ايران

اكتب لكم من اليابان المسكونة بـ”الدولة الاسلامية” التي يصلي اهلها لعدم اعدام الصحافي الاسير لديها.. ساجدة الريشاوي المعتقلة في الاردن باتت اكثر شهرة من نجوم السينما وكذلك الطيار الكساسبة.. ونحن مع الافراج الفوري عنها.. وهذه هي مبرراتنا

عبد الباري عطوان
الحديث الطاغي في اليابان حاليا، والمتداول في الجامعات والمدارس والمجالس الخاصة، ويتصدر عناوين الصحف ونشرات اخبار التلفزة هو عن اعدام “الدولة الاسلامية” للرهينة الياباني هاورنا باكادوا بعد رفض الحكومة تقديم “فدية” مقدارها 200 مليون دولار يوم الجمعة الماضي، وكيفية انقاذ الرهينة الثاني الصحافي كينغي غوتو الذي ما زال على قيد الحياة، ووجه نداء مؤثرا الى الشعب الياباني قال فيه بلغة انكليزية بلكنة يابانية “انهم لم يعودوا يطالبون الفدية وانما الافراج عن شقيقتهم ساجدة الريشاوي وسيتم اطلاق سراحي فورا، وربما تكون هذه آخر كلماتي.. لا تجعلوا آبي (رئيس الوزراء) يقتلني”.
السيدة ساجدة الريشاوي المحكومة بالاعدام بتهمة المشاركة في تفجيرات عمان عام 2005 الدموية (لم ينفجر حزامها الناسف) باتت صورها في كل مكان في اليابان، واضحت معروفة لدى اليابانيين اكثر من نجمات السينما اليابانية، بغطاء رأسها الابيض وتقاطيع وجهها العربية.
اليابانيون باتوا يعوفون ايضا اسم معاذ الكساسبة الطيار الاردني الذي جرى اسره بعد اسقاط طائرته بصاروخ قبل شهر فوق مدينة الرقة السورية، عاصمة “الدولة الاسلامية”، والسبب ان “الدولة الاسلامية” غيرت شروطها، واسقطت الفدية المالية واعربت عن استعدادها الافراج عنه، اي الكساسبة، الى جانب الرهينة الياباني اذا ما افرجت السلطات الاردنية عن السيدة الريشاوي.

***

حالة من الجدل تدور في الاوساط السياسية والجامعية في اليايان التي ازورها حاليا (بدعوة من جامعة اوساكا للحديث عن الدولة الاسلامية، وكتابي الاخير الصادر حول نشأتها ومستقبلها ونفذت الطبعة الاولى منه في اقل من شهر)، فهناك من يلوم رئيس الوزراء لانه لم يدفع الفدية في الوقت المحدد، وهناك من يؤيد موقفه في رفض الخضوع لشروط الخاطفين، ويصلي المعسكران من اجل تجاوب الاردن مع الشرط المعدل، اي الافراج عن السيدة الريشاوي والحصول على رهينتين في المقابل، على طريقة السوبرماركت (افرج عن السيدة الريشاوي فتحصل على الثاني مجانا).
لا نفهم لماذا ترفض السلطات الاردنية الافراج عن السيدة الريشاوي اذا كانت ستحقق امرين على درجة عالية من الاهمية، اي الافراج عن الطيار الكساسبة والرهينة الياباني معا، وتضرب بذلك عصفورين بحجر واحد وتنقذ حياة رجلين احدهما اردني، والثاني يمكن ان يؤدي الافراج عنه الى علاقات وثيقة مع بلد غني متقدم مثل اليابان يمكنه ان يقدم مساعدات مالية وتقنية للاردن.
لو كان الاردن يرفض التفاوض بالمطلق مع الجهاديين المتشددين، والتجاوب مع مطالبهم بالافراج عن معتقلين في سجونه، مثلما تفعل دول مثل بريطانيا وامريكا ويعتبر عدم التنازل مسألة مبدئية، فإنه يمكن تفهم وبالتالي تبرير موقفه هذا، ولكن الحال ليس كذلك، والحكومة الاردنية سجلت سابقة مهمة في هذا الصدد عندما افرجت عن القيادي الليبي محمد الدرسي عضو تنظيم “القاعدة” المتهم بمحاولة تفجير مطار عسكري اردني 2007 مقابل الافراج عن السفير الاردني فواز العيطان الذي احتجزته جماعة انصار الشريعة الاسلامية الليبية.
حتى امريكا كسرت قاعدة عدم التفاوض مع الخاطفين هذه عندما دفعت فدية غير مباشرة لحركة طالبان مقابل الافراج عن جندي امريكي كان محتجزا لديها، ودافع الرئيس اوباما بشدة عن هذه الخطوة امام منتقديه الشرسين في الكونغرس ووسائل الاعلام.
الاصرار على عدم التفاوض مع الخاطفين تحت ذريعة انهم “ارهابيون” وان التنازل لمطالبهم يؤدي الى تشجيعهم للاقدام على المزيد من اعمال الخطف “اكذوبة”، لان الحكومات تتفاوض مع “الارهابيين” في نهاية المطاف وتعترف بهم، ويكون الضحايا هم الابرياء الذين يتم اعدامهم نتيجة هذا “العناد” الكاذب.
بريطانيا تفاوضت مع الجيش الجمهوري الايرلندي واعترفت به وهي التي كانت ترفض حتى السماح بالاستماع الى صوت اعضائه، او رؤية وجوههم على شاشات التلفزة، وامريكا العظمى اجبرتها الهزيمة في افغانستان على التفاوض مع حركة “طالبان” من اجل تسليمها السلطة، واوعزت لدولة قطر بفتح سفارة لها، اي لطالبان في الدوحة، ولا ننسى اعتراف اسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية، واضطرارها للتجاوب مع كل شروط الجبهة الشعبية القيادة العامة (برئاسة احمد جبريل) والافراج عن 77 اسيرا فلسطينيا في ما عرف في حينها عام 1979 بعملية النورس، وبعد ذلك التفاوض مع حزب الله للافراج عن مجموعة اسرى من بينهم الشيخ مصطفى الديراني وعميد الاسرى العرب سمير قنطار.
فما هي الفائدة التي يمكن ان تجنيها السلطات الاردنية جراء احتفاظها بالسيدة ساجدة الريشاوي خلف القضبان؟ وما هي اقصى ما يمكن ان تلحقه بها من عقاب، الاعدام مثلا؟
هذا ليس عقابا وانما “مكافأة”، فلو كانت السيدة الريشاوي تخشى الموت لما تزنرت بالحزام الناسف، ولا نبالغ اذا قلنا انها تتمناه لانه طريقها الاقصر الى جنات الخلد حيث دار البقاء.
ابقاء السيدة الريشاوي خلف القضبان يعني تنفيذ الاعدام بالطيار الكساسبة، ناهيك عن الرهينة الياباني، واسر طيارين او مسؤولين اردنيين آخرين والمطالبة بالافراج عنها مقابل الافراج عنهم او منع اعدامهم، او هكذا نعتقد، وهذا لا يعني اننا ضد تطبيق القانون او عدم معاقبة منتهكيه، وانما ننظر الى الامر من منطلق جلب المنافع وتقليص الاضرار.
***
نناشد السلطات الاردنية الافراج عن السيدة الريشاوي في اسرع وقت ممكن انقاذا للطيار الكساسبة وللاسير الياباني، لان العناد غير مجد في هذه الحالة، وسيؤدي الى اعدام هذا الطيار الشاب وتبعات اخرى تتعلق باسرته وعشيرته لا نريد الخوض فيها في هذا المضمار.
“الدولة الاسلامية” قوية، وتقول وتفعل، واذا اعطت مهلة فانها تحترمها، واذا وعدت بالافراج عن رهينة فانها تنفذ وعودها دون نقصان.
معرفتي بالجماعات الجهادية، من خلال الدراسة والبحث والمقابلات بغرض التأليف تؤكد ان هؤلاء لا يكذبون مطلقا، لاسباب دينية عقائدية، اختلف معهم البعض او اتفق.
دمويون نعم.. ارهابيون نعم.. ولكنهم اذا قالوا فعلوا.. واتهامهم بالارهاب بالمناسبة لا يضيرهم بل يسعدهم، والآية القرآنية التي تقول بارهاب اعداء الله موثقة ولا داعي لتكرارها هنا، ونأمل الا تنتهي مهلة الـ 24 ساعة التي حددتها “الدولة الاسلامية” قبل الافراج عن السيدة الريشاوي.

حماس تحسم امرها وتعود الى معسكر “الممانعة” وتعيد حلفها مع ايران و”حزب الله” الى عهده الذهبي.. وجناحها العسكري اصبح صاحب “اليد العليا”.. والتنسيق لاعمال عسكرية وربما حرب وارد جدا.. وهذه اسبابنا

عبد الباري عطوان

ليس من عادة السيد محمد ضيف القائد العام لكتائب القسام، الجناح العسكري لحركة “حماس″ ان يوجه رسائل، او يدلي بتصريحات، او يظهر على وسائل الاعلام المرئية، ولذلك فإن كسره لهذه القاعدة، ولو جزئيا، وتوجيهه رسالة تعزية الى السيد حسن نصر الله امين عام “حزب الله” باستشهاد ستة من مقاتلي الحزب بينهم الشهيد جهاد مغنية ينطوي على الكثير من المعاني التي تستحق التوقف عندها وتحليل دوافعها واهدافها وقراءة ما بين سطورها.
بداية لا بد من العودة الى الوراء قليلا والاشارة الى ان العلاقة بين حركة حماس، وجناحها السياسي على وجه الخصوص، وقيادة “حزب الله” في لبنان، والقيادة الايرانية في طهران ايضا، اتسمت بنوع من الفتور في السنوات الاربع الماضية بسبب تأييد حركة “حماس″ للمعارضة السورية المسلحة التي تقاتل لاسقاط النظام السوري، وبلغ هذا “الفتور” ذروته عندما قرر السيد خالد مشعل رئيس مكتبها السياسي، نقل مقر قيادة الحركة الرسمي في الخارج من دمشق الى العاصمة القطرية الدوحة في 12 شباط (فبراير) عام 2012، معلنا القطيعة، والانضمام الى المعسكر الآخر، (كانت قطر في حينها تقود الحرب لاسقاط النظام السوري سياسيا وعسكريا واعلاميا)، واعتقادا منه، وبتشجيع من السلطات القطرية، بأن المعارضة السورية منتصرة لا محالة، وايام النظام السوري باتت معدودة، وعليه “ان لا يكرر خطأ الرئيس الشهيد ياسر عرفات في ازمة الكويت، ويقف في خندق المهزومين”.
وفي الوقت الذي “كظم” حزب الله الغيظ وامتنع مسؤولوه عن توجيه اي نقد لحركة “حماس″ وقيادتها، وابقى على علاقاته مع ممثلها في بيروت (مقره في الضاحية الجنوبية) دون اي تغيير، تصرف بعض المسؤولين في حركة “حماس″ بطريقة مغايرة تماما، ولا نريد ان ننكأ الجراح ونسرد بعض الحقائق الموثقة في هذا المضمار.
***
لم يعد خافيا على احد، وجود جناحين متضادين في حركة حماس، الاول يتماهى بالكامل مع حركة “الاخوان المسلمين” وموقفها المؤيد، دون تحفظ، للمعارضة للسورية المسلحة في وجه النظام، ووصل هذا التأييد لدرجة مباركة دعوة الرئيس المصري محمد مرسي للجهاد في سورية الذي اعلنه قبل الانقلاب العسكري الذي اطاح به باسبوع، وسط حشد من رجال الدين بينهم الدكتور يوسف القرضاوي، واغلاق سفارتها في القاهرة، اما الجناح الثاني الذي شكل الاقلية فكان يطالب بموقف متوازن، اقرب الى الحياد، والحفاظ على العلاقات الوثيقة مع ايران وحزب الله في لبنان، عرفانا للجميل، وقناعة بأن معسكر “الاعتدال” العربي الذي تتزعمه المملكة العربية السعودية وتدعمه واشنطن، لا يمكن ان يدعم المقاومة الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلي، وقد صدقت نبوءة هذا الجناح ووضوح رؤيته في نهاية المطاف.
الحصار العربي الخانق، من قبل دول محور الاعتدال العربي على قطاع غزة، وتجويع مليوني فلسطيني، ومنع وصول اي اموال او مساعدات من الحكومات العربية الداعمة للمعارضة السورية المسلحة، واغلاق معبر رفح لاشهر متواصلة، كلها عوامل صبت في مصلحة تعزيز الجناح الثاني الذي يقوده السيد محمد ضيف، ويدعمه الدكتور محمود الزهار الذي خسر موقعه في المكتب السياسي للحركة، خاصة ان من الحقائق الثابته ان جميع الاسلحة والصواريخ وخبرات التدريب التي اكتسبتها قوات الحركة، بما في ذلك هندسة الانفاق يعود الفضل فيها لايران وحزب الله، بينما لم تقدم حكومات دول “الاعتدال” طلقة واحدة واغلقت ابوابها في وجه مسؤولي حماس باحكام، وبفضل هذه الاسلحة وتكنولوجيا الصواريخ والانفاق، صمدت حركات المقاومة في القطاع 51 يوما، وحققت انتصارا عسكريا ومعنويا كبيرا.
اقدام السيد الضيف على توجيه رسالته هذه الى السيد نصر الله معزيا، وليس خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس″ وزعيم الحركة، تقول الكثير ليس على صعيد الدعوة التي تضمنتها الى “توحيد” قوى المعارضة لمواجهة اسرائيل” فقط، وانما على صعيد التوجه السياسي والعسكري للحركة في الاشهر وربما السنوات المقبلة، ويمكن ايجاز قراءتنا للتحول الجديد للحركة في النقاط التالية:
• اولا: من الواضح ان رسالة تعزية السيد ضيف توجه رسالة واضحة الكلمات والمعالم وتؤكد ان حركة “حماس″، حسمت امرها وعادت الى المعسكر السوري الايراني، او معسكر “دول الممانعة” الذي خرجت منه قبل ثلاثة اعوام، بقرار من قيادتها السياسية.
• ثانيا: في ظل الانقسام الواضح في المكتب السياسي للحركة، والذي تحاول القيادة اخفاءه او نكرانه، باتت الكلمة العليا الآن، وبالتحديد منذ العدوان الاخير على قطاع غزة، لكتائب عز الدين القسام، وكان اول مؤشر في هذا الخصوص اشادة السيد ابو عبيدة الناطق الاعلامي الرسمي باسم “القسام”، صوتا وصورة، بايران ودعمها للمقاومة الاسلامية في القطاع الذي مكنها من الصمود في وجه العدوان.
• ثالثا: “اعتدال” حركة “حماس″، وتنازلها عن السلطة في القطاع للرئيس محمود عباس، وقبولها بحكومة “وفاق” لم يكن لها دور في تشكيلها، على امل رفع الحصار عن القطاع، واعادة الاعمار، كلها اعطت نتائج عكسية تماما ولم تغير من الاوضاع على الارض، بل زادتها سوءا وقهرا.
• رابعا: بروز تيار اسلامي متشدد تقوده “الدولة الاسلامية” في قطاع غزة، وهو تيار عبر عن نفسه علنا وللمرة الاولى في المظاهرة التي نظمها انصار “الدولة” اما المركز الثقافي الفرنسي في مدينة غزة، اثار القلق في اوساط حركة “حماس″ وعزز احتمالات اضعاف سيطرتها على القطاع، وفلتان السلطة من يديها، الامر الذي حتم عليها تغيير مواقفها، والعودة بقوة خندق الى المقاومة لاستعادة قبضتها على الشارع الغزي، او ما خسرته منها، لصالح الجماعات الاسلامية المتشددة التي تتسع دائرة التأييد لها في اوساط شباب القطاع خاصة، وانضمام بعض كوادر حماس اليها.
***
في ضوء كل ما تقدم يمكن القول اننا امام حلف مقاوم ضد اسرائيل يبرز بقوة، او يعود للبروز مجددا يتمثل في حزب الله في الشمال، وحركة حماس في الجنوب الفلسطيني، ومن غير المستبعد ان يشترك الطرفان في تنفيذ عملية انتقامية ضد قوة الاحتلال الاسرائيلي كرد على اغتيال ستة من كوادر حزب الله، وستة من القيادات العسكرية الايرانية على رأسهم جنرال محمد علي دادي مساعد السيد قاسم سليماني رئيس جيش القدس في منطقة القنيطرة قبل اسبوع.
لا نستغرب، ولا نستبعد، ان تشهد الايام المقبلة هجمات دموية تكون اسرائيل هدفها، من جنوب لبنان وربما سورية ايضا، من ناحية وجنوب فلسطين من ناحية اخرى، فليس هناك للطرفين ما يمكن خسرانه في ظل العربدة الاسرائيلية والتواطؤ العربي الذي بات علنيا معها.
رسالة السيد الضيف يجب ان تدرس بعناية فائقة، لانها ربما تكون الاهم التي تصدر عن حركة حماس في السنوات العشر الماضية ان لم يكن اكثر، فهذا الرجل يزن كلماته بميزان الايمان والشهادة، ونأمل ان لا نكون مخطئين.
بنيامين نتنياهو أثار عش الدبابير باغتياله كوادر “حزب الله”، وربما لا نبالغ اذا قلنا انه فتح على نفسه ومستوطنيه ابواب جهنم، وقطعا سيدفع ومستوطنيه ثمنا باهظا جدا.

حزب الله يستعد للحرب.. ويتوعد بالانتقام للغارة التي استشهد فيها جهاد مغنية.. فلماذا يشارك ايرانيون في الاعداد لهجوم في الجولان؟ وهل اشعال جبهة الجنوب بات واردا لخلط الاوراق في المنطقة؟ ولماذا الآن؟

عبد الباري عطوان
قبل ثلاث سنوات كنت ازور العاصمة اللبنانية بيروت للمشاركة في فعالية سياسية، اقتربت مني شابة مهذبة محجبة وشقيقها، وقالت لي انني فاطمة ابنة الشهيد عماد مغنية، وهذا شقيقي جهاد وكان شابا نحيلا متواضعا يحمل قسمات والده، وعنفوانه، وكنت سعيد جدا بهذا اللقاء الصدفة ودمعت عيناي فرحة، فالشهيد مغنية وآلاف الشهداء الآخرين قدموا ارواحهم من اجل القضية الفلسطينية وعزة الامة ونصرتها.
تذكرت ما قاله لي الدكتور رمضان عبد الله شلح زعيم تنظيم “الجهاد الاسلامي” بأن الشهيد مغنية صلى معه الفجر، وتوجه على عجل الى لبنان بعد ان ابلغه ان حدثا كبيرا سيقع، ولا بد ان يكون هناك وسط رجاله، وتبين بعد ذلك ان هذا الحدث هو خطف الجنود الاسرائيليين الثلاثة الذي استخدمته حكومة ايهود اولمرت كذريعة لغزو لبنان عام 2006 وهو الغزو الذي انتهى بهزيمة كبرى، وكان الشهيد مغنية، او الحاج رضوان يقود هذه المعركة، ويبلي فيها بلاء حسنا.
***
اليوم اغارت الطائرات الاسرائيلية على سيارتين قرب مدينة القنيطرة على الحدود مع الجولان المحتل، واغتالت قائدين عسكريين من حزب الله واربعة ضباط ايرانيين، وكان من بين الشهداء جهاد مغنية ابن الشهيد عماد مغنية لينضم الى قوافل الشهداء على خطى والده وابناء عقيدته.
القيادة العليا لحزب الله عقدت اجتماعا طارئا وسط دعوات تطالب بضرورة الرد على هذا العدوان الاسرائيلي، ومن غير المستبعد ان تجد هذه الدعوات صدى، فمن تابع التقارير العسكرية الاسرائيلية التي تعبر بقوة عن احتمالات حرب على الجبهة الشمالية مع حزب الله، ومن شاهد مقابلة السيد حسن نصر الله التي ادلى بها للزميل غسان بن جدو مدير عام قناة “الميادين” قبل يومين، يصل الى قناعة راسخة بأن تسخين جبهة الجنوب اللبناني امر غير مستبعد على الاطلاق، وربما عملية الجولان التي لم يكتب لها ان تنفذ هي المقدمة.
السيد نصر الله اعلن في المقابلة المذكورة ان “حزب الله” يملك صواريخ ايرانية من طراز “فاتح 110″ التي يمكن ان تطال اي هدف في فلسطين المحتلة من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب حيث يبلغ مداها اكثر من 200 كيلومتر، واكد ان المقاومة الاسلامية في “جهوزية تامة” على جبهة الجنوب، وهي مستعدة لمواجهة اي احتمال لافتا الى “ان جزءا اساسيا من المقاومة متفرغ بشكل تام لهذه الجبهة لان الاولوية هي مواجهة المشروع الصهيوني”.
السيد نصر الله تحدث ايضا، وبكل صراحة ووضوح، بان الاهداف المدنية الاسرائيلية من محطات مياه وكهرباء ومنشأت نووية وصناعية وتكنولوجية ومطارات وموانيء وغيرها ستكون هدفا للصواريخ، واعاد تكرار جملة قالها في خطاب وجهه الى الفلسطينيين عام 2000 “بان اسرائيل اوهن من بيت العنكبوت” ولكن بيت العنكبوت هذا محمي بباطون مسلح تصنعه الحكومات العربية والدول الداعمة لاسرائيل.
ولمح الى ان الحرب القادمة لن تكون حرب صواريخ، وانما حرب توغل ايضا في الجليل، وقد اكد لي شخصيا هذه المسألة عميد الاسرى العرب سمير قنطار الذي يعتبر احد ابرز قادة الجناح العسكري لحزب الله في غداء جمعنا سويا قبل بضعة سنوات، وفوجئت بمثل هذا الطرح.
هل ستكون هذه العملية الفدائية التي لم تكتمل في هضبة الجولان الشرارة التي ستشعل الحرب في اتجاه اسرائيل هذه المرة وتخلط كل الاوراق على الجبهتين السورية والعراقية، بل ربما المنطقة بأسرها؟
لا نملك الاجابة الحاسمة في هذا الصدد، ولكن كل ما يمكن ان نقوله ان السيد نصر الله قال في اكثر من مرة ان الرد على القصف الاسرائيلي لسورية، وضرب بعض شحنات الصواريخ التي قيل انها كانت في طريقها الى حزب الله سيكون في اي وقت وفي اي مكان.
التقارير الاسرائيلية شبه الرسمية تقول ان حزب الله يملك اكثر من مئة الف صاروخ من مختلف الابعاد والاحجام، ومن غير المستبعد ان تكون القيادة العسكرية الايرانية قررت اشعال جبهة لبنان وسورية ضد اسرائيل من اجل التهرب من استحقاقات الاتفاق النووي المنتظر مع امريكا والدول العظمى الست.

***

ليس من قبيل الصدفة ان يعلن الادميرال علي فدوي قائد سلاح البحري في الحرس الثوري الايراني (اليوم) الاحد بأن قواته قادرة على اغراق حاملات الطائرات الامريكية من خلال الزوارق الانتحارية السريعة، وجاء هذا التصريح المفاجيء والمختارة كلماته بعناية خلال لقائه وفدا عسكريا عمانيا برئاسة اللواء الركن سالم بن مسلم بن علي قطن آمر كلية الدفاع الوطني العمانية، واضاف المسؤول الايراني ان الامريكيين يقولون انهم ينفقون 13 مليار دولار لصنع حاملة طائرات ونحن قادرون على تدميرها بزورق انتحاري صغير، فلماذا اختار الادميرال الايراني هذه المناسبة وهذا التوقيت؟
بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل تفاخر امام فرانسوا هولاند رئيس فرنسا قبل ايام بأن اسرائيل اكثر امنا من بلاده ودعا يهود فرنسا بالهجرة اليها، ولكن الايام المقبلة قد تثبت، اذا ما سارت الامور في هذا السياق، ان مباهاته هذه في غير محلها، فحركة “حماس″ في الجنوب الغزي تجرب صواريخ جديدة، وحزب الله في الشمال يرسل مقاتليه الى هضبة الجولان ويشحذ صواريخه في الجنوب.
اسرائيل استمتعت بالامن والاستقرار طوال السنوات الماضية، وترجمت ذلك الى رخاء اقتصادي بسبب تدفق السياح والاستثمارات والمهاجرين، بفضل السلطة الوطنية الفلسطينية وامنها الذي كان حارسا امينا للمستوطنات الاسرائيلية ومستوطنيها، ومنع اي مقاومة فلسطينية سلمية او مسلحة.
الايام المقبلة قد تكون حبلى بالمفاجآت ربما تكون ليست في صالح اسرائيل وحلفائها العرب، وننصح اليهود الفرنسيين الذين يستعدون لشد الرحال الى مستوطنات الضفة الغربية ان يتريثوا قليلا، وان يستعدوا لاستقبال من سبقوهم في الهجرة، فلا شيء مستبعد، وكل الاحتمالات واردة.

ذبح مغربي طعنا في جنوب فرنسا واعتداء على خمسين مسجدا وما زال المسلمون في دائرة الاتهام.. وقلقهم لا يحتل المرتبة الاولى للحماية في اجندة الحكومات الاوروبية.. ماذا لو طلب امام مسلم بما طالب به حاخام يهود بروكسل بتسليح المسلمين ايضا؟

عبد الباري عطوان
تعرض فرنسي من اصل مغربي لهجوم من قبل جاره الفرنسي ايضا اقتحم منزله ووجه اليه 17 طعنة سكين وارداه قتيلا وسط بركة من الدماء امام زوجته واطفاله، كما اشهر مهاجر من اصل روماني سكنيا في مدينة تولوز جنوب فرنسا وهدد بذبح مسلمين، وافادت التحقيقات الرسمية ان اكثر من خمسين مسجدا ومؤسسة اسلامية تعرضت لاعتداءات عنصرية من بينها كتابات تطالب بالموت للمسلمين ووضع رؤوس وامعاء خنازير امام ابوابها.
من يطالع الصحف البريطانية والفرنسية صباح السبت يجد ان الموضوع الطاغي في صفحاتها الاولى هو تشديد الحراسة من قبل السلطات الامنية على المؤسسات اليهودية لحمايتها من اي هجمات محتملة من قبل متشددين اسلاميين بعد مقتل اربعة اشخاص في المتجر اليهودي الذي اقتحمه احمد كوليبالي، ولا اشارة واحدة لتأمين الحراسة للمسلمين وان وجدت فهي على استحياء شديد.
هناك خوف في اوساط الجاليات اليهودية، ولكن الخوف في اوساط الجالية الاسلامية اكبر في ظل تصاعد نفوذ وقوة الاحزاب والجماعات اليمينية العنصرية المتطرفة التي تستهدف المسلمين وتهدد بترحليهم من اوروبا كلها وسط اعمال تحريض اعلامية وسياسية غير مسبوقة، وجاء الهجوم على صحيفة شارلي ابدو الاسبوعية ليعطيها الذحيرة التي كانت تنتظرها وتحلم بها.

***

في المانيا على سبيل المثال توجد حركة “بيغيدا” اليمينية المتطرفة (حركة وطنيون اوروبيون ضد اسلمة الغرب) هذه الحركة تنظم مظاهرة كل يوم اثنين في جميع المدن الالمانية، في المظاهرة الاولى التي نظمتها في تشرين الاول (اكتوبر) الماضي اشترك فيها 500 شخص، وفي الثانية التي نظمتها في شهر كانون الاول (ديسمبر) الماضي ارتفع الرقم الى 10 الاف شخص، اما مظاهرة الاثنين الماضي فارتفع عدد المشاركين الى 25 الفا.
بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل استغل هجوم المتشددين على مجلة شارلي ابدو لدعوة اليهود الفرنسيين الى الهجرة الى فلسطين المحتلة، وجرى دفن اليهود الاربعة ضحايا هجوم متجر باريس في جبل المكبر في القدس المحتلة، اي في اراضي مغتصبة، وهناك مؤشرات بأن عشرة آلاف يهودي فرنسي قد يهاجرون الى فلسطين المحتلة هذا العام، ومن المؤكد انه سيجري توطين معظمهم في مستوطنات في الضفة الغربية.
الحاخام مناحيم مارجولين، حاخام بروكسل ورئيس الاتحاد الاوروبي للمنظمات اليهودية طالب مختلف وزراء داخلية الحكومات الاوروبية بتعديل قوانين حمل السلاح للافراد بما يسمح لليهود في اوروبا بحمل السلاح للدفاع عن انفسهم، ونقلت عنه صحيفة “بلجيكا الحرة” الصادرة اليوم (السبت) ان اليهود في حال قلق بعد الهجمات الاخيرة في فرنسا.
قلق الجالية اليهودية مفهوم، ولكن ماذا يمكن ان يحدث لو امام او زعيم مؤسسة او هيئة اسلامية في اوروبا تقدم بالطلب نفسه على سبيل المثال، وكيف ستكون ردود الفعل؟
المسألة لم تعد الدفاع عن حرية التعبير مثلما كانت قبل اسبوع، وانما تحولت الى مسألة امنية بحته توجه اصابع الاتهام الى المسلمين، او المتشددين منهم على اعتبارهم مصدر تهديد لامن اوروبا واستقرارها، وبما يحتم ضرورة تحالف القارة العجوز مع امريكا لمواجهة هذا الخطر، مثلما فعل ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا الذي طار الى واشنطن من اجل هذا الغرض.
اذا كان هناك خطر على اليهود في اوروبا واي مكان آخر في العالم فإن سببه اغتصاب فلسطين، وسياسات اسرائيل الاستيطانية والعنصرية، وحروبها ومجازرها ضد العرب والفلسطينيين، واصرار نتنياهو على اعتراف العرب والمسلمين بإسرائيل كدولة يهودية عنصرية، واقناع اليهود والحكومات والاعلام الغربي بأن اي انتقاد لهذه الممارسات العنصرية هو عداء لليهود والسامية، ومن المؤسف انه نجح نجاحا ملموسا في جر اليهود الى هذه المصيدة.
كل من ينتقد المجازر الاسرائيلية في قطاع غزة وجنوب لبنان هو معاد للسامية ولليهود ومتطرف يجب وضعه على لائحة الاتهام، ومن المؤلم ان الكثيرين من الكتاب الغربيين، ناهيك عن العرب والمسلمين وضعوا على هذه اللائحة وطوردوا في اكل عيشهم، ومنعوا من حرية التعبير بطريقة او باخرى ومن بين هؤلاء يهود.
الحكومات الغربية التي تعلن حالة الطوارىء القصوى يجب ان تعلم جيدا بان ما يهدد استقرار مجتمعاتها هو سياساتها التي توفر الذخيرة الاكبر للجماعات المتشددة لتجنيد الشباب المسلم في صفوفها ودفعه لتنفيذ هجمات “ارهابية”.
***
ديفيد كايمرون ونظيره نيكولاي ساكوزي هما اللذان ذهبا الى بروكسل قبل ثلاث سنوات لرفع الحظر عن ارسال السلاح الى الجماعات التي تقاتل لاسقاط النظام في سورية، وعندما خرج المارد من القمقم وباتت هذه الجماعات هي الاقوى وتطالب باقامة دولة الخلافة تحول هؤلاء الى ارهابيين وتغيرت الاولويات والحلفاء ايضا.
الرئيس جورج بوش الاين اعلن الحرب على الارهاب ومعه حلف الناتو، وبعض العرب من اجل محاربة الارهابيين حيث يتواجدون في العالم الاسلامي لمنع وصولهم الى امريكا واوروبا، وربما يكون هناك نجاح تحقق، ولكن لم يدر في ذهن هؤلاء ان محاربة الارهاب في الخارج ستؤدي الى نموه في الداخل.
الاجراءات الامنية المشددة لن تحقق الاستقرار في اوروبا وتمنع الهجمات، وانما اتباع سياسات تقوم على المساواة والعدالة بين ابناء جميع الديانات ووقف كل اعمال التحريض والاستفزاز، ونكرر بأن الذين خلقوا الازمة وتداعياتها هم ثلاثة اشخاص فقط، ولا يملكون طائرات (اف 16) او صواريخ كروز ولا اسلحة نووية.
توجيه اصابع الاتهام الى الجالية الاسلامية من خلال هذه الاجراءات الامنية التي توفر الحماية لغيرهم باعتبارهم ضحايا، قد يعطي نتائج عكسية تماما، لان المسلمين هو الضحايا ايضا، وهم الذين يقتلون ايضا في بلدانهم التي لجأوا اليها، او في بلدانهم التي هربوا منها بحثا عن الحرية ولقمة العيش الكريم.
نحن مع حرية التعبير دون قيود، ولكننا ضد استخدامها كذريعة ليس لاستفزاز المسلمين فقط، وانما كنقطة استغلال لتجريمهم ووضعهم في دائرة الاتهام، وعدم مساواة خوفهم وقلقهم بقلق الآخر وخوفه ايضا.

السعودية تفشل المبادرة الفنزويلية وترفض اجتماعا طارئا للاوبك.. واسعار النفط تهبط الى الاربعين دولارا.. وايران تهدد وتتوعد وروسيا صامته.. وخسائر الخليج تعيد اعمار العالم العربي كله

عبد الباري عطوان
ذكرتني الجولة التي يقوم بها حاليا الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في اربع دول رئيسية منتجة للنفط هي ايران والسعودية وقطر والجزائر في محاولة لاقناعها بمبادرته التي تنص على انعقاد قمة طارئة لمنظمة الاوبك لبحث ازمة تدهور الاسعار الحالية، بجولة مماثلة لسلفه الاسبق الرئيس كارلوس رودريغز قبل 37 عاما تقريبا ومن اجل الهدف نفسه لكن لاسباب مختلفة.
كنت في حينها، اي عام 1977 على ما اذكر اعمل محررا في صحيفة “المدينة” اليومية السعودية، واوفدني رئيس التحرير الصديق احمد محمد محمود الى الرياض لتغطية زيارة الرئيس الفنزويلي وجاء اختياري، لسبب ليس له علاقة بالكفاءة، بقدر ما له علاقة بلغتي الانكليزية المعقولة، فقد كنت اتحسس طريقي في هذه المهنة الصعبة، وهذه قصة اخرى.
الرئيس الفنزويلي رودريغز حط الرحال في الرياض من اجل اقناع العاهل السعودي الملك خالد بن عبد العزيز برفع اسعار النفط السعودي بنسبة 5 بالمئة من اجل ردم الهوة مع اسعار دول اوبك اخرى رفعته في اجتماع سابق لها بنسبة 10 بالمئة وهو ما رفضته السعودية واصرت على ان تكون الزيادة نصف هذه النسبة، وتردد ان هذا الرفض جاء بضغوط امريكية.
اذكر انني سألت الامير فهد بن عبد العزيز ولي العهد الذي ترأس الوفد السعودي في المباحثات مع الضيف الفنزويلي وكان الحاكم الفعلي للبلاد، عما اذا كانت المملكة ستتجاوب مع مطلب رفع اسعار نفطها اسوة بالدول الاخرى، فقال لي ان المملكة “ملتزمة” بوحدة منظمة الاوبك وكانت هذه كلمة السر، وفعلا رفعت المملكة سعر نفطها 5 بالمئة اخرى ومرت الازمة، وخرجت انا بسبق صحافي عالمي.
***
يبدو ان الرئيس الفنزويلي الحالي مادورو اقل حظا من الرئيس كارلوس، لان مبادرته بخفض انتاج النفط السعودي من اجل رفع الاسعار او بالاحرى وقف انهيارها السريع لم تحقق اي من اهدافها، فقد اعلن بعد اجتماعه مع السيد عبد الملك سلاس رئيس وزراء الجزائر المحطة الاخيرة في جولته “انه لا يوجد اجماع بين الدول الاعضاء في اوبك لعقد اجتماع طارىء للمنظمة”، وفي واقع الحال ليس هناك حاجة لاجماع، وانما موافقة دولة واحدة تنتج 9.6 مليون برميل يوميا وهي السعودية يمكن ان تحل الازمة اذا ارادت، وتوافق على الاجتماع الطارىء، وتقبل بالتالي بخفض الانتاج.
فشل جهود الرئيس الفنزويلي يعني ان اسعار النفط التي وصلت امس الى اقل من 45 دولارا للبرميل قد تصل الى اربعين دولارا غدا، و35 دولارا الاسبوع المقبل حتى تصل الى عشرين دولارا مثلما بشر السيد علي النعيمي وزير نفط المملكة الدول الاخرى الاعضاء، الامر الذي قد يؤدي الى افلاس معظم الدولة المنتجة غير الخليجية، وخاصة فنزويلا ونيجيريا وايران وروسيا.
كل دولار انخفاض في اسعار برميل النفط يعني خسارة مقدارها ملياري دولار من دخل روسيا يوميا، واذا قدرنا ان اسعار النفط انخفضت بحوالي سبعين دولارا منذ حزيران (يونيو) الماضي فإن هذا يعني ان خسارة روسيا السنوية 140 مليار دولار مرشحة للزيادة، والحسبة نفسها تنطبق على ايران وفنزويلا ونيجيريا وجميع الدول المصدرة للنفط.
السعودية ودول الخليج الاخرى لن تتأثر على المدى القصير، لان جيوبها عميقة، فالسعودية تملك فائض نقدي مقداره 750 مليار دولار وتستطيع تحمل الخسائر لعدة سنوات، والشيء نفسه يقال عن الكويت والامارات وقطر التي تملك صناديق سيادية تزيد قيمتها على ترليون ونصف ترليون دولار تقريبا، ولكن ليس البحرين وسلطنة عمان، الدول الافقر والاقل انتاجا والاكثر سكانا مثلما هو حال الثانية (عمان).
هناك ثلاثة اعتبارات او اسباب رئيسية ادت الى انخفاض اسعار النفط بهذه الصورة المتسارعة:
• اولا: ضعف الطلب بسبب الازمة الاقتصادية العالمية.
• ثانيا: زيادة الانتاج الامريكي من النفط الصخري حوالي خمسة ملايين برميل يوميا سترتفع الى عشرة عام 2020.
• ثالثا: رفض السعودية خفض الانتاج من اجل زيادة الاسعار اثناء اجتماع اوبك الاخير في كانون الاول (ديسمبر) الماضي.

روسيا وايران لديهما انطباع مؤكد ان هناك مؤامرة سعودية امريكية تهدف الى تضييق الخناق عليهما اقتصاديا من خلال تخفيض اسعار النفط، الاولى بسبب ضمها لجزيرة القرم ودعم انفصال شرق اوكرانيا، والثانية لدعمها النظام السوري وحزب الله وحركة المقاومة الاسلامية الفلسطينية، فالاقتصاد الروسي الذي يعتمد بنسبة 70 بالمئة على صادرات النفط والغاز مرشح للدخول في حال كساد هذا العام، والروبل خسر ستين في المئة من قيمته امام الدولار، وكل محاولات دعمه بما في ذلك رفع سعر الفائدة الى 17 بالمئة باءت بالفشل، والشيء نفسه يقال عن ايران التي تدهورت عملتها لاكثر من ثمانين في المئة، وقد اقرت ميزانيتها للعام المقبل ابتداء من اول اذار (مارس) على اساس سعر 72 دولارا للبرميل اي بعجز متوقع بنسبة 33 بالمئة على اقل تقدير اذا وقف انهيار اسعار النفط عند حاجز 45 دولارا مثلما هو الحال اليوم.

***

ايران بدأت تشعر بسخونة الازمة، وانعكس هذا في تصريحات الرئيس حسن روحاني التي هدد فيها امس بأن من خفضوا اسعار النفط (في اشارة الى السعودية) ضد بعض البلدان (في شارة الى ايران وروسيا) سيندمون على هذه الخطوة، وقال “ايران لن تخضع للمؤامرة وستتغلب عليها.
السعودية التي تخوض حاليا حربا في سورية والعراق ضد “الدولة الاسلامية” واخرى ضد التهديد الامني لانصارها في الداخل بدأت الآن على حافة حرب اخرى ضد دول منظمة اوبك وخارجها بعضها مسلم مثل ايران ونيجيريا والجزائر وليبيا واخرى غير مسلمة مثل روسيا وفنزويلا.
خسائر دول الخليج وحدها من انخفاض اسعار النفط الى 45 دولارا تصل الى اكثر من 300 مليار دولار سنويا وهي خسارة كفيلة بإعادة اعمار وتنمية كل الدول العربية مجتمعة وايجاد وظائف لكل الشباب العربي العاطل عن العمل، ناهيك عن الشباب السعودي الذي تبلغ نسبة البطالة في صفوفه اكثر من ثلاثين في المئة.
لا نعرف من هم الاكثر حكمة وتبصر في التعاطي مع الازمات النفطية الطارئة، حكام السعودية القدامى ام الحاليين.
المقارنة ليست في محلها، والظروف تغيرت حتما، ولكن ما يمكن قوله ان السيد النعيمي وزير النفط السعودي ومن يرسمون له السياسات يقدمون على مقامرة خطيرة جدا سياسيا واقتصاديا من الصعب التنبؤ بنتائجها، خاصة ان الامور بدأت تخرج من ايدي الجميع وباتت امكانية السيطرة عليها معدومة، والله اعلم.

الطيار الكساسبة يفضح الروايات الامريكية الكاذبة ويؤكد اسقاطه بصاروخ.. انها رسالة ايضا للطيارين العرب زملائه في التحالف.. واخيرا هل سيعتذر لنا الامريكيون ويعترفون بخطأ أحدث اكاذيبهم؟

عبد الباري عطوان
لا نعرف ما هو شعور القيادة العسكرية الامريكية التي اصدرت بيانا شككت فيه برواية “الدولة الاسلامية” التي قالت انها اسقطت الطائرة الحربية الاردنية “بصاروخ حراري” بعد ان اطلعوا على النص الحرفي للمقابلة التي اجرتها مجلة “دابق” مع الملازم طيار معاذ الكساسبة وروى فيها بالتفصيل كيفية سقوط طائرته الامريكية الصنع، وقفزه منها بعد ان انحرفت عن مسارها والسنة الدخان تنبعث من محركاتها.
ولا نعرف ايضا ما هو شعور القيادة العسكرية الاردنية التي تبنت الرواية الامريكية الكاذبة والمضللة هذه التي تكشف عن غباء مطلق، واستهتار بعقل المشاهد والقاريء، والامكانيات الاعلامية الهائلة للطرف الآخر، تقنيا وبشريا.
يجب ان تعرف الادارة الامريكية وقيادتها العسكرية وتعترف ان الاعلام تغير في عصر “الانترنت” و”اليوتيوب” و”الفيسبوك” و”التويتر”، وان العرب والمسلمين لم يعودوا اغبياء، وتحرروا من هيمنة الاعلام الرسمي وادواته الرقابية المتخلفة، مثلما تحرروا من الاعتماد على وسائل الاعلام الغربية للوصول الى المعلومات، وان ما كان صالحا في الحربين العالميتين الاولى والثانية لم يعد صالحا في القرن الواحد والعشرين.
الادارة الامريكية تكابر في تعاطيها مع مسألة اسقاط الطائرة الاردنية، وترفض الاعتراف بأن هذا النوع من الطائرات (تف 16) الذي كان يصول ويجول في الاجواء العربية ويقصف ويدمر كيفما شاء دون ان يعترضه احد، يمكن ان يسقط مثل الذباب عندما يجد من يعرف كيف يتعاطى معه، ويكسر شوكته ولو جزئيا.
***
اسرائيل كانت تتحلى بالغرور نفسه، وتعتقد ان دباباتها من نوع “الميركافا” عصية على رجال المقاومة وصواريخهم، الى ان جاء اليوم الذي سجل انهيار هذه الاسطورة في قطاع غزة وجنوب لبنان بسواعد المؤمنين طالبي الشهادة، وشاهدنا مقابرها ماثلة للاذهان وشاهدة، في شمال وشرق قطاع غزة وفي ميليتا في جنوب لبنان.
الطيار الاسير الكساسبة كشف المستور وفضح اللعبة واللاعبين، وقدم معلومات دقيقة عن جميع الدول الخليجية والعربية التي ارسلت طائراتها للمشاركة في ضرب مواقع وتجمعات “الدولة الاسلامية”، والقواعد التي تنطلق منها الطائرات، وانواعها، مثلما كشف عن اعداد الطيارين والمهندسين، والمستشارين الامريكيين الذين يعملون في هذه القواعد.
المعلومات الدقيقة هذه التي قدمها الطيار الكساسبة ربما نقطة في بحر، ولا بد ان هناك اخرى جرى حجبها، او انها ستظهر لاحقا، وهي ثمينة جدا بكل المقاييس، وما يؤكد صحتها ان وزارة الدفاع الامريكية تلتزم الصمت ولم تعلق عليها مطلقا حتى كتابة هذه السطور ربما خجلا، ونحن نفترض ان هناك من يخجل في البنتاغون من اعمال القتل والتعذيب التي مارسها ويمارسها رجاله واجهزته الاستخبارية في العراق وافغانستان وغوانتانامو.
الطيار الكساسبة “صيد ثمين” في يد آسريه في “الدولة الاسلامية” وورقة ضغط كبرى على السلطات الاردنية والامريكية معا، كما ان عملية اسقاط طائرته واسره رسالة قوية الى الطيارين العرب (والطيارات)، وبينهم امراء، تباهوا وهم يقودون طائراتهم الى الاجواء السورية والعراقية لتنفيذ ضرباتهم وفق الاوامر الموجهة اليهم، ويقتلون مواطنين ابرياء الى جانب مقاتلي “العدو” اي تنظيم “الدولة الاسلامية”.
***
لسنا من بين المصدقين للغالبية العظمى من البيانات الامريكية، لاننا نملك مخزونا ضخما من الادلة التي تؤكد كذبها وتضليلها، ألم يقولوا لنا ان هناك معلومات موثقة عن اسلحة الدمار الشامل العراقية، ألم يؤكدون لنا قبل ثلاثة اعوام ان ايران على بعد اقل من ستة اشهر من انتاج رؤوس نووية، وقالوا الشيء نفسه قبل ذلك عن صدام حسين ونظامه.
اعترف انني شعرت بغصة في حلقي وانا ارى الطيار الكساسبة يرتدي البدلة البرتقالية، ويقول دون تردد في اجابته عن سؤال عما ستفعل به “الدولة الاسلامية” ومقاتليها بعد وقوعه في الاسر “انهم سيقتلونني”.
اتمنى من كل قلبي ان لا تعدم “الدولة” هذا الطيار الشاب وتحسن معاملته، فقد جرى الزج به في حرب اعتقد انه لا يؤمن بها وجدواها، وشرعيتها، في اعماقه، وكم كنت سأفتخر به واعلق صورته في مكتبي لو ان آسريه من الاسرائيليين.
انه ضحية سياسات خاطئة اقدمت عليها السلطات الاردنية، باختيارها او رغما عنها، فهذه الحرب ليست حربها، ودورها فيها ثانوي جدا، ولن تخرج منها الا خاسرة، وان ربحت بعض المال وبعض الرضاء الامريكي.

طبخة “بوغدانوف” السورية: تطبيع العلاقات بين دمشق وواشنطن وبدء صفحة جديدة عنوانها تكريس شرعية نظام الاسد والتعاون عسكريا ضد “الدولة الاسلامية”.. فهل اقتربت من النضج.. وما هي حصة المعارضة؟

عبد الباري عطوان

لا نعرف مواصفات “الطبخة” الدبلوماسية التي يعكف ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي على اعدادها بشأن كيفية الوصول الى “حل سياسي” للازمة السورية، وما اذا كانت هذه الطبخة قد اوشكت على النضوج ام لا، فالرجل الذي لم يترك حجرا يتعلق بهذه الازمة الا وقلبه، يتنقل مثل “النحلة” بين دمشق وبيروت واسطنبول ويلتقي عشرات المسؤولين في العواصم الثلاث، ابتداء بالرئيس السوري بشار الاسد، ومرورا بقادة المعارضة السورية ومضيفهم من المسؤولين الاتراك، وانتهاء بالسيد حسن نصر الله امين عام حزب الله، وكان لافتا انه تجنب زيارة اي عاصمة عربية، وخليجية على وجه الخصوص، ولم يلتق بأي من زعماء او وزراء خارجية الدول العربية التي تدعم، او كانت تدعم المعارضة السورية المسلحة على مدى ثلاث سنوات بالمال والسلاح.
اليوم “الجمعة” خرج بوغدانوف قليلا عن صمته، والقى بتصريح “قنبلة” الى وكالة “ريا نوفوستي” الروسية قال فيه “ان بلاده جاهزة لدراسة استضافة مفاوضات امريكية سورية في حال تقدمت الحكومة السورية بطلب من هذا النوع″، واضاف “في حال تقديم هذا الطلب سنجري اتصالاتنا مع الاطراف المعنية بهذا الشأن”.
هذا كلام على درجة كبيرة من الاهمية والخطورة معا، ليس لانه غير مسبوق، وانما لانه يشكل اختراقا كبيرا في الازمة السورية، ويؤشر الى احتمالات حدوث انقلاب حقيقي في الموقف الامريكي تجاهها.
فعندما يقول بوغدانوف ان موسكو جاهزة لدراسة استضافة مفاوضات امريكية سورية في موسكو في حال تقدم الحكومة السورية بطلب من هذا النوع، فإن هذا يعني، ودون اي عناء، ان الطلب السوري ربما يكون موجودا “في جيبه”، وحصل عليه اثناء لقائه يوم امس بالرئيس السوري بشار الاسد في القصر الجمهوري.

***

لا نعتقد ان سورية ستتردد للحظة واحدة في التقدم بهذا الطلب، كما اننا نجزم بأن الادارة الامريكية هي التي اعطت نائب وزير الخارجية الروسي الضوء الاخضر للمضي قدما في مبادرة بلاده الحالية لتهيئة الاجواء لمفاوضات مباشرة بين السلطة السورية والفصائل المعارضة لها.
السلطات السورية قطعا سترحب بأي لقاءات مع مسؤولين امريكيين في موسكو او حتى في واشنطن نفسها، لان هذه اللقاءات، في حال حدوثها، شبه متوقع ووشيك، ستعني اعترافا امريكيا بشرعية النظام اولا، واستعدادها للتعاون معه في مواجهة الجماعات الاسلامية المتشددة وخاصة “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” و”احرار الشام”.
وربما يفيد التذكير بأن المبعوث الروسي بوغدانوف ادلى بتصريح على درجة كبيرة من الاهمية عند وصوله الى مطار دمشق، عندما قال انه “جاء للقاء القيادة الشرعية السورية والتباحث معها حول كيفية التوصل الى حل سياسي”، فلم اسمع انا شخصيا مثل هذه العبارة، وبمثل هذا الوضوح، منذ بداية الازمة السورية، فكل التصريحات التي ادلى بها المسؤولون الروس كانت “ممغمغة” وتمسط الهصا من الوسط.
الاسابيع الاخيرة شهدت “غزلا” غير مباشر بين الادارة الامريكية والحكومة السورية، بدأ بترحيب السيد وليد المعلم وزير الخارجية، وفي مؤتمر صحافي عقده عندما اعلنت ادارة الرئيس باراك اوباما بدء الضربات العسكرية الجوية لتجمعات “الدولة الاسلامية” داخل سورية، بمثل هذه الضربات واستعداد حكومته للتنسيق مع واشنطن في حربها ضد “الارهاب”.
وبلغ هذا الغزل ذروته عندما كشف الرئيس بشار الاسد في حديث لمجلة “باري ماتش” الفرنسية عن شكوكه في نجاح الضربات الجوية الامريكية هذه، وقال انها لن تحقق اهدافها في اضعاف ومن ثم القضاء على “الدولة الاسلامية” الا من خلال وجود قوات على الارض تعرف المنطقة وجغرافيتها جيدا.
الرسالة التي اراد الرئيس الاسد ارسالها الى واشنطن تنطوي على استعداد واضح للتعاون بقوة على الارض مع الجهود العسكرية الامريكية ضد “الدولة الاسلامية”، ويبدو ان ادارة اوباما التقطتها بسرعة، وطلبت من موسكو تهيئة الاجواء لمفاوضات مباشرة مع الحكومة السورية.
المعارضة السورية التي كانت آخر من يعلم، وهذا ليس مفاجئا، ادركت بدورها ان المعادلات تتغير بسرعة، وان الحليفين الامريكي والعربي تخليا عن مخططاتهما لاسقاط النظام السوري وتسليمها السلطة بالتالي، وهذا ما يفسر حجيج معظم قياداتها الى موسكو، واستعداد بعض فصائلها المقاتلة (جيش الاسلام بقيادة زهران علوش) للتفاوض مباشرة مع النظام السوري.
“طبخة بوغدانوف” اوشكت على النضوج على نار غير هادئة، والضيف الامريكي الذي سيحط الرحال في موسكو للتفاوض مع النظام السوري سيكون الاكثر حرصا على تذوقها وربما التهام الجزء الاكبر منها، بعد ان فشلت استراتيجية بلاده في اطاحة النظام او هزيمة “الدولة الاسلامية” معا.
***
الرئيس اوباما اطاح بوزير الدفاع الامريكي السابق تشاك هيغل لانه كان يريد (اي هيغل) توجيه الطائرات الحربية الامريكية لقصف القصر الجمهوري في دمشق جنبا الى جنب مع مواقع “الدولة الاسلامية” كنواة لاستراتيجية في المنطقة، ولكن الرئيس اوباما كان يضمر شيئا آخر.
الادارة الامريكية تفاوضت مع ايران وتوصلت الى تسوية مؤقتة معها حول برنامجها النووي، ورفعت الحصار جزئيا عنها، بعد ان توقع الكثيرون ان المواجهة العسكرية بين الطرفين كانت قاب قوسين او ادنى، وافرجت عن المليارات من اموالها المجمدة، ونسقت معها في ضرباتها ضد مواقع “الدولة الاسلامية” شرق العراق، فمن المنطقي ان تتفاوض وتنسق مع الرئيس الاسد الحليف الاوثق لايران.
اذا صح هذا الافتراض، وهو يبدو صحيحا حتى الآن على الاقل، فإن امريكا ربما تكون في طريقها للتخلي عن حلفائها في المعارضة السورية “المعتدلة”، وقررت الاستعانة بالنظام لانجاز خطتها في القضاء على “الدولة الاسلامية”، والاعتماد بالتالي على الحلف الروسي الايراني السوري في هذا المضمار.
اين حلفاء المعارضة السورية من العرب، واين امبراطورياتهم الاعلامية وتعبئتها على مدى السنوات الثلاث الماضية للحرب لاسقاط النظام السوري؟ ولماذا لم نر ضيفا واحدا من هذه المعارضة ولو بصيغة مراقب بين صفوف المدعوين؟
الاجابة موجودة في سطور بيان القمة الخليجية التي انعقدت لمدة ساعتين في الدوحة، والفقرة المتعلقة بالازمة السورية على وجه الخصوص، ولكل من يريد التعرف عليها.

جريمة “المنقبة” الاماراتية سياسية ارهابية الدافع.. وذيول حروب المنطقة بدأت تمتد للخليج

عبد الباري عطوان
جريمة القتل التي ارتكبتها سيدة اماراتية منقبة واستهدفت سيدة امريكية، ليست جريمة قتل عادية مثل تلك التي تحدث في اماكن عديدة من المنطقة العربية والعالم، لان كل المعلومات التي بثتها وزارة الداخلية الاماراتية تؤكد ان دوافعها سياسية انتقامية، الامر الذي يؤشر الى امكانية توسع مثل هذه العمليات في المستقبل بالنظر الى التطورات الارهابية المرعبة التي تسود المنطقة في الوقت الراهن.
السيدة المنقبة اختارت مواطنة امريكية لذبحها في حمام وسط حي تجاري، كما زرعت قنبلة بدائية امام منزل مواطن امريكي آخر، مما يعني انها تستهدف اهدافا امريكية مما يوحي بأنها تنتمي الى احد الجماعات الاسلامية المتشددة، او تتعاطف معها، و”الدولة الاسلامية” على وجه الخصوص.
ما يجعلنا نتكهن بمثل هذا الافتراض اقدام خلايا سعودية على اطلاق النار على رعايا امريكيين واوروبيين في الرياض ومناطق اخرى قبل بضعة ايام، وتوجيه السلطات السعودية اصابع الاتهام الى “الدولة الاسلامية” بالوقوف خلف هذه الهجمات.
***
استهداف دولة الامارات بعد المملكة العربية السعودية ربما يعود الى اشتراكها بفاعلية في التحالف الستيني الدولي الذي اسسته الولايات المتحدة لمحاربة “الدولة الاسلامية” بهدف اضعافها تمهيدا للقضاء عليها، وقواتها في العراق وسورية.
السعودية والامارات وقطر شاركت في هذه الحرب بطريقة مباشرة او غير مباشرة، بما في ذلك توفير قواعد عسكرية لانطلاق الهجمات، او ارسال طائرات لشن غارات لتدمير آبار ومصافي نفط تسيطر عليها “الدولة الاسلامية” في منطقة الرقة السورية على الحدود مع العراق، ومن غير المستبعد ان تكون هذه المنقبة عضوة في احد خلايا هذه “الدولة” النائمة، او تنظيم “القاعدة” المركزي.
صحيح ان قوات الامن الاماراتية استطاعت القاء القبض على “المنقبة”، وتفكيك العبوة الناسفة التي زرعتها امام منزل مواطن امريكي آخر، الامر الذي يظهر كفاءة امنية عالية، ولكن الجريمة في حد ذاتها تقرع ناقوس الخطر، خوفا من كونها جزءا من مخطط يستهدف هز استقرار دول الخليج العربي التي ظلت في منأى عن اي اعمال عنف وارهاب طوال السنوات الماضية، رغم تدخلها المالي والعسكري في بعض بؤر الصراع الساخنة، بل الملتهبة في كل من ليبيا وسورية والعراق واليمن.
وسائل التواصل الاجتماعي باتت ميادين تحريض للشباب الخليجي على “الجهاد” في صفوف الجماعات المتشددة، وتفيد دراسات كثيرة بأن بعض الدعاة استغلوها لتجنيد الآلاف للانخراط في صفوف تنظيمات “القاعدة” و”الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة”، ويكفي الاشارة الى التقديرات شبه الرسمية التي تفيد بأن اكثر من 5000 شاب سعودي يقاتلون حاليا الى جانب “الدولة الاسلامية” وينخرط معظمهم في وحدات “انتحارية” او استشهادية حسب ادبيات هذا التنظيم.
الذين قاموا بتجنيد هذه “المنقبة” وحددوا لها اهدافها بشكل دقيق يريدون هز استقرار دولة الامارات، واثارة “الفزع″ في صفوف مواطنيها والمقيمين فيها، والاجانب منهم على وجه الخصوص، وما زال من المبكر القول بأنهم حققوا اهدافهم في هذا الصدد.
***
انها جريمة بشعة تبعث على القلق كيفما نظرت اليها، فدول الخليج ظلت، باستثناء البحرين والمملكة العربية السعودية بعيدة عن الحروب الاهلية ذات الطابع المذهبي، والصراعات على السلطة في اكثر من بلد عربي، يبدو لم تعد محصنة من وصول بعض ذيولها بشكل مباشر او غير مباشر.
الازدهار الاقتصادي الذي عاشته هذه الدول يعود بالدرجة الاولى الى امرين اساسيين، الاول عوائد النفط المجزية، والثاني الامن والاستقرار، واذا كان انخفاض الاول نتيجة تراجع اسعار النفط لا يؤثر عليها كثيرا بسبب احتياطاتها المالية الهائلة، فإن استهداف امنها واستقرارها سيكون له تاثير سلبي كبير دون ادنى شك.
المنطقة العربية كلها تقف حاليا على فوهة بركان من العنف والصراعات المذهبية، وبداية حممه تجلت بوضوح من الفوضى الدموية التي نراها في ليبيا وسورية والعراق واليمن، ويبدو ان دائرتها بدأت تتسع لتصل الى دول جوار الصف الثاني التي اعتقد الكثيرون انها في مأمن.
وربما يجادل البعض ان جريمة “المنقبة” هذه ربما تكون حادثة فردية ولذلك من الخطأ الذهاب بعيدا في تأويلها وتضخيم نتائجها بالتالي، وهذا الجدل فيه جانب من الصحة، ولكن معظم الاحداث الكبرى التي شهدتها المنطقة، وهزت استقرار بعض دولها، بدأت على هذه الصورة، وثبت لاحقا ان هذه الهجمات الفردية هي قمة جبل الثلج المخفي تحت سطح الماء، ونأمل ان نكون مخطئين في تشاؤمنا هذا.

السعودية تعلن “الحرب النفطية” لتركيع ايران وروسيا وهزيمتهما في سورية واوكرانيا.. فهل ستنجح هذه المرة مثل سابقاتها؟ وهل سيكون نجاحا دون خسائر؟

عبد الباري عطوان

تقدم المملكة العربية السعودية على”مغامرة” تتسم بالكثير من الخطورة في اصرارها على عدم خفض الانتاج النفطي لامتصاص الفائض في الاسواق الذي يقدر رسميا بحوالي مليون برميل وزيادة الاسعار، لان تكاليف هذا القرار السياسي قد تكون باهظة في المدى المنظور.
وزير النفط السعودي السيد علي النعيمي الذي حمل استراتيجية بلاده هذه الى اجتماع منظمة “اوبك” نصف السنوي في فيينا نجح، بالتهديد والوعيد، في فرض وجهة نظر بلاده على نظرائه، في ابقاء معدل الانتاج للمنظمة (30 مليون برميل يوميا) على حاله دون اي تخفيض، وتكريس دورها كلاعب اساسي مهيمن في قطاع النفط ومنظمته، ولكنه نجاح قد يكون مؤلما لما يمكن ان تترتب عليه من نتاج سياسية بالنظر الى الدول المتضررة من هذا النجاح وعلى رأسها روسيا وايران وفنزويلا والجزائر والعراق.
السعودية، وبكل بساطة، قررت استخدام سلاح النفط، ولكن ضد روسيا وايران بالدرجة الاولى، وبتنسيق كامل مع الولايات لمتحدة الامريكية بهدف تركيع هاتين الدولتين بسبب تدخل الاولى عسكريا في اوكرانيا، ودعم الثانية للنظام السوري وتمسكها بحقها المشروع في تخصيب اليورانيوم ورفضها تقديم تنازلات في مفاوضات فيينا الاسبوع الماضي حول طموحاتها ومنشآتها النووية.
فعندما تنخفض اسعار برميل النفط الى اقل من سبعين دولارا بعد ان كانت 120 دولارا قبل بضعة اشهر، اي بمعدل يقترب من الاربعين في المئة، فإن دولا مثل ايران وروسيا تشكل صادرات النفط اكثر من خمسين في المئة من دخلها، ستجد نفسها امام ظروف اقتصادية صعبة للغاية في الاشهر المقبلة.

***

الحكومة السعودية تبرر اتخاذها لهذا القرار للتصدي للبديل الآخر لنفط دول الاوبك، اي النفط الصخري الذي اصبح استخراجه مجديا؟ رغم تكاليفه العالية، بسبب ارتفاع اسعار النفط، حتى ان الولايات المتحدة الامريكية زادت انتاجها منه في الاشهر والسنوات الاخيرة من 5.7 مليون برميل الى 8.4 مليون برميل يوميا.
المبررات السعودية تبدو مقبولة نظريا، ولكنها ليست كذلك عمليا، وقد استخدمت الحجة نفسها في الماضي فيما يتعلق بنفط الشمال الاوروبي، فقد بلغت تكاليف انتاجه اكثر من عشرة دولارات للبرميل مقابل 2.5 دولار للنفط الشرق اوسطي، ومع ذلك لم يتوقف انتاج نفط بحر الشمال مطلقا عندما انخفضت اسعار النفط الى اقل من سبعة دولارات في منتصف الثمانينات.
ولنفترض ان الاستراتيجية السعودية ستقضي على فرص التوسع في النفط الحجري، وتعيد الدول المستهلكة وعلى رأسها امريكا الى الاعتماد على النفط التقليدي، فهل تستطيع المملكة العربية السعودية تحدي امريكا، المتضرر الاكبر من سياساتها وخطواتها هذه، وتدمر استثماراتها في عمليات استخراج النفط الصخري التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات؟
انه قرار سياسي بالدرجة الاولى لتضييق الخناق على ايران وروسيا، وتدمير اقتصادياتها، تماما مثلما اقدمت القيادة السعودية على الخطوة نفسها في منتصف الثمانينات للتعجيل بإنهيار الاتحاد السوفييتي، وعام 1988 لخنق الرئيس العراقي صدام حسين ونظامه حيث وصلت اسعار النفط الى ما يعادل ستة دولارات، مما دفعه الى اطلاق مقولته الشهيرة “قطع الارزاق من قطع الاعناق”، مما مهد الطريق لسقوطه في المصيدة الكويتية التي اعدت له بعناية فائقة وبقية القصة معروفة.
المملكة العربية السعودية التي تملك صندوقا سياديا يضم اكثر من 675.9 مليار دولار ربما لا تتضرر على المدى القصير من انخفاض اسعار النفط، وكذلك هو حال حليفاتها الخليجيات مثل الكويت التي يقدر قيمة صندوقها بحوالي بـ410 مليارات دولار، والامارات773 مليار دولار، وقطر حوالي 170 مليار دولار، هذا غير الاستثمارات العقارية وغيرها، ولكن نحن نتحدث عن الخسائر السياسية التي يمكن ان تكون باهظة جدا داخليا وخارجيا واقليميا.
فعندما يوجه امير من الاسرة الحاكمة في وزن الامير الوليد بن طلال رسالة مفتوحة الى وزير النفط السعودي السيد علي النعيمي ووزراء آخرين يعترض فيها ويستنكر تصريحات هدفت الى “التهوين من الآثار السلبية الكبيرة التي ستلحق بميزانية المملكة واقتصادها جراء التراجع الكبير في اسعار النفط، وذلك على حسابه الشخصي على “التويتر”، فإن هذا الاستنكار يستحق التوقف عنده، لانه يمثل شريحة مهمة في البلاد داخل السلطة وخارجها.
في المرة الاولى، اي في منتصف الثمانينات عندما ضخت المملكة ملايين البراميل لاغراق الاسواق للتعجيل بسقوط الاتحاد السوفييتي بالتنسيق مع امريكا، كانت هذه الامبراطورية السوفييتية في حال ضعف وانهيار ويتزعمها شخص مهزوم نفسيا وسياسيا ومخترق غربيا اسمه ميخائيل غورباتشوف، وخلفه رئيس آخر “مخمور” اسمه بوريس يلتسين، اما الآن فروسيا في حال من الصعود، وتستعيد مكانتها الدولية كقوة عظمى، ويحكمها رئيس قوي منتخب اسمه فلاديمير بوتين، ولعل رفض الاخير استقبال الامير سعود الفيصل اثناء زيارته الاخيرة لموسكو قبل عشرة ايام رسالة على درجة كبيرة من الخطورة باعتبارها احد الادلة على توتر العلاقات السعودية الروسية.

***

نعم.. تخفيض السعودية لاسعار النفط الذي ادى الى استفزاز الرئيس الراحل صدام حسين ودفعه الى احتلال الكويت، ادى الى الاطاحة به وتدمير بلاده في نهاية المطاف، مثلما ارادت الولايات المتحدة الامريكية، ولكن الاطمئنان السعودي الخليجي ظل مؤقتا وجاءت النتائج عكسية تماما، فقد برزت قيادة عراقية معادية للمملكة، وموالية لايران، وانقسام طائفي خطير بدأت اثاره واخطاره تهدد العمق السعودي واستقرار المملكة ووحدتها الداخلية، والديمغرافية والجغرافية.
لا نعرف كيف سيكون رد فعل كل من ايران وروسيا على هذه الخطوة السعودية، فالوقت ما زال مبكرا لرصده، ولكنه لن يكون وديا، كما انه ليس شرطا ان تأتي النتائج هذه المرة لصالح السعودية، مثلما كان عليه الحال في مرات سابقة.
وربما يجادل اهل السلطة وانصارهم في الرياض بأن قيادتهم ليس امامها اي خيار غير اتخاذ هذه السياسية لحماية مصالحها، والتصدي للاخطبوط الايراني الذي يمد اذرعته العسكرية والايديولوجية الى سورية ولبنان واليمن (التيار الحوثي) ويتمترس في العراق، وهذا جدل ينطوي على بعض الصحة، ولكن المملكة العربية السعودية ليست محصنة لردود الفعل الداخلية والخارجية، والانتقامين الروسي والايراني المحتملين.
كنا، مثل الكثيرين غيرنا، نتمنى ان يستخدم سلاح النفط ضد امريكا وليس الى جانبها، وبما يؤدي الى استعادة حقوقنا في فلسطين والقدس المحتلة، وهو السلاح الذي طالما صرخنا حتى بح صوتنا من اجل هذا الهدف، لكن يبدو ان لا احد يستمع الى صراخنا، ولكننا مع ذلك سنستمر لانه ليس لدينا اي خيار آخر غيره حتى لو انفجرت حنجرتنا.

اذا كانت ايران تعترف ان سياسات المالكي الطائفية الاقصائية ضد السنة هي التي اوجدت الحاضنة لصعود قوة “الدولة الاسلامية” فلماذا صمتت عليه ودعمته لعشر سنوات؟ ولماذا انتقاد الاسد الآن؟

عبد الباري عطوان

لم يجانب السيد محمد علي سبحاني مستشار وزارة الخارجية الايرانية الحقيقة عندما اعترف يوم الثلاثاء بأن السيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق السابق، ونائب الرئيس الحالي، عمل اثناء فترة رئاسته للحكومة على اتباع سياسات مذهبية طائفية ادت الى تشكيل “حاضنة لتنظيم الدولة الاسلامية”.
السيد المالكي ومثلما قال مستشار وزارة الخارجية الايراني في اول نقد من نوعه على هذا المستوى، “انه لولا سياسة حكومة المالكي الاقصائية ضد المجموعات السنية في العراق لما وجد تنظيم الدولة حاضنة شعبية له من اهل السنة”.
لا نعرف ما اذا كان السيد سبحاني بمثل هذا النقد الجريء و”غير المألوف” يمثل نفسه ام المؤسسة الايرانية الحاكمة، ويقر بطريقة مباشرة بالاخطاء التي ارتكبتها بصمتها على هذا الرجل وسياساته الطائفية الاقصائية هذه، بل ودعمها له على مدى ثماني سنوات، وهو دعم لولاه لما اكمل ولايته الاولى، بل لما اصبح رئيسا للوزراء منذ البداية.
السيد المالكي لم يمارس سياسات الاقصاء الطائفي فقط، وانما سياسات التهميش والتغول في القتل والتعذيب والمحسوبية والفساد بأنواعه كافة، والاستفزاز لكل مكونات الشعب العراقي من عرب واكراد ومسيحيين، بل والعديد من ابناء وقيادات الطائفة الشيعية نفسها كل هذا امام نظر السلطات الايرانية وصمت المرجعية الشيعية العراقية نفسها، وربما مباركتها ايضا.

***

مثل هذه السياسات اضرت بايران وصورتها ومكانتها في الوطن العربي والعالم مثلما اضرت بالطائفة الشيعية اكثر مما اضرت بأبناء الطائفة السنية العراقية، فهذه السياسات “المالكية” العنصرية والطائفية، لم تخلق الحاضنة السنية لـ “الدولة الاسلامية” فقط، وانما اعادت الاحتلال الامريكي “المقنع″ الى العراق والمنطقة بأسرها، ووفرت الغطاء “الشرعي” للادارة الامريكية لانتهاك السيادتين السورية والعراقية “بعدم ممانعة” ايرانية، وضرب اهداف داخلهما، ولا نستبعد ان تتحول الطائرات التي تقصف يوميا مواقع “الدولة الاسلامية” في البلدين الى توجيه صواريخها الى المنشآت النووية الايرانية، والقصر الجمهوري في دمشق بعد ان تنهي مهمتها التي جاءت من اجلها او حتى قبلها، اذا تأتى لها ذلك في نهاية المطاف، وهو موضع شك في رأي الكثيرين ونحن من بينهم.
ايران دولة تملك عقولا متميزة في المجالات كافة، العلمية والفكرية والاستراتيجية، وبنت صناعة عسكرية متطورة، ولا نفهم كيف عجزت هذه العقول عن رصد الاخطار التي ترتبت على الممارسات الاقصائية والطائفية لحكومة المالكي، واوصلت المنطقة الى ما وصلت اليه من كوارث، ووضعت بلادها في هذا الوضع الحرج.
القصور في اكتشاف سياسات المالكي هذه واعراضها الجانبية مبكرا ينطبق ايضا على نظيراتها في سورية حليفة ايران الاستراتيجية الكبرى، والانتقاد الذي وجهه السيد سبحاني للنظام السوري واستخدامه القوة لقمع مطالب الشعب السوري المشروعة، سلمية الطابع في بداية الانتفاضة، جاء متأخرا، فايران التي واجهت انتفاضة شعبية مماثلة لنظيرتها السورية بشكل او بأخر، تصرفت بطريقة مختلفة جدا، ولم يُقتل في هذه الانتفاضة التي استمرت عدة اسابيع الا 26 شخصا ثلثهم من قوات الامن الايرانية، ولم تعتقل السلطات الايرانية رموز هذه الانتفاضة مثل محمد خاتمي، وهاشمي رفسنجاني، وحتى حسن روحاني، والاخير يتربع حاليا على عرش رئاسة الجمهورية بعد فوزه بانتخابات رئاسية عامة.
الاخطاء التي ارتكبت في العراق على مدى السنوات العشر الماضية التي اعقبت احتلاله واذلال شعبه وبذر بذور التقسيم العرقي والطائفي فيه على ايدي الحاكم الامريكي بول بريمر تتحمل ايران النصيب الاكبر منها، لانها كانت صاحبة قرار في هذا البلد من خلال حلفائها وعلى رأسهم السيد المالكي.
فلا يمكن ان نصدق مطلقا انها لا تعرف بكل ممارسات القمع والفساد التي كانت تجري تحت سمعها وبصرها، وما كشفته صحيفة “النيويورك تايمز″ قبل يومين عن كم الفساد الفاحش في الجيش العراقي يشيب له شعر الرضع.
***
فعندما يبيع “جنرال الدجاج” مؤن جنوده، وعندما يراكم “جنرال الدفتر” الملايين في حساباته من جراء العمولات وصرف رواتب لاسماء وهمية، وعندما ينتشر صيت “جنرال العرق” في معظم اركان البلاد، لشربه الخمر اثناء العمل، فمن الطبيعي ان يهرب ثلاثون الف ضابط وجندي عراقي بأسلحتهم الفردية قبل وصول قوات “الدولة الاسلامية” الى الموصل ودون ان يطلقوا رصاصة واحدة، وهذه الالقاب ليست من عنترياتنا وانما من عند الصحيفة الامريكية.
فهل هذا هو جيش “العراق الجديد” الذي جرى انفاق اكثر من 25 مليار دولار على اعداده وتسليحه وتدريبه، للدفاع عن البلاد وحدودها وحماية شعبها؟
لا يكفي ان يخرج علينا السيد سبحاني بهذه الاعترافات التي ادلى بها الى موقع ايراني مغمور، بل يجب ان يقوم بهذه المهمة السيد علي خامنئي المرشد الاعلى للثورة الايرانية نفسه من خلال مراجعة شاملة لكل محطات المرحلة الماضية وما شابها من اخطاء، وبما يصب في مصلحة الوحدة الوطنية العراقية، ومحاربة كل اشكال التقسيم المذهبي، فهذه الخطوة هي الاهم التي يمكن ان تحقق الاستقرار ليس في سورية والعراق ولبنان فقط وانما في المنطقة بأسرها، وتجنيبها حربا طائفية مذهبية يمكن ان تستنزف ابناءها وثرواتها لعقود ان لم يكن لقرون قادمة.
نحن في انتظار هذه المراجعة الايرانية على اعلى المستويات، ونأمل ان لا يطول انتظارنا.