وتنسق الولايات المتحدة الامريكية امنيا مع نظام الرئيس السوري بشار الاسد الذي كانت تدعم المعارضة بالمال والسلاح لاسقاطه حتى قبل عام، وتنهار حكومة السيد نوري المالكي برصاصة رحمة من حليفها الايراني الاوثق الذي وضع العراق، اي المالكي، كله في خدمتها وحوله الى منطقة نفوذ لها، عندما تحدث هذه “المعجزات” كلها في طرفة عين فتش عن ظاهرة اسمها “الدولة الاسلامية” التي قلبت كل موازين القوى وقربت بين الاضاد في المنطقة، واشعلت نيران حرب اخرى في معركة ملتهبة بالحروب في معظم اجزائها.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هذه الايام هو عن مصادر القوة التي تملكها هذه الدولة دون غيرها من المنظمات الاسلامية المماثلة، بحيث يتبلور هذا التحالف الاقليمي الدولي ضدها، وبمثل هذه السرعة والحماس؟

قبل الاجابة على هذا السؤال لا بد من التأكيد على ان تحالف الاضداد هذا ليس سابقة، وانما هو تكرار لسوابق اخرى عديدة حدثت في مختلف حقب التاريخ، فالزعيم البريطاني ونستون تشرتشل تحالف مع ستالين عدوه الشيوعي الديكتاتوري اللدود لمواجهة خطر النازية الذي كان يهدد البلدين معا، مثلما تحالفت المملكة العربية السعودية المعروفة بعدائها للبعث وكل الاحزاب القومية مع الرئيس صدام حسين لمواجهة الثورة الخمينية، واستقبلت 500 الف جندي امريكي على اراضيها للتخلص منه، اي الرئيس صدام، لاحقا بعد غزو قواته للكويت، والشيء نفسه يقال عن تحالف الاسلام الاصولي مع الولايات المتحدة لاخراج القوات السوفيتية من افغانستان، وكيف تطور عداء شرسا وحربا ضد الارهاب وهجمات الحادي عشر من سبتمبر، والقائمة تطول.

***

مصادر قوة “الدولة الاسلامية” تكمن في مجموعة من العوامل الرئيسية يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

*اولا: تقديم نفسها على انها المدافع عن الاسلام السني في مواجهة عمليات التهميش والاقصاء الذي تعرض ويتعرض له في اماكن كثيرة من المنطقة وخاصة في العراق، وسط صمت وعجز مرجعيات سنية راسخة على حد وصف منظريها، اي الدولة.

*ثانيا: اتباعها اساليب دموية وعنيفة قاسية لارهاب خصومها سيرا على نهج “ثورات” علمانية واسلامية سابقة مثل الثورة الفرنسية (اعدم في المرحلة الاولى منها 42 الف شخص من بينهم 17 الفا بالمقصلة) وثورة كرومويل في بريطانية البروتستانتية التي يؤرخ لها بعض المؤرخين بأنها مقدمة للديمقراطية البريطانية، وهي ثورة قتل فيها 60 الف شخص، ولكن اقرب الامثلة الى ما تفعله الدولة الاسلامية الآن وربما تطبقه هو نموذج جنكيز خان القائد المغولي الذي قتل الكثير من قومه قبل ان يقتل الملايين من البشر في سياسته التي تقوم على “الصدمة والرعب”، ولا ننسى ابو جعفر المنصور الذي ثبت اركان الامبراطورية العباسية على بحور من سفك الدماء للخصوم، ونحن هنا نقر بأن هذه المجازر الارهابية، واي تكرار لها من قبل “الدولة الاسلامية” هو عمل مدان وغير مبرر، ونحن هنا نؤرخ لهذه الظاهرة وجذورها الدموية، مع ايماننا بالفارق الهائل بين قيم الثورة الفرنسية ومنطلقات الدولة الاسلامية وممارسات الجانبين، منعا لأي تأويل.

*الثالث: فشل ثورات ما يسمى بالربيع العربي في تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، واعادة الكبرياء والكرامة للعرب، وقيام انظمة ديكتاتورية على انقاضه في معظم البلدان، والتدخلات الغربية لحرف هذه الثورات عن مسارها، كلها عوامل ادت الى خلق فراغ سارعت التنظيمات الاسلامية المتشددة الى محاولة ملئه بسرعة، ومن بينها تنظيما “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة” اللذان وجدا التسهيلات والحاضنة العربية والغربية في بداية الامر في اطار “فورة” اعطاء الاولوية لاسقاط النظام السوري ومثيلاتها في ليبيا لاسقاط نظام معمر القذافي، وباقي القصة معروفة.

*رابعا: تمكن “الدولة الاسلامية”، ولاول مرة من بين اقرانها بمساحة شاسعة من الاراضي تمثل ربع العراق وثلث سورية، ونجاحها في ادارتها وتوفير الخدمات لستة ملايين انسان يقيمون تحت حكمها، بعد اعوام من الفوضى الدموية والفساد والقمع، فحركة “القاعدة” الام كانت تحت مظلة حركة طالبان في افغانستان، اي لم تتمتع بأي استقلال ذاتي، ولم تملك الحرية الكاملة في التحرك، وكان هناك جناح في حكومة الامارة المضيفة تعارضها وتطالب بطردها.

*خامسا: الاكتفاء الذاتي بالمال والسلاح، فالاسلحة التي غنمتها “الدولة الاسلامية” من القوات العراقية التي هربت بعد اجتياحها للموصل في العراق ومن مخازن الجيش السوري الحر التي “غنمتها” من مخازنه في مدينة “اعزاز″ في شمال غرب سورية قرب الحدود التركية كانت احدث ما انتجته صناعة السلاح الامريكية.

*سادسا: نجحت “الدولة الاسلامية” في تجنيد اكثر من 50 الفا من الشباب المسلم من مختلف انحاء العالم، من بينهم ستة آلاف انضموا اليها في الشهر الماضي فقط اعجابا بانتصاراتها، حسب احصاءات المركز السوري لحقوق الانسان المعارض، ونصف هؤلاء من غير السوريين، والرقم مرشح للتصاعد بشكل كبير في الاشهر المقبلة، فنسبة كبيرة من الشباب المسلم المحبط يرى في الدولة ومقاتليها نموذج القوة الذي يتطلع اليه، وحتى نقرب الصورة اكثر لا بد من الاشارة بشكل خاص الى اعجاب المراهقين، مسلمين كانوا او غير مسلمين، بالعاب الكمبيوتر الدموية، وكذلك اعجاب جيلنا في مراهقته بافلام العنف ورعاة البقر وابطالها مثل جون واين مع الفارق الكبير في المقارنة، فالشباب ينجذب في معظمه الى العنف والقوة والبأس خاصة في بلداننا.

*سابعا: تحول معظم الدول العربية الى دول فاشلة او شبه فاشلة، تحكمها انظمة مركزية ضعيفة الامر الذي يحولها الى بيئة ملائمة للجماعات المتشددة ذات الطابع الارهابي ولنا في ليبيا والعراق واليمن ومناطق عديدة في سورية ولبنان خارجة على سلطة الدولة خير الامثلة في هذا الصدد.

***

البيان الرسمي الذي اصدره مفتي السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ الثلاثاء وقال فيه “ان الفكر المتطرف والاعمال الارهابية التي ينفذها تنظيما الدولة الاسلامية والقاعدة (لم يذكر جبهة النصرة) هو العدو الاول للاسلام”، واضاف “ان هذه الجماعات المتطرفة لا تحسب على الاسلام”، واكد، وهذا هو الاخطر “انه يصح في اتباع القاعدة وتنظيم الدولة الاسلامية حديث نبوي يدعو الى قتلهم” ووصف هؤلاء بانهم “امتداد للخوارج”.

هذا البيان من رئيس الهيئة الاسلامية الاعلى في السعودية هو اول واقوى استجابة لتحريض العاهل السعودي للعلماء الذين اتهمهم بالكسل لهذه الظاهرة، كما انه انعكاس قوي لمدى قلق المملكة منها والخوف من وصولها الى نسيجها الاجتماعي.

قلق السلطات السعودية وخوفها بلغا قمتهما بعد استفتاء اجري على وسائل التواصل الاجتماعي، اكد ان 92 بالمئة من الشباب السعودي يؤيد “الدولة الاسلامية” وفكرها وممارساتها، وحتى لو كانت نسبة الخطأ في هذا الاستفتاء 50 بالمئة فان ما تبقى يثير الرعب حقا، وهذا ما يفسر اعلان السلطات السعودية عن تنظيم استفتاء رسمي حول المسألة نفسها في اوساط الشباب السعودي، وهو استفتاء غير مسبوق لو تم فعلا، فالسعودية لا تعرف الاستفتاءات مثلما لا تعرف الانتخابات بالصورة المعروفة.

هل يستطيع التحالف الغربي الاقليمي المتسارع التبلور هزيمة “الدول الاسلامية”؟

الاجابة ليست سهلة، فامريكا العظمى تحارب تنظيم “القاعدة” منذ عشرين عاما تقريبا، وغزت دولتين تحت عنوان القضاء على خطره، ولكنها لم تنجح كليا في اجتثاثه، بل ازداد خطورة وفتح فروعا في مختلف دول الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وها هو يتطور الى صيغة اخطر في تنظيمي “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة”، وها هي امارة طالبان التي اطاحت حكمها قبل 13 عاما على وشك العودة الى حكم افغانستان.

انخراط دول اسلامية مثل ايران والسعودية والعراق وسورية في التحالف الجديد ضد تنظيم “الدولة الاسلامية” هو تطور غير مسبوق، لكن من الصعب الجزم بأنه سيكون افضل حظا من التحالفات السابقة التي ضمت دولا عربية واسلامية ايضا في اطار محاربة الارهاب والقاعدة على وجه الخصوص، لكن المفاجآت واردة في كل الاحوال.

بقي ان نقول ان هذه التحالفات تظل مؤقتة، تنتهي بانتهاء اسبابها، فتشرتشل والغرب من خلفه استأنف الحرب الباردة ضد امبراطورية “الشر” السوفيتيية الشيوعية حتى اسقطها، والجماعات الجهادية الاسلامية التي تحالف معها الغرب ضد السوفييت في افغانستان انقلبت عليه، وهزمته جزئيا او كليا في العراق، وقريبا في افغانستان، وثوار ليبيا الذين حاربوا تحت اجنحة طائرات الناتو باتوا يُقصفون حاليا بالطريقة نفسها التي كانت تقصف هذه الطائرات عدوهم معمر القذافي وكتائبه، قبل ثلاثة اعوام فقط، ان لم يكن بصورة اكثر شراسة.

“الدولة الاسلامية” الخطر الاكبر الذي يهدد المنطقة وانظمتها، ونتفق مع كل الآراء التي تقول انها ستشكل تهديدا لامريكا واوروبا في المستقبل، وما تحذيرها باغراق هذه الدول في بحور من الدم كرد على الغارات الامريكية على مواقعها الا احد المؤشرات في هذا الصدد، ولكن يجب ان نعترف انها نتاج مباشر للتدخل الغربي والاقليمي العسكري والمالي في الدولتين التي اقامت دولتها على اراضيهما، اي سورية والعراق، وهو التدخل الذي ادى الى استشهاد مليون عراقي و200 الف سوري حتى الآن والحسابة مستمرة في العد.

تنظيم “الدولة الاسلامية” الارهابي في نظر معارضيه الكثر، بدأ في احداث عملية تغيير شاملة وربما جذرية في المنطقة لن تتوقف باستمراره او هزيمته، والشيء الآخر المؤكد ان الحرب ضده ستطول لان القضاء عليه لن يكون سهلا، بل مكلفا جدا بشريا وماديا فكم كلفت الحرب الامريكية على التنظيم الام القاعدة حتى الآن، وكيف تحولت عمليات السفر الى جحيم؟ وسيحتاج الامر الى سنوات وربما الى عقود، ونقول هذا رغم اننا نعلم جيدا ان هناك من يختلف معنا في هذا الرأي مثلما اختلف مع رأينا في سورية وليبيا وعملية السلام العربية الاسرائيلية.

نشطاء سوريون “يتسولون” واشنطن ارسال طائرات “الدرونز″ الى سورية تحت عنوان محاربة الدولة الاسلامية و”الارهاب”… انها دعوة مشبوهة.. اسألوا اهل اليمن وافغانستان وغزة وليبيا وشهدائهم قبل توجيه هذه الدعوة!

عبد الباري عطوان

قبل عام ونصف العام تقريبا، تلقيت رسالة من سائق سيارة اجرة في اليمن يطلب مني مساعدته.. قلت له تفضل.. قال اريد منك ان تساعدني في الحصول على شهادة من وزارة الدفاع الامريكية )البنتاغون( تثبت اني سائق فقير معدم اعتاش من وراء سيارتي (تاكسي) فهي مصدر رزقي واطفالي الوحيد.. قلت له مرة اخرى، وما هي علاقة “البنتاغون” بهذا.. اجاب حتى احمي نفسي من غارات طائرات بدون طيار “اتزن” التي تحوم في اجواء جنوب اليمن وتطلق حممها القاتلة على الابرياء تحت ذريعة مطاردة عناصر القاعدة.. وقبل يومين قتلت ابن عمي وجميع ركابه واقسم بالله ان جميعهم فقراء معدومين ليس بينهم واحدا على علاقة بالقاعدة.

طبعا لم اعرف كيف اساعده، فشقيقي ليس تشاك هاغل وزير الدفاع الامريكي.. وسوزان رايس وزيرة الامن القومي ليست ابنة خالتي.. ولا اعرف ما اذا كان هذا السائق البسيط ما زال على قيد الحياة ام مزقت جسده الطاهر صواريخ طائرات “الدرونز″ الامريكية، وآمل ان يكون بخير.

تذكرت هذه القصة، التي اشرت اليها في السابق في منبر آخر، وانا اقرأ خبرا يقول ان مثقفين ونشطاء سوريين فوضوا الائتلاف السوري المعارض تقديم طلب الى الادارة الامريكية وقع عليه اكثر من ثلاثين شخصا يدعوها الى بدء جهودها العسكرية وتحريك طائراتها بدون طيار (الدرونز) لضرب معاقل تنظيم الدولة الاسلامية، في اطار الجهود المشتركة لضرب “الارهاب”، واعتبروا ان تنظيم الدولة “الارهابي” هذا “يستهدف شعوب المنطقة وكافة الشعوب الحرة في العالم وان المصلحة المشتركة تقتضي تحرك واشنطن فورا استباقا لخطر تحول هذا التنظيم الى منبع للارهاب الجوال في العالم”.

***

لا شيء عشوائي هذه الايام عندما يتعلق الامر بالازمة السورية، فليس صدفة ان يصدر هؤلاء “النشطاء” و”الصحافيين” توسلاتهم هذه للادارة الامريكية “الصديقة” بالتدخل العسكري بعد يومين من اجتماع “اصدقاء سورية” في لندن وعودتهم للحديث عن تقديم اسلحة نوعية للمعارضة “المعتدلة” لمكافحة الارهاب وتغيير المعادلات العسكرية على الارض في غير مصلحة النظام السوري.

الطائرات بدون طيار قد تدخل الاجواء السورية لمحاربة تنظيم الدولة الاسلامية كما تفعل في اليمن وفي افغانستان (محاربة القاعدة وطالبان) ثم تتحول بعد ذلك الى قوة “احتلال جوي” رسمي دائم ترتكب المجازر بطريقة شبه اسبوعية او حتى يومية.

الاحصاءات الرسمية تقول ان طائرات “الدرونز″ هذه قتلت اكثر من خمسة آلاف شخص حتى الآن في افغانستان، الغالبية الساحقة منهم من المدنيين الذين ليس لهم علاقة بالقاعدة او طالبان، ففي احدى المرات اطلقت صواريخها على حفل زفاف وقتلت اكثر من ثلاثين شخصا، وفي مرات اخرى هاجمت تجمعات وقرى وحافلات ومدارس ابتدائية واعدادية.

في اليمن يتكرر المشهد يوميا، صحيح ان هذه الطائرات اغتالت مسؤول القاعدة في مديرية عزان بمحافظة شبوة (شرق) فارس القميسي، ولكنها اغتالت وتغتال آلاف المدنيين اليمنيين ايضا بمباركة الحكومة اليمنية ودعمها، وتنطلق هذه الطائرات من قاعدة سرية لها في جنوب المملكة العربية السعودية.

هؤلاء النشطاء المزعومين الذين يمهدون لهذا التدخل العسكري الامريكي الدموي بطلبهم هذا يذكروننا بطلب الدكتور كمال اللبواني بتدخل اسرائيل “كدولة محررة” لاطاحة النظام السوري مقابل حصولها على هضبة الجولان في المقابل، ولم اسمع في حياتي شخصيات تقول انها وطنية تطالب بتدخل عسكري اجنبي لبلادها، وادخالها في حالة فوضى دموية تستمر لعقود للثأر من نظام يعارضونه.

اتمنى على هؤلاء النشطاء ان يتأملوا الوضع الراهن في ليبيا بعد التدخل من قبل طائرات الناتو، او ما يجري في اليمن من فوضى ودمار وكيف تحول الى دولة فاشلة، والسودان كيف تقسم وانفرط عقده، والعراق والتفتيت الجغرافي والطائفي الذي حل به بعد الغز الامريكي، ولعلهم يدركون خطورة هذه المطالب التي يطالبون بها.

النظام السوري ظالم بوليسي لا نجادل في ذلك، ولكن نحن نتحدث هنا عن سورية التي بقيت علامة فارقة في تاريخ المنطقة، وقدمت مثلا حضاريا في التعايش لاكثر من ثمانية آلاف عام.

***

امريكا تخلت عن الحروب التقليدية، وباتت تخوض حروبها من الجو ومن خلال طائرات “الدرونز″ حتى لا تخسر جنديا واحدا، وتكون الخسائر في صفوف ضحاياها فقط، اي الشعوب العربية والاسلامية في ليبيا والعراق واليمن وافغانستان وسورية ايضا.

الفلسطينيون عانوا من الطائرات الاسرائيلية من هذا النوع وجميع قادة المقاومة الذين سقطوا شهداء مثل حجازي والرنتيسي والشيخ احمد ياسين كانوا من ضحاياها، ولا نستغرب ان تشارك هذه الطائرات الاسرائيلية نظيرتها الامريكية في تخريب سورية وقتل ابنائها الوطنيين تحت عنوان مكافحة الارهاب، فكيف سنفرق بين الطائرات الامريكية والاسرائيلية وبين ضحاياها من الدولة الاسلامية او غيرها؟

انهم يريدون تدمير سورية، وليس النظام فقط، وتمزيقها جغرافيا وديمغرافيا، وتحويلها الى دولة فاشلة انتقاما من ارثها الحضاري العظيم، ومن المؤلم ان بعض ابنائها يتورطون في هذا المخطط، ومعهم دول عربية توظف ملياراتها واحقادها “لانجاز″ هذا المخطط للاسف الشديد.

هجمة شرسة تطل براسها ضد الاسلام والمسلمين في الغرب.. بلير يطالب بحرب صليبية.. وكاميرون يسير على خطى نتنياهو ويريد بريطانيا دولة مسيحية.. وحكومات عربية تعطي الضوء الاخضر بسبب عدائها للاخوان المسلمين

من يعيش في بريطانيا هذه الايام فانه يلمس دون عناء حجم الهجمة التي يتعرض لها الاسلام والمسلمين سواء من قبل الحكومة المحافظة التي تحكم البلاد او من قبل معظم الوسائل الاعلامية باشكالها المتعددة، والقاسم المشترك هو تضخيم خطر الاسلام، واعتباره الخطر الاكبر الذي يهدد البشرية.

اربع محطات رئيسية يمكن التوقف عندها، وتؤشر على ما ذكرناه آنفا، وتعكس حالة “الاسلاموفوبيا” في ابشع صورها، وحوادثها وقعت في اقل من ثلاثين يوما:

*الاولى: شن وزير التربية والتعليم في بريطانيا مايكل غوف حملة على المدارس الاسلامية واتهامها بتخريج متطرفين ومشاريع “ارهابيين”.

*الثانية: اعلان ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني اليميني المحافظ ان المسيحية هي ديانة بريطانيا، وهو اعلان عنصري تمييزي وتحريضي، فأكثر من خمسين في المئة من سكان بريطانيا اما غير مسيحيين او لا دينيين.

*الثالثة: فتح الحكومة البريطانية تحقيقا رسميا حول انشطة حركة الاخوان المسلمين وعقيدتها وانشطتها، وما اذا كانت حركة “ارهابية” ام لا، وطالبت المسلمين وغير المسلمين بتقديم معلومات يمكن ان تفيد لجنة التحقيق التي يرأسها سفير بريطاني سابق في المملكة العربية السعودية.

*الرابعة: خروج توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الاسبق والمستشار لاكثر من حكومة عربية والصديق الشخصي للمشير عبد الفتاح السيسي رئيس مصر القادم، الى العلن، واتهامه الاصولية الاسلامية بانها مصدر تهديد حقيقي لاستقرار الغرب والعالم، ومطالبته بانشاء جبهة موحدة مع روسيا بوتين لاعلان الحرب عليها وانهاء اخطارها، وبلير لا يميز هنا بين الاسلام السني او الشيعي، ويعتبر الاثنين يجسدان الخطر نفسه.

***

الامر المؤلم ان دولا عربية مثل المملكة العربية السعودية ومصر والامارات مارست ضغوطا على بريطانيا من اجل فتح تحقيق في المنطلقات الفكرية والعملية لحركة الاخوان في اطار حملاتها المشتركة ضد هذه الحركة، ولكن ما حدث ان الحكومة البريطانية اعتبرت هذه الضغوط ضوءا اخضر لشن حملة تحريض ضد المسلمين عموما سواء كانوا اخوانا او غير اخوان.

الجالية الاسلامية في بريطانيا، او نسبة كبيرة منها، باتت محاصرة بمثل هذا الاستهداف، رغم انها جالية معتدلة، وانباؤها متفوقون في المدارس والجامعات وقطاع الاعمال (البيزنس)، وهذا الاستهداف قد يشجع الجماعات اليمينية المتطرفة لتصعيد الهجمات ضدها، فالمئات من المساجد والمحلات التجارية والمؤسسات الاسلامية تعرضت وتتعرض لمثل هذه الهجمات نتيجة للتحريض الاعلامي المكثف.

الحكومة البريطانية، ومن خلال الاعلام، تطالب الاسر البريطانية المسلمة بمنع ابنائها من الذهاب الى جبهات القتال في سورية خوفا من عودتهم بافكار متطرفة من هناك، والقيام باعمال عنف وارهاب في بريطانيا، وتنسى انها ونظيرتها الفرنسية مارستا ضغوطا كبيرة على الاتحاد الاوروبي لرفع الحظر المفروض على ارسال اسلحة للمعارضة، وشجعت الشباب الاسلامي على الالتحاق بجبهات القتال، تماما مثلما فعلت اثناء الجهاد الافغاني ضد النظام الشيوعي.

توني بلير شن حرب عالمية ثالثة ضد المسلمين ووصل به الامر، وهو الذي قال ان الغرب سيدفع ثمنا باهظا لانه لم يتدخل عسكريا في سورية، عاد وطالب بعقد اتفاق سلام مع الاسد من اجل العمل معه لمحاربة الجماعات الاسلامية التي تقاتل لاسقاط نظامه.

ومن المفارقة ان بلير يخير الغرب حاليا بين خيارين: اما الاسلام السياسي المتطرف او الديكتاتوريات، وينصح بالتعاون مع الخيار الثاني ضد الخيار الاول انطلاقا من نزعاته الصليبية الحاقدة على الاسلام والمسلمين معتدلين كانوا ام متطرفين.

ولعل التناقض الاكبر والفاضح الذي وقع فيه بلير انه طالب بالتدخل العسكري في ليبيا والعراق وسورية وقصف ايران التي رأي في ملاليها اكثر خطرا وبمقدار عشر مرات بالمقارنة مع الخطر الذي يشكله صدام حسين، من اجل التخلص من انظمة ديكتاتورية، وهي انظمة علمانية كانت تشن حربا شرسة ضد الاسلاميين، وتنظيم “القاعدة” وحركة الاخوان المسلمين على وجه الخصوص.

***

انهم باختصار شديد يحاربوننا مرة باسم الديكتاتورية ومرة اخرى باسم خطر الاسلام السياسي، وثالثة بتشكيل خطر على اسرائيل ووجودها، ويستغلون الانقسامات الحادة الطائفية والقبلية والسياسية للتدخل عسكريا واستنزاف ثرواتنا وزعزعة استقرار ووحدة بلداننا وشعوبنا.

كنا نريد حث حكومات عربية على التصدي لهذا المخطط، ولكننا تراجعنا، لان معظم هذه الحكومات متورطة لقصر نظرها، ووضعها مصلحة بقاء انظمتها فوق مصالح الامة ونهوضها ومستقبلها.

الاسلام السياسي ازداد قوة بسبب القمع والاضطهاد وفساد الانظمة وعدم حل المشاكل الاقتصادية والمجتمعية، وبفضل دعم بعض الحكومات العربية ضد بعضها البعض مثلما يحدث في سورية والعراق ولخدمة اغراضها واسقاط اعدائها، وليس من اجل مصلحة شعوب هذه الدول ورخائها واستقرارها ووحدتها الترابية والديمغرافية وان كان هذا هو الذريعة والهدف المعلن للاسف.

مجازر امريكا ‘الحضارية’ في افغانستان

المشهد الدموي يمكن تلخيصه كالتالي: جندي امريكي يقتحم ثلاثة منازل في ضواحي مدينة قندهار الافغانية، معقل البشتون، ويقتل كل من تواجد فيها من مدنيين دون شفقة او رحمة. عدد القتلى بلغ 16 مدنيا بينهم تسعة اطفال.

الجندي الذي يمثل المؤسسة العسكرية الاكثر انضباطا واحترافا في العالم مـــثلما يقول الرئيــــس باراك اوباما، لم يكتف بالقتل بدم بارد، بل جمع احدى عشرة جثة، من بينها جثث اربع فتيات تقل اعمارهن عن ست سنوات، ثم اشعل فيها النار.
القوات الامريكية التي يزيد تعدادها عن مئة الف جندي ذهبت الى افغانستان من اجل اطاحة نظام حكم طالبان الارهابي، واقامة نظام ديمقراطي يحترم حقوق الانسان، ويقود البلاد الى نموذج في الحريات والازدهار الاقتصادي.
بعد عشر سنوات من الاحتلال، وانفاق سبعة مليارات دولار شهريا، ومقتل حوالى مئة الف افغاني، وخمسة آلاف جندي من قوات الناتو، يتحول مكافحو الارهاب الى ارهابيين وقتلة، يرتكبون جرائم تتواضع امامها جرائم 'الارهابيين' حسب توصيفهم.
وزارة الدفاع الامريكية 'البنتاغون' قالت في بيان لها ان هذا العمل منفرد، اقدم عليه شخص واحد، دوافعه ما زالت غامضة، وانه يخضع للتحقيقات وسيقدم الى محكمة عسكرية قد تحكم بإعدامه.
نختلف مع وزارة الدفاع الامريكية في هذا التوصيف، ونقول ان هذا الجندي ينطلق في عمله الارهابي هذا من ثقافة الكراهية والحقد ضد كل ما هو مسلم، ويعكس عقيدة المؤسستين العسكرية والسياسية في الولايات المتحدة الامريكية.
فكيف يفسر البنتاغون اقدام جنود امريكيين، وليس فردا واحدا، على حرق القرآن الكريم على الاراضي الافغانية، ثم ماذا يقول ليون بانيتا وزير الدفاع الامريكي في الشريط المصور الموجود على اليوتيوب، ويصور جنودا امريكيين يتبولون على جثامين شهداء من حركة طالبان؟
' ' '
حتى حامد كرزاي الرئيس الافغاني الذي جاء به الامريكان الى سدة الحكم، وتصرف طوال السنوات العشر الماضية كدمية في ايديهم، لم يستطع ان يتحمل هذه الاعمال البشعة التي يقدم عليها حلفاؤه ضد ابناء جلدته، وأدانها بأقوى العبارات وأشدها، فكيف سيكون حال قبيـــلة البشتون التي ينــــتمي اليـــها هؤلاء الضحـــايا، ويمـــثلون نصــف تعداد الشعب الافغـــاني تــقريبا؟
المظاهرات عمت افغانستان كلها احتجاجا على هذه الجريمة البشعة، وسقط اكثر من اربعين قتيلا اثناءها، بينما اكدت حركة طالبان بأنها ستنتقم، واذا حذرت طالبان فإن علينا ان نتوقع ترجمة دموية لمثل هذه التحذيرات، فهؤلاء يقولون ويفعلون، وإلا لما باتوا على وشك هزيمة القوات الامريكية وطردها من بلادهم بعد عشر سنوات من المقاومة الشرسة.
الولايات المتحدة الامريكية خسرت الحــرب في افغانستان مثلما خسرتها في العـــراق، وســـتخسر اي حرب اخرى تخوضها في العالم الاسلامي مستقبلا، وكل ما تفعله حاليا هو المكابرة والاصرار على 'الانكار'، بينما تتفاوض في الغرف المغلقة مع طالبان التي ارسلت قواتها لتغيير نظامها، من اجل اعادتها الى السلطة مجددا مقابل توفير انسحاب آمن لقواتها المهزومة.
من المفارقة ان الادارة الامريكية نفت ان تكون قد وصمت حركة 'طالبان' بالارهاب، وادعت انها ارسلت قواتها الى افغانستان من اجل محاربة تنظيم 'القاعدة' والقضاء عليه، وحتى هذه الذريعة غير مقنعة على الاطلاق، فتنظيم 'القاعدة' بات اكثر خطورة مما كان عليه قبل الاحتلال الامريكي لأفغانستان، فها هو يعيد تجميع صفوفه في العراق، ويتسلل الى سورية باعتراف وكالة المخابرات المركزية الامريكية نفسها، ويسيطر على منطقة القرن الافريقي، ومدخل البحر الاحمر، ويهدد الملاحة الدولية في بحر العرب من خلال وجوده في اليمن والصومال، ويقترب من اوروبا بفضل فرعه الأقوى في المغرب الأسلامي، والفرع الجديد الاحدث في الساحل الأفريقي، وبات يجلس على ترسانة هائلة من الاسلحة والذخائر التي استولى عليها من مستودعات النظام الليبي السابق بفضل تدخل حلف الناتو.
' ' '
هذه المجازر الامريكية المتوازية مع سياسات معادية للعالم الاسلامي، ومنحازة بالكامل للعدوان الاسرائيلي، هي التي تشجع الارهاب، وتسهل على المنظمات المتشددة تجنيد الانصار، فعندما تدين الادارة الامريكية بأقوى العبارات اطلاق الصواريخ على المستوطنات الاسرائيلية ولا تبدي اي تعاطف مع خمسة وعشرين شهيدا فلسطينيا سقطوا ضحايا غارات الطائرات الاسرائيلية ـ الامريكية الصنع، فكيف يمكن ان نصدق كل الاحاديث والبيانات الامريكية حول العدالة وحقوق الانسان والقيم الديمقراطية؟
حركة طالبان لن تنتقم لضحاياها بقتل اطفال امريكيين، وانما من خلال الهجوم على قوات امريكية تحتل ارضها، ويقتل بعض افرادها مدنيين عزلا، وهذا هو الفرق بين المسلمين المتخلفين ،حسب الوصف الامريكي، وبين الجنود الامريكيين الحضاريين الذين ينتمون الى الدولة الاعظم زعيمة العالم الحر.