امريكا

الامريكان وحلفاؤهم توقعوا خطر “الدولة الاسلامية” في سورية والعراق فجاءهم من ليبيا.. وعندما يتحدثون عن “الحل السياسي”.. فهذا ايمانهم بفشل الحل العسكري مسبقا.. والجامعة العربية تتحمل المسؤولية الاكبر

عبد الباري عطوان
في ليبيا حكومتان، وبرلمانان، وجيشان، الآن اضيف الى المعسكرين “كيان” ثالث اكثر اهمية وخطورة، وهو “الدولة الاسلامية” وولاياتها الجديدة في “برقة” و”سرت” وربما قريبا في سبها في الجنوب، وطرابلس في الغرب، وهذا ما خباه عليها “الناتو” واصدقاؤه.
بينما تركز الولايات المتحدة وتحالفها “الستيني” على كيفية منع توسع هذه “الدولة” في سورية والعراق، وتستخدم الغارات الجوية لضرب مواقعها، وتدرب وتسلح فرقا من الجيش العراقي والبشمرغة الكردية لهجوم متوقع على مدينة الموصل بعد شهرين، تفاجيء هذه “الدولة” الجميع وتكشف عن وجود قوي يتمدد ويتوسع لكن في مكان آخر لم يخطر على بال احد، وهو ليبيا.
من شاهد العرض العسكري القوي لانصار هذه “الدولة” في وضح النهار في الشرق الليبي، وتابع البيان الذي اصدره متحدث باسم “ولاية برقة” الفرع الليبي لـ”الدولة الاسلامية” وتبنى فيه “هجومين استشهاديين من الهجمات الثلاثة التي نفذها فارسين من فوارس الخلافة بسيارتين مفخختين استهدفا غرفة عمليات الطاغوت خليفة حفتر في المنطقة الشرقية ثأرا لضحايا درنة” يترحم على ايام تنظيم “القاعدة”.
***
الدول الاوروبية، وخاصة التي تقع على الشاطيء الشمالي للبحر المتوسط، تعيش حالة من الرعب من جراء اقتراب “الدولة الاسلامية” و”ولاياتها” من حدودها الجنوبية، ومن المفارقة ان هذه الدول، وخاصة ايطاليا وفرنسا كانت الاكثر حماسة لتدخل حلف الناتو العسكري في ليبيا في عام 2011، وتجد نفسها الآن تواجه خطرا مزدوجا، الاول هو الهجرة غير الشرعية التي تتدفق عبر البحر الى شواطئها، والثاني احتمال وجود متشددين اسلاميين وسط هؤلاء، فالسواحل الليبية قبالة نظيراتها الاوروبية تمتد لاكثر من الفي كيلومتر، ومفتوحة على مصرعيها للمتطلعين الى الانطلاق منها نحو الساحل الآخر.
الدول الاوروبية التي تملك طائرات حربية واساطيل بحرية حديثة تتمسك بشعار “الحل السلمي” للازمة الليبية، وتعارض دعوة السلطات المصرية لاي تدخل عسكري جديد تحت مظلة الامم المتحدة، مثلما تعارض اي رفع لحظر السلاح عن ليبيا لانها تدرك جيدا ان مثل هذه الخطوات تصب الزيت على نار الازمة، وبما يزيدها اشتعالا وتعقيدا، والاهم من كل هذا وذاك انها ترتعب من التدخل، وتدير وجهها الى الناحية الاخرى.
ولعل مخاوف دول الجوار الليبي، ومصر على وجه التحديد، من امتدادات الفوضى الدموية الليبية الى حدودها، اكبر بكثير من مخاوف سياسية واجتماعية يمكن ان تشكل مجتمعة او متفرقة بيئة حاضنة لهذا التنظيم المتشدد، ويمكن الاشارة هنا الى ثلاثة مواقف متضادة في هذا الصدد، الاول مصري اعتمد القصف الجوي كرد على مقتل 21 من المصريين الاقباط، والثاني جزائري يعارض بشدة اي تدخل عسكري، والثالث تونسي يريد ان يمسك العصا من الوسط، عبر عنه الرئيس المخضرم الباجي قايد السبسي عندما قال ان الحكومتين في ليبيا، الشرقية منها والغربية تتمتعان بالشرعية، وكأن لسان حاله يقول نحن مع الجميع، وارجوكم كفو شروركم عنا واتركونا في حالنا!
موقف الدول العربية من الصراع في ليبيا مخجل بكل المقاييس، وتأييد دول مجلس التعاون الخليجي لتحفظ دولة قطر على فقرة في البيان الختامي لاجتماع المندوبين العرب التي تقر “بحق مصر في الدفاع الشرعي عن نفسها، وتوجيه ضربات الى ليبيا” ورفض الاتهامات التي وجهها مندوب مصر الى دولة قطر بدعم الارهاب كرد على هذا التحفظ، ثم عبر بيان جديد لامين عام المجلس نفسه يؤيد “ما تتخذه مصر من اجراءات عسكرية ضد الجماعات الارهابية في ليبيا”.. مخجل بشكل اكبر ويكشف عن ارتباك غير مستغرب في ظل الانهيار العربي الراهن، وعلينا ان لا ننسى مطلقا ان بعض الدول الخليجية، وخاصة قطر والامارات تدخلنا بالازمة الليبية منذ يومها الاول ماليا وعسكريا وسياسيا.
ما يجري في ليبيا حاليا من فوضى هو احد ابرز ثمار “التآمر العربي” والسقوط في مصيدة المخططات الامريكية التي تريد تمزيق المنطقة وتفكيك دولها تحت مسميات زائفة روجت لها بعض وسائط الاعلام العربي ذات التأثير الكبير، وهي الوسائط التي حققت شعبية هائلة في اطار خطة مدروسة واستخدمت هذا الرصيد الشعبي لاحقا في تمرير هذه المخططات، وانجاحها بحسن نيه او سوئها.
***
ليبيا ضحية اكذوبة كبيرة لا تقل عن اكذوبة اسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة، والشعب الليبي هو الذي يدفع الثمن من امنه واستقراره وثرواته النفطية الهائلة عندما صدق بعض ابنائه بعض فصول هذه الاكذوبة، وعملوا على ترويجها واقناع الآخرين بها.
عندما تتحدث الدول الغربية عن الحلول السياسية في سورية وليبيا والعراق واليمن كمخرج وحيد، وتعارض الحلول العسكرية التي تبنتها وحولت هذه الدول الى دول فاشلة، فان ما يمكن استنتاجه انها “كسرت الجرة ولا تريد، او لا تستطيع اصلاحها”، وتريد ترك هذه الدول وشعوبها الى مصيرها المؤلم المشؤوم، بل ما يدفع الى الغيظ اكثر ان هناك من بيننا من يزالوا يراهنون على امريكا والغرب وتدخلاتهم العسكرية والسياسية في شؤون المنطقة كأحد ابرز اوجه العلاج من ازماتها، ويتجاهلون ان هذا الغرب هو الذي زرع ويزرع فيروس عدم الاستقرار والتفكيك في بلداننا.
الجامعة العربية باتت بؤرة للتآمر على المنطقة وشعوبها، وتوفر الغطاء العربي المزور للتدخلات العسكرية الاجنبية، ولذلك لا خير فيها ولا جدوى من اصلاحها، ولا بد من محاكمة كل من ساهم في مؤامراتها ضد هذه الامة وشعوبها، سواء كانوا امناء عامين، والسيدين عمرو موسى ونبيل العربي على وجه الخصوص، او اعضاء جلسوا على مقعد قيادتها في ظل انقلاب المعادلات وتراجع الدول المحورية وغياب القيادات الوطنية.

انهارت المصالحة المصرية القطرية “الهشة” مبكرا.. ونجحت “الدولة الاسلامية” في تأجيج الصراع وخلق صداع “اشد” لمجلس التعاون الخليجي في مشرق العرب ومغربهم.. ما هو موقف السعودية وعاهلها الجديد في هذه الازمة؟ ولمن ستنحاز؟

عبد الباري عطوان
يبدو ان “الدولة الاسلامية” لم تنجح فقط في جر النظام المصري الى “المحرقة” الليبية مثلما نجحت قبل ذلك في توريط امريكا وحلفائها في المستنقع الدموي العراقي السوري، وانما في نسف المصالحة القطرية المصرية “طرية العود” وخلق صداع مزمن لدول مجلس التعاون الخليجي، وضعها امام خيارات استراتيجية صعبة.
الصدام المصري القطري خرج اخيرا الى العلن، بعد ان كان مكبوتا ومسكوتا عنه، وانتقل من القنوات التلفزيونية الفضائية والصحف الى اروقة الجامعة العربية، وبات يؤشر الى احتمالات تقسيم مجلس التعاون الخليجي على ارضيته الى معسكرين، واحد مع مصر، وآخر مع قطر، اذا لم يتم تطويق هذا الخلاف بسرعة، وهذا امر في قمة الصعوبة.

***

نشرح اكثر ونقول ان جهود المصالحة بين البلدين التي بذلها العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز، وسخر لها الجزء الاكبر من وقته وعلى حساب صحته المتدهورة، بعد نجاحه في حل ازمة العلاقات بين قطر والدول الخليجية الثلاث التي سحبت سفراءها من الدوحة (السعودية والامارات البحرين) وفق بنود “اتفاق الرياض التكميلي” الذي جرى التوصل اليه في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، تتبخر بسرعة وان هذه المصالحة ظلت على السطح وقبلتها الدولتان على مضض، احتراما لمكانة العاهل السعودي، فمصر الرئيس السيسي لم تغفر لقطر مطلقا دعمها لحركة الاخوان المسلمين، وقطر لن تنسى مطلقا انقلاب السيسي الذي اطاح بحليفها الاوثق محمد مرسي، وافسد عليها الركن الاساسي لاستراتيجيتها في المنطقة، اي كسب مصر الى جانب حلفها مع تركيا، وهي الاستراتيجية التي وضعتها في مقعد قيادتها، ولعب دور رئيسي في شؤونها رغم صغر حجمها البشري والجغرافي.
الشرارة التي فجرت الخلاف جاءت اثناء مناقشة البيان الصادر عن اجتماع جامعة الدول العربية قبل يومين على مستوى المندوبين، حيث تحفظ المندوب القطري على الفقرة التي “تقر بحق مصر في الدفاع الشرعي عن نفسها وتوجيه ضربات الى ليبيا”، وفقرة اخرى تطالب “برفع الحظر الدولي المفروض على ارسال اسلحة الى ليبيا”، الامر الذي اثار غضب المندوب المصري طارق عادل الذي رد على هذين التحفظين، والاول خاصة، باتهام دولة قطر “بدعم الارهاب”.
المندوب المصري ضرب على عصب قطري حساس للغاية، وهو الاتهام بدعم الارهاب، لان مثل هذا الاتهام يطارد مسؤوليها (اي قطر) في كل مكان، خاصة هذه الايام في الدول الغربية، بسبب دورها في سورية، وهو اتهام خطير جدا لانه لو جرى اثباته، وهذا صعب حتى الآن، سيعني وضع قطر على قائمة الارهاب وتجميد جميع ارصدتها المالية، وفرض عقوبات اقتصادية عليها على غرار ما حدث لايران بعد الثورة الخمينية، حيث تواجه حصارا شرسا منذ ثلاثين عاما، ايران صمدت في وجه الحصار لانها دولة عظمى، ولكن ماذا يمكن ان تفعل قطر بدون اموالها؟
الحكومة القطرية ردت بعنف على المندوب المصري ووصفت تصريحه بانه “موتور” ويخلط “بين ضرورة مكافحة الارهاب وبين قتل المدنيين وحرقهم بطريقة همجية”، وقالت “ان المندوب المصري جانبه الصواب والحكمة ومبادىء العمل العربي المشترك”.
مجلس التعاون الخليجي يجد نفسه هذه الايام في مأزق صعب وجديد يضاف الى مآزقه الاخرى المتفاقمة، فهل ينحاز الى دولة قطر العضو فيه ويحافظ على ما تبقى من وحدته وتماسكه، وهو قليل على اي حال، ام الى مصر التي يعتبرها رأس الحربة في استراتيجيته لمكافحة الارهاب والحرب التي يشنها على حركة “الاخوان المسلمين”.
يبدو ان المجلس اختار الانحياز الى جانب دولة قطر “كلاميا” على الاقل، وكلف السيد عبد اللطيف الزياني امينه العام اصدار بيان يندد فيه بالاتهامات المصرية لقطر بدعم الارهاب ووصفها بأنها باطلة تجافي الحقيقة.
لا نعتقد ان السلطات المصرية ستكون مسرورة من بيان تنديدات السيد الزياني هذه والتي تتناقض مع منظورها للبعد الاستراتيجي في علاقاتها مع دول الخليج، وسترى ان هذه الدول تكاتفت ضدها في ظرف حرج تعيشه في ظل مقتل 21 مواطنا مصريا، ورفض الدول الغربية لمطالبها بقرار دولي يصدر عن مجلس الامن يؤيد التدخل العسكري في ليبيا تحت البند السابع من ميثاق الامم المتحدة.
الامارات والكويت والبحرين تؤيد مصر بالمطلق ليس لانها استثمرت المليارات في دعم حكومة الرئيس السيسي (25 مليار دولار) حسب احدث التقديرات، وانما لانها ترى فيها حليفا استراتيجيا في مواجهة ايران والاسلام السياسي الذي ترى انه يهدد امنها واستقرارها.
وما زال من غير المعروف ما اذا كان الملك سلمان بن عبد العزيز سيسير على نهج شقيقه الراحل بتبني الموقف نفسه الداعم لمصر ام انه سيميل اكثر الى الكفة القطرية، الامر الذي لو تم سيحدث شرخا كبيرا قد يؤدي الى انهيار مجلس التعاون الخليجي كمنظمة اقليمية او اضعافه في افضل الاحوال.
***
مصر الرئيس السيسي تعيش حاليا مثل النمر المثخن بالجراح، حيث تخوض حرب استنزاف في سيناء من ناحية، وتنجر الى حرب اخرى في ليبيا، وقد تجد اكثر من مليون من عمالها يفرون بأرواحهم من الاخيرة، مما يعني تفاقم معدلات البطالة والازمة الاقتصادية بالتالي.
المؤشرات التي يمكن رصدها تؤكد ان الصدام المصري القطري شبه مؤكد في الايام المقبلة، ومحاولات “الترقيع″ الخليجية المعهودة قد لا تعطي ثمارها هذه المرة، وكلا الطرفين يتعاطون مع هذه الازمة على طريقة الرئيس جورج بوش “من هو ليس معي فهو ضدي”، وبدأت التعبئة الاعلامية للصدام بين البلدين تنعكس في حشد القنوات الفضائية وشحذ “السنة” اذرعتها البشرية الضارية في العاصمة البريطانية على وجه الخصوص.
فاذا كانت الحرب بدأت باتهامات مثل “دعم الارهاب” والرد بتوصيفات مثل “قول موتور” وفي اهم محفل سياسي ودبلوماسي عربي (الجامعة العربية) وسحب السفير القطري، فعلينا ان نتصور كيف سيكون الحال في اجهزة اعلام فالته من كل عيار، وتأسست في الوطن العربي وخارجه من اجل النيل من الطرف الآخر بكل الطرق والوسائل؟
ما اجمل ان لا تكون طرفا في هذا الاستقطاب وهذا الصراع!

المأزق السعودي الخليجي في اليمن يتفاقم: تهديدات “مبطنة” بالتدخل العسكري.. واستغاثة دون تجاوب بمجلس الامن الدولي.. ترى ما هي الخيارات الخليجية في اليمن؟ ومن المسؤول عن الخطأ الكارثي؟ وكيف يكون الاصلاح؟

عبد الباري عطوان
النقطة الابرز التي وردت في البيان الختامي لاجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي الذي انعقد يوم السبت في قاعة الاجتماعات في مطار قاعدة الرياض الجوية اكدت “على استئناف العملية السياسية في اليمن وفقا للمبادرة الخليجية” وحذر البيان “انه في حال عدم التوصل الى اتفاق فسوف تتخذ دول المجلس الاجراءات التي تمكنها من الحفاظ على مصالحها الحيوية في امن واستقرار اليمن”.
كلام جميل.. ولكن ما هي هذه الاجراءات التي يمكن ان تتخذها دول مجلس التعاون للحفاظ على مصالحها الحيوية هذه؟ فهل سترسل جيوشها واساطيلها البحرية والجوية لقصف تجمعات “انصار الله” الحوثيين الذين يسيطرون على العاصمة صنعاء، ويصدرون بياناتهم من قلب القصر الجمهوري، ويفرضون الاقامة الجبرية على رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي ورئيس وزرائه خالد بحاح؟
لا نعتقد ان دول الخليج ستتدخل عسكريا في اليمن، وان تدخلت فتحت اجنحة الطائرات الامريكية، وبطريقة رمزية على غرار ما يحدث حاليا في العراق وسورية في اطار الحرب المعلنة ضد “الدولة الاسلامية”.
لم تتدخل جيوش دولة الا وهزمت او لم تنتصر على الاقل في اليمن، حتى ان صنعاء ظلت عصية على الامبراطورية العثمانية، ومن قبلها الامبراطورية البريطانية التي حصرت وجودها في عدن وجوارها الجنوبي، وكانت النصيحة الابرز للملك عبد العزيز آل سعود لنجله الامير (الملك) فيصل بالعودة فورا عندما توغلت القوات التي كان يرأسها في العمق اليمني، حتى لا يقع في هذه المصيدة التي لا ينجو منها احد، ولعل تجربة الحرب السعودية المصرية في اليمن في الستينات الا احد الامثلة المغرقة في دمويتها في هذا الصدد، وهي الحرب التي قادت الى الهزيمة العربية الكبرى عام 1967، ولم يصلح حال العرب من حينها.
***
لا نعتقد ان الولايات المتحدة المتورطة في حربين حاليا (افغانستان والعراق) وثالثة غير مباشرة في اليمن مستعدة لتلبية الاستغاثة الخليجية هذه واستصدار قرار عن مجلس الامن الدولي تحت “البند السابع″ بفرض الامن والسلم الدوليين في اليمن، فالادارة الامريكية لا تساوي بين التمرد الحوثي و”الدولة الاسلامية” ولا تعتبر القضاء على الاول “اولوية” على غرار ما تفعل ضد “الدولة الاسلامية” لانها تخاف من ايران اولا، ولا تريد عرقلة اي اتفاق نووي معها.
السياسات الخليجية في اليمن كانت وما زالت “كارثية” ومرتبكة وتفتقد الى الرؤية والاستراتيجية الواضحة والمدروسة، ولا نبالغ اذا قلنا انه لا توجد سياسة خليجية موحدة اساسا، وانما “مناكفات” وردود فعل لا اكثر ولا اقل.
نشرح اكثر ونقول انه لا يوجد “مشروع خليجي” موحد في اليمن، او اي مكان آخر في الوطن العربي، وانما مشاريع لآخرين تساندها الدول الخليجية ومواقف متضاربة لا يوجد اي تنسيق بينها، ففي سورية تدعم قطر جهات وتدعم السعودية اخرى مضادة لها، وفي ليبيا تدعم الامارات اللواء خليفة حفترى وكتائب الزنتان، بينما تقف قطر بصلابة خلف قوات “فجر ليبيا” ودولة مصراته، وجماعات اسلامية متشددة، والشيء نفسه يتكرر تجاه مصر في عهد حكم الاخوان المسلمين، ثم في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، ولا داعي للاطالة.
المملكة العربية السعودية صاحبة “المبادرة الخليجية” في اليمن التي تريد من مجلس الامن الدولي التمسك بها وفرضها وفق البند السابع، وجدت نفسها وبعد ثمانين عاما، دون اي حلفاء في هذا البلد، لا القبائل، ولا حزب الاصلاح (الاخوان المسلمين) ونواته الصلبة آل الاحمر وقبيلة حاشد، ولا “انصار الله” الحوثيين (الشيعة)، ولا الحراك الجنوبي (السني) رغم انها استثمرت الكثير في اليمن منذ اليوم الاول لقيامها، وحتى الرئيس اليمني علي عبد الله صالح حليفها التقليدي الذي عالجته وانقذته من الموت انقلب عليها وتحالف مع اعدائها الحوثيين، وفضل خصمه علي سالم البيض زعيم اليمن الجنوبي المطالب بالانفصال التوجه الى طهران وتوثيق العلاقات معها، وسبحان من جمع الرجلين على حليف واحد!
ايران ترسل السلاح والخبراء العسكريين وربما الحرس الثوري الى حلفائها الحوثيين فماذا تقدم السعودية ودول الخليج لحفائها اليمنيين اذا وجدوا غير البيانات التي تطالب بالالتزام بمبادرتها ودعم السلطة الشرعية.. قولوا لنا بالله عليكم اين هذه المبادرة واين هي السلطة الشرعية الآن؟
يجب على وزراء خارجية دول الخليج الاعتراف اولا انه لا توجد سياسة خارجية خليجية موحدة او متفرقة، وان يبدأوا ثانيا بالاعتراف بهذه الحقيقة ويعملون على اصلاحها، بوضع مشروع خليجي يقوم على اسس وطنية عربية واضحة يضع حدا لكل التناقضات الحالية في العراق وليبيا ولبنان وسورية واليمن وحتى في فلسطين.
فالممكلة العربية السعودية زعيمة دول مجلس التعاون الخليجي، صاحبة المبادرة العربية للسلام في فلسطين هذه المرة، باتت خارج القضية الفلسطينية كليا، ولا احد يعرف ما هي سياستها الحالية تجاهها، فهي في حال قطيعة، ان لم يكن حالة عداء، مع حركة المقاومة الاسلامية “حماس″ بسبب ارتباطها بالاخوان المسلمين، وكذلك حركة الجهاد الاسلامي، اما علاقتها بسلطة رام الله فهي باردة، وما زال من غير المعروف حقيقة موقفها الحالي في الازمة السورية، وهناك من يقول انها انسحبت منها وباتت تركز على محاربة “الدولة الاسلامية” فقط.
السياسة السعودية، والخليجية بالتالي، تجاه اليمن كانت تقوم على ركيزتين اساسيتين: الاولى ان يظل هذا البلد فقيرا ضعيفا مقسما ومفتقدا لاسباب القوة، والثانية ان لا توجد فيه حكومة مركزية قوية، لان وحدة هذا البلد وقوته تشكلان خطرا على استقرار المنطقة، وهذا ما يفسر دعوة كل من الاردن والمغرب البعيدين كليا عن الخليج للانضمام الى مجلس التعاون واستثناء اليمن القريب جدا ثقافيا وجغرافيا وبشريا، والشح المخجل في المساعدات ودعم مشاريع التنمية فيه.
***
هذه السياسة نجحت في اضعاف اليمن وتقسيمه بل تفتيته فعلا، ولكن السحر انقلب على الساحر، فقد تحول اليمن الى دولة فاشلة، وسلطة مركزية ضعيفة، الامر الذي اوجد فراغا ملأته “القاعدة” طوال السنوات العشر الماضية، وهي “الدولة الاسلامية” الاكثر خطورة تقيم مضاربها وتتمدد وبسرعة متناهية وتجد تأييدا ومساندة من القبائل المحبطة من السياسة السعودية الخليجية وازدياد قوة ونفوذ التيار الحوثي معا.
تيار “انصار الله” الحوثي يمني، بل احد ابرز مكونات الديمغرافية اليمنية، اي انه ليس غريبا او طارئا، واستفاد استفادة كبيرة من غياب السياسات الخليجية السلبية والمظالم الواقعة على الشعب اليمني، وهذا من حقه، وتحالف مع القوة الايرانية التي لا تتخلى عن حلفائها، وهذا سر قوته، ورفع شعار العداء لاسرائيل وامريكا، وهذا عين الصواب، اي انه استفاد من اخطاء السياسات السعودية والخليجية التي تخلت عن المقاومة الفلسطينية وتحالفت مع امريكا، وخاضت وتخوض كل حروبها في المنطقة والعالم.
الدول الخليجية وبسبب غياب المشروع السياسي والاستراتيجي المتكامل واعتمادها المطلق على امريكا التي تخلت عنها لصالح التقارب مع ايران في لمح البصر، تجد نفسها في العراء، ووسط بيئة معادية، ومحاطة من الاعداء من كل اتجاه، “الدولة الاسلامية” في الشمال، وايران في الشرق، والدولة اليمنية الفاشلة والتيار الحوثي في الجنوب، والغموض في الغرب (مصر).
من يتحمل مسؤولية هذا الوضع المرعب؟
اسألوا مئات الخبراء والمستشارين والمفكرين وبنوك العقول (Thinktank) الخليجية، التي تنفق عليها مئات الملايين من الدولارات لعل عندهم الاجابة!

ما هي ابرز ملامح وتوجهات العاهل السعودي الجديد تجاه القضايا العربية؟ وما مدى صحة التقارير التي تتحدث عن ابتعاده عن الرئيس السيسي وتقربه من “الاخوان المسلمين”؟ وماذا عن الملفين السوري والعراقي.. والعلاقة مع “حماس″؟ وهل انهار التحالف مع الامارات؟

عبد الباري عطوان

تتجه كل الانظار هذه الايام باتجاه الرياض، والعاهل السعودي الجديد الملك سلمان بن عبد العزيز لمعرفة خطواته المقبلة، وطبيعة تحالفاته الخليجية والاقليمية المتوقعة، بعد ان ثبت اركان عرشه، وكرس رجاله في المفاصل الهامة في الدولة من خلال اصدار 34 مرسوما دفعة واحدة.
الملك سلمان بن عبد العزيز قال خلال ترؤسه مجلس الوزراء للمرة الاولى بعد توليه العرش يوم (الاثنين) “ان بلاده مدركة مسوؤلياتها الجسام” و”لن تحيد عن السير في النهج نفسه الذي سنه الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، وسار عليه من بعده ابناؤه الملوك” ونقل الدكتور عادل الطريفي وزير الاعلام الجديد عن الملك السعودي قوله “ان توجهات وسياسات المملكة على الساحات العربية والاسلامية والدولية نهج متواصل ومستمر، واضاف “نحن عازمون على مواصلة العمل الجاد والدؤوب من اجل خدمة الاسلام وتحقيق الخير لشعبنا العربي النبيل ودعم القضايا العربية والاسلامية، والاسهام في ترسيخ الامن والسلم الدوليين والنمو الاقتصادي العالمي”.
كلام جميل، ولكنه مغرق في عموميته، ولا يمكن الخروج منه، بعد قراءته اكثر من مرة، بأي ملمح من ملامح السياسة الخارجية او الداخلية للعهد السعودي الجديد، فدعم القضايا العربية والاسلامية جملة فضفاضة، فأي من هذه القضايا التي سيدعمها العهد الجديد على سبيل المثال؟ فهل القضايا السورية والعراقية والفلسطينية والليبية والمصرية من بينها، وكيف سيكون هذا الدعم، وضمن اي محور في هذه القضايا مثلا؟
بمعنى آخر هل سيتم دعم المعارضة السورية بالمال والسلاح، مثلما كان عليه حال الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز والاستمرار في سياسة اسقاط النظام السوري، ام سيتم الانسحاب من هذه السياسة بعد تغير الاولويات ووضع محاربة “الدولة الاسلامية” على قمتها، وهل سيتم دعم المقاومة الاسلامية في الارض الفلسطينية المحتلة، ام ستستمر القطيعة مع حركة “حماس″، وتوثيق العلاقة مع السلطة فاقدة الشعبية في المقابل؟ (الملك سلمان تولى رئاسة اللجنة السعودية لدعم الشعب الفلسطيني لاكثر من اربعة عقود واعتقد انه ما زال في المنصب)، وبالنسبة الى مصر هل سيواصل العاهل الجديد الدعم المفتوح والمطلق لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومواصلة الحرب على تنظيم الاخوان المسلمين في كل بقاع الارض، وليس في مصر وحدها، ام سيلجأ الى ترميم الجسور مع هذه الحركة؟ وماذا عن ايران “الشيعية” وتركيا “السنية” ومع اي من هاتين القوتين الاقليميتين العظميين سيتقارب العهد السعودي الجديد، وكيف، ووفق اي معايير؟ والاسئلة كثيرة في هذا المضمار، وتحتاج الى اجابات عاجلة، وربما بالسرعة نفسها التي تمت من خلالها عملية ترتيب البيت السعودي الداخلي.
***
وعندما نقول ان الانظار مركزة حاليا على الرياض، فان هذا التركيز مشروع ومبرر لاهمية هذه العاصمة وحاكمها، ودورها المؤثر في السياسات الاقليمية والدولية، ولم يكن غريبا ان هناك من يقف محللا ومتكهنا لكل خطوة وكل اشارة وكل تصريح.
توقف الكثيرون، على سبيل المثال، عند غياب الشيخين القويين في دولة الامارات العربية المتحدة اي محمد بن راشد (حاكم دبي) ومحمد بن زايد (ولي عهد ابوظبي) عن جنازة العاهل السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز، مثلما توقفوا ايضا عند غياب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وذهب البعض الى درجة القول بأن الحلف السعودي الاماراتي المصري الذي تبلور، وبلغ ذروة قوته في عهد الملك الراحل بدأ يتفكك، ان لم يكن قد انهار فعلا، ولعب الاعلام القطري، او المحسوب على الدوحة، على وجه الخصوص، دورا كبيرا في “فصفصة” هذه المسألة واستنتاج النتائج السابقة، اي ضعف او انهيار هذا التحالف الذي غير خريطة مجلس التعاون الخليجي الداخلية والخارجية معا.
نقطة اخرى جرى رصدها وهي تقديم الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية المقربة من الاخوان المسلمين، ان لم تكن تابعة لها، واجبات العزاء للعاهل السعودي الجديد، فهناك من رأى في هذه الخطوة تغييرا في سياسة المملكة تجاه حركة الاخوان التي وصلت الى حد القطيعة الكاملة، وهناك من ذهب الى ما هو ابعد من ذلك، وتحدث عن علاقات الملك سلمان الوثيقة مع المؤسسة الدينية الرسمية، وابتعاده عن الليبراليين السعوديين والعرب، ورغبته في انهاء ارث الملك الراحل في “تهميش” التيار الاسلامي المحافظ والاقتراب من الليبراليين، وربما يكون هذا التفسير صحيحا، ولكن ما علمنا به ان الشيخ راشد الغنوشي طلب من السلطات السعودية الحضور لتقديم واجب العزاء وتهنئة الملك الجديد وفي نيته فتح صفحة جديدة، وهو الذي ابعد من مطار جدة مرتين، وبملابس الاحرام، بسبب غضب السلطات السعودية عليه لاخوانيته اولا، ولقائه بالشيخ سعود الهاشمي قبل اعتقاله ثانيا، فجاء الرد، اي للشيخ الغنوشي، بالترحيب والاذن بالحضور، ولا ننسى ان الشيخ الغنوشي وحركة النهضة التي يتزعمها، والحكومة التي انبثقت عنها في بداية الثورة التونسية عارضت بقوة استضافة السعودية للرئيس التونسي الاسبق زين العابدين بن علي وطالبت بتسليمه.
لا نعرف الاسباب التي دفعت بالمسؤولين الاماراتيين للتغيب عن تقديم واجبات العزاء في الملك الراحل، والاكتفاء بارسال شيوخ من امارات اصغر حجما وثراء، فالامارات تلتزم الصمت، ومن يؤمنون بنظرية “الازمة” اعتمدوا في تحليلهم على انهيار التحالف على موقع اماراتي يرأسه اعلامي مخضرم يعمل في ديوان رئيس الدولة انتقد تعيين الامير القوي محمد بن نايف وزير الداخلية، وليا لولي العهد ورئيسا لمجلس الامن والسياسة الذي يضم وزارات الدولة الامنية والسياسية “الخارجية” و”الدفاع″ و”الداخلية” و”الاعلام” و”الحج”، والايحاء بأن العلاقات بين الشيخ محمد بن زايد والامير محمد بن نايف متوترة، وان الاول كان على علاقة وثيقة مع الاميرين بندر بن سلطان ومتعب ابن عبد الله نجل العاهل الراحل، علاوة على خالد التويجري رئيس ديوان الملك الراحل الذي ابعد بأول مرسوم يصدره العاهل الجديد.
واذا افترضنا ان كل هذه التكهنات صحيحة، او تنطوي على الكثير من الصحة، وربما يكون الحال كذلك، فشيوخ الخليج ملوك التكتم وكل تسريبة لهم للاعلام توزن بميزان من الذهب الابيض، فان السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن مدى صحة “فرضية” توتر العلاقة او “برودها” بين مصر الرئيس عبد الفتاح السيسي والعاهل السعودي الجديد؟

***

لم يصدر حتى الآن من مصر ومسؤوليها اي موقف او مؤشر يؤكد على تدهور العلاقات، باستثناء تغيب الرئيس السيسي عن مراسم العزاء الذي قيل انه جاء بسبب الثلوج التي حالت دون اقلاع طائرته فورا من منتجع دافوس الاقتصادي الذي كان يشارك فيه.
المملكة العربية السعودية استثمرت اكثر من 15 مليار دولار لدعم النظام المصري الجديد الذي جاء بعد انقلاب عسكري على الرئيس المنتخب محمد مرسي، وبنت كل سياساتها الاستراتيجية على اساس التحالف مع هذا النظام بما في ذلك “تجميد” العلاقات مع تركيا والضغط على قطر بلجم “الجزيرة”، وابعاد قادة الاخوان المقيمين في الدوحة، وتصعيدها مع ايران والعراق وسورية، فهل نحن امام تغيير جذري لهذه العلاقة الاستراتيجية من قبل العهد السعودي الجديد؟
من الصعب الاجابة بشكل قاطع على هذا السؤال وغيره، فما زالت اوراق لعب الملك سلمان قريبة جدا الى صدره، ومن الصعب رؤية اي منها، الامر الذي فتح المجال واسعا امام التكهنات من قبل جهات عديدة.
الامر المؤكد ان هناك مجالا واسعا لاحتمالات التغيير، فقد جرت العادة ان يغير ملوك السعودية سياساتهم وخيولهم عندما يتولون العرش، والملك سلمان بن عبد العزيز لن يكون استثناء.
الشيء الوحيد الذي يبدو اكثر وضوحا اننا نقف على اعتاب حرب اعلامية ساخنة تتناطح فيها امبراطوريات اعلامية ضخمة خليجية في معظمها مسلحة بمليارات الدولارات واطقم حرفية عالية الخبرة والمؤهلات، وما علينا الا الانتظار، وهذا “التناطح” سيكون انعكاسا لسياسات جديدة ليس على الصعيد السعودي فقط، وانما معظم الدول الاعضاء في مجلس التعاون، فمرحلة “الجمود” وكنس الخلافات تحت السجادة، يبدو انها تقترب من نهايتها بوفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي كان يوصف بكبير العائلة، او شيخ القبيلة الخليجية الاكبر، ويحترمه الجميع، ويقبلون بأبوته حتى وان اختلفوا مع بعض توجهاته.

ما هي الرسائل التي تريد “الدولة الاسلامية” توجيهها من خلال هذا الاعدام للطيار الاردني الكساسبة؟ ومن هي الجهات المقصودة؟ ولماذا الاعدام حرقا وليس ذبحا؟ وهل اعدام ساجدة الريشاوي هو الرد الاردني الامثل؟

عبد الباري عطوان
اذا صح شريط “الفيديو” الذي تناقلته مواقع محسوبة على الجهاديين الاسلاميين المتشددين على شبكة “الانترنت” اليوم (الثلاثاء) ويظهر فيه الطيار الاردني الشاب معاذ الكساسبة وقد جرى اعدامه حرقا وهو يرتدي ملابس برتقالية (زي الاعدام) داخل قفص، فان هذا العمل غير مسبوق، والمدان بأقوى العبارات يتنافى مع قيم الرحمة والعدالة التي تميز الاسلام عن كل الديانات الاخرى.
التلفزيون الاردني نقل عن مصادر حكومية تقول ان الطيار الكساسبة الذي جرى اسره من قبل عناصر تابعة لـ”الدولة الاسلامية” بعد اسقاط طائرته يوم 24 كانون الاول (ديسمبر) الماضي جرى اعدامه حرقا يوم الثالث من كانون الثاني (يناير) الماضي اي قبل شهر تقريبا، ولا نعرف طبيعة المعلومات ومصدرها الذي استندت اليه هذه المصادر، وربما جاءت هذه الرواية الرسمية الاردنية الجديدة لتعزيز ومن ثم تفسير موقف الحكومة الذي طالب “الدولة الاسلامية” بأي دليل رسمي يؤكد استمرار الطيار الكساسبة على قيد الحياة قبل الافراج عن السيدة ساجدة الريشاوي المعتقلة في السجون الاردنية بتهمة الاشتراك في حملة التفجيرات التي استهدفت العاصمة الاردنية عمان عام 2005، وصدر حكما باعدامها، في اطار المفاوضات التي تمت عبر وسطاء للافراج عن الرهينة الياباني.
***
عملية الاعدام الوحشية هذه للطيار الكساسبة تهدف الى توجيه عدة رسائل، وتحقيق مجموعة من الاهداف:
• اولا: محاولة تأليب عشيرة الكساسبة والعشائر الاردنية الاخرى المتضامنة معها، والرأي العام الاردني بشكل عام ضد الحكومة، وخلق شرخ بين النظام والشعب، من خلال الايحاء بأن المفاوض الرسمي الاردني وحكومته، لم يبذلون الجهود الكافية للافراج عن الطيار الاسير.
• ثانيا: ايصال رسالة شديدة اللهجة من خلال عملية الاعدام البربرية هذه الى الدول العربية الاخرى المنخرطة في التحالف الذي تقوده امريكا لمحاربة “الدولة الاسلامية” بأن طياريها وجنودها سيواجهون طريقة الاعدام الوحشية نفسها في حال استمروا في اطار هذا التحالف ووقع جنودها وطياروها اسرى في يد عناصرها.
• ثالثا: بات واضحا ان “الدولة الاسلامية” تميز بين الرهائن العرب ونظرائهم الاجانب في طرق الاعدام من حيث عدم الانخراط في اي مفاوضات او المطالبة بأي فدى، للافراج عن الرهائن العرب، وتنفيذ الاعدام فور اسرهم دون اعطاء اي مهل، على اعتبار ان هؤلاء كانوا يخوضون الحرب ضدها ويقتلون جنودها قصفا من الجو او الارض.
• رابعا: من الواضح ان “الدولة الاسلامية” لا يهمها الرأي العام الاردني او العربي على سياساتها الوحشية، وطرق اعدامها للرهائن، وان كل ما يهمها هو ارسال رسائل ترهيب وترعيب الى الحكومات والشعوب معا للتأكيد على استراتيجيتها في هذا المضمار.
• خامسا: اذا صحت الانباء التي تقول بان السلطات الاردنية اعدمت السيدة ساجدة الريشاوي وزميلها الكربولي وآخرين، وهي تبدو صحيحة، فإن هذا يعني انها قررت اعلان الحرب على “الدولة الاسلامية” على كل الجبهات والمستويات، بما في ذلك ارسال قوات خاصة لقتالها في العراق وسورية.
الامر المؤكد ان السلطات الاردنية تجد نفسها امام ازمة حقيقية، من جراء مشاركتها في التحالف الامريكي ضد “الدولة الاسلامية” اولا، وفقدان طيارها بهذه الطريقة الدموية الوحشية ثانيا، فالرأي العام الاردني ينقسم حاليا الى معسكريين اساسيين الاول يعارض بشدة انخراط الاردن في التحالف الامريكي العربي، وسمعنا افراد من اسرة الطيار الكساسبة نفسها يقولون “انها ليست حربنا”، اما المعسكر الثاني فهو يؤيد بقوة هذا الانخراط للقضاء على “الدولة الاسلامية” واجتثاثها من جذورها لانها من وجهة نظر اعضائه ليست دولة، وليست اسلامية، ويقف بقوة في خندق الحكومة.
ارسال ابو مصعب الزرقاوي فريقا انتحاريا الى الاردن عام 2005 لتفجير بعض الفنادق في العاصمة كان له تأثير سلبي على شعبيته وقاعدة تأييده في الاردن حيث وفر الذخيرة اللازمة للاعلام بشقيه الحكومي والخاص لحشد قطاع عريض من الشعب ضده، وحقق نجاحا في هذا الصدد، ولكن هذا لا يعني انه فقد شعبيته كليا.
من الصعب القول بأن طريقة اعدام الطيار الكساسبة الوحشية ستؤدي الى النتيجة نفسها، اي تأليب الرأي العام الاردني او قطاع عريض منه ضد “الدولة الاسلامية”، لان نسبة كبيرة من الاردنيين تعارض مشاريع التدخل الامريكي العسكري في المنطقة بعد ان اطلعت على نتائج مثل هذا التدخل الكارثية في سورية والعراق وليبيا واليمن، ومقتل مئات الآلاف من الابرياء بسبب ذلك، وتغول التقسيمات الطائفية بين شعوب المنطقة وتفكيك دولها على اساسها.

***

ربما من السابق لاوانه التسرع واطلاق احكام مسبقة خاصة ان عملية الاعدام الوحشية هذه فاجأتنا، لكن ما يمكن قوله ان الولايات المتحدة الامريكية التي رصدت ثمانية مليارات ونصف المليار دولار قبل يومين للقضاء على “الدولة الاسلامية” لن تكتفي بهذه الخطوة، والخطوات الاخرى المنبثقة عنها مثل تدريب وتسليح الجيش العراقي وبعض فصائل المعارضة السورية، وربما تستغل هذا الاعدام البشع، وحالة الصدمة في اوساط للرأي العام العربي ضده، من اجل الدفع بقوات امريكية وغربية للانخراط في حرب برية لان القصف الجوي وحده لا يكفي.
من يقرأ ادبيات “الدولة الاسلامية” ويتابع اعلامها على وسائط التواصل الاجتماعي، ويدرك جيدا ان الحديث عن بربرية هذه الدولة ووحشيتها لا يضيرها مطلقا لان هذا التوحش وهذه البربرية يأتيان في صلب استراتيجية الترهيب الذي تعتمده ضد اعدائها.
ختاما نتضامن كل التضامن مع اسرة الطيار الكساسبة في محنتهم هذه، نحن الذين بذلنا جهودا كبيرة لنقل رسائلهم ونداءاتهم الى “الدولة” عبر منبرنا على امل توخيها الرحمة والشفقة، وعدم اعدام ابنهم، وافساح المجال للحوار والمفاوضات، ولكن لم يخطر في بالنا ان هذه النداءات ستجد آذانا اسمنتية.
نتمنى الرحمة للفقيد، ولاسرته الصبر، وللاردن السلامة.

كيف خرجت “الدولة الاسلامية” رابحة من معركة الرهينتين اليابانيين وعوضت جزئيا بعض “خسائرها” على الارض؟ ولماذا نرجح عدم اعدامها للطيار الاردني معاذ الكساسبة؟ وما هو الخلل الذي عرقل المفاوضات؟

عبد الباري عطوان
من تابع الحشد الضخم من قبل اجهزة الاعلام الغربية ومراسلي محطات التلفزة والصحف العربية امام السفارة اليابانية في العاصمة الاردنية عمان قبل اعدام الرهينة الياباني لينجي غوتو يخرج بانطباع مفاده ان “الدولة الاسلامية” خرجت هي “المنتصرة” او “الرابحة” على وجه الاصح من هذه الازمة، ليس لانها فرضت شروطها، واحترام مهلتها، وارهاب العالم بأسره، وانما ايضا حصولها على الاهتمام الاعلامي الذي تسعى اليه، وهو الاهتمام الذي يتصدر سلم اولوياتها واهتماماتها.
“الدولة الاسلامية” تسعى للحصول على اعتراف اقليمي كمقدمة للاعتراف الدولي بها كـ”دولة” مكتملة المواصفات، وقد حققت هذا الهدف جزئيا على الاقل عندما جرّت الدولة الاردنية الى حلبة التفاوض معها على صفقة الافراج عن الرهينة الياباني مقابل الافراج عن السيدة ساجدة الريشاوي الانتحارية والمحكومة بالاعدام التي جرى اعتقالها في موجة التفجيرات في فنادق وسط العاصمة الاردنية عام 2005.

***

لا نعرف تفاصيل كثيرة عن عملية التفاوض هذه، والطريقة التي تمت بها، والاشخاص الوسطاء من الجانبين الاردني والدولة الذين شاركوا فيها، وعلى اي ارض جرت، وعبر اي وسيلة، ولكن ما نعرفه ان السلطات الاردنية، وحرصا منها على حياة ابنها الطيار معاذ الكساسبة، رفضت كل الضغوط الامريكية، وتبنت خيار التفاوض والحوار مع من تعتبرهم الرئاسة الامريكية “ارهابيين”، وهو الخيار الذي يكشف عن حكمة وقراءة صحيحة لتعقيدات هذا الملف.
من المؤكد ان هناك “خللا” ما ادى الى اغضاب “الدولة الاسلامية” ودفعها الى تنفيذ الاعدام بعد انتهاء المهلة التي حددتها لاطلاق سراح وتسليم السيدة الريشاوي، فهل هذا الخلل يعود الى تلكؤ ياباني في دفع “الفدية”، او يتمثل في عدم اسراع السلطات الاردنية في الافراج عن السيدة الريشاوي بالسرعة المطلوبة؟
من الصعب تقديم اجابات حاسمة حول هذه الاسئلة، مجتمعة او منفردة، بسبب حالة التكتم الشديد في اوساط الاطراف المعنية، والطرف الاردني على وجه الخصوص، الذي وجد نفسه في قلب عاصفة لم يكن يتمناها، وفي مثل هذا التوقيت بالذات، حيث تتعاظم عليه الضغوط الداخلية والخارجية، ابتداء من عشيرة الطيار الكساسبة وانتهاء بالادارة الامريكية التي تنهي الاردن عن التفاوض وتمارسه في السر في الوقت نفسه عندما يتعلق الامر ببعض اسراها مثلما حدث مع الجندي المحتجز لدى حركة طالبان وجرى الافراج عنه مقابل اطلاق سراح معتقلين من طالبان في سجن غوانتانامو.
الضجة الاعلامية التي رافقت اعدام الرهينتين اليابانيين ستتبخر بعد بضعة ايام، وستختفي كاميرات مراسلي التلفزيونات الغربية والعربية من امام السفارة اليابانبة في العاصمة الاردنية، ان لم تكن اختفت فعلا، فهذه هي “سنة الاعلام”، ولكن “كابوس″ الطيار الاردني معاذ الكساسبة سيستمر ربما لايام او اسابيع او حتى اشهر مقبلة، وسيشكل صداعا كبيرا للسلطات الاردنية على المستويات كافة بالنظر الى الاهتمام الشعبي، ومحدودية قدرات الحكومة الاردنية للافراج عنه، واعادته سالما الى اسرته وعشيرته.
“الدولة الاسلامية” التي تعتبر نفسها امتدادا رسميا لارث ابو مصعب الزرقاوي وتنظيمه “التوحيد والجهاد” الذي اسسه في العراق لمقاومة الاحتلال الامريكي، لديها “ثار” تجاه الاردن، وازداد هذا الثأر خطورة بعد مشاركة الاردن رسميا في التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة الامريكية، وارسال طائرات حربية لقصف مواقع التنظيم في سورية والعراق، واسقاطها لطائرة الطيار الكساسبة واسره حيا كان بمثابة “هدية” ثمينة جدا بالنسبة اليها “لابتزاز″ الحكومة الاردنية، وفرض شروطا تعجيزية عليها استغلالا لحالة “الحرج” التي تعيشها حاليا امام اسرة الطيار الاسير وعشيرته، وقطاع لا يمكن الاستهانه بحجمه في الشارع الاردني، ولهذا نتوقع ان ترفع “الدولة” سقف مطالبها الى ما هو اعلى بكثير من الافراج عن السيدة الريشاوي.
لا نعتقد، وفي ظل المعطيات الانفة ذكرها، ان “الدولة الاسلامية” ستقدم على اعدام الطيار الكساسبة، وتضحي بالتالي بهذه الورقة القوية في يدها، وستعمل على استخدامها للحصول على اكبر مكاسب ممكنة من الدولة الاردنية، مادية وبشرية.
ما يدفعنا الى قول ذلك، وجود كفاءات علمية عالية المستوى انضمت الى صفوف الدولة، وتعرف النسيجين الاجتماعي والسياسي جيدا في الاردن، مثلما تعرف ان شعبية الراحل ابو مصعب الزرقاوي في الاردن “هوت” بشكل كبير بعد ارساله الفريق الانتحاري، او الاستشهادي حسب ادبيات تنظيمه، بعد موجة تفجيرات الفنادق عام 2005.
***
لا شك ان هناك حالة من القلق تسود الاردن الآن على المستويين الرسمي والشعبي، وتتمحور حول سلامة الطيار الكساسبة، لعدم استجابة “الدولة الاسلامية” لارسال اي دليل على بقائه حيا، وهذا قلق مشروع، علاوة على كونه مبررا، فانقاذ هذا الطيار بات واجبا وطنيا رسميا وشعبيا، واصبح المسألة الاهم في الاردن.
التلكؤ في عدم الاستجابة لهذه المطالب ربما يعود الى استخدام “الدولة” تكتيكا يريد تعميق حالة “الغموض” في هذا المضمار، وزيادة معاناة السلطة الاردنية وارتباكها او ارباكها في الوقت نفسه، فيدها، اي “الدولة” في الماء بينما يد السلطات الاردنية في قدر من ماء يغلي، وماذا يمكن توقع غير ذلك من “دولة” دموية لا تتردد في اعدام المئات دفعة واحدة، وقطع رؤوسهم ذبحا، ودفنهم في مقابر جماعية في اطار استراتجيتها القائمة على بث الرعب في نفوس خصومها.
“الدولة الاسلامية” ربما خسرت بعض المواقع في ميادين القتال، ولكنها حققت مكسبا، اعلاميا كبيرا جدا على صعيد مخططاتها الاعلامية من خلال ازمة الرهينتين اليابانيين اولا، والغموض حول حياة او موت الطيار الكساسبة ثانيا، ومن يتابع اداءها على وسائط التواصل الاجتماعي والتقنية العالية التي يتسم بها خاصة على شبكة “اليوتيوب” يدرك جيدا مدى اهمية سلاح الاعلام في نشر ايديولوجيتها وترهيب اعدائها وما اكثرهم.
“الدولة” سجلت هدفا قويا في مرمى خصومها، وباتت يدها هي العليا في الوقت الراهن على الاقل.

نتنياهو اصبح مثل القادة العرب يكرر جملة الاحتفاظ بحق الرد في المكان والزمان المناسبين.. والسيد نصر الله يتحدث عن سقوط قواعد الاشتباك.. واللواء الجعفري يؤكد ان الانتقام الايراني سيكون ساحقا.. ترى هل نحن امام حرب وشيكة.. ام مجرد حرب نفسية؟

عبد الباري عطوان
تصريحان صدرا مساء (اليوم) الجمعة يصعب على اي مراقب لتطورات الاوضاع في المنطقة العربية تجاهلهما، الاول ما ورد على لسان السيد حسن نصر الله في خطابه الذي القاه امس بمناسبة تكريم شهداء القنيطرة، واكد فيه “سقوط قواعد الاشتباك مع اسرائيل واحتمال الرد في اي مكان وزمان، اما الثاني فجاء في كلمة للواء محمد علي جعفري القائد العام للحرس الثوري القاها خلال مشاركته في مؤتمر تحت عنوان “الجهاد مستمر” عقدته وزارة الداخلية الايرانية اكد فيها “ان على اسرائيل ان تنتظر الرد التالي.. وان هذا الرد سيكون ساحقا واكثر قوة، ولن يكون فقط على حدودها بل في اي مكان يتواجد فيه الاسرائيليون والصهاينة”.
اهمية هذان التصريحان تأتي من كونهما جاءا بعد الهجوم الذي شنته خلية تابعة الى حزب الله على قافلة عسكرية اسرائيلية في مزارع شبعا اللبنانية المحتلة بالصواريخ قبل يومين فدمرت اثنتين منها، وقتلت ثلاتة جنود واصابة آخرين حسب اعتراف الجيش الاسرائيلي، ولكن محطة “العربية” قالت ان عدد الجنود القتلى زاد عن 14 قتيلا.

***

الاسرائيليون توقعوا الرد من حزب الله من هضبة الجولان ومن القنيطرة نفسها، فجاءهم من جنوب لبنان وفي وضح النهار، وبدقة متناهية، وفي ظل حالة طوارىء اسرائيلية قصوى استعدادا لاي هجوم انتقامي لشهداء القنيطرة، وبعد ايام معدودة من استشهاد جهاد عماد مغنية وجنرال ايراني وآخرين في قصف صاروخي اسرائيل.
بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي اخطأ في الحساب مرتين: في الاولى عندما ضرب قافلة قيادة حزب الله في القنيطرة وقتل من فيها ثم ذهب يوجه رسائل عبر طرف ثالث الى الحزب وايران يعتذر فيها عن هذه العملية، ويؤكد انه لم يكن يعلم ان قيادات كبيرة من ضمنها، والثانية عندما اعتقد ان الرد سيأتي من الجولان بسبب وجود معارضة لبنانية قوية من قبل تحالف 14 آذار لاي اعمال مقاومة انطلاقا من الاراضي اللبنانية.
من المفارقة ان نتنياهو تقمص دور الاطراف العربية (سورية خاصة) التي كانت تقول في اعقاب كل هجوم اسرائيلي على اهداف داخلها بأنها سترد في المكان والزمان المناسبين، فقد كرر الجملة نفسها في اعقاب هجوم مزارع شبعا.
هيبة اسرائيل كقوة اقليمية عظمى سقطت وانحدرت الى الحضيض في الاعوام الاخيرة، ولم يعد جيشها يخيف احدا، بل ما حدث هو العكس تماما، فقد تعرض هذا الجيش لهزائم ثقيلة في قطاع غزة الذي لا تزيد مساحته عن 150 ميلا مربعا، ولم تستطع دباباته التوغل بضعة امتار داخل حدوده رغم تهديداته المتكررة طوال الخمسين يوما من عمر العدوان، ولو كان نتنياهو يستطع الرد على الهجوم المهين الذي تعرض له جيشه في مزارع شبعا لما تردد لحظة واحدة، ولكنه الجبن، والخوف من الهزيمة العسكرية التي يمكن ان تقود الى هزيمة سياسية خاصة ان الانتخابات البرلمانية باتت على الابواب.
القيادة العسكرية الاسرائيلية تدرك جيدا ان اي حرب قادمة تشنها على جنوب لبنان لن تنتصر فيها، وستكون عواقبها وخيمة، ليس بسبب التقدم الكبير العملياتي والتسليحي لحزب الله وقواته، وانما ايضا لان المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة قد تدخل طرفا فيها، وهكذا تتعانق الصواريخ القادمة من جنوب لبنان مع نظيراتها القادمة من جنوب فلسطين (قطاع غزة) في سماء تل ابيب وحيفا ويافا والمجدل واسدود واللد والرملة.
فتقديم السيد محمد الضيف قائد (كتائب القسام) الجناح العسكري لحركة “حماس″ التعازي المكتوبة للسيد حسن نصرالله والقيادة الايرانية بشهداء هجوم القنيطرة يؤشر الى عودة حركة “حماس″ الى معسكر الممانعة في وضح النهار، مثلما يؤكد ان رجال المقاومة في القطاع مستعدون لنصرة اشقائهم في لبنان في اي عدوان اسرائيلي قادم.
بوصلة الجهاد الحقيقية هي تلك التي تؤشر باتجاه فلسطين، واراضيها المحتلة، ومقدساتها الاسيرة، ومن يريد انتقاد حزب الله بسبب تدخله في سورية الى جانب النظام الحاكم في دمشق، وهو تدخل مرفوض، عليه ان يفعل مثله في فلسطين التي لا يختلف عليها الا من يقف في الخندق الاسرائيلي.
اسرائيل تعيش هذه الايام اسوأ ايامها، لانها في حال من الرعب والخوف من انتقام فصائل المقاومة اولا، والعزلة الدولية التي تعيشها بسبب جرائمها واستيطانها في الاراضي العربية المحتلة ثانيا.
***
الحديث عن الردع، وتوازن الرعب بات قديما تجاوزته الاحداث والحروب الاخيرة، التي خسرتها اسرائيل جميعا امام ارادة المقاومة، وباتت قيادتها العسكرية تعد للمليون قبل التفكير بإرسال طائراتها ودباباتها الى جنوب لبنان او قطاع غزة، ولا يخامرنا ادنى شك بأن جبهة الجولان تتجه نحو التسخين، وما اطلاق صاروخين من الجانب السوري المقابل باتجاه منتجعات التزلج التي هرب منها السياح اليهود الا احد ارهاصات هذا التسخين المتسارع.
رد نتنياهو الذي توعد به قد لا يأتي مطلقا، وان آتى فسيجد مقاومة شرسة، وعشرات الآلاف من الصواريخ التي ستستهدف المستوطنات والمستوطنين وتصل الى كل مكان حتى ايلات في اقصى الجنوب، ففترة الامن الذهبية التي تنعّم بها المستوطنون الاسرائيليون طوال العشرين عاما الماضية، وبالتحديد منذ توقيع اتفاقات اوسلو تتآكل امام صواريخ المقاومة وحالة الغليان المتفاقمة في اوساط الشعب الفلسطيني.
نحن في انتظار من ينتقم اولا، نتنياهو ام السيد نصر الله وحليفه السيد الجعفري احد ابرز قادة الحرس الثوري الايراني، وكيف سيكون هذا الانتقام، ويقيننا انه ايا كان من يطلق الرصاصة الاولى فإن اسرائيل ستكون الخاسر الاكبر.

اكتب لكم من اليابان المسكونة بـ”الدولة الاسلامية” التي يصلي اهلها لعدم اعدام الصحافي الاسير لديها.. ساجدة الريشاوي المعتقلة في الاردن باتت اكثر شهرة من نجوم السينما وكذلك الطيار الكساسبة.. ونحن مع الافراج الفوري عنها.. وهذه هي مبرراتنا

عبد الباري عطوان
الحديث الطاغي في اليابان حاليا، والمتداول في الجامعات والمدارس والمجالس الخاصة، ويتصدر عناوين الصحف ونشرات اخبار التلفزة هو عن اعدام “الدولة الاسلامية” للرهينة الياباني هاورنا باكادوا بعد رفض الحكومة تقديم “فدية” مقدارها 200 مليون دولار يوم الجمعة الماضي، وكيفية انقاذ الرهينة الثاني الصحافي كينغي غوتو الذي ما زال على قيد الحياة، ووجه نداء مؤثرا الى الشعب الياباني قال فيه بلغة انكليزية بلكنة يابانية “انهم لم يعودوا يطالبون الفدية وانما الافراج عن شقيقتهم ساجدة الريشاوي وسيتم اطلاق سراحي فورا، وربما تكون هذه آخر كلماتي.. لا تجعلوا آبي (رئيس الوزراء) يقتلني”.
السيدة ساجدة الريشاوي المحكومة بالاعدام بتهمة المشاركة في تفجيرات عمان عام 2005 الدموية (لم ينفجر حزامها الناسف) باتت صورها في كل مكان في اليابان، واضحت معروفة لدى اليابانيين اكثر من نجمات السينما اليابانية، بغطاء رأسها الابيض وتقاطيع وجهها العربية.
اليابانيون باتوا يعوفون ايضا اسم معاذ الكساسبة الطيار الاردني الذي جرى اسره بعد اسقاط طائرته بصاروخ قبل شهر فوق مدينة الرقة السورية، عاصمة “الدولة الاسلامية”، والسبب ان “الدولة الاسلامية” غيرت شروطها، واسقطت الفدية المالية واعربت عن استعدادها الافراج عنه، اي الكساسبة، الى جانب الرهينة الياباني اذا ما افرجت السلطات الاردنية عن السيدة الريشاوي.

***

حالة من الجدل تدور في الاوساط السياسية والجامعية في اليايان التي ازورها حاليا (بدعوة من جامعة اوساكا للحديث عن الدولة الاسلامية، وكتابي الاخير الصادر حول نشأتها ومستقبلها ونفذت الطبعة الاولى منه في اقل من شهر)، فهناك من يلوم رئيس الوزراء لانه لم يدفع الفدية في الوقت المحدد، وهناك من يؤيد موقفه في رفض الخضوع لشروط الخاطفين، ويصلي المعسكران من اجل تجاوب الاردن مع الشرط المعدل، اي الافراج عن السيدة الريشاوي والحصول على رهينتين في المقابل، على طريقة السوبرماركت (افرج عن السيدة الريشاوي فتحصل على الثاني مجانا).
لا نفهم لماذا ترفض السلطات الاردنية الافراج عن السيدة الريشاوي اذا كانت ستحقق امرين على درجة عالية من الاهمية، اي الافراج عن الطيار الكساسبة والرهينة الياباني معا، وتضرب بذلك عصفورين بحجر واحد وتنقذ حياة رجلين احدهما اردني، والثاني يمكن ان يؤدي الافراج عنه الى علاقات وثيقة مع بلد غني متقدم مثل اليابان يمكنه ان يقدم مساعدات مالية وتقنية للاردن.
لو كان الاردن يرفض التفاوض بالمطلق مع الجهاديين المتشددين، والتجاوب مع مطالبهم بالافراج عن معتقلين في سجونه، مثلما تفعل دول مثل بريطانيا وامريكا ويعتبر عدم التنازل مسألة مبدئية، فإنه يمكن تفهم وبالتالي تبرير موقفه هذا، ولكن الحال ليس كذلك، والحكومة الاردنية سجلت سابقة مهمة في هذا الصدد عندما افرجت عن القيادي الليبي محمد الدرسي عضو تنظيم “القاعدة” المتهم بمحاولة تفجير مطار عسكري اردني 2007 مقابل الافراج عن السفير الاردني فواز العيطان الذي احتجزته جماعة انصار الشريعة الاسلامية الليبية.
حتى امريكا كسرت قاعدة عدم التفاوض مع الخاطفين هذه عندما دفعت فدية غير مباشرة لحركة طالبان مقابل الافراج عن جندي امريكي كان محتجزا لديها، ودافع الرئيس اوباما بشدة عن هذه الخطوة امام منتقديه الشرسين في الكونغرس ووسائل الاعلام.
الاصرار على عدم التفاوض مع الخاطفين تحت ذريعة انهم “ارهابيون” وان التنازل لمطالبهم يؤدي الى تشجيعهم للاقدام على المزيد من اعمال الخطف “اكذوبة”، لان الحكومات تتفاوض مع “الارهابيين” في نهاية المطاف وتعترف بهم، ويكون الضحايا هم الابرياء الذين يتم اعدامهم نتيجة هذا “العناد” الكاذب.
بريطانيا تفاوضت مع الجيش الجمهوري الايرلندي واعترفت به وهي التي كانت ترفض حتى السماح بالاستماع الى صوت اعضائه، او رؤية وجوههم على شاشات التلفزة، وامريكا العظمى اجبرتها الهزيمة في افغانستان على التفاوض مع حركة “طالبان” من اجل تسليمها السلطة، واوعزت لدولة قطر بفتح سفارة لها، اي لطالبان في الدوحة، ولا ننسى اعتراف اسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية، واضطرارها للتجاوب مع كل شروط الجبهة الشعبية القيادة العامة (برئاسة احمد جبريل) والافراج عن 77 اسيرا فلسطينيا في ما عرف في حينها عام 1979 بعملية النورس، وبعد ذلك التفاوض مع حزب الله للافراج عن مجموعة اسرى من بينهم الشيخ مصطفى الديراني وعميد الاسرى العرب سمير قنطار.
فما هي الفائدة التي يمكن ان تجنيها السلطات الاردنية جراء احتفاظها بالسيدة ساجدة الريشاوي خلف القضبان؟ وما هي اقصى ما يمكن ان تلحقه بها من عقاب، الاعدام مثلا؟
هذا ليس عقابا وانما “مكافأة”، فلو كانت السيدة الريشاوي تخشى الموت لما تزنرت بالحزام الناسف، ولا نبالغ اذا قلنا انها تتمناه لانه طريقها الاقصر الى جنات الخلد حيث دار البقاء.
ابقاء السيدة الريشاوي خلف القضبان يعني تنفيذ الاعدام بالطيار الكساسبة، ناهيك عن الرهينة الياباني، واسر طيارين او مسؤولين اردنيين آخرين والمطالبة بالافراج عنها مقابل الافراج عنهم او منع اعدامهم، او هكذا نعتقد، وهذا لا يعني اننا ضد تطبيق القانون او عدم معاقبة منتهكيه، وانما ننظر الى الامر من منطلق جلب المنافع وتقليص الاضرار.
***
نناشد السلطات الاردنية الافراج عن السيدة الريشاوي في اسرع وقت ممكن انقاذا للطيار الكساسبة وللاسير الياباني، لان العناد غير مجد في هذه الحالة، وسيؤدي الى اعدام هذا الطيار الشاب وتبعات اخرى تتعلق باسرته وعشيرته لا نريد الخوض فيها في هذا المضمار.
“الدولة الاسلامية” قوية، وتقول وتفعل، واذا اعطت مهلة فانها تحترمها، واذا وعدت بالافراج عن رهينة فانها تنفذ وعودها دون نقصان.
معرفتي بالجماعات الجهادية، من خلال الدراسة والبحث والمقابلات بغرض التأليف تؤكد ان هؤلاء لا يكذبون مطلقا، لاسباب دينية عقائدية، اختلف معهم البعض او اتفق.
دمويون نعم.. ارهابيون نعم.. ولكنهم اذا قالوا فعلوا.. واتهامهم بالارهاب بالمناسبة لا يضيرهم بل يسعدهم، والآية القرآنية التي تقول بارهاب اعداء الله موثقة ولا داعي لتكرارها هنا، ونأمل الا تنتهي مهلة الـ 24 ساعة التي حددتها “الدولة الاسلامية” قبل الافراج عن السيدة الريشاوي.

المصالحة المصرية القطرية في “مهب الريح” بعد عودة “الجزيرة” الى سيرتها الاولى وخروج القرضاوي عن صمته.. والملك سلمان لا يكن الكثير من الود لدولة قطر.. واحتمالات عودة الحرب الاعلامية الساخنة واردة جدا بين الامبراطوريات المتناطحة

عبد الباري عطوان

من تابع قناة “الجزيرة” الفضائية القطرية وتغطيتها المكثفة للاشتباكات الدموية بين قوات الامن المصرية والمتظاهرين التي سقط فيها اكثر من عشرين قتيلا، حيث خرج الآلاف الى الشوارع في مختلف المحافظات للاحتفال بالذكرى الرابعة لثورة 25 كانون الثاني (يناير) يخرج بإنطباع قوي فماده ان “المصالحة” التي رعاها العاهل السعودي الراحل بين النظام المصري الذي يرأسه السيد عبد الفتاح السيسي ودولة قطر ربما تكون ماتت بموت صاحبها اي الملك عبد الله بن عبد العزيز.
المصالحة فرضت التزمات قوية على دولة قطر ابرزها “لجم” قناة “الجزيرة” ووقف دعمها السياسي والاعلامي لحركة “الاخوان المسلمين” والانتصار لهم في معركتهم لزعزعة استقرار النظام الذي اطاح بحكمهم، واسكات الشيخ يوسف القرضاوي “مدفعية” قطر الاخوانية الثقيلة، وابعاد قيادات الصف “الاخواني” الاول والثاني الذين وجدوا في الدوحة الملاذ الآمن، والحضن الدافيء، ومنصة الانطلاق في معارضتهم للنظام المصري سياسيا واعلاميا.
العاهل السعودي الراحل، وفي ظل تنامي صعود “الدولة الاسلامية” سياسيا وعسكريا، وتشكيلها تهديدا مباشرا لأمن بلاده وحكم اسرته، مارس جهودا كبيرة من اجل ترتيب البيت الداخلي الخليجي اولا، ثم العلاقات المصرية الخليجية ثانيا، وقد نجح في الاولى عندما حل الازمة بين المثلث السعودي الاماراتي البحريني من ناحية وقطر من ناحية اخرى، على اساس “وثيقة الرياض” واعاد السفراء الثلاثة الذين تم سحبهم من الدوحة، ولكن جهوده في حل الازمة الثانية، اي اصلاح العلاقات بين مصر ودولة قطر كانت بطيئة ومتعثرة نوعا ما بسبب صعوية هذا الملف وتعقيداته الاقليمية، وكان آخر جهد بذله في هذا الصدد ارسال السيد خالد التويجري مستشاره ومدير مكتبه الى القاهرة وفي معيته الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مساعد وزير خارجية دولة قطر للقاء بالرئيس عبد الفتاح السيسي، والتمهيد للقاء بينه وبين الشيخ تميم بن حمد آل ثاني امير دولة قطر، اللقاء تم في شهر كانون الاول (ديسمبر)، اي قبل وفاة العاهل السعودي بشهر وقبل ان تتدهور احواله الصحية ويدخل المستشفى مصابا بالتهاب رئوي حاد لم يتمكن الاطباء من علاجه، وكاد ان يثمر في ترطيب الاجواء، وترتيب زيارة مصالحة للامير القطري الى القاهرة.

***

المصالحة المصرية القطرية، وبعد وفاة العاهل السعودي، او بالاحرى ابوها الروحي، باتت على “كف عفريت” مثلما يقولون، مع انتقال الحكم في السعودية الى الملك سلمان بن عبد العزيز، فالعلاقة بينه وبين دولة قطر لم تكن جيدة في يوم من الايام، وظهرت تسريبات في بعض الصحف القطرية، او تلك المحسوبة على دولة قطر، تتهمه بأنه كان العقل المدبر وراء محاولة الانقلاب الفاشلة التي ارادت الاطاحة بالامير السابق حمد بن خليفة واعادة والده الشيخ خليفة الى الحكم عام 1996.
هناك في الدوحة من يراهن على الامير محمد بن نايف وزير الداخلية وولي ولي العهد الجديد الذي تربطه علاقة وثيقة بالامير تميم في تلطيف العلاقات مع الجار السعودي القوي، ولكن من يعرف طبيعة الحكم في السعودية، ودول الخليج عموما، يدرك جيدا ان الكلمة الاولى والاخيرة دائما هي للملك، وما على الآخرين غير السمع والطاعة والتنفيذ.
الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز كان بدويا اصيلا في اخلاقه وتصرفاته، ويتعامل مع قطر ودول الخليج الاخرى من منطلق شيخ القبيلة، او “أب الجميع″، ولهذا صبر كثيرا على بعض المشاغبات القطرية خاصة في ملف “الاخوان المسلمين”، وملف العلاقات مع مصر، ومن غير المعتقد ان يكون للملك الجديد سلمان بن عبد العزيز الصبر نفسه.
نعود الى الخلاف المصري القطري، ونقول ان عودة “الجزيرة” الى سيرتها السابقة، والتعاطي مع ملف الاضطرابات الاخيرة في مصر بلهجة اقرب الى التحريض الذي يذكر يتغطيتها التي اشعلت الثورة المصرية وصبت الزيت على نارها حتى نجحت في اطاحة نظام حكم الرئيس مبارك، ربما لا ينسف فقط جهود المصالحة المصرية القطرية التي بذلها العاهل الراحل وحققت بعض التقدم تمثل في ابعاد قيادات الاخوان من الدوحة، واغلاق قناة “الجزيرة مباشر مصر”، واحالة الشيخ القرضاوي الى حالة من الصيام عن التصريحات المعارضة لنظام الرئيس السيسي، وانما ايضا تؤدي الى نسف المصالحة الخليجية القطرية، وعودة الاوضاع الى المربع الاول، اي الى مرحلة ما قبل “وثيقة الرياض” التي كان عنوانها الابرز سحب ثلاثة سفراء من الدوحة.
الملك سلمان بن عبد العزيز لا يعطي المصالحة بين مصر وقطر جل اهتمامه في الوقت الراهن، ومن الطبيعي ان لا تكون على سلم اولوياته، فهو منشغل حاليا في ترتيب البيت السعودي الداخلي، وتثبيت رجاله في مفاصل السلطة الرئيسية، وابعاد من يشك في ولائهم، ووضع بصماته بقوة على تركيبة الحكم، وسياسات المملكة الداخلية والخارجية، ولذلك لا نستبعد توتيرا في العلاقات بين النظامين المصري والقطري في الايام والاسابيع المقبلة.
***
ولا نبالغ اذا قلنا ان العلاقة السعودية القطرية كانت ترتكز على محور واحد في الاسرة الحاكمة السعودية، اي جناح الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز وابنه الامير متعب بن عبد الله وزير الحرس الوطني، ولم تكن ودية على الاطلاق مع الجناح السديري في الاسرة السعودية الحاكمة، وهو الجناح الذي عاد الى الواجهة بقوة بعد وفاة الملك عبد الله وبات يتحكم بأهم اربع مناصب في الدولة، اي العرش (الملك سلمان) والداخلية (محمد بن نايف) والدفاع (محمد بن سلمان) والنفط (عبد العزيز بن سلمان نائب الوزير والمهندس الحقيقي للسياسة النفطية السعودية).
لا نعتقد ان الرئيس السيسي الذي يعتبر دولة قطر عدوه الاول حاليا سيكون مسرورا من تغطية قناة “الجزيرة” للمظاهرات الاحتجاجية ضده، واعطاء المنبر لخصومه من الاخوان واليساريين معا، كما اننا لا نعتقد ايضا ان حلفاءه في الخليج، وخاصة في دولتي السعودية والامارات الذين ايدوا حربه الطاحنة ضد الاخوان المسلمين ووضعوا كل ملياراتهم وعلاقاتهم السياسية مع الغرب خلفه، سيكونوا “سعداء” بهذا النكوص، او بالاحرى الخروج عن “اتفاق الرياض” وبنوده.
مرة اخرى نقول ان احتمالات العودة الى المربع الاول للازمة واردة، وان الحرب الاعلامية الساخنة بين الامبراطورية الاعلامية القطرية الممثلة في شبكة “الجزيرة” واخواتها في لندن واسطنبول من ناحية، ونظيراتها السعودية (العربية وبناتها) والاماراتية ربما ستشعل بقوة اكبر بالنظر الى المقدمات الحالية المتمثلة في عمليات شحذ السيوف والالسنة و”الخبراء”، ولا ننسى كتائب التدخل السريع الاعلامية المصرية المحلية، وألسنة جنرالاتها السليطة.
باختصار شديد نقول ان “المصالحة” “في مهب الريح” وقد تكون دفنت مع عرابها وراعيها الملك عبد الله، واللهم الا اذا قرر الملك سلمان تهدئة الاوضاع مؤقتا لكسب الوقت الكافي لتثبيت حكمه، وكل شيء جائز، لكن الامر المؤكد ان الايام والاشهر المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت، والله اعلم.

ذبح مغربي طعنا في جنوب فرنسا واعتداء على خمسين مسجدا وما زال المسلمون في دائرة الاتهام.. وقلقهم لا يحتل المرتبة الاولى للحماية في اجندة الحكومات الاوروبية.. ماذا لو طلب امام مسلم بما طالب به حاخام يهود بروكسل بتسليح المسلمين ايضا؟

عبد الباري عطوان
تعرض فرنسي من اصل مغربي لهجوم من قبل جاره الفرنسي ايضا اقتحم منزله ووجه اليه 17 طعنة سكين وارداه قتيلا وسط بركة من الدماء امام زوجته واطفاله، كما اشهر مهاجر من اصل روماني سكنيا في مدينة تولوز جنوب فرنسا وهدد بذبح مسلمين، وافادت التحقيقات الرسمية ان اكثر من خمسين مسجدا ومؤسسة اسلامية تعرضت لاعتداءات عنصرية من بينها كتابات تطالب بالموت للمسلمين ووضع رؤوس وامعاء خنازير امام ابوابها.
من يطالع الصحف البريطانية والفرنسية صباح السبت يجد ان الموضوع الطاغي في صفحاتها الاولى هو تشديد الحراسة من قبل السلطات الامنية على المؤسسات اليهودية لحمايتها من اي هجمات محتملة من قبل متشددين اسلاميين بعد مقتل اربعة اشخاص في المتجر اليهودي الذي اقتحمه احمد كوليبالي، ولا اشارة واحدة لتأمين الحراسة للمسلمين وان وجدت فهي على استحياء شديد.
هناك خوف في اوساط الجاليات اليهودية، ولكن الخوف في اوساط الجالية الاسلامية اكبر في ظل تصاعد نفوذ وقوة الاحزاب والجماعات اليمينية العنصرية المتطرفة التي تستهدف المسلمين وتهدد بترحليهم من اوروبا كلها وسط اعمال تحريض اعلامية وسياسية غير مسبوقة، وجاء الهجوم على صحيفة شارلي ابدو الاسبوعية ليعطيها الذحيرة التي كانت تنتظرها وتحلم بها.

***

في المانيا على سبيل المثال توجد حركة “بيغيدا” اليمينية المتطرفة (حركة وطنيون اوروبيون ضد اسلمة الغرب) هذه الحركة تنظم مظاهرة كل يوم اثنين في جميع المدن الالمانية، في المظاهرة الاولى التي نظمتها في تشرين الاول (اكتوبر) الماضي اشترك فيها 500 شخص، وفي الثانية التي نظمتها في شهر كانون الاول (ديسمبر) الماضي ارتفع الرقم الى 10 الاف شخص، اما مظاهرة الاثنين الماضي فارتفع عدد المشاركين الى 25 الفا.
بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل استغل هجوم المتشددين على مجلة شارلي ابدو لدعوة اليهود الفرنسيين الى الهجرة الى فلسطين المحتلة، وجرى دفن اليهود الاربعة ضحايا هجوم متجر باريس في جبل المكبر في القدس المحتلة، اي في اراضي مغتصبة، وهناك مؤشرات بأن عشرة آلاف يهودي فرنسي قد يهاجرون الى فلسطين المحتلة هذا العام، ومن المؤكد انه سيجري توطين معظمهم في مستوطنات في الضفة الغربية.
الحاخام مناحيم مارجولين، حاخام بروكسل ورئيس الاتحاد الاوروبي للمنظمات اليهودية طالب مختلف وزراء داخلية الحكومات الاوروبية بتعديل قوانين حمل السلاح للافراد بما يسمح لليهود في اوروبا بحمل السلاح للدفاع عن انفسهم، ونقلت عنه صحيفة “بلجيكا الحرة” الصادرة اليوم (السبت) ان اليهود في حال قلق بعد الهجمات الاخيرة في فرنسا.
قلق الجالية اليهودية مفهوم، ولكن ماذا يمكن ان يحدث لو امام او زعيم مؤسسة او هيئة اسلامية في اوروبا تقدم بالطلب نفسه على سبيل المثال، وكيف ستكون ردود الفعل؟
المسألة لم تعد الدفاع عن حرية التعبير مثلما كانت قبل اسبوع، وانما تحولت الى مسألة امنية بحته توجه اصابع الاتهام الى المسلمين، او المتشددين منهم على اعتبارهم مصدر تهديد لامن اوروبا واستقرارها، وبما يحتم ضرورة تحالف القارة العجوز مع امريكا لمواجهة هذا الخطر، مثلما فعل ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا الذي طار الى واشنطن من اجل هذا الغرض.
اذا كان هناك خطر على اليهود في اوروبا واي مكان آخر في العالم فإن سببه اغتصاب فلسطين، وسياسات اسرائيل الاستيطانية والعنصرية، وحروبها ومجازرها ضد العرب والفلسطينيين، واصرار نتنياهو على اعتراف العرب والمسلمين بإسرائيل كدولة يهودية عنصرية، واقناع اليهود والحكومات والاعلام الغربي بأن اي انتقاد لهذه الممارسات العنصرية هو عداء لليهود والسامية، ومن المؤسف انه نجح نجاحا ملموسا في جر اليهود الى هذه المصيدة.
كل من ينتقد المجازر الاسرائيلية في قطاع غزة وجنوب لبنان هو معاد للسامية ولليهود ومتطرف يجب وضعه على لائحة الاتهام، ومن المؤلم ان الكثيرين من الكتاب الغربيين، ناهيك عن العرب والمسلمين وضعوا على هذه اللائحة وطوردوا في اكل عيشهم، ومنعوا من حرية التعبير بطريقة او باخرى ومن بين هؤلاء يهود.
الحكومات الغربية التي تعلن حالة الطوارىء القصوى يجب ان تعلم جيدا بان ما يهدد استقرار مجتمعاتها هو سياساتها التي توفر الذخيرة الاكبر للجماعات المتشددة لتجنيد الشباب المسلم في صفوفها ودفعه لتنفيذ هجمات “ارهابية”.
***
ديفيد كايمرون ونظيره نيكولاي ساكوزي هما اللذان ذهبا الى بروكسل قبل ثلاث سنوات لرفع الحظر عن ارسال السلاح الى الجماعات التي تقاتل لاسقاط النظام في سورية، وعندما خرج المارد من القمقم وباتت هذه الجماعات هي الاقوى وتطالب باقامة دولة الخلافة تحول هؤلاء الى ارهابيين وتغيرت الاولويات والحلفاء ايضا.
الرئيس جورج بوش الاين اعلن الحرب على الارهاب ومعه حلف الناتو، وبعض العرب من اجل محاربة الارهابيين حيث يتواجدون في العالم الاسلامي لمنع وصولهم الى امريكا واوروبا، وربما يكون هناك نجاح تحقق، ولكن لم يدر في ذهن هؤلاء ان محاربة الارهاب في الخارج ستؤدي الى نموه في الداخل.
الاجراءات الامنية المشددة لن تحقق الاستقرار في اوروبا وتمنع الهجمات، وانما اتباع سياسات تقوم على المساواة والعدالة بين ابناء جميع الديانات ووقف كل اعمال التحريض والاستفزاز، ونكرر بأن الذين خلقوا الازمة وتداعياتها هم ثلاثة اشخاص فقط، ولا يملكون طائرات (اف 16) او صواريخ كروز ولا اسلحة نووية.
توجيه اصابع الاتهام الى الجالية الاسلامية من خلال هذه الاجراءات الامنية التي توفر الحماية لغيرهم باعتبارهم ضحايا، قد يعطي نتائج عكسية تماما، لان المسلمين هو الضحايا ايضا، وهم الذين يقتلون ايضا في بلدانهم التي لجأوا اليها، او في بلدانهم التي هربوا منها بحثا عن الحرية ولقمة العيش الكريم.
نحن مع حرية التعبير دون قيود، ولكننا ضد استخدامها كذريعة ليس لاستفزاز المسلمين فقط، وانما كنقطة استغلال لتجريمهم ووضعهم في دائرة الاتهام، وعدم مساواة خوفهم وقلقهم بقلق الآخر وخوفه ايضا.