اسرائيل

الرئيس عباس يماطل ويناور لتجنب اتخاذ قرار بوقف التنسيق الامني مع الاحتلال كرد على استشهاد الوزير ابو عين.. و”فتح” مطالبة بالتحرك لوقف هذه “المهزلة” ارتقاء لمستوى الغضب الفلسطيني وانتصارا لدماء الشهداء وحرمة الارض

عبد الباري عطوان

نستغرب هذه المماطلة من قبل السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس وعدم اتخاذ اي قرار حاسم وسريع بوقف التنسيق الامني مع الاحتلال الاسرائيلي فورا كرد على جريمة قتل الشهيد زياد ابو عين وزير شؤون مكافحة الاستيطان ولجوئها الى اساليب التهرب والتسويف من خلال القول بانها ستستمر في حال انعقاد مفتوح حتى يوم الجمعة لبحث ودراسة تداعيات هذه الجريمة.
هذه الاجتماعات المفتوحة لقيادة السلطة او مجلس الوزراء تعني محاولة “امتصاص” الغضبة الشعبية التي تجتاح الضفة الغربية وقطاع غزة، ومحاولة “تبريد” الموقف، تمهيدا لتجنب اتخاذ اي قرار فعلي يرتقي الى مستوى هذه الغضبة، ويشكل ردا حاسما على هذا التمادي الاسرائيلي في سفك دماء الشعب الفلسطيني.
سمعنا اصواتا لمسؤولين “فلسطينيين” تطالب بالتهدئة، وتجنب التصعيد لعدم وضع اي عراقيل في طريق جهود السلطة للذهاب الى مجلس الامن الدولي لاستصدار قرار بوضع سقف زمني لانهاء الاحتلال الاسرائيلي، وهي اصوات تبيع الوهم والخنوع والاستسلام للشعب الفلسطيني والامتين العربية والاسلامية معا، وتعيش في بيوت “عاجية” منعزلة كليا عن الجماهير البسيطة والوطنية التي تشكل ملح الارض، ونبضها الحقيقي.
***
الشهيد ابو عين قدم حياته دفاعا عن الكرامة الفلسطينية التي اذلها التنسيق الامني مع الاحتلال الاسرائيلي، وهو التنسيق الذي وفر الحماية للاستيطان، ولاكثر من 800 الف مستوطن يتزايدون بشكل متسارع في الضفة الغربية والقدس المحتلين، بينما نحن نلهث خلف المجتمع الدولي، ونتسول عطفه وامواله، ونتحول الى اكبر شعب متسول في التاريخ.
اعلان الحداد ثلاثة ايام، واغلاق المدارس، وتنظيم جنازة شعبية ضخمة للشهيد، يتقدمها رئيس السلطة، كلها اجراءات لا تكفي وحدها، ولا تلبي الحد الادنى من مطالب الشعب الفلسطيني، ولا بديل عن وقف التنسيق الامني ومطاردة مجرمي الحرب الاسرائيليين امام المحاكم الدولية، والعودة الى المقاومة بأشكالها كافة، فقد طفح الكيل، واسرائيل لا تفهم اي لغة غيرها.
الاسرائيليون يكذبون كعادتهم دائما ويزورون الحقائق، ويلفقون الروايات الكاذبة لتبرئة انفسهم من المجازر التي يرتكبونها في حق هذا الشعب الفلسطيني وخداع العالم، والانكى من ذلك انهم يحاولون تسويق هذا الكذب للسلطة الفلسطينية وبعض مسؤوليها الذين يصفهم الاحتلال بـ “الحكماء” و”العقلاء” و”المعتدلين” ونحن نصفهم بالمتواطئين مع الاحتلال وجرائمه.
الشهيد ابو عين فقد حياته، واستشهد بسبب الغازات السامة الاسرائيلية، والضرب على الرأس بأعقاب البنادق، ولم يستشهد اثر ازمة قلبية، وحتى لو استشهد فعلا بسبب هذه الازمة، فإنها نتيجة لهذه القنابل الغازية، ونقول هذا رغم ان التشريح الرسمي لجثمانه الطاهر اكد عكس ذلك، وثبت جريمة القتل ضربا على الرأس بهدف القتل، ثم ليس هو الشهيد الاول ولن يكون الاخير، واغتياله بهذه الطريقة البشعة وهو يدافع عن اشجار زيتون هو تأكيد اضافي على عناد هذا الشعب وعنوان على شجاعته ورجولته واصراره على استعادة ارضه ونيل الاستقلال الحقيقي وليس المزور الذي ذقنا علقمه في اتفاقات اوسلو المخجلة.
الم تحاول آلة الدعاية الاسرائيلية الكاذبة تبرئة اسرائيل وجيشها من استشهاد الطفل محمد الدرة، الم تروج لرواية وقحة ومعيبة حول إستشهاد الرئيس الفلسطيني الرمز ياسر عرفات بمرض “الايدز″، الم تدعي ان مدارس الاونروا التي قصفتها، وقتلت اطفالها ونسائها الذين لجأوا اليها، واحتموا بها، اثناء العدوان على قطاع غزة، كانت تحوي مخازن للصواريخ وهو ما نفته الوكالة نفسها بقوة؟
***
حركة “فتح” التي ينتمي اليها الشهيد ابو عين مثلما ينتمي الى كل الشعب الفلسطيني وامته العربية، مطالبة بأن تنتصر لشهيدها وتطالب قيادتها بالكف عن التسويف والمماطلة والتهرب من الرد على هذه الجريمة التي راح ضحيتها انسان كان يدافع عن الارض وكرامتها وزيتونها في وجه عدو عنصري حاقد مجرم، يجب ان تتصدى لهذه القيادة وتضع حدا لسياساتها المتخاذلة التي اساءت اليها والشعب الفلسطيني بأسره.
هذه الحركة التي اطلقت الرصاصة الاولى وثبتت الكيانية الفلسطينية، وقادت المشروع الوطني لاكثر من اربعين عاما، يجب ان ترتقي الى مكانتها وارواح شهدائها، وتاريخها المقاوم المشرف، وتفرض على السلطة ورئيسها الرد العملي على هذا الاجرام الاسرائيلي، بالتعاطي معه على اساس انه عدو غاصب وقاتل لا يجب التنسيق معه وحماية مستوطنيه ومستوطناته، والتصدي له بالقوة التي يستحق.
نخاطب حركة “فتح” بعد ان يئسنا والملايين غيرنا، من مخاطبة الرئيس عباس وسلطته، ولان هذه الحركة وشرفاءها هم الذين يقدمون له الغطاء، والحماية، والشرعية التنظيمية، فاذا كانت حركة تحرير وطني فعلا، وهي كذلك في رأينا، عليها ان تقلب الطاولة على هذه السلطة وكل “المحنطين” في صفوفها الذين خطفوا القرار الوطني والمشروع الوطني الفلسطيني، واوصلوا القضية العربية الاولى الى هذا الوضع المهين والمزري.

نطالب عباس بالكف عن التهديد بالغاء “التنسيق الامني” لحماية اسرائيل.. لانه لن يصدقه احد.. ولا يأتي بأي جديد وليته يصمت!

عبد الباري عطوان

باستثناء المجموعة الصغيرة المحيطة به في رام الله حيث مقر قيادته، لم يعد هناك اي احد في الوسطين الفلسطيني، والعربي، علاوة على الوسط الاسرائيلي طيعا، يأخذ تهديدات الرئيس الفلسطيني محمود عباس واقواله على محمل الجد، لانهم يعرفون جيدا انه لا يجرؤ على تنفيذ هذه التهديدات، بل سرعان ما يتراجع عنها، وينفي انه اطلقها بالاساس.
ففي خطابه الذي القاه مساء السبت في اجتماع طارىء للجامعة العربية (لم يحضرة اي وزير خارجية سواء من الوزن الثقيل او الخفيف) طلب بنفسه عقده لبحث الاوضاع في الاراضي المحتلة، هدد الرئيس عباس بوقف التنسيق الامني مع اسرائيل، وقال انه لن يعود الى مائدة المفاوضات طالما ان الاستيطان الاسرائيلي مستمر.

***

عندنا مثل يقول “ان الذي يهدد لا يكبّر عصاته” (بتشديد حرف الباء) والرئيس عباس اطلق مثل هذا التهديد عشرات المرات، وعندما هددته واشنطن، بتحريض اسرائيلي، بوقف المساعدات المالية لسلطته، سحب كل تهديداته، والانكى من ذلك تأكيده في مقابلات مع اجهزة اعلام اسرائيلية، وخطابات سابقة ان التنسيق الامني مع اسرائيل “مقدس″ وان استمراره “مصلحة فلسطينية” بالدرجة الاولى، وشدد بأنه لن يسمح مطلقا بانتفاضة ثالثة ضد الاحتلال، و”تباهى” بنجاح قواته الامنية بمنع اي مظاهرات او اعمال عنف في الضفة الغربية اثناء العدوان الاسرائيلي الاخير على قطاع غزة وتأييدا لرجال المقاومة الذين تصدوا له بإعجاز اسطوري.
القدس المحتلة تشهد انتفاضة فلسطينية بطولية قدم خلالها اهلنا في الارض المحتلة العديد من الشهداء دفاعا عن المسجد الاقصى الذي يواجه التهديد والتقسيم، ولم يحرك الرئيس عباس وسلطته ساكنا، ولا نعتقد انه سيفعل اي شيء، هو وكل جامعته العربية لو حرقه الاسرائيليون وليس تقسيمه فقط.
هذه المواقف “الباهتة” من رئيس السلطة، ورئيس دولة فلسطين، ورئيس منظمة التحرير، ورئيس حركة “فتح” والقائد العام للقوات المسلحة الفلسطينية (جميعها القاب عباس الرسمية) هي التي اوصلت القضية الفلسطينية الى ذيل اهتمامات العرب والعالم، واتحدى ان يكون انسان عربي واحد قد سمع بخطاب الرئيس عباس في الجامعة العربية او عرف اصلا ان هناك اجتماعا طارئا لها، ولا استبعد ان يكون اجتماع الجامعة المقبل على مستوى “البوابين” لمناقشة القضية الفلسطينية اذا استمر الرئيس عباس على لامبالاته نفسها، هذا اذا انعقد اساسا.
المملكة العربية السعودية احد اكبر الدول العربية واغناها الغت صفة “العروبة” على الصراع مع دولة الاحتلال الاسرائيلي، وباتت تعتبره صراعا “فلسطينيا اسرائيليا”، وسمعنا الرئيس عباس يشيد بها ومواقفها اثناء خطابه الاخير في اجتماع الجامعة، ولم يوجه كلمة “عتاب” واحدة لها، ولن نفاجأ في الغد القريب اذا ما حذت الدول الخليجية كلها حذو السعودية، وتبنت التوصيف نفسه، ومن يمنعها او يلومها، فلم تعد القضية الفلسطينية قضية مركزية عربية بالنسبة لها تضعها على سلم اولوياتها عندما كانت هناك قيادات فلسطينية بما تعنيه هذه الكلمة من معنى.
يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني الذي اقرته الامم المتحدة، وتصادف يوم امس (السبت) بات يوما عاديا مثل كل ايام العرب، ولا اعرف اذا كان الرئيس عباس ما زال يتذكره، ومر مرور الكرام ولم تحتفل به السلطة نفسها، ولا اجهزة اعلامها، ولا اعرف السبب، وشكرا للجاليات الفلسطينية في اوروبا وامريكا التي احتفلت به كعادتها، فمن المسؤول عن هذا التقصير؟
ربما ينبري بعض مقربين من الرئيس عباس للدفاع عنه بتوجيه اللوم الى الوضع العربي السيء، وهذا صحيح، ولكن متى كان الوضع العربي جيدا، وهل كانت المقاومة مرحب بها عندما تبنتها حركة “فتح” ولحقتها باقي المنظمات الفلسطينية الاخرى؟ الم تطارد اجهزة المخابرات العربية من تبنوها لاعتقالهم والزج بهم في السجون؟
***
الرئيس عباس يتحمل المسؤولية الاكبر عن كل حالة الهوان هذه التي تعيشها القضية الفلسطينية وتنعكس في انفضاض الاهتمامين العربي والعالمي بها، لانه يقمع اي تحرك لمقاومة الاحتلال من خلال قوات امنه التي باتت حارسا للمستوطنين الاسرائيليين ومستوطناتهم التي يؤكد انه، اي عباس، لن يذهب الى اي مفاوضات طالما استمرت في التوسع، وكأن هناك من يدعوه الى هذه المفاوضات، او كأن عشرين عاما من التفاوض اوقفت وحدة سكنية واحدة في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
لم نعد نطالب الرئيس عباس بحل السلطة او وقف التنسيق الامني، او حتى الانضمام الى المنظمات الدولية لمطاردة مجرمي الحرب الاسرائيلية لاننا ندرك جيدا انه لا يقرأ، ولا يسمع، ولا ينفذ بالتالي، كل ما نطالب به هذه المرة ان يصمت، يتوقف عن التهديد، رحمة بالشعب الفلسطيني، واعصابه، ومصداقيته، وتاريخه النضالي المشرف، ورحمة بشهدائه، نقولها ونحن كلنا ثقة بأنه لن يصمت وسيستمر حتى لو ظل يتحدث الى نفسه، ولن نستغرب اذا قال لنا القراء لقد اضعت وقتتك ووقتنا بمثل هذا المثال، فلا حياة لمن تنادي.

اذا كانت ايران تعترف ان سياسات المالكي الطائفية الاقصائية ضد السنة هي التي اوجدت الحاضنة لصعود قوة “الدولة الاسلامية” فلماذا صمتت عليه ودعمته لعشر سنوات؟ ولماذا انتقاد الاسد الآن؟

عبد الباري عطوان

لم يجانب السيد محمد علي سبحاني مستشار وزارة الخارجية الايرانية الحقيقة عندما اعترف يوم الثلاثاء بأن السيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق السابق، ونائب الرئيس الحالي، عمل اثناء فترة رئاسته للحكومة على اتباع سياسات مذهبية طائفية ادت الى تشكيل “حاضنة لتنظيم الدولة الاسلامية”.
السيد المالكي ومثلما قال مستشار وزارة الخارجية الايراني في اول نقد من نوعه على هذا المستوى، “انه لولا سياسة حكومة المالكي الاقصائية ضد المجموعات السنية في العراق لما وجد تنظيم الدولة حاضنة شعبية له من اهل السنة”.
لا نعرف ما اذا كان السيد سبحاني بمثل هذا النقد الجريء و”غير المألوف” يمثل نفسه ام المؤسسة الايرانية الحاكمة، ويقر بطريقة مباشرة بالاخطاء التي ارتكبتها بصمتها على هذا الرجل وسياساته الطائفية الاقصائية هذه، بل ودعمها له على مدى ثماني سنوات، وهو دعم لولاه لما اكمل ولايته الاولى، بل لما اصبح رئيسا للوزراء منذ البداية.
السيد المالكي لم يمارس سياسات الاقصاء الطائفي فقط، وانما سياسات التهميش والتغول في القتل والتعذيب والمحسوبية والفساد بأنواعه كافة، والاستفزاز لكل مكونات الشعب العراقي من عرب واكراد ومسيحيين، بل والعديد من ابناء وقيادات الطائفة الشيعية نفسها كل هذا امام نظر السلطات الايرانية وصمت المرجعية الشيعية العراقية نفسها، وربما مباركتها ايضا.

***

مثل هذه السياسات اضرت بايران وصورتها ومكانتها في الوطن العربي والعالم مثلما اضرت بالطائفة الشيعية اكثر مما اضرت بأبناء الطائفة السنية العراقية، فهذه السياسات “المالكية” العنصرية والطائفية، لم تخلق الحاضنة السنية لـ “الدولة الاسلامية” فقط، وانما اعادت الاحتلال الامريكي “المقنع″ الى العراق والمنطقة بأسرها، ووفرت الغطاء “الشرعي” للادارة الامريكية لانتهاك السيادتين السورية والعراقية “بعدم ممانعة” ايرانية، وضرب اهداف داخلهما، ولا نستبعد ان تتحول الطائرات التي تقصف يوميا مواقع “الدولة الاسلامية” في البلدين الى توجيه صواريخها الى المنشآت النووية الايرانية، والقصر الجمهوري في دمشق بعد ان تنهي مهمتها التي جاءت من اجلها او حتى قبلها، اذا تأتى لها ذلك في نهاية المطاف، وهو موضع شك في رأي الكثيرين ونحن من بينهم.
ايران دولة تملك عقولا متميزة في المجالات كافة، العلمية والفكرية والاستراتيجية، وبنت صناعة عسكرية متطورة، ولا نفهم كيف عجزت هذه العقول عن رصد الاخطار التي ترتبت على الممارسات الاقصائية والطائفية لحكومة المالكي، واوصلت المنطقة الى ما وصلت اليه من كوارث، ووضعت بلادها في هذا الوضع الحرج.
القصور في اكتشاف سياسات المالكي هذه واعراضها الجانبية مبكرا ينطبق ايضا على نظيراتها في سورية حليفة ايران الاستراتيجية الكبرى، والانتقاد الذي وجهه السيد سبحاني للنظام السوري واستخدامه القوة لقمع مطالب الشعب السوري المشروعة، سلمية الطابع في بداية الانتفاضة، جاء متأخرا، فايران التي واجهت انتفاضة شعبية مماثلة لنظيرتها السورية بشكل او بأخر، تصرفت بطريقة مختلفة جدا، ولم يُقتل في هذه الانتفاضة التي استمرت عدة اسابيع الا 26 شخصا ثلثهم من قوات الامن الايرانية، ولم تعتقل السلطات الايرانية رموز هذه الانتفاضة مثل محمد خاتمي، وهاشمي رفسنجاني، وحتى حسن روحاني، والاخير يتربع حاليا على عرش رئاسة الجمهورية بعد فوزه بانتخابات رئاسية عامة.
الاخطاء التي ارتكبت في العراق على مدى السنوات العشر الماضية التي اعقبت احتلاله واذلال شعبه وبذر بذور التقسيم العرقي والطائفي فيه على ايدي الحاكم الامريكي بول بريمر تتحمل ايران النصيب الاكبر منها، لانها كانت صاحبة قرار في هذا البلد من خلال حلفائها وعلى رأسهم السيد المالكي.
فلا يمكن ان نصدق مطلقا انها لا تعرف بكل ممارسات القمع والفساد التي كانت تجري تحت سمعها وبصرها، وما كشفته صحيفة “النيويورك تايمز″ قبل يومين عن كم الفساد الفاحش في الجيش العراقي يشيب له شعر الرضع.
***
فعندما يبيع “جنرال الدجاج” مؤن جنوده، وعندما يراكم “جنرال الدفتر” الملايين في حساباته من جراء العمولات وصرف رواتب لاسماء وهمية، وعندما ينتشر صيت “جنرال العرق” في معظم اركان البلاد، لشربه الخمر اثناء العمل، فمن الطبيعي ان يهرب ثلاثون الف ضابط وجندي عراقي بأسلحتهم الفردية قبل وصول قوات “الدولة الاسلامية” الى الموصل ودون ان يطلقوا رصاصة واحدة، وهذه الالقاب ليست من عنترياتنا وانما من عند الصحيفة الامريكية.
فهل هذا هو جيش “العراق الجديد” الذي جرى انفاق اكثر من 25 مليار دولار على اعداده وتسليحه وتدريبه، للدفاع عن البلاد وحدودها وحماية شعبها؟
لا يكفي ان يخرج علينا السيد سبحاني بهذه الاعترافات التي ادلى بها الى موقع ايراني مغمور، بل يجب ان يقوم بهذه المهمة السيد علي خامنئي المرشد الاعلى للثورة الايرانية نفسه من خلال مراجعة شاملة لكل محطات المرحلة الماضية وما شابها من اخطاء، وبما يصب في مصلحة الوحدة الوطنية العراقية، ومحاربة كل اشكال التقسيم المذهبي، فهذه الخطوة هي الاهم التي يمكن ان تحقق الاستقرار ليس في سورية والعراق ولبنان فقط وانما في المنطقة بأسرها، وتجنيبها حربا طائفية مذهبية يمكن ان تستنزف ابناءها وثرواتها لعقود ان لم يكن لقرون قادمة.
نحن في انتظار هذه المراجعة الايرانية على اعلى المستويات، ونأمل ان لا يطول انتظارنا.

البداية كانت دائما من الاقصى.. وانتفاضة الكرامة اشتعلت.. والكيل طفح

عبد الباري عطوان

اقتحام شابين من اسرة ابو جمل من سكان حي جبل المكبر في القدس المحتلة كنيسا يهوديا وفتحهما النار على رواده، فقتلوا اربعة، ثلاثة منهم من حملة الجنسية الامريكية ورابعهم بريطاني الجنسية اثار حالة من الهلع في صفوف الاسرائيليين واخرجا بنيامين نتنياهو ومتطرفيه عن صوابهم، واثارا حالة من الارتياح في صفوف الغالبية الساحقة من الفلسطينيين، ومعظم العرب والمسلمين الشرفاء.

الارتياح، لان اكثر من مليار ونصف المليار مسلم كانوا يتابعون طوال الاشهر الماضية عمليات اقتحام المسجد الاقصى وباحته، من قبل مستوطنين يهود، يعيثون فيه فسادا ويعملون على تقسيمه بمباركة من حكومة نتنياهو وحمايتها، دون ان تحرك الحكومات العربية وجيوشها الجرارة ساكنة، لانها منشغلة بكيفية حماية “كوباني” الكردية السورية من السقوط، واعادة السفراء الثلاثة الى الدوحة.

***

نعم عملية الاقتحام هذه هزت اسرائيل، واثارت الرعب في اوساط مستوطنيها، لانها وقعت في قلب القدس المحتلة، او الشق الغربي منها، التي من المفترض ان تكون الاكثر أمنا واستقرارا، ولكن هؤلاء الذين اعتقدوا ان الشعب الفلسطيني استسلم للاحتلال مثل سلطته، بدأ يتعايش مع الاهانات الاسرائيلية، والخنوع الرسمي العربي، يجب ان يعيدوا حساباتهم بشكل جدي وبأقصى سرعة ممكنة، لان دورة انتفاض هذا الشعب، وبدء انطلاق ثورة كرامته وعزته، واصراره على حماية مقدساته وحده، قد تسارعت ولن توقفه كل التهديدات الارهابية الاسرائيلية والتواطؤ الرسمي العربي معها.

نتنياهو وجوقته يتباكون على الضحايا، ويركزون على انهم مصلون متعبدون، ويطالبون العالم بالتعاطف معهم، وادانة “الارهاب” الفلسطيني، طيب ماذا كان يفعل اكثر من اربعين مصليا في الحرم الابراهيمي في مدينة الخليل عندما اقتحمه المستوطن باروخ غولدشتاين وفتح نيران رشاشه عليهم في ساعات الفجر الاولى؟ هل كانوا يرقصون؟ الم يقم له المستوطنون ضريحا فاخرا “مهيبا” في مستوطنة قريبة من مجزرته تحول الى مزار يؤمه المئات يوميا يقرأون الصلوات اليهودية على روحه تقديسا وتباركا وتمجيدا؟

نسأل الجوقة نفسها هل القتل في الكنس اليهودية “حرام”، بينما ذبح المئات من اطفال الفلسطينيين في قطاع غزة بقنابل وصواريخ الطائرات والدبابات الاسرائيلية “حلال”؟

الشابان اللذان اقتحما الكنيس طفح كيلهما من التغول الاسرائيلي في سفك دماء اهلهم واشقائهم، وحرقهم احياء، وشنقهم في الحافلات، وخنق مدينتهم المقدسة بالمستوطنات وسط صمت الحكومة الاسرائيلية الفاشية وتحريضها.

هذان الشابان ينتميان الى امه عريقة، وعقيدة مشهود لها بالتسامح، ولكنها لا يمكن، بل لا يجب، ان تتسامح مع القتلة المحتلين، ماذا يتوقعون من ابناء الشعب الفلسطيني الذين يعيشون الاذلال والمهانة تحت الاحتلال الاسرائيلي، ان يستقبلوا مقتحمي المسجد الاقصى بالزهور والرياحين، وان يهنئوا قاتلي الفتى محمد ابو خضير حرقا، وان يقيمون احتفالات في جنازة الشهيد يوسف الرمولي الذي شنقه المستوطنون في حافلته؟ انهم فعلا لا يعرفون هذا الشعب وجبروته وايمانه بقضيته، فقد ضللهم بعض المستسلمين من ابناء جلدته بتعاونهم امنيا مع الاحتلال، و”تشابهت عليهم البقر”.

***

هذا شعب جبار لا يسكت على الضيم، ولا يرهبه نتنياهو، فهذه ارضه، وهذه قدسه، وهذا زيتونه، وذاك بحره، وذاك هواءه، .. هذا شعب علم البشرية بأسرها معنى كلمة الانتفاضة وادخلها في قواميسها في مكانة لائقة جنبا الى جنب مع كل معاني الكرامة والعزة والاباء.

عملية اقتحام الكنيس الاسرائيلي هي رسالة قوية الى اكثر من جهة تقول كلماتها ان المستوطنين اليهود لن ينعموا بالامن والاستقرار طالما استمروا في احتلالهم واستيطانهم واستفزازاتهم، ومجازرهم وحصارهم.

فليذهب نتنياهو الى امريكا واوروبا ويحرض كيفما شاء ضد الشعب الفلسطيني، ويكرر اقواله حول الارهاب، ولتقف معه امريكا واوروبا، وتقدم له اكتافها للبكاء، وتفتح له خزائنها وترسانات اسلحتها، فكل هذا لن يغير من حقيقة كونه الارهابي الاول الذي قتل عملية السلام وعرض امن الغرب كله للخطر، وهيأ الميدان لصعود التطرف وقتل الاعتدال، وكون الشعب الفلسطيني الضحية وصاحب الحق الشرعي في الارض والمقاومة باشكالها كافة لاسترجاعها.

نصلي لله وندعو ان يهدي الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي ادان هذا الهجوم، وان لا يذهب لتقديم واجب العزاء لاهالي الحاخامات القتلى، كما فعل في مرات عديدة، فادانته وتعازيه لم تشفع له عند نتنياهو ومستوطنيه، وحملوه مسؤولية العملية والتحريض على امثالها.

المارد الفلسطيني “يتململ”، وبدأ يخرج من قمقم المهانة والذل، وسيحطم كل من يقف امامه، سلطة كان او احتلالا، او انظمة عربية متواطئة، وليس لديه ما يمكن ان يخسره، فهو شعب مؤمن بأنه المنتصر على اعدائه في نهاية المطاف طال الزمان او قصر، والايام بيننا.

تصريحات رفسنجاني الرافضة لسب الصحابة والاحتفال بمقتل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب لماذا جاءت الآن.. وما هي دوافعها.. وكيف نرد عليها؟

انتقد الشيخ هاشمي رفسنجاني رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام في ايران، والرئيس الاسبق شتم الصحابة والاحتفال بمقتل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، رضوان الله عليهم، وقال ان هذه التصرفات غير المسؤولة ادت الى ظهور الجماعات المتشددة مثل تنظيم “القاعدة” و”الدولة الاسلامية”.
الشيخ رفسنجاني معروف باعتداله، بل ومعارضته للنظام الحالي في طهران، واقدامه على اتخاذ موقف كهذا، وعلى هذه الدرجة من القوة والشجاعة، يحسب له، ويجب ان يقابل من الطرف الآخر، اي علماء اهل السنة بخطوات مماثلة، تضع حدا لانزلاق العالم الاسلامي الى حروب اهلية طائفية يسعى من اجلها الغرب بزعامة الولايات المتحدة الامريكية لتدمير العالم الاسلامي وتفتيته حتى لا تقوم له قائمة مطلقا.
فمنطقتنا لم تشهد في تاريخها الحديث هذه الموجة من التحريض الطائفي البغيض في الجانبين الشيعي والسني، مما اوصلنا الى حالة الانقسام الحالية، والاستعانة بالاجنبي، واهدار ثرواتنا في حروب عبثية، وصفقات اسلحة لا تستخدم ضد الاعداء وانما لقتل بعضنا البعض.
وقد يجادل البعض ان السيد رفسنجاني الذي يقيم علاقات جيدة مع العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز يصدر مثل هذه التصريحات في وقت تقف المملكة على حافة هاوية “فتنة” تجسدت في عملية الهجوم على حسينية لابناء الطائفة الشيعية في منطقة الاحساء يوم الاحتفال بذكرى عاشوراء، ادت الى مقتل ما يقرب من عشرة اشخاص وبهدف التهدئة، ولما لا، ولكن هذا لا يجب ان يقلل من اهمية هذه التصريحات، وصاحبها، في التقريب بين المذاهب، ووأد الفتنة، وتجنيب المنطقة ما يمكن ان يترتب عليها من صدامات دموية، وعلينا ان نتذكر انه سيواجه حمله شعواء من قبل المتشددين من اهل مذهبه بسبب موقفه هذا ايا كان هدفه، فنحن نحكم على الظواهر، والله اعلم بالبواطن.

***

السلطة السعودية، وبعد هجوم الاحساء، ادركت خطورة هذه الفتنة الطائفية، وبادرت، ان متأخرة، في اغلاق بعض المحطات المرئية المتخصصة في التحريض الطائفي، مثل قناة “وصال”، ولكن هناك قنوات اخرى اطلقتها، ومولتها، وما زالت تبث افكارها، وسمومها المذهبية يجب اغلاقها فورا.
نعم.. هناك قنوات طائفية ايرانية التمويل لا تقل تحريضا ضد ابناء الطائفة السنية، ويقدم بعض شيوخها خطابا طائفيا ساما، موغلا في تطرفه وعدائه المذهبي، يتطاول على الخلفاء والصحابة، وعلى السيدة عائشة وامهات المؤمنين كرم الله وجوههم جميعا، وهذه القنوات ما كان لها ان تؤسس وبأموال ايرانية ايضا، ويجب ان تبادر الحكومة الايرانية الى اغلاقها فورا، واذا كانت حريصة فعلا على الحوار وروابط الاخوة الاسلامية.
خلاف بعض الحكومات العربية مع ايران سياسي وليس مذهبيا، اساسه الخوف من تصاعد قوتها، ولجأت هذه الحكومات الى التحريض الطائفي البغيض لتعبئة مواطنيها في خندقها وفتحت قنوات الفتنة على مصراعيها امام بعض الدعاة لبث افكارهم وفتاواهم، ونبش كتب الفتنة لدعم حججهم وفتاواهم في هذا الاطار، وعندما بدأ سحرها ينفلب عليها، ووصلت نيران الفتنة الطائفية الى عمقها، وهددت امنها الداخلي بدأت تتراجع وتتحدث عن التسامح والتعايش بين الطوائف.
ليس هناك من يحب آل البيت اكثر من أهل السنة والجماعة، وليس هناك من يحب سيدنا عمر بن الخطاب اكثر من سيدنا علي بن ابي طالب واهل بيته، والا لما زوجه احدى بناته الفاضلات، ومن ينكر هذه الحقيقة جاحد طائفي لا يريد للمسلمين غير الانقسام والاقتتال والفتنة، ومن يسب سيدنا عمر يسب آل البيت الكرام.
لم نسمع عن “شيعية” ايران عندما كان الشاه محمد رضا بهلوي يحكمها ويقيم اوثق العلاقات مع اسرائيل، وتزوده امريكا بأحدث الطائرات والمعدات العسكرية حتى يكون حارسا امينا على مصالحها في منطقة الخليج العربي، ولم نشاهد محطات تلفزة سنية تهاجم الشيعة، او شيعية تهاجم السنة وتتطاول على الخلفاء والصحابة كرم الله وجههم جميعا، فلماذا الآن؟ والى متى يستمر هذا التحريض وبذر بذور العداء؟
ايران قوية، وطورت ترسانة عسكرية حديثة، وبنت مفاعلات نووية، وهذا حقها، واذا اراد البعض محاربتها لدرء خطرها، فعليه تحقيق التوازن الاستراتيجي معها اولا من خلال بناء قوة عسكرية تقليدية ونووية متقدمة، فلا ينقص العرب المال او الرجال، وعلينا ان نتذكر جيدا ان العربي الوحيد الذي حقق هذه المعادلة قتله العرب وتآمروا مع الولايات المتحدة علة تدميره ومشروعه واحتلال بلده.
نتحاور مع الاسرائيليين واليهود ونعرض عليهم مبادرة سلام نتنازل فيها عن معظم فلسطين، ونؤسس معاهد وهيئات ومجالس للانفتاح على الاديان الاخرى، وننفق مئات الملايين من الدولارات في هذا الاطار، ونعقد المؤتمرات في لندن وباريس ونيويورك، ونصافح شمعون بيريس الرئيس الاسرائيلي لنظهر حضاريتنا وتسامحنا مع الآخر، ونرفض الحوار مع المذاهب الاسلامية الاخرى ونحرض ضدها ليل نهار، بل ويعتبر بعضنا جماعات اسلامية سنيّة، متطرفة كانت او معتدلة خطرا كبيرا يجب اجتثاثه والاستعانة بأمريكا لمحاربته، ارجوكم قولوا لنا ماذا تريدون؟
***
تقف المنطقة في الوقت الراهن على ابواب كارثة طائفية قد تؤدي، اذا ما انفجرت، الى اغراقها في بحور من الدماء، وكان يجب التبصر بمخاطرها مبكرا، وقبل الهجوم على حسينية الاحساء بكثير، وما زال من الممكن تطويقها، اذا صلحت نوايا الطرفين، السني والشيعي معا.
الايرانيون يتفاوضون مع امريكا التي كانت حتى الامس القريب الشيطان الاكبر، فلماذا لا يتفاوضون مع العرب ابناء العقيدة الواحدة؟ وبعض دول الخليج تقيم تحالفات سرية مع اسرائيل، وتدعم حربها ضد المسلمين السنّة في قطاع غزة، ويهيئونها كحليف مستقبلي لهم ضد ايران المسلمة، فلماذا لا يحلون خلافاتهم مع ايران من خلال الحوار، فهل هم اكثر قوة من الولايات المتحدة الامريكية؟
ربما يبدو كلامنا “مثاليا” وغير و”غير واقعي” في نظر البعض، فما هو البديل لدى هؤلاء، اعلان الحرب على ايران؟ فليتفضلوا او يصمتوا، اليست اسرائيل هي التي تقسّم المسجد الاقصى وتحتل مدينة القدس والارض الفلسطينية وتشن الحروب ضد هذه الامة وتذل شعوبها؟
من المؤسف ان العقلاء تراجعوا لمصلحة تقدم رموز الفتنة وقارعي طبول الحرب، ولكن ضد العدو الخطأ، وفي الوقت الخطأ، وليتصالحوا مع شعوبهم اولا، ويقوون جبهتهم الداخلية، من خلال اقامة الحكم العادل، وتحقيق المساواة، ثم بعد ذلك يحلّون مشاكلهم مع جيرانهم ابناء جلدتهم، ويوقفون حروبهم الاعلامية ضد بعضهم البعض، وبعد تحقيق كل هذا لكل حادث حديث.

اوباما “يغازل” السيد خامنئي ويستغيث بمساعدته ضد “الدولة الاسلامية” في رسالة سرية.. فهل يئس من حلفائه العرب؟ وبدأ يعترف ضمنيا بفشل استراتيجيته؟

عبد الباري عطوان
عندما يبعث الرئيس الامريكي باراك اوباما برسالة سرية الى السيد علي خامنئي المرشد الاعلى للثورة الايرانية يؤكد فيها على المصالح المشتركة في محاربة “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية، ويعرض التعاون المشترك في هذا الصدد فإن هذا يعني ثلاثة امور اساسية:
ـ الاول: اعتراف الرئيس الامريكي بشكل غير مباشر بفشل الاستراتيجية الحالية في القضاء على “الدولة الاسلامية” التي تقصف طائراته تجمعاتها على جانبي الحدود السورية العراقية.
ـ الثاني: عدم تعويل الرئيس الامريكي على حلفائه العرب في مواجهة هذا الخطر الكبير الذي تقول الادارة الامريكية انه يهدد مصالحها وحلفاءها في المنطقة.
ـ الثالث: توصل واشنطن الى قناعة راسخة بأن المفاوضات التي ستبدأ في سلطنة عمان يوم الاحد المقبل حول البرنامج النووي الايراني بين جون كيري وزير الخارجية الامريكي ونظيره الايراني محمد جواد ظريف مهددة بالانهيار بسبب تمسك ايران بموقفها في مواصلة عملية تخصيب اليورانيوم، ولذلك يحاول الرئيس الامريكي القاء “جزرة التعاون” ضد “الدولة الاسلامية” على امل تسهيل هذه المفاوضات، واخراجها من حال الجمود التي تعيشها حاليا.

***

هذه هي الرسالة السرية الرابعة التي يبعثها الرئيس اوباما الى مرشد الثورة الايرانية ولم يتلق اي رد منه، ولكنه (اي الرئيس اوباما) لم ييأس، حتى انه استعان بقنوات اخرى لايصال رسائل للقيادة الايرانية مثل قناة حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الجديد، والسيد علي السيستاني المرجع الشيعي العراقي.
ومن المفارقة ان الرئيس الامريكي لم يتشاور مع حلفائه في المنطقة مثل المملكة العربية السعودية واسرائيل حول هذه الخطوة، تماما مثلما اقدمت ادارته على محادثات سرية مع السلطات الايرانية في مسقط عام 2012، واستمرت اكثر من ستة اشهر وتمخضت عن اتفاق اولي حول البرنامج النووي الايراني كان من ابرز بنوده الرفع الجزئي للعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.
الرئيس اوباما حرص في كل رسائله الى المسؤولين الايرانيين، سواء عبر السيد السيستاني، او رئيس الوزراء حيدر العبادي على التأكيد بأن العمليات العسكرية الامريكية لا تهدف الى اضعاف ايران وحلفائها (سورية) وانما “الدولة الاسلامية”، وهذا ما يفسر حالة الارتياح الحالية التي تعيشها السلطات السورية، والقلق الكبير في اوساط المعارضة السورية في المقابل.
المسؤولون في المعارضة السورية المسلحة الذين باتوا يشعرون ان امريكا خذلتهم، وتاجرت بهم، يقولون، مثلما نقلت عن احد قادتهم صحيفة “الغارديان” البريطانية ان امريكا تريدنا ان نخوض حربها (ضد الدولة) وليس حربنا ضد النظام السوري”.
لا نعرف ما اذا كانت القيادة الايرانية ستتجاوب ام لا مع هذا “الغزل” الامريكي، فالخطاب العلني الايراني ما زال يعتبر امريكا “الشيطان الاكبر”، واتهم السيد خامنئي الادارة الامريكية اكثر من مرة بالعمل على اغراق العالم الاسلامي في حروب اهلية طائفية، وبث الفتن في صفوف الامة الواحدة لتجزأتها وتفتيتها.
الرئيس الامريكي يتذلل للايرانيين لانه يدرك جيدا انهم قوة اقليمية عظمى، تملك ترسانة عسكرية متقدمة جدا من صواريخ، وغواصات، وطائرات بدون طيار وزوارق حربية متقدمة لا ترصدها الرادارات ولهذا يتعامل معهم بحذر شديد ويحاول كسبهم الى جانب بلاده على عكس الحال مع القادة العرب، الذين يعاملهم بإحتقار شديد، ويعتبرهم ادوات او مشاريع صفقات اسلحة لانقاذ الصناعة العسكرية الامريكية من الكساد.
لا نستبعد اقدام ايران على استغلال حالة الضعف الامريكية الحالية لمصلحتها وحلفائها، والانضمام الى التحالف الامريكي لمحاربة “الدولة الاسلامية” وقواتها لانها تشكل تهديدا مباشرا لها، ولكن دون ان تتنازل عن شروطها النووية مثلما حدث في المفاوضات السرية الاولى في مسقط، فقد اعربت عن استعدادها للمشاركة في الحرب، وارسلت اسلحة ومعدات عسكرية الى كردستان العراق.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الاطار هو عما اذا كان اي تنسيق امريكي ايراني يمكن ان يغير معادلة الحرب على ارض المواجهات ضد “الدولة الاسلامية”؟
***
السؤال افتراضي، ومن الصعب اعطاء اجابة حاسمة عليه، وايران ما زالت تبقي اوراق اللعبة قريبة الى صدرها حتى لا يراها احد من خصومها، ولكن ما يمكن التكهن به، ان انزلاق ايران الى حرب استنزاف “غير تقليدية” وتحت مظلة عسكرية امريكية ربما يكون “مغامرة خطرة”، فهي تخوض حربا بالنيابة على ارض العراق وسورية، وبدرجة اقل في لبنان ولولا دعمها المادي والعسكري القوي للسلطات السورية (من خلال ميليشيات عراقية الى جانب حزب الله)، لما صمد النظام السوري اربع سنوات في ظل هجمة شرسة اقليمية ودولية تحارب لاسقاطه، ولذلك ربما تفضل توريط امريكا وحلفائها العرب في هذه الحرب الا اذا حصلت على ضمانات امريكية بالاعتراف بها كقوة نووية اقليمية تكون صاحبة الكلمة الاولى والاخيرة في ادارة شؤون المنطقة، وهذا غير مستبعد بالنظر الى الطعنات المسمومة التي وجهتها الادارات الامريكية المتعاقبة لاصدقائها العرب.
فاذا كانت معركة “كوباني” استغرقت ما يقرب من شهرين، وتشارك فيها قوات كردية من تركيا والعراق وسورية الى جانب الجيش الحر وطائرات امريكية من كل الانواع والاصناف، فكم ستحتاج امريكا من القوات والحلفاء والاسلحة لحسم الحرب ضد “الدولة الاسلامية” لصالحها، وهي الدولة الاعظم في التاريخ؟
نترك الاجابة لكم ولما ستحمله الاشهر والسنوات المقبلة من متغيرات ونتائج في جبهات القتال.

نعم.. “كوباني” ليست اغلى من القدس ولكن حكامنا العرب يرون غير ذلك.. فعندما يبريء عباس اسرائيل من دم عرفات ويتباهى بعدم اطلاق رصاصة واحدة في الضفة اثناء حرب غزة فماذا تتوقعون؟

عبد الباري عطوان

عندما يتباهى الرئيس الفلسطيني محمود عباس بأنه لن يسمح مطلقا بانتفاضة ثالثة في الضفة الغربية، ويذّكر الاسرائيليين بأن رصاصة واحدة لم تطلق منها (اي الضفة) طوال خمسين يوما من الحرب على قطاع غزة، ويبرىء اسرائيل من اغتيال الرئيس ياسر عرفات، فانه من الطبيعي ان يجتاح المستوطنون المسجد الاقصى وتتجرأ حكومتهم على اغلاقه للمرة الاولى منذ احراقه عام 1967.
ففي الوقت الذي يمارس العالم ضغوطا مكثفة على تل ابيب، وتتعاظم عزلتها الدولية، يتعاطى معها الرئيس عباس بكل نعومة، ويؤكد انه ضد اطلاق الصواريخ التي اصر انها “عبثية” او اي عمل عسكري ضدها وذلك في حديثه للقناة الاسرائيلية العاشرة بثته قبل يومين.
وربما يجادل بعض المحيطين به في المقاطعة في رام الله بأن هذه “النعومة” هي التي تقف خلف الاعتراف اليتيم اوروبيا للحكومة السويدية بدولة فلسطين، وبعدها الاعتراف الرمزي للبرلمان البريطاني، فان ردنا على مثل هذه الاقوال التي تخفي عجزا لا يليق بالشعب الفلسطيني وشهداءه وتاريخه الحافل بالتضحيات بأن هذه النعومة هي التي جعلت الاستيطان يتغول، والاعتداءات تتفاقم، والاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية يتراجع.

***

الرئيس عباس لا يمل من التأكيد بأنه لا يريد انتفاضة فلسطينية ثالثة، وينسى انه الذي جاء به وسلطته من المنفى التونسي الى المقاطعة في رام الله ليست سياسات استجداء السلام والتودد للاسرائيليين، وانما الانتفاضة الاولى وشهداؤها، ولم يعزز بقاءه في كرسيه الا الانتفاضة الثانية التي هزت اسرائيل والعالم بأسره، وكانت وراء تشكيل اللجنة الرباعية ووضع خريطة طريق السلام، وهي انجازات اهدرتها سياسات الاذعان والتنسيق الامني المهين، والرهان على مفاوضات “عبثية” وتحويل الشعب الفلسطيني الى اكبر شعب متسول في العصر الحديث.
الذي حمى، ويحمي، وسيحمي، القدس المحتلة، ومسجد اقصاها، ومقدساتها الاسلامية والمسيحية، ليست السلطة، ولا استغاثاتها، لانه لا احد يستجيب لها، وانما المرابطون من اهلنا في المدينة المقدسة والمناطق المحتلة عام 1948.. هؤلاء الذين هبوا لنجدتها، وتصدوا لمقتحميها اليهود وقوات الامن التي توفر الحماية لجرائمهم.
نتنياهو تراجع عن قراره باغلاق المسجد الاقصى بعد يوم واحد لانه بات يدرك جيدا ان استمرار هذا الاغلاق يعني انفجار انتفاضة الاقصى الثالثة، على غرار الثانية التي تفجرت بعد زيارة ارييل شارون الاستفزازية، واشتعال الاراضي المحتلة كلها لاشهر وربما سنوات قادمة، فقد طفح الكيل من الاعتداءات الاسرائيلية واذعان السلطة معا.
الشهيد معتز حجازي الذي اطلق النار على المستوطن اليهودي المتطرف يهودا غيليك الذي يقود الهجمات المتكررة لاقتحام المسجد الاقصى وباحته، كان يوجه رسالة قوية لكل هؤلاء المستوطنين ورئيسهم نتنياهو الذي يتستر على جرائمهم، بان اهل الارض المحتلة لن يسمحوا بالاعتداء على مقدساتهم، وتقسيم اقصاهم مهما كان الثمن.
يكتب لي الكثير من القراء يتساءلون عما اذا كانت “عين العرب ـ كوباني” اغلى من القدس واكثر قداسة، وهل فيها مقدسات لا نعرفها؟ فلماذا يهتم العالم كله بالاولى ويرسلون الاسلحة والطائرات لحمايتها ومنع سقوطها في ايدي “الدولة الاسلامية” التي تحاصرها؟ التساؤل مشروع وفي محله وكل ما يقولونه هو الصدق بعينه، ولكن الزعماء العرب، بل والمسلمين ايضا، يرون عكس ما ترون، فالجرائم الاسرائيلية في القدس المحتلة، واغلاق المسجد الاقصى، لا تعنيهم على الاطلاق، ويديرون وجوههم حيث تديرها الولايات المتحدة الامريكية اي الى “كوباني” قبلتهم الجديدة التي حددتها وقررتها ادارة باراك اوباما.
في الماضي كنا نعّول خيرا على هؤلاء الزعماء، ونناشدهم التحرك لانقاذ القدس المحتلة، ناهيك عن فلسطين، ولكن بعدما شاهدنا تواطؤهم مع العدوان الاسرائيلي على غزة، وصلواتهم من اجل ابادة كل من فيه، وفي اسرع وقت ممكن، لانهاء قيم المقاومة واقتلاعها من جذورها، في هذا القطاع الصامد الصابر الذي بات وجوده واهله يشكل احراجا لهؤلاء، هذا اذا كانوا يشعرون بالاحراج فعلا.
***
الشعب الفلسطيني في ارض الرباط سيشعل لهيب الانتفاضة الثالثة، ويوسع نطاقها، ولن يعير اي اهتمام للرئيس عباس والتذلل للاسرائيليين، وسيتحدى سياسات الهوان التي يتباهى بها، ويتوسل الى الاسرائيليين العودة الى المفاوضات ووقف الاستيطان.
الرئيس عرفات استشهد مسموما وعلى ايدي الاسرائيليين وعملائهم لانه رفض التفريط بالمدينة المقدسة في مفاوضات كامب ديفيد، مثلما رفض التنازل عن حق العودة، ونسف التنسيق الامني واتفاقات “اوسلو” عندما ارادها انتفاضة ثانية مسلحة، ولا نعتقد ان خلفه السيد عباس يريد ان يفعل شيئا من هذا، بما في ذلك العصيان المدني الذي يلوح به دائما دون ان يتجرأ على تنفيذه عمليا على الارض.
للاقصى شعب صابر مقاوم يحمل في جيناته قيم الكرامة والعزة، لن يتردد مطلقا عن حمايته، والتصدي لكل من يريدون اقتحامه وتقسيمه، وطمس هويته العربية، والاسلامية، تماما مثلما فعل ابناؤه في قطاع غزة وجنين والخليل ونابلس وبيت لحم وكل مدن وقرى فلسطين التاريخية المحتلة دون استثناء.
انتفاضة الاقصى الثانية سطرت نقطة النهاية في حياة شارون السياسية والشخصية، وانتفاضة الاقصى الثالثة ستكون نهاية نتنياهو، وربما بداية النهاية للدولة الاسرائيلية، وغرور قادتها وتطرف مستوطنيها.
الشعوب العربية والاسلامية ستهزم امريكا في العراق وسورية وفلسطين المحتلة، مثلما هزمتها في العراق وافغانستان ولبنان، وسيظل الاقصى المبارك شامخا عزيزا، مثلما كان على مر العصور، وصبرا يا هل ياسر.

الخوف من دولة البغدادي الاسلامية هو سبب اعادة اعمار قطاع غزة والعودة للمفاوضات.. ومهرجانات الفرح باعتراف البرلمان البريطاني بدولة فلسطينية ضحك على ذقون الفلسطينيين.. وهذه هي اسبابنا!

عبد الباري عطوان
من يتابع الضجة الاعلامية الكبرى التي تسود المنطقة العربية هذه الايام والمتحورة حول اعتراف السويد بالدولة الفلسطينية، وتصويت البرلمان البريطاني المتوقع غدا (الاثنين) للامر نفسه يعتقد ان هذه الدولة قائمة فعلا، ولا ينقصها غير هذه الاعترافات فقط.
المسألة وبكل بساطة لا تتعدى كونها “حقنة” تخديرية اخرى للشعب الفلسطيني والعالم الاسلامي بأسره، تذكرنا بتجارب ووعود مماثلة كثيرة جدا صفقنا لها بحرارة، وبنينا عليها آمالا عريضة، وانتهينا بخيبة امل وخديعة الواحدة تلو الاخرى في اطار مسلسل طويل من الاهانات والاكاذيب، ويبدو اننا سنظل نلدغ من نفس الثعبان ومن نفس الجحر طوال الوقت، وممنوع علينا ان نصرخ الما والا فنحن ارهابيون.
عندما اراد جورج بوش الاب “تخدير” العرب قال انه سيحل القضية الفلسطينية بعد اخراج القوات العراقية من الكويت، وخرجت القوات فعلا، وجرى تدمير معظمها ذبحا بصواريخ الطائرات الامريكية وهي منسحبة ذليلة من الكويت في شباط (فبراير) عام 1991، على طريق المطلاع المؤدي الى البصرة، وفشل مؤتمر مدريد للسلام الذي عقده الرئيس بوش في زفة دولية وعربية، والشي الوحيد الذي اسفر عنه هو صدق نبوءة اسحق شامير رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي رأس وفد بلاده بأنه سيظل يتفاوض لاكثر من عشرين عاما دون ان يتنازل عن مليمترا واحدا من الاراضي المحتلة، ودون ان يتوقف لحظة عن مواصلة الاستيطان.
حاول خلفه بيل كلينتون الشيء نفسه، وعقد مؤتمر آخر للسلام في كامب ديفيد عام الفين ليتبين لنا ان الهدف منه “تسويق” دولة فلسطينية “مسخ” بدون سيادة وبدون القدس عاصمة لها، وعندما جاء جورج بوش الابن، واراد غزو العراق واحتلاله تعهد باقامة دولة فلسطينية مستقلة قبل نهاية ولايته الاولى عام 2005، وبعد الانتهاء من حكم صدام حسين، وانتهت الولاية الاولى والثانية وجرى اعدام صدام حسين ورفاقه، وتدمير العراق وتفتيته طائفيا، وتقسيمه جغرافيا، وتحويله الى دولة فاشلة والدولة الفلسطينية ما زالت في رحم الغيب، بل لم تبق اراض لكي تقام عليها.
***
الآن حلت “الدولة الاسلامية” وخطرها على الغرب وحلفائه في المنطقة مكان صدام حسين، وخطره، ولان هذه الدولة باتت تستقطب الشباب العربي المحبط، وتحقق الانتصار تلو الانتصار وتستولي على المزيد من الاراضي (آخرها عين العرب) في سورية والعراق رغم الضربات الجوية المكثفة، عادت امريكا وحلفاؤها الغربيون الى اسطوانة الدولة الفلسطينية المستقلة، المشروخة مرة اخرى، وللأسف تجد من يصدقها من ابناء جلدتنا، والرئيس الفلسطيني محمود عباس والمجموعة المحيطة به على وجه الخصوص، ويعتبرون مجرد هذا الاعتراف “الرمزي” الذي لا يفرض اي التزام على الارض انتصارا كبيرا يستحق التصفيق والرقض في ميدان المنارة في رام الله طربا له، تماما مثلما رقص بعض المخدوعين بسياساته عندما عاد من الامم المتحدة قبل عام مزهوا بحصوله على دولة مراقب، ووعدنا بأنه سيستخدم هذا الانجاز لمطاردة مجرمي الحرب الاسرائيليين وهو ما لم يفعله ولن يفعله، “ولو بدها تشتي لغيمت”.
الغرب يعرف جيدا نفسية العرب والمسلمين، مثلما يعرف ان “الاشياء الصغيرة تبث السعادة في العقول الصغيرة”، مثلما يقول المثل الانكليزي الشهير، ولهذا بدأت الاعترافات تتوالى وتتسع، وبدأت معها مهرجانات الفرح في اكثر من عاصمة عربية، وتناسلت معها المقالات والتصريحات حول اهمية هذا الاختراق السياسي العظيم.
الامر وبكل بساطة هو انه مثلما نجحت حركة المقاومة الاسلامية “حماس″ في مليء “الفراغ الجهادي” الذي خلقته حركة “فتح” بتخليها عن المقاومة بوقوعها في مصيدة “السلام المغشوش”، فان هناك مؤشرات على بروز ظاهرة الاسلام المتشدد في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة الذي يهدد بمليء الفراغ الذي سيترتب على “اعتدال” حركة حماس المتوقع، وميلها نحو “الحل التفاوضي” وتسليمها السلطة بالكامل في قطاع غزة لتيار اوسلو بعد ان انهكها وحكمها الحصار الاسرائيلي العربي الخانق، ووجود توقعات امريكية باستمرار الحرب ضد “الدولة الاسلامية” و”ارهابها” لاكثر من ثلاثين عاما.

لنفترض جدلا ان خطة اعمار غزة التي تبحث في مؤتمر القاهرة ليس لها علاقة بالخوف من “الدولة الاسلامية” وتمددها مثلما يجادل البعض، فان السؤال الذي يطرح نفسه حول الثمن الذي تريده امريكا من الفلسطينيين وحركة حماس على وجه التحديد مقابل هذه الاموال التي ستدفعها لاعادة الاعمار والدول الغربية الاخرى، هل هو رأس المقاومة، هل هو نزع سلاحها، ام ماذا تريد؟ لان لا شيء تدفعه امريكا بدون مقابل، ثم لماذا لم تمثل الفصائل الفلسطينية المقاومة في هذا المؤتمر مثل “حماس و”الجهاد”، والجبهة الشعبية والديمقراطية وغيرها، وهي الفصائل التي صمدت وانتصرت على العدوان الاسرائيلي الاخير.

المعلومات الواردة من قطاع غزة والضفة تفيد ان تنظيمي “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” يحظيان بتأييد كبير في اوساط الشباب الاسلامي الفلسطيني المحبط من “فتح” و”حماس″ معا، وان خلايا تابعة للتنظيمين بدأت تتبلور وتنمو خاصة في “الخليل” ومحيطها في الضفة الغربية ومدينة رفح في القطاع، وهذا ما يفسر حالة الهلع الغربية الحالية التي تتمثل في الضغط على حكومة نتنياهو لتخفيف الحصار والسماح لعدد اكبر من العمال من الضفة وقطاع غزة من العمل داخل ما يسمى بالخط الاخضر، وتنظيم مؤتمر دولي يشارك فيه وزراء خارجية 30 دولة لاعادة اعمار قطاع غزة بدأ اعماله اليوم في القاهرة برئاسة جون كيري وزير خارجية امريكا ورعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
الدول الغربية وعلى رأسها امريكا ادركت ان الحصار على القطاع بدأ يعطي نتائج عكسية تماما، ولهذا جرى التحرك بسرعة لامتصاص حالة الغضب المتفاقمة الناجمة عنه، وعن العدوان الاسرائيلي الاخير الذي ادى الى استشهاد اكثر من الفي انسان ربعهم من الاطفال، وتشريد اكثر من مئتي الف آخرين من جراء تدمير منازلهم، من خلال ضخ بضعة مليارات من الدولارات كرشوة لاعادة احياء عملية السلام واعادة السلطة الى مائدة المفاوضات بشروط اسرائيلية بعد ان ملّ المفاوضون الفلسطينيون من “البطالة” وباتوا يحنون للقاء نظرائهم الاسرائيليين.
الرعب من الاسلام السياسي المتشدد هو الذي يقف وراء كل هذه التحركات الدبلوماسية الغربية، وليس براعة الرئيس محمود عباس، او الجهود العربية الرسمية، فالعرب نسوا فلسطين، وصمتوا على تقسيم الاقصى، مثلما صمتوا على تقسيم الحرم الابراهيمي، وتغول الاستيطان، بل وتواطأوا علنا مع العدوان الاسرائيلي الاخير على قطاع غزة، ومن يقول غير ذلك يخدع نفسه ويعيش في عالم آخر غير عالمنا.
المنطقة العربية تقف الآن على فوهة بركان، واسرائيل باتت محاصرة بالفوضى والتطرف والدول الفاشلة او شبه الفاشلة، واحتمالات تسخين او حتى اشتعال جبهة جنوب لبنان، وجنوب غرب سورية واردة بل ربما حتمية، والغرب لا يهمه غير اسرائيل وامنها الذي يحظى بالاولوية بالنسبة اليه.
للذين يهللون للاعتراف البريطاني بالدولة الفلسطينية الوهمية نقول ان هذا الاعتراف بلا اي قيمة حقيقية، وان ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا الذي ادار وجهه عن ذبح الاطفال الفلسطينيين في قطاع غزة، واعتبر هذا الذبح حق اسرائيلي شرعي في الدفاع عن النفس، لا يمكن ان يؤيد قيام الدولة الفلسطينية عمليا، فالغرب لا يتحرك الا عندما تتهدد مصالحه، مثلما يحدث في العراق وسورية حاليا، وهو ليس جمعية خيرية، ولا يعير اي اهتمام للضعفاء الاذلاء.

عندما يحرك هؤلاء طائراتهم للتصدي للعدوان الاسرائيلي، مثلما فعلوا لحماية الاكراد في اربيل وعين العرب، وبادروا بقصف الدبابات الاسرائيلية التي تزحف نحو قطاع غزة، وتقتل الابرياء العزل، وتمنع الطيران الاسرائيلي من سحق الاطفال على شاطيء مدينة غزة، في هذه الحالة فقط، نقول ان هناك تغييرا حقيقيا بات يتبلور في السياسات الغربية نحو القضية الفلسطينية واهلها، اما غير ذلك فضحك على الذقون.

***
نذّكر الذين يهللون لاعتراف البرلمان البريطاني بدولة فلسطينية بأن بريطانية هي المسؤول الاول عن كارثة فلسطين، وان وعد بلفور الذي صدر قبل مئة عام، واكرر قبل مئة عام، اعطى الفلسطينيين الحق في اقامة وطنهم ودولتهم على قدم المساواة مع اليهود، وان قرارات التقسيم الصادرة عن الامم المتحدة كرست هذا الحق ايضا رغم اجحافه، فماذا حدث بعد ذلك؟ الاستمرار في دعم العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني وبطرق اكثر شراسة، والهاء الفلسطينيين والعرب بخطوات صغيرة مثل دولة عضو مراقب، او حل الدولتين، مقابل القاء السلاح والتجاوب مع كل الشروط الاسرائيلية.
شكرا للسويد وللبرلمان البريطاني، نحن مللنا من “الحقن التخديرية” والحركات البهلوانية ولا نريد اعترافكم هذا الذي لا يقدم ولا يؤخر، وانما يكشف ان هناك من يعتقد اننا ما زلنا اغبياء وسذج، يمكن خداعنا والضحك علينا بسهولة، فاذا كان البعض منا اغبياء ويتمتعون بذلك، ويفتقدون الى الحد الادنى من الكرامة والوطنية ويرضون بالصغائر فان الغالبية الساحقة من الامة وشبابها ليسوا كذلك، والايام بيننا.

القلق السوري الايراني يتفاقم بعد موافقة امريكا المبدئية على مطالب اردوغان اقامة مناطق عازلة وحظر جوي.. فهل اقتربت الحرب الاقليمية؟ وهل ستكون اسرائيل احد اطرافها؟

يبدو ان الولايات المتحدة الامريكية وحلفاءها الغربيين (فرنسا وبريطانيا) رضخوا لشروط الرئيس التركي رجب طيب اردوغان باقامة منطقة عازلة على طول الحدود التركية السورية داخل اراضي الاخيرة في محاولة من جانبهم اقناعه بالدخول في الحرب ضد “الدولة الاسلامية”.
وزارة الدفاع الامريكية اعترفت اليوم ان الضربات الجوية الامريكية في سورية لن تكفي لانقاذ كوباني، وهذا يعني ضرورة تدخل قوات برية لمواجهة “الدولة الاسلامية” ووقف تقدمها، او بالاحرى اخراجها من المناطق التي سيطرت عليها داخل المدينة ورفعت علمها الاسود عليها، وليس هناك غير الجيش التركي، سابع اكبر جيش في العالم للقيام بهذه المهمة.
***
الرئيس اردوغان الذي يواجه حاليا خيارات صعبة فيما يتعلق بتطورات الاوضاع في سورية والعراق، عرض ثلاثة مطالب اساسية على امريكا كشرط لدخول الحرب ضد “الدولة الاسلامية”:
*الاول: اقامة منطقة عازلة داخل الحدود السورية المحاذية للحدود التركية، وهي مناطق كردية مما يعني حرمان الاكراد السوريين كليا من حلم الاستقلال او الحكم الذاتي، ومنع حزب العمال الكردستاني من استغلال هذا الشريط كنقطة انطلاق لشن عمليات في العمق التركي.
*ثانيا: اقامة منطقة حظر جوي في شمال سورية وغربها على غرار مناطق مماثلة في العراق وليبيا، الامر الذي يشل فاعلية الطيران السوري، ويؤسس لجيب سوري مستقل تديره المعارضة.
*ثالثا: تدريب مكثف للمعارضة السورية “المعتدلة” وتسليحها بأسلحة فتاكة.
الرئيس اردوغان يريد اطاحة النظام السوري اولا، او الاشتراك في حرب ضده وضد “الدولة الاسلامية” معا، وبذلك يشفي غليله، ويثبت مصداقيته، ويلبي التعهدات التي قطعها على نفسه علانية في هذا الصدد.
الادارة الامريكية التي تتعرض لانتقادات كثيرة بسبب ضرباتها الجوية غير الفاعلة، لا تريد ان تخسر الانتخابات النصفية في الشهر المقبل، ولذلك اعلن جون كيري وزير الخارجية الامريكي ونظيره البريطاني فيليب هاموند ان بلديهما على “استعداد” لبحث فكرة اقامة منطقة عازلة على الحدود بين تركيا وسورية.
قبول امريكا وحلفائها بشروط اردوغان يعني اعلان حرب على سورية في نظر النظام في دمشق وحلفائه الايرانيين، وربما الروس ايضا، لان هذا النظام الذي صمت على الغارات الجوية الامريكية داخل حدوده التي تشكل انتهاكا لسيادته، قد يجد من الصعب عليه الوقوف مكتوف الايدي ازاء اقامة مناطق عازلة وحظر جوي داخل حدوده، وهذا ما يفسر تأكيد السيدة مرضية افخم المتحدثة باسم الخارجية الايرانية استعداد ايران لتقديم الدعم اللازم بشأن عين العرب (كوباني)، اذا ما تقدمت السلطات السورية بطلب في هذا الخصوص، لان “كوباني” جزء من السيادة الوطنية والاراضي السورية.
القلق السوري الايراني المشترك انعكس في خطوتين مهمتين اتخذها البلدان في الاسابيع الثلاثة الماضية:
*الاولى: الزيارة التي قام بها الى دمشق الجنرال قاسم سليماني الرجل القوي في ايران وقائد فيلق القدس ولقائه بالرئيس بشار الاسد، وتزامن هذا اللقاء مع انباء عن نقل ايران صواريخ وقنابل هاون للميليشيات التي تدعمها وتقاتل الى جانب قوات النظام السوري ضد الجماعات المعارضة المسلحة، وطائرات بدون طيار، ونشر 2000 من الحرس الثوري الايراني الى الاراضي السورية.
*الثانية: التفجير الذي استهدف دورية اسرائيلية في مزارع شبعا المحتلة في جنوب لبنان، واعلان حزب الله مسؤوليته عنه، فهذا التفجير الذي جاء امس بعد فترة هدوء على هذه الجبهة طال لسنوات، هو رسالة لاسرائيل وامريكا والدول الغربية مجتمعة، تقول بأن ايران ستنتقم من اي محاولة لاسقاط النظام السوري ليس بمحاربة من يقفون خلفها فقط، وانما بفتح حرب على اسرائيل واطلاق آلاف الصواريخ على مدنها ومستوطناتها، والاكثر من ذلك تحرير مناطق في الجليل الاعلى المحتل.
***
لا شك ان ادارة الرئيس اوباما التي ترددت طويلا، ولاكثر من ثلاث سنوات، في الوقوع في مصيدة التدخل العسكري في سورية تجد نفسها الآن امام خيارات لا تقل صعوبة عن خيارات حليفها التركي الذي يدفع بها بقوة للتخلي عن حذرها وترددها والتجاوب مع اهدافه في اطاحة النظام السوري اولا.
حزب الله يستطيع لو اراد، وبضوء اخضر من ايران، وتضامنا مع حلفائه في دمشق ان يشعل فتيل هذه الحرب ويطلق عشرات الآلاف من الصواريخ على تل ابيب وما بعد تل ابيب، لانه يدرك جيدا، ان سقوط النظام السوري يعني سقوطه، وقطع الشريان الحيوي الايراني الذي يمده بالسلاح والدعم المالي، ومعه كل منظومة دول الممانعة حسب ادبياته.
الحرب على “الدولة الاسلامية” ستتحول تدريجيا الى حرب ضد النظام السوري، وسقوط “عين العرب” يعني انفجار القنبلة الكردية في وجه الرئيس اردوغان وعودة جيشه الى المواجهات الدموية مجددا.
منطقة الشرق الاوسط كلها تقف امام عملية تغيير جذرية وقد لا يسلم من جرائها احد، انظمة ستسقط واخرى ستنشأ، وحدود ستتغير، وما زلنا في بداية الطريق، او بالقرب من المحطة الاولى، ولا احد يعرف اين وكيف ستكون المحطة الاخيرةن والعنصر “المفجر” اسمه “الدولة الاسلامية”، وكلمة السر عين العرب “كوباني”.

شكرا “لكريستينا” رئيسة الارجنتين التي تفوقت انوثتها علىى”رجولة” الكثير من زعماء العرب.. وفضحت النفاق الامريكي حول الارهاب.. وانتصرت لشهداء غزة والعراق وافغانستان

كنت وما زلت، اتمنى لو ان السيدة كريستينا فيرنانديز دي كريشنر، واحفظوا هذا الاسم جيدا، زعيمة للامة العربية كلها دون استثناء، فبينما ينشغل قادة ووزراء خارجية دول عربية بتقبيل ايادي السيدة تسبي ليفني وزيرة “العدل” الاسرائيلية، احد ابرز مجرمي الحرب الثانية والثالثة على قطاع غزة، ويتمسحون بها تبركا، ويتنافسون على اظهار “اعتدالهم” وحرصهم على السلام والتطبيع، تقف هذه المرأة الشجاعة على منصة مجلس الامن الدولي لتتحدث عن تناقضات السياسة الامريكية وتفضح اكاذيبها، وتكشف وجهها العدواني القبيح وانيابها المتعطشة لسفك الدماء، دماء العرب والمسلمين على وجه الخصوص.

السيدة كريستينا هاجمت سياسة الولايات المتحدة العدوانية التي تتغطى بغطاء الحرب على الارهاب، وقالت بالفم الملان ودون تلعثم وبلغة قوية: “كنتم تدعمون المعارضة الذين قلتم لنا انهم ثوار واليوم نجتمع في هذا المجلس لمحاربة هؤلاء الثوار بعد ان تبين انهم ارهابيون، واصدرتم قرارا بمحاربة تنظيم “القاعدة” بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر، واستبحتم بلاد وقتلتم مئات الآلاف من ابنائها تحت هذه الذريعة في العراق وافغانستان وما زالت هاتان الدولتان تعانيان من الارهاب بالدرجة الاولى”.

وذهبت هذه السيدة الى ما هو ابعد من ذلك عندما انتصرت لضحايا الارهاب الاسرائيلي في قطاع غزة، وهو ما لم يفعله اي زعيم عربي، عندما قالت “غضضتم النظر عن فداحة الكارثة التي ارتكبتها اسرائيل وموت العديد من الضحايا الفلسطينيين وركزتم كل اهتمامكم بالصواريخ التي سقطت عليها والتي لم تؤثر او تحدث اي خسائر في اسرائيل”، واضافت “اليوم نجتمع هنا لاصدار قرار دولي حول تجريم “الدولة الاسلامية” ومحاربتها وهذه الدولة مدعومة من دول انتم تعرفونها اكثر من غيركم ، وهي (الدول العربية) حليفة لدول كبرى اعضاء في مجلس الامن”.

***

قطعوا عنها الترجمة حتى لا تصل كلماتها الى العالم بأسره، والقنوات الفضائية التي كانت تبث وقائع الجلسة على الهواء مباشرة، وادعوا ان هذا الانقطاع، الذي لم يحدث مطلقا في تاريخ مجلس الامن، جاء بسبب خلل فني، فالاخ الامريكي الاكبر لم يعجبه قطعا هذا الكلام، فلجأ الى اساليب الارهاب الفني والتقني لحجب الحقائق عن من ينتظرون سماعها.

الزعماء العرب الذين اعتلوا منبر الجمعية العامة للامم المتحدة القوا كلمات باهتة، مملة، تقطر نفاقا لامريكا، وتسهب في ابراز خطورة ارهاب “الدولة الاسلامية” والاسلام المتشدد، ولم يعرج الا القليل جدا منهم، وعلى استحياء شديد، للارهاب الاسرائيلي.

امريكا لا تستطيع “توبيخ” رئيسة الارجنتين لانها وقفت في خندق الشهداء والجرحى واليتامى في قطاع غزة، لانها رئيسة منتخبة، وتتزعم دولة تحرص على سيادتها، وتحترم شعبها، وقبل كل هذا وذاك تنحاز لقيم العدالة وحقوق الانسان والكرامة في العالم بأسره ولا تخاف امريكا، فالخوف لا مكان له في ثقافتها وتراثها.

نعم انهم يحشدون الطائرات من اكثر من اربعين دولة، لمواجهة “الارهاب الاسلامي” وليس الارهاب الاسرائيلي، ويفتخر طيارون يقولون انهم عرب، وينتمي بعضهم الى اسر حاكمة، بأنهم يدمرون آبارا نفطية عربية، بينما يجتمع قادتهم، او وزراء خارجيتهم، بالسيدة ليفني على مائدة العشاء لتوثيق العلاقات وتكريس التطبيع، والاشادة بالسياسات الاسرائيلية الحضارية في تدمير قطاع غزة.

***

نكتب بغضب لاننا نشعر بالقهر والخذلان ومرارات الهزيمة، ونحن نرى افعال حكامنا، وكيف تنهب ثرواتنا امام اعيننا، وكيف تزهق ارواح المزيد من ابنائنا بقذائف طائراتنا المقاتلة التي لم نر اي منها في الحروب مع اسرائيل وربما لن نراها جنبا الى جنب مع نظيراتها البريطانية والامريكية.

بسبب هذا الهوان والتفريط وانعدام الوطنية يتدفق الآلاف من الشباب العرب الى سورية والعراق للانضمام الى صفوف جماعات الاسلام السياسي المتشدد، وقطعا سيزداد هذا التدفق مع كل طلعة جوية للطائرات العربية او الامريكية في البلدين.

اقول شكرا للسيدة كريستينا.. شكرا على شجاعتها.. وشكرا على انوثتها التي تفوقت على رجولة من يدعون انهم رجال، شكرا انها نطقت بالحق دون ان تخشى امريكا، وطائراتها وصواريخها واساطيلها، وهنيئا للزعماء العرب تمسحهم بالسيدة ليفني، واستجدائهم لرضاها، واذا كانت الشعوب لن تحاسبهم، وهذه قمة المأساة، فان التاريخ لن يرحمهم.

هذه الشعوب التي انجبت كاسترو وتشافيز وموراليس وجيفارا ليس غريبا عليها ان تنجب هذه “النمرة” كريستينا ولا عزاء للجبناء.