امريكا

حلف الناتو يريد تقسيم سورية على غرار البوسنه على اسس مذهبية وعرقية.. فما هي فرص نجاح هذا المخطط وكم عدد الدول المقترحة؟ وما هو دور تركيا وحكومات خليجية فيه؟

عبد الباري عطوان
اذا اردنا ان نفهم مخططات الغرب في منطقتنا العربية، فإن من اهم المصادر في هذا الاطار متابعة التصريحات والمواقف التي يقدم عليها الامناء العامين لحلف الناتو الذراع العسكري لامريكا واوروبا، والمطبخ الاهم لوضع الاستراتيجيات العسكرية والعمل على تنفيذها او بالاحرى فرضها بالقوة.
بعد انهيار جدار برلين في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1989 ومعه المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفييتي، خرج علينا جوزيف لوند الامين العام للحلف بتصريحات احتفل فيها بهذا الانهيار، وقال ان علينا الآن ان نبحث عن “عدو جديد” يحل محل الشيوعية المهزومة، واشار الى ان “الاصولية الاسلامية” هي العدو الجديد الذي يجب محاربته دون هوادة والقضاء عليه، وافردت مجلة “الايكونوميست” عدة صفحات لتصريحاته هذه في حينها.
نبوءة لوند صدقت، وان كنت، وما زلت، اعتقد انه كان ينطلق من معلومات مؤكدة لديه، وموثقة في تقارير ودراسات، بمعنى ان حلف الناتو واعلامه وزعاماته استغل هذا الخطر الاصولي المزعوم الذي لا يمكن، بل لا يجب، مقارنته بامبراطورية عظمى مثل الاتحاد السوفييتي تملك آلاف الرؤوس النووية، والغواصات والصواريخ العابرة للقارات باصولية لا تملك الا الاسلحة الخفيفة، استغل هذا الخطر المفبرك من اجل غزو افغانستان واحتلال العراق وتدمير ليبيا.

***

بالامس خرج علينا اندرس فوغ راسموسن الامين العام السابق لحلف الناتو الذي قاد التدخل العسكري في ليبيا، واشرف على الضربات الجوية العسكرية في العراق، خرج علينا بتصريحات في الجلسة الافتتاحية لندوة “السلام في الشرق الاوسط: اللاعبون، المشاكل وسبل الحل” التي نظمتها جامعة حسن قليونجي في ولاية “غازي عنتاب” الواقعة على الحدود التركية مع سورية، (لاحظوا اهمية المكان)، قال فيها حرفيا حول كيفية الحل في سورية “ينبغي تقسيم البلاد في اطار التوزعات الاثنية والدينية عبر اقناع الرئيس الاسد بمغادرة السلطة على غرار ما حدث في البوسنة”.
البوسنة شهدت حربا اهلية بين الصرب والمسلمين بين عامي 1992 و1995 لعبت المخابرات الامريكية دورا كبيرا في تأجيجها ومن ثم انهائها وارسال “مجاهدين عرب” بدعم من المملكة العربية السعودية ودول خليجية اخرى لنصرة اخوانهم المسلمين في وجه المجازر الصربية البشعة التي راح ضحيتها آلاف الابرياء ابرزها مجرة سربرنيتسا.
المجاهدون العرب كانوا مندفعين بغيرتهم على عقيدتهم ودينهم ونصرة اشقائهم، ولم يعرفوا مطلقا الدور الامريكي الغربي في تأجيج الصراع في البلقان من اجل تفكيك وانهيار الامبراطورية السوفييتية العدو الابرز، والاتحاد اليوغسلافي احد ابرز دعائمها، ولكن دولهم كانت تعرف جيدا بتقاصيل هذا المخطط، وتشارك في انجاحه تماما مثلما حدث في افغانستان.
بعد ان بلغت المجاور ذروتها، وبدأ المسلمون المقاتلون يدركون جيدا انهم لن يحققوا حلمهم بإقامة دولتهم المستقلة على كامل ترابهم، عقدت الولايات المتحدة مؤتمرا للسلام في مدينة دايتون الامريكية في نوفمبر عام 1995 تمخض عن اتفاق بتقسيم البوسنة والهرسك الى دولتين: الاولى فيدرالية البوسنة والهرسك يتناوب على حكمها المسلمون الصرب، والثانية جمهورية صرب البوسنة وهي خاضعة لحكم الصرب، كما أدت إلى انتشار قوات حفظ السلام الدولية الإيفور.
المستر راسموسن يؤيد تطبيق هذا الاتفاق، او نسخة معدلة منه في سورية، تماما مثلما حدث في البوسنة، ولكنه لم يقل في مداخلته تلك كم عدد الدول التي ستنشأ في سورية وفق الحل الذي يقترحه، فهل ستقسم الى ثلاث دول: علوية وسنية، ودرزية، ام الى اربع دول، اي اضافة دولة اخرى للاكراد في الشمال، ثم ما هو مصير “الدولة الاسلامية” التي تتربع حاليا على نصف العراق وثلت سورية، وتحكم حوالي ثمانية ملايين مواطن من البلدين ومرشحة للتوسع، هل سيتم الاعتراف بها كأمر واقع لاحقا، ولم لا، الم تعترف واشنطن بحكومة طالبان وتوعز بفتح سفارات لها في ابوظبي والرياض واسلام اباد؟
من يتابع تفاصيل حرب البوسنة في التسعينات، وتدخل الطائرات الامريكية في اطار حلف الناتو عسكريا وقصفها لصربيا، وتفتيت البلاد واقامة عدة دول في يوغوسلافيا (كوسوفو، البوسنة، صربيا، الحبل الاسود، كرواتيا) يجد ان السيناريو نفسه يتكرر حاليا في سورية، فخطوط التقسيم للدول الجديدة المقترحة تتبلور، والقصف الجوي الامريكي في بداياته، ويزداد كثافة، والصراع المذهبي والمناطقي يتصاعد ويجد دعما خارجيا، والجهاديون يتدفقون من منطقة الخليج ودول عربية واسلامية اخرى؟
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عما اذا كان هذا السيناريو الذي “يبشر” به المستر راسموسن يمكن ان ينجح في سورية مثلما نجح في البوسنة؟
الرجل نفسه اجاب على السؤال نفسه بالقول “هذه الصيغة ليست الحل الامثل، اذ تعد الخلافات الدينية، والاثنية والعرقية في سورية اعمق بكثير من نظيراتها في منطقة البلقان” ولكنه كان مصرا في مداخلته على ان التقسيم هو الحل الاكثر ترجيحا.
***
هناك امران مهمان يجب التوقف عندهما بعد عرضنا لمثل هذا السيناريو المدمر، والمغزى من وروده على لسان صاحبه ومكانته، والاهداف المرجوة من طرحه في هذا التوقيت:
• الاول: ان السلطات السورية ستكون منزعجة منه حتما، ولكنها ستكون مرتاحة له من ناحية اخرى، منزعجة لانه ربما يكشف عن النوايا الغربية المستقبلية لمرحلة ما بعد “القضاء” على الجماعات الاسلامية في سورية مثل الدولة الاسلامية، وجبهة النصرة، واحرار الشام، والاولى على وجه الخصوص.
• الثاني: ان انعقاد هذه الندوة في جامعة تركية في ولاية غازي عنتاب الحدودية التي تعتبر “مطبخ” الانشطة السياسية والعسكرية للحرب لاسقاط النظام في سورية يوحي بأن الحكومة تقف خلف هذا السيناريو التفتيتي لجارها السوري، او لا تعارضه في افضل الاحوال.
انه مخطط رهيب وخطير يسلط الاضواء على كل ما حدث ويحدث من وقائع وتدخلات في سورية على مدى السنوات الاربع الماضية، واذا قدر له ان ينجح، فانه سيطبق في دول عربية اخرى، ابتداء من العراق، ومرورا بمصر، وانتهاء بالمملكة العربية السعودية.
هل انتفض الشعب السوري، بتحريض من دول اقليمية وعربية خليجية، وامبراطوريات اعلامية ضخمة، من اجل التوصل الى الديمقراطية وحقوق الانسان والعدالة الاجتماعية، ام من اجل تفتيت بلاده ووحدتها الجغرافية والديمغرافية على اسس عرقية ومذهبية؟
نكتفي بطرح الاسئلة في هذه المقالة، لاننا نعرف الاجابة عن ظهر قلب، ولهذا رفضنا ان نكون من بين المخدوعين عندما بدأت ملامح هذا السيناريو في الظهور الى العلن تدريجيا.

دمشق تطلق رصاصة رحمة مبكرة على مبادرة دميستورا.. وزيارة ابن عم الاسد لمصر اختراق مهم.. والنظام السوري لن يعود للجامعة العربية في ظل وجود العربي

عبد الباري عطوان
من تابع لقاء الرئيس السوري بشار الاسد مع وفد يمثل جاليات فلسطينية في اوروبا يلحظ شعوره بالارتياح والثقة، مثلما يلحظ ابتسامة لم تفارق وجهه في الوقت نفسه، هذا الارتياح ينعكس ايضا في مواقفه الاخيرة خاصة رفضه المفاجيء وجود قوات تابعة للامم المتحدة للفصل بين قوات النظام والمعارضة، ومراقبة اي وقف لاطلاق النار يمكن ان يتم التوصل اليه وفقا لمبادرة ستيفان دميستورا المبعوث الدولي الى سورية، بعد ان ابدى مرونة تجاهها ووعد بدراستها.
اصرار السلطات السورية على عودة قواتها الى حلب في شقيها الشرقي والغربي يعني رفضا واضحا لمباردة دميستورا، وتبدد الكثير من الآمال التي انعقدت عليها لايجاد مخرج سياسي للازمة السورية ووقف اعمال القتل، وهذا يعني انتكاسة كبيرة لهذه المبادرة بعد الانتكاسة الاولى التي نجمت عن رفض المعارضة لها بصورتها الحالية وطلب ادخال تعديلات عليها.

***

الرئيس الاسد يشعر بالارتياح لان جميع خصومه تقريبا يعيشون مآزق متعددة باتت تشغلهم عن الازمة السورية، وتخفف من درجة تورطهم فيها من خلال دعم المعارضة السورية المسلحة.
فالسيد رجب طيب اردوغان جاره الشمالي بات يخوض حربا داخلية شرسة ضد منتقديه في وسائل الاعلام التركية، تطورت الى درجة اعتقال اكثر من عشرة صحافيين، وتوجيه تهمة دعم الارهاب الى اثنين منهم يعملون في صحيفة “زمان” واسعة الانتشار في البلاد، والشيء نفسه يقال عن المملكة العربية السعودية التي تتزايد فيها اعمال القتل لرجال الامن على يد عناصر تنتمي الى “الدولة الاسلامية” وتنظيم “القاعدة”.
ولعل التغيير الاكبر الذي يعزز من ثقة الرئيس الاسد الانقلاب الكبير في الموقف الامريكي، فمن الواضح ان الرئيس باراك اوباما بات ينسحب تدريجيا من الملف السوري لمصلحة مواجهة خطر “الدولة الاسلامية”.
وصول السيد عماد الاسد ابن عم الرئيس الاسد ورئيس الاكاديمية البحرية في اللاذقية الى مصر في زيارة غير معلنة يشكل اختراقا كبيرا للمعسكر العربي المعادي للنظام السوري، وخطوة مهمة لتطبيع العلاقات بين البلدين اي مصر وسورية، يمكن ان تحدث تغييرا في المنطقة، وتغير من مواقف جامعة الدول العربية تجاه الازمة السورية.
السلطات السورية ترفض رفضا قاطعا العودة الى الجامعة العربية، او اي حديث حول فك التجميد المفروض على عضويتها فيها، وتتخذ موقفا معاديا منها ومن امينها العام الحالي السيد نبيل العربي، ولذلك من الصعب تصور حدوث اي اتصالات بين الجانبين، اي الجامعة وسورية قبل انتهاء مدة السيد العربي، حسبما اكد مصدر لبناني مقرب من القيادة السورية.
استقبال السيد عماد الاسد في مصر لا يتم في اطار مبادرة مصرية، وانما في اطار تحول كبير في موقفها وانتقالها من حالة “شبه الحياد” الى مرحلة توثيق العلاقات تدريجيا مع دمشق، وفتح ابواب القاهرة مجددا امام المسؤولين السوريين، ولذلك من غير المستبعد ان يكون الزائر السوري القادم للعاصمة المصرية السيد وليد المعلم او نائبه السيد فيصل مقداد، وبتشجيع من المملكة العربية السعودية ودول خليجية اخرى، بدأت سياساتها تبدو اقل حدة مما كانت عليه قبل عام، سواء على صعيد دعم المعارضة، او تجاه المطالبة بإسقاط النظام السوري وضخ المليارات واطنان الاسلحة من اجل ذلك.

***

المعسكر الآخر المضاد للنظام السوري يخسر بشكل متسارع في ميادين القتال الاكثر اهمية، فاللواء خليفة حفتر يتقدم في ليبيا، والانباء القادمة من هناك تؤكد انه بات يسيطر كليا على مدينة بنغازي، ومعظم الشرق الليبي، ويحظى بدعم شعبي متزايد، علاوة على الدعم الاماراتي والمصري والامريكي، والحوثيون باتوا القوى المهيمنة في اليمن، والجماعات الاسلامية المتشددة تنقل عملياتها العسكرية الى دول الخليج.
من كان يتصور قبل اربع سنوات ان الرئيس السوري سيظل في موقعه، ويستقبل الوفود الشعبية، ويرسل مبعوثه الى مصر وغيرها، ويعيد فتح سفارة بلاده في الكويت وغيرها؟
الشعب السوري بدأ يدرك انه كان، مثل شعوب عربية اخرى، ضحية عملية تضليل وكذب وخداع من امريكا وحكومات عربية عديدة، عنوانها انفضاض هذه الدول عنه، وتركه لمصيره وسط الخراب والدمار ومعاناة المنافي والمتاجرة فيه وبدمائه.
هل من قبيل الصدفة ان “عدادات” احصاء القتلى والجرحى في سورية توقفت او تباطأت، بشكل كبير هذه الايام بالمقارنة مع اعوام ماضية؟

طبخة “بوغدانوف” السورية: تطبيع العلاقات بين دمشق وواشنطن وبدء صفحة جديدة عنوانها تكريس شرعية نظام الاسد والتعاون عسكريا ضد “الدولة الاسلامية”.. فهل اقتربت من النضج.. وما هي حصة المعارضة؟

عبد الباري عطوان

لا نعرف مواصفات “الطبخة” الدبلوماسية التي يعكف ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي على اعدادها بشأن كيفية الوصول الى “حل سياسي” للازمة السورية، وما اذا كانت هذه الطبخة قد اوشكت على النضوج ام لا، فالرجل الذي لم يترك حجرا يتعلق بهذه الازمة الا وقلبه، يتنقل مثل “النحلة” بين دمشق وبيروت واسطنبول ويلتقي عشرات المسؤولين في العواصم الثلاث، ابتداء بالرئيس السوري بشار الاسد، ومرورا بقادة المعارضة السورية ومضيفهم من المسؤولين الاتراك، وانتهاء بالسيد حسن نصر الله امين عام حزب الله، وكان لافتا انه تجنب زيارة اي عاصمة عربية، وخليجية على وجه الخصوص، ولم يلتق بأي من زعماء او وزراء خارجية الدول العربية التي تدعم، او كانت تدعم المعارضة السورية المسلحة على مدى ثلاث سنوات بالمال والسلاح.
اليوم “الجمعة” خرج بوغدانوف قليلا عن صمته، والقى بتصريح “قنبلة” الى وكالة “ريا نوفوستي” الروسية قال فيه “ان بلاده جاهزة لدراسة استضافة مفاوضات امريكية سورية في حال تقدمت الحكومة السورية بطلب من هذا النوع″، واضاف “في حال تقديم هذا الطلب سنجري اتصالاتنا مع الاطراف المعنية بهذا الشأن”.
هذا كلام على درجة كبيرة من الاهمية والخطورة معا، ليس لانه غير مسبوق، وانما لانه يشكل اختراقا كبيرا في الازمة السورية، ويؤشر الى احتمالات حدوث انقلاب حقيقي في الموقف الامريكي تجاهها.
فعندما يقول بوغدانوف ان موسكو جاهزة لدراسة استضافة مفاوضات امريكية سورية في موسكو في حال تقدم الحكومة السورية بطلب من هذا النوع، فإن هذا يعني، ودون اي عناء، ان الطلب السوري ربما يكون موجودا “في جيبه”، وحصل عليه اثناء لقائه يوم امس بالرئيس السوري بشار الاسد في القصر الجمهوري.

***

لا نعتقد ان سورية ستتردد للحظة واحدة في التقدم بهذا الطلب، كما اننا نجزم بأن الادارة الامريكية هي التي اعطت نائب وزير الخارجية الروسي الضوء الاخضر للمضي قدما في مبادرة بلاده الحالية لتهيئة الاجواء لمفاوضات مباشرة بين السلطة السورية والفصائل المعارضة لها.
السلطات السورية قطعا سترحب بأي لقاءات مع مسؤولين امريكيين في موسكو او حتى في واشنطن نفسها، لان هذه اللقاءات، في حال حدوثها، شبه متوقع ووشيك، ستعني اعترافا امريكيا بشرعية النظام اولا، واستعدادها للتعاون معه في مواجهة الجماعات الاسلامية المتشددة وخاصة “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” و”احرار الشام”.
وربما يفيد التذكير بأن المبعوث الروسي بوغدانوف ادلى بتصريح على درجة كبيرة من الاهمية عند وصوله الى مطار دمشق، عندما قال انه “جاء للقاء القيادة الشرعية السورية والتباحث معها حول كيفية التوصل الى حل سياسي”، فلم اسمع انا شخصيا مثل هذه العبارة، وبمثل هذا الوضوح، منذ بداية الازمة السورية، فكل التصريحات التي ادلى بها المسؤولون الروس كانت “ممغمغة” وتمسط الهصا من الوسط.
الاسابيع الاخيرة شهدت “غزلا” غير مباشر بين الادارة الامريكية والحكومة السورية، بدأ بترحيب السيد وليد المعلم وزير الخارجية، وفي مؤتمر صحافي عقده عندما اعلنت ادارة الرئيس باراك اوباما بدء الضربات العسكرية الجوية لتجمعات “الدولة الاسلامية” داخل سورية، بمثل هذه الضربات واستعداد حكومته للتنسيق مع واشنطن في حربها ضد “الارهاب”.
وبلغ هذا الغزل ذروته عندما كشف الرئيس بشار الاسد في حديث لمجلة “باري ماتش” الفرنسية عن شكوكه في نجاح الضربات الجوية الامريكية هذه، وقال انها لن تحقق اهدافها في اضعاف ومن ثم القضاء على “الدولة الاسلامية” الا من خلال وجود قوات على الارض تعرف المنطقة وجغرافيتها جيدا.
الرسالة التي اراد الرئيس الاسد ارسالها الى واشنطن تنطوي على استعداد واضح للتعاون بقوة على الارض مع الجهود العسكرية الامريكية ضد “الدولة الاسلامية”، ويبدو ان ادارة اوباما التقطتها بسرعة، وطلبت من موسكو تهيئة الاجواء لمفاوضات مباشرة مع الحكومة السورية.
المعارضة السورية التي كانت آخر من يعلم، وهذا ليس مفاجئا، ادركت بدورها ان المعادلات تتغير بسرعة، وان الحليفين الامريكي والعربي تخليا عن مخططاتهما لاسقاط النظام السوري وتسليمها السلطة بالتالي، وهذا ما يفسر حجيج معظم قياداتها الى موسكو، واستعداد بعض فصائلها المقاتلة (جيش الاسلام بقيادة زهران علوش) للتفاوض مباشرة مع النظام السوري.
“طبخة بوغدانوف” اوشكت على النضوج على نار غير هادئة، والضيف الامريكي الذي سيحط الرحال في موسكو للتفاوض مع النظام السوري سيكون الاكثر حرصا على تذوقها وربما التهام الجزء الاكبر منها، بعد ان فشلت استراتيجية بلاده في اطاحة النظام او هزيمة “الدولة الاسلامية” معا.
***
الرئيس اوباما اطاح بوزير الدفاع الامريكي السابق تشاك هيغل لانه كان يريد (اي هيغل) توجيه الطائرات الحربية الامريكية لقصف القصر الجمهوري في دمشق جنبا الى جنب مع مواقع “الدولة الاسلامية” كنواة لاستراتيجية في المنطقة، ولكن الرئيس اوباما كان يضمر شيئا آخر.
الادارة الامريكية تفاوضت مع ايران وتوصلت الى تسوية مؤقتة معها حول برنامجها النووي، ورفعت الحصار جزئيا عنها، بعد ان توقع الكثيرون ان المواجهة العسكرية بين الطرفين كانت قاب قوسين او ادنى، وافرجت عن المليارات من اموالها المجمدة، ونسقت معها في ضرباتها ضد مواقع “الدولة الاسلامية” شرق العراق، فمن المنطقي ان تتفاوض وتنسق مع الرئيس الاسد الحليف الاوثق لايران.
اذا صح هذا الافتراض، وهو يبدو صحيحا حتى الآن على الاقل، فإن امريكا ربما تكون في طريقها للتخلي عن حلفائها في المعارضة السورية “المعتدلة”، وقررت الاستعانة بالنظام لانجاز خطتها في القضاء على “الدولة الاسلامية”، والاعتماد بالتالي على الحلف الروسي الايراني السوري في هذا المضمار.
اين حلفاء المعارضة السورية من العرب، واين امبراطورياتهم الاعلامية وتعبئتها على مدى السنوات الثلاث الماضية للحرب لاسقاط النظام السوري؟ ولماذا لم نر ضيفا واحدا من هذه المعارضة ولو بصيغة مراقب بين صفوف المدعوين؟
الاجابة موجودة في سطور بيان القمة الخليجية التي انعقدت لمدة ساعتين في الدوحة، والفقرة المتعلقة بالازمة السورية على وجه الخصوص، ولكل من يريد التعرف عليها.

هل يواجه “التحالف الستيني” ضد “الدولة الاسلامية” مصير منظومة “اصدقاء سورية”؟ وهل يعطي دخول ايران حلبة القصف الجوي نتائج عكسية؟ واين اخطأ الاسد واين اصاب في تبنؤاته الاخيرة؟

عبد الباري عطوان

يذكرني البيان الذي صدر اليوم (الاربعاء) عن اجتماع التحالف الدولي ضد “الدولة الاسلامية” الذي يضم ستين دولة بالبيانات التي كانت تصدر تباعا عن منظومة اصدقاء سورية في اكثر من عاصمة عربية واوروبية على مدى السنوات الثلاث الماضية من حيث كونها جعجعة دون اي طحن.
التحالف الدولي اعلن في ختام اجتماعاته التي عقدت على مدة يومين في بروكسل ان الحملة ضد التنظيم بدأت توقف تقدمه في العراق وسورية، الا انه حذر من ان هزيمته ستستغرق سنوات، ولكن الوقائع على الارض تقول غير ذلك، واول مؤشر في هذا الصدد استمرار وجود قواته في “عين العرب”، وسيطرته على اكثر من 85 بالمئة من منطقة الانبار التي تشكل وحدها اكثر من ثلث مساحة العراق وتحاذي السعودية والاردن وسورية حدوديا.
حتى ايران التي “تمنعت” كثيرا وارتبكت سياسيا لعدم دعوتها للانضمام الى هذا التحالف الستيني من قبل زعيمته الامريكية قررت ان “تشترك في الأجر” وترسل طائراتها “الفانتوم 4″ القديمة المتهالكة التي ورثها النظام الاسلامي الحالي من عهد شاه ايران لقصف تجمعات “الدولة الاسلامية” في العراق، في تناقض واضح مع كل مواقفها السابقة التي عارضت فيها اي تدخل اجنبي عسكري امريكي في العراق والمنطقة.
فعندما تلتقي ايران وسورية وامريكا والسعودية والامارات وفرنسا وبريطانيا ومعهما اكثر من خمسين دولة اخرى على محاربة “دولة” لا تملك اسلحة نووية ولا طائرات بطيار او بدونه، ولا صواريخ من اي احجام او ابعاد، فإن هذا يعني واحدا من امرين: اما ان هذا التحالف ضعيف وغير جدي، واما ان “الدولة الاسلامية” التي يحاربها “قوة عظمى” لا يمكن هزيمتها.
***
السلطات الايرانية نفت في البداية تقارير امريكية تقول ان طائراتها دخلت المعركة ضد “الدولة الاسلامية”، ثم تراجعت عن هذا النفي بعد تأكيدات البنتاغون عندما قالت السيدة مرضية افخم الناطقة باسم الخارجية الايرانية في تصريح صحافي ردا على سؤال حول معلومات عن قصف طائرات بلادها لمواقع لـ”الدولة الاسلامية” شرق العراق انها لا تنفي ولا تؤكد هذه المعلومات وتهربت من الاجابة.
لا نعرف ما اذا كان الدخول الايراني على خط محاربة “الدولة الاسلامية” الذي رحب به جون كيري وزير الخارجية الامريكي جاء بالتنسيق المسبق مع واشنطن، ام انه بدونه، وما اذا كانت هذه المشاركة الايرانية تخدم التحالف واستراتيجيته ام انها تخدم “الدولة الاسلامية” وتسهل عليها عمليات التجنيد للمتخوفين من اتساع النفوذ الايراني في العراق الى صفوفها، ولكن ما يمكن ان نتكهن به ان الاوراق اختلطت في المنطقة، ولم يعد المراقب يعرف من ضد من، او اين ستتجه الامور في الاشهر وربما السنوات المقبلة.
فعندما يتفق الرئيس السوري بشار الاسد مع الامير سعود الفيصل وزير خارجية الدولة الاكثر حماسا واندفاعا لاسقاط نظامه على ان الضربات الجوية الامريكية لقواعد “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية فاشلة، ويؤكد الاخير، اي الفيصل، على ان لا بديل عن ارسال قوات ارضية فإن هذا كله، الى جانب اسباب اخرى، يؤكد حالة الارتباك الشديد في اوساط جميع دول التحالف الجديد او الذين يقفون خارج دائرته.
بيان التحالف الستيني اكد “نحن في صدد وقف تقدم تنظيم الدولة الاسلامية عبر سورية وداخل العراق”، واضاف “ان الوزراء وافقوا على استراتيجية من خمس محاور في مكافحة التنظيم، وهي زيادة المجهود العسكري، ووقف تدفق المقاتلين الاجانب، وقطع طرق التمويلات، ومعالجة مشكلة المساعدات الانسانية ونزع الشرعية عن تنظيم الدولة الذي يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بفاعلية”.
هذه الاستراتيجية ومحاورها الخمسة تعكس جهلا واضحا بالمنطقة وطبيعة الدولة التي تريد هزيمتها، فـ”الدولة” تملك رصيدا ماليا يتراوح بين ثلاثة وسبعة مليارات دولار ودخل يومي من بيع النفط يصل الى ثلاثة ملايين دولار، علاوة على مداخيل عائدة من الضرائب (المكوس)، اما النقطة الاخرى وهي وقف تدفق المجاهدين الاجانب، فليس لها قيمة عملية، لان معظم مقاتلي “الدولة” هم من العراقيين والسوريين، اي من ابناء المنطقة، ودور “الجهاديين” الاجانب اسنادي وليس جوهريا. اما اذا انتقلنا الى مسألة نزع الشرعية واستخدامات التنظيم لوسائط التواصل الاجتماعي بفاعلية فإن اي خطوة في هذا الاطار محدودة الاثر لان “الدولة الاسلامية” اقامت امبراطورية اعلامية ضخمة على “التويتر” و”الفيسبوك” و”الانترنت”، وباتت مثل التنين الاسطوري كلما قطعت له رأسا حل محله عدة رؤوس.
***
الرئيس الاسد وصف في مقابلة مع مجلة “باري ماتش” نشرت مقتطفات منها اليوم انه بعد شهرين من القصف الجوي لا توجد نتائج حقيقية على الارض و”القول ان قوات التحالف تساعدنا غير صحيح، لو كانت هذه الضربات (جدية وفاعلة) سأقول بأننا نستفيد منها بكل تأكيد”، واشار وهنا بيت القصيد “نحن نخوض المعارك على الارض ضد داعش ولم نشعر بأي تغيير خصوصا ان تركيا ما زالت تدعم داعش”.
كلام الرئيس الاسد ينطوي على الكثير من الصحة، اختلف معه البعض او اتفق، ويعكس “شماته” واضحة بالتحالف واستراتيجيته واعضائه، وعرضا بالانضمام اليه، وما لجوء الولايات المتحدة الى التنسيق مع ايران لادخالها سرا في هذا التحالف الا الاعتراف المؤكد بالمأزق الذي تعيشه حاليا في الشرق الاوسط، ومشاركة ايران في التحالف وضرباته بصورة غير مباشرة يصب فعلا في تعزيز النظام السوري، وقرب اعادة تأهيله وعودته الى المجتمع الدولي، وما اعادة فتح السفارة السورية في الكويت الا اول الغيث.
النظام السوري يحصل على اعمار (جمع عمر بتسكين الميم) جديدة شهرا بعد شهر، و”الدولة الاسلامية” تتمترس بفعل سوء التقدير الامريكي وتخبط ادارة اوباما، وزيادة حدة الاستقطابات والتقسيمات الطائفية والاخطاء الكارثية في العراق.
منظمة اصدقاء سورية بدأت بحوالي 150 دولة في اجتماعها الاول في تونس قبل اربع سنوات تقريبا، وانتهت الى 11 دولة اجتمعت اخيرا في لندن على مستوى صغار المندوبين ولم يسمع بهذا الاجتماع احد ولا نستبعد ان يكون مصير التحالف الستيني ضد “الدولة الاسلامية” مماثلا ان لم يكن اسوأ، فلم تُقم امريكا تحالفا حقق اهدافه ولم يواجه انتكاسات لاحقة الا مع اسرائيل، وانتم تعرفون الاسباب.

السعودية تعلن “الحرب النفطية” لتركيع ايران وروسيا وهزيمتهما في سورية واوكرانيا.. فهل ستنجح هذه المرة مثل سابقاتها؟ وهل سيكون نجاحا دون خسائر؟

عبد الباري عطوان

تقدم المملكة العربية السعودية على”مغامرة” تتسم بالكثير من الخطورة في اصرارها على عدم خفض الانتاج النفطي لامتصاص الفائض في الاسواق الذي يقدر رسميا بحوالي مليون برميل وزيادة الاسعار، لان تكاليف هذا القرار السياسي قد تكون باهظة في المدى المنظور.
وزير النفط السعودي السيد علي النعيمي الذي حمل استراتيجية بلاده هذه الى اجتماع منظمة “اوبك” نصف السنوي في فيينا نجح، بالتهديد والوعيد، في فرض وجهة نظر بلاده على نظرائه، في ابقاء معدل الانتاج للمنظمة (30 مليون برميل يوميا) على حاله دون اي تخفيض، وتكريس دورها كلاعب اساسي مهيمن في قطاع النفط ومنظمته، ولكنه نجاح قد يكون مؤلما لما يمكن ان تترتب عليه من نتاج سياسية بالنظر الى الدول المتضررة من هذا النجاح وعلى رأسها روسيا وايران وفنزويلا والجزائر والعراق.
السعودية، وبكل بساطة، قررت استخدام سلاح النفط، ولكن ضد روسيا وايران بالدرجة الاولى، وبتنسيق كامل مع الولايات لمتحدة الامريكية بهدف تركيع هاتين الدولتين بسبب تدخل الاولى عسكريا في اوكرانيا، ودعم الثانية للنظام السوري وتمسكها بحقها المشروع في تخصيب اليورانيوم ورفضها تقديم تنازلات في مفاوضات فيينا الاسبوع الماضي حول طموحاتها ومنشآتها النووية.
فعندما تنخفض اسعار برميل النفط الى اقل من سبعين دولارا بعد ان كانت 120 دولارا قبل بضعة اشهر، اي بمعدل يقترب من الاربعين في المئة، فإن دولا مثل ايران وروسيا تشكل صادرات النفط اكثر من خمسين في المئة من دخلها، ستجد نفسها امام ظروف اقتصادية صعبة للغاية في الاشهر المقبلة.

***

الحكومة السعودية تبرر اتخاذها لهذا القرار للتصدي للبديل الآخر لنفط دول الاوبك، اي النفط الصخري الذي اصبح استخراجه مجديا؟ رغم تكاليفه العالية، بسبب ارتفاع اسعار النفط، حتى ان الولايات المتحدة الامريكية زادت انتاجها منه في الاشهر والسنوات الاخيرة من 5.7 مليون برميل الى 8.4 مليون برميل يوميا.
المبررات السعودية تبدو مقبولة نظريا، ولكنها ليست كذلك عمليا، وقد استخدمت الحجة نفسها في الماضي فيما يتعلق بنفط الشمال الاوروبي، فقد بلغت تكاليف انتاجه اكثر من عشرة دولارات للبرميل مقابل 2.5 دولار للنفط الشرق اوسطي، ومع ذلك لم يتوقف انتاج نفط بحر الشمال مطلقا عندما انخفضت اسعار النفط الى اقل من سبعة دولارات في منتصف الثمانينات.
ولنفترض ان الاستراتيجية السعودية ستقضي على فرص التوسع في النفط الحجري، وتعيد الدول المستهلكة وعلى رأسها امريكا الى الاعتماد على النفط التقليدي، فهل تستطيع المملكة العربية السعودية تحدي امريكا، المتضرر الاكبر من سياساتها وخطواتها هذه، وتدمر استثماراتها في عمليات استخراج النفط الصخري التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات؟
انه قرار سياسي بالدرجة الاولى لتضييق الخناق على ايران وروسيا، وتدمير اقتصادياتها، تماما مثلما اقدمت القيادة السعودية على الخطوة نفسها في منتصف الثمانينات للتعجيل بإنهيار الاتحاد السوفييتي، وعام 1988 لخنق الرئيس العراقي صدام حسين ونظامه حيث وصلت اسعار النفط الى ما يعادل ستة دولارات، مما دفعه الى اطلاق مقولته الشهيرة “قطع الارزاق من قطع الاعناق”، مما مهد الطريق لسقوطه في المصيدة الكويتية التي اعدت له بعناية فائقة وبقية القصة معروفة.
المملكة العربية السعودية التي تملك صندوقا سياديا يضم اكثر من 675.9 مليار دولار ربما لا تتضرر على المدى القصير من انخفاض اسعار النفط، وكذلك هو حال حليفاتها الخليجيات مثل الكويت التي يقدر قيمة صندوقها بحوالي بـ410 مليارات دولار، والامارات773 مليار دولار، وقطر حوالي 170 مليار دولار، هذا غير الاستثمارات العقارية وغيرها، ولكن نحن نتحدث عن الخسائر السياسية التي يمكن ان تكون باهظة جدا داخليا وخارجيا واقليميا.
فعندما يوجه امير من الاسرة الحاكمة في وزن الامير الوليد بن طلال رسالة مفتوحة الى وزير النفط السعودي السيد علي النعيمي ووزراء آخرين يعترض فيها ويستنكر تصريحات هدفت الى “التهوين من الآثار السلبية الكبيرة التي ستلحق بميزانية المملكة واقتصادها جراء التراجع الكبير في اسعار النفط، وذلك على حسابه الشخصي على “التويتر”، فإن هذا الاستنكار يستحق التوقف عنده، لانه يمثل شريحة مهمة في البلاد داخل السلطة وخارجها.
في المرة الاولى، اي في منتصف الثمانينات عندما ضخت المملكة ملايين البراميل لاغراق الاسواق للتعجيل بسقوط الاتحاد السوفييتي بالتنسيق مع امريكا، كانت هذه الامبراطورية السوفييتية في حال ضعف وانهيار ويتزعمها شخص مهزوم نفسيا وسياسيا ومخترق غربيا اسمه ميخائيل غورباتشوف، وخلفه رئيس آخر “مخمور” اسمه بوريس يلتسين، اما الآن فروسيا في حال من الصعود، وتستعيد مكانتها الدولية كقوة عظمى، ويحكمها رئيس قوي منتخب اسمه فلاديمير بوتين، ولعل رفض الاخير استقبال الامير سعود الفيصل اثناء زيارته الاخيرة لموسكو قبل عشرة ايام رسالة على درجة كبيرة من الخطورة باعتبارها احد الادلة على توتر العلاقات السعودية الروسية.

***

نعم.. تخفيض السعودية لاسعار النفط الذي ادى الى استفزاز الرئيس الراحل صدام حسين ودفعه الى احتلال الكويت، ادى الى الاطاحة به وتدمير بلاده في نهاية المطاف، مثلما ارادت الولايات المتحدة الامريكية، ولكن الاطمئنان السعودي الخليجي ظل مؤقتا وجاءت النتائج عكسية تماما، فقد برزت قيادة عراقية معادية للمملكة، وموالية لايران، وانقسام طائفي خطير بدأت اثاره واخطاره تهدد العمق السعودي واستقرار المملكة ووحدتها الداخلية، والديمغرافية والجغرافية.
لا نعرف كيف سيكون رد فعل كل من ايران وروسيا على هذه الخطوة السعودية، فالوقت ما زال مبكرا لرصده، ولكنه لن يكون وديا، كما انه ليس شرطا ان تأتي النتائج هذه المرة لصالح السعودية، مثلما كان عليه الحال في مرات سابقة.
وربما يجادل اهل السلطة وانصارهم في الرياض بأن قيادتهم ليس امامها اي خيار غير اتخاذ هذه السياسية لحماية مصالحها، والتصدي للاخطبوط الايراني الذي يمد اذرعته العسكرية والايديولوجية الى سورية ولبنان واليمن (التيار الحوثي) ويتمترس في العراق، وهذا جدل ينطوي على بعض الصحة، ولكن المملكة العربية السعودية ليست محصنة لردود الفعل الداخلية والخارجية، والانتقامين الروسي والايراني المحتملين.
كنا، مثل الكثيرين غيرنا، نتمنى ان يستخدم سلاح النفط ضد امريكا وليس الى جانبها، وبما يؤدي الى استعادة حقوقنا في فلسطين والقدس المحتلة، وهو السلاح الذي طالما صرخنا حتى بح صوتنا من اجل هذا الهدف، لكن يبدو ان لا احد يستمع الى صراخنا، ولكننا مع ذلك سنستمر لانه ليس لدينا اي خيار آخر غيره حتى لو انفجرت حنجرتنا.

الخاسر والرابح من “تمديد” المفاوضات النووية بين ايران والدول الست العظمى

عبد الباري عطوان

انتهت مفاوضات “الفرصة الاخيرة” في فيينا حول الطموحات النووية الايرانية باتفاق على تمديدها لسبعة اشهر تمهيدا للوصول الى “فرصة” اخيرة ثانية وربما ثالثة ورابعة وهكذا مثلما كان عليه الحال طوال الاعوام العشر الماضية انه اتفاق لانقاذ ماء الوجه لا اكثر ولا اقل.
الفشل في التوصل الى اتفاق نهائي مثلما كان مقررا رغم الجهود الكبيرة المبذولة يعني ان الطرفين، ايران من ناحية، والدول الست الكبرى من ناحية اخرى، رفضا تقديم التنازلات المطلوبة، او المأمولة، قبل انتهاء المهلة.
اذا نظرنا الى هذا الفشل من زاوية الربح والخسارة، نرى انهما غير خاسرين وغير رابحين في الوقت نفسه، لان التأجيل يعني بقاء الامور على حالها لسبعة اشهر اخرى، وان كانت ايران حققت بعض المكاسب.
نشرح اكثر ونقول ان تخصيب اليورانيوم سيستمر واجهزة الطرد المركزي ستواصل عملها دون اي نقصان، والمخزون الايراني من اليورانيوم المخصب بدرجاته كافة سيظل في مكان آمن في ايران، وستضاف اليه كميات جديدة حتما، وسيستمر مفاعل “آراك” في العمل بالماء الثقيل.
***
الخسارة الايرانية تتمثل في استمرار العقوبات الاقتصادية خاصة على القطاع النفطي التي شلت الاقتصاد الايراني منذ فرضها قبل 13 عاما تقريبا، الامر الذي الحق اضرارا كبيرة بخطط التنمية الايرانية، وفاقم من معاناة الشعب الايراني.
واذا استمرت هذه العقوبات لسبعة اشهر اخرى، في ظل انخفاض اسعار النفط الى ما دون الثمانين دولارا للبرميل بعد ان كانت فوق حاجز المئة دولار لاكثر من ثلاثة اعوام، فإن وضع الاقتصاد الايراني سيكون اكثر صعوبة وتعقيدا، بالنظر الى الاعباء الكبيرة الملقاة على الميزانية الايرانية، ليس على صعيد تلبية احتياجات الدخل، وانما تمويل حروب حلفائها في سورية ولبنان وجزئيا في العراق، وتشكل نزيفا ماليا مستمرا.
صحيح ان ايران حصلت على تنازل مهم من مفاوضات فيينا تمثل في السماح بحصولها على 700 مليون دولار شهريا من اموالها المجمدة في البنوك الامريكية، ولكن هذا المبلغ يظل ذا اهمية محدودة واقل كثيرا من السقف الاعلى للمطالب الايرانية.
المعلومات المتسربة من دهاليز مفاوضات فيينا تفيد بأن واشنطن لم تعد مطلقا برفع كامل للعقوبات في حال التوصل الى اتفاق نهائي، وان هذا الرفع سيكون تدريجيا، وهو ما لم يقبل به المفاوض الايراني.
الايام المقبلة قد تكشف عن المزيد من التفاصيل حول ما جرى في الغرف المغلقة طوال الايام السبعة الماضية، لكن من الواضح، ومن خلال ما رشح من معلومات محدودة، ان الخلافات لم تكن حول امور تقنية فقط، وانما حول مسائل سياسية استراتيجية وتقاسم نفوذ ايضا، ويتضح هذا بجلاء من خلال امرين رئيسيين الاول ما قاله جون كيري وزير الخارجية الامريكي بأن المفاوضات مع ايران جعلت المنطقة اكثر هدوءا، والثاني نص اتفاقية “الاطار” التي ارتكز عليها قرار التمديد على مرحلة سياسية من حوالي ثلاثة اشهر تليها مرحلة الاتفاق على التفاصيل حتى نهاية شهر حزيران (يونيو) المقبل.
المرحلة السياسية هذه تعني التوصل الى اتفاق امريكي ايراني حول القضايا الرئيسية في المنطقة مثل الملفين السوري والعراقي، وموقف ايران من اسرائيل ويتفرع عن ذلك دعمها لحزب الله وجماعات جهادية فلسطينية مثل حركة “حماس″ و”الجهاد الاسلامي”.
***
ما يمكن استخلاصه من كل ما تقدم ان الادارة الامريكية مدعومة من الدول الغربية تريد استمرار الحوار مع ايران، والاعتراف بها كقوة اقليمية عظمى في المنطقة، ويبدو ان تقدما كبيرا حصل في هذا الشأن، فالرئيس الايراني حسن روحاني اوضح هذه المسألة في خطابه الذي ادلى به بعد انتهاء المفاوضات عندما قال “انه سيتم التوصل الى اتفاق نهائي وقد تم ردم معظم الخلافات”.
الايرانيون استخدموا طوال العقد الماضي اساليب المراوغة والمناورة التي يجيدونها جيدا، ولم ترهبهم كل التهديدات العسكرية الامريكية، ومن غير المعتقد ان هذا النهج سيتغير في الاشهر السبعة المقبلة من المفاوضات، واذا كانوا قد صمدوا ثلاثين عاما في مواجهة الحصار الاقتصادي الامريكي الغربي، فليس من الصعب عليهم الصمود بضعة اشهر اخرى.
المفاوضات تقرب بين ايران والغرب، ودون ان تخسر الاولى حلفاءها الروس والصينيين، والسؤال الذي يطرح نفسه هو عن العرب وموقفهم في هذا الحراك السياسي والدبلوماسي؟
نترك الاجابة لكم

العرب الضحية الاكبر سواء اتفق الايرانيون والامريكان او اختلفوا.. ولماذا يلتقي كيري مع سعود الفيصل ويهاتف نظراءه الخليجيين؟ هل لاعدادهم للحرب ام تهيئتهم لصفقة مع طهران؟

عبد الباري عطوان

من المفترض ان تنتهي “مفاوضات الفرصة الاخيرة” بين ايران والدول الست الكبرى حول طموحات الاولى النووية مساء “الاثنين”، ولكن من الواضح ان صمود وتصلب المفاوض الايراني في مواقفه، واصراره على التمسك بحقه في تخصيب اليورانيوم، ورفع كامل للحصار الاقتصادي المفروض على بلاده، هو الذي ادى ويؤدي الى اقتراب الموعد النهائي المحدد دون التوصل الى اتفاق، الا اذا حدثت معجزة او اكتملت الصفقة.
وزراء خارجية الدول الست العظمى، بالاضافة الى السيدة كاثرين اشتون وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي يتواجدون حاليا في فيينا، ويشكلون جبهة واحدة للضغط على ايران ودفعها لتقديم تنازلات اكبر، في اطار حملة مساومات نفسية غير مسبوقة، تستخدم فيها سياسة العصا (التهديد بعقوبات جديدة وربما عمل عسكري) والجزرة (رفع شبه تدريجي للعقوبات الاقتصادية) ولكن الوفد الايراني المفاوض يتصرف كلوح من الثلج، ويستمر في المناورة التي ابدع فيها طوال 12 عاما من المفاوضات والعلاقات المتوترة مع واشنطن وحلفائها.
علينا ان نتصور لو كان المفاوضون العرب مكان المفاوض الايراني، لكانوا رضخوا للضغوط الامريكية منذ الجولة الاولى تماما مثلما فعل الرئيس المصري الراحل محمد انور السادات في كامب ديفيد الاولى، وقدموا كل ما تريده الادارة الامريكية من تنازلات، بحجة ان امريكا قوة عظمى تملك كل اوراق اللعبة ولا يجوز مخالفتها او عصيان امرها، لانه لا احد يحاسبهم، لا برلمان ولا صحافة ولا رأي عام، و”دار ابو سفيان على حالها”.
العربي الوحيد، على حد علمنا، الذي كسر هذه القاعدة المهينة هو الشهيد ياسر عرفات، عندما قاوم كل الضغوط الامريكية الاسرائيلية في مؤتمر كامب ديفيد الثاني عام 2000، ورفض التنازل عن القدس المحتلة وحق العودة للاجئين، وعاد الى الارض المحتلة ليشعل فتيل الانتفاضة المسلحة الثانية ودفع حياته ثمنا لذلك.

***

جون كيري وزير الخارجية الامريكي الذي يرابط في العاصمة النمساوية لانجاز اتفاق قبل الموعد النهائي (مساء الاثنين) التقى الامير سعود الفيصل في طائرة الاخير في مطار فيينا، وتباحث معه حول تطورات المفاوضات، كما اتصل بنظرائه الخليجيين في الكويت والامارات وقطر والبحرين للغرض نفسه.
لا نعرف لماذا اقدم الوزير كيري على هذه الخطوة، فليس من عادته التشاور مع نظرائه العرب حول الملف النووي الايراني، فقد تفاوض مع الايرانيين ستة اشهر في سلطنة عمان دون ان يطلع هؤلاء، حلفاءه الخلص على هذه المفاوضات فما هو الجديد هذه المرة؟
هناك احتمالان يمكن من خلالهما تفسير هذا التصرف الامريكي المفاجيء مع وزراء الخارجية العرب الخمسة (كان لافتا انه لم يتصل بنظيره العماني):
ـ الاول: ان تكون الادارة الامريكية غير واثقة من نجاح المفاوضات، وتخطط للتصعيد مع ايران في حالة فشلها في التوصل الى اتفاق، مما يعني تشديد العقوبات الاقتصادية، والعودة الى سياسة التهديد بالمناورات العسكرية وارسال حاملات الطائرات الى الخليج على غرار ما حدث قبل اتفاق كانون الثاني (يناير) المرحلي مع ايران في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2013.
ـ الثاني: ان يكون كيري يتوقع التوصل الى اتفاق وشيك مع ايران قبل المهلة، مما يعني رفع كامل للعقوبات، وتطبيع العلاقات، والتفاهم معها على ملفات اقليمية مثل الازمتين السورية والعراقية.
وربما يجادل البعض بالقول ان الوزير الامريكي لا يريد تكرار الاخطاء السابقة التي وترت علاقات بلاده مع المملكة العربية السعودية عندما طعنت الاخيرة في الظهر بتوصلها الى اتفاق مع ايران دون ابلاغها بالتفاصيل الامر الذي احرجها كثيرا، واظهرها بمظهر التابع وليس الشريك الاستراتيجي.
من الصعب علينا ترجيح اي من الاحتمالين المذكورين لان المفاوضات ما زالت مستمرة، لكن اتصالات كيري مع بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل اسوة بوزراء الخارجية العرب ربما يوحي بأن الادارة الامريكية تستعد للتصعيد العسكري والاقتصادي اذا لم تحصل على ما تريده من تنازلات وتهيئ حلفاءها مبكرا لمثل هذا الخيار، ونحن هنا نتكهن، او لعله استخدم هذه الاتصالات لارسال رسالة تهديد اضافية الى المفاوض الايراني ومن هم اعلى منه.
***
الرئيس باراك اوباما ادلى بحديث على درجة كبيرة من الاهمية اليوم (الاحد) لمحطة تلفزيون “اي بي سي” الامريكية يمكن ان يسلط ضوءا جديدا عما يدور في خلد الرجل وادارته عندما قال “هناك مشاكل لا تزال قائمة مثل الدعم الايراني للانشطة الارهابية في المنطقة، وموقف طهرن حيال اسرائيل”.
ماذا يعني هذا التصريح ولماذا في مثل هذا التوقيت (لا شيء يمكن ان يكون عشوائيا في امريكا)؟ انه يعني، وبكل بساطة، ان المفاوضات في فيينا لا تدور حول تخصيب اليورانيوم ودرجاته، واعداد اجهزة الطرد المركزي، وانما ايضا حول صفقة سياسية متكاملة، ابرز عناوينها الاعتراف باسرائيل، وتجريد حزب الله من اسلحته، ووقف تدخل الحرس الثوري في سورية والعراق، واخيرا الامتناع عن دعم الميليشيات الشيعية المتطرفة في العراق مثل عصائب اهل الحق، وكتائب ابو الفضل العباس والقائمة طويلة.
امريكا تستخدم المنشآت النووية الايرانية كذريعة للضغط على ايران في محاولة لاعادتها الى بيت الطاعة الامريكي والتوصل الى صفقة سياسية اقليمية معها، وعندما نقول ذريعة، فإننا نذكر بكل الاكاذيب الامريكية والاسرائيلية التي كانت تحشد العالم، والعرب طبعا، ضد ايران بحجة انها ستنتج اسلحة نووية في ستة اشهر، او عام على الاكثر، وها هو يمر عام على توقيع الاتفاق المرحلي ولا نسمع كلمة واحدة في هذا الخصوص.
ما يمكن استخلاصه من كل ما سبق، انه سواء اطلع كيري نظرائه الخليجيين على تطورات مفاوضات فيينا او لم يطلعهم، فإن العرب، والخليجيين منهم، سيكونون ضحايا اي اتفاق يتم التوصل اليه سلما او حربا، وسيدفعون ثمن هذا الاتفاق غاليا من امنهم ومالهم، وسيادتهم او ما تبقى منها، ونأمل ان نكون مخطئين.

هل كانت زلة لسان من الامير سعود الفيصل ام انها سياسة رسمية سعودية جديدة؟ نأمل ان نسمع توضحيا!

عبد الباري عطوان

البيانات المشتركة التي تصدر عادة في ختام المباحثات الرسمية بين الزعماء او الوزراء تنطوي على درجة عالية من الاهمية لانها تعكس مواقف الدول والمزاج السياسي العام، وقضايا الاتفاق والاختلاف، التي جرى التطرق اليها في هذه المباحثات، وانعكاسات كل هذا على مستقبل العلاقات.

كنت حريصا ان اقرأ بتمعن البيان المشترك الذي صدر في ختام مباحثات الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، ونظيره الروسي، سيرغي لافروف، في العاصمة موسكو، للبحث عن اي معلومة، او موقف، يمكن ان يعطي مؤشرا حول الموقف السعودي ومتغيراته تجاه تطورات الصراع في سورية، وحرب التحالف الذي تتزعمه امريكا ضد “الدولة الاسلامية” وتلعب الرياض وطائراتها دورا رئيسا فيه، ولكن عبارة في البيان، لا تتعلق بسورية ولا بـ”الدولة الاسلامية” لفتت نظري وجعلتني اتوقف عندها طويلا متأملا ومحللا في الوقت نفسه، ومسطرا هذا المقال عنها وليس عن ما يجري طبخه في موسكو هذه الايام تجاه الملف السوري.

***

فبعد ان اكد البيان على “ضرورة انطلاق جهود حل الازمة السورية على اساس جنيف 1″ مع التركيز على اهمية الحفاظ على “وحدة وسيادة الاراضي السورية”، ثم انتقل بعد ذلك الى مناقشة العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تنميتها، ونادى الجانبان بـ”ضرورة تفعيل اعمال اللجنة الاقتصادية المشتركة وغيرها من آليات التعاون الثنائي بين البلدين”، وبعد كل هذا ناقش الجانبان مجموعة من الملفات الاقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك بما في ذلك الوضع في سورية والعراق وليبيا واليمن واخيرا، وهذا هو المهم، “الصراع الفلسطيني الاسرائيلي”.

العبارة الاخيرة اصابتني بالذهول والصدمة معا، وتوقفت عندها طويلا، فربما هذه هي المرة الاولى، على حد علمي، التي يصدر فيها بيان مشترك لمباحثات وزير سعودي كبير في مكانة الامير الفيصل ويقول “الصراع الفلسطيني الاسرائيلي” وليس الصراع العربي الاسرائيلي”، فمنذ ان بدأ هذا الصراع وهو صراع بين العرب والاسرائيليين، وجميع البيانات الختامية للقمم العربية، واجتماعات وزراء خارجيتها تؤكد على هذه الحقيقة، فلماذا يخرج الامير الفيصل عن هذه القاعدة الراسخة؟ وفي مثل هذا التوقيت بالذات؟ واذا كان استخدام هذا المصطلح من قبل المسؤولين السعوديين ليس جديدا، فمتى حدث هذا التغيير وعلى اي اساس؟

العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز عندما اطلق مبادرته للسلام، وقبل ان تتحول الى مبادرة عربية في قمة بيروت عام 2002، اكد على انها تأتي من اجل حل الصراع العربي الاسرائيلي من خلال بند “الانسحاب الكامل مقابل الاعتراف العربي الكامل”، فهل اصبح هذا الاعتراف العربي، او الحل العربي، غير ضروري طالما تحول الصراع الى فلسطيني اسرائيلي، اي مسؤولية اهل فلسطين وحدهم، واصبح موقف العرب مثلهم مثل موقف دول البلطيق تجاه هذا الصراع؟

كنت اعتقد انها خطأ مطبعي، او اجتهاد روسي، او سوء ترجمة، ولهذا حرصت ان اذهب الى موقع وكالة الانباء السعودية الرسمية “واس″ لاتحقق من الامر، ونادرا ما اذهب اليه، اي الموقع، ووجدت النص نفسه دون زيادة او نقصان.

المصطلحات السياسية تتسم بأهمية خاصة، لا يجب التقليل من اهميتها، لانها تعكس مواقف رسمية، ويتم نحتها بعناية، ولا تتغير الا مع تغير السياسات او حتى الحكومات التي وضعتها ومن هنا جاءت صدمتنا وتوقفنا عند المصطلح الجديد وافردنا هذه المساحة لمناقشته.

فعندما كان بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل ووزير خارجيته افيغدور ليبرمان يؤكدان في احاديثهما الصحافية ان دولا عربية عديدة لم تعد تعتبر اسرائيل عدوا، كنا نعتقد ان هذه التصريحات تهدف الى التشويش ومحاولة خلق فتنة بين العرب انفسهم، والاصطياد في الماء العكر، ولكن اعتقد ان الوقت قد حان للنظر الى هذه التصريحات بنظرة مختلفة عن السابق.

***

الصراع سيظل عربيا اسرائيليا، بل اسلاميا اسرائيليا، ولن يكون فلسطينيا اسرائيليا، وما تشهده مدينة القدس المحتلة، ومسجد اقصاها من اقتحامات وخطط تقسيم وعمليات استيطان مكثفة يؤكد هذه الحقيقة ويرسخها، واذا كانت حكومات عربية ترى غير ذلك، فإن الشعوب، او غالبيتها الساحقة ستظل متمسكة بهذه الثوابت.

السلطات السعودية التي تواجه حاليا اخطارا داخلية وخارجية تهدد امنها، واستقرارها، ووحدتها الوطنية ترتكب خطأ كبيرا اذا غيرت مواقفها وسياساتها تجاه القضية العربية المركزية الاولى، ونفت عنها البعد العربي والاسلامي، وحصرت امرها في شعب اعزل محاصر يتحمل وحده حماية المدينة المقدسة ومقدساتها ولا يبخل بدمه وارواح شبابه من اجلها.

نأمل ان يكون ما ورد في البيان الروسي السعودي المشترك الذي صدر في ختام زيارة الامير سعود الفيصل مجرد خطأ وليس سياسة رسمية سعودية جديدة تترسخ.

فاسرائيل كانت، وستظل، عدوة للامة العربية، ومغتصبة لارضها ومقدساتها، ومسؤولية تحرير هذه الارض، واستعادة المقدسات، مسؤولية عربية، اسلامية، قبل ان تكون مسؤولية فلسطينية، وان كان المرابطون في الاراضي الفلسطينة لم يبخلوا، ولن يبخلوا، باعز ما يملكون من اجل هذه المهمة السامية نيابة عن الامة الاسلامية بأسرها.

شهران من القصف الجوي والهجوم البري لم يخرجا “الدولة الاسلامية” من “كوباني” الصغيرة.. فكيف سيكون السيناريو في الموصل والرقة؟ وهل سيشهد يوم الاحد انقلابا في الاستراتيجية الامريكية؟

عبد الباري عطوان

لا بد من التحلي بأصول المنطق، والابتعاد عن المكابرة والاعتراف دون تردد، بأن القصف الجوي الامريكي الذي دخل قبل ايام معدودة شهره الثالث، لمواقع “الدولة الاسلامية” وتجمعاتها في العراق وسورية، لم يحقق اي من اهدافه في اضعافها حتى الآن على الاقل، بل بات يعطي نتائج عكسية تماما، ابرزها تخفيف الضغوط على قوات النظام السوري في جبهات القتال، والصاق تهمة، “العمالة” وافتقاد المصداقية، بالمعارضة السورية المسلحة والمعتدلة، مثلما صرح لمراسل صحيفة “الفايننشال تايمز″ البريطاينة السيد احمد ابو عماد المتحدث باسم حركة “حزم” التي تلقت دعما عسكريا وماليا من الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج العربي، في تقرير مطول نشرته (اليوم) الخميس.
فعندما تستطيع هذه “الدولة” ارسال خلية انتحارية الى قلب مدينة اربيل عاصمة اقليم كردستان العراق التي نعمت بالامان على مدى عشر سنوات، وتفجر سيارة مفخخة يقودها انتحاري امام محافظتها، تقتل اربعة وتصيب العشرات، وعندما تستطيع قواتها، ودون اي غطاء جوي، الصمود لشهرين في مدينة “عين العرب ـ كوباني” السورية، فهذا يعني انها لم تضعف او تتراجع، وانما تتقدم فعلا.
***
فاذا كان “الحسم” الامريكي المدعوم بطائرات من احدث ما يوجد في الترسانة الامريكية من طرازات، ومقاتلين من البشمرغة والجيش الحر ووحدات الدفاع الكردية ما زال صعبا بعد شهرين من القتال والقصف باعتراف معظم الخبراء الاستراتيجيين فكم سيستغرق الامر لاستعادة مدن مثل الرقة او الموصل او دير الزور؟
نحن لا نمجد بـ”الدولة” وقدراتها، وندرك جيدا انها ما زالت حديثة العهد، ولا يمكن ان تقارن قوتها العسكرية بقدرات امريكا العظمى والتحالف الخمسيني الذي شكلته (امريكا) لمواجهتها ويضم خمس دول عربية، ولكننا نحاول ان نرسم صورة للواقع كما هو دون بهرجة، في ظل كم هائل من المعلومات المغلوطة والمضللة.
لا ننكر مطلقا ان القوات العراقية حققت تقدما على بعض الجبهات حيث نجحت في كسر الحصار الذي كان مفروضا من قوات الدولة على مصفاة بيجي التي تنتج ستين في المئة من احتياجات الشعب العراقي من المحروقات، وهذا تقدم لا يجب انكاره، ولكن ما زالت هناك اخفاقات سياسية وعسكرية، فعملية اعادة تأهيل الجيش العراقي لم تبدأ بعد، والثقة في حكومة السيد حيدر العبادي لم تكتمل رغم مرور اكثر من شهر على تشكيلها، ومسألة بناء قوات “حرس وطني” او “صحوات” من قوات العشائر تواجه بفتور وبالكثير من السخرية”.
الاستراتيجية الامريكية في العراق وسورية، وليس تجاه “الدولة الاسلامية” فقط قد تتغير كليا، ولا نستبعد اقدام الولايات المتحدة على ارسال قوات برية الى العراق.
نقطة الصفر في هذا الاطار المفاوضات الجارية حاليا بين ايران والدول العظمى الست حول البرامج والمفاعلات النووية الايرانية وانتاجها من اليورانيوم المخصب، وهذه المفاوضات التي بدأت جولتها الاخيرة في فيينا وتنتهي يوم الاحد المقبل، تقف حاليا على حافة الانهيار الا اذا جرى الاتفاق على تمديدها وهذا احتمال جدا ضعيف حتى الآن.
الانهيار يعني العودة الى التوتر العسكري، ومرحلة ما قبل الاتفاق الامريكي الايراني الذي جرى التوصل اليه في مباحثات سرية في مسقط، حيث كان الحوار بالغواصات، وحاملات الطائرات، والسفن الحربية، وبيع صفقات تسليح لدول الخليج بأكثر من 130 مليار دولار استعدادا للحرب التي جرى تصويرها بأنها حتمية في حينها.
اما التوصل الى اتفاق، فقد يعني تحول ايران الى القوة الاقليمية العظمى والحاكم الفعلي في المنطقة التي يعتمد عليها الغرب في ادارته لشؤونها (اي المنطقة) وحفظ الامن فيها.
الانفراج في الازمة الداخلية الخليجية الذي انعكس في اتفاق الرياض “التكميلي” لا يمكن النظر اليه بمعزل عن تطورات المفاوضات هذه، فهو مؤشر قوي على ما يمكن ان يحدث في المرحلة المقبلة حيث ستكون ودول الخليج حتما لاعبا رئيسيا في حالة التوتر او حتى الحرب، وضحية كبرى في حال التوصل الى اتفاق.
***
فمن يتابع الهجمة الدبلوماسية الامريكية الحالية على تركيا يمكن ان يكمل عناصر الصورة التي تحدثنا عنها آنفا، ففي الوقت الذي يغادر فيه جون الن المبعوث العسكري للرئيس باراك اوباما انقرة، يحط الرحال فيها نائب الرئيس الامريكي جوزيف بايدن في زيارة تستمر ثلاثة ايام تدور كلها حول كيفية مواجهة “الدولة الاسلامية” فهل ستكون الشروط التركية التي طالب الرئيس اردوغان بتلبيتها قبل اي انخراط في هذه المواجهة في هذه المواجهة على قمة جدول الاعمال؟ وهل جرى تأخير التجارب معها متعمدا انتظارا للمرحلة المقبلة وتطوراتها؟
في تقديرنا ان المشاركة التركية من عدمها ستتضح في الايام القليلة المقبلة، وعلينا ان لا ننسى مطلقا ان انقرة عضو مؤسس في حلف “الناتو”.
ثلاثة ايام حاسمة في تاريخ المنطقة سلما او حربا، فعندما يقول جون كيري وزير الخارجية الامريكي انه لا تمديد للمفاوضات النووية ولا بد من اتفاق يوم الاحد، فان علينا ان نضع ايدينا على قلوبنا تحسبا للأسوأ على المدى القصير وربما الافضل على المدى الابعد، ولا شيء يمكن استبعاده في منطقتنا التي تعتبر الوحيدة في العالم التي يصعب، بل يستحيل التنبوء بمفاجآتها!

اوباما يمهد من استراليا لتدخل بري واسع في العراق وسورية تحت “ذريعة” محاربة “الدولة الاسلامية” في حال سيطرتها على اسلحة نووية.. اين هذه الاسلحة؟ ومن غير اسرائيل يملكها؟ ولماذا هذا الشرط الآن؟

عبد الباري عطوان
من يعيش في الغرب، ويتابع اساليب الحكومات في التمهيد التدريجي، او تسويق مواقف سياسية وعسكرية معينة للرأي العام، يدرك جيدا ان الرئيس الامريكي باراك اوباما عندما يقول في مؤتمر صحافي عقده على هامش قمة العشرين الاقتصادية في مدينة بريزبين الاسترالية اليوم (الاحد) “لن نتردد في ارسال وحدات برية الى المنطقة في حال سيطرت قوات “الدولة الاسلامية” على سلاح نووي مثلا، لكننا نريد ان تتولى قوات الامن العراقية مهامها”، فإن هذا يعني، وللوهلة الاولى، ان القرار بإرسال قوات امريكية الى العراق وسورية ربما جرى اتخاذه مبكرا وينتظر الذريعة، واننا على ابواب مرحلة التنفيذ.
الرئيس اوباما ضاعف عدد القوات الامريكية البرية في العراق الى 3100 جندي، واكد قبل اسبوع ان العدد سيرتفع، وان قوات اخرى في الطريق، وبرر ارسال هذه القوات، قديمها وجديدها لتدريب الجيش العراقي واعادة تأهيله عسكريا حتى يتمكن من التصدي لقوات “الدولة الاسلامية”.

***

لا نعتقد ان تدريب القوات العراقية يحتاج الى هذا العدد الضخم من المدربين والمستشارين، الا اذا كان تعداد هذا الجيش سيصل الى الملايين من الضباط والجنود، ونرجح ان هناك خطة امريكية عراقية مشتركة، لعودة قوية للتدخل العسكري الامريكي في العراق وسورية، ولكن من “نافذة” محاربة “الدولة الاسلامية”، اي انها لن تكون قوات غازية وانما صديقة، ولكن ما هو الثمن الذي تنتظره واشنطن؟
ما يجعلنا نميل الى هذا الاعتقاد عدة مؤشرات على درجة كبيرة من الاهمية نلخصها في النقاط التالية:
ـ اولا: هناك اجماع في اوساط معظم المحللين العسكريين الامريكيين بأن القصف الجوي الامريكي لتجمعات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية لم يحقق الا القليل من النجاح في اضعافها والحد من قوتها، وانه لا بديل عن وجود قوات على الارض.
ـ ثانيا: توارد انباء كثيرة، ذات مصداقية، من مصادر غربية عن قيام “المستشارين” الامريكيين بمرافقة القوات العراقية في حربها لاستعادة مدن وبلدات في اقليم الانبار، وكذلك فك الحصار عن مدينة بيجي حيث توجد مصفاة النفط التي توفر ستين في المئة من احتياجات البلاد من المشتقات النفطية الضرورية مثل البنزين والمازوت.
ـ ثالثا: زيارة الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة اركان الجيوش الامريكية فجأة الى العراق، وتقدمه بعرض لاشراك قوات امريكية في المعارك التي قد تنطلق في الاماكن الخطرة (نينوى والحدود العراقية السورية) ضد تنظيم الدولة الاسلامية وهو العرض الذي قال السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي انه رفضه.
ـ رابعا: رفض معظم اعضاء التحالف من العرب، مثل المملكة العربية السعودية والاردن والامارات وقطر علاوة على تركيا ارسال قوات برية الى العراق وسورية، ورفض السيد العبادي في المقابل وجودها على ارض بلاده لانه يعتقد “ان العراق لا يحتاج الى اي قوات اجنبية برية، وان الجيش العراقي، مدعوما بالحشد الشعبي وابناء العشائر قادر على انجاز مهامه دون تدخل خارجي”.
تصريحات السيد العبادي حول رفض اي قوات ارضية امريكية ربما تأتي للتغطية على اتفاق جرى التوصل اليه فعلا اثناء زيارة الجنرال ديمبسي الخاطفة الى بغداد بأرسال المزيد من القوات الارضية الامريكية، لان نفيه لا معنى له عمليا، ويعكس تناقضا “غير مفهوم” فالقوات الامريكية الارضية موجودة فعلا وتتزايد، وهذا اولا، وثانيا لا نرى اي فرق بين قوات ارضية او جوية، فالاستعانة بقوات اجنبية قد تمت من حيث المبدأ والباقي تفاصيل.
نقطة اخرى لا يمكن تجاهلها وتتلخص في قول الرئيس اوباما انه لن يتردد في ارسال وحدات برية امريكية الى المنطقة اذا سيطرت “الدولة الاسلامية” على سلاح نووي، فأين يوجد هذا السلاح النووي حتى تسيطر عليه هذه الدولة؟ في العراق او سورية ام ايران؟
الدولة الوحيدة في المنطقة التي تملك اسلحة نووية هي اسرائيل فهل تملك “الدولة الاسلامية” وقواتها القدرة في الوقت الراهن للوصول الى مفاعل ديمونا، او مخازن الرؤوس النووية الاسرائيلية والاستيلاء عليها وكيف؟
***
لا بد ان هناك “طبخة” امريكية يجري اعدادها للمنطقة بأسرها، عنوانها عودة القوات الامريكية الى العراق، ولكن تحت ذريعة حماية المنطقة من خطر “الدولة الاسلامية”، وترددت انباء في اكثر من عاصمة غربية، ان هناك خطة مطروحة فعلا لارسال ثمانين الف جندي، اي نصف عدد القوات التي احتلت العراق عام 2003.
وربما لم يكن من قبيل الصدفة اقدام “الدولة الاسلامية” على اعدام الجندي الامريكي السابق الذي كان رهينة لديها (بيتر كاسيغ) امام الكاميرات في منطقة “دابق” وقول متحدث بإسمها انه “اول صليبي” يدفن فيها، وانها تنتظر (اي الدولة) بلهفة باقي الجنود الامريكيين لدفنهم في المنطقة نفسها.
الرئيس باراك اوباما قال في حديث لمحطة تلفزيونية امريكية ان بلاده ستنتقل الى مرحلة الهجوم في حربها ضد “الدولة الاسلامية”؟ فهل حمل الجنرال ديمبسي هذه الخطة الهجومية وتفاصيلها الى نظرائه العراقيين؟ وهل نحن امام احتلال امريكي جديد للعراق وربما سورية ايضا؟ وهل ستكرر امريكا الاخطاء نفسها ام ستتعلم منها في المرة المقبلة؟
احتمالات غرق امريكا في المستنقع الدموي العراقي السوري مرة اخرى، وبعد ثلاث سنوات من انسحابها، كبيرة، بل كبيرة جدا، وسيكون تدخلها مكلفا لها ولأهل المنطقة، قلنا هذا اثناء غزو عام 2003 ونكرره الآن دون تردد، والايام والاشهر المقبلة حبلى بالمفاجآت.