المغرب

امريكا ارادت حشد “السنة” خلفها” لعزل “الدولة الاسلامية” دون ان تخسر “الشيعة”.. فما هي فرص نجاح هذه الاستراتيجية؟ ولماذا تعلن طالبان باكستان ولاءها للبغدادي؟

بعد شهر تقريبا من بدء الغارات الجوية الامريكية على مواقع “الدولة الاسلامية” داخل الاراضي العراقية واكثر من اسبوعين من بدئها في سورية يبدو واضحا، ومن خلال تقديرات الخبراء، ان حصيلة هذه الضربات تبدو محدودة للغاية، فـ”الدولة الاسلامية” لا تملك مقرات ولا وزارات او مطارات او قواعد عسكرية يمكن تدميرها، وانما اعلام سوداء، وبعض السيارات، وعشرات الآلاف من المقاتلين يمكن ان يختفوا بسهولة وسط المدنيين في المدن التي يسيطرون عليها في الموصل والرقة ودير الزور وغيرها.

الضربات الجوية لم تكن وحدها التي اعطت نتائج عكسية حتى الآن، وانما ايضا الاستراتيجية الامريكية التي تأتي في اطارها، في معظم جوانبها السياسية والعسكرية.

***

فعندما قررت ادارة الرئيس باراك اوباما، وبعد تلكؤ شديد في العودة الى العراق، والتدخل في سورية، وتوسيع نطاق الحرب ضد “الدولة الاسلامية” من خلال اقامة تحالف دولي خمسيني، وضعت على قمة اهدافها حشد التأييد “السني” خلف هذا التحالف، ودون ان تخسر التأييد “الشيعي” لمحاربة هذا التنظيم المتشدد وعزله تمهيدا للقضاء عليه في نهاية المطاف، وهذا ما يفسر ضمها خمس دول عربية سنية الى هذا التحالف بزعامة المملكة العربية السعودية “زعيمة” العالم الاسلامي، ورفضها اي تعاون مع ايران والنظام السوري في الوقت نفسه.

ادارة الرئيس اوباما ذهبت الى ما هو ابعد من ذلك لتجنب اتهامها بأنها تحولت الى “سلاح جو” للطائفة الشيعية العراقية في مواجهة “الدولة الاسلامية” (السنية) باشراك طائرات سعودية واماراتية واردنية جنبا الى جنب مع نظيراتها الامريكية في معظم الطلعات الجوية، وتركت مهمة تدمير مصافي النفط في الرقة ودير الزور الى الطيارين العرب، باعتبارها المهمة الاسهل.

نظريا تبدو خطة الادارة الامريكية محبوكة بعناية فائقة وقابلة للنجاح، ولكنها لا تبدو كذلك بعد التطبيق العملي في الجو والارض معا، وبدأت تعطي نتائج عكسية تماما، وتوحد الكثير من العشائر العراقية والجماعات السورية المقاتلة خلف “الدولة الاسلامية”.

فجبهة “النصرة” العدو التقليدي لـ”الدولة الاسلامية” اعلنت هدنه معها، وقررت الوقوف في خندقها في مواجهة “التحالف الصليبي” وضد “انظمة الردة” العربية التي انخرطت فيه، حسب ما تقول بياناتها وقيادييها في حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي مثل “الفيسبوك” و”التويتر”.

والاكثر من ذلك ان “الجبهة الاسلامية” التي تضم سته فصائل رئيسية تقاتل النظام السوري هي لواء التوحيد، احرار الشام، جيش الاسلام، لواء صقور الشام، لواء الحق، انصار الشام، والجبهة الكردية الاسلامية، استجابت لمبادرة “الهدنة” التي اطلقها مجموعة من العلماء من بينهم الشيخ ابو محمد المقدسي وقررت التوقف عن قتال “الدولة الاسلامية” في اطار اتفاق مصالحة يتبعه التصدي لصد “عدوان التحالف”.

ويظل الدعم المعنوي الاكبر الذي حصلت عليه “الدولة الاسلامية” هو الذي جاؤها بالامس من حركة “طالبان باكستان” التي اعلنت على لسان زعيمها شهيد الله شهيد ولاءها لها (اي الدولة الاسلامية) وامرت انصارها في انحاء المنطقة بمساعدة التنظيم في حملته لاقامة خلافة اسلامية، وعدد انصار طالبان باكستان (تنتمي الى قبيلة البشتون اكبر قبائل افغانستان وباكستان) يزيد عن اربعة ملايين عنصر معظمهم من المتشددين الاسلاميين الذين يتبنون الفكر الجهادي.

وكان تنظيم “جند الخليفة” وهي “مجموعة جهادية” جزائرية اعلنت البيعة لقائد “الدولة الاسلامية” واعدمت رهينة فرنسي كانت خطفته تجاوبا مع نداءاتها بقتل “الصليبيين” وكرد على تدخل فرنسا عسكريا ضد “الدولة الاسلامية” وارسال طائراتها لقصف مواقعه.

ابناء الطائفة السنية في سورية والعراق مثلما قالت مجلة “الايكونوميست” البريطانية العريقة يتشككون في النوايا والمخططات الامريكية، ويتساءل سوريون وهم يرون طائرات التحالف تقصف مواقع “الدولة الاسلامية” “ان امريكا بدلا من ان تضرب الاسد تضرب اعداءه”، ويقول آخرون “انها حرب ضد الاسلام”، بينما يهز بعضهم اكتافه مستنكرا ويقول “انهم مثل الاسد يقتلون المدنيين”.

***

التحالف الامريكي الجديد يملك التكنولوجيا العسكرية الاحدث في العالم، وليس هناك ادنى شك في ذلك، ولكن هل تستطيع هذه التكنولوجيا هزيمة جيش يريد جنوده ان يموتوا شهداء؟

عدد الدول المنضمة الى صفوف التحالف الامريكي الجديد في تزايد يوما بعد يوم، وكذلك الغارات الجوية التي اصبحت روتينية لا تحتل اي مكان في صفحات الاخبار المزدحمة، ولم تعد تلفت الانظار مثلها مثل عدّاد القتلى من السوريين للأسف، ولكن اعداد المنضمين الى “الدولة الاسلامية” يزداد وبوتيرة اكبر في الوقت نفسه.

السؤال لمن ستكون الغلبة في النهاية للتكنولوجيا الحديثة جدا، ام لمن يتطلعون الى الشهادة حسب ادبياتهم وقناعاتهم؟ نترك الاجابة لكم وللايام او السنوات المقبلة.

علم دولة “الخلافة الاسلامية” يرفرف فوق جبل الرحمة في عرفة وسط ملايين الحجاج.. نعم قد تكون “صدفة” او فعل متعمد.. ولكنها “رسالة” تنطوي معانيها على درجة كبيرة من الاهمية والخطورة معا

بينما كنت اتابع البث المباشر لوقفه عرفة من المشاعر المقدسة، حيث اكثر من مليوني حاج جاءوا من مختلف اصقاع المعمورة لاداء فريضة الحج، في ملابس الاحرام البيضاء بوجوه نضرة طافحة بالسعادة والايمان معا، لفت نظري علم الخلافة الاسود الاسلامية يرفرف من بعيد فوق جبل الرحمة، وتتوسطه كلمات “لا الله الا الله محمد رسول الله” مكتوب بالابيض.

لا اعرف من رفع هذا العلم، فلم تدم هذه القطة للنظر الا بضعة ثوان، مثلما لا اعرف، وكيف اعرف، ما حدث لصاحبه، فالسلطات السعودية تمنع اي ممارسة سياسية الطابع في الاماكن المقدسة، ناهيك عن رفع علم “الدولة الاسلامية” التي تكن لها هذه السلطات كل انواع العداء، وتعتبرها قمة الارهاب، وتشارك طائراتها الحربية، جنبا الى جنب مع نظيراتها الامريكية في قصف مواقعها وتجمعاتها لاضعافها ومن ثم القضاء عليها في اطار تحالف دولي يضم خمسين بلدا.

الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية كان معبرا عن موقف هذه السلطات ولسان حال دول التحالف جميعا، اسلامية او غير اسلامية، عندما دعا في خطبة الجمعة التي القاها من مسجد نمرة في عرفات، قادة الدول الاسلامية الى ضرب “الدولة الاسلامية”، دون ان يسميها، بيد من حديد، وقال مخاطبا لهم، “دينكم مستهدف.. امنكم مستهدف.. عقيدتكم مستهدفة”، واضاف “ابتلينا بأمه سفكوا الدماء.. وقتلوا النفوس المعصومة.. وقدموا بهذا تمثيلا سيئا لا يمثل اسلاما.. هؤلاء اجراميون سفكوا الدماء ونهبوا الاموال وباعوا الحرائر لا خير فيهم”.

وخطبة الشيخ آل الشيخ، اعلى مرجعية دينية في المملكة، تعكس حجم القلق السعودي الرسمي من هذه “الدولة” وعقيدتها الدينية والقتالية، وامتدادها الى العمق الشعبي المهيء جزئيا او كليا لكي يكون حاضنة لفكرها الذي يشكل في معظم جوانبه تجسيدا للدعوة الوهابية في نسختها الاولى قبل ثلاثة قرون، مثلما تؤكد دراسات جادة عديدة في الشرق والغرب معا.

***

العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز حث الدول الغربية على التدخل بسرعة لمحاربة “الدولة الاسلامية” والقضاء عليها محذرا من انها ستصل الى اوروبا في غضون شهر، والى امريكا في غضون شهرين، ويبدو ان الولايات المتحدة لبت هذا النداء فورا، وشكلت الحلف الخمسيني الحالي، وبدأت في غاراتها الجوية على مواقع الدولة في العراق وبعد ذلك في سورية، وكسرت القيادة السعودية قاعدة عسكرية وسياسية التزمت بها اكثر من خمسين عاما، بارسال طائراتها الحربية الى خارج حدودها، والمشاركة في الضربات الجوية الامريكية، واختارت اميرين طيارين لتنفيذ الطلعات الجوية الاولى احدهما نجل ولي العهد ووزير الدفاع السعودي الامير سلمان بن عبد العزيز.

القلق السعودي مشروع ومبرر في نظر السلطة وانصارها وهم كثر، فـ”الدولة الاسلامية” وقيادتها لا تخفي عدائها للاسرة الحاكمة السعودية ورغبتها في اطاحة النظام، ورفع راية الخلافة فوق الحرم المكي الشريف في مكة، والسيد ابو بكر البغدادي زعيمها يصر على ان يضم اسمه نسبين على درجة كبيرة من الاهمية والغزى الاول “الحسني” (نسبة الى آل البيت) والثاني القرشي (نسبة الى قبيلة قريش).

وما اقلق القيادة السعودية اكثر، ما كشفه استطلاع للرأي اجري على وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر على نطاق واسع، وافاد بأن اكثر من 92 بالمئة من الشباب السعودي يؤيدون فكر “الدولة الاسلامية” وعقيدتها، وقد وعدت السلطات في الرياض باجراء استطلاع رأي علمي رسمي لاثبات بطلان هذا الاستطلاع او عدم دقته، وحتى الآن لم يصدر على حد علمنا، ولكن ما هو اهم من الاستطلاع ارتفاع عدد المقاتلين السعوديين في صفوف “الدولة الاسلامية” الى اكثر من ثمانية آلاف مقاتل، ويوصفون بأنهم الاكثر شراسة في القتال والعمليات “الانغماسية” من بين اقرانهم.

ادبيات “الدولة الاسلامية” المتوفرة على شبكة الانترنت تؤكد ان المملكة العربية السعودية، او ارض الجزيرة العربية والحجاز حسب مصطلحاتها، هي الهدف الثالث بعد سورية والعراق، وهذا ما يفسر دعوة العاهل السعودي لرجال الدين والدعاة في بلاده للتصدي للمنطلقات الفكرية لهذه الظاهرة، لان الحرب عليها يجب ان تكون حرب “عقول” جنبا الى جنب مع الحرب العسكرية، ولكن الاستجابة لهذه الدعوة من قبل العلماء والدعاة كانت محدودة، وخاصة مما يطلق عليهم “علماء الصحوة” واصحاب ملايين المتابعين على شبكات التواصل الاجتماعي، والذي يوصفون بالدعاة “النجوم”.

الغارات الجوية على مواقع “الدولة الاسلامية” المستمرة منذ اكثر من شهر، وبأحدث الطائرات المقاتلة من مختلف الانواع، لم تعط نتائجها حتى الآن، حسب اراء خبراء غربيين، بدليل استمرار “تمددها” وسيطرة قواتها على معظم مدينة “عين العرب” الكردية على الحدود الشمالية السورية، مما يؤكد ان الحرب ستطول اكثر من التوقعات الغربية والاقليمية.

الحكومات الاقليمية، والخليجية منها بالذات، ساهمت بطريقة او بأخرى بصعود قوة التيارات الاسلامية المتشددة عندما حرضت بعض اوساطها الدينية والدعوية الشباب السعودي على الانخراط في صفوف الجهاد، وجماعاته في كل من سورية والعراق، معتقدة ان عمقها محصن من اخطارها، ليثبت لها العكس، ولتكتشف انها اخرجت “المارد” من قمقمه، ولم تعد قادرة على السيطرة عليه، وهنا تكمن المعضلة الكبرى.

***

لم نبالغ عندما قلنا في هذا المكان ان عدد المقاتلين تحت لواء “الدولة الاسلامية” يزيد عن مئة الف، ولا نبالغ مرة اخرى اذا قلنا ان العدد ازداد بمقدار الثلث في البلدين، اي سورية والعراق، بسبب تدفق المتطوعين من الدول الاسلامية في العالم بأسره، ومن الجماعات والتيارات الاسلامية الاخرى التي تريد الانضمام الى صفوفه في مواجهة “التحالف الصليبي” حسب تعبيرهم، وهذا ما دفع السلطات الاردنية الى منع الشيخ ابو محمد المقدسي من استخدام هذا “التعبير” في فتاواه ومداخلاته على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب مدلولاتها التحريضية ضد هذا التحالف، ودورها في تشجيع الشباب الى الانضمام الى صفوف الجماعات الجهادية.

“علم الخلافة” الاسلامية وصل الى المشاعر المقدسة في مكة المكرمة وجبل عرفة يوم الوقفة، وربما يكون مجرد صدفة، او من فعل حاج متحمس، او عمل متعمد جرى التخطيط له بشكل جيد، وايا كان الامر فان هذه الخطوة تنطوي على “رسالة” على درجة كبيرة من الاهمية والخطورة معا.

تحالف اوباما “الاقليمي” لتصفية “الدولة الاسلامية” يواجه صعوبات: تركيا مترددة.. والاردن قلق.. والسعودية مشغولة بالحوثيين.. والشيخ “المقدسي” اكد لي انه سيقف في خندق البغدادي

عبد الباري عطوان

يلقي الرئيس الامريكي باراك اوباما (الاربعاء) خطابا يحدد فيه استراتيجيته المتعلقة باعلان الحرب على “الدولة الاسلامية” بهدف القضاء على خطرها الذي يهدد المصالح الامريكية وحلفاءها في المنطقة، وسيتزامن هذا الخطاب مع جولة يقوم بها كل من وزير خارجيته جون كيري ووزير دفاعه تشاك هيغل في عواصم عديدة في الشرق الاوسط، من بينها الرياض وعمان وانقرة علاوة على بغداد.
تفاصيل هذه الاستراتيجية الامريكية ما زالت غير معروفة، ولكن هناك تسريبات اشارت الى انها ستركز على عدة عناوين ابرزها تجفيف مصادر تمويل “الدولة الاسلامية”، ووقف تدفق المقاتلين الاجانب للانضمام الى صفوفها، وتكثيف التحرك العسكري لتدمير قواعدها وتجمعاتها العسكرية على الاراضي التي تسيطر عليها في العراق وسورية.
الرئيس اوباما قال في خطاب سابق “انه سيقضي على “الدولة الاسلامية” مثلما قضى على تنظيم “القاعدة”، ولكن كلامه هذا يبدو من نوع خداع النفس الى جانب خداع الآخرين، فهو لم يقض على تنظيم “القاعدة” رغم انفاق اكثر من تريليون دولار من اموال دافعي الضرائب الامريكيين تحت عنوان “الحرب على الارهاب” فعندما بدأت هذه الحرب كان هناك مقرا واحدا للتنظيم في افغانستان، والآن له اكثر من عشرة مقرات في منطقة الشرق الاوسط والعالم، جرى الاعلان عن فتح آخرها في الهند.
اما بالنسبة الى تجفيف المنابع المالية لتنظيم “الدولة الاسلامية” فان هذا الهدف لن يتحقق في زمن ولاية الرئيس اوباما (بقي له عامان في السلطة) لسبب بسيط وهو ان “الدولة الاسلامية” مكتفية ذاتيا من الناحية المالية، وهناك من يقدر ثروتها بحوالي سبعة مليارات دولار، ويدخل الى ميزانيتها اكثر من مليوني دولار يوميا من بيع النفط الخام او المكرر، وهذه الاموال يمكن ان تكفيها لخمسة اعوام قادمة ان لم يكن اكثر، فهي لا تملك سفارات ضخمة في الخارج، ولا وزراء فاسدون، ولا يحكمها رئيس او ملك يهدر اموالها في اعمال البذخ والترف والطائرات الخاصة مثل اقرانه العرب الآخرين.

***
لا اقول هذا الكلام مدحا او تمجيدا وانما استنادا الى معلومات مؤكدة حصلت عليها من مصادر عديدة مقربة من “الدولة الاسلامية”، التقيت بها اثناء زيارتي الاخيرة للعاصمة الاردنية بهدف بحث هذه الظاهرة التي يتوحد العالم بأسره ضدها لخطورتها ووحشيتها ودمويتها، ودراسة نشأتها ومعرفة اسباب صعودها الاسطوري على سلم الاهتمام الدولي والاقليمي، ومدى قدرتها على التمدد والاستمرار.
الرئيس اوباما سيجد صعوبة كبيرة في تشكيل التحالف الذي يريد تأسيسه، بشقيه الدولي والاقليمي، لان التمنيات شيء والتطبيق العملي شيء آخر، فالدول التي سيلتقي قادتها المبعوثين الامريكيين “ترتعد” من مجرد الطلب منها ارسال قوات ارضية الى ميادين القتال، فقد تعودت ان يحارب الامريكان والآخرون نيابة عنها مثل دول الخليج، او هناك مخاطر يمكن ان تترتب على مشاركتها مثلما هو حال تركيا التي تخشى على امنها الداخلي، ومدخولها السياحي (30 مليار دولار)، واتفاقها السلمي مع مواطنيها الاكراد، ووحدتها الوطنية الديمغرافية والجغرافية معا، علاوة على امن وحياة مواطنيها الاسرى لدى “الدولة الاسلامية” (46 دبلوماسي كانوا في قنصليتها في الموصل ساعة الاستيلاء على المدينة).
فالمملكة العربية السعودية تواجه ازمات داخلية طاحنة، ومسكونة بتمدد الخطر الحوثي في اليمن، وتدرك جيدا ان الدولة تملك انصارا ومتعاطفين بل ومريدين في اوساط شبابها، وتنوء بحمل “مصر السيسي” الاقتصادي، ولم يحدث مطلقا انها ارسلت قوات سعودية الى خارج اراضيها منذ حرب اليمن.. اما الاردن فالمعارضة لارسال قواته الى العراق تتصاعد على المستويين البرلماني والشعبي، وحالة الاحتقان التي بدأت مع حرب غزة، وكبرت بعد اتفاق استيراد الغاز من اسرائيل، واتساع الفجوة بين الفقراء والاغنياء، تبحث عن مفجر.
في لقاءاتي في عمان سمعت كلاما على درجة كبيرة من الاهمية، فالمتعاطفون مع “الدولة الاسلامية” قالوا لي ان التدخل العسكري الامريكي ربما يؤجج الحرب الطائفية في العراق، ويوحد ابناء الطائفة السنية خلف “الدولة”، وقالوا ايضا انه سيوصف بأنه تدخل لصالح ابناء الطائفة الشيعية، وضربوا مثلا بأن استعادة مدينة “آمرلي” العراقية المختلطة من ايدي قوات “الدولة” بعد قصف امريكي مكثف جاء على يد تحالف يضم قوات الجيش العراقي الى جانب اربع ميليشيات “شيعية” مثل عصائب اهل الحق، فيلق بدر، كتائب السلام (المهدي سابقا) بالاضافة الى قوات البشمركة الكردية.
الشيخ ابو محمد المقدسي الذي يوصف بأنه منظر السلفية الجهادية، ومعلم ابو مصعب الزرقاوي، والمرجعية الفقهية والشرعية الرئيسية لجبهة “النصرة” الى جانب الشيخ “ابو قتادة”، قال لي عندما التقيته في بيته المتواضع في احد الاحياء الفقيرة في مدينة الزرقاء، انه اذا كان خياره بين دعم التدخل العسكري الامريكي وبين “الدولة الاسلامية” فانه سيختار الاخيرة وسيفعل الشيء نفسه الكثير من الشيوخ والدعاة، واكد انه اصدر رسالة في هذا الخصوص وعممها على مريديه على شبكات التواصل الاجتماعي.
والشيخ المقدسي دخل في معركة فقهية شرسة ضد “الدولة الاسلامية” واعلان السيد ابو بكر البغدادي الخلافة، وتعرض لحرب شرسة من انصار الدولة واقل تهمة جرى توجيهها اليه، الكفر والردة، والخروج عن الجماعة.
لا شك ان الولايات المتحدة تملك قوة ضاربة، باعتبارها القوة الاعظم في التاريخ، وتستطيع ان تلحق خسائر كبيرة بـ”الدولة الاسلامية”، تماما مثلما فعلت بامارة الطالبان في افغانستان، واحتلال العراق لاحقا، وتغيير النظام في ليبيا، لكن السؤال الاساسي هو عن عمر هذا التدخل وامده والنتائج التي يمكن ان تترتب عليه.
شخصيا في حواراتي مع بعض المشايخ الذين يتعاطفون مع “الدولة الاسلامية” شعرت انهم لا يعيرون اي اهتمام او خوف من التدخل العسكري الامريكي، ويتحدثون بثقة عن سعادتهم بتورط امريكا مرة اخرى في المنطقة، وقال لي احد الذين قاتلوا تحت لواء ابو مصعب الزرقاوي انه “سيرقص طربا” اذا وصلت قوات التحالف الامريكي بشقيها الدولي والاقليمي الى العراق وسورية، وعندما حاولت ان اعرف مصدر هذه الثقة “ابتسم” ورفض الافصاح.

***
علينا ان نتذكرا امرا واحدا وهو ان تركيا فعلت كل شيء لاسقاط نظام الرئيس بشار الاسد، ابتداء من تسهيل مرور الاموال والجهاديين عبر اراضيها وانتهاء بتأسيس مظلة سياسية بديلة للنظام، ولكن امرا واحدا لم تقدم عليه وهو ارسال قوات تركية للقتال الى جانب المعارضة السورية، وفعلت كل من المملكة العربية السعودية وقطر وهما اكثر دولتين عداء للنظام السوري الشيء نفسه، ولا نعتقد ان هذه الدول الثلاث، مجتمعة او متفرقة، تحتمل خوض حرب استنزاف طويلة جيوشها غير مؤهلة لخوضها
نحن هنا لا نتنبأ بنجاح او فشل التحالف الدولي الاقليمي الجديد بزعامة امريكا الذي تتبلور ملامحه يوما يعد يوم وسيتحول الى حقيقة في غضون اسابيع، خاصة بعد ان كشفت استطلاعات الرأي ان 91 بالمئة من الامريكيين يؤيدون مشروع الرئيس اوباما في القضاء على “الدولة الاسلامية” الارهابية، ولكننا ننظر بعين المجرب نظرة ابعد، معتمدين على علم القياس من خلال تفحص التجارب السابقة المماثلة.
الرئيس اوباما معروف بتلكؤه وابتعاده عن التدخلات العسكرية، وجاء الى سدة الرئاسة لمعارضته للحربين في العراق وافغانستان، ولكن يبدو ان انتقادات النواب والشيوخ الجمهوريين وضغوطهم اخرجته من تحفظاته وعقدة الخوف من الحروب التي تسيطر عليه، ولكن الشيء الوحيد المؤكد ان تجربته لن تكون سهلة ونتائجها غير مضمونة في كل الاحوال.

تعويض هزيل للاردن والمغرب

لم يتضمن البيان الختامي، ولا المؤتمر الصحافي الذي عقده الامير سعود الفيصل، في اعقاب انتهاء القمة الخليجية التي انعقدت في العاصمة السعودية الرياض في اليومين الماضيين، اي اشارة الى مسألة انضمام كل من الاردن والمغرب الى عضوية مجلس التعاون الخليجي، فقد تم تجاوز الامر كليا، في تجاهل كامل ومقصود، وهذه صفة خليجية، بل بالاحرى سعودية، على وجه الخصوص.

صحيح ان المجلس الخليجي خصص ما قيمته خمسة مليارات دولار مناصفة بين البلدين، توضع في صندوق لدعم مشاريع التنمية فيهما، ولكن هذا المبلغ يعتبر زهيدا مقارنة بالمشاكل الاقتصادية في البلدين، ومعدلات البطالة الضخمة فيهما، والديون الخارجية المتراكمة، ومقارنة ايضا مع الناتج القومي السنوي لدول الخليج، الذي يصل الى الف مليار دولار، يأتي معظمه عوائد من صادرات نفطية في حدود 15 مليون برميل يوميا.
هذا المبلغ بمثابة 'تعويض'، للبلدين، ولتطييب خاطر شعبيهما بعد رفض انضمامهما الى نادي الاغنياء العرب، وهو الرفض الذي جاء على لسان الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، وبرره بان دول المجلس لا تريد تكرار تجربة 'اليونان' واعبائها المالية الضخمة التي شكلت صداعا مزمنا للاتحاد الاوروبي.
فندنا في مقال سابق خطأ هذه المقارنة، ولكن ما لم نقله ان الاتحاد الاوروبي قدم حوالي 200 مليار دولار لانقاذ اقتصاد اليونان، وبدرجة اقل ايرلندا، من الانهيار، وخصص صندوق انقاذ اوروبي لهذه الدول وغيرها التي تواجه مصاعب اقتصادية برأسمال قدره 400 مليار دولار.
الاردن والمغرب لم يتقدما رسميا بطلب العضوية الى مجلس التعاون الخليجي، لا على مستوى الحكومات، ولا على مستوى الشعوب، العرض بالانضمام جاء من العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز وفي ذروة الانتفاضات الشعبية المطالبة بالكرامة والتغيير الديمقراطي، وفي اطار حرصه على تكوين ناد خاص بالممالك العربية وتحصينها من اسباب الانهيار، امام طرقات الشعوب القوية المطالبة بالحريات والمساواة والشفافية والمحاسبة.
الآن، وبعد ان خفت الطرقات، وقدم النظامان، والمغربي منه خاصة، بعض التنازلات للشعب وان لم تكن كافية، مثل تعديل الدستور وتقليص بعض صلاحيات الملك، واجراء انتخابات حرة نزيهة اسفرت عن نجاح حزب العدالة والتنمية الاسلامي بنسبة كبيرة من اصوات الناخبين، خف القلق، وتصاعد في المقابل عدم رغبة دول خليجية اخرى بانضمام شعوب اخرى يشكل الفقر هويتها الاساسية.
***
ولا نعرف كيف يمكن ان يشكل انضمام دولتين عربيتين مشاكل لمجلس التعاون الخليجي، والتناعم الديموغرافي فيه واكثر من ستين في المئة من سكانه هم من جنسيات غير عربية بل وغير اسلامية، حيث يصل تعداد الاجانب في دولة مثل دولة الامارات العربية المتحدة، التي قيل انها من بين الدول المعارضة، حوالي تسعين في المئة ان لم يكن اكثر.
فاذا كان البيان الختامي الصادر عن القمة تحدث عن 'توحيد الصفوف في كيان واحد، وتجاوز مرحلة التعاون الى مرحلة الاتحاد' تثبيتا لدعوة العاهل السعودي التي وردت في كلمته الافتتــــاحية، لمواجهــــة التهـــديدات الايرانية، فان اللجوء الى الجوار العربي، وتوطيد العلاقات مع شعوبه، ودعم اقتصادياته للخروج من ازماته الطاحنة، مسألة ضرورية بل حتمية.
فالدور الذي لعبته كل من سورية ومصر في مساندة دول الخليج في مساعيها لاخراج القوات العراقية من الكويت عام 1990 كان حاسما في هذا الصدد، وكان الرئيس السوري حافظ الاسد محقا عندما قال لوفد كويتي زاره بعد 'انتصار' عاصفة الصحراء بقيادة الجنرال شوارزكوف 'نحن الذين حررنا الكويت وليس الامريكان' وهو دور ربما يندم عليه ابنه بشار في الوقت الراهن.
لو كنت شخصيا مكان الحاكمين في كل من المغرب والاردن، وهذا افتراض لا يمكن ان يتحقق ولله الحمد، لاعتذرت بكل انواع الادب عن قبول هذا العرض المالي الخليجي المتواضع جدا، والذي لا يليق بالبلدين، ومخزون العزة والكرامة لدى شعبيهما. فمثل هذا المبلغ تخسره الصناديق السيادية لدول الخليج التي يبلغ حجمها اكثر من ثلاثة آلاف مليار دولار في ثوان معدودة اثر تقلبات البورصات العالمية المستثمرة فيها.
لا يعيب الشعبين الاردني والمغربي فقرهما، مثلما ان الفقر لم يعب الاشقاء الخليجيين في مرحلة معاناتهم شظف العيش قبل ان يكرمهم الخالق بنعمة النفط، فدول اوروبية متقدمة مثل ايطاليا واسبانيا والبرتغال واليونان تواجه ازمات اقتصادية خانقة، ولكن الفارق يكمن في ان اشقاءهم الاوروبيين الذين كانوا من ألد اعدائهم قبل سبعين عاما، هبوا لمساعدتهم وانقاذهم من ازماتهم، وهذا لم يحدث، ونقولها بمرارة، من العرب الاغنياء تجاه اشقائهم الفقراء، وان حدث فوعود بمبالغ هزيلة، لم ينفذ الا القليل منها.
***
نحن على ثقة بان الشعوب الخليجية الشقيقة، التي لا نشك مطلقا، في انتمائها العربي الاسلامي، وحرصها الاكيد على التضامن مع اشقائها الفقراء، ستعارض انضمام الاردن والمغرب او اليمن الى مجلس التعاون الخليجي، وان كان من حقها ذلك، فلهذه الشعوب تحفظات على المجلس وانجازاته المتواضعة يعبرون عنها في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، بل والصحف شبه الحكومية احيانا، مضافا الى ذلك ان من طرح فكرة انضمام المغرب والاردن الى مجلس التعاون لم يستفت هذه الشعوب عندما طرحها، ولم يأخذ رأيها عندما سحبها، فلا توجد برلمانات منتخبة في معظم الدول الخليجية من خلال انتخابات حرة نزيهة.
الرد الاردني ـ المغربي على هذه 'الاهانة' يجب ان يتمثل في المزيد من الاصلاحات الديمقراطية والحكم الرشيد القائم على العدالة والمساواة والقضاء العادل المستقل، والتمسك بقضايا الامة المصيرية، وانهاء كل اشكال التبعية للاجنبي، فهذا هو الطريق الاصوب لتقديم النموذج المشرف الذي سيجعل الشعوب الخليجية تسعى لمحاكاة هذه الدول، بل وتتمنى عليها في مرحلة لاحقة الانضمام الى مجلسها، تماما مثلما تحاكي الثورات العربية الحالية النموذج التركي، او النماذج الاسلامية الآسيوية الاخرى مثل النموذجين الماليزي والاندونيسي.
نتفهم الردود الغاضبة التي تطالب بالذهاب الى ايران او غيرها، والتحالف معها، وهي ردود 'عاطفية' في اغلبها، ولكن ما لا نتفهمه ان تستعدي حكومات الخليج شعوبا عربية هي في حاجة الى دعمها، ولو معنويا، وهي تقف على ابواب اكبر الحروب واخطرها في تاريخها على الاطلاق، لانها تهدد وجودها واستمراريتها.
 
 

نأسف.. لا مكان للأردن والمغرب

لم يقم الاردنيون والمغاربة سرادق العزاء حزنا على قرار المملكة العربية السعودية التراجع عن فكرتها التي اطلقتها بصورة مفاجئة قبل عام، بشأن ضم البلدين الى عضوية نادي الاثرياء العرب، بل تعاملوا مع هذه 'اللطمة' التي افاقتهم من احلام يقظتهم بالتخلص من عقدة 'الكفيل'، والخروج من ضنك العيش الى حالة من البحبوحة بكل رحابة صدر ولا مبالاة، وخاصة في المغرب وبدرجة اقل في الاردن.

الاردنيون والمغاربة فوجئوا باقتراح العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز بتوسيع مجلس التعاون الخليجي ومنحهم العضوية الكاملة فيه، مثلما فوجئ بالاقتراح نفسه قادة وحكومات دول المجلس الاخرى، الذين اخذوا على حين غرة، وتضاربت الآراء حول النوايا الحقيقية الكامنة خلف هذه الخطوة والدافعة لها، فهناك من قال انها ترمي الى تكوين ناد موسع للملكيات المدعومة بالمال النفطي والدعم الغربي، والفصل الكامل بينها وبين انظمة جمهورية وراثية تريد ان تتمثل بها، اي الملكيات، دون ان تملك خصوصياتها، تواجه حاليا انتفاضات شعبية تطالب بالحرية والكرامة والاصلاحات الديمقراطية الشاملة. وهناك من رأى ان الحرب المتوقعة ضد ايران تحتاج الى عمق عسكري 'سنّي' نقي يعزز الطموحات الخليجية في تغيير النظام الايراني وانهاء هيمنته على العراق، وتحصين دول الخليج مما يسميه قادتها بـ'الخطر الشيعي'.
ربما نعرف الاسباب التي دفعت العاهل السعودي لطرح فكرته هذه، او نتكهن بها على وجه الدقة، ولكننا ما زلنا نجهل الاسباب الحقيقية التي دفعته للتراجع عنها، وبهذه السرعة، فالمبررات التي طرحها كل من الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، ونظيره الاماراتي الشيخ عبدالله بن زايد غير مقنعة على الاطلاق، بل مهينة لكل من الاردن والمغرب معا.
الامير الفيصل استذكر'عقدة اليونان' وهو يرد على سؤال صحافي يتعلق بهذه المسألة، عندما قال ان انضمام اليونان الى الاتحاد الاوروبي ما زال سببا لانقسامات حادة في صفوف الاوروبيين، حيث يرى بعض الدول ان هذا الانضمام شكّل عبئا على الاتحاد الاوروبي يمكن ان يعيق حركته. اما الشيخ عبدالله بن زايد فذهب الى ما هو ابعد من ذلك عندما قال ان دول المجلس 'لم تتوافق' على ضم البلدين، اي المغرب والاردن.
ليسمح لنا الامير سعود الفيصل ان نختلف معه في عدة نقاط، ابرزها ان المقارنة بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الاوروبي خاطئة في الاساس،علاوة على كونها غير جائزة، للاختلاف الجذري بين التجربتين، فالاتحاد الاوروبي اقام كيانا اقتصاديا قويا توّجه بعملة موحدة وتنسيق سياسي يمكن ان يتطور الى وحدة شاملة، بينما ما زالت دول مجلس التعاون مختلفة فيما بينها على معظم القضايا المطروحة، مثل التنسيق الامني والاندماج الاقتصادي، والعملة الموحدة، وانتقال العمالة والتملك وغيرها.
لا نبالغ اذا قلنا ان الخلافات الموجودة حاليا بين دول مجلس التعاون حول هذه القضايا، والحدودية منها على وجه الخصوص، اكبر بكثير من الخلافات بينها حول انضمام كل من المغرب والاردن، وشاهدنا في الاعوام الماضية الخلافات بين الامارات والسعودية حول خور العيديد، وما ترتب عليه من اغلاق الحدود في وجه الشاحنات والمواطنين، ووقف السماح للمواطنين الاماراتيين بدخول الاراضي السعودية بالبطاقة الشخصية، لانها،اي البطاقة، تضم خريطة للإمارات توضح ان هذا الخور داخل حدودها.
وفي الاطار نفسه يمكن الاشارة الى انسحاب الامارات وسلطنة عمان من مشروع العملة الخليجية الموحدة، واحتجاج الاولى، اي الإمارات، على اصرار السعودية على وجود المصرف المركزي الخليجي في الرياض وليس في ابوظبي او دبي.
' ' '
انضمام الاردن الى مجلس التعاون سيفيده كثيرا، حيث يوجد مخزون ضخم من العقول والايدي العاملة، يمكن ان يسد عجزا كبيرا تعاني منه الدول الخليجية في هذا المضمار، وربما يفيد التذكير بان القوات الاردنية، وبدعم سعودي ـ قطري ـ اماراتي لعبت دورا كبيرا في انهاء الانتفاضة في ميدان اللؤلؤة، التي كانت تهدد النظام البحريني، مثلما ساهمت في اقتحام مدينة طرابلس، العاصمة الليبية، وهي مهمات نختلف حولها، وان كان هذا ليس وقت نقاشها في هذه العجالة.
لا نبالغ اذا قلنا ان الاسباب الحقيقية للتراجع عن قرار ضم الاردن بالذات الى مجلس التعاون الخليجي ليس الخوف من 'العبء اليوناني'، ولا انعدام التوافق بين دول الخليج، وانما رغبة حكومات المجلس بالابتعاد عن ملف الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وحرصها على ان لا تكون للمجلس حدود مع اسرائيل بحيث يتحول الى دولة مواجهة، او يتحول الى وعاء لاستيعاب بعض اللاجئين الفلسطينيين في حال تفجر الصراع بصورة او بأخرى.
ما يجعلنا نرجّح ذلك كون المملكة العربية السعودية بادرت على عجل لتأجير جزيرتي صنافير وتيران في البحر الاحمر اللتين كانتا ارضا خاضعة لسيادتها، الى جمهورية مصر العربية، حتى تتجنب اي صراع مباشر مع الاسرائيليين، وان لا تكون لها حدود مع دولتهم، وحتى لا يطالب السعوديون بتحرير اراضيهم المحتلة في الحاضر او المستقبل.
العاهل السعودي رجل طيب معروف بعفويته، ومن المؤكد انه عندما اقترح ضم الاردن والمغرب انطلق من نوايا حسنة، ولكن بعض المقربين منه الذين صدموا بهذا الاقتراح ولم يعارضوه تأدبا واحتراما للسن والتراتبية، عقدوا العزم على ابطاله في فترة لاحقة، مراهنين على عنصر الوقت، وهذا ما حصل فعلا.
' ' '
اليونان التي تذرع بعقدتها الامير سعود الفيصل، وهو بالمناسبة من جناح الصقور المعارض لانضمام البلدين، لم تخلق اي خلافات داخل الاتحاد الاوروبي طوال العشرين عاما الماضية من عمر انضمامها، بل كانت مصدر ترحيب لانها لبّت جميع شروط العضوية مثل تحسين ملف حقوق الانسان، وادخال اصلاحات اقتصادية، وترسيخ القيم والممارسات الديمقراطية، وانهاء الحكم العسكري.
الخلافات حول اليونان حديثة العهد، ومرتبطة بالأزمة الاقتصادية التي تضرب الاتحاد الاوروبي، او ما يسمى ازمة منطقة اليورو. واليونان ليست وحدها التي تعاني من الافلاس حتى تكون موضع خلاف، فهناك ايطاليا التي يبلغ حجم اقتصادها اربعة اضعاف حجم الاقتصاد اليوناني، وكذلك اسبانيا والبرتغال وايرلندا الجنوبية، والبقية تأتي.
دول مجلس التعاون الخليجي التي تملك صناديق مالية سيادية تزيد قيمتها عن ثلاثة تريليونات دولار على الاقل، تستطيع حل مشاكل الاردن والمغرب الاقتصادية، وفوقهما مصر والسودان وموريتانيا واليمن، وكل فقراء العرب من جزء بسيط (فراطة) من فوائد هذه الاموال فقط.
الشعبان الاردني والمغربي شعبان كريمان يملكان رصيدا كبيرا من الكرامة وعزة النفس، ولا يستحقان مثل هذه المعاملة من اشقائهم في دول الخليج، ابتداء من تصعيد الآمال بالثراء، وانتهاء بتحطيمها دفعة واحدة بتبريرات واهية وغير مقنعة، ويصعب فهمها او هضمها.
الحياة ستسير بشكل طبيعي في عمان والزرقاء والرباط والدار البيضاء، ولن يذرف ابناء البلدين الدموع حزنا على عدم الانضمام الى الجنة الخليجية الموعودة، فهذه شعوب تعودت على الكفاح من اجل لقمة عيش شهية يصلون اليها بعرقهم الممزوج بالكرامة والكبرياء، ولن تتردد لحظة في التضحية بأرواحها ودمائها من اجل قضاياها المصيرية، سواء قضية فلسطين المركزية، الاسلامية والعربية الاولى، او قضية الديمقراطية والحريات والعدالة الاجتماعية.
 

الاسلام السياسي و’أخطاره المفترضة’

فوز حزب العدالة والتنمية في المغرب وحصوله على اعلى الاصوات في الانتخابات الاخيرة أحدث حالة من الاستنفار في الغرب، وفي بعض البلدان العربية المحافظة المرتبطة به، وجدد المخاوف من اكتساح الاسلام السياسي وسيطرته على مقادير الحكم في المنطقة.

مخاوف الغرب من الاسلام السياسي في غير محلها، لان معظم الاحزاب الاسلامية التي حققت نتائج طيبة في انتخابات الربيع العربي معتدلة، ووسطية، وتؤمن بالتعددية والتعايش مع الايديولوجيات الاخرى، العلمانية منها على وجه الخصوص.
حزب النهضة التونسي تحالف مع حزبين علمانيين، الاول 'المؤتمر' الذي يتزعمه الدكتور المنصف المرزوقي، وهو حزب قومي يساري، و'التكتل' بزعامة السيد مصطفى بن جعفر، والاهم من ذلك ان زعيمه الشيخ راشد الغنوشي اوضح على الملأ بأنه لن يتدخل في الحياة الشخصية والمعيشية للمواطنين التونسيين، ولن يمنع البكيني والشواطىء المختلطة، وسيشجع الاستثمار الاجنبي والسياحة الاوروبية التي تشكل أحد ابرز اعمدة الاقتصاد التونسي.
واللافت ان حزب العدالة والتنمية الذي يسير على نهج سميه التركي، بزعامة رجب طيب اردوغان، التزم بالحفاظ على خصوصية المجتمع المغربي، واحترام الحريات الشخصية، واكد امينه العام عبد الاله بن كيران ان تحقيق العدالة والكرامة يحتل قمة اهتمام قيادة حزبه، وهي مسائل جوهرية اهم واكبر من منع الخمور وفرض لباس معين. واكد انه، اي الحزب، لن ينجرّ الى صدامات جانبية ضد المخمورين او المتبرجات، لان كل ما يتعلق بالحريات العامة للمغاربة لا يمكن لاي حكومة المس به.
ما لا يفهمه الغرب، في نظرته الى هذه الظاهرة، اي تحقيق الاسلام السياسي مكانة متقدمة في الانتخابات الديمقراطية، ان الناخب العربي هو مسلم معتدل بطبيعته، ويضع ثقته في الاحزاب الاسلامية، لانه عانى طويلا من فساد الانظمة العلمانية وديكتاتوريتها وقمعها واهدارها للمال العام، وتفريطها بالحقوق الوطنية.
الغرب يتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية وصول الاسلام السياسي الى قمم السلطة في اكثر من دولة عربية، لانه راهن، وطوال الخمسين عاما الماضية، على انظمة ديكتاتورية فاسدة تحت ذريعة دعم الاستقرار، والحصول على النفط العربي رخيصا، وتضخم التغول الاسرائيلي في نهش كرامة الانسان العربي واذلاله، من خلال حروب عدوانية واحتلالات مهينة.
التصويت للاسلاميين في تونس والمغرب، وقريبا في مصر، هو حالة تمرد على هذه السياسات والمواقف الغربية المهينة، علاوة على كون هؤلاء قدموا نموذجا في الانحياز الى الطبقات المسحوقة وهمومها، وانتصروا لمعاناتها، وكانوا الاكثر تفهما لمطالبها واحتياجاتها الاساسية المشروعة في العيش الكريم.
اربعون مليون مصري يعيشون الآن تحت خط الفقر المحدد وفق معايير الامم المتحدة، اي اقل من دولارين في اليوم، اي ما يعادل نصف مجموع سكان البلاد، في منطقة هي الاغنى في العالم بسبب عوائد نفطية تزيد عن 700 مليار دولار سنويا. ولا نبالغ اذا قلنا ان الولايات المتحدة الامريكية مدعومة بدول غربية اخرى ساهمت في ايصال مصر ،ودول عربية اخرى، الى هذه الحالة المعيشية المتردية عندما دعمت الفساد والديكتاتورية، ومنعت، بطرق مباشرة او غير مباشرة، دولا عربية نفطية من الاستثمار في الاقتصاد المصري لخلق وظائف لملايين العاطلين، وتحسين الظروف المعيشية لعشرات الملايين الآخرين.
منطقتنا العربية جربت حكم الديكتاتوريات العسكرية والعلمانية المزورة لاكثر من ستين عاما متواصلة، وتحولت الشعوب العربية الى فئران تجارب في معاملها، تارة لتطبيق اشتراكية مشوهة، وتارة اخرى لافكار قومية منقوصة، وثالثة لرأسمالية استغلالية تشجع اقتصادا طفوليا قائما على الفساد والإفساد، بحيث جاءت النتيجة اتساع الفجوة بين الفقراء والاغنياء، وتكوين طبقة جشعة من رجال الاعمال كل همها هو نهب ثروات البلاد وتضخم ارصدتها المالية في المصارف المحلية والاجنبية.
في جميع دول العالم تلعب الطبقات الوسطى دورا وطنيا في ضبط ايقاع المجتمع، وتكريس حرياته الديمقراطية، والحفاظ على الحد الادنى من وحدته الوطنية، والعدالة الاجتماعية بين طبقاته، حرصا على مصالحها اولا، واستقرار بلادها ثانيا، الا في معظم بلداننا العربية، حيث تحالفت هذه الطبقة مع الديكتاتوريات الفاسدة، وضد مصالح المواطنين في اغلب الاحيان.
الثورات العربية التي انطلقت بصورة عفوية في معظم البلدان العربية، تهدف الى تغيير هذا الواقع المريض، وتصحيح اخطاء متراكمة، ووضع حد لحالات الاذلال والقهر التي تعاني منها شعوب المنطقة، وتأسيس نظام عربي جديد قائم على العدالة الاجتماعية والشفافية والمحاسبة وحكم القانون.
الانتخابات التي تجري حاليا في مصر، وقبلها في تونس والمغرب، وقريبا في اليمن وسورية، وبإذن الله في السعودية ودول الخليج الاخرى، هي الركن الاساسي في عملية التصحيح هذه التي نتحدث عنها، وطالما تقرر الاحتكام الى صناديق الاقتراع فإن على الجميع، بما في ذلك الغرب، القبول بالنتائج، والتعايش، بل والتعاون معها، واحترام رغبة المواطن واختياره الديمقراطي الحر، لان اي تدخل مخالف قد يعطي نتائج عكسية مدمرة على المنطقة والمصالح الغربية في الوقت نفسه.
الشعوب العربية ليست شعوبا قاصرة حتى يصيغ لها الغرب ديمقراطية متخلفة، يجري تفصيلها وفق مصالحة المتغولة في الهيمنة ودعم العدوان الاسرائيلي، والتغيير في المنطقة لن يأتي تغييرا منضبطا ومتحكما به، مثلما يريد توني بلير منظر المحافظين الجدد، ورئيس وزراء بريطانيا الاسبق. التغيير القادم سيكون تغييرا عربيا اسلاميا وفق المصالح العربية والاسلامية اولا، ودون التعارض مع احترام مصالح الآخرين اذا كانت مصالح منطقية تحترم خصوصيات المنطقة وطموحات شعوبها في الكرامة والتحرر والسيادة الوطنية.
حكمنا الديكتاتوريون الفاسدون لاكثر من ستة عقود، واوصلونا الى مراتب دنيا من الفشل السياسي قبل الاقتصادي، وكانوا يخططون لتوريث الحكم لمجموعة من اولياء عهودهم المدللين الفاسدين الفاجرين، فماذا يمنع ان يحكمنا اسلاميون في نظام ديمقراطي تسوده الرقابة البرلمانية والشفافية والقضاء العادل المستقل والمؤسسات الدستورية، خاصة اذا حوّلنا هذا الحكم الى قوة عالمية محترمة، مثلما هو الحال في تركيا، او جعلنا من النمور الاقتصادية، مثلما يحدث في ماليزيا واندونيسيا.
يحذر البعض من امكانية استيلاء هؤلاء على السلطة، والتمترس فيها لعقود، واجهاض العملية الديمقراطية التي اوصلتهم الى الحكم، وهذه مخاوف مشروعة، ولكن يجب عدم نسيان عملية التغيير الثوري التي تسود المجتمعات العربية والاسلامية حاليا، التي تمثل ضمانة لحماية الديمقراطيات الوليدة، وما مليونيات ميدان التحرير في مصر التي نظمها شباب الثورة للحفاظ على مكتسباتهم ، واجبار المجلس العسكري الحاكم على اسقاط وثيقة الدكتور علي السلمي للتحكم بالدستور المقبل، واطاحة وزارة الدكتور عصام شرف، وتحديد موعد واضح لانتخابات رئاسية تعيد السلطة الى حكم مدني، الا احد ابرز الامثلة على منع اي انحراف عن ارادة الشعب.
فليأخذ الاسلاميون فرصتهم، وليحترم الجميع احكام صناديق الاقتراع، وليكف الغرب يده عن التدخل في شؤوننا لمصلحة اسرائيل وهيمنتها وعدوانها، ولنهب ثرواتنا بأسعار رخيصة، فقد شبّ العرب عن الطوق، والاجيال الجديدة لن تقبل ما قبلنا به نحن وآباؤنا طوال العقود الماضية، من ذل وهوان وهزائم، والشباب العربي الذي صنع ثورات التغيير هذه لن يبخل بدمه من اجل حمايتها.
الاحزاب الاسلامية الحالية معظمها يتبنى اجندات معتدلة، وليعلم الجميع ان اي محاولة لاجهاض فرصها في الحكم ستكون الطريق الاسرع للفوضى والحروب الاهلية، وعدم الاستقرار، وعودة الاسلام المتطرف، وهو اسلام قد يبدو تنظيم 'القاعدة' معتدلا بالمقارنة مع أجنداته.
 

خلجنة الاردن.. وشرقنة المغرب

كثيرة هي المفاجآت التي تأتينا من العاصمة السعودية الرياض، ولكن آخرها، وهي دعوة كل من الاردن والمغرب، للانضمام الى مجلس التعاون الخليجي، فوراً دون تردد، نزلت على الكثيرين كالصاعقة، سواء داخل المجلس او خارجه، من حيث توقيتها او الاهداف الغامضة التي ترمي الى تحقيقها.

العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز هو صاحب هذه المبادرة، تماماً مثلما كان ولا يزال صاحب مبادرة السلام العربية في طبعتها الاصلية، ولا يقدم على مثل هذه الخطوات، الا من اجل مواجهة خطر ما يهدد بلاده على وجه الخصوص، ويريد تحصين البيت استعداداً لهذه المواجهة.
احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) (الهجوم على برج التجارة العالمي في نيويورك) ومشاركة 15 سعــــودياً مـــن بين 19 (مجموع عدد المهاجمين)، ورغـــبة المملكـــة في امتصاص الغضـــبة الامريكــــية وتجنب خسارة حليف امريكي استراتيجي، كلها عوامل دفعت العاهل السعودي الى اطلاق مبادرة الســـلام العربية التي تحقـــق اعـــترافا وتطبيعا كاملا مقابل انسحاب اسرائيل من الاراضي العربية المحتلة عام 1967.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو عن الخطر الجديد الذي يقف خلف نسف صيغة مجلس التعاون الخليجي الحالية التي استمرت ما يقرب من الثلاثين عاماً، وكل الادبيات والاتفاقات التي احاطت بها، او تفرعت عنها، واضافة عضوين جديدين ينقصهما الكثير من شروط العضوية الصارمة، وعوامل التجانس الحتمية للانضمام الى هذا النادي المحافظ والمخملي.
هناك من يقول انه الخطر الايراني الذي فرض هذه الاستثناءات في شروط العضوية، وهناك من يجادل بان خروج مصر مما يسمى بمحور الاعتدال كان سبباً قوياً لا يجب الاستهانة به، وثالث يعتقد بان مرحلة الاستقطاب المذهبي الزاحفة الى المنطقة بقوة، والمنطقلة من البحرين بالذات، تحتم تكوين مخزون سني، او بالأحرى عمق امني سني، يعزز دول الخليج المخترقة بخلايا ايرانية، نائمة وصاحية، يمكن ان تزعزع استقرار المنطقة اذا ما اعطيت لها الاوامر من طهران للتحرك.
اختيار الاردن والمغرب لم يكن عفوياً او ارتجالياً فالدولتان تملكان اقوى جهازي مخابرات في الشرق الاوسط، وتقيمان علاقات تحالف استراتيجية مع واشنطن، والاهم من كل ذلك انهما دولتان 'سنيتان' بالمطلق، ولا يوجد فيهما اي مذاهب اخرى، وهذه مسألة على درجة عالية من الاهمية بالنسبة الى العاملين في مطبخ السياسة السعودية على وجه الخصوص.
بعد احتلال القوات العراقية للكويت في آب (اغسطس) عام 1990، استنجدت الحكومة السعودية بنظيرتها الباكستانية لارسال قوات لحمايتها من اي هجوم عراقي على أراضيها اسوة بما حدث في الكويت، وفعلاً لبت الحكومة الباكستانية نداء الاستغاثة فوراً، ووصلت القوات المطلوبة الى حفر الباطن، ليكتشف السعوديون ان من بينها عناصر شيعية، فبادر العاهل السعودي الى الطلب من رئيس وزراء باكستان سحب هذه العناصر بسبب حساسية المنطقة (توجد فيها اقلية شيعية) فاعتذر الباكستانيون بانهم لا يستطيعون ذلك، فجرى صرف النظر عن الاستنجاد بأي قوات باكستانية في المستقبل، وربما هذا العامل هو الذي حتم اللجوء الى المغرب والاردن هذه المرة.
' ' '
من الواضح ان العاهل السعودي، الذي استاء من نجاح الثورة المصرية في اطاحة نظام الرئيس حسني مبارك، ثم غضب من جراء تقديمه واعضاء اسرته، ورجال بطانته الى المحاكم بطرق مهينة، فهو يعتبر الرئيس مبارك رئيس قبيلة، او في منزلته، ورئيس القبيلة لا يمكن ان يخلع او يهان. وهذا ما يفسر حالة البرود التي تسود العلاقات حالياً بين مصر الثورة والمملكة العربية السعودية.
لا نعرف ما هو موقف دول الخليج الاخرى من هذه الخطوة السعودية المفاجئة، وكذلك رد فعل الشعب اليمني الذي وعد بالانضمام الى المجلس ولم يظفر من الجمل الخليجي حتى الآن بغير أذنه، ولكن ما نعرفه ان دولاً خليجية ليست مرتاحة، وعارضت التسرع في ضم الاردن والمغرب دون دراسة وتمحيص الامر الذي يعني اضافة موضوع خلاف جديد الى جانب الخلافات الحدودية القائمة، مثل الخلاف الحدودي الاماراتي السعودي حول شريط العيديد وحقل الشيبة، والخلافات الأخرى مثل العملة الخليجية الموحدة والاتفاقية الامنية، والتنقل بالبطاقة وبعض قوانين الاقامة والعمل.
منطقة الخليج تواجه حالياً خطرين اساسيين الاول هو الطموح الايراني الاقليمي المتصاعد والمدعوم ببرنامج نووي يوشك ان يعطي ثماره، وترسانة من الاسلحة التقليدية الهائلة، والثاني هو الثورات الشعبية التي تجتاح المنطقة وتطالب بالحريات الديمقراطية والشفافية والمساواة وحكم القانون.
العاهل السعودي يريد تشكيل محور جديد لمواجهة الخطر الايراني اولاً، والحفاظ على الملكيات العربية في مواجهة ثورات التغيير، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، وهذا ما يفسر ارسال المملكة ومن ثم دول خليجية اخرى قوات عسكرية الى البحرين لحماية نظامها من الانتفاضة الشعبية المطالبة بالاصلاحات، وهي انتفاضة متهمة بطابعها الشيعي، والدعم الايراني لها.
وربما يكون من السابق لاوانه التشكيك بفرص نجاح المحور الجديد الذي ما زال في طور النمو، ولكن من المفيد في الوقت نفسه تسليط الاضواء على بعض المخاطر في هذا الاطار:
اولا: التجانس في المحور الجديد سيكون على مستوى القمة، اي الاسر الحاكمة، بحكم طابعها الملكي العائلي، ولكنه قد لا يكون كذلك على مستوى القاعدة. بمعنى ان هذا التجانس كان متكاملاً، او الاقرب الى التكامل في مجلس التعاون في شكله الحالي، ومثل توسيعه، اي على صعيدي القمة والقاعدة معاً (الشعوب والحكام) وكان هذا التكامل هو سر استمراره منذ تأسيسه عام 1981 لمواجهة الثورة الايرانية بقيادة الامام الخميني.
ثانيا: ربما يكون انضمام الاردن الى مجلس التعاون يحقق احد الشروط الضرورية، اي الامتداد الجغرافي، ولكن ليس الحال كذلك بالنسبة الى المغرب، الامر الذي يذكرنا بالحال الذي انتهى اليه مجلس التعاون العربي بين العراق ومصر واليمن والاردن للسبب نفسه ولاسباب عديدة ابرزها طموحات الرئيس الراحل صدام حسين في الزعامة، ومخاوف مصر والاردن منها بحكم ارتباطهما بالغرب وامريكا على وجه الخصوص.
ثالثا: العاهل المغربي محمد السادس ليس مثل والده في تطلعه الى المشرق، وهو يفضل التمدد شمالا نحو اوروبا، والابتعاد كليا عن القضايا العربية الشائكة، فلم يعقد إلا اجتماعاً واحداً للجنة القدس التي ورثها عن والده، ولم يستضف اي قمة عربية طارئة او عادية، ومن النادر ان يشارك في هذه القمم في حال انعقادها، ويحرص على الوحدة الوطنية المغربية (تحقق التلاحم بين العرب والامازيغ) اكثر من حرصه على الوحدة العربية والقضايا المتفرعة عنها.
رابعا: الملكية في الاردن والمغرب شبه دستورية، وفي البلدين تعددية حزبية، والحد الادنى من حكم القانون، وصحافة تتمتع بهامش نسبي من الحرية وخاصة في المغرب، بينما الملكيات الخليجية اوتوقراطية، وليست دستورية على الاطلاق، ولا تعرف التعددية الحزبية بل لا تسمح بها. مضافا الى ذلك، ان الاردن والمغرب واجها الانتفاضات الشعبية بتقديم تنازلات واجراء بعض الاصلاحات السياسية والتعديلات الدستورية، بينما واجهتها البحرين بالقمع والحلول الامنية الدموية، اما السعودية فأضافت إليها الرشوة المالية (مئة مليار دولار لتحسين القطاعات الصحية والتعليمية والاسكانية وتوفير المساعدات والوظائف للعاطلين) الى جانب القمع الامني وتضييق مساحة الحريات (تعديل قانون المطبوعات).
* * *
ردود الفعل في المغرب للدعوة الى الانضمام الى مجلس التعاون الخليجي جاءت فاترة، بينما كانت اكثر حماساً في الاردن، الفتور المغربي الرسمي والشعبي، يأتي من الخوف على حدوث انتكاسة في الانجازات الديمقراطية، والاصابة بفيروس الاوتوقراطيات الملكية الخليجية، اما الحماس في الاردن فيعود الى الطموحات المالية والاقتصادية، فالمواطنون الاردنيون يعتقدون ان المليارات ستنهال عليهم وسيتنقلون في العواصم الخليجية بالبطاقات الشخصية كمواطنين اصيلين، وينتقلون من دور 'المكفول' الى دور 'الكفيل' في لمح البصر.
الحذر المغربي مفهوم، اما الحماس الاردني على الصعيدين الشعبي والرسمي فيتسم بالتسرع، فاذا كانت مليارات الخليج، وعلى مدى ثلاثين عاماً من تأسيس مجلسه، والاغاني العذبة حول 'انا خليجي وافتخر' التي تصدح بها الاذاعات والتلفزيونات، لم تهبط على الدولتين الاكثر فقراً وهما البحرين وسلطنة عمان، فهل ستهبط برداً وسلاماً على الاردن؟ نأمل ذلك خاصة في ظل ظروفه الاقتصادية الصعبة جداً هذه الايام.
نخشى ان تكون الحرب الطائفية المنتظرة قد اوشكت وان هذه الحرب تتطلب قوات مغربية واردنية، عسكرية وامنية، لان الولايات المتحدة المتورطة حالياً في حربي استنزاف بشري ومالي في العراق وافغانستان (حرب افغانستان تكلفها سبعة مليارات دولار شهرياً) وثالثة قادمة في ليبيا، لم يعد بمقدورها التورط في حرب رابعة اخطر ضد ايران القوة الاقليمية العظمى.
الاردن يلعب دائماً دوراً وظيفياً خاصاً في الحرب والسلم، في الحرب كوعاء تصب فيه الفوائض البشرية من جيرانه في العراق وفلسطين وسورية، وفي السلم كضمانة للاعتدال على الطريقة الغربية والامريكية خاصة. 
الآن توجد ملامح تدخل غربي قادم الى سورية، ومواجهة مع ايران، ولا بد ان يكون للنظام الاردني 'دور ما' فيهما اذا اقتضى الامر. النظام مستعد لتلبية النداء، مثلما فعل في الحرب الامريكية ضد الارهاب، وهذه التلبية قد تتطلب منها خسائر بشرية، وحتى يهضم الشعب هذه الخسائر ويتقبلها لانها ليست من اجل تحرير فلسطين لا بد من تقديم 'حوافز' او بالأحرى 'رشوة' له، وليس هناك اقوى تأثيراً من حافز 'خلجنته'.
 
 

الاتحاد المتوسطي: ترويض للعرب

قواسم مشتركة كثيرة تجمع بين دول حوض المتوسط بضفتيه، ابتداء من زيت الزيتون، ومرورا بالشواطئ المشمسة والسمرة البرونزية، وانتهاء بتاريخ حافل بالحروب والغزوات، تارة من الشمال ال الجنوب (الامبراطورية الرومانية والاستعمار الحديث) او من الجنوب ال الشمال (الفتوحات الاسلامية في اسبانيا) او من الشرق ال الغرب (وصول العثمانيين ال فيينا) او العكس، حيث قامت امبراطوريات وسادت حضارات عل انقاض اخر، أفلت اقمارها ونجومها.

الحوار بين شعوب المتوسط وزعاماتهم كان في غالب الاحيان بالسيف والرمح والمنجنيق، وظل الحال كذلك حت منتصف القرن الماضي، حين خضع كل الجنوب والشرق للاستعمار الفرنسي والبريطاني والايطالي، واليوم تطل في الأفق محاولة لتغيير الأدوات لتحقيق الاهداف نفسها بطريقة تبدو حضارية في ظاهرها.
نيكولا ساركوزي رئيس فرنسا يريد اليوم بدعوته لزعماء خمس وثلاثين دولة وضع اسس تكتل سياسي اقتصادي جديد بزعامته تحت عنوان (الاتحاد من اجل المتوسط)، يقول ان الهدف الرئيسي من ورائه تعزيز العلاقات بين هذه الدول وفق رؤية جديدة، ولكن الاجندات الخفية، وغير المعلنة، تتلخص في الرغبة في تعزيز زعامة فرنسا في اوروبا، واستعادة دورها القديم في المحيط المتوسطي العربي والاسلامي، وشمال افريقيا خاصة، ودمج اسرائيل بطريقة غير مباشرة مع جيرانها، بتشريع وجودها، وتطبيع علاقاتها مع من يتردد في التطبيع من الدول العربية المتوسطية، وهي قليلة عل اي حال.
ساركوزي يريد ان يعزز دور بلاده الاقليمي الاوروبي والعالمي بالالتفات جنوبا، حيث المستعمرات الفرنسية القديمة، بالطريقة نفسها التي عززت فيها انجيلا ميركل زعيمة المانيا دورها ومكانتها الاوروبيين بالالتفات شرقا، ال دول اوروبا الشرقية، وفتح ابواب الاتحاد الاوروبي امامها.
الدول العربية، والمغاربية منها عل وجه الخصوص، التي فشلت فشلا ذريعا في تأطير نفسها في تكتل اقليمي يرع مصالح شعوبها، ويقرب في ما بينها، كانت الأسرع في تلبية دعوة العم الفرنسي للمشاركة في الاتحاد المتوسطي، لجني بعض المنافع، وتأكيدا لعقدة متأصلة اسمها ضعف المستعمر (بفتح الميم) امام المستعمر (بكسر الميم).
فاذا كانت هذه الدول المغاربية فشلت في ما بينها، وهي تضم شعوبا متجانسة، وتدين بعقيدة واحدة، وتستند ال تاريخ مشترك في العبودية للمستعمر القادم من الشمال، فشلت في التعاون والتكامل وازالة الحواجز الحدودية والجمركية، والتعامل مع جيرانها ككتلة واحدة، فهل ستنجح في الاندماج في كيان اقتصادي وسياسي جديد مع دول وشعوب تنظر اليها بدونية وتعتبرها مصدر كل الشرور ابتداء من الهجرة وانتهاء بالارهاب؟
 
نحن مع اي علاقة تعاون بين دول جنوب المتوسط وشرقه مع شماله الاوروبي، شريطة ان تكون متكافئة، وتتضمن شروطا تحفظ المصالح المشتركة للطرفين دون اي تعال او احياء لمعادلات السادة والعبيد، ولكن ما نراه حاليا هو نظرة فوقية اوروبية تنظر ال دول الجنوب كمستودع ضخم للاستغلال التجاري والبشري، وفرصة ذهبية لاقتسام الغنائم.
هناك من يجادل بأن الاتجاه شمالا، وتعزيز التعاون مع الاتحاد الاوروبي، يعنيان فتح خزائن الاستثمار والتكنولوجيا، والاستفادة من الخبرات العلمية الحديثة في شت المجالات، وهذا صحيح، ولكنه غير متاح، لأن الأموال مشروطة دائما باصلاحات داخلية، سياسية واقتصادية، واحترام حقوق الانسان، وقيام انظمة حكم تستند ال مؤسسات ديمقراطية منتخبة عنوانها الشفافية واطلاق الحريات، ومحكومة بآليات محاسبة ودساتير راسخة، وقضاء مستقل، ومعظم الدول العربية المتوسطية في شمال افريقيا او شرق آسيا لا تتوفر فيها هذه المواصفات باستثناء لبنان.
نتمن عل هذه الدول التي يهرع زعماؤها ال باريس اليوم للمشاركة في عرس ساركوزي المتوسطي ان تطلع عل التجربة التركية، وتستوعب دروسها. فتركيا نزعت الحجاب وحفت الشوارب واللح، وألغت الحدود الاسلامية بما في ذلك عقوبة الاعدام، واقامت مؤسسات ديمقراطية حقة، وحققت تقدما اقتصاديا افضل من كثير من اقتصاديات الدول الاوروبية، ومع ذلك ما زالت تستجدي عضويتها في الاتحاد الاوروبي، وهي التي انضمت ال حلف الناتو مبكرا عندما كانت معظم دول اوروبا الشرقية التي انضمت حديثا ال النادي الاوروبي اعضاء في حلف وارسو المضاد وشريكا اصيلا في الحرب الباردة.
ومن المفارقة ان ساركوزي، ومن قبله ميتران وشيراك وديستان هم من ابرز المعارضين لعضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي، واليوم يريد ساركوزي اكثرهم حماسة في معارضته، اغلاق الباب تماما في وجهها، من خلال فتح نافذة الاتحاد المتوسطي.
 
اوروبا تحتاج ال الدول العربية والاسلامية (تركيا والبانيا) المتوسطية، اكثر من حاجة الاخيرة لها. فهذه الدول التي تشكل ما يقرب نصف هذا التكتل، تملك سوقا ضخمة للمنتوجات الاوروبية، مثلما تملك احتياطات نفط وغاز هائلة (ليبيا والجزائر) تحتاج اليها اوروبا ولا تستطيع الاستغناء عنها، والاكثر من ذلك ان الدول العربية والاسلامية تملك اخطر ورقتين تهددان استقرار اوروبا وهما الهجرة والارهاب، ودون تعاونها الجدي في هذين الملفين ستتحول اوروبا ال ساحة حروب وفوض. فعلينا ان نتصور الكوارث المتوقعة لو فتحت دول شمال افريقيا ابواب هجرة ابنائها وابناء افريقيا ال الشمال الاوروبي وأوقفت تعاونها في مجالات مكافحة الارهاب.
من المؤسف ان كل هذه الاوراق القوية في يد الدول العربية والاسلامية المتوسطية فشلت في وضع ساركوزي وقادة اوروبا الآخرين امام الخيار بينها وبين الدولة العبرية، بل ان قادتها يذهبون صاغرين ال باريس اليوم، وسيجلسون عل الطاولة نفسها مع شمعون بيريز رئيس الدولة العبرية، وايهود اولمرت رئيس وزرائها، ولن نستغرب اذا ما تبادلوا المصافحات والابتسامات معهما.
اثنتا عشرة دولة عربية واسلامية متوسطية في كفة واسرائيل وحدها في الكفة الاخر، فأي تكافؤ هذا الذي يتحدثون عنه في الاتحاد المتوسطي الجديد، وأي تعاون مثمر يمكن ان يقوم في ظل هذه المحاباة لدولة تحتل اراضي ثلاث دول عل الاقل من الدول الاعضاء (فلسطين ولبنان وسورية) وترتكب المجازر يوميا في حق شعوبها، وترسل قواتها لتدمير عاصمة احداها (لبنان) قبل عامين فقط بالتمام والكمال.
ففي الوقت الذي يحتفل فيه ساركوزي بتدشين وليده المتوسطي الجديد، يتذكر اللبنانيون هذه الأيام، ومعهم العرب جميعا، الذكر الثانية للعدوان الاسرائيلي عل بلادهم، ويزورون قبور ضحاياهم الذين مزقتهم القنابل والصواريخ الاسرائيلية.
 
انضمام اسرائيل ال مثل هذا التكتل الاقليمي الجديد يجب ان يكون مشروطا بوقف عدوانها وانسحابها من الاراضي العربية المحتلة جميعا، وتطبيق قرارات الشرعية الدولية، اما هذا الانضمام غير المشروط، بل والمرحب به فهو مرفوض ويشكل عارا عل الدولة الداعية والزعماء المدعوين.
الكارثة الاكبر، التي لا يعي معظم الزعماء العرب المشاركين في احتفالات اليومين القادمين، حجم خطورتها، ستتمثل في ان يفيقوا ذات يوم وقد اصبحت اسرائيل رئيسة هذه المنظومة الجديدة. فالرئاسة دورية وثنائية، رئيس اوروبي وآخر عربي، وهذا يعني ان حق اسرائيل في الرئاسة قانوني وشرعي حسب النظام التأسيسي، فماذا سيفعل السادة الزعماء ابتداء من الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة مرورا بالرئيس حسني مبارك وانتهاء بالرئيس بشار الاسد؟ مع تمنياتنا بالصحة وطول العمر لهم جميعا دون اي استثناء.