اسرائيل

الخوف من دولة البغدادي الاسلامية هو سبب اعادة اعمار قطاع غزة والعودة للمفاوضات.. ومهرجانات الفرح باعتراف البرلمان البريطاني بدولة فلسطينية ضحك على ذقون الفلسطينيين.. وهذه هي اسبابنا!

عبد الباري عطوان
من يتابع الضجة الاعلامية الكبرى التي تسود المنطقة العربية هذه الايام والمتحورة حول اعتراف السويد بالدولة الفلسطينية، وتصويت البرلمان البريطاني المتوقع غدا (الاثنين) للامر نفسه يعتقد ان هذه الدولة قائمة فعلا، ولا ينقصها غير هذه الاعترافات فقط.
المسألة وبكل بساطة لا تتعدى كونها “حقنة” تخديرية اخرى للشعب الفلسطيني والعالم الاسلامي بأسره، تذكرنا بتجارب ووعود مماثلة كثيرة جدا صفقنا لها بحرارة، وبنينا عليها آمالا عريضة، وانتهينا بخيبة امل وخديعة الواحدة تلو الاخرى في اطار مسلسل طويل من الاهانات والاكاذيب، ويبدو اننا سنظل نلدغ من نفس الثعبان ومن نفس الجحر طوال الوقت، وممنوع علينا ان نصرخ الما والا فنحن ارهابيون.
عندما اراد جورج بوش الاب “تخدير” العرب قال انه سيحل القضية الفلسطينية بعد اخراج القوات العراقية من الكويت، وخرجت القوات فعلا، وجرى تدمير معظمها ذبحا بصواريخ الطائرات الامريكية وهي منسحبة ذليلة من الكويت في شباط (فبراير) عام 1991، على طريق المطلاع المؤدي الى البصرة، وفشل مؤتمر مدريد للسلام الذي عقده الرئيس بوش في زفة دولية وعربية، والشي الوحيد الذي اسفر عنه هو صدق نبوءة اسحق شامير رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي رأس وفد بلاده بأنه سيظل يتفاوض لاكثر من عشرين عاما دون ان يتنازل عن مليمترا واحدا من الاراضي المحتلة، ودون ان يتوقف لحظة عن مواصلة الاستيطان.
حاول خلفه بيل كلينتون الشيء نفسه، وعقد مؤتمر آخر للسلام في كامب ديفيد عام الفين ليتبين لنا ان الهدف منه “تسويق” دولة فلسطينية “مسخ” بدون سيادة وبدون القدس عاصمة لها، وعندما جاء جورج بوش الابن، واراد غزو العراق واحتلاله تعهد باقامة دولة فلسطينية مستقلة قبل نهاية ولايته الاولى عام 2005، وبعد الانتهاء من حكم صدام حسين، وانتهت الولاية الاولى والثانية وجرى اعدام صدام حسين ورفاقه، وتدمير العراق وتفتيته طائفيا، وتقسيمه جغرافيا، وتحويله الى دولة فاشلة والدولة الفلسطينية ما زالت في رحم الغيب، بل لم تبق اراض لكي تقام عليها.
***
الآن حلت “الدولة الاسلامية” وخطرها على الغرب وحلفائه في المنطقة مكان صدام حسين، وخطره، ولان هذه الدولة باتت تستقطب الشباب العربي المحبط، وتحقق الانتصار تلو الانتصار وتستولي على المزيد من الاراضي (آخرها عين العرب) في سورية والعراق رغم الضربات الجوية المكثفة، عادت امريكا وحلفاؤها الغربيون الى اسطوانة الدولة الفلسطينية المستقلة، المشروخة مرة اخرى، وللأسف تجد من يصدقها من ابناء جلدتنا، والرئيس الفلسطيني محمود عباس والمجموعة المحيطة به على وجه الخصوص، ويعتبرون مجرد هذا الاعتراف “الرمزي” الذي لا يفرض اي التزام على الارض انتصارا كبيرا يستحق التصفيق والرقض في ميدان المنارة في رام الله طربا له، تماما مثلما رقص بعض المخدوعين بسياساته عندما عاد من الامم المتحدة قبل عام مزهوا بحصوله على دولة مراقب، ووعدنا بأنه سيستخدم هذا الانجاز لمطاردة مجرمي الحرب الاسرائيليين وهو ما لم يفعله ولن يفعله، “ولو بدها تشتي لغيمت”.
الغرب يعرف جيدا نفسية العرب والمسلمين، مثلما يعرف ان “الاشياء الصغيرة تبث السعادة في العقول الصغيرة”، مثلما يقول المثل الانكليزي الشهير، ولهذا بدأت الاعترافات تتوالى وتتسع، وبدأت معها مهرجانات الفرح في اكثر من عاصمة عربية، وتناسلت معها المقالات والتصريحات حول اهمية هذا الاختراق السياسي العظيم.
الامر وبكل بساطة هو انه مثلما نجحت حركة المقاومة الاسلامية “حماس″ في مليء “الفراغ الجهادي” الذي خلقته حركة “فتح” بتخليها عن المقاومة بوقوعها في مصيدة “السلام المغشوش”، فان هناك مؤشرات على بروز ظاهرة الاسلام المتشدد في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة الذي يهدد بمليء الفراغ الذي سيترتب على “اعتدال” حركة حماس المتوقع، وميلها نحو “الحل التفاوضي” وتسليمها السلطة بالكامل في قطاع غزة لتيار اوسلو بعد ان انهكها وحكمها الحصار الاسرائيلي العربي الخانق، ووجود توقعات امريكية باستمرار الحرب ضد “الدولة الاسلامية” و”ارهابها” لاكثر من ثلاثين عاما.

لنفترض جدلا ان خطة اعمار غزة التي تبحث في مؤتمر القاهرة ليس لها علاقة بالخوف من “الدولة الاسلامية” وتمددها مثلما يجادل البعض، فان السؤال الذي يطرح نفسه حول الثمن الذي تريده امريكا من الفلسطينيين وحركة حماس على وجه التحديد مقابل هذه الاموال التي ستدفعها لاعادة الاعمار والدول الغربية الاخرى، هل هو رأس المقاومة، هل هو نزع سلاحها، ام ماذا تريد؟ لان لا شيء تدفعه امريكا بدون مقابل، ثم لماذا لم تمثل الفصائل الفلسطينية المقاومة في هذا المؤتمر مثل “حماس و”الجهاد”، والجبهة الشعبية والديمقراطية وغيرها، وهي الفصائل التي صمدت وانتصرت على العدوان الاسرائيلي الاخير.

المعلومات الواردة من قطاع غزة والضفة تفيد ان تنظيمي “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” يحظيان بتأييد كبير في اوساط الشباب الاسلامي الفلسطيني المحبط من “فتح” و”حماس″ معا، وان خلايا تابعة للتنظيمين بدأت تتبلور وتنمو خاصة في “الخليل” ومحيطها في الضفة الغربية ومدينة رفح في القطاع، وهذا ما يفسر حالة الهلع الغربية الحالية التي تتمثل في الضغط على حكومة نتنياهو لتخفيف الحصار والسماح لعدد اكبر من العمال من الضفة وقطاع غزة من العمل داخل ما يسمى بالخط الاخضر، وتنظيم مؤتمر دولي يشارك فيه وزراء خارجية 30 دولة لاعادة اعمار قطاع غزة بدأ اعماله اليوم في القاهرة برئاسة جون كيري وزير خارجية امريكا ورعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
الدول الغربية وعلى رأسها امريكا ادركت ان الحصار على القطاع بدأ يعطي نتائج عكسية تماما، ولهذا جرى التحرك بسرعة لامتصاص حالة الغضب المتفاقمة الناجمة عنه، وعن العدوان الاسرائيلي الاخير الذي ادى الى استشهاد اكثر من الفي انسان ربعهم من الاطفال، وتشريد اكثر من مئتي الف آخرين من جراء تدمير منازلهم، من خلال ضخ بضعة مليارات من الدولارات كرشوة لاعادة احياء عملية السلام واعادة السلطة الى مائدة المفاوضات بشروط اسرائيلية بعد ان ملّ المفاوضون الفلسطينيون من “البطالة” وباتوا يحنون للقاء نظرائهم الاسرائيليين.
الرعب من الاسلام السياسي المتشدد هو الذي يقف وراء كل هذه التحركات الدبلوماسية الغربية، وليس براعة الرئيس محمود عباس، او الجهود العربية الرسمية، فالعرب نسوا فلسطين، وصمتوا على تقسيم الاقصى، مثلما صمتوا على تقسيم الحرم الابراهيمي، وتغول الاستيطان، بل وتواطأوا علنا مع العدوان الاسرائيلي الاخير على قطاع غزة، ومن يقول غير ذلك يخدع نفسه ويعيش في عالم آخر غير عالمنا.
المنطقة العربية تقف الآن على فوهة بركان، واسرائيل باتت محاصرة بالفوضى والتطرف والدول الفاشلة او شبه الفاشلة، واحتمالات تسخين او حتى اشتعال جبهة جنوب لبنان، وجنوب غرب سورية واردة بل ربما حتمية، والغرب لا يهمه غير اسرائيل وامنها الذي يحظى بالاولوية بالنسبة اليه.
للذين يهللون للاعتراف البريطاني بالدولة الفلسطينية الوهمية نقول ان هذا الاعتراف بلا اي قيمة حقيقية، وان ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا الذي ادار وجهه عن ذبح الاطفال الفلسطينيين في قطاع غزة، واعتبر هذا الذبح حق اسرائيلي شرعي في الدفاع عن النفس، لا يمكن ان يؤيد قيام الدولة الفلسطينية عمليا، فالغرب لا يتحرك الا عندما تتهدد مصالحه، مثلما يحدث في العراق وسورية حاليا، وهو ليس جمعية خيرية، ولا يعير اي اهتمام للضعفاء الاذلاء.

عندما يحرك هؤلاء طائراتهم للتصدي للعدوان الاسرائيلي، مثلما فعلوا لحماية الاكراد في اربيل وعين العرب، وبادروا بقصف الدبابات الاسرائيلية التي تزحف نحو قطاع غزة، وتقتل الابرياء العزل، وتمنع الطيران الاسرائيلي من سحق الاطفال على شاطيء مدينة غزة، في هذه الحالة فقط، نقول ان هناك تغييرا حقيقيا بات يتبلور في السياسات الغربية نحو القضية الفلسطينية واهلها، اما غير ذلك فضحك على الذقون.

***
نذّكر الذين يهللون لاعتراف البرلمان البريطاني بدولة فلسطينية بأن بريطانية هي المسؤول الاول عن كارثة فلسطين، وان وعد بلفور الذي صدر قبل مئة عام، واكرر قبل مئة عام، اعطى الفلسطينيين الحق في اقامة وطنهم ودولتهم على قدم المساواة مع اليهود، وان قرارات التقسيم الصادرة عن الامم المتحدة كرست هذا الحق ايضا رغم اجحافه، فماذا حدث بعد ذلك؟ الاستمرار في دعم العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني وبطرق اكثر شراسة، والهاء الفلسطينيين والعرب بخطوات صغيرة مثل دولة عضو مراقب، او حل الدولتين، مقابل القاء السلاح والتجاوب مع كل الشروط الاسرائيلية.
شكرا للسويد وللبرلمان البريطاني، نحن مللنا من “الحقن التخديرية” والحركات البهلوانية ولا نريد اعترافكم هذا الذي لا يقدم ولا يؤخر، وانما يكشف ان هناك من يعتقد اننا ما زلنا اغبياء وسذج، يمكن خداعنا والضحك علينا بسهولة، فاذا كان البعض منا اغبياء ويتمتعون بذلك، ويفتقدون الى الحد الادنى من الكرامة والوطنية ويرضون بالصغائر فان الغالبية الساحقة من الامة وشبابها ليسوا كذلك، والايام بيننا.

القلق السوري الايراني يتفاقم بعد موافقة امريكا المبدئية على مطالب اردوغان اقامة مناطق عازلة وحظر جوي.. فهل اقتربت الحرب الاقليمية؟ وهل ستكون اسرائيل احد اطرافها؟

يبدو ان الولايات المتحدة الامريكية وحلفاءها الغربيين (فرنسا وبريطانيا) رضخوا لشروط الرئيس التركي رجب طيب اردوغان باقامة منطقة عازلة على طول الحدود التركية السورية داخل اراضي الاخيرة في محاولة من جانبهم اقناعه بالدخول في الحرب ضد “الدولة الاسلامية”.
وزارة الدفاع الامريكية اعترفت اليوم ان الضربات الجوية الامريكية في سورية لن تكفي لانقاذ كوباني، وهذا يعني ضرورة تدخل قوات برية لمواجهة “الدولة الاسلامية” ووقف تقدمها، او بالاحرى اخراجها من المناطق التي سيطرت عليها داخل المدينة ورفعت علمها الاسود عليها، وليس هناك غير الجيش التركي، سابع اكبر جيش في العالم للقيام بهذه المهمة.
***
الرئيس اردوغان الذي يواجه حاليا خيارات صعبة فيما يتعلق بتطورات الاوضاع في سورية والعراق، عرض ثلاثة مطالب اساسية على امريكا كشرط لدخول الحرب ضد “الدولة الاسلامية”:
*الاول: اقامة منطقة عازلة داخل الحدود السورية المحاذية للحدود التركية، وهي مناطق كردية مما يعني حرمان الاكراد السوريين كليا من حلم الاستقلال او الحكم الذاتي، ومنع حزب العمال الكردستاني من استغلال هذا الشريط كنقطة انطلاق لشن عمليات في العمق التركي.
*ثانيا: اقامة منطقة حظر جوي في شمال سورية وغربها على غرار مناطق مماثلة في العراق وليبيا، الامر الذي يشل فاعلية الطيران السوري، ويؤسس لجيب سوري مستقل تديره المعارضة.
*ثالثا: تدريب مكثف للمعارضة السورية “المعتدلة” وتسليحها بأسلحة فتاكة.
الرئيس اردوغان يريد اطاحة النظام السوري اولا، او الاشتراك في حرب ضده وضد “الدولة الاسلامية” معا، وبذلك يشفي غليله، ويثبت مصداقيته، ويلبي التعهدات التي قطعها على نفسه علانية في هذا الصدد.
الادارة الامريكية التي تتعرض لانتقادات كثيرة بسبب ضرباتها الجوية غير الفاعلة، لا تريد ان تخسر الانتخابات النصفية في الشهر المقبل، ولذلك اعلن جون كيري وزير الخارجية الامريكي ونظيره البريطاني فيليب هاموند ان بلديهما على “استعداد” لبحث فكرة اقامة منطقة عازلة على الحدود بين تركيا وسورية.
قبول امريكا وحلفائها بشروط اردوغان يعني اعلان حرب على سورية في نظر النظام في دمشق وحلفائه الايرانيين، وربما الروس ايضا، لان هذا النظام الذي صمت على الغارات الجوية الامريكية داخل حدوده التي تشكل انتهاكا لسيادته، قد يجد من الصعب عليه الوقوف مكتوف الايدي ازاء اقامة مناطق عازلة وحظر جوي داخل حدوده، وهذا ما يفسر تأكيد السيدة مرضية افخم المتحدثة باسم الخارجية الايرانية استعداد ايران لتقديم الدعم اللازم بشأن عين العرب (كوباني)، اذا ما تقدمت السلطات السورية بطلب في هذا الخصوص، لان “كوباني” جزء من السيادة الوطنية والاراضي السورية.
القلق السوري الايراني المشترك انعكس في خطوتين مهمتين اتخذها البلدان في الاسابيع الثلاثة الماضية:
*الاولى: الزيارة التي قام بها الى دمشق الجنرال قاسم سليماني الرجل القوي في ايران وقائد فيلق القدس ولقائه بالرئيس بشار الاسد، وتزامن هذا اللقاء مع انباء عن نقل ايران صواريخ وقنابل هاون للميليشيات التي تدعمها وتقاتل الى جانب قوات النظام السوري ضد الجماعات المعارضة المسلحة، وطائرات بدون طيار، ونشر 2000 من الحرس الثوري الايراني الى الاراضي السورية.
*الثانية: التفجير الذي استهدف دورية اسرائيلية في مزارع شبعا المحتلة في جنوب لبنان، واعلان حزب الله مسؤوليته عنه، فهذا التفجير الذي جاء امس بعد فترة هدوء على هذه الجبهة طال لسنوات، هو رسالة لاسرائيل وامريكا والدول الغربية مجتمعة، تقول بأن ايران ستنتقم من اي محاولة لاسقاط النظام السوري ليس بمحاربة من يقفون خلفها فقط، وانما بفتح حرب على اسرائيل واطلاق آلاف الصواريخ على مدنها ومستوطناتها، والاكثر من ذلك تحرير مناطق في الجليل الاعلى المحتل.
***
لا شك ان ادارة الرئيس اوباما التي ترددت طويلا، ولاكثر من ثلاث سنوات، في الوقوع في مصيدة التدخل العسكري في سورية تجد نفسها الآن امام خيارات لا تقل صعوبة عن خيارات حليفها التركي الذي يدفع بها بقوة للتخلي عن حذرها وترددها والتجاوب مع اهدافه في اطاحة النظام السوري اولا.
حزب الله يستطيع لو اراد، وبضوء اخضر من ايران، وتضامنا مع حلفائه في دمشق ان يشعل فتيل هذه الحرب ويطلق عشرات الآلاف من الصواريخ على تل ابيب وما بعد تل ابيب، لانه يدرك جيدا، ان سقوط النظام السوري يعني سقوطه، وقطع الشريان الحيوي الايراني الذي يمده بالسلاح والدعم المالي، ومعه كل منظومة دول الممانعة حسب ادبياته.
الحرب على “الدولة الاسلامية” ستتحول تدريجيا الى حرب ضد النظام السوري، وسقوط “عين العرب” يعني انفجار القنبلة الكردية في وجه الرئيس اردوغان وعودة جيشه الى المواجهات الدموية مجددا.
منطقة الشرق الاوسط كلها تقف امام عملية تغيير جذرية وقد لا يسلم من جرائها احد، انظمة ستسقط واخرى ستنشأ، وحدود ستتغير، وما زلنا في بداية الطريق، او بالقرب من المحطة الاولى، ولا احد يعرف اين وكيف ستكون المحطة الاخيرةن والعنصر “المفجر” اسمه “الدولة الاسلامية”، وكلمة السر عين العرب “كوباني”.

شكرا “لكريستينا” رئيسة الارجنتين التي تفوقت انوثتها علىى”رجولة” الكثير من زعماء العرب.. وفضحت النفاق الامريكي حول الارهاب.. وانتصرت لشهداء غزة والعراق وافغانستان

كنت وما زلت، اتمنى لو ان السيدة كريستينا فيرنانديز دي كريشنر، واحفظوا هذا الاسم جيدا، زعيمة للامة العربية كلها دون استثناء، فبينما ينشغل قادة ووزراء خارجية دول عربية بتقبيل ايادي السيدة تسبي ليفني وزيرة “العدل” الاسرائيلية، احد ابرز مجرمي الحرب الثانية والثالثة على قطاع غزة، ويتمسحون بها تبركا، ويتنافسون على اظهار “اعتدالهم” وحرصهم على السلام والتطبيع، تقف هذه المرأة الشجاعة على منصة مجلس الامن الدولي لتتحدث عن تناقضات السياسة الامريكية وتفضح اكاذيبها، وتكشف وجهها العدواني القبيح وانيابها المتعطشة لسفك الدماء، دماء العرب والمسلمين على وجه الخصوص.

السيدة كريستينا هاجمت سياسة الولايات المتحدة العدوانية التي تتغطى بغطاء الحرب على الارهاب، وقالت بالفم الملان ودون تلعثم وبلغة قوية: “كنتم تدعمون المعارضة الذين قلتم لنا انهم ثوار واليوم نجتمع في هذا المجلس لمحاربة هؤلاء الثوار بعد ان تبين انهم ارهابيون، واصدرتم قرارا بمحاربة تنظيم “القاعدة” بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر، واستبحتم بلاد وقتلتم مئات الآلاف من ابنائها تحت هذه الذريعة في العراق وافغانستان وما زالت هاتان الدولتان تعانيان من الارهاب بالدرجة الاولى”.

وذهبت هذه السيدة الى ما هو ابعد من ذلك عندما انتصرت لضحايا الارهاب الاسرائيلي في قطاع غزة، وهو ما لم يفعله اي زعيم عربي، عندما قالت “غضضتم النظر عن فداحة الكارثة التي ارتكبتها اسرائيل وموت العديد من الضحايا الفلسطينيين وركزتم كل اهتمامكم بالصواريخ التي سقطت عليها والتي لم تؤثر او تحدث اي خسائر في اسرائيل”، واضافت “اليوم نجتمع هنا لاصدار قرار دولي حول تجريم “الدولة الاسلامية” ومحاربتها وهذه الدولة مدعومة من دول انتم تعرفونها اكثر من غيركم ، وهي (الدول العربية) حليفة لدول كبرى اعضاء في مجلس الامن”.

***

قطعوا عنها الترجمة حتى لا تصل كلماتها الى العالم بأسره، والقنوات الفضائية التي كانت تبث وقائع الجلسة على الهواء مباشرة، وادعوا ان هذا الانقطاع، الذي لم يحدث مطلقا في تاريخ مجلس الامن، جاء بسبب خلل فني، فالاخ الامريكي الاكبر لم يعجبه قطعا هذا الكلام، فلجأ الى اساليب الارهاب الفني والتقني لحجب الحقائق عن من ينتظرون سماعها.

الزعماء العرب الذين اعتلوا منبر الجمعية العامة للامم المتحدة القوا كلمات باهتة، مملة، تقطر نفاقا لامريكا، وتسهب في ابراز خطورة ارهاب “الدولة الاسلامية” والاسلام المتشدد، ولم يعرج الا القليل جدا منهم، وعلى استحياء شديد، للارهاب الاسرائيلي.

امريكا لا تستطيع “توبيخ” رئيسة الارجنتين لانها وقفت في خندق الشهداء والجرحى واليتامى في قطاع غزة، لانها رئيسة منتخبة، وتتزعم دولة تحرص على سيادتها، وتحترم شعبها، وقبل كل هذا وذاك تنحاز لقيم العدالة وحقوق الانسان والكرامة في العالم بأسره ولا تخاف امريكا، فالخوف لا مكان له في ثقافتها وتراثها.

نعم انهم يحشدون الطائرات من اكثر من اربعين دولة، لمواجهة “الارهاب الاسلامي” وليس الارهاب الاسرائيلي، ويفتخر طيارون يقولون انهم عرب، وينتمي بعضهم الى اسر حاكمة، بأنهم يدمرون آبارا نفطية عربية، بينما يجتمع قادتهم، او وزراء خارجيتهم، بالسيدة ليفني على مائدة العشاء لتوثيق العلاقات وتكريس التطبيع، والاشادة بالسياسات الاسرائيلية الحضارية في تدمير قطاع غزة.

***

نكتب بغضب لاننا نشعر بالقهر والخذلان ومرارات الهزيمة، ونحن نرى افعال حكامنا، وكيف تنهب ثرواتنا امام اعيننا، وكيف تزهق ارواح المزيد من ابنائنا بقذائف طائراتنا المقاتلة التي لم نر اي منها في الحروب مع اسرائيل وربما لن نراها جنبا الى جنب مع نظيراتها البريطانية والامريكية.

بسبب هذا الهوان والتفريط وانعدام الوطنية يتدفق الآلاف من الشباب العرب الى سورية والعراق للانضمام الى صفوف جماعات الاسلام السياسي المتشدد، وقطعا سيزداد هذا التدفق مع كل طلعة جوية للطائرات العربية او الامريكية في البلدين.

اقول شكرا للسيدة كريستينا.. شكرا على شجاعتها.. وشكرا على انوثتها التي تفوقت على رجولة من يدعون انهم رجال، شكرا انها نطقت بالحق دون ان تخشى امريكا، وطائراتها وصواريخها واساطيلها، وهنيئا للزعماء العرب تمسحهم بالسيدة ليفني، واستجدائهم لرضاها، واذا كانت الشعوب لن تحاسبهم، وهذه قمة المأساة، فان التاريخ لن يرحمهم.

هذه الشعوب التي انجبت كاسترو وتشافيز وموراليس وجيفارا ليس غريبا عليها ان تنجب هذه “النمرة” كريستينا ولا عزاء للجبناء.

خطة اوباما تقسّم المعارضة السورية.. وانباء عن مصالحة وشيكة بين “داعش” و”النصرة” يرعاها الشيخ المقدسي.. وهل تفجير قيادة “احرار الشام” نفذته مخابرات عربية ولماذا؟

صادق مجلس الشيوخ الامريكي الخميس على خطة الدعم للمعارضة السورية التي عرضها الرئيس الامريكي باراك اوباما بهدف تجنيدها لمواجهة قوات “الدولة الاسلامية” (داعش) واخراجها من المناطق التي تسيطر عليها في الرقة ودير الزور وشمال حلب ومناطق كردية اخرى.

خطة الرئيس اوباما تقف على ساقين رئيسيين في هذا المضمار:

*الاولى: اختيار الفصائل والجماعات السورية “المعتدلة” من اجل ان تكون نواة لمجموعة “الصحوات”.

*الثانية: تدريب وتسليح 5000 عنصر يتم اختيارهم بعناية بالمعايير نفسها التي تم من خلالها اختيار قوات الامن الفلسطينية، اي الانضباط التام، والولاء المطلق لقيادتهم، والالتزام بتنفيذ ما هو مطلوب منهم من مهام، وعدم وجود اي ميول اسلامية او وطنية لديهم، وذلك كدفعة اولى، ومعظم هؤلاء سيكونون من المنشقين عن الجيش العربي السوري.

وكالة المخابرات المركزية (سي اي ايه) هي التي وضعت خطط التدريب والتسليح، وهي التي ستختار العناصر المطلوبة وفق ما جاء في خطة الرئيس اوباما التي عرضها على مجلس النواب والشيوخ للمصادقة عليها.

التدريب سيتم في معسكرات خاصة في كل من المملكة العربية السعودية والاردن، اما التسليح بأسلحة نوعية سيكون من مهمة الجيش الامريكي، وهناك من يحدد هذه الاسلحة بصواريخ “مان باد” المضادة للطائرات، و”لاو” المضادة للدروع، علاوة على مدفعية “هاون” وبنادق متطورة ودبابات وعربات مجنزرة.

***

الفصائل السورية المعارضة المرشحة لتنفيذ المخطط الامريكي، حسب احدث التسريبات، هي جبهة ثوار سورية (جمال معروف) و”جيش المجاهدين”، و”لواء الفرسان”، و”حركة حزم”، و”اجناد الشام”، و”صقور الغاب”، والاتحاد الديمقراطي الكردستاني.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة وبعد عملية الفرز الامريكية هذه، عن مصير اكثر من الف فصيل مقاتل على الارض السورية، واين سيذهب هؤلاء، وهل انتهى دورهم مبكرا؟

من المنطقي القول ان معظم هؤلاء اما سيذهبون الى بيوتهم، هذا اذا بقي لهم بيوت، او ينضمون لتنظيم “الدولة الاسلامية” خاصة اذا كانت عقيدتهم القتالية اسلامية، وكرد فعل على استبعادهم.

هناك مخاوف عديدة عبر عنها عدد كبير من اعضاء “الكونغرس″ ومجلس الشيوخ الذين عارضوا خطة الرئيس اوباما وصوتوا ضدها، وهي مخاوف مشروعة:

*الاولى: سقوط الاسلحة والمعدات الامريكية “النوعية” التي ستقدم الى الفصائل “المختارة” في ايدي قوات “الدولة الاسلامية”، مثلما حدث عندما استولت هذه القوات على مخازن الجيش السوري الحر في “اعزاز″ قرب حلب، او مثلما حدث في ليبيا قبل ذلك.

*الثانية: ان تستخدم هذه الفصائل الاسلحة ضد النظام السوري وليس ضد قوات “الدولة الاسلامية” على اعتبار ان اسقاط النظام يمثل الاولوية بالنسبة اليها.

ما سبق يظل في خانة الافتراضات، ولكن ما هو مؤكد ان انشقاقات كبيرة ستشهدها ساحة المعارضة السورية المسلحة، سياسية وعسكرية، خاصة في صفوف الجبهات الاسلامية، حيث من المعتقد ان نسبة كبيرة من عناصرها اما ستنضم الى “الدولة الاسلامية” او “جبهة النصرة” لانها لا تريد ان تقاتل تحت العلم الامريكي على الارض، واجنحة الطائرات الامريكية والفرنسية التي ستقصف من الجو، حسب ادبيات معظمها او المقربين منها على مواقع التواصل الاجتماعي.

مصادر عليمة داخل المعارضة السورية لم تستبعد ان تكون مخابرات دولة عربية هي التي تقف خلف تصفية خمسين قياديا في تنظيم “احرار الشام” السوري المتشدد في تفجير جرى الاعداد له جيدا، بالتنسيق مع المخابرات الامريكية، لوجود اعتقاد راسخ بأن هذا التنظيم لن يشارك في المخطط الامريكي الجديد ولن يقاتل ضد “الدولة الاسلامية”، وان زعيم التنظيم حسان عبود الذي كان من بين الضحايا ترأس الاجتماع الذي انعقد في ملجأ تحت الارض قرب مدينة ادلب، وان من ابرز القضايا على جدول الاعمال رفض القتال تحت لواء امريكا، وما يرجح ذلك انه لم تعلن اي جهة مسؤوليتها عن هذا التفجير الذي ما زال غامضا، بما في ذلك المخابرات السورية.

ويسود اعتقاد راسخ في اوساط المعارضة الرافضة للمخطط الامريكي بأن نسبة كبيرة جدا من عناصر “احرار الشام” في طريقها للانضمام الى “الدولة الاسلامية” او جبهة “النصرة” باعتبارها الاقرب ايديولوجيا، اذا لم تكن قد انضمت بالفعل.

خطة الرئيس اوباما قسمت المعارضة السورية المسلحة وجبهاتها المقاتلة للنظام عمليا على الارض، ومن غير المستبعد ان تشهد الايام او الاسابيع المقبلة، “مصالحة” بين العدوين اللدوديين، اي جبهة “النصرة” وتنظيم “الدولة الاسلامية” على ارضية رفض الاولى مقاتلة الثانية، وتحدثت مصادر وثيقة عن قيام الشيخ ابو محمد المقدسي منظر الجماعات الجهادية المقيم حاليا في مدينة الزرقاء في الاردن بجهود كبيرة في هذا الصدد حققت نتائج ملموسة.

الشيخ “المقدسي” اكد انه لن يقف في معسكر القوات والجبهات التي تقاتل تحت راية التحالف الامريكي ضد “الدولة الاسلامية”، وقال انه سيضع خلافه معها جانبا.

السؤال الثاني الذي لا يمكن تجنبه هو حول رد “الدولة الاسلامية” على هذا المخطط الامريكي، وعن الخطوات التي اتخذتها او ستتخذها لمواجهته؟

***

الجواب اوردته الجمعة وكالة الصحافة الفرنسية عندما قالت “ان جهاديو تنظيم الدولة الاسلامية سيطروا على اربعين قرية كردية حول بلدة عين العرب (كوباني بالكردية) في شمال سورية، ما يرفع الى ستين عدد القوى الكردية التي سيطر عليها التنظيم في هذه المنطقة خلال 48 ساعة، بحسب المرصد السوري لحقوق الانسان (المعارض).

فمن اللافت ان جهاديي “الدولة الاسلامية” ما زالوا يملكون زمام المبادرة والمفاجأة حتى الآن على الاقل، رغم القصف الجوي الامريكي، فالتحرك شمالا، والسيطرة على هذه القرى في زمن قياسي لم يتوقعه احد، ولم يحسب حسابه احد في الوقت نفسه.

الانباء القادمة من محافظتي الرقة ودير الزور تفيد بأن جهاديي “الدولة” اختفوا من الشوارع وكذلك دباباتهم وعرباتهم المسلحة، واندسوا وسط المدنيين والمناطق الاسمنتية المأهولة كخطوة للاستعداد لحرب عصابات قادمة.

النواب والشيوخ الذين ابدوا شكوكهم في خطة الرئيس اوباما وفرص نجاحها، وبالتالي صوتوا ضدها، يقفون على ارضية قوية في رأينا، فالحرب التي اختارها الرئيس اوباما، وبأعين مفتوحة، وبعد تلكؤ استمر ثلاث سنوات، من الصعب الفوز فيها، وقد تستمر لسنوات، وستكون مكلفة حتما ماديا وبشريا، وقد تعطي نتائج عكسية تماما غير تلك التي خطط لتحقيقها.

استبعاد تجاوب اوباما مع عرض الاسد للتعاون ضد “الدولة الاسلامية”.. ولكن ما هي اسباب هذا التحول في الموقف السوري من “الصقورية” الى “الليونة” والتهدئة؟

 

الجميع يعيش “محنة” اسمها “الدولة الاسلامية” في منطقة الشرق الاوسط، ولكن الامور تبدو نسبية، فهناك من يعتقد انه اكثر تحصينا ازاء الاخطار التي تشكلها، ولكن البعض الآخر الذي يرى انه على رأس قائمة المستهدفين، ولذلك يستعجل التدخل العسكري الامريكي ويصلي من اجله ليل نهار.

الآراء تختلف وتتقاطع، فهناك من يعتقد ان المملكة العربية السعودية والاردن الاكثر قلقا وخوفا، لاسباب عديدة ابرزها تطلع الخليفة ابو بكر البغدادي الى استعادة الاماكن المقدسة في الحجاز، ووجود تأييد قوي لدولته وايديولوجيتها في اوساط الشباب السعودي، وهناك من يرى ان رادار “الدولة الاسلامية” مسلط على الاردن لانها الحلقة الاضعف، ولان قطاعا من شعبها يرفض انضمامها الى التحالف الامريكي، وقطاع آخر منه يتعاطف مع السيد البغدادي يأسا واحباطا من الفقر والفساد وتغول الجار الاسرائيلي.

لا نختلف مع وجهات النظر السابقة واصحابها، ولكننا نعتقد ان ايران وسورية ربما يكونان الاكثر قلقا ورعبا من استراتيجية التدخل العسكري الامريكية في المنطقة، لانها قد تتضمن مشروعا لضربهما في نهاية المطاف، فهما يحتلان المرتبة الثانية على سلم الاولويات الامريكية وحلفائها العرب في المنطقة.

***

ارسال السيد محمد جهاد اللحام رئيس مجلس الشعب السوري (البرلمان) يوم الاثنين رسائل الى رئيس مجلس النواب والشيوخ الامريكي يدعوهم فيها للتعاون مع سورية من اجل انقاذ ارواح السوريين والامريكيين على حد سواء من احتمال هجوم ارهابي بالقنبلة القذرة من قبل تنظيم “الدولة الاسلامية” او “جبهة النصرة”، هذا الارسال هو مؤشر على تزايد منسوب القلق والخوف لدى السلطات السورية، وانقلاب في توجهات دبلوماسيتها.

فقبل ايام معدودة كانت الدكتورة بثينة شعبان مستشارة الرئيس السوري تستخدم لهجة تهديدية قوية ضد الولايات المتحدة في حال اقدمت طائراتها الحربية على اختراق الاجواء السورية وضرب مواقع للدولة الاسلامية دون التنسيق مع حكومتها، كما لوح السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري الى احتمال تصدي سورية للطائرات الامريكية هذه والعمل على اسقاطها، اذا كانت غاراتها احادية الجانب ولا تحترم السيادة السورية.

فما هي دوافع هذا التغيير في الموقف السوري من “الصقورية” الى “الاعتدال” فجأة وتكرار عرض التعاون مع واشنطن، لكن من نافذة الكونغرس هذه المرة بعد اغلاق ابواب الادارة كليا من قبل الرئيس باراك اوباما ووزير خارجيته اللذين اكدا بحسم رفضهما لاي تنسيق مع النظام السوري في حال تقرر نقل الهجمات الجوية الامريكية الى داخل الاراضي السورية.

لا نستبعد ان تكون السلطات السورية اطلعت، او قدرت، ان الاستراتيجية العسكرية الامريكية التي يعكف الرئيس اوباما حاليا على وضعها بعد اكتمال استشاراته للمسؤولين العسكريين الامريكيين تتضمن في بعض فصولها توجيه ضربات داخل الاراضي السورية لتجمعات قوات “الدولة الاسلامية” ومؤسساتها، وتقديم اسلحة متقدمة للمعارضة السورية المسلحة “المعتدلة” من بينها صواريخ “اي باد” المضادة للطائرات التي يمكن ان تشّل قدرات السلاح الجوي السوري، وذلك لاغرائها على التحول الى “قوات صحوات” تتولى مهمة قتال “الدولة الاسلامية” على الارض، والتقدم للاستيلاء على المناطق التي تنسحب منها قواتها (الدولة الاسلامية) بسبب كثافة الغارات الجوية، مثلما فعلت كل من قوات الجيش العراقي والبشمرغة الكردية وقوات بدر وعصائب اهل الحق في العراق في الايام الاخيرة بعد انسحاب قوات الدولة من مدينة ارملي بعد قصف جوي مكثف من الطائرات الامريكية.

من المستبعد ان تقبل الادارة الامريكية العروض السورية بالتعاون من اجل مواجهة “الدولة الاسلامية” والقضاء على خطرها، لاسباب عديدة ابرزها “الفيتو” السعودي، وثانيها حسم ادارة اوباما لامرها، والتخلي عن ترددها، وتحدي المحور الروسي الصيني الايراني على ارض الشرق اوسطية انتقاما لهزيمتها في اوكرانيا.

العلاقات السعودية الامريكية عادت الى طبيعتها الاستراتيجية السابقة بشكل تدريجي، و”الحرد” السعودي الذي ظهر في اوضح صوره في مثل هذا الوقت من العام الماضي، عندما رفض الامير سعود الفيصل القاء كلمة بلاده في اجتماع الجمعية العامة للامم المتحدة، وتبع هذا الرفض بآخر اكثر قوة عندما رفض عرضا باحتلال مقعد مؤقت في مجلس الامن (احتله الاردن)، هذا “الحرد” انطوى بعد تراجع النوايا الامريكية الغربية في توثيق التحالف مع ايران وضمها الى الحلف الجديد ضد دولة البغدادي.

يبدو ان التكتيك الامريكي في التلويح بورقة التحالف مع ايران وسورية “ارعب” السلطات السعودية، ودفعها الى “تليين” مواقفها الغاضبة من الولايات المتحدة بسبب سياساتها الداعمة للاخوان المسلمين، والباردة تجاه نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والتجاوب كليا مع المطالب الامريكية والدخول في التحالف الجديد، مقابل تخلي امريكا عن تقاربها مع ايران وسورية، واتضح هذا “التليين” في دعمها للتحالف الامريكي والجلوس في مقعد قيادته واستخدام نفوذها مع العشائر السنية العراقية لدعمه.

في بداية “الهلع″ الامريكي من تنظيم “الدولة الاسلامية” سمعنا اصواتا تطالب بالتعاون مع النظام السوري على قاعدة “ان عدو عدوي صديقي” وذهب احد كبار المسؤولين البريطانيين مثل مالكوم ريفكند وزير الدفاع والخارجية البريطاني الاسبق الى التذكير بأن ونستون تشرشل تحالف مع عدوه ستالين ضد هتلر لتبرير التقارب والتنسيق مع الرئيس الاسد، ولكن يبدو ان ادارة اوباما الآن قلبت المعادلة واصبحت تؤمن بأن “عدو عدوي عدوي”، في العلن على الاقل.

فعندما لا يستبعد مارتين ديمبسي ارسال قوات امريكية الى العراق اذا دعت الحاجة، وعندما يؤكد تشاك هيغل وزير الدفاع ان الضربات الجوية ستستهدف ايضا معاقل تنظيم “الدولة الاسلامية” في سورية، ويطالب بالشيء نفسه حيدر العبادي رئيس وزراء العراق الجديد، ورجل المرحلة الحالية، فمن حق سورية ان تقلق، وان تصل الى قناعة مفادها ان امريكا ماضية قدما في خططها لاطاحة النظام الحالي كمكافأة للسعودية وقطر والاردن على وقوفها في خندقها ضد هذا الخطر الذي يعتبره الوزير هيغل خطرا يهدد العالم بأسره، وكأن تنظيم “الدولة الاسلامية” يملك صواريخ باليستية عابرة للقارات وترسانة ضخمة من الرؤوس النووية والكيمائية!

***

القوات الامريكية عائدة الى العراق، وربما خطواتها الاولى محاولة استعادة الموصل، كما قال الجنرال ديمبسي، ففي ظل رفض تركيا المشاركة الارضية، ونأي السعودية بنفسها عن اي اقتراح بارسال وحدات من جيشها الى بيئة معادية في العراق، واستعداد الاردن بارسال “قوات خاصة” فقط، وتأكيد وزير خارجية مصر ان الجيش المصري لا يقاتل الا لحماية شعبه وحدود بلاده، لم يبق الا ارسال قوات “المارينز″ الامريكية تحت غطاء تدريب القوات العراقية والكردية.

انها مصيدة كبرى لا نعرف من سيكون ضحاياها في نهاية المطاف، هل هم الامريكيون، ام الايرانيون ام السوريون ام السعوديون، وهل ستتطور الامور الى حرب عالمية ثالثة؟

علمتنا التجارب السابقة انه من المؤكد ان العرب واموالهم وارضهم هم الضحية الاكبر، وان امريكا ستنقلب عليهم مثلما فعلت في السابق عندما تحقق اهدافها وتستعيد وجودها في المنطقة مجددا، فمن الذي خسر من اطاحتها بالرئيس العراقي صدام حسين، ومن الضحية لتدخلها في ليبيا وسورية واليمن؟

العرب تعودوا على الدخول في التحالفات الخطأ، والاتفاقات الخطأ، وتصديق الوعود الخطأ.. فهل ستكون تحالفاتهم الجديدة، والوعود والاتفاقات الامريكية مختلفة هذه المرة؟

السيد علي خامنئي المرشد الاعلى للثورة الايرانية قال قبل اسبوع ان بلاده رفضت الدخول في الحلف الامريكي، وتوعد بأن الرئيس اوباما سيندم كثيرا على تدخله العسكري في المنطقة مرة اخرى، ونجزم بأن العرب سيندمون ايضا، مثلما ندموا بعد كل مغامرة عسكرية امريكية سابقة، ونرجوا ان نكون مخطئين.

عندما يصف عباس مشعل بـ “الكاذب” ويؤكد انه فقد الثقة بالجميع بما فيهم “فتح” ويصدق اكذوبة انقلاب “حماس العسكري” للاطاحة بسلطته وينصحه امير قطر بـ “الهدوء”.. فان الشعب الفلسطيني في محنة حقيقية يتواضع امامها العدوان على غزة

 

قرأت محضر الاجتماع الذي انعقد بين وفدي حركة “فتح” برئاسة الرئيس محمود عباس من ناحية وحركة “حماس″ برئاسة السيد خالد مشعل في الناحية الاخرى، برعاية امير قطر تميم بن حمد آل ثاني، ثلاث مرات، في الاولى، شعرت بالصدمة، والثانية، بالغضب والهوان، وفي الثالثة، وصلت الى قناعة راسخة بأن الرئيس عباس يجب ان يستقيل، ويتقاعد من العمل السياسي بالتالي، لان حالته الصحية والنفسية لم تكن على ما يرام من شدة الضغوط التي يتعرض لها من كل الجهات.

الرئيس عباس، ومثلما جاء في المحضر الذي نشر على نطاق واسع في صحف ومواقع عربية، ولم نسمع نفيا قاطعا له من الحكومة القطرية، او اي من الاطراف المشاركة فيه، اعترف بأنه فقد الثقة بحركة “فتح” التي يتزعمها، وباسرائيل وبالامريكان والعرب، وقال بالحرف الواحد “حماس بدها تجنني”.

ذهاب الرئيس عباس الى امير دولة قطر لكي يشكو حركة “حماس″ ويتهمها بترتيب “انقلاب” للاطاحة به وسلطته، بناء على معلومات “مقتنع″ بها تماما، زوده بها رئيس جهاز الشاباك (المخابرات الداخلية الاسرائيلية) وحفرت انفاقا، وزرعت الغاما لاغتياله، هذا التصرف في مضمونه وتوقيته غير مقبول من رئيس شعب كان يتعرض في حينها لعدوان اسرائيلي شرس قتل اكثر من الفي انسان بريء، ربعهم من الاطفال، وجرح 12 الف شخص، ودمر اكثر من عشرين الف بيت، وربما يتطلب التركيز على كيفية مواجهة هذا العدوان ووقف سفك الدماء، ووضع كل القضايا الخلافية جانبا.

***

جميع الحاضرين، من الوفدين “الفتحاوي” و”الحمساوي” التزموا بآداب الحديث، مع استثناءات قليلة جدا، الا الرئيس عباس الذي وجه الشتائم للكثيرين، ابتداء من غريمه محمد دحلان الذي وصفه بـ”الحقير”، وانتهاء بالسيد مشعل الذي اتهمه بالكذب والتضليل، والمناورة، وفي حضوره.

والاكثر من ذلك ان الرئيس عباس كان متناقضا في الكثير من اقواله، فقد قال: “البعض كان يريد ان تشارك الضفة في القتال (اثناء العدوان على غزة) فقلت على جثتي، لن اسمح بذلك رغم التحريض”، وفي موضع آخر “يعاير” حركة حماس بقوله “لماذا تهريب الاموال والسلاح الى الضفة، ولا يستخدم هذا السلاح ضد اسرائيل؟ اين المقاومة؟”، ونسي الرئيس عباس انه قال قبل بضعة دقائق انه لن يسمح مطلقا بالمقاومة في الضفة.

هل مشاركة الضفة الغربية واهلها الشجعان اشقاءهم في مواجهة العدوان الاسرائيلي جريمة ام عار حتى يتصدى له الرئيس عباس وقواته الامنية، وهل يريد ان تذبح اسرائيل اطفال غزة وابناء الضفة يقفون متفرجين مثله؟ واي مشروع وطني يتحدث عنه اذا كان لا يحشد الجميع في مواجهة العدوان؟

نحن لا نتجنى هنا على الرئيس عباس، ولكن امير قطر الشاب، كان يحاول تهدئته، ويؤكد له طوال الاجتماع بأن حركة “حماس″ شريك له ويجب التفاهم معها، وخيّره بين خيارين لا ثالث لهما، اما فتح تحقيق مستقل حول جميع الاتهامات التي وجهها الى حركة حماس، او اغلاق الملف، وقال انه، اي الامير القطري، يفضل الخيار الثاني، وطلب من الرئيس عباس ان يختار احدهما، ولكنه قال انه لا يستطيع ان يقرر في حينها، فقال له امير قطر “انت منرفز″ ولا بد من رفع الاجتماع الى المساء.

واظهر الوفد الفتحاوي المرافق له كل مناقب الحكمة والتعقل، وكانوا يصرون طوال الاجتماع على ضرورة التفاهم لايجاد حلول للأزمة، كما التزم السيد مشعل بالانضباط وكتم الغيظ ومخاطبة الرئيس عباس بكل الاحترام.

نفهم ان لا يثق الرئيس عباس بحركة “حماس″ والسيد خالد مشعل زعيمها، وكذلك بالاسرائيليين والعرب والامريكان، ولكن ان يقول انه لم يعد يثق بحركة “فتح” التي يتزعمها، ويضعها على قدم المساواة مع الآخرين الذين ذكرهم، فان هذا امر غير مقبول وغير مفهوم على الاطلاق من شخص في مكانته وخبرته.

واذا كان السيد عباس لا يثق بالاسرائيليين، وهو محق في ذلك، فلماذا يتبنى روايتهم حول حركة الانقلاب التي كانت تعدها خلية حركة “حماس″ المكونة من 93 عنصرا للاطاحة به وسلطته؟

استغربت كثيرا ان يقول الرئيس عباس انه كان مقتنعا كليا بالرواية الاسرائيلية هذه، ومصدر استغرابي امران:

*الاول: اعتقاده الراسخ بأنه يتزعم فعلا رئاسة دولة مستقلة، تملك السيادة الكاملة على ارضها وحدودها، وبالتالي يمكن ان تغري بعض الطامحين للتآمر والترتيب لانقلاب للاستيلاء على الحكم فيها، واقسم حازما ان هذه السلطة، وبوضعها الحالي المهين، لا تغري احدا من الشرفاء الذين يؤمنون بالمقاومة كأداة لتحرير الارض واستعادة الحقوق المغتصبة، وفقدوا الثقة كليا بعملية سلمية عقيمة وحل الدولتين المضلل.

*الثاني: ان هذه الخلية المكونة من هذا العدد المحدود من العناصر، ولا يملك الا بضعة بنادق ومئة الف دولار فقط تستطيع ان تقوم بعملية الانقلاب هذه على سلطة تملك اكثر من خمسين الف رجل امن وشرطة وحرس رئاسي، ومدربة على يد كبار الخبراء العسكريين الامريكيين، ومسلحة ببنادقهم ومعداتهم الحديثة جدا، وحتى لو نجحت هذه الخلية “العملاقة” في اطاحة سلطة الرئيس عباس بانقلابها المزعوم هل تستطيع ان تستمر في مكانه في المقاطعة دقيقة واحدة، او هل يسمح لها الاسرائيليون بهذه الدقيقة اساسا؟

***

لا نريد ان ينهي الرئيس عباس حياته السياسية منهارا متعبا وفاقدا الثقة بجميع من حوله، وخاصة تنظيمه الفتحاوي، ولكننا ورغم اختلافنا مع كل سياساته، نتمنى عليه ان ينفذ ما هدد به في هذا الاجتماع، اي انهاء التنسيق الامني مع اسرائيل، والذهاب الى نتنياهو وتسليمه مفاتيح السلطة، وفي اسرع وقت ممكن، وبعد ان اكد ان مفاوضاته مع الاسرائيليين على مدى عشرين عاما لم تحقق مليمترا واحدا من التقدم، لان الامريكان لن يستمعوا الى مطالبه الاخيرة بتحديد الحدود واقامة الدولة المستقلة، ولان الاسرائيليين لن يخافوا من تهديداته، ويوقفوا بالتالي تقسيم الحرم القدسي الشريف زمنيا، مثلما فعلوا في الحرم الابراهيمي في الخليل.

الرئيس عباس يعيش حالة توتر غير مسبوقة تنعكس سلبا على الشعب الفلسطيني وقضيته، ومن ابرز اسبابها سياسة “الصفر” التي يتبعها طوال السنوات الماضية، اي البقاء في مكانه وعدم اتخاذ اي قرار، او الاقدام على اي خطوة الى الامام او الخلف، والرهان على كسب الوقت، فهذه السياسة يمكن اتباعها لبضعة اشهر، وفي حالات محدودة جدا، لا ان تصبح سياسة استراتيجية، مثلما فعل ويفعل حاليا ويجد التأييد والمساندة من الدائرة الضيقة من وعاظ السلاطين المحيطة به.

الرئيس عباس يضع نفسه وشعبه في مأزق خطير جدا لا يستفيد من تبعاته الا العدو الاسرائيلي، ولا اعتقد ان الشعب الفلسطيني سيصبر كثيرا”، وسيطفح كيله قريبا جدا، لان هذا الشعب يستحق قائدا يرتقي الى مستوى تضحياته ودماء شهدائه وتاريخه الحافل بالكرامة والبطولات.

نتنياهو يكذب.. ويدعي تحقيق انجازات وهمية.. ويحاول التملص من اتفاق الهدنة.. هذه اهانة لمصر وننتظر ردا قويا منها على هذا “الهذيان” الناجم عن ضخامة الهزيمة

عبد الباري عطوان

عندما يقول بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل في مؤتمر صحافي “ان حماس لم تحقق اي من مطالبها” وبعد اقل من 24 ساعة من بدء تطبيق اتفاق وقف اطلاق النار، فاما انه يكذب على نفسه ومستوطنيه، ويحاول امتصاص حالة الغضب التي يواجهها عن طريق اساليب الخداع والتضليل التي ظل يمارسها طوال السنوات العشرين الماضية وفقدت مفعولها وتحطمت على صخرة الصمود في قطاع غزة، او انه لا يريد تطبيق بنود الاتفاق، وهذا غير مستبعد، وهنا تكون مشكلته مع مصر راعية هذا الاتفاق والضامن الاساس له.

دعونا نفترض جدلا ان “حماس″ وباقي فصائل المقاومة الاخرى لم تحقق اي من مطالبها، ونسأل نتنياهو في المقابل عما اذا كان حقق مطالبه التي اراد تحقيقها من شنه هذا العدوان الدموي على قطاع غزة؟ بمعنى آخر هل قضى على صواريخ المقاومة ومنصاتها، هل دمر الانفاق فعلا، وكيف، وهو الذي لم تتقدم دباباته الا بضعة امتار داخل حدود قطاع غزة، والاهم من كل هذا هل نجح في نزع سلاح فصائل المقاومة مثلما اصر طوال ايام المفاوضات العشرين؟

***

الصواريخ موجودة ولم تتوقف عن التناسل في مرابضها تحت الارض، والانفاق ما زالت على حالها، وما جرى تدميره سيعاد بناؤه او بديله، في ايام او اسابيع، وشاهدنا السيد محمود الزهار وقادة المقاومة الآخرين يتجولون في الشوارع ويحتفلون مع المحتفلين بالنصر دون اي حراسة او اجراءات امنية مشددة.

لنذهب الى ما هو ابعد من ذلك، ونسأل نتنياهو مرة اخرى، لماذا يحتفل اهل القطاع حتى الصباح بالانتصار ويرقصون طربا لهزيمته بالشوارع، بينما لم نر اي احتفال في تل ابيب المحتلة او اي مدينة اخرى، بل نرى الوجوه الاسرائيلية العابسة المكفهرة، وغالبية ساحقة من مقالات ومقابلات في الصحف ومحطات التلفزة الاسرائيلية لجنرالات ورؤساء اركان حرب اسرائيليين تتحدث بصوت عال عن هزيمة اسرائيل وانتصار المقاومة؟

نتنياهو “يهذي” من شدة الضربة التي وجهتها اليه فصائل المقاومة عندما هزمت جيشه، وهجّرت مستوطنيه، واثارت الرعب في تل ابيب وحيفا وعكا واسدود والقدس المحتلة، وبثت الرعب في نفوس اكثر من ستة ملايين مستوطن قضوا الخمسين يوما الماضية من عمر العدوان في الملاجيء.

موشيه يعلون وزير الدفاع الاسرائيلي يهدد بقوله “سنضرب حماس بطريقة اقوى اذا هاجمتنا”، وهذا تهديد اجوف، فماذا يستطيع ان يفعل اكثر مما فعل في الحرب الاخيرة، هل سيقتل اطفالا اكثر؟ هل سيدمر ابراجا اعلى؟ وهل سيقصف ما تبقى من المدارس في القطاع؟

***

المقاومة خرجت من هذه الحرب منتصرة وموحدة، بينما خرجت منها اسرائيل مهزومة ومنقسمة ومنهارة نفسيا ومعنويا وهذا هو الفارق الكبير الذي يريد نتنياهو ويعلون تجنب الحديث عنه في مؤتمراتهم الصحافية التضليلة والتبريرية.

سنترك نتنياهو يكذب ويبرر ويضلل مثلما شاء وكيفما شاء، فأكاذيبه لن تنطلي على احد، فالحقائق ساطعة على الارض، والعالم كله شاهدها ووثقها، وباذن الله سنراه في الاشهر القادمة مطاردا هو وكل جنرالاته، ووزير دفاعه، من قبل محكمة الجنايات الدولية والبوليس الدولي كمجرمي حرب للمثول امام العدالة.

ننتظر الرد المصري على اقوال نتنياهو هذه، لانها تشكل اهانة لهم، وتشكك في مصداقيتهم، وتضعهم في خانة التواطؤ، ونأمل ان لا يطول انتظارنا طويلا.

غزة انتصرت ومن حقها ان تحتفل وان نحتفل معها.. واسرائيل هزمت ومعها كل المتواطئين العرب.. وثقافة المقاومة والصمود هي عنوان التغيير في المرحلة المقبلة

من حق غزة ان تحتفل.. من حق الشعب الفلسطيني وكل الشعوب العربية والاسلامية ان تحتفل ايضا، ليس بوقف العدوان، وانما بالانتصار عليه، وهزيمته وكل الذين يقفون خلفه او تواطأوا معه، والعرب منهم على وجه الخصوص، سواء بصمتهم المريب، او بانتظارهم المتلهف لسحق طائرات نتنياهو ودباباته للظاهرة الاشرف في هذه الامة، ظاهرة المقاومة والصمود.
المقاومة بفصائلها كافة انتصرت لانها بثت الرعب وعلى مدى 51 يوما في نفوس ستة ملايين اسرائيلي، قضوا معظم وقتهم في الملاجيء خوفا من الصواريخ التي هطلت عليهم كالمطر، وهي ما لم يفعله اي نظام عربي آخر.
المقاومة انتصرت لانها حققت توازن الردع، واظهرت قدرة على ادارة المعركة بكفاءة عالية وغير مسبوقة، فاجأت الاسرائيليين مثلما فاجأت اصدقاءهم العرب.
اسرائيل تعودت احد أمرين في معظم حروبها السابقة، الاول ان يرفع العرب الرايات البيضاء ويولون الادبار مع اول غارة اسرائيلية تستهدفهم، والثانية ان ينزح المواطنون العرب في هجرات جماعية الى اقرب مناطق آمنة.

***
ما حدث في هذه الحرب وكل الحروب الاسرائيلية السابقة هو العكس تماما، وهنا يكمن الاعجاز، فالمقاومة لم ترفع الرايات البيضاء مطلقا، ولم ترهبها طائرات (اف 16) الامريكية الصنع والاحدث في ترسانة الدمار الاسرائيلية، والشعب الفلسطيني في قطاع غزة لم يترك ارضه، ولن يتركها حتى لو فتحوا له كل معابر الارض ومنافذها، ولم يحاول مطلقا كسر الطوق المفروض عليه من الجانب المصري لانه قرر الشهادة واقفا فوق انقاض منازله.
المستوطنون الاسرائيليون في مستوطنات شمال غزة هم الذين هربوا وهجروا منازلهم خوفا ورعبا بعد عملية نحال عوز التي هزت كل النظريات الدفاعية العسكرية الاسرائيلية، عندما خرج لهم المقاومون من تحت الارض عبر النفق، وقتلوا كل الجنود الاسرائيليين، وصوروا عمليتهم البطولية هذه بأعصاب باردة وكأنهم في نزهة.
هذا الانتصار تحقق ايضا ليس بصمود الشعب الفلسطيني ومقاومته فقط، وانما المفاوضون ايضا الذين قاوموا كل الضغوط بشجاعة ورجولة، وتمسكوا بكل مطالبهم المشروعة في رفع الحصار وفتح المعابر والغاء المنطقة الحدودية الآمنة المحظور الزراعة فيها، ومد عمق منطقة الصيد البحري الى حوالي 12 ميلا، وتأجيل الميناء البحري وفتح المطار الى جولات لاحقة.
نتنياهو سقط، ومستقبله السياسي انتهى مكللا بالعار، فهذه غزة التي هزمت الاسكندر المقدوني، مثلما هزمت سلفه اولمرت تلحق به والدولة التي يرأس مجلس وزرائها هزيمة مهينة ومذلة.
فماذا سيقول نتنياهو للاسرائيليين المستوطنين الذين وعدهم بوقف صواريخ المقاومة التي تستهدفهم وتقض مضاجعهم الى الابد، وظلت تدك معاقلهم حتى الدقائق الاخيرة من وقف اطلاق النار، وكيف سيبرر لهم فشله في تدمير الانفاق ونزع سلاح المقاومة والقضاء عليها قضاء كاملا؟
ليس غريبا ان ينقسم المجلس الوزاري المصغر، مجلس الحرب، على نفسه تجاه القبول بوقف اطلاق النار فهؤلاء يدركون انهم خرجوا مهزومين وان ناخبيهم سيضربونهم بالاحذية، لان هذا العدوان لم يحقق ايا من اهدافه، بل خرجوا منه كمجرمي حرب سيطاردون قريبا من قبل البوليس الدولي من اجل تقديمهم امام محكمة الجنايات الدولية.
اسرائيل خسرت الرأي العام العالمي، او معظمه، ولن تستطيع مطلقا تضليله في المستقبل مثلما فعلت دائما، فالعالم كله شاهد بالصوت والصورة اشلاء الاطفال التي قصفت منازلهم، والعجزة الذين دمرت ملاجئهم، والمستشفيات التي دمرتها فوق رؤوس جرحاها، فالصورة لا تكذب.
ابطال غزة الذين طوروا هذه الصواريخ وهندسوا الانفاق وتحلوا بأعصاب فولاذية طوال الخمسين يوما من عمر العدوان، وكانوا شرفاء يتحلون بأعلى اخلاق الحرب عندما لم يقتلوا طفلا اسرائيليا واحدا، وظلوا يحصرون قتلاهم في الجنود فقط، على عكس الجنود المتحضرين الذين لم يستأسدوا الا على الاطفال.
قادة المقاومة ورجالها في غزة انتصروا لانهم اكتسبوا مهاراتهم العسكرية من اكاديميات الكرامة وعزت النفس والصمود، وليس من كليات التخاذل والجبن والخوف من العدو، التي تخرج منها القادة العرب وابناؤهم، وقادة جيوشهم حملة النياشين المزورة.
شكرا لاهل غزة، وشكرا لشهدائها وجرحاها لقد علمونا معنى التضحية من اجل الاوطان، مثلما علمونا معنى الاعتماد على النفس والترفع عن الاستعانة بزعماء عرب وجيوشهم كانوا يعتقدون ان هناك بقايا نخوة وكرامة لديهم.

***
شكرا لتلك المرأة الغزاوية التي تمثل كل امهات واخوات وجدات الشهداء، التي قالت انها من حي الشجاعية البطل الذي دمرته الطائرات الاسرائيلية وخسرت بيتها مثلما فقدت احباءها من ابنائها وجيرانها واقاربها شهداء، ومع ذلك جاءت لكي تحتفل وتحيي المقاومة ورجالها بهذا الانتصار الذي صنعوه بأرواحهم ودمائهم وشدة بأسهم.
هنيئا لها بهذا الانتصار الذي سيكون مقدمة لانتصار اكبر، فالصواريخ موجودة، والعقول التي طورتها وهندسة الانفاق وخططت وقادت المعارك، موجودة ايضا، وستفاجيء اسرائيل بمعجزات جديدة اكثر خطورة مثلما فاجأتهم في العدوان الاخير.
ثقافة المقاومة عادت بقوة، وجيل جديد من القادة المقاومين اطل برأسه بقوة من وسط الركام وهو قطعا سيجب كل ما قبله، ويزيح كل “الديناصورات” من طريقه ويقود هذا الشعب لنيل كل حقوقه المشروعة من النهر الى البحر، وقيام دولة التسامح الواحدة التي يتعايش على ارضها الجميع، في اطار العدالة والمساواة.
غزة انتصرت لانها تستحق هذا الانتصار في زمن تكاثرت فيه الهزائم، وتعاظمت فيه المؤامرات على هذه الامة وعقيدتها، فشكرا مرة اخرى لها ولاهلها ولشهدائها، وكل حبه رمل على شاطيء بحرها الذي يشهد بهديره على كل هزائم الغزاة على مر عصور التاريخ.

حماس حركة “ولاّدة” للقادة الاشداء والعقول المبدعة.. وستعوض حتما شهداءها القياديين الثلاثة بمن لا يقلون بأسا وابداعا.. واليكم الادلة الدامغة التي تؤكد ما نقول

في عام 1995 وبعد ايام معدودة من استشهاد مهندس المقاومة يحيى عياش، كنت في زيارة الى العاصمة الاردنية عمان لالقاء محاضرة سياسية واللقاء مع الفعاليات الفكرية والسياسية على هامشها، في اليوم الاخير اتصل بي احد اعضاء المكتب السياسي لحركة المقاومة الاسلامية “حماس″ طالبا اللقاء لطرح وجهة نظر الحركة حول بعض القضايا الملحة في حينها.

الرجل جاء متخفيا، والتقينا في سيارته الحمراء القديمة المتهالكة من نوع “تويوتا” في شارع جانبي للفندق الذي اقيم فيه، على ما اذكر، فالحركة كانت محظورة من العمل في الاردن في حينها بعد تصاعد عملياتها الاستشهادية واتهام السلطات الاردنية بالتستر عليها، التفاصيل كثيرة، ولكن ما اريد ذكره منها، انني خطأته، والحركة، في الاعلان عن تنفيذ الحركة اربعة عمليات استشهادية ستهز كيان العدو ثأرا وانتقاما لاغتيال الشهيد المهندس عياش، فوجهة نظري تقول في حينها ان عدم ذكر عدد العمليات الانتقامية مسبقا افضل تحسبا لعدم القدرة، لامر ما، على تنفيذها جميعا، وهنا قال لي الرجل، وبكلمات حاسمة، ان الحركة ستنفذ ما تعهدت به باذن الله، وستلقن الاسرائيليين درسا لن ينسوه انتقاما لقائدها يحيى عياش والايام بيننا.

الحركة نفذت خمس عمليات استشهادية في فترة زمنية قصيرة اولها في بلدة الخضيرة وثم القدس المحتلة، وتل ابيب، على ما اذكر، وليس اربع عمليات مثلما وعدت وتعهدت، واوقعت خسائر بشرية ومادية ومعنوية هائلة في الجانب الاسرائيلي، ويمكن الرجوع الى تلك العمليات الموثقة على الشبكة العنكبوتية (الانترنت) للمزيد من التفاصيل لمن اراد.

***

تذكرت الواقعة امس عندما ارتكبت الطائرات الاسرائيلية مجزرة في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، راح ضحيتها ثلاثة من قادة الذراع العسكري لكتائب القسام هم الشهداء رائد العطار، محمد ابو شمالة، ومحمد برهوم الذين شكلوا الخلية القيادية الميدانية للمنطقة الجنوبية، وكانوا خلف التطور النوعي لهندسة الانفاق والصناعات العسكرية الصاروخية، وخطف الجندي الاسرائيلي غلعاد شاليط، واسر الضابط هدار غولدن في عملية انفاق مماثلة اثناء العدوان الحالي.

حركة “حماس″ توعدت بالانتقام لشهدائها هذه المرة مثلما تعهدت في المرات السابقة، وهي حتما ستنفذ هذه المرة مثلما نفذت في كل المرات السابقة، وستعوض هؤلاء الرجال حتما، فهي حركة “ولاّدة” للمقاتلين الاشداء مثل ابناء شعبها الفلسطيني، ثم ان هؤلاء الرجال الثلاثة الذين انضموا الى قافلة الشهداء الطويلة عددا ومقاما، كانوا يتطلعون الى الشهادة ويتمنونها بل يستعجلونها ونالوها عن جدارة، وهذا ما لم تفهمه اسرائيل وحلفاؤها العرب والغربيين معا.

ما لا تدركه القيادة الاسرائيلية بشقيها السياسي والعسكري، ان التجارب اثبتت ان البدائل للقادة الشهداء يأتون اكثر تشددا وتصميما على المضي في المقاومة وتطوير ادائها وادواتها، فالمجاهد محمد الضيف جاء عوضا للمهندس يحيى عياش وحمل الراية بعده وبعد استشهاد احمد الجعبري عام 2012 وكان خير خلف لخير سلف، مثلما تقول ادبيات جناح القسام، مقرونه بالحقائق العسكرية المتمثلة في القفزة الكبيرة في التسليح وحرب الانفاق وتطور ابعاد ومدى الصواريخ وفعاليتها، ويمكن القول نفسه على الفترة التي تولى فيها الشهيد احمد الجعبري قيادة كتائب القسام بعد استشهاد صلاح شحادة في غارة اسرائيلية عام 2002 نسفت منزله، وقتلت جميع افراد اسرته ودمرت ثلاث عمارات مجاورة ومن فيها، في واحدة من ابشع المجازر في حينها.

ما لا يدركه نتنياهو وجنرالاته، وادركه شارون ورابين من قبلهم، انهم لن يستطيعوا هزيمة قطاع غزة وشعبها، مهما امتلكوا من اسباب القوة، فهؤلاء يعيشون من اجل المقاومة والشهادة، ومن استمع لنساء القطاع العظيمات يؤكدن هذه الحقيقة، وهن يشيعن اطفالهن الشهداء وازواجهن، ويقدمن درسا في الوقت نفسه في الكرامة والشهامة والصمود والايمان لكل قادة الجيوش العربية وزعمائهم دون اي استثناء.

***

غزة ليست دولة عظمى حتى يهدد نتنياهو بأنه سيشن حرب استنزاف ضدها، وحماس لا تملك الجيش الذي يحتل الترتيب الرابع على قائمة اقوى الجيوش في العالم، كما انها تقاتل وحدها بلا عمق عربي، فقد تواطأت ويتواطأ العمق العربي مع العدو الاسرائيلي ضدها، ولكنها قادرة، ببأس رجالها وايمانهم، على الصمود والانتصار باذن الله، مثلما انتصرت على شارون الذي سحب جنوده ومستوطنيه هاربا في ليلة ظلماء، وقبله اسحق رابين الذي تمنى ان تغرق في البحر لاستعصائها عليه وجيشه واجهزته الامنية.

الانتصار امر نسبي، والصمود كذلك، واسرائيل وكل داعميها العرب تورطوا في هذا العنوان الابرز للمقاومة في القطاع لا تزيد مساحته عن 150 ميلا مربعا واسمه قطاع غزة، فالعبرة ليست بالمساحة الجغرافية صغرت او كبرت، وانما في عزائم الرجال الذين يحمونها ويدافعون عنها واراداتهم الحديدية، ولعمري انهم الرجال الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، واكرر في الختام مقولة عضو المكتب السياسي لحركة “حماس″ في سيارته الحمراء القديمة المتهالكة والعرق يتصبب من جسمه وجسمي من شدة الحر: والايام بيننا.

فشل نتنياهو في اغتيال الضيف نسف آخر آماله في تحقيق “انتصار” دموي في حرب اذلته ودمرت مستقبله السياسي واطلق رصاصة الرحمة على “مفاوضات مغشوشة”.. فماذا سيفعل السيسي الآن.. وماذا سيفعل عباس ايضا؟

 

تلقى بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي والطاقم الامني والعسكري الداعم له في العدوان الوحشي الدموي على قطاع غزة صفعة كبرى الاربعاء عندما جرى الكشف عن فشل محاولتهم اغتيال المجاهد محمد الضيف قائد كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الاسلامية “حماس″، فقد كان واضحا ان نتنياهو الذي لم يحقق اي من الاهداف التي توعد بتحقيقها، اراد من عملية الاغتيال هذه ان تكون “الجائزة” الكبرى التي يقدمها للاسرائيليين المنهاريين القلقين لتبرير هذه الحرب، ولكن “كيده رد الى نحره”.

لا نستغرب مطلقا ان تكون الآلة الاعلامية والاستخباراتية الاسرائيلية هي من “فبرك” قصة اطلاق الصواريخ هذه على مدينة بئر السبع من قطاع غزة لتوفير الذريعة لاغتيال المجاهد الضيف بعد وصول معلومات استخبارية تحدد مكان تواجده الذي استهدفته الطائرات الاسرائيلية، تماما مثلما جرى “تلفيق” مقتل المستوطنين اليهود الثلاثة واتهام حركة “حماس″ بالوقوف خلفها من اجل خلق الذرائع لشن العدوان الحالي، ألم يلفق الموساد تفجير الكنس اليهودية في مصر لتهجير يهودها الى فلسطين المحتلة، وفعل الشيء نفسه في دور السينما في بغداد وللغرض نفسه؟

هذا الاختراق للهدنة، لا يعتبر مفاجئا بالنسبة الى كل من يعرف التاريخ الاسرائيلي في خيانة الوعود والعهود والاتفاقات اطلق رصاصة الرحمة على مفاوضات فاشلة جرى استخدامها وتوظيفها من اجل اجهاض انتصار الصامدين في غزة، ووسيلة ضغط لنزع سلاح المقاومة، ونقل تجربة “الرشوة” الاقتصادية في الضفة الغربية المرتبطة بالتنسيق الامني لحماية الاحتلال ومستوطنية الى قطاع غزة، فالاجراءات والترتيبات بدأت على قدم وساق لعقد مؤتمر للمانحين تحت عنوان اعادة اعمار غزة.

***

نتنياهو اراد تحقيق عدة اهداف من وراء عملية اغتيال المجاهد محمد ضيف الفاشلة:

*الاول: محاولة كسب الحرب النفسية التي خسرها بامتياز بفعل ادارة المقاومة لازمة العدوان بكفاءة عالية، من خلال التأكيد على ان الاجهزة الامنية الاسرائيلية نجحت في اختراق الاجنحة العسكرية، وانه باستطاعتها الوصول الى اكبر رأس فيها، الامر الذي يمكن ان يثير حالة من البلبلة وهز الثقة بالنفس.

*الثاني: تجفيف القيادات العسكرية التاريخية الجبارة لحركة حماس وتصفيتها جسديا، بحيث يصعب تعويضها، فبعد اغتيال صلاح شحادة عام 2002، واحمد الجعبري في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2012، وقبلهما المهندس يحيى عياش عام 1995، اعتقدت الاجهزة الامنية الاسرائيلية انها ستصل الى المجاهد الضيف بالطريقة نفسها، صحيح ان هناك جيل جديد تخرج من اكاديمية هؤلاء العسكرية، ولكن من الصعب تعويض تلك الادمغة المبدعة بسهولة.

*الثالث: نسف مفاوضات القاهرة التي اثبتت لها صلابة الوفد الفلسطيني المفاوض، واختلافه عن كل الوفود الاخرى، ووعيه بالخدع واساليب المراوغة الاسرائيلية، وتمسكه بالثوابت التي حددها المجاهد الضيف في كلمته القصيرة وغير المسبوقة في حتمية رفع الحصار وفتح المعابر والافراج عن الاسرى وبقية الشروط الاخرى المعروفة.

المقاومة الفلسطينية فعلت خيرا عندما قررت انهاء مهزلة مفاوضات القاهرة هذه، ومواصلة التصدي للعدوان الاسرائيلي ووضع جميع الاطراف، و”الوسيط” المصري خاصة، امام مسؤولياتهم، فالوفد الفلسطيني المفاوض اظهر كل مرونة ممكنة في مواجهة التعنت الاسرائيلي، ولكنه في الوقت نفسه منع دخول المفاوضات الى مناطق “محرمة”، مثل نزع سلاح المقاومة كشرط لتلبية الاحتياجات الامنية الاسرائيلية.

فصائل المقاومة يجب ان لا تستجيب مطلقا لكل الدعوات المصرية للعودة الى المفاوضات الا اذا تحقق امرين اساسيين: الاول حدوث تغيير في الموقف المصري يجعل من مصر شريكا فعلا مع الجانب الفلسطيني، وطرفا اصيلا في مواجهة هذا العدوان الاسرائيلي، بعد ان افشلت اسرائيل الدور المصري بطريقة مهينة بخرقها للهدنة، اما الثاني فيجب ان يتجسد في استعداد اسرائيلي جدي وغير مشروط في تلبية المطالب الفلسطينية العشرة الاساسية.

ندرك جيدا ان هناك اصواتا تتحدث عن الخلل في موازين القوى، وتتحدث باسهاب عن حجم المعاناة المتضخم في اوساط المشردين، الذين يعيشون وسط انقاض منازلهم، او في مدارس وكالة الغوث التابعة للامم المتحدة، وهذه الاصوات ليست جديدة على اي حال، وهناك مثلها المئات في اوساط السلطة في رام الله تدعي الواقعية، وهي لم تكن كذلك عندما اطلقت “فتح” الرصاصة الاولى في الفاتح من يناير عام 1965، وبدأت الكفاح المسلح ببنادق صدئة، ولكن الجديد الذي لا يدركه هؤلاء ان الشعب الفلسطيني لم يعد ينخدع بمثل هذه “العقلانية” المحبطة وفلاسفتها، وبات اكثر التفافا حول المقاومة، واكثر تبنيا لثقافتها وبات يتطلع الى حياة كريمة بعيدا عن ذل الحصار وسياسات التجويع، والصور القادمة من قطاع غزة عبر الفضائيات، عربية واجنبية تؤكد هذه الحقائق والصور لا تكذب.

نتنياهو الذي اذلته غزة، وكسرت شوكة غروه، ودمرت امن مستوطنيه المزعوم، واظهرته “كبطل” في قتل الاطفال والرضع، وكشفت الوجه الدموي البشع للحركة الصهيونية للمرة الالف وبصورة يستحيل اخفاؤها في ظل وسائل التواصل الاجتماعي، نتنياهو هذا قد يتصرف في الايام المقبلة، بعد ان تلقى هذه الصفعة القوية، مثل النمر الجريح ويوجه خبطات عشوائية لقتل المزيد من الضحايا، بما في ذلك توسيع حربه البرية التي لا ترهب المقاومة ورجالها الرجال على اية حال، ولذلك يجب وضع هذا الاحتمال في عين الحسبان.

***

لم نناشد الزعماء العرب لنجدة الشعب الفلسطيني، ولن نناشدهم، فهؤلاء في معظمهم متواطئون مع العدوان، ويريدون افناء كل اهل غزة الذين يفضحون هذا التواطؤ، ولكننا نناشد اهلنا في الضفة الغربية بأن يضاعفوا من احتجاجاتهم وهبتهم الجماهيرية، ويمارسون ضغطا على هذه السلطة المتكلسة المستمرة في التنسيق الامني، وعدم القيام بأي خطوة سياسية او امنية، لنصرة شعبها في قطاع غزة، فابناء غزة اهلهم، واطفالهم الشهداء اطفالهم ايضا، وفي الفم ماء.

اليس عيبا ان تقبل هذه السلطة ورئيسها، وفي ظل صمود الكرامة والبطولة في غزة، بأن تقتحم القوات الاسرائيلية منزل المناضلة خالدة جرار عضو المكتب السياسي في الجبهة الشعبية، الذي يقع على مرمى حجر من منزل الرئيس عباس، وتأمر بإبعادها الى بلدة اريحا دون ان تحرك ساكنا، ولماذا تحرك، وهي التي لم تتحرك نخوتهم وكرامتهم مطلقا في قطاع غزة على اي حال على مدى اكثر من شهر من العدوان.

التلاحم الشعبي البطولي بين الشعب والمقاومة يحقق المعجزات في غزة، ويقلب كل المعادلات، ويبث الرعب في نفوس الاسرائيليين، ويدفع مستوطنيهم للهرب من مستوطناتهم شمال القطاع للمرة الاولى منذ ستين عاما.

المجاهد محمد الضيف خسر زوجته ورضيعا قدمهم في سبيل الله وقضية الامة العادلة، ولكنه كسب محبة العالم الاسلامي بأسره، ناهيك عن محبة شعبه، الامر الذي سيزيده وكل زملائه في اذرعة المقاومة قوة وصلابة، فعندما يقدم القادة ابناءهم فلذة اكبادهم وزوجاتهم شهداء فلعمري انهم قدوة في التضحية والبطولة تؤكد تصميمهم على نصر بات قريبا.