تركيا

شهران من القصف الجوي والهجوم البري لم يخرجا “الدولة الاسلامية” من “كوباني” الصغيرة.. فكيف سيكون السيناريو في الموصل والرقة؟ وهل سيشهد يوم الاحد انقلابا في الاستراتيجية الامريكية؟

عبد الباري عطوان

لا بد من التحلي بأصول المنطق، والابتعاد عن المكابرة والاعتراف دون تردد، بأن القصف الجوي الامريكي الذي دخل قبل ايام معدودة شهره الثالث، لمواقع “الدولة الاسلامية” وتجمعاتها في العراق وسورية، لم يحقق اي من اهدافه في اضعافها حتى الآن على الاقل، بل بات يعطي نتائج عكسية تماما، ابرزها تخفيف الضغوط على قوات النظام السوري في جبهات القتال، والصاق تهمة، “العمالة” وافتقاد المصداقية، بالمعارضة السورية المسلحة والمعتدلة، مثلما صرح لمراسل صحيفة “الفايننشال تايمز″ البريطاينة السيد احمد ابو عماد المتحدث باسم حركة “حزم” التي تلقت دعما عسكريا وماليا من الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج العربي، في تقرير مطول نشرته (اليوم) الخميس.
فعندما تستطيع هذه “الدولة” ارسال خلية انتحارية الى قلب مدينة اربيل عاصمة اقليم كردستان العراق التي نعمت بالامان على مدى عشر سنوات، وتفجر سيارة مفخخة يقودها انتحاري امام محافظتها، تقتل اربعة وتصيب العشرات، وعندما تستطيع قواتها، ودون اي غطاء جوي، الصمود لشهرين في مدينة “عين العرب ـ كوباني” السورية، فهذا يعني انها لم تضعف او تتراجع، وانما تتقدم فعلا.
***
فاذا كان “الحسم” الامريكي المدعوم بطائرات من احدث ما يوجد في الترسانة الامريكية من طرازات، ومقاتلين من البشمرغة والجيش الحر ووحدات الدفاع الكردية ما زال صعبا بعد شهرين من القتال والقصف باعتراف معظم الخبراء الاستراتيجيين فكم سيستغرق الامر لاستعادة مدن مثل الرقة او الموصل او دير الزور؟
نحن لا نمجد بـ”الدولة” وقدراتها، وندرك جيدا انها ما زالت حديثة العهد، ولا يمكن ان تقارن قوتها العسكرية بقدرات امريكا العظمى والتحالف الخمسيني الذي شكلته (امريكا) لمواجهتها ويضم خمس دول عربية، ولكننا نحاول ان نرسم صورة للواقع كما هو دون بهرجة، في ظل كم هائل من المعلومات المغلوطة والمضللة.
لا ننكر مطلقا ان القوات العراقية حققت تقدما على بعض الجبهات حيث نجحت في كسر الحصار الذي كان مفروضا من قوات الدولة على مصفاة بيجي التي تنتج ستين في المئة من احتياجات الشعب العراقي من المحروقات، وهذا تقدم لا يجب انكاره، ولكن ما زالت هناك اخفاقات سياسية وعسكرية، فعملية اعادة تأهيل الجيش العراقي لم تبدأ بعد، والثقة في حكومة السيد حيدر العبادي لم تكتمل رغم مرور اكثر من شهر على تشكيلها، ومسألة بناء قوات “حرس وطني” او “صحوات” من قوات العشائر تواجه بفتور وبالكثير من السخرية”.
الاستراتيجية الامريكية في العراق وسورية، وليس تجاه “الدولة الاسلامية” فقط قد تتغير كليا، ولا نستبعد اقدام الولايات المتحدة على ارسال قوات برية الى العراق.
نقطة الصفر في هذا الاطار المفاوضات الجارية حاليا بين ايران والدول العظمى الست حول البرامج والمفاعلات النووية الايرانية وانتاجها من اليورانيوم المخصب، وهذه المفاوضات التي بدأت جولتها الاخيرة في فيينا وتنتهي يوم الاحد المقبل، تقف حاليا على حافة الانهيار الا اذا جرى الاتفاق على تمديدها وهذا احتمال جدا ضعيف حتى الآن.
الانهيار يعني العودة الى التوتر العسكري، ومرحلة ما قبل الاتفاق الامريكي الايراني الذي جرى التوصل اليه في مباحثات سرية في مسقط، حيث كان الحوار بالغواصات، وحاملات الطائرات، والسفن الحربية، وبيع صفقات تسليح لدول الخليج بأكثر من 130 مليار دولار استعدادا للحرب التي جرى تصويرها بأنها حتمية في حينها.
اما التوصل الى اتفاق، فقد يعني تحول ايران الى القوة الاقليمية العظمى والحاكم الفعلي في المنطقة التي يعتمد عليها الغرب في ادارته لشؤونها (اي المنطقة) وحفظ الامن فيها.
الانفراج في الازمة الداخلية الخليجية الذي انعكس في اتفاق الرياض “التكميلي” لا يمكن النظر اليه بمعزل عن تطورات المفاوضات هذه، فهو مؤشر قوي على ما يمكن ان يحدث في المرحلة المقبلة حيث ستكون ودول الخليج حتما لاعبا رئيسيا في حالة التوتر او حتى الحرب، وضحية كبرى في حال التوصل الى اتفاق.
***
فمن يتابع الهجمة الدبلوماسية الامريكية الحالية على تركيا يمكن ان يكمل عناصر الصورة التي تحدثنا عنها آنفا، ففي الوقت الذي يغادر فيه جون الن المبعوث العسكري للرئيس باراك اوباما انقرة، يحط الرحال فيها نائب الرئيس الامريكي جوزيف بايدن في زيارة تستمر ثلاثة ايام تدور كلها حول كيفية مواجهة “الدولة الاسلامية” فهل ستكون الشروط التركية التي طالب الرئيس اردوغان بتلبيتها قبل اي انخراط في هذه المواجهة في هذه المواجهة على قمة جدول الاعمال؟ وهل جرى تأخير التجارب معها متعمدا انتظارا للمرحلة المقبلة وتطوراتها؟
في تقديرنا ان المشاركة التركية من عدمها ستتضح في الايام القليلة المقبلة، وعلينا ان لا ننسى مطلقا ان انقرة عضو مؤسس في حلف “الناتو”.
ثلاثة ايام حاسمة في تاريخ المنطقة سلما او حربا، فعندما يقول جون كيري وزير الخارجية الامريكي انه لا تمديد للمفاوضات النووية ولا بد من اتفاق يوم الاحد، فان علينا ان نضع ايدينا على قلوبنا تحسبا للأسوأ على المدى القصير وربما الافضل على المدى الابعد، ولا شيء يمكن استبعاده في منطقتنا التي تعتبر الوحيدة في العالم التي يصعب، بل يستحيل التنبوء بمفاجآتها!

الازمة السورية امام “تحول” جذري.. ومعاذ الخطيب قد يكون رجل المرحلة المقبلة.. وتحالف مصري روسي يبلور حل سياسي “مختلف”.. واحتمال تزايد عملية تهميش المثلث السعودي التركي القطري

اعتقدنا ان مجموعة العمل المنبثقة عن دول اصدقاء سورية التي تضم 11 دولة من بينها خمس دول عربية هي مصر والسعودية والامارات وقطر والاردن قد “انقرضت” وطواها النسيان، بعد ان تغيرت الاولويات، واصبحت “الدولة الاسلامية” وجبهات اسلامية متشددة مقاتلة مثل “النصرة” و”احرار الشام” هي محور الاهتمام الرئيسي والاولوية التي دفعت بالنظام في دمشق الى المقاعد الخلفية، ولكن كم مخطئين في اعتقادنا هذا، فقد استضافت لندن اجتماعا لهذه المجموعة قبل يومين على “مستوى السفراء” لم يسمع به احد، ونعتقد ان الاجتماع المقبل، اذا قدر له الانعقاد سيكون على مستوى القناصل او ربما “بوابي” سفارات الدول المعنية.
الائتلاف الوطني السوري الذي بات يلفظ انفاسه، بعد تراجع الاعتراف به، ليس فقط من الولايات المتحدة وبعض الدول العربية الراعية له، وانما من قطاعات عريضة من الشعب السوري ايضا، بعد ان فشلت كل استغاثات قيادته للحصول على اسلحة تمكنه من الحفاظ على مناطق يسيطر عليها، واستعادة ما تبقى من “هيبته” ومكانته بالتالي.
***
خريطة المعارضة السورية المسلحة تتغير بسرعة لصالح التنظيمات الاسلامية المتشددة التي باتت هدفا للغارات الجوية الامريكية، فقد تضخمت صفوفها بالمقاتلين الجدد الى جانب بعض المنشقين عن الجيش الحر وفصائل اخرى “معتدلة” متحالفة معه، وقوى اخرى جديدة ادركت ان الحل السياسي هو المخرج الوحيد من الازمة الحالية، وابدت استعدادا للحوار مع النظام للوصول اليه، والقتال الى جانبه ضد “الدولة الاسلامية” على وجه الخصوص.
من تابع المقال الذي كتبه السيد احمد معاذ الخطيب على موقعه على “الفيسبوك” بعد عودته من موسكو التي زارها على رأس وفد ضم شخصيات سياسية وعسكرية وحمل عنوان (هل ستشرق الشمس من موسكو)، يدرك ان جسما جديدا بدأ يتكون لمعارضة سورية جديدة، ومختلفة تستعد لاخذ مكان الجيش الحر.
السيد الخطيب قال انه مستعد للجلوس مع النظام لايجاد حل للازمة السورية بعد اربع سنوات من المراوحة في المكان نفسه، واكد ان التحضيرات جارية لعقد مؤتمر للحوار بين النظام والمعارضة تحت اسم “جنيف 3″، واكد ان التفاوض السياسي هو الانجح والاقل خسائر”، وقال “اعترف بخطئي لانني اعتقدت ان هناك دولة يمكن ان تنقذ بلدنا”.
اللافت هنا ان التيار الجديد الذي يجعل من موسكو قبلة له، سيكون نقيضا او بديلا للائتلاف الحر والدول العربية الداعمة له مثل المملكة العربية السعودية وقطر والامارات الى جانب تركيا، مما يعني تراجع دور هذه الدول بشكل كبير في الملف السوري في الاشهر او السنوات المقبلة.
ظهور “الدولة الاسلامية” بالقوة التي نراها، ومثلما اعترف ستيفان دي مستورا المبعوث الاممي الجديد لسورية، بدأ يغير معظم المعادلات السياسية والعسكرية على الارض، ويفرض قوى جديدة، ومفاهيم جديدة، بل واسلوب عمل جديد يتمحور حول بقاء النظام السوري في اطار حل سياسي متطور بالقياس الى نظيره الذي كان مطروحا في مؤتمر جنيف.
فالمبعوث الدولي الجديد بدأ مهمته بطرح مبادرة لـ”تجميد” القتال في مدينة حلب لمنع سقوطها في يد “الدولة الاسلامية”، وهذا اعتراف ضمني بتعاون دولي مع القيادة السورية، ولا نعتقد ان المستر دي مستورا يمكن ان يطرح هذه الفكرة دون التنسيق، وبالتالي موافقة، كل من واشنطن وموسكو، وهذا ما يفسر موافقة القيادة السورية على دراسته بشكل ايجابي.
دخول مصر على خط الملف السوري كشريك لموسكو في الدعوة لمؤتمر سياسي على غرار مؤتمر جنيف يضم المعارضة او اطراف فيها والنظام يعني سحب البساط من تحت اقدام المثلث السعودي القطري التركي الذي كان يهيمن على هذه الملف.
الانباء المتسربة عن الاتصالات المصرية الروسية في هذا الخصوص التي يجريها وزيرا خارجية البلدين مع اطراف سورية عديدة تفيد بأن التيار السوري المعارض الجديد قد يكون برئاسة السيد معاذ الخطيب ومشاركة كل من تيار قدري جميل والسيد صالح مسلم زعيم حزب الاتحاد الكردي السوري، وشخصيات انشقت على الائتلاف سياسية وعسكرية.
***
ملامح التسوية المطروحة ما زالت غامضة، ولكن الخطوط العريضة التي يدور حولها الحديث يمكن اختصارها في اقامة حكومة انتقالية بصلاحيات جدية لمحاربة “الدولة الاسلامية” على الارض مع بقاء الرئيس بشار الاسد في السلطة مع استمرار سيطرته على اجهزة الامن والجيش الى ان يتم بعد ذلك اختيار او انتخاب لجنة لتعديل الدستور الحالي، ثم اجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ويكون للرئيس السوري الحق في خوض الاخيرة.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن فرص نجاح هذه الصيغة الجديدة، ومدى قبول الاطراف السورية والاقليمية الاخرى لها؟
لا نعتقد ان موسكو ومصر يمكن ان تتقدما بهذا الطرح دون مباركة امريكية خاصة اذا تم التوصل الى اتفاق امريكي ايراني حول الملف النووي لايران قبل المهلة الاخيرة المحددة بيوم 24 تشرين الثاني (نوفمير) الحالي، وهو الاتفاق الذي سيؤدي الى رفع الحظر والعقوبات عن ايران وفتح صفحة جديدة في العلاقات الامريكية الايرانية.
نظريا تبدو الامور على الورق براقة، وفرص النجاح للتصورات الجديدة معقولة، ولكن، ونصر على كلمة لكن، هناك اطراف اخرى يمكن ان تفسد الطبخة نكاية وانتقاما من عمليات تهميشها، ولا ننسى ان تحالفا جديدا ينشأ ويتبلور حاليا لاخطر ثلاث تنظيمات اسلامية متشددة وهي “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” وحركة “احرار الشام” لا يمكن تجاهله في هذا الاطار.

اوباما “يغازل” السيد خامنئي ويستغيث بمساعدته ضد “الدولة الاسلامية” في رسالة سرية.. فهل يئس من حلفائه العرب؟ وبدأ يعترف ضمنيا بفشل استراتيجيته؟

عبد الباري عطوان
عندما يبعث الرئيس الامريكي باراك اوباما برسالة سرية الى السيد علي خامنئي المرشد الاعلى للثورة الايرانية يؤكد فيها على المصالح المشتركة في محاربة “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية، ويعرض التعاون المشترك في هذا الصدد فإن هذا يعني ثلاثة امور اساسية:
ـ الاول: اعتراف الرئيس الامريكي بشكل غير مباشر بفشل الاستراتيجية الحالية في القضاء على “الدولة الاسلامية” التي تقصف طائراته تجمعاتها على جانبي الحدود السورية العراقية.
ـ الثاني: عدم تعويل الرئيس الامريكي على حلفائه العرب في مواجهة هذا الخطر الكبير الذي تقول الادارة الامريكية انه يهدد مصالحها وحلفاءها في المنطقة.
ـ الثالث: توصل واشنطن الى قناعة راسخة بأن المفاوضات التي ستبدأ في سلطنة عمان يوم الاحد المقبل حول البرنامج النووي الايراني بين جون كيري وزير الخارجية الامريكي ونظيره الايراني محمد جواد ظريف مهددة بالانهيار بسبب تمسك ايران بموقفها في مواصلة عملية تخصيب اليورانيوم، ولذلك يحاول الرئيس الامريكي القاء “جزرة التعاون” ضد “الدولة الاسلامية” على امل تسهيل هذه المفاوضات، واخراجها من حال الجمود التي تعيشها حاليا.

***

هذه هي الرسالة السرية الرابعة التي يبعثها الرئيس اوباما الى مرشد الثورة الايرانية ولم يتلق اي رد منه، ولكنه (اي الرئيس اوباما) لم ييأس، حتى انه استعان بقنوات اخرى لايصال رسائل للقيادة الايرانية مثل قناة حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الجديد، والسيد علي السيستاني المرجع الشيعي العراقي.
ومن المفارقة ان الرئيس الامريكي لم يتشاور مع حلفائه في المنطقة مثل المملكة العربية السعودية واسرائيل حول هذه الخطوة، تماما مثلما اقدمت ادارته على محادثات سرية مع السلطات الايرانية في مسقط عام 2012، واستمرت اكثر من ستة اشهر وتمخضت عن اتفاق اولي حول البرنامج النووي الايراني كان من ابرز بنوده الرفع الجزئي للعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.
الرئيس اوباما حرص في كل رسائله الى المسؤولين الايرانيين، سواء عبر السيد السيستاني، او رئيس الوزراء حيدر العبادي على التأكيد بأن العمليات العسكرية الامريكية لا تهدف الى اضعاف ايران وحلفائها (سورية) وانما “الدولة الاسلامية”، وهذا ما يفسر حالة الارتياح الحالية التي تعيشها السلطات السورية، والقلق الكبير في اوساط المعارضة السورية في المقابل.
المسؤولون في المعارضة السورية المسلحة الذين باتوا يشعرون ان امريكا خذلتهم، وتاجرت بهم، يقولون، مثلما نقلت عن احد قادتهم صحيفة “الغارديان” البريطانية ان امريكا تريدنا ان نخوض حربها (ضد الدولة) وليس حربنا ضد النظام السوري”.
لا نعرف ما اذا كانت القيادة الايرانية ستتجاوب ام لا مع هذا “الغزل” الامريكي، فالخطاب العلني الايراني ما زال يعتبر امريكا “الشيطان الاكبر”، واتهم السيد خامنئي الادارة الامريكية اكثر من مرة بالعمل على اغراق العالم الاسلامي في حروب اهلية طائفية، وبث الفتن في صفوف الامة الواحدة لتجزأتها وتفتيتها.
الرئيس الامريكي يتذلل للايرانيين لانه يدرك جيدا انهم قوة اقليمية عظمى، تملك ترسانة عسكرية متقدمة جدا من صواريخ، وغواصات، وطائرات بدون طيار وزوارق حربية متقدمة لا ترصدها الرادارات ولهذا يتعامل معهم بحذر شديد ويحاول كسبهم الى جانب بلاده على عكس الحال مع القادة العرب، الذين يعاملهم بإحتقار شديد، ويعتبرهم ادوات او مشاريع صفقات اسلحة لانقاذ الصناعة العسكرية الامريكية من الكساد.
لا نستبعد اقدام ايران على استغلال حالة الضعف الامريكية الحالية لمصلحتها وحلفائها، والانضمام الى التحالف الامريكي لمحاربة “الدولة الاسلامية” وقواتها لانها تشكل تهديدا مباشرا لها، ولكن دون ان تتنازل عن شروطها النووية مثلما حدث في المفاوضات السرية الاولى في مسقط، فقد اعربت عن استعدادها للمشاركة في الحرب، وارسلت اسلحة ومعدات عسكرية الى كردستان العراق.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الاطار هو عما اذا كان اي تنسيق امريكي ايراني يمكن ان يغير معادلة الحرب على ارض المواجهات ضد “الدولة الاسلامية”؟
***
السؤال افتراضي، ومن الصعب اعطاء اجابة حاسمة عليه، وايران ما زالت تبقي اوراق اللعبة قريبة الى صدرها حتى لا يراها احد من خصومها، ولكن ما يمكن التكهن به، ان انزلاق ايران الى حرب استنزاف “غير تقليدية” وتحت مظلة عسكرية امريكية ربما يكون “مغامرة خطرة”، فهي تخوض حربا بالنيابة على ارض العراق وسورية، وبدرجة اقل في لبنان ولولا دعمها المادي والعسكري القوي للسلطات السورية (من خلال ميليشيات عراقية الى جانب حزب الله)، لما صمد النظام السوري اربع سنوات في ظل هجمة شرسة اقليمية ودولية تحارب لاسقاطه، ولذلك ربما تفضل توريط امريكا وحلفائها العرب في هذه الحرب الا اذا حصلت على ضمانات امريكية بالاعتراف بها كقوة نووية اقليمية تكون صاحبة الكلمة الاولى والاخيرة في ادارة شؤون المنطقة، وهذا غير مستبعد بالنظر الى الطعنات المسمومة التي وجهتها الادارات الامريكية المتعاقبة لاصدقائها العرب.
فاذا كانت معركة “كوباني” استغرقت ما يقرب من شهرين، وتشارك فيها قوات كردية من تركيا والعراق وسورية الى جانب الجيش الحر وطائرات امريكية من كل الانواع والاصناف، فكم ستحتاج امريكا من القوات والحلفاء والاسلحة لحسم الحرب ضد “الدولة الاسلامية” لصالحها، وهي الدولة الاعظم في التاريخ؟
نترك الاجابة لكم ولما ستحمله الاشهر والسنوات المقبلة من متغيرات ونتائج في جبهات القتال.

عندما ينفي جو بايدن انه اعتذر لاردوغان ويتهم البيت الابيض بالتزوير وعندما تحتل “الدولة الاسلامية” اكبر حقل غاز في حمص فهذا يؤكد ان الاستراتيجية الامريكية تسير من فشل الى آخر

لا نحتاج الى قراءة افتتاحية صحيفة الـ”واشنطن بوست” او غيرها من الصحف الامريكية لكي نصل الى نتيجة مفادها فشل الاستراتيجية الامريكية في سورية والمنطقة العربية بأسرها، فيكفي متابعة تطورات المعارك في “عين العرب ـ كوباني” السورية، وحالة القلق والرعب التي تسود اوساط حلفائها لكي نعرف هذه الحقيقة دون عناء التفكير والتحليل.
فاذا كانت الضربات الجوية الامريكية المكثفة تهدف، مثلما تقول التصريحات الرسمية الى تحجيم “الدولة الاسلامية” تمهيدا للقضاء عليها نهائيا، فانه بعد شهرين من القصف، وفي اكثر من موقع في سورية والعراق، ما زالت هذه “الدولة” قوية وتتقدم، بدليل استمرار حصارها للمدينة السورية المذكورة ذات الاغلبية الكردية، ونجاحها في الاستيلاء على اكبر حقول الغاز في منطقة حمص، وسيطرة حليفتها “غير المعلنة” اي “جبهة النصرة” على معظم مدينة ادلب الشمالية.
لا نشك مطلقا في انحياز الولايات المتحدة للمعارضة السورية المسلحة، وتمسكها بإسقاط النظام السوري باعتباره “مصدر الارهاب” في المنطقة حسب تصريحات الناطقين بإسمها، ولكن طريقة تطبيق سياساتها على الارض تعطي نتائج عكسية تماما ودون ان تقصد حتما.

***

نشرح اكثر ونقول ان الادارة الامريكية اضعفت المعارضة السورية المسلحة ومزقت صفوفها بسبب سوء تقديرها وفهمها لهذه المعارضة ومنطلقاتها الايديولوجية، فضربها لمواقع “جبهة النصرة” جنبا الى جنب مع مواقع “الدولة الاسلامية” احدث انشقاقا واسع النطاق داخل صفوف هذه المعارضة، كما دفع بعلاقاتها مع داعميها وخاصة في تركيا الى التوتر.
الكثير من قادة الفصائل الاسلامية السورية المتشددة بات ينظر الى الجيش السوري الحر كجيش “عميل” بسبب قتاله في “كوباني” الى جانب البشمرغة وتحت اجنحة الطائرات الامريكية ضد قوات “الدولة الاسلامية” التي تحاصرها.
سوريون كثر التقيتهم اثناء مشاركتي في مؤتمر الكُتاب العالمي في دبي، وزيارتي الى الشارقة للمشاركة في فعاليات معرض كتابها الدولي، اعربوا لي عن قلق كبير تجاه اوضاع بلادهم، وحالة الخذلان تجاه امريكا والغرب عموما، ويرون انهم وقعوا في مصيدة خديعة كبرى نصبت اليهم وبلادهم بشكل محكم، في المقابل هناك سوريون، وبسبب عدائهم المطلق للنظام، وتحميله مسؤولية الدمار والضحايا يرون عكس ذلك، ولكن عدد هؤلاء يتراجع، وكذلك حدة عدائهم، فالثورة التي بدأت سلمية تغيرت خريطتها كليا، وتحولت الى صراع على السلطة بين اكثر من الف فصيل من ناحية والنظام من الناحية اخرى.
ومن المفارقات التي صادفتها في الاشهر الاخيرة ان نغمة اتهام “الدولة الاسلامية” بأنها احد اذرعة النظام بدأت تعود الى السطح بقوة، وكذلك عدم جدية التصريحات الامريكية بإسقاطه، اي “النظام”، وعندما نسأل وماذا عن قطع رؤوس المئات من جنود النظام بعد الاستيلاء على قاعدة اللواء 93 في منطقة عين عيسى في الريف الشمالي لمحافظة الرقة، وغرسها في قمة قضيان حديدية، والطلب من جنود آخرين بحفر قبورهم الجماعية بأنفسهم قبل اعدامهم، وهناك صور وشهادات تثبت ذلك، يقولون لك ان هذا “تمثيل”!.
انها حالة اليأس والاحباط من حدوث انقلاب في معادلات القوة والضعف، واستمرار النظام طوال السنوات الاربع الماضية، وتماسك الجيش، وتوقف الانشقاقات في صفوفه، وتغير الاولويات الامريكية من اطاحة النظام الى اجتثاث “الدولة الاسلامية”.
***
التخبط الامريكي بات حقيقة، فحكومة حيدر العبادي العراقية التي جاءت بديلا لحكومة السيد نوري المالكي الطائفية لم تنل ثقة معظم ابناء الطائفة السنية العراقية ولم تنجح في انهاء الانقسام وتقديم نفسها كمظلة توحيدية تكرس الهوية العراقية الجامعة، وحلفاء امريكا العرب، مثل السعودية وقطر والامارات ومصر يترددون في المساهمة بأي قوات ارضية لقتال “الدولة الاسلامية”، كما ان حكومة العبادي وبإيعاز ايراني لا ترحب بهم وقواتهم.
ولعل ابرز مؤشرات هذا التخبط خروج جو بايدن نائب الرئيس الامريكي على شاشة “سي ان ان” وتأكيده بأنه لم يقدم اي اعتذار للرئيس التركي رجب طيب اردوغان لاتهامه لتركيا بدعم “الدولة الاسلامية” وغيرها من الجماعات “الارهابية” وقال ما معناه ان البيت الابيض حرّف موقفه واقواله لارضاء الحليف التركي وامتصاص غضبه.
السياسة الامريكية تتخبط لان التدخل العسكري لم يعد فاعلا مثلما كان عليه الحال في مرات سابقة، فالقوى المضادة لهذا التدخل باتت اقوى، والشعوب العربية الاسلامية لم تعد تثق بمثل هذه السياسات وتنظر اليها بعين الريبة والشك، ولهذا تأتي احتمالات فشلها اكبر بكثير من احتمالات نجاحها.

كم نحتاج من الجيوش لمنع استيلاء “الدولة الاسلامية” على بلدة “كوباني” الكردية؟ وما هي النتائج المترتبة على انضمام الجيش السوري الحر للقتال الى جانب المدافعين عنها؟

عبد الباري عطوان

لا نعرف كم عدد الجيوش المطلوبة التي يمكن ان تهزم قوات “الدولة الاسلامية” وتحول دون استيلائها على مدينة “عين العرب ـ كوباني”، وكم عدد الطائرات الحربية الامريكية والعربية اللازمة لوقف تقدمها، وهي التي لا تملك الا بعض المدرعات وبضعة آلاف من المقاتلين المسلحين بأسلحة خفيفة.
فلا نسمع او نقرأ هذه الايام الا عن قوات تتدفق من كل مكان الى المدينة لمواجهة “الدولة الاسلامية”، فالرئيس التركي رجب طيب اردوغان اعلن الخميس ان مئتي جندي من قوات البشمرغة الكردية عبرت الحدود الى “كوباني”، واعلن الجمعة في مؤتمر صحافي عقده في تالين عاصمة استونيا المحطة الثانية في جولته “البلطيقية”، ان 1300 جندي من الجيش السوري الحر سيعبرون الحدود التركية للانضمام الى وحدات حماية الشعب الكردي التي تدافع عن المدينة.
***
الرئيس اردوغان عارض بشدة فتح حدود بلاده امام اي قوات كردية او غير كردية تريد مساعدة القوات الكردية المحلية، ووصف حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني وميليشياته بأنها امتداد لحزب العمال الكردستاني “الارهابي” حليف النظام السوري.
السيد نواف خليل المتحدث باسم حزب الاتحاد الديمقراطي، ابرز الاحزاب الكردية السورية الذي شكك بتصريحات الرئيس اردوغان هذه طرح تساؤلا، يبدو مشروعا للوهلة الاولى، عندما قال “لماذا لا تتوجه قوات الجيش الحر التي تريد الدخول الى كوباني وتقاتل في مدينة حلب التي تكاد تسقط في ايدي النظام”.
ما لا يعرفه السيد نواف خليل ان الاوامر للجيش السوري الحر بالتحرك في هذا الاتجاه او ذاك تأتي من قيادة قوات التحالف الامريكي وبالتنسيق مع السلطات التركية، والرئيس اردوغان اكد على هذه الحقيقة بكل صراحة، عندما قال ان الجيش الحر هو خيارنا الاول للدفاع عن كوباني، ثم بعد ذلك قوات البشمرغة الكردية في الدرجة الثانية.
مشاركة الجيش الحر في القتال ضد “الدولة الاسلامية” ربما تكون خطوة اولى، او “بروفة” لفتح جبهات الرقة ودير الزور واعزاز ليس في مواجهة “الدولة الاسلامية” فقط، وانما الجبهات والفصائل الاخرى التي ادانت التدخل العسكري الامريكي ضد “الدولة الاسلامية”، ووصفت التحالف الامريكي الخمسيني بأنه تحالف “صهيوامريكي”.
نحن نقف الآن امام عملية فرز واضحة داخل المعارضة السورية المسلحة التي انقسمت الى معسكريين رئيسيين:
*الاول: يضم الجماعات الاسلامية المتشددة مثل “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة”، واحرار الشام، ولواء الشام، ومنظمات اخرى وتعارض التدخل العسكري الامريكي.
*الثاني: يتزعمه الجيش السوري الحر (او جناح منه) الى جانب جيش الاسلام، وقوات بركان الفرات وفصيل ثوار الرقة، واحرار جرابلس.
ومن غير المستبعد ان يشهد الجيش السوري انشقاقات جديدة في الاسابيع المقبلة، فالعقيد عبد الجبار الكعيدي احد قادة هذا الجيش اكد في تصريحات لوكالة انباء الاناضول التركية الرسمية انه سيقود مجموعة من الف مقاتل للدفاع عن “عين العرب ـ كوباني” في اطار مبادرة من فصائل كبيرة في الجيش الحر، ودون التنسيق مع المجلس العسكري، الذي من المفترض انه يشكل المظلة العسكرية القيادية للجيش الحر.
معركة “عين العرب ـ كوباني” المحتدمة منذ ما يقرب الشهر، وايا كانت نتائجها، والجهة التي تسيطر عليها، فانها ستكون مقدمة، او بالاحرى خطوة اولى لفتح جبهات اخرى في مناطق تسيطر عليها “الدولة الاسلامية” في الاراضي السورية مثل محافظتي الرقة ودير الزور في الشرق.
***
المؤشرات التي يمكن استخلاصها من سير المعارك في “عين العرب”، وخريطة القوى التي تقاتل دفاعا عنها، تعكس صعوبات كبيرة في طريق مهمة التحالف الامريكي الاساسية، اي اضعاف “الدولة الاسلامية” والقضاء عليها بالسرعة المطلوبة، فاذا كان منع سقوط هذه البلدة الحدودية التي لا يزيد تعداد سكانها عن 35 الف (هرب معظمهم الى داخل تركيا) يحتاج اكثر من شهر من القصف المتواصل وتدفق آلاف من المقاتلين، فكيف سيكون الحال في مدن مثل الموصل والرقة ودير الزور والفلوجة؟ فالنظريات العسكرية الاولية تفيد بأن “مهمة” الذين يقفون في خندق الدفاع اكثر سهولة من المهاجمين الذين يحتاجون الى ثلاثة اضعاف القوات المدافعة، بالاضافة الى غطاء جوي مكثف، وهذا ما لم يتأت لقوات “الدولة الاسلامية”.
لا بد ان القيادة السورية في دمشق تفرك يديها فرحا هذه الايام وهي ترى خصومها الذين كانوا يشكلون جبهة واحدة متماسكة ضدها يقاتلون بعضهم بعضا، والفضل في ذلك للتحالف الامريكي و”الدولة الاسلامية” معا، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، لكن الى متى يستمر هذا الفرح، لا حد يملك الاجابة القاطعة، لان المتغيرات متسارعة جدا في ميادين الصراع في سورية والعراق او هكذا نعتقد.

“رياح الجنة” تحول المساعدات العسكرية الامريكية الى مناطق “الدولة” في “عين العرب”.. ومفاجآت كثيرة في الطريق.. وتراجع تركيا عن فتح حدودها للبشمرغة احداها!

لا يأتينا من سورية هذه الايام غير “المفاجآت”، بعضها مفهوم ومعظمها يستعصي على الفهم من شدة غرابته وتعقيداته، لكن الشيء المؤكد ان الازمة ستستمر وتزداد تفاقما اسبوعا بعد اسبوع، وشهرا بعد شهر، وعاما بعد عام، ولا احد يملك المفتاح السحري للحل.
صحيح ان “الدولة الاسلامية” خطفت الاضواء بتقدمها “على حين غفلة” في الاراضي السورية والعراقية، واجبارها امريكا على تشكيل تحالف من اربعين دولة، والعودة بطائراتها ومستشاريها العسكريين الى العراق مكرهة، ولكن الايام الحالية تشهد عودة قوية لملف الازمة السورية مجددا والحديث عن حل سلمي لها، وصفقات سرية يجري طبخها، او بالاحرى محاولة طبخها في الغرف المغلقة.
***
لنبدأ اولا بالمفاجآت التي وقعت في اليومين الماضيين ولا يمكن ان ندعها تمر دون التوقف عندها لطرافتها احيانا، وللمعاني الكبيرة التي يمكن استخلاصها من ثناياها:
* المفاجأة الاولى: اسقاط الطائرات الامريكية شحنات من الاسلحة النوعية المتقدمة جدا على مناطق خاضعة لسيطرة “الدولة الاسلامية” في مدينة “عين العرب” او كوباني الكردية في شمال سورية بطريق الخطأ، حيث كانت موجهة الى الاكراد، فاستولت عليها “الدولة” “غير شاكرة”، و”غير مقدرة”، معتبرة هذا الخطأ غير المقصود هو “ارادة الله” جلّ وعلى، وتأكيد على انه يقف معها في وجه اعدائها، مثلما قال احد انصارها على احد شبكات التواصل الاجتماعي.
فهذه الاسلحة وشحنات الادوية جاءت في الوقت المناسب، والمكان المناسب، حيث انهالت المساعدات العسكرية والطبية من امريكا وكردستان العراق وفرنسا على الاكراد المدافعين عن المدينة ومنع سقوطها، بينما تعاني قوات “الدولة” من بعض النقص في العتاد والذخائر.
*المفاجأة الثانية: اعلان السيد مولود شاوش اوغلو وزير الخارجية التركي في تصريح لمحطة تلفزيون “ان تي في” التركية الثلاثاء، ان المقاتلين من كردستان العراق لم يعبروا الحدود الى “عين العرب” انطلاقا من الاراضي التركية حتى الآن وان مفاوضات جارية في هذا الصدد، بعد ان اكد بعظمة لسانه قبل ثلاثة ايام، وعلقنا عليه في هذا المكان، ان بلاده لن تسمح بسقوط “عين العرب” (كوباني) وانها فتحت حدودها لقوات “البشمرغة” الكردية للدخول اليها.
لا نعرف الدوافع التي تكمن خلف هذا التراجع التركي، فهل هو الخوف من الميليشيا الكردية المدافعة عن (كوباني) ام من “الدولة الاسلامية” وانتقامها ام من الاثنتين معا؟ ولكننا نعرف تبعات هذا التراجع، واولها اتساع دائرة الخلاف مع الولايات المتحدة، بعض الدول المشاركة في التحالف الامريكي لاضعاف، ومن ثم القضاء على “الدولة الاسلامية”، وعودة قوية للاتهامات العربية والغربية التي تتهم تركيا بدعم “الدولة الاسلامية” بطرق مباشرة او غير مباشرة.
*المفاجأة الثالثة: اختيار السيد حيدر العبادي رئيس وزراء العراق الجديد العاصمة الايرانية “طهران” لكي تكون المحطة الاولى التي يزورها بعد توليه منصبه، واكمال تشكيل حكومته، الامر الذي سيفسر في اوساط معارضيه الكثر داخل العراق وخارجه، بأن الوضع لم يتغير في بغداد، وانه ما زال يسير على خطى سلفه السيد نوري المالكي، الامر الذي سيجعل من مخططاته لتشكيل قوات “حرس وطني” في المناطق السنية والعشائرية “صحوات”، ولكن “بتسمية جديدة” مسألة في غاية الصعوبة، كما سيخيب آمال الكثير من دول الجوار التي كانت تتوقع ان يكون رئيس الوزراء الجديد على مسافة واحدة مع الجميع، وليس حليفا قويا لايران، ونحن نتحدث هنا عن المملكة العربية السعودية ودول خليجية وتركيا على وجه الخصوص.
ما نريد قوله ان كل هذه المفاجآت الثلاث التي تعكس تخبطا واضحا من اللاعبين الدوليين والاقليميين على حد سواء حول كيفية التعاطي مع خطر “الدولة الاسلامية” باتت تدفع بحتمية العودة الى الازمة الاصلية، ومحاولة معالجتها اولا، وليس الذهاب الى اعراضها الجانبية.
هذه العودة لاصل الازمة يمكن رصدها في تطورين اساسيين من الصعب اغفالهما:
*الاول: دعوة المبعوث الخاص بالامم المتحدة الى سورية السويدي ستفان ميستورا الثلاثاء اثناء زيارته لموسكو الى حل “عاجل” للازمة السورية على خلفية “تهديد ارهابي متفاقم، مؤكدا اثناء لقائه سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي “ان الحل العسكري مستبعد وعلينا ان نحل هذه المشكلة بالحوار السياسي”.
*الثاني: نفي مصادر دبلوماسية روسية لقناة “الميادين” عقد اي صفقات من وراء الكواليس بين واشنطن ودمشق على حساب موسكو وطهران، وقالت “ان واشنطن تتمنى عقد صفقة مع الاسد لابعاد ايران وروسيا عن المنطقة لكن الرئيس السوري لم يوافق ابدا”.
لا نعرف اسباب هذا الحديث عن صفقة سرية بين الاسد وامريكا من وراء الكواليس، واذا كان ليس صحيحا فلماذا تقدم موسكو على نفيه، وتتعمد قناة “الميادين” الداعمة لايران وسورية ابرازه، اي النفي بهذه الطريقة؟ وهل يصح المثل الذي يقول “لا دخان من غير نار” في هذه الحالة؟
السيد الاخضر الابراهيمي (هل تتذكرونه) قال قبل ايام في محاضرة القاها في المعهد الملكي للدراسات الدولية (تشاتام هاوس) البريطاني الشهير، انه ليس هناك خطط للسلام بل الحرب، ولا خطط امريكية لضرب مواقع النظام السوري ولا احد يطالب باسقاطه ولا توجد انشقاقات في صفوفه.
الرسالة التي يريد الابراهيمي ايصالها هي ان النظام باق، وان عليكم التعاون معه، وان حدود “سايكس بيكو” راسخة اكثر مما يعتقد الكثيرون.
السيد الابراهيمي يعرف جيدا دهاليز السياسة الدولية ونوعية مطابخها، وعندما يقول هذا الكلام الخطير علينا ان نسمع ونحلل لنعرف ما هو المقصود منه، وماذا سيحدث بعده.
في الماضي القريب جدا كانت المعارضة السورية السلمية والمسلحة، تغضب كثيرا عندما يقول البعض لماذا تحظى هذه المعارضة بدعم امريكا وتسليحها ولا تفعل الشيء نفسه للفلسطينيين، في اشارة الى النفاق والازدواجية الامريكيين، الآن، وفصائل المعارضة السورية تعاني من التهميش الامريكي، وتشتكي من عدم دعوتها وممثليها الى مؤتمر دول التحالف الدولي ضد “الدولة الاسلامية” الذي انعقد اخيرا في باريس، باتت تتحدث عن النفاق الامريكي وتقول كيف تقدم واشنطن كل هذه الاسلحة الحديثة للمدافعين عن “عين العرب” وتستخدم طائراتها لقصف “الدولة الاسلامية” وتجمعاتها بينما لم تفعل الشيء نفسه لها؟
السؤال مشروع، وسبحان مغير الاحوال، ولكن ما هو غير مشروع هو الثقة في امريكا، ووضع كل البيض في سلتها، والرهان عليها، واعتبارها صديقة للعرب والمسلمين وتضع مصالحهم في عين الاعتبار.
***
الشيء الوحيد الذي يمكن ان نختم به هذه المقالة انه بعد شهرين من القصف الجوي الامريكي العربي المكثف ما زالت “الدولة الاسلامية” صامدة، وتتقدم وتزداد قوة، بينما استطاعت القوات والطائرات الامريكية احتلال العراق في ثلاثة اسابيع وليبيا بضعف هذه المدة، مما يؤكد ما قاله ليون بانيتا وزير الدفاع الامريكي السابق بأن الحرب ضدها ستستمر ثلاثين عاما، وكرر الكلام نفسه العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني اثناء لقائه يوم امس مع عدد من النواب الاردنيين.
المفاجآت ستستمر تفاجئنا في الاشهر، وربما السنوات المقبلة، ولا نستبعد ان تكون “غير سارة” لقادة دول المنطقة، والتحالف الامريكي الذي سارعت بالانضمام اليه للقضاء على “دولة” يعترف الجميع انهم اساءوا تقدير قوتها.
اهلا بالمفاجآت، سواء كانت “سارة” او “غير سارة” فلم يعد لشعوب المنطقة ما تخسره بعد ان تحولت معظم دولها الى دول فاشلة تسودها فوضى دموية لاسباب معروفة لا داعي لتكرارها.

امريكا ارادت حشد “السنة” خلفها” لعزل “الدولة الاسلامية” دون ان تخسر “الشيعة”.. فما هي فرص نجاح هذه الاستراتيجية؟ ولماذا تعلن طالبان باكستان ولاءها للبغدادي؟

بعد شهر تقريبا من بدء الغارات الجوية الامريكية على مواقع “الدولة الاسلامية” داخل الاراضي العراقية واكثر من اسبوعين من بدئها في سورية يبدو واضحا، ومن خلال تقديرات الخبراء، ان حصيلة هذه الضربات تبدو محدودة للغاية، فـ”الدولة الاسلامية” لا تملك مقرات ولا وزارات او مطارات او قواعد عسكرية يمكن تدميرها، وانما اعلام سوداء، وبعض السيارات، وعشرات الآلاف من المقاتلين يمكن ان يختفوا بسهولة وسط المدنيين في المدن التي يسيطرون عليها في الموصل والرقة ودير الزور وغيرها.

الضربات الجوية لم تكن وحدها التي اعطت نتائج عكسية حتى الآن، وانما ايضا الاستراتيجية الامريكية التي تأتي في اطارها، في معظم جوانبها السياسية والعسكرية.

***

فعندما قررت ادارة الرئيس باراك اوباما، وبعد تلكؤ شديد في العودة الى العراق، والتدخل في سورية، وتوسيع نطاق الحرب ضد “الدولة الاسلامية” من خلال اقامة تحالف دولي خمسيني، وضعت على قمة اهدافها حشد التأييد “السني” خلف هذا التحالف، ودون ان تخسر التأييد “الشيعي” لمحاربة هذا التنظيم المتشدد وعزله تمهيدا للقضاء عليه في نهاية المطاف، وهذا ما يفسر ضمها خمس دول عربية سنية الى هذا التحالف بزعامة المملكة العربية السعودية “زعيمة” العالم الاسلامي، ورفضها اي تعاون مع ايران والنظام السوري في الوقت نفسه.

ادارة الرئيس اوباما ذهبت الى ما هو ابعد من ذلك لتجنب اتهامها بأنها تحولت الى “سلاح جو” للطائفة الشيعية العراقية في مواجهة “الدولة الاسلامية” (السنية) باشراك طائرات سعودية واماراتية واردنية جنبا الى جنب مع نظيراتها الامريكية في معظم الطلعات الجوية، وتركت مهمة تدمير مصافي النفط في الرقة ودير الزور الى الطيارين العرب، باعتبارها المهمة الاسهل.

نظريا تبدو خطة الادارة الامريكية محبوكة بعناية فائقة وقابلة للنجاح، ولكنها لا تبدو كذلك بعد التطبيق العملي في الجو والارض معا، وبدأت تعطي نتائج عكسية تماما، وتوحد الكثير من العشائر العراقية والجماعات السورية المقاتلة خلف “الدولة الاسلامية”.

فجبهة “النصرة” العدو التقليدي لـ”الدولة الاسلامية” اعلنت هدنه معها، وقررت الوقوف في خندقها في مواجهة “التحالف الصليبي” وضد “انظمة الردة” العربية التي انخرطت فيه، حسب ما تقول بياناتها وقيادييها في حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي مثل “الفيسبوك” و”التويتر”.

والاكثر من ذلك ان “الجبهة الاسلامية” التي تضم سته فصائل رئيسية تقاتل النظام السوري هي لواء التوحيد، احرار الشام، جيش الاسلام، لواء صقور الشام، لواء الحق، انصار الشام، والجبهة الكردية الاسلامية، استجابت لمبادرة “الهدنة” التي اطلقها مجموعة من العلماء من بينهم الشيخ ابو محمد المقدسي وقررت التوقف عن قتال “الدولة الاسلامية” في اطار اتفاق مصالحة يتبعه التصدي لصد “عدوان التحالف”.

ويظل الدعم المعنوي الاكبر الذي حصلت عليه “الدولة الاسلامية” هو الذي جاؤها بالامس من حركة “طالبان باكستان” التي اعلنت على لسان زعيمها شهيد الله شهيد ولاءها لها (اي الدولة الاسلامية) وامرت انصارها في انحاء المنطقة بمساعدة التنظيم في حملته لاقامة خلافة اسلامية، وعدد انصار طالبان باكستان (تنتمي الى قبيلة البشتون اكبر قبائل افغانستان وباكستان) يزيد عن اربعة ملايين عنصر معظمهم من المتشددين الاسلاميين الذين يتبنون الفكر الجهادي.

وكان تنظيم “جند الخليفة” وهي “مجموعة جهادية” جزائرية اعلنت البيعة لقائد “الدولة الاسلامية” واعدمت رهينة فرنسي كانت خطفته تجاوبا مع نداءاتها بقتل “الصليبيين” وكرد على تدخل فرنسا عسكريا ضد “الدولة الاسلامية” وارسال طائراتها لقصف مواقعه.

ابناء الطائفة السنية في سورية والعراق مثلما قالت مجلة “الايكونوميست” البريطانية العريقة يتشككون في النوايا والمخططات الامريكية، ويتساءل سوريون وهم يرون طائرات التحالف تقصف مواقع “الدولة الاسلامية” “ان امريكا بدلا من ان تضرب الاسد تضرب اعداءه”، ويقول آخرون “انها حرب ضد الاسلام”، بينما يهز بعضهم اكتافه مستنكرا ويقول “انهم مثل الاسد يقتلون المدنيين”.

***

التحالف الامريكي الجديد يملك التكنولوجيا العسكرية الاحدث في العالم، وليس هناك ادنى شك في ذلك، ولكن هل تستطيع هذه التكنولوجيا هزيمة جيش يريد جنوده ان يموتوا شهداء؟

عدد الدول المنضمة الى صفوف التحالف الامريكي الجديد في تزايد يوما بعد يوم، وكذلك الغارات الجوية التي اصبحت روتينية لا تحتل اي مكان في صفحات الاخبار المزدحمة، ولم تعد تلفت الانظار مثلها مثل عدّاد القتلى من السوريين للأسف، ولكن اعداد المنضمين الى “الدولة الاسلامية” يزداد وبوتيرة اكبر في الوقت نفسه.

السؤال لمن ستكون الغلبة في النهاية للتكنولوجيا الحديثة جدا، ام لمن يتطلعون الى الشهادة حسب ادبياتهم وقناعاتهم؟ نترك الاجابة لكم وللايام او السنوات المقبلة.

استيلاء “الدولة الاسلامية” على “عين العرب” سيورط تركيا في حرب شرسة وطويلة في سورية والعراق.. فهل خطط البغدادي لهذه “المصيدة”؟ وكيف سيكون “الشرق الاوسط” الجديد؟ وهل سيخرج اردوغان فائزا؟

نجاح قوات “الدولة الاسلامية” في اقتحام مدينة “عين العرب” والسيطرة على مواقع استراتيجية فيها، بعد حصار استمر اكثر من اسبوعين، ووسط مقاومة شرسة من المقاتلين الاكراد المدافعين عنها، يشكل نقطة تحول استراتيجية في الصراع الدائر حاليا في المنطقة، ومستقبل خطط التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة (50 دولة) لتصفية هذه “الدولة” والقضاء على قواتها باعتباره هدفا يحتل قمة اولوياته.

اللافت ان هذا “النجاح” المفاجيء جاء رغم القصف الجوي المكثف من قبل الطائرات الامريكية الحديثة لمواقع “الدولة” واستحكاماتها حول المدينة من الجهات الاربع طوال الاسابيع الثلاثة الماضية، الامر الذي يؤكد ان القصف الجوي وحده لن يحقق اهدافه، مما يحتم التدخل العسكري الارضي في اسرع وقت ممكن.

وربما لم يكن من قبيل الصدفة ان يتزامن سقوط المدينة (عين العرب)، ومواقع استراتيجية داخلها وحولها، مع تبني البرلمان التركي بالاغلبية (298 صوتا مقابل رفض 98) طلب التفويض الذي تقدم به السيد احمد داوود اوغلو رئيس الحكومة لاعطاء الضوء الاخضر للقوات المسلحة التركية بالتدخل عسكريا في اطار التحالف الامريكي، برا وجوا، في العراق وسورية، للقضاء على تنظيم “الدولة الاسلامية” قضاء مبرما، والسماح لقوات وطائرات اجنبية (امريكية) باستخدام القواعد العسكرية الموجودة على الاراضي التركية (قاعدة انجرليك الجوية).

***

هذا التفويض البرلماني يضع الرئيس رجب طيب اردوغان في وضع داخلي وخارجي صعب للغاية، لان اي خطأ في الحسابات قد يؤدي الى نسف كل انجازاته السياسية والاقتصادية التي جعلت حزبه العدالة والتنمية يفوز في جميع الانتخابات البرلمانية والرئاسية والبلدية على مدى السنوات الاثني عشر الماضية.

فاكبر حزب معارض في البرلمان التركي (الحزب الشعب الجمهوري) صوت ضد هذا التفويض، الامر الذي دفع السيد اوغلو الى اتهامه بتأييد “الدولة الاسلامية” (داعش)، مما يعني انه يريد ان ينأى بنفسه عن هذه الخطوة بالغة الخطورة، وتجنب تبعاتها.

استيلاء قوات “الدولة الاسلامية” على مدينة عين العرب يعني سيطرتها على شريط محاذ لتركيا يمتد من اقصى شرق الحدود السورية الى اقصى نقطة في غربها، ولن تفقد هذه السيطرة الا من خلال حرب برية يشارك فيها عشرات الآلاف من الجنود.

ولا نستبعد ان يكون هدف “الدولة الاسلامية” من اقتحام هذه المدينة والاستيلاء عليها في ذروة القصف الجوي الامريكي هو استدراج وتوسيع الحرب البرية ضدها ومواقعها لخلط الاوراق، والحاق خسائر كبيرة في القوات التركية التي من الواضح انها ستقوم بالدور الاكبر في هذه الحرب، واحراج الرئيس اردوغان وحكومته امام مواطنيه الاتراك خاصة، اذا تصاعدت اعداد القتلى، وامتدت العمليات الارهابية الى العمق التركي، وطالت صناعة السياحة التي تشكل مصدرا اساسيا للدخل (35 مليار دولار سنويا)، الى جانب تداعيات اخرى مثل تصدع الجبهة الداخلية وتصاعد تكاليف الحرب ماديا وبشريا.

الرئيس اردوغان كان ذكيا عندما اجل اي تدخل في الحرب ريثما جرى الافراج عن جميع الدبلوماسيين الرهائن لدى “الدولة الاسلامية” كانوا في قنصلية بلاده في الموصل (49 دبلوماسيا)، ولكن الدخول في الحرب ربما يعرض ارواح مئات او حتى آلاف من الجنود الاتراك للخطر، ويدفع بـ”الدولة الاسلامية” الى تدمير ضريح سليمان باشا اب السلاطين العثمانين، حيث يحاصره المئات من قواتها في الوقت الراهن استعدادا لتدميره فور اقرار البرلمان التركي بالتدخل عسكريا للقضاء عليها.

ارسال طائرات تركية لضرب اهداف خارج الحدود التركية ليس جديدا، فقد طاردت هذه الطائرات مقاتلي حزب العمال الكردستاني داخل الاراضي الشمالية العراقية قبل احتلال العراق وفي اطار معاهدة مع حكومة بغداد، كما ارسلت قوات للسيطرة على الجزء التركي من قبرص في مطلع السبعينات، ولكنها المرة الاولى التي ترسل فيها قوات الى الارضي السورية والعراقية معا في حرب مفتوحة على جميع الاحتمالات ومرشحة للتوسع والامتداد لعدة سنوات.

لا نعرف تفاصيل خطة التدخل التركية في اطار التحالف الامريكي “الخمسيني”، وكيفية هذه المشاركة، فقرار البرلمان صدر في ساعة متأخرة الخميس، لكن ما يمكن ان نتكهن به ان السيد اردوغان قرر ان يضع كل ثقله العسكري والسياسي خلف هذا التحالف، ويجعل من بلاده “باكستان” اخرى بالمقارنة مع دور الاخيرة في الحرب الامريكية لاخراج القوات السوفيتية من افغانستان اولا، ثم اسقاط حكم حركة طالبان في كابول بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ثانيا.

“الدولة الاسلامية” ليست حركة “الطالبان” كما انها لا تشبه تنظيم “القاعدة” والظروف العسكرية والسياسية المحيطة بالتنظيمين، فهي تسيطر على اراضي اكبر من مساحة بريطانيا العظمى، وتملك اسلحة حديثة متطورة، ووفر لها التحالف الدولي غطاء “شرعيا اسلاميا”، حسب ادبياتها، قد يمكنها من تجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين العراقيين والسوريين والاسلاميين من مختلف انحاء العالم للقتال في صفوفها.

***

الرئيس اوباما اعترف بأنه اخطأ في تقدير قوة “الدولة الاسلامية” وخطرها، وربما يكون مصيبا هذه المرة، لان عدد قوات هذه الدولة التي هزمت جيشا عراقيا تكلف بناؤه وتسليحه 25 مليار دولار، واستولت على نصف العراق وثلث سورية يزيد عن مئة الف مقاتل ومسلح تسليحا “مجانيا” جيدا من غنائم الجيش العراقي الامريكية، وحتى تتم هزيمته يحتاج الامر الى اكثر من مئة الف جندي على الارض، حسب تقديرات السير الجنرال ديفيد ريتشارد قائد الجيش البريطاني السابق.

نستطيع ان نقول الآن، وبعد قرار البرلمان التركي، واقتحام مدينة “عين العرب” ان حربا حقيقية ستبدأ، وتحالفات جديدة ستنشأ، وشرق اوسط جديد مختلف سيولد، ولا احد يستطيع ان يتنبأ بالشكل الذي سيكون عليه وطبيعة المعادلات السياسية والعسكرية التي ستحكمه.

تركيا اردوغان وضعت كل بيضها في سلة اوباما وحلفه، ولم تفعل ذلك الا بعد اتفاقها معه على كل التفاصيل، ومن ابرزها سورية بدون الرئيس بشار الاسد، بعد ان تحول خلاف الرئيس اردوغان معه الى ثأر شخصي مهما كلف الامر، فهل تحصل على ما تريد آجلا ام عاجلا، وما هو موقف ايران وروسيا والصين؟ وهل ستستمر في موقف المتفرج؟

الايام المقبلة ستحمل لنا الاجابات وليس امامنا غير الانتظار (وتعداد الضحابا) الذي لا نملك غيره ومعنا معظم شعوب المنطقة التي ستدفع الثمن في نهاية المطاف ايا كان المنتصر او المهزوم.

اردوغان يقدم على المغامرة الاخطر في تاريخه وتركيا بالانضمام الى “التحالف الامريكي” للقضاء على “الدولة الاسلامية”.. فهل يكون رأس الاسد هو الثمن. وماذا لو اخطأ في الحساب وما هي الانعكاسات على جبهته الداخلية؟

 

يقف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان امام واحد من اخطر التحديات التي تواجهها بلاده في تاريخها الحديث، بتقدم حكومته (الثلاثاء) مشروع قرار للبرلمان يجيز استخدام القوة، بشقيها البري والجوي، في سورية وانضمامها الى التحالف الامريكي الذي شكله الرئيس باراك اوباما لاضعاف تنظيم “الدولة الاسلامية” تمهيدا لتصفيته نهائيا.

الرئيس اردوغان اعلن الاحد ان بلاده لا يمكنها البقاء خارج التحالف الدولي الذي يحارب تنظيم “الدولة الاسلامية” في سورية والعراق، الامر الذي ينهي حالة الحذر والتردد التي تمسك بها طوال الاشهر الماضية.

البرلمان التركي الذي سيعقد جلسته الحاسمة يوم الخميس سيقر حتما طلب الحكومة، وسيعطي الرئيس اردوغان الضوء الاخضر للانضمام الى التحالف وبدء التدخل عسكريا في سورية والعراق فورا، فحزب العدالة والتنمية الحاكم يملك الاغلبية فيه، وهو بالتالي لا يمكن ان يرفض طلب زعيمه.

هناك سؤالان يطرحان نفسيهما بقوة: الاول حول كيفية تسارع تطورات الموقف التركي من الحذر المطلق الى المشاركة الكاملة، والثاني حول الثمن الذي سيحصل عليه الرئيس اردوغان مقابل هذه المشاركة؟

***

الصحافيون الاتراك الذين رافقوا الرئيس اردوغان على طائرته وهو في طريق عودته من نيويورك التي قضى فيها خمسة ايام لحضور اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة الى انقرة عاصمة بلاده، كشفوا في تقاريرهم انه تلقى مكالمة هاتفية بالغة الاهمية من الرئيس اوباما تلاها اجتماع مغلق مع جو بايدن نائب الرئيس الامريكي، ومن المعتقد انه اتفق على الخطوط العريضة مع الرئيس الامريكي حول التدخل في سورية والعراق وبحث التفاصيل مع نائبه بايدن.

التفاصيل التي تسربت الى الصحافيين وتعكس الخطة التركية يمكن اختصارها في ثلاث نقاط رئيسية:

*الاولى: اقامة منطقة حظر جوي في الجانب السوري بالتعاون مع طيران التحالف على غرار مناطق الحظر التي اقيمت في جنوب العراق وشماله، ويمنع على اي طيران حربي سوري للاقتراب منها او اختراقها.

*الثانية: التدخل العسكري التركي البري والجوي لقصف، ومن ثم الاستيلاء، على الاراضي التي يسيطر عليها تنظيم “الدولة الاسلامية” في الرقة ودير الزور والحزام الارضي الكردي الممتد على الحدود التركية السورية من آقصى الشرق الى اقصى الغرب السوري.

*الثالثة: تسوية دائمة للصراع في سورية، تقوم على اساس اقامة حكومة جديدة على انقاض النظام الحالي، وتقوية المعارضة السورية بعد اعادة غربلتها، وتدريب وحدات عسكرية جديدة في تركيا والسعودية والاردن يتم اختيارها بعناية فائقة بالمعايير نفسها التي اختيرت فيها قوات الامن الفلسطينية في رام الله تحت اشراف الجنرال الامريكي دايتون (فحص دقيق من اربع مخابرات: الاسرائيلية والامريكية والاردنية والفلسطينية) وتكون هذه الوحدات هي نواة الجيش السوري الجديد (السعودية ستدرب 5000 جندي) وصلت الدفعة الاولى منهم الى احد قواعدها العسكرية.

الرئيس اردوغان اكد ان جميع طلباته حظيت بالموافقة من قبل الادارة الامريكية، ونستطيع ان نستشف من ذلك ان ابرز هذه المطالب اطاحة النظام السوري “كمكافأة” لتدخله البري والجوي في سورية والعراق في اطار التحالف الامريكي، مما قد يعني ان حذره وتردده في الانضمام اليه كان من قبيل رفع السعر والحصول على اكبر صفقة ممكنة، خاصة بعد ان نجح في اطلاق سراح جميع دبلوماسييه المحتجزيين لدى “الدولة الاسلامية” (49 دبلوماسيا كانوا في القنصلية التركية في الموصل ساعة الاستيلاء عليها)، بايهام زعيمها السيد ابو بكر البغدادي ورجاله بأنه لن ينضم الى التحالف الامريكي.

لا نعرف كيف سيكون رد النظام السوري على هذه الخطوة التركية، وما اذا كان يعتبرها لا تشكل اي خطر عليه مثلما تعاطى مع الغارات الامريكية التي انتهكت السيادة السورية وقصفت مواقع “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة” و”احرار الشام”، ام انه سيعتبرها تهديدا له، فاذا قبلنا بأن الادارة الامريكية ابلغته مسبقا بهذه الضربات الجوية ونسقت معه، فانه من الصعب علينا، وربما الكثير مثلنا، توقع اي تنسيق مسبق بين السلطات السورية وحكومة الرئيس اردوغان في اقامة منطقة حظر جوي ومنطقة عازلة داخل الاراضي السورية، الا اذا حدثت معجزة خلف الكواليس لا نعرف كنهها، واذا كانت السلطات في دمشق تعتبرها، اي خطة التدخل التركية معادية لها وخطرا عليها فكيف سيكون ردها، ورد الحليف الروسي؟

ولعل موقف “الدولة الاسلامية” واخواتها في “النصرة” و”احرار الشام” من هذه المشاركة التركية مع قوات “التحالف الصليبي”، حسب ادبيات هذا المثلث وتوصيفاته، ربما يكون مختلفا واقل دبلوماسية و”غمغمة” من موقف النظام السوري، فتنظيم “الدولة الاسلامية” قد يشعر بالخديعة من قبل السلطات التركية، عندما صدق انها لن تنضم للتحالف الذي يريد تصفيتها وافرج عن رهائنها بالتالي، وربما يلجأ الى الانتقام بطريقة او باخرى، خاصة انه هدد بضرب الموسم السياحي التركي الذي يعود على الخزينة بأكثر من 30 مليار دولار سنويا، وكذلك رفع الحصانة عن قبر السلطان سليمان شاه الاب العثماني المؤسس، وربما تفجيره اسوة بالمقامات والاضرحة الاخرى، اذا انضمت تركيا الى التحالف.

***

لا بد ان الرئيس اردوغان، وهو الذي يوصف بقمة الدهاء، قد حسب حسابا دقيقا لكل هذه الاحتمالات مجتمعة او متفرقة، لانه يتصرف اليوم بطريقة مختلفة، بل متناقضة، من وقفته على الحياد اثناء العدوان الامريكي على العراق عام 2003، ورفض ان ينضم الى التحالف الامريكي واوعز الى البرلمان بالتصويت ضد هذا الانضمام او السماح باستخدام الطائرات الامريكية لقاعدة “اجيرليك” الجوية، لتوفير الغطاء الديمقراطي الشرعي له.

الرئيس اردوغان تردد في الانضمام الى غارات “الناتو” ضد ليبيا عام 2011 لاسقاط نظام العقيد معمر القذافي الذي اعطاه عقودا بما يقرب من الثلاثين مليار دولار لاعادة تعمير البنى التحتية لليبيا بعد سنوات من الحصار، ولكنه اضطر للتراجع، والمشاركة بالتالي، بعد ان اعاد الامريكان تذكيره بأن المادة 51 من ميثاق حلف “الناتو” الذي هو عضو فيه تفرض عليه ذلك، وتعهدوا له بحفظ مصالح تركيا كاملة في العهد الليبي الجديد الذي سيكون مستقرا مزدهرا، ولكن هذا لم يحدث، وربما لن يحدث قريبا، في ظل الغياب الكامل للدولة الليبية الذي قد يستغرق سنوات وربما عقودا.

ليبيا تظل بعيدة عن تركيا، وان اي خطأ في الحسابات يظل محتملا، فبين البلدين آلاف الكيلومترات من مياه البحر المتوسط، ولكن الحال مختلف تماما في سورية والعراق، فهناك آلاف الكيلومترات من الحدود المشتركة بين البلدين وتركيا، والامريكان يمكن ان يهربوا من المنطقة بطائراتهم ومستشاريهم وبعض المتواطئين معهم، مثلما فعلوا في العراق والصومال وليبيا وقريبا جدا في افغانستان، لكن اين سيهرب اردوغان اذا لم تسر رياح التدخل بما تشتهي سفنه؟

بعد قصف الطائرات الامريكية لحمص هل سيأتي الدور على دمشق قريبا ام بعيدا.. ثم تجفيف منابع التمويل لـ”الدولة الاسلامية” هل سيكون مقدمة لتجريف مئات المليارات الخليجية؟

 

التحالف الامريكي الذي يقاتل “الدولة الاسلامية” وباقي الفصائل المتشددة على الارض السورية يتوسع، وطلعاته الجوية تتضاعف يوما بعد يوم، وتستهدف مواقع في مدن جديدة، ولكن لا احد يقول لنا اين ستنتهي هذه الحرب وكيف، ومن اجل من كل هذا الحشد الدولي، العسكري والسياسي والمالي، من اجل القضاء على تنظيم تقول وكالة الاستخبارات الامريكية ان تعداد مقاتليه لا يزيد عن ثلاثين الفا.

فاما ان تنظيم “الدولة الاسلامية” وحلفاءه اكبر بكثير واقوى من التقديرات الامريكية، او ان التحالف الذي يريد اجتثاثه والقضاء عليه اضعف من انجاز هذه المهمة في مدى زمني منظور، والا كيف نفهم تقدم مقاتلي “الدولة الاسلامية” في محافظة الحسكة، وفي الحزام الكردي على طول الحدود السورية التركية، ويوشك ان يستولي على مدينة عين العرب التي يحاصرها منذ ايام، رغم القصف المكثف لقواعده منذ اربعة اسابيع على الاراضي التي يسيطر عليها وتزيد مساحتها عن مساحة الاردن؟

اليوم اغارت الطائرات الامريكية المقاتلة على مواقع لـ”الدولة الاسلامية” في قلب مدينة حمص، واخرى بالقرب من مدينة حلب، فما الذي يمنع هذه الطائرات، وقد استباحت الاجواء السورية دون اي معارضة او مقاومة، من قصف دمشق او اللاذقية تحت الذريعة نفسها؟

الشيء الوحيد الذي نعرفه في غمرة هذا السيرك الاعلامي التضليلي ان العرب، والدول الخليجية على وجه التحديد، هي التي ستدفع نفقات هذه الحرب كاملة، وفوقها بضعة مليارات كفارق للعملة، فليس المهم بالنسبة الى الولايات المتحدة مشاركة بضعة طائرات من خمس دول عربية، مثل السعودية والامارات وقطر في طلعات جوية لتدمير مصافي نفطية لـ”الدولة الاسلامية”، وانما توفير الغطاء العربي السني اولا، وتسديد النفقات كاملة في ظل الازمات الاقتصادية الخانقة التي تعيشها الولايات المتحدة والدول الغربية الاخرى.

***

بالامس قال غوردون آدمز الاستاذ في الجامعة الامريكية في واشنطن، والمسؤول السابق عن الميزانية في عهد الرئيس الاسبق بيل كلينتون ان هذه الحرب ستكلف الخزانة الامريكية ملياري دولار شهريا تقريبا، وهذا التقدير في المراحل الاولى فقط، ويمكن ان تزيد عدة اضعاف اذا ما توسع نطاق الحرب الى تدخل بري، هذا على افتراض ان الامور ستسير على ما يرام، ودون اي خطأ في الحسابات، او دخول اطراف اخرى الى حلبتها مثل روسيا التي بدأت نغمتها في معارضة التدخل الامريكي تتزايد في الايام الثلاثة الماضية، على اعتبار انه غير شرعي، ويفتقد الى تفويض اممي.

ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني الذي حصل بالامس على ضوء اخضر من البرلمان البريطاني للمشاركة في الغارات الجوية ضد “الدولة الاسلامية” في العراق فقط، توقع ان تستمر هذه الحرب لخمس سنوات دون ان يشرح ولشعبه كيف ولماذا.

علمتنا التجارب السابقة، وما اكثرها ان المرحلة التالية لاي قصف جوي هو تدخل القوات البرية، فالطائرات الامريكية قصفت القوات العراقية في الكويت وجوارها اربعين يوما متواصلة ولم تتورع عن قصف القوات العراقية المنسحبة على طريق المطلاع نحو البصرة، وبعد ذلك بدأت الحرب البرية، ولم تخسر قوات التحالف قتيلا واحدا، وتكرر الشيء نفسه عام 2003 حيث سبق القصف الجوي السجادي اقتحام قوات الغزو للعاصمة بغداد، ولم تخسر القوات الغازية الا 138 جنديا، وارتفع الرقم الى ثلاثة آلاف بفعل عمليات المقاومة.

السياسيون الامريكيون يؤكدون في كل مناسبة انهم لن يتدخلوا في اي حرب برية، وسيتركوا هذه المهمة للجيش العراقي الذي سيتم عملية اعادة تأهيله، والقوات المعارضة السورية، “المعتدلة” ابتداء من تدريب 5000 عنصر في قواعد عسكرية في المملكة العربية السعودية، وقدر الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة اركان الجيوش الامريكية عدد القوات المطلوبة على الارض لمحاربة “الدولة الاسلامية” بحوالي 15 الف مقاتل.

اذا افتراضنا ان السعودية ستدرب خمسة آلاف، وسيكون معظمهم من الجنود الذين انشقوا عن جيش بلادهم، فمن اين ستأتي امريكا بالعشرة آلاف جندي الآخرين؟ ثم كيف ستكون كفاءة هؤلاء الجنود الذين سيعاد تأهيلهم على يد مدربين سعوديين؟ خاصة ان القوات السعودية عانت كثيرا اثناء مواجهتها لجماعة الحوثيين، واستغرق امر اخراجهم من 400 قرية احتلوها في جنوب المملكة اكثر من ثلاثة اشهر رغم الفارق الضخم في العدد والعدة بين الجانبين.

***

لا احد يتحدث عن الاجندات السرية، او الصورة التي ستنتهي عليها المنطقة بعدها، والدولة الجديدة التي ستنشأ، والاخرى التي ستنتهي وتزال من الخريطة كليا، فهذا موضوع محرم لا يجب تناوله او الخوض فيه او السؤال عنه خاصة من قبل ابناء المنطقة الذين سيكون الخاسرين في نهاية المطاف.

النظرية الامريكية التي تعتبر العمود الفقري في العقيدة الامريكية على مر العصور تقول ان هناك “فرصة ما” في جميع الحروب يجب انتهازها وتوظيفها لمصلحة الاقتصاد والشعب الامريكي بالتالي، ولا بد ان الفرصة الذهبية في الحرب “المفتعلة” الحالية هي الاستيلاء على اكثر من ثلاثة تريليونات دولار من الاموال العربية المستثمرة في صناديق سيادية وبنوك اجنبية، سواء في الدول او الافراد.

في عام 1973 خرج علينا هنري كيسنجر بنظريته حول تدوير عائدات النفط، وتشكيل قوات التدخل الامريكي السريع لتأمينها، وما يجري حاليا هو التطبيق الثالث لهذه الخطة.

فليفرح الطيارون والطيارات العرب الذين ساهموا بطائراتهم من طراز “اف 16″ بتدمير مصافي نفط تسيطر عليها “الدولة الاسلامية” لتجفيف مصادرها التمويلية، ولكنهم لا يعرفون ان ثمن مشاركتهم في هذه الحرب المحسوبة بدقة، سيكون تجفيف ارصدتهم ومدخرات اجيالهم، او معظمها في نهاية المطاف، والايام بيننا.