الكويت

اقصر القمم الخليجية في التاريخ تعيد قطر الى “الحضن المصري” وتأكيد المصالحة مع السيسي.. هل يعني هذا “الطلاق البائن” مع الاخوان.. وتغيير نهج شبكة “الجزيرة”.. وفك التحالف مع اردوغان؟

عبد الباري عطوان

ستدخل قمة مجلس التعاون الخليجي التي انعقدت واختتمت اعمالها مساء اليوم (الثلاثاء) كتاب “غينيس″ للارقام القياسية لكونها القمة “الاقصر” في تاريخ مجلس التعاون الخليجي، فلم تستغرق مدة انعقادها غير ساعتين، واقتصرت على ثلاثة خطابات رئيسية، اولها لرئيسها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني امير الدولة المضيفة، وثانيها للشيخ صباح الاحمد امير الكويت رئيس القمة السابقة، وثالثها للسيد عبد اللطيف الزياني الامين العام للمجلس، ولكن قيمة القمم، عربية كانت او خليجية، لا تنحصر في مدة انعقادها، وانما بالقرارات المهمة التي تصدر عنها، وانعكاساتها على مصير الدول المشاركة فيها، واجنداتها، ومواقفها السياسية، ويمكن القول ان قمة الدوحة، ونتائجها جاءت استثناء، فعندما يؤكد بيانها الختامي الذي اقره زعماء المجلس على “الدعم التام لمصر ولرئيسها عبد الفتاح السيسي وبما يحقق استقرارها وازدهارها” فإن هذا يعني صراحة، ودون اي مواربة، ان العقبة الرئيسية التي كانت تقف امام حل الخلافات الخليجية قد “ازيلت”، وان دولة قطر “مثلت” لشروط المصالحة جميعا، وقررت العودة الى السرب الخليجي، والتغريد من داخله باللحن السياسي نفسه وربما بحماسة اكبر، فقطر تريد دائما ان تكون مختلفة عن غيرها.
***
دعم دولة قطر للرئيس المصري السيسي وبرنامجه السياسي المتمثل في “خارطة الطريق” و”وقوفها التام مع مصر، حكومة وشعبا، من اجل استقرارها وازدهارها”، “تحول” في الموقف القطري ستترتب عليه، اذا ما كان نهائيا، العديد من “الالتزامات” و”المتغيرات” نختصرها في النقاط التالية:
ـ اولا: تخلي قطر كليا عن دعم حركة “الاخوان المسلمين” سياسيا وماليا واعلاميا، وابعاد جميع قيادات الحركة من الصفين الاول والثاني الذين يقيمون في الدوحة حاليا، او الزامهم بعدم الاقدام على اي انشطة سياسية معادية للنظام المصري، وعلى رأس هؤلاء الشيخ يوسف القرضاوي رئيس اتحاد كبار علماء المسلمين.
ـ ثانيا: حدوث تغيير جذري في تغطية قنوات شبكة “الجزيرة” المتعددة للملف المصري وخاصة “الجزيرة مباشر”، ووقف كل الهجمات الاعلامية ضد الرئيس السيسي وحكمه وسياساته، وانتهاج تغطية للحدث المصري اقرب الى اسلوب منافستها قناة “العربية”.
ـ ثالثا: تقديم مساعدات مالية، او اعادة المساعدات التي تم سحبها او اعادتها، الى الخزينة المصرية، سواء بمبادرة سريعة، او من خلال المشاركة في مؤتمر للدول المانحة، دعا اليه العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز في خطاب رسمي ارسله الى الرئيس السيسي بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية واعتبر فيه ان من لا يقدم الدعم لمصر “ليس منا ونحن لسنا منه”، في رسالة واضحة الى قطر في حينها، وكانت دولة قطر قدمت اكثر من عشرة مليارات دولار لمصر في زمن الرئيس محمد مرسي الذي اطيح به بإنقلاب عسكري، اعادت حكومة السيسي معظمها للخزينة القطرية حردا وتحديا.
ـ رابعا: خروج قطر جزئيا او كليا، من الحلف الثنائي مع تركيا ورئيسها رجب طيب اردوغان، خاصة الشق المتعلق منه بكل من الملفين المصري والليبي، مع احتمال بقاء الشق المتعلق منه بسورية والمتمحور حول اطاحة نظام الرئيس الاسد، فالدولتان دعمتا حركة “الاخوان” في مصر، ووقفتا مع التيار الاسلامي في ليبيا، وبالذات قوات “فجر ليبيا” في مواجهة كتائب الزنتان (القعقاع والصواعق) وجيش اللواء خليفة حفتر والبرلمان الليبي المنتخب ومقره مدينة طبرق شرق البلاد.

***

لا نعتقد ان هذا التحول في الموقف القطري جاء مفاجئا او وليد الساعة، بل جرى الاتفاق على كل تفاصيله في قمة الرياض الاستثنائية، التي انعقدت الشهر الماضي واصدرت اتفاق الرياض “التكميلي” الذي صدر عنها، بناء على دعوة من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، فقد كان واضحا ان الاتفاق على دعم مصر السيسي هو الشرط الاساسي لانعقاد قمة الدوحة، ومشاركة الجميع فيها في موعدها ومكانها، وعودة السفراء الثلاثة (السعودية، الامارات، والبحرين).
ما هي الخطوة التالية بعد مفاجآت قمة الدوحة؟
من الصعب استباق الاحداث، ولكن مثلما ادى الاتفاق على بنود قمة الرياض الاستثنائية الى قيام الشيخ محمد بن زايد ولي عهد ابو ظبي ونائب القائد العام للقوات المسلحة الاماراتية، والخصم الاشرس لقطر، بزيارة مفاجئة الى الدوحة على رأس وفد كبير للتأكيد على طي صفحة الخلافات معها، فإننا لا نستبعد ان يقوم الشيخ تميم امير دولة قطر بزيارة “اخوية” الى مصر على رأس وفد قطري كبير ايضا لتأكيد المصالحة وطي صفحة الماضي وكل ما فيها من “شوائب” وما اكثر الاخيرة.
الدوحة ظلت، وعلى مدى ربع القرن الماضي، مصدر “المفاجآت”، وقمة مجلس التعاون الخليجي وبيانها الختامي جاء على النهج نفسه، ولكن في “الاتجاه المعاكس″.
قطر تعرضت لعملية “ترويض” ممنهجة شاركت فيها مراكز قوى عربية وخليجية ودولية اعطت ثمارها في النهاية فيما يبدو.. ولكن هل سيأتي التغيير طويل الامد ام قصيره؟
الاجابة في رحم المستقبل المنظور.

السعودية تعلن “الحرب النفطية” لتركيع ايران وروسيا وهزيمتهما في سورية واوكرانيا.. فهل ستنجح هذه المرة مثل سابقاتها؟ وهل سيكون نجاحا دون خسائر؟

عبد الباري عطوان

تقدم المملكة العربية السعودية على”مغامرة” تتسم بالكثير من الخطورة في اصرارها على عدم خفض الانتاج النفطي لامتصاص الفائض في الاسواق الذي يقدر رسميا بحوالي مليون برميل وزيادة الاسعار، لان تكاليف هذا القرار السياسي قد تكون باهظة في المدى المنظور.
وزير النفط السعودي السيد علي النعيمي الذي حمل استراتيجية بلاده هذه الى اجتماع منظمة “اوبك” نصف السنوي في فيينا نجح، بالتهديد والوعيد، في فرض وجهة نظر بلاده على نظرائه، في ابقاء معدل الانتاج للمنظمة (30 مليون برميل يوميا) على حاله دون اي تخفيض، وتكريس دورها كلاعب اساسي مهيمن في قطاع النفط ومنظمته، ولكنه نجاح قد يكون مؤلما لما يمكن ان تترتب عليه من نتاج سياسية بالنظر الى الدول المتضررة من هذا النجاح وعلى رأسها روسيا وايران وفنزويلا والجزائر والعراق.
السعودية، وبكل بساطة، قررت استخدام سلاح النفط، ولكن ضد روسيا وايران بالدرجة الاولى، وبتنسيق كامل مع الولايات لمتحدة الامريكية بهدف تركيع هاتين الدولتين بسبب تدخل الاولى عسكريا في اوكرانيا، ودعم الثانية للنظام السوري وتمسكها بحقها المشروع في تخصيب اليورانيوم ورفضها تقديم تنازلات في مفاوضات فيينا الاسبوع الماضي حول طموحاتها ومنشآتها النووية.
فعندما تنخفض اسعار برميل النفط الى اقل من سبعين دولارا بعد ان كانت 120 دولارا قبل بضعة اشهر، اي بمعدل يقترب من الاربعين في المئة، فإن دولا مثل ايران وروسيا تشكل صادرات النفط اكثر من خمسين في المئة من دخلها، ستجد نفسها امام ظروف اقتصادية صعبة للغاية في الاشهر المقبلة.

***

الحكومة السعودية تبرر اتخاذها لهذا القرار للتصدي للبديل الآخر لنفط دول الاوبك، اي النفط الصخري الذي اصبح استخراجه مجديا؟ رغم تكاليفه العالية، بسبب ارتفاع اسعار النفط، حتى ان الولايات المتحدة الامريكية زادت انتاجها منه في الاشهر والسنوات الاخيرة من 5.7 مليون برميل الى 8.4 مليون برميل يوميا.
المبررات السعودية تبدو مقبولة نظريا، ولكنها ليست كذلك عمليا، وقد استخدمت الحجة نفسها في الماضي فيما يتعلق بنفط الشمال الاوروبي، فقد بلغت تكاليف انتاجه اكثر من عشرة دولارات للبرميل مقابل 2.5 دولار للنفط الشرق اوسطي، ومع ذلك لم يتوقف انتاج نفط بحر الشمال مطلقا عندما انخفضت اسعار النفط الى اقل من سبعة دولارات في منتصف الثمانينات.
ولنفترض ان الاستراتيجية السعودية ستقضي على فرص التوسع في النفط الحجري، وتعيد الدول المستهلكة وعلى رأسها امريكا الى الاعتماد على النفط التقليدي، فهل تستطيع المملكة العربية السعودية تحدي امريكا، المتضرر الاكبر من سياساتها وخطواتها هذه، وتدمر استثماراتها في عمليات استخراج النفط الصخري التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات؟
انه قرار سياسي بالدرجة الاولى لتضييق الخناق على ايران وروسيا، وتدمير اقتصادياتها، تماما مثلما اقدمت القيادة السعودية على الخطوة نفسها في منتصف الثمانينات للتعجيل بإنهيار الاتحاد السوفييتي، وعام 1988 لخنق الرئيس العراقي صدام حسين ونظامه حيث وصلت اسعار النفط الى ما يعادل ستة دولارات، مما دفعه الى اطلاق مقولته الشهيرة “قطع الارزاق من قطع الاعناق”، مما مهد الطريق لسقوطه في المصيدة الكويتية التي اعدت له بعناية فائقة وبقية القصة معروفة.
المملكة العربية السعودية التي تملك صندوقا سياديا يضم اكثر من 675.9 مليار دولار ربما لا تتضرر على المدى القصير من انخفاض اسعار النفط، وكذلك هو حال حليفاتها الخليجيات مثل الكويت التي يقدر قيمة صندوقها بحوالي بـ410 مليارات دولار، والامارات773 مليار دولار، وقطر حوالي 170 مليار دولار، هذا غير الاستثمارات العقارية وغيرها، ولكن نحن نتحدث عن الخسائر السياسية التي يمكن ان تكون باهظة جدا داخليا وخارجيا واقليميا.
فعندما يوجه امير من الاسرة الحاكمة في وزن الامير الوليد بن طلال رسالة مفتوحة الى وزير النفط السعودي السيد علي النعيمي ووزراء آخرين يعترض فيها ويستنكر تصريحات هدفت الى “التهوين من الآثار السلبية الكبيرة التي ستلحق بميزانية المملكة واقتصادها جراء التراجع الكبير في اسعار النفط، وذلك على حسابه الشخصي على “التويتر”، فإن هذا الاستنكار يستحق التوقف عنده، لانه يمثل شريحة مهمة في البلاد داخل السلطة وخارجها.
في المرة الاولى، اي في منتصف الثمانينات عندما ضخت المملكة ملايين البراميل لاغراق الاسواق للتعجيل بسقوط الاتحاد السوفييتي بالتنسيق مع امريكا، كانت هذه الامبراطورية السوفييتية في حال ضعف وانهيار ويتزعمها شخص مهزوم نفسيا وسياسيا ومخترق غربيا اسمه ميخائيل غورباتشوف، وخلفه رئيس آخر “مخمور” اسمه بوريس يلتسين، اما الآن فروسيا في حال من الصعود، وتستعيد مكانتها الدولية كقوة عظمى، ويحكمها رئيس قوي منتخب اسمه فلاديمير بوتين، ولعل رفض الاخير استقبال الامير سعود الفيصل اثناء زيارته الاخيرة لموسكو قبل عشرة ايام رسالة على درجة كبيرة من الخطورة باعتبارها احد الادلة على توتر العلاقات السعودية الروسية.

***

نعم.. تخفيض السعودية لاسعار النفط الذي ادى الى استفزاز الرئيس الراحل صدام حسين ودفعه الى احتلال الكويت، ادى الى الاطاحة به وتدمير بلاده في نهاية المطاف، مثلما ارادت الولايات المتحدة الامريكية، ولكن الاطمئنان السعودي الخليجي ظل مؤقتا وجاءت النتائج عكسية تماما، فقد برزت قيادة عراقية معادية للمملكة، وموالية لايران، وانقسام طائفي خطير بدأت اثاره واخطاره تهدد العمق السعودي واستقرار المملكة ووحدتها الداخلية، والديمغرافية والجغرافية.
لا نعرف كيف سيكون رد فعل كل من ايران وروسيا على هذه الخطوة السعودية، فالوقت ما زال مبكرا لرصده، ولكنه لن يكون وديا، كما انه ليس شرطا ان تأتي النتائج هذه المرة لصالح السعودية، مثلما كان عليه الحال في مرات سابقة.
وربما يجادل اهل السلطة وانصارهم في الرياض بأن قيادتهم ليس امامها اي خيار غير اتخاذ هذه السياسية لحماية مصالحها، والتصدي للاخطبوط الايراني الذي يمد اذرعته العسكرية والايديولوجية الى سورية ولبنان واليمن (التيار الحوثي) ويتمترس في العراق، وهذا جدل ينطوي على بعض الصحة، ولكن المملكة العربية السعودية ليست محصنة لردود الفعل الداخلية والخارجية، والانتقامين الروسي والايراني المحتملين.
كنا، مثل الكثيرين غيرنا، نتمنى ان يستخدم سلاح النفط ضد امريكا وليس الى جانبها، وبما يؤدي الى استعادة حقوقنا في فلسطين والقدس المحتلة، وهو السلاح الذي طالما صرخنا حتى بح صوتنا من اجل هذا الهدف، لكن يبدو ان لا احد يستمع الى صراخنا، ولكننا مع ذلك سنستمر لانه ليس لدينا اي خيار آخر غيره حتى لو انفجرت حنجرتنا.

قراءة “سريعة” في الخطاب الثاني لابو بكر البغدادي: السعودية هي الهدف الاكبر.. وتحريض صريح لقتل الشيعة.. والفرحة باغتياله لم تعمر طويلا

فاجأ السيد ابو بكر البغدادي زعيم تنظيم “الدولة الاسلامية” الملايين من انصاره ومتابعيه، علاوة على اجهزة الاستخبارات العالمية التي تقتفي اثره، بظهوره في شريط “صوتي” حمل عنوان “ولو كره الكافرون” وأد من خلاله كل التقارير الاخبارية التي سربتها الحكومة العراقية في بغداد التي تحدثت عن مقتله او اصابته في غارة جوية.
توقيت هذا الظهور جاء سريعا، بل اسرع مما توقعه الكثيرون، ووضع النقاط على الحروف ليس حول الاشاعات عن مقتله، وانما حول استراتيجية “الدولة الاسلامية”، ومنظورها وخطط عملها في الاشهر والسنوات المقبلة، الامر الذي يذكر بأشرطة الشيخ اسامة بن لادن زعيم “تنظيم القاعدة” الصوتية والمرئية التي كان يصدرها بين الحين والآخر، وتتضمن توجيهاته الى انصاره.
كان لافتا ان زعيم “الدولة الاسلامية” اصدر شريطا “صوتيا” وليس “مرئيا” وربما عمد الى ذلك لاسباب امنية محضة، لان الشريط المرئي ربما يخضع لتحليل الخبراء لمعرفة مكان التصوير والاجهزة المستخدمة، وعلينا ان نتذكر ان السيد البغدادي، مثله مثل الشيخ بن لادن، يتجنب اي استخدام لاجهزة الاتصال، والالكترونيات الاخرى، مثل “الحاسوب” وغيرها، ويعتمد على الرسائل الشفوية او المكتوبة التي يحملها مبعوثوه الى اتباعه في ميادين القتال او غيرها، حتى لا يتم رصدها من قبل المخابرات الامريكية والغربية التي تحوم طائرات تجسسها وجواسيسها في اجواء المنطقة ليل نهار بحثا عن معلومة او حتى همسة ربما تفيدهم في رصد مكانه والوصول اليه.
***
اربع نقاط اساسية يمكن استخلاصها من هذه الرسالة التي استغرقت 17 دقيقة وبثتها معظم المواقع الجهادية التي تنشر بيانات الدولة وادبياتها:
ـ اولا: التأكيد على ان “الدولة الاسلامية” ستتمدد الى بلاد الحرمين (السعودية) واليمن وليبيا ومصر والجزائر ولن تتوقف مطلقا، وان جنودها لن يتركوا القتال وسيستمر زحفهم الى روما حتى لو بقي منهم جندي واحد، ولا نعرف لماذ “روما” وليس فيينا او عواصم غربية اخرى، وقد تكررت العاصمة الايطالية دون غيرها في ادبيات التنظيم.
ـ ثانيا: ركز السيد البغدادي هجومه على المملكة العربية السعودية بصورة لافتة، اكثر من الدول الاخرى، واعتبرها “رأس الافعى ومعقل الداء” بحسب قوله، الامر الذي يوضح اسباب حالة الاستنفار التي اعلنتها السلطات السعودية تحسبا لاقتحامها، وحشد اكثر من ثلاثين الف جندي بكامل عتادهم العسكري على الحدود الشمالية المحاذية للعراق (رفحة وعرعر).
ـ ثالثا: حدد زعيم التنظيم اولوياته على قتل من اسماهم بالمشركين في “جزيرة” النبي محمد “صلعم”، وقال “ان لا مكان لهم فيها”، وحرض على قتل الشيعة بقوله “عليكم اولا بالرافضة (في اشارة اليهم) حيثما وجدتموهم”، مثلما حرض على “الاسرة الحاكمة في السعودية وجنودهم من الصليبيين” على حد وصفه، وقال “مزقوهم اربا، نغصوا عليهم عيشهم، وعما قريب ان شاء الله تصلكم طلائع الدولة الاسلامية”.
ـ رابعا: اعلان قبول “بيعة” كل من بايعو “الدولة الاسلامية”، وتأكيد عزمه على اعلان قيام “ولايات جديدة” وتعيين ولاة عليها وجب لهم السمع والطاعة، وهذه اشارة الى انصار بيت المقدس (مصر)، وانصار الشريعة في درنة (ليبيا)، وجماعات اخرى متشددة في الجزائر وباكستان وسورية.
***
انه بيان حرب يحدد الاولويات، ويتوعد الاعداء، ويهدف الى رفع معنويات المقاتلين في الجبهات المتعددة من خلال التأكيد على فشل خطط التحالف الذي يقصف مواقع الدولة وتجمعاتها في سورية والعراق.
تنبؤ السيد البغدادي بنزول قوات التحالف الى الارض ومقاتلة قوات الدولة بريا ينطوي على الكثير من الصحة، والقراءة الصحيحة للخطوات المستقبلية، فمعظم المحللين العسكريين الامريكيين يؤكدون ان القصف الجوي لا يمكن ان يحسم الا هذه الحرب من “البساطير” على الارض، وهذا ما يفسر مضاعفة الرئيس باراك اوباما لاعداد قواته على ارض العراق، وبلوغها 3100 جندي، واستعداده لارسال قوات اخرى بذريعة تدريب قوات الجيش العراقي وتأهيلها للتصدي لقوات الدولة ومنع تمددها.
الحرب البرية اذا اشتعلت تعني سقوط قتلى وجرحى من الجانبين المتحاربين، والقوات الامريكية اذا ما شاركت لن تكون استثناء، وهنا تكمن نقطة ضعف الرئيس الامريكي وجنرالاته.
الاستراتيجية الامريكية المتعلقة بالحرب ضد الدولة تتخبط وتتسم بالارتباك، ويتضح ذلك بجلاء ليس فقط من خلال عدم تحقيق القصف الجوي الذي بدأ قبل شهرين اي نتائج ملموسة، وانما من خلال “ضبابيتها” ايضا، فبلامس اكد الرئيس اوباما ان القضاء على “الدولة الاسلامية” وخطرها لا يمكن ان يتحقق الا بعد القضاء على نظام الرئيس بشار الاسد نقطة الجذب الاساسية للارهابيين على حد وصف مقربين منه لـ “سي ان ان” الامريكية، وهذا يتناقض كليا مع خططه السابقة في اعطاء الاولوية للقضاء على “الدولة الاسلامية”، ويبدو انه بدأ يخضع لضغوط حلفائه في السعودية وتركيا.
خطاب السيد البغدادي الذي يعتبر الاول منذ اعتلائه منبر الجامع النوري الكبير في الموصل بعد الاستيلاء عليها في حزيران (يونيو) الماضي والقاء خطبة الجمعة التي اعلن فيها الخلافة، يجب اخذه وكل ما ورد فيه، بكل الجدية لانه يحدد ملامح “مستقبل دموي” للمنطقة بأسرها قد يغير الكثير من معادلات القوة فيها، وربما حدودها ايضا، والاهم من كل ذلك، ان فرحة البعض بموته لم تتحقق، ولم تعمر طويلا، فالرجل “باق”، ويتوعد بـ تمدد” دولته، الامر الذي سيصيب كثيرين بالقلق والخوف والرعب ويدفعهم للتكتل ضده.

امريكا تعيد احتلال العراق من “نافذة الدولة الاسلامية” وبدعوة من حكومته.. وعدد قواتها يتضاعف يوما يعد يوم.. فهل تنجح هذه المرة فيما فشلت فيه في المرة السابقة؟

تعيد الولايات المتحدة احتلالها للعراق مرة ثانية تحت عنوان تأهيل القوات العراقية وتدريبها لمواجهة “الدولة الاسلامية”، ولكنه احتلال سيتم هذه المرة بموافقة الحكومة العراقية والحاحها.
وزارة الدفاع الامريكية “البنتاغون” اعلنت يوم الجمعة الماضي انها ستضاعف عدد عسكرييها في العراق بإرسالها 1500 مستشار عسكري اضافي لتدريب ومساعدة القوات العراقية بما فيها قوات البشمرغة الكردية في حربها ضد “الدولة الاسلامية” في اطار استراتيجية الولايات المتحدة في “دعم الشركاء في عين المكان”.
السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي الجديد الذي رفض وجود اي قوات عربية او اسلامية على ارض العراق لقتال “الدولة الاسلامية” الى جانب القوات العراقية رحب بشدة بهذه الخطوة الامريكية التي قالت الادارة الامريكية انها ترسل هذه القوات بناء على طلبه.
الرئيس اوباما قال في تصريحات ادلى بها السبت ان هذه القوات لن تشارك في القتال بل ستركز على تدريب المجندين العراقيين وعدد من العشائر السنية التي تقاتل “الدولة الاسلامية”، ولكن ارسال هذه القوات الامريكية الى محافظة الانبار بالذات يكذب هذه الاقوال ويؤكد انها ستذهب الى هذه المنطقة للقتال وادارة المعارك، والا لماذا لا تتم عمليات التدريب هذه في محافظات اخرى في الجنوب مثلا؟
هذه القوات الامريكية التي تتضاعف اعدادها يوما بعد يوم (وصلت حتى الآن الى 3100 “خبير” عسكري وجندي) هي قوات احتلال وليست قوات تدريب، ومن يقول غير ذلك يغالط نفسه، قبل ان يغالط الآخرين، خاصة عندما تأتي هذه بناء على طلب حكومة عراقية “تباهت” بأنها حررت العراق وانهت الاحتلال الامريكي ورفضت بقاء جندي واحد على ارض العراق، عندما رفضت منح الحصانة لاي قوات امريكية تبقى بعد الانسحاب الشامل.
لا نعتقد ان حكومة السيد العبادي، التي من المفترض ان تكون دائرة تمثيلها للعراقيين اوسع من حكومة السيد نوري المالكي، ستجد التأييد من قطاعات عريضة من الشعب العراقي من ابناء الطائفتين الشيعية والسنية لخطوتها هذه بإستدعاء قوات امريكية لاعادة احتلال العراق، وانتهاك سيادته الوطنية، تحت ذريعة محاربة “الدولة الاسلامية”.
وجود هذه القوات الامريكية على ارض العراق سيكون عامل توتر، وتكريس للطائفية في العراق، وسيصب في مصلحة “الدولة الاسلامية”، واضفاء طابع وطني على وجودها وحروبها، وغير وطني بل و”عمالة” على من استدعوها لحمايتهم منها، فالشعب العراقي، بل معظمه، لا يمكن ان ينسى ان معظم ازمات بلاده الحالية، وتحويلها الى دولة فاشلة، تمزقها الصراعات الطائفية، جاءت بسبب الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003، بل ان “الدولة الاسلامية” نمت وترعرعت، واشتد عودها لان هذا الاحتلال ومجازره وفر لها البيئة الحاضنة والمناخ الملائم.
الاحتلال الامريكي هو الذي حلّ الجيش العراقي وقوات الامن، ومارس كل انواع الاذلال ضدهم، وقذف بهم الى الشارع استجابة لنصائح حلفائه الذين قدموا على ظهور دباباته، وها هم يعودون مقاتلين شرسين تحت مظلة “الدولة الاسلامية” متعطشين للانتقام والثأر.
الحاكم الامريكي بول بريمر الذي اتخذ قرار حل الجيش العراقي، وانشاء الجيش الجديد الذي فر ثلاثون الفا من قواته من الموصل بملابس مدنية ولم يطلقوا رصاصة واحدة ضد “الدولة الاسلامية” وقواتها الزاحفة الى المدينة، والآن يقولون انهم جاءوا لاعادة تأهيل هذا الجيش مرة اخرى، وتدريب “صحوات” عشائرية جديدة.
الظرف الذي سمح بقيام قوات “الصحوات” التي اسسها الجنرال الامريكي ديفيد بترايوس وبلغ تعدادها ثمانين الفا عام 2006 للتصدي لمقاتلي تنظيم “القاعدة” هذا الزمن تغير، كما ان “العدو” تغير ايضا، فـ”الدولة الاسلامية” ليست “القاعدة”، ومعظم مقاتليها من ابناء العراق، والاهم من هذا كله، ان غالبية العراقيين، خاصة من مقاتلي قوات “الصحوات” لا يثقون مطلقا بالامريكيين الذين خذلوهم، وتخلوا عنهم، مثلما لا يثقون بالحكومة العراقية التي رفضت استيعابهم في الجيش والاجهزة الامنية من منطلقات طائفية بحتة.
لا نعرف كم مرة ستدرب الولايات المتحدة الامريكية الجيش العراقي، وكم مرة ستعيد تأهيله، وكم ستنهب من الخزينة العراقية مقابل ذلك، فقد امتصت اكثر من خمسة وعشرين مليار دولار من عرق الشعب العراقي من اجل هذه المهمة على مدى عشر سنوات، فما الذي تغير الآن، ولماذا تنجح هذه المرة حيث فشلت في المرة او المرات السابقة؟
فاذا كان هذا الجيش الذي يزيد تعداده عن نصف مليون ضابط وجندي، علاوة على مثل هذا الرقم من القوات الامنية، ومسلح تسليحا جيدا بأحدث المعدات الامريكية، فشل في هزيمة “الدولة الاسلامية” ومنع استيلائها على نصف العرق تقريبا وفي ايام معدودة، فإن كل محاولات “الترقيع″ الجديدة التي تشرف عليها امريكا ومستشاريها سيكون مآلها الفشل.
ما لا تدركه امريكا وحلفاؤها العراقيين، الجدد والقدامى، ان مشكلة الجيش العراقي ليست في التدريب ولا المعدات، وانما في غياب “العقيدة” القتالية الوطنية الجامعة التي توحد العراقيين جميعا تحت مظلتها، وتدفعهم الى الموت دفعا من اجلها.
الطائرات الامريكية التي تقصف قواعد وتجمعات قوات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية طوال الشهرين الماضيين هي الاحدث في العالم، وطياروها الاكثر براعة وتدريبا، ومع ذلك لم تفلح حتى الآن في وقف تقدم هذه القوات في عمق مدينة صغيرة مثل “عين العرب ـ كوباني” السورية ذات الاغلبية الكردية.
امر مؤسف ان “العراق الجديد المحرر” يستعين بقوات امريكية، من اجل مواجهة تنظيم لا يزيد تعداد قواته عن خمس جيشه وقواته الامنية ولم يتدرب على ايدي الامريكيين وغيرهم، ويقاتل ببقايا معداته واسلحته التي استولى عليها دون قتال بعد اقتحامه لمدينة الموصل.
القوات الامريكية تعرضت لهزيمة مذله في العراق، وها هي تعود للمصيدة نفسها، وستواجه المصير نفسه على ايدي كل العراقيين باستثناء من قدموا بلدهم لقمة سائغة لها، واضفوا شرعية زائفة على احتلالها الجديد مثلما فعلوا مع احتلالها الاول، والايام بيننا.

الخوف من دولة البغدادي الاسلامية هو سبب اعادة اعمار قطاع غزة والعودة للمفاوضات.. ومهرجانات الفرح باعتراف البرلمان البريطاني بدولة فلسطينية ضحك على ذقون الفلسطينيين.. وهذه هي اسبابنا!

عبد الباري عطوان
من يتابع الضجة الاعلامية الكبرى التي تسود المنطقة العربية هذه الايام والمتحورة حول اعتراف السويد بالدولة الفلسطينية، وتصويت البرلمان البريطاني المتوقع غدا (الاثنين) للامر نفسه يعتقد ان هذه الدولة قائمة فعلا، ولا ينقصها غير هذه الاعترافات فقط.
المسألة وبكل بساطة لا تتعدى كونها “حقنة” تخديرية اخرى للشعب الفلسطيني والعالم الاسلامي بأسره، تذكرنا بتجارب ووعود مماثلة كثيرة جدا صفقنا لها بحرارة، وبنينا عليها آمالا عريضة، وانتهينا بخيبة امل وخديعة الواحدة تلو الاخرى في اطار مسلسل طويل من الاهانات والاكاذيب، ويبدو اننا سنظل نلدغ من نفس الثعبان ومن نفس الجحر طوال الوقت، وممنوع علينا ان نصرخ الما والا فنحن ارهابيون.
عندما اراد جورج بوش الاب “تخدير” العرب قال انه سيحل القضية الفلسطينية بعد اخراج القوات العراقية من الكويت، وخرجت القوات فعلا، وجرى تدمير معظمها ذبحا بصواريخ الطائرات الامريكية وهي منسحبة ذليلة من الكويت في شباط (فبراير) عام 1991، على طريق المطلاع المؤدي الى البصرة، وفشل مؤتمر مدريد للسلام الذي عقده الرئيس بوش في زفة دولية وعربية، والشي الوحيد الذي اسفر عنه هو صدق نبوءة اسحق شامير رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي رأس وفد بلاده بأنه سيظل يتفاوض لاكثر من عشرين عاما دون ان يتنازل عن مليمترا واحدا من الاراضي المحتلة، ودون ان يتوقف لحظة عن مواصلة الاستيطان.
حاول خلفه بيل كلينتون الشيء نفسه، وعقد مؤتمر آخر للسلام في كامب ديفيد عام الفين ليتبين لنا ان الهدف منه “تسويق” دولة فلسطينية “مسخ” بدون سيادة وبدون القدس عاصمة لها، وعندما جاء جورج بوش الابن، واراد غزو العراق واحتلاله تعهد باقامة دولة فلسطينية مستقلة قبل نهاية ولايته الاولى عام 2005، وبعد الانتهاء من حكم صدام حسين، وانتهت الولاية الاولى والثانية وجرى اعدام صدام حسين ورفاقه، وتدمير العراق وتفتيته طائفيا، وتقسيمه جغرافيا، وتحويله الى دولة فاشلة والدولة الفلسطينية ما زالت في رحم الغيب، بل لم تبق اراض لكي تقام عليها.
***
الآن حلت “الدولة الاسلامية” وخطرها على الغرب وحلفائه في المنطقة مكان صدام حسين، وخطره، ولان هذه الدولة باتت تستقطب الشباب العربي المحبط، وتحقق الانتصار تلو الانتصار وتستولي على المزيد من الاراضي (آخرها عين العرب) في سورية والعراق رغم الضربات الجوية المكثفة، عادت امريكا وحلفاؤها الغربيون الى اسطوانة الدولة الفلسطينية المستقلة، المشروخة مرة اخرى، وللأسف تجد من يصدقها من ابناء جلدتنا، والرئيس الفلسطيني محمود عباس والمجموعة المحيطة به على وجه الخصوص، ويعتبرون مجرد هذا الاعتراف “الرمزي” الذي لا يفرض اي التزام على الارض انتصارا كبيرا يستحق التصفيق والرقض في ميدان المنارة في رام الله طربا له، تماما مثلما رقص بعض المخدوعين بسياساته عندما عاد من الامم المتحدة قبل عام مزهوا بحصوله على دولة مراقب، ووعدنا بأنه سيستخدم هذا الانجاز لمطاردة مجرمي الحرب الاسرائيليين وهو ما لم يفعله ولن يفعله، “ولو بدها تشتي لغيمت”.
الغرب يعرف جيدا نفسية العرب والمسلمين، مثلما يعرف ان “الاشياء الصغيرة تبث السعادة في العقول الصغيرة”، مثلما يقول المثل الانكليزي الشهير، ولهذا بدأت الاعترافات تتوالى وتتسع، وبدأت معها مهرجانات الفرح في اكثر من عاصمة عربية، وتناسلت معها المقالات والتصريحات حول اهمية هذا الاختراق السياسي العظيم.
الامر وبكل بساطة هو انه مثلما نجحت حركة المقاومة الاسلامية “حماس″ في مليء “الفراغ الجهادي” الذي خلقته حركة “فتح” بتخليها عن المقاومة بوقوعها في مصيدة “السلام المغشوش”، فان هناك مؤشرات على بروز ظاهرة الاسلام المتشدد في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة الذي يهدد بمليء الفراغ الذي سيترتب على “اعتدال” حركة حماس المتوقع، وميلها نحو “الحل التفاوضي” وتسليمها السلطة بالكامل في قطاع غزة لتيار اوسلو بعد ان انهكها وحكمها الحصار الاسرائيلي العربي الخانق، ووجود توقعات امريكية باستمرار الحرب ضد “الدولة الاسلامية” و”ارهابها” لاكثر من ثلاثين عاما.

لنفترض جدلا ان خطة اعمار غزة التي تبحث في مؤتمر القاهرة ليس لها علاقة بالخوف من “الدولة الاسلامية” وتمددها مثلما يجادل البعض، فان السؤال الذي يطرح نفسه حول الثمن الذي تريده امريكا من الفلسطينيين وحركة حماس على وجه التحديد مقابل هذه الاموال التي ستدفعها لاعادة الاعمار والدول الغربية الاخرى، هل هو رأس المقاومة، هل هو نزع سلاحها، ام ماذا تريد؟ لان لا شيء تدفعه امريكا بدون مقابل، ثم لماذا لم تمثل الفصائل الفلسطينية المقاومة في هذا المؤتمر مثل “حماس و”الجهاد”، والجبهة الشعبية والديمقراطية وغيرها، وهي الفصائل التي صمدت وانتصرت على العدوان الاسرائيلي الاخير.

المعلومات الواردة من قطاع غزة والضفة تفيد ان تنظيمي “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” يحظيان بتأييد كبير في اوساط الشباب الاسلامي الفلسطيني المحبط من “فتح” و”حماس″ معا، وان خلايا تابعة للتنظيمين بدأت تتبلور وتنمو خاصة في “الخليل” ومحيطها في الضفة الغربية ومدينة رفح في القطاع، وهذا ما يفسر حالة الهلع الغربية الحالية التي تتمثل في الضغط على حكومة نتنياهو لتخفيف الحصار والسماح لعدد اكبر من العمال من الضفة وقطاع غزة من العمل داخل ما يسمى بالخط الاخضر، وتنظيم مؤتمر دولي يشارك فيه وزراء خارجية 30 دولة لاعادة اعمار قطاع غزة بدأ اعماله اليوم في القاهرة برئاسة جون كيري وزير خارجية امريكا ورعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
الدول الغربية وعلى رأسها امريكا ادركت ان الحصار على القطاع بدأ يعطي نتائج عكسية تماما، ولهذا جرى التحرك بسرعة لامتصاص حالة الغضب المتفاقمة الناجمة عنه، وعن العدوان الاسرائيلي الاخير الذي ادى الى استشهاد اكثر من الفي انسان ربعهم من الاطفال، وتشريد اكثر من مئتي الف آخرين من جراء تدمير منازلهم، من خلال ضخ بضعة مليارات من الدولارات كرشوة لاعادة احياء عملية السلام واعادة السلطة الى مائدة المفاوضات بشروط اسرائيلية بعد ان ملّ المفاوضون الفلسطينيون من “البطالة” وباتوا يحنون للقاء نظرائهم الاسرائيليين.
الرعب من الاسلام السياسي المتشدد هو الذي يقف وراء كل هذه التحركات الدبلوماسية الغربية، وليس براعة الرئيس محمود عباس، او الجهود العربية الرسمية، فالعرب نسوا فلسطين، وصمتوا على تقسيم الاقصى، مثلما صمتوا على تقسيم الحرم الابراهيمي، وتغول الاستيطان، بل وتواطأوا علنا مع العدوان الاسرائيلي الاخير على قطاع غزة، ومن يقول غير ذلك يخدع نفسه ويعيش في عالم آخر غير عالمنا.
المنطقة العربية تقف الآن على فوهة بركان، واسرائيل باتت محاصرة بالفوضى والتطرف والدول الفاشلة او شبه الفاشلة، واحتمالات تسخين او حتى اشتعال جبهة جنوب لبنان، وجنوب غرب سورية واردة بل ربما حتمية، والغرب لا يهمه غير اسرائيل وامنها الذي يحظى بالاولوية بالنسبة اليه.
للذين يهللون للاعتراف البريطاني بالدولة الفلسطينية الوهمية نقول ان هذا الاعتراف بلا اي قيمة حقيقية، وان ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا الذي ادار وجهه عن ذبح الاطفال الفلسطينيين في قطاع غزة، واعتبر هذا الذبح حق اسرائيلي شرعي في الدفاع عن النفس، لا يمكن ان يؤيد قيام الدولة الفلسطينية عمليا، فالغرب لا يتحرك الا عندما تتهدد مصالحه، مثلما يحدث في العراق وسورية حاليا، وهو ليس جمعية خيرية، ولا يعير اي اهتمام للضعفاء الاذلاء.

عندما يحرك هؤلاء طائراتهم للتصدي للعدوان الاسرائيلي، مثلما فعلوا لحماية الاكراد في اربيل وعين العرب، وبادروا بقصف الدبابات الاسرائيلية التي تزحف نحو قطاع غزة، وتقتل الابرياء العزل، وتمنع الطيران الاسرائيلي من سحق الاطفال على شاطيء مدينة غزة، في هذه الحالة فقط، نقول ان هناك تغييرا حقيقيا بات يتبلور في السياسات الغربية نحو القضية الفلسطينية واهلها، اما غير ذلك فضحك على الذقون.

***
نذّكر الذين يهللون لاعتراف البرلمان البريطاني بدولة فلسطينية بأن بريطانية هي المسؤول الاول عن كارثة فلسطين، وان وعد بلفور الذي صدر قبل مئة عام، واكرر قبل مئة عام، اعطى الفلسطينيين الحق في اقامة وطنهم ودولتهم على قدم المساواة مع اليهود، وان قرارات التقسيم الصادرة عن الامم المتحدة كرست هذا الحق ايضا رغم اجحافه، فماذا حدث بعد ذلك؟ الاستمرار في دعم العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني وبطرق اكثر شراسة، والهاء الفلسطينيين والعرب بخطوات صغيرة مثل دولة عضو مراقب، او حل الدولتين، مقابل القاء السلاح والتجاوب مع كل الشروط الاسرائيلية.
شكرا للسويد وللبرلمان البريطاني، نحن مللنا من “الحقن التخديرية” والحركات البهلوانية ولا نريد اعترافكم هذا الذي لا يقدم ولا يؤخر، وانما يكشف ان هناك من يعتقد اننا ما زلنا اغبياء وسذج، يمكن خداعنا والضحك علينا بسهولة، فاذا كان البعض منا اغبياء ويتمتعون بذلك، ويفتقدون الى الحد الادنى من الكرامة والوطنية ويرضون بالصغائر فان الغالبية الساحقة من الامة وشبابها ليسوا كذلك، والايام بيننا.

المثلث السوري الايراني الروسي قد يشكل عنصر “تخريب” لحرب “التحالف” العربي الامريكي للقضاء على “الدولة الاسلامية”.. و”الصحوات” السورية تستعد للعب الدور الاكبر على الارض.. والجيش العراقي المدعوم بـ”البشمرغة” في الجانب الآخر.. واليكم فرص النجاح والفشل

اختتم مؤتمر جدة الذي ترأسه جون كيري وزير الخارجية الامريكي اعماله بعد مباحثات استغرقت ساعات معدودة اتفق وزراء الخارجية الاحدى عشر الذين شاركوا فيه على الخطة الامريكية المقترحة لاضعاف تنظيم “الدولة الاسلامية” تمهيدا للقضاء عليها حسب ما جاء في خطاب الرئيس الامريكي باراك اوباما الذي القاه فجر الخميس، وتوزيع الادوار والمهام بالتالي.

كان لافتا ان المؤتمر ضم وزراء دول الخليج الست علاوة على الاردن ومصر ولبنان وتركيا والعراق والولايات المتحدة، حيث تغيب عنه المغرب الذي لم يدع، وايران التي استبعدت استجابة لضغوط سعودية.
انه مؤتمر اسس تحالفا اقليميا لاعلان حرب جديدة في منطقة الشرق الاوسط في محاولة لاصلاح الكارثة التي نجمت عن الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003، المصدر الاساسي لكل الاعراض الجانبية الحالية المتمثلة في تحول العراق الى دولة فاشلة وانفجار الصراع الطائفي في المنطقة برمتها، وتمزيق العراق وهويته الوطنية الجامعة.
الحرب الامريكية القادمة ضد “الدولة الاسلامية” ستكون من شقين اساسيين وفق لخطاب اوباما وتصريحات “العراب” كيري:
*الشق الاول: امريكي مباشر سيتمثل في توسيع الغارات الجوية بطائرات بطيار او بدونه، وقد تستمر لعدة اشهر وربما ثلاث سنوات، حسب التقديرات الرسمية.
*الشق الثاني: اقليمي ينقسم الى قسمين، الاول في العراق وسيكون محصورا في قوات الجيش العراقي التي سيعاد تأهيلها تدريبا وتسليحا على ايدي ما يقرب من الف مستشار وخبير عسكري امريكي، وقوات البشمركة الكردية في الاطار نفسه، اما القسم الثاني فسيكون من مهمة المعارضة السورية المسلحة التي ستتلقى عناصرها دورات تدريبية مكثفة في قواعد عسكرية في المملكة العربية السعودية والاردن وربما دول خليجية اخرى، تتولى بعد ذلك مهمة قتال الجبهة الاسلامية داخل الحدود السورية، على غرار قوات “الصحوات” العراقية التي اسسها الجنرال الامريكي ديفيد بترايوس للتصدي لتنظيم “القاعدة” ووقف تفجيراته.
***

الدور الخليجي في هذه الحرب سيكون “محوريا” حيث جرى الاتفاق على قيام الحكومات الخليجية بمهمتين اساسيتين:
*الاولى: تمويل هذه الحرب وتسديد جميع نفقاتها بالتالي، وهي نفقات مفتوحة و”متدحرجة” قد تمتد على مدى ثلاث سنوات كحد ادنى، وقد تصل الى مئات المليارات من الدولارات ان لم يكن اكثر.
الثانية: فتح جميع المطارات العسكرية والاجواء في ثلاث دولة خليجية هي “الظفرة” في الامارات وقطر (قاعدة العيديد)، والكويت (قاعدة علي السالم الجوية) امام الطائرات الامريكية التي ستتولى عمليات القصف الجوي لتجمعات ومقرات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية، وعلاوة على حاملة الطائرات الامريكية “يو اس اس″ جورج بوش الموجودة في مياه الخليج.
من الواضح ان المملكة العربية السعودية وحلفاءها العرب اشترطوا ابعاد ايران من هذا الحلف الجديد، وعدم قيام اي تعاون مع النظام السوري، مثلما حرصوا على بقاء هذا التحالف عربيا امريكيا فقط، وان لا يقتصر على القضاء على “الدولة الاسلامية” وخطرها، وانما النظام السوري، ولكن في مرحلة لاحقة، اذا سارت الامور على الارض وفق المخطط الامريكي، وهذا موضع شك.
تركيا عضو الحلف الاطلسي فضلت ان يكون دورها في هذه الحرب محدودا للغاية، وان تتراجع الى المقاعد الخلفية، لانها تدرك جيدا ان هذا التحالف ربما ينعكس سلبا عليها، لانه يعزز الاكراد، ويسلحهم بأسلحة حديثة، يمكن ان تتسرب الى حزب العمال الكردستاني، وبما يهدد اتفاق السلام الذي جرى توقيعه مؤخرا لانهاء حالة تمرده ضد الحكومة المركزية في انقرة، ولحرصها على حياة رهائنها الدبلوماسيين الذين اسرتهم قوات “الدولة الاسلامية” عندما استولوا على مدينة الموصل، وما هو اخطر من ذلك، تجنب تعرضها الى هجمات انتقامية ضد صناعة السياحة فيها التي تقدر بحوالي 35 مليار دولار سنويا.
المتحدث الرسمي التركي اكد ان بلاده لن تشارك في العمليات العسكرية ضد “الدولة الاسلامية”، ولكنها قد تسمح للتحالف باستخدام قاعدة “انجرليك” الجوية جنوب البلاد لاغراض لوجستية.
واذا كان هذا الموقف التركي يتسم بالغرابة فان ما هو اغرب منه هو موقف الحكومتين الالمانية والبريطانية الرافض للمشاركة في الضربات الجوية، فالدولتان من اقرب الحلفاء لواشنطن وخاصة بريطانيا، بينما قالت فرنسا الحليف الثالث انها ستشارك في هذه الضربات “اذا اقتضت الحاجة”، وربما يعود هذا الرفض لعدم الثقة في نجاح التحالف او لرفض الرأي العام فيهما لاي تورط عسكري في العراق او الاثنين معا.
فرص نجاح هذا التحالف في القضاء على “الدولة الاسلامية” وخطرها تبدو كبيرة على الورق، ولكن عندما تبدأ مرحلة التطبيق على الارض يمكن الجزم بأن كل المفاجآت واردة، لان هناك اطرافا جرى استبعادها من التحالف يمكن ان تلعب دورا “تخريبيا” خاصة اذا طال امد الحرب.
نحن نتحدث عن ايران وسورية اللتين ابديتا امتعاضا لاستبعادهما من هذا التحالف، فايران التي رحبت منذ اليوم الاول بالمشاركة في اي جهد للقضاء على “الدولة الاسلامية”، وارسلت السيد حسين امير عبد اللهيان نائب وزير خارجيتها الى الرياض من اجل التنسيق والتعاون، وجدت نفسها “منبوذة”، اما سورية التي سارع وزير خارجيتها السيد وليد المعلم الى عقد مؤتمر صحافي رحب فيه بالتنسيق مع الولايات المتحدة او اي دول عربية او اجنبية في الحرب ضد “الدولة الاسلامية”، فقد انتقلت من خانة الحليف “المحتمل” في الحرب الجديدة على “الارهاب”، الى عدو مستهدف باعتبارها جزء من المشكلة وبالتالي لن تكون جزءا من الحل مثلما قال ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني.
السيد علي حيدر وزير المصالحة الوطنية في سورية قال ان بلاده تعتبر اي عمل عسكري على ارضها دون موافقتها يشكل عدوانا، وهذا يذكرنا بما قاله السيد المعلم بأن بلاده قد تلجأ الى اسقاط اي طائرة حربية تدخل اجواءها دون اذنها، وتناغمت روسيا مع هذا الموقف السوري عندما قال متحدث باسمها “ان اي ضربات امريكية احادية الجانب ضد “الدولة الاسلامية” في سورية ستشكل انتهاكا فاضحا للقانون الدولي اذا جاءت خارج تفويض من الامم المتحدة”.

***
الحرب الامريكية بـ”النيابة” في منطقة الشرق الاوسط باتت وشيكة جدا، وتصفية “الدولة الاسلامية” ربما يكون الذريعة، او قمة جبل التلج، فالهدف الحقيقي هو اعادة ترسيخ الهيمنة الامريكية مجددا من خلال اقامة قواعد عسكرية جديدة والسيطرة الكاملة على الثروات النفطية.
هل سيحقق هذا التحالف اهدافه القصيرة (تصفية الدولة الاسلامية) او البعيدة والاهم (الهيمنة على المنطقة وثرواتها)؟
من الصعب اعطاء اجابات جازمة فالتدخل الجوي الامريكي والارضي اليمني (الجيش اليمني) فشل في القضاء على تنظيم “القاعدة” على مدى السنوات الخمس الماضية على الاقل، مثلما فشل قبلها في افغانستان، ومرشح للفشل المزدوج في ليبيا.
الشيء الوحيد المؤكد ان الضحايا سيكونون هذه المرة كلهم من العرب والمسلمين، سواء كانوا في معسكر التحالف او المعسكر الآخر المقابل له، فلن يكون هناك جنود امريكيون على الارض، مثلما كان عليه الحال في الحروب السابقة في العراق وافغانستان، وانما عربا يقاتلون ويقتلون عربا ومسلمين.
الحرب الاولى على الارهاب فشلت في القضاء على تنظيم “القاعدة” المركزي، بل اعطت نتائج عكسية رغم مئات الآلاف من الضحايا، وآلاف “المليارات” من الدولارات، ولا نعتقد ان “ملحقها” الجديد يمكن ان يكون افضل حالا، واقل خسائرا.

تحالف اوباما “الاقليمي” لتصفية “الدولة الاسلامية” يواجه صعوبات: تركيا مترددة.. والاردن قلق.. والسعودية مشغولة بالحوثيين.. والشيخ “المقدسي” اكد لي انه سيقف في خندق البغدادي

عبد الباري عطوان

يلقي الرئيس الامريكي باراك اوباما (الاربعاء) خطابا يحدد فيه استراتيجيته المتعلقة باعلان الحرب على “الدولة الاسلامية” بهدف القضاء على خطرها الذي يهدد المصالح الامريكية وحلفاءها في المنطقة، وسيتزامن هذا الخطاب مع جولة يقوم بها كل من وزير خارجيته جون كيري ووزير دفاعه تشاك هيغل في عواصم عديدة في الشرق الاوسط، من بينها الرياض وعمان وانقرة علاوة على بغداد.
تفاصيل هذه الاستراتيجية الامريكية ما زالت غير معروفة، ولكن هناك تسريبات اشارت الى انها ستركز على عدة عناوين ابرزها تجفيف مصادر تمويل “الدولة الاسلامية”، ووقف تدفق المقاتلين الاجانب للانضمام الى صفوفها، وتكثيف التحرك العسكري لتدمير قواعدها وتجمعاتها العسكرية على الاراضي التي تسيطر عليها في العراق وسورية.
الرئيس اوباما قال في خطاب سابق “انه سيقضي على “الدولة الاسلامية” مثلما قضى على تنظيم “القاعدة”، ولكن كلامه هذا يبدو من نوع خداع النفس الى جانب خداع الآخرين، فهو لم يقض على تنظيم “القاعدة” رغم انفاق اكثر من تريليون دولار من اموال دافعي الضرائب الامريكيين تحت عنوان “الحرب على الارهاب” فعندما بدأت هذه الحرب كان هناك مقرا واحدا للتنظيم في افغانستان، والآن له اكثر من عشرة مقرات في منطقة الشرق الاوسط والعالم، جرى الاعلان عن فتح آخرها في الهند.
اما بالنسبة الى تجفيف المنابع المالية لتنظيم “الدولة الاسلامية” فان هذا الهدف لن يتحقق في زمن ولاية الرئيس اوباما (بقي له عامان في السلطة) لسبب بسيط وهو ان “الدولة الاسلامية” مكتفية ذاتيا من الناحية المالية، وهناك من يقدر ثروتها بحوالي سبعة مليارات دولار، ويدخل الى ميزانيتها اكثر من مليوني دولار يوميا من بيع النفط الخام او المكرر، وهذه الاموال يمكن ان تكفيها لخمسة اعوام قادمة ان لم يكن اكثر، فهي لا تملك سفارات ضخمة في الخارج، ولا وزراء فاسدون، ولا يحكمها رئيس او ملك يهدر اموالها في اعمال البذخ والترف والطائرات الخاصة مثل اقرانه العرب الآخرين.

***
لا اقول هذا الكلام مدحا او تمجيدا وانما استنادا الى معلومات مؤكدة حصلت عليها من مصادر عديدة مقربة من “الدولة الاسلامية”، التقيت بها اثناء زيارتي الاخيرة للعاصمة الاردنية بهدف بحث هذه الظاهرة التي يتوحد العالم بأسره ضدها لخطورتها ووحشيتها ودمويتها، ودراسة نشأتها ومعرفة اسباب صعودها الاسطوري على سلم الاهتمام الدولي والاقليمي، ومدى قدرتها على التمدد والاستمرار.
الرئيس اوباما سيجد صعوبة كبيرة في تشكيل التحالف الذي يريد تأسيسه، بشقيه الدولي والاقليمي، لان التمنيات شيء والتطبيق العملي شيء آخر، فالدول التي سيلتقي قادتها المبعوثين الامريكيين “ترتعد” من مجرد الطلب منها ارسال قوات ارضية الى ميادين القتال، فقد تعودت ان يحارب الامريكان والآخرون نيابة عنها مثل دول الخليج، او هناك مخاطر يمكن ان تترتب على مشاركتها مثلما هو حال تركيا التي تخشى على امنها الداخلي، ومدخولها السياحي (30 مليار دولار)، واتفاقها السلمي مع مواطنيها الاكراد، ووحدتها الوطنية الديمغرافية والجغرافية معا، علاوة على امن وحياة مواطنيها الاسرى لدى “الدولة الاسلامية” (46 دبلوماسي كانوا في قنصليتها في الموصل ساعة الاستيلاء على المدينة).
فالمملكة العربية السعودية تواجه ازمات داخلية طاحنة، ومسكونة بتمدد الخطر الحوثي في اليمن، وتدرك جيدا ان الدولة تملك انصارا ومتعاطفين بل ومريدين في اوساط شبابها، وتنوء بحمل “مصر السيسي” الاقتصادي، ولم يحدث مطلقا انها ارسلت قوات سعودية الى خارج اراضيها منذ حرب اليمن.. اما الاردن فالمعارضة لارسال قواته الى العراق تتصاعد على المستويين البرلماني والشعبي، وحالة الاحتقان التي بدأت مع حرب غزة، وكبرت بعد اتفاق استيراد الغاز من اسرائيل، واتساع الفجوة بين الفقراء والاغنياء، تبحث عن مفجر.
في لقاءاتي في عمان سمعت كلاما على درجة كبيرة من الاهمية، فالمتعاطفون مع “الدولة الاسلامية” قالوا لي ان التدخل العسكري الامريكي ربما يؤجج الحرب الطائفية في العراق، ويوحد ابناء الطائفة السنية خلف “الدولة”، وقالوا ايضا انه سيوصف بأنه تدخل لصالح ابناء الطائفة الشيعية، وضربوا مثلا بأن استعادة مدينة “آمرلي” العراقية المختلطة من ايدي قوات “الدولة” بعد قصف امريكي مكثف جاء على يد تحالف يضم قوات الجيش العراقي الى جانب اربع ميليشيات “شيعية” مثل عصائب اهل الحق، فيلق بدر، كتائب السلام (المهدي سابقا) بالاضافة الى قوات البشمركة الكردية.
الشيخ ابو محمد المقدسي الذي يوصف بأنه منظر السلفية الجهادية، ومعلم ابو مصعب الزرقاوي، والمرجعية الفقهية والشرعية الرئيسية لجبهة “النصرة” الى جانب الشيخ “ابو قتادة”، قال لي عندما التقيته في بيته المتواضع في احد الاحياء الفقيرة في مدينة الزرقاء، انه اذا كان خياره بين دعم التدخل العسكري الامريكي وبين “الدولة الاسلامية” فانه سيختار الاخيرة وسيفعل الشيء نفسه الكثير من الشيوخ والدعاة، واكد انه اصدر رسالة في هذا الخصوص وعممها على مريديه على شبكات التواصل الاجتماعي.
والشيخ المقدسي دخل في معركة فقهية شرسة ضد “الدولة الاسلامية” واعلان السيد ابو بكر البغدادي الخلافة، وتعرض لحرب شرسة من انصار الدولة واقل تهمة جرى توجيهها اليه، الكفر والردة، والخروج عن الجماعة.
لا شك ان الولايات المتحدة تملك قوة ضاربة، باعتبارها القوة الاعظم في التاريخ، وتستطيع ان تلحق خسائر كبيرة بـ”الدولة الاسلامية”، تماما مثلما فعلت بامارة الطالبان في افغانستان، واحتلال العراق لاحقا، وتغيير النظام في ليبيا، لكن السؤال الاساسي هو عن عمر هذا التدخل وامده والنتائج التي يمكن ان تترتب عليه.
شخصيا في حواراتي مع بعض المشايخ الذين يتعاطفون مع “الدولة الاسلامية” شعرت انهم لا يعيرون اي اهتمام او خوف من التدخل العسكري الامريكي، ويتحدثون بثقة عن سعادتهم بتورط امريكا مرة اخرى في المنطقة، وقال لي احد الذين قاتلوا تحت لواء ابو مصعب الزرقاوي انه “سيرقص طربا” اذا وصلت قوات التحالف الامريكي بشقيها الدولي والاقليمي الى العراق وسورية، وعندما حاولت ان اعرف مصدر هذه الثقة “ابتسم” ورفض الافصاح.

***
علينا ان نتذكرا امرا واحدا وهو ان تركيا فعلت كل شيء لاسقاط نظام الرئيس بشار الاسد، ابتداء من تسهيل مرور الاموال والجهاديين عبر اراضيها وانتهاء بتأسيس مظلة سياسية بديلة للنظام، ولكن امرا واحدا لم تقدم عليه وهو ارسال قوات تركية للقتال الى جانب المعارضة السورية، وفعلت كل من المملكة العربية السعودية وقطر وهما اكثر دولتين عداء للنظام السوري الشيء نفسه، ولا نعتقد ان هذه الدول الثلاث، مجتمعة او متفرقة، تحتمل خوض حرب استنزاف طويلة جيوشها غير مؤهلة لخوضها
نحن هنا لا نتنبأ بنجاح او فشل التحالف الدولي الاقليمي الجديد بزعامة امريكا الذي تتبلور ملامحه يوما يعد يوم وسيتحول الى حقيقة في غضون اسابيع، خاصة بعد ان كشفت استطلاعات الرأي ان 91 بالمئة من الامريكيين يؤيدون مشروع الرئيس اوباما في القضاء على “الدولة الاسلامية” الارهابية، ولكننا ننظر بعين المجرب نظرة ابعد، معتمدين على علم القياس من خلال تفحص التجارب السابقة المماثلة.
الرئيس اوباما معروف بتلكؤه وابتعاده عن التدخلات العسكرية، وجاء الى سدة الرئاسة لمعارضته للحربين في العراق وافغانستان، ولكن يبدو ان انتقادات النواب والشيوخ الجمهوريين وضغوطهم اخرجته من تحفظاته وعقدة الخوف من الحروب التي تسيطر عليه، ولكن الشيء الوحيد المؤكد ان تجربته لن تكون سهلة ونتائجها غير مضمونة في كل الاحوال.

انهم يحشدون الجيوش ويؤسسون لتحالف ضخم لاجتثاث “الدولة الاسلامية” وخطرها.. ماذا سيحدث بعد نجاح مهمتهم؟ وماذا سيترتب على فشلهم؟ ومن سيدفع الثمن؟

اذا كان عقد النصف الاخير من التسعينات والنصف الاول من العقد الاول من القرن الواحد والعشرين يمكن وصفه بعقد تنظيم “القاعدة”، فان العقد الحالي الذي جاء بعده يمكن وصفه بأنه عقد تنظيم “الدولة الاسلامية” مع فارق رئيسي ان العقد الاخير هذا مرشح للاستمرار لعقود اخرى قادمة.

العالم كله يتحشد لمواجهة هذا التنظيم والقضاء على اخطاره، وهو لا يملك رؤوس نووية، ولا صواريخ عابرة للقارات، ولا مخزون هائل من الاسلحة الكيماوية او البيولوجية، فالمستر جون كيري وزير الخارجية الامريكي سيذهب وفي معيته زميله تشاك هاغل وزير الدفاع لحضور اجتماع حلف الناتو الذي سيعقد يوم الخميس المقبل من اجل تشكيل تحالف دولي لمواجهة هذه “الدولة” من الدول الاعضاء على هامش هذا الاجتماع، ويتوجه بعدها الى الشرق الاوسط للحصول على دعم “الدول المهددة” بشكل مباشر من خطره، وضمها، وربما طلب تمويلها لنفقات هذا التحالف.

بريطانيا اعلنت حالة التأهب القصوى في صفوف اجهزتها الامنية، ورفعت مستوى التهديد الى المرحلة ما قبل الاحمر، خوفا من تفجير ارهابي يمكن ان ينفذه مواطنوها العائدون من سورية والعراق بعد قتالهم في صفوف هذا التنظيم.

ولكن التحذير الاخطر جاء وللمرة الرابعة هذا الشهر، من العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز يوم الجمعة، الذي تمثل في اعلان حالة “النفير” على المستوى العالمي، عندما طالب سفراء الدول الغربية الذين استقبلهم اثناء تقديم اوراق اعتمادهم، بضرب المتطرفين (المسلمين) بـ”القوة والعقل” وبسرعة، لانهم سيصلون الى اوروبا في غضون شهر، والى امريكا في غضون شهرين.

***

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن طبيعة هذا الخطر الذي تشكله “الدولة الاسلامية” على دول وحكومات من المفترض انها تملك جيوشا جرى انفاق مئات المليارات من الدولارات على تسليحها بأحدث الصواريخ والطائرات الحديثة، علاوة على اجهزة امنية تعتبر من الاقوى عالميا؟

نفهم ان تخشى دول العالم نظاما “مارقا”، على حد وصفها، مثل نظام الرئيس العراقي صدام حسين، لانه يملك ترسانه من اسلحة الدمار الشامل، وجيشا قويا حارب ايران ثماني سنوات، ويشكل خطرا على جيرانه بعد احتلاله الكويت، ولكن لا نفهم مطلقا تشكيل تحالف دولي اقوى من التحالف الذي قادته امريكا لـ”تحرير” الكويت عام 1990، وضد من؟ ضد تنظيم صغير بالكاد يزيد عمره الزمني عن عامين على اكثر تقدير!

هل المشكلة تكمن في قوة “الدولة الاسلامية” ام في ضعف الدول الاقليمية، وحالة الرعب التي تسودها من جراء الانتصارات الكبيرة التي حققها في السيطرة على نصف العراق وثلث سورية في غضون اشهر معدودة؟ ثم من الذي وفر البيئة الحاضنة لهذا التنظيم وزوده بأسباب القوة؟ اليست تلك الدول التي “تولول” ذعرا من خطره، وتخشى وصوله الى عمقها؟

لا شك ان هذا التنظيم المتشدد في تطبيق عقيدته وممارساته في الترهيب والتوحش، مثل التغول في الذبح والقتل وتكفير كل من لا يتبنى او يعتنق هذه العقيدة، لا شك انه يثير القلق والرعب، ولكن هذا الرعب مقصود مثلما هو مصدر فخر لقادته، ولا يتبرأون منه، بل يؤلفون الكتب، ويخطون المقالات والشروحات على مواقعهم على وسائل التواصل الاجتماعي للتنظير له، وشرح منطلقاته واسبابه.

لا نعتقد ان هذا التنظيم ورجاله سيصل الى اوروبا في غضون شهر، وامريكا في غضون شهرين، ليس لانه قادر او غير قادر على ذلك، وانما لانه يركز حاليا على “العدو القريب” وجوار دولته، اي دول مثل العراق وسورية ولبنان والاردن والمملكة العربية السعودية، حيث يصف حكام هذه الدول بغير المؤمنين، ولا يطبقون شرع الله مثلما هو مطلوب منهم.

ممارسات هذا التنظيم غير انسانية ومدانة بأقوى العبارات، ولكن هل هبطت علينا “الدولة الاسلامية” هذه من السماء ام من بيئتنا العربية والاسلامية، ولها جذور عميقة في تاريخنا، وحتى نفهمها علينا الرجوع الى الوراء اربعة او خمسة قرون، والى فكر الشيخ بن تيميه وتلميذه الامام محمد بن عبد الوهاب مؤسس الحركة الوهابية “الاصلاحية”، وسنجد ان فكر “الدولة الاسلامية” هو حركة تصحيحية لهذا الارث الفقهي، وليس غريبا ان يكون هذا الارث الاعمدة الاساسية لهذه “الدولة الاسلامية”، وتدرسه حاليا في مناهجها الدراسية في العام الدراسي الجديد في المناطق التي باتت تحت سيطرتها.

***

في غمرة حالة الهياج المصحوبة بالرعب والتحريض الاقليمي والدولي على مواجهة هذه الدولة، اسمحوا لنا ان نطرح العديد من الاسئلة ونأمل ان نتلقى اجابات واضحة وصريحة عنها:

*الاول: كيف سيحارب التحالف الجديد بقيادة امريكا هذه الدولة، وهل سيرسل قوات ارضية ام سيكتفي بالهجمات الجوية، وفي حال ارسال هذه القوات من هي الدول التي سترسل جنودا؟

*الثاني: هل ستنضم سورية الى هذا التحالف بشكل مباشر او غير مباشر، واذا كان الجواب بالنفي، ماذا لو ربطت ايران انضمامها الى هذا التحالف بهذه المشاركة السورية؟

*الثالث: ما هي خطط واستراتيجيات هذا التحالف في حال فشله في تحقيق اهدافه، او نجاحه في تحقيقها؟ بمعنى آخر هل سنشهد حالة فوضة دموية اكبر على غرار ما يحدث في ليبيا واليمن وسورية والعراق نفسه حاليا في حال النجاح او الفشل؟

تدخل الناتو نجح في تحقيق اهدافه في اسقاط النظام في ليبيا والعراق، ولكنه لم ينجح في تقديم النموذج الصالح في الحكم والاستقرار مثلما كان مأمولا.

*الرابع: الرئيس الامريكي جورج بوش الاب وعد بحل القضية الفلسطينية عندما كان يخطط لتشكيل التحالف الثلاثي لاخراج القوات العراقية من الكويت، وذهب ابنه جورج بوش الابن الى التعهد باقامة دولة فلسطينية مستقلة بعد احتلال العراق في حربه التي كان يستعد لها عام 2003، ولم ينفذ الزعيمان اي من وعودهما، ندرك جيدا ان قضية فلسطين لم تعد الاولوية لدى الرئيس باراك اوباما او دول حلف الناتو او الاعضاء العرب في التحالف المقبل ضد “الدولة الاسلامية”، ولكن هل تتعهد دول هذا التحالف، وتضمن امريكا زعيمة العالم الحر تعهداتها هذه، من حيث نشر قيم الديمقراطية وتطبيق العدالة الاجتماعية والمساواة والقضاء العادل المستقل في مرحلة ما بعد القضاء على “الدول الاسلامية” وهزيمتها؟ نطرح هذه الاسئلة مبكرا لتكون وثيقة سنعود اليها حتما في المرحلة المقبلة بعد ان تبدأ عملية تجيش الجيوش، وانطلاق الطائرات الحربية لقصف اهدافها وقتل مئات الآلاف من المدنيين العراقين والسوريين، فيبدو ان قتل 200 الف سوري حتى الآن، ومليون عراقي قبلها لا يشفي غليل البعض.

لا شك ان “الدولة الاسلامية” وممارساتها وتوسعها وتغولها في الدم يشكل خطرا كبيرا، لكننا لا نستبعد ان يأتي الدواء الذي تعمل امريكا على تركيب عناصره حاليا بالتعاون مع دول اقليمية ودولية اكثر خطورة، بحيث لا يشفي المرض، ويخلق اعراض جانبية اقوى منه.

قراءة في “دبلوماسية اللحظة الاخيرة” السعودية لانقاذ مجلس التعاون الخليجي من الانقسام.. واسباب زيارة الوفد السعودي الثلاثي المفاجئة للدوحة وما سر تعدد الزيارات والمهل؟ ولماذا سيكون اجتماع جدة السبت حاسما في كل الاتجاهات؟

انتهت الحرب العسكرية الاسرائيلية على قطاع غزة ومن المتوقع ان يؤدي اتفاق وقف اطلاق النار الذي رعته السلطات المصرية الى التفرغ لحرب دبلوماسية اخرى، ربما لا تقل شراسة، بين المحور المصري السعودي الاماراتي البحريني، وبين المحور التركي القطري الذي وقف ويقف في الخندق الآخر المقابل.

بعد غد السبت يعقد وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي اجتماعا في مدينة جدة غرب المملكة العربية السعودية لبحث التقرير الذي وضعته لجنة متابعة تنفيذ “اتفاق الرياض” الخاص بأزمة سحب السفراء من الدوحة (بدأت في آذار مارس من هذا العام) بشكل خاص والخلافات الخليجية مع السلطات القطرية بشكل عام.

تقرير اللجنة اشار الى عدم قيام الى دولة قطر بالالتزام بتنفيذ بنود الاتفاق وابرزها وقف التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج الاخرى، من بينها تجنيس معارضين خليجيين وتوفير الملاذ الآمن لهم، وعدم اتخاذ سياسات خارجية تلحق الضرر بمجلس التعاون الخليجي ودوله، في اشارة الى حركة الاخوان المسلمين وتبني موقفها الرامي الى اطاحة النظام المصري الحالي والعودة الى السلطة التي سلبت منها واطلاق سراح قيادتها المعتقلة.

وزير الخارجية القطري السيد خالد العطية رفض توقيع تقرير اللجنة المذكورة اسوة بزملائه الخمسة الآخرين اثناء اجتماع عقد في هذا الخصوص في جدة قبل عشرة ايام وغادر الى الدوحة غاضبا، وهو موقف منطقي، فكيف يوقع على تقرير يدين دولته، ويمهد لفرض عقوبات عليها من قبل شقيقاتها في المجلس؟

***

العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز شكل وفدا من ثلاثة امراء كبار برئاسة وزير الخارجية سعود الفيصل، ووزير الداخلية محمد بن نايف، ورئيس المخابرات خالد بن بندر، والثلاثة من احفاد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، وطلب منه التوجه الى الدوحة ولقاء المسؤولين فيها، في زيارة وصفتها صحيفة “الشرق الاوسط” المقربة من النظام السعودي بأنها “دبلوماسية اللحظة الاخيرة” لتسوية ازمة العلاقات مع قطر التي القت بظلالها على مسيرة مجلس التعاون الخليجي وشلتها جزئيا، او كليا، طوال الاشهر الستة الماضية.

تشكيل الوفد من ثلاثة امراء، الاول من الصقور الذين لا يكنون الكثير من الود للنظام الحالي في قطر وسياساته، اي الامير سعود الفيصل، والثاني من “الحمائم” الذي يعرف بعلاقته الوثيقة مع هذا النظام وصداقته القوية بالامير القطري الشاب تميم بن حمد آل ثاني، ويتردد باستمرار على الدوحة في زيارات خاصة معلنة وغير معلنه، والثالث الامير خالد بن بندر رئيس جهاز الاستخبارات الذي يوصف بجديته وموضوعيته، علاوة على “وسطيته”، هذا التشكيل للوفد جاء مقصودا، اي للايحاء للسلطات القطرية بأنه لا يوجد صراع اجنحة في السعودية، او آراء متباينة بشأن الخلاف معها، وان الكل مجمع على ضرورة تنفيذها اتفاق الرياض وبنوده كافة، او تحمل نتائج عدم التنفيذ التي ربما تشمل اغلاق حدود برية وعقوبات اقتصادية وتجميد العضوية في مجلس التعاون.

الوفد الثلاتي قضى ساعة ونصف الساعة في الدوحة فقط، التقى خلالها الامير القطري، مما يوحي ان المسألة تنحصر في تسليم رسالة محددة او “انذار”، والاستماع الى الرد الفوري عليها، حيث لم يكن هناك اي مجال للمجاملات الخليجية التقليدية ومآدب الغداء او العشاء الرسمية المتبعة في هذا الصدد، فقد كانت زيارة “جافة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

الزيارة تمت وانتهت وسط تكتم شديد، ولم ترشح اي معلومات حول نتائجها او ما دار فيها، خاصة من الجانب القطري المضيف، ولكن الصحف السعودية او المحسوبة عليها في لندن، اكدت عدم نجاحها في اقناع الجانب القطري بالتجاوب مع ما هو مطلوب منه تنفيذه في اتفاق الرياض، بينما التزمت الصحف القطرية في الدوحة او تلك التي تصدر في الخارج الصمت المطبق، ولم تتناول زيارة الوفد السعودي للدوحة الا بشكل روتيني تقليدي على طريقة وكالات الانباء الرسمية.

مسؤول كويتي قامت دولته بجهود وساطة مكثفة لاحتواء هذه الازمة الخليجية بعد ان عجزت عن ايجاد حلول جذرية لها، قال ان ما هو مطلوب من قطر، وبكل بساطة، اصدار تعليمات فورية لقناة “الجزيرة” بتغيير خطابها الاعلامي، فيما يتعلق بالاوضاع في مصر وتطوراتها، اي التوقف عن دعم الاخوان المسلمين وتوجيه اي انتقاد لحكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، ووضع آلية واضحة لوقف التجنيس للمعارضين الخليجيين، ومن البحرين والامارات خصوصا، في اطار سقف زمني محدد.

لا نعتقد ان السلطات القطرية ستلبي اي من الطلبين في غضون اليومين القادمين السابقين لاجتماع وزراء الخارجية في مدينة جدة، ولو كانت مستعدة لذلك لفعلتها قبل اشهر، لان تحالفها مع حركة الاخوان المسلمين استراتيجي وفي اطار تحالف اكبر مع قوى اقليمية مثل تركيا، واي تغيير لخط “الجزيرة” السياسي، اي التوقف عن دعم الاخوان ومصالحة الرئيس السيسي بالتالي يعني بدء العد التنازلي لاضمحلال هذه المحطة، وفقدانها لما تبقى لها من مصداقية ونفوذ وتأثير، بالتالي تراجع اهمية الدولة القطرية التي تعتمد عليها كورقة اساسية في يدها لدعم سياساتها الخارجية المتشعبة.

الخلاف بين قطر وشقيقاتها لا يعود، في اعتقادنا، بالدرجة الاولى الى مسائل داخلية مثل قضية التجنيس واحتضان المعارضين، وانما الى قناة “الجزيرة” ودورها وحملاتها ضد نظام السيسي، واحتضانها لحركة الاخوان المسلمين والانتصار لها وفكرها واهدافها، وهي ستستمر في هذه السياسة مهما تعاظمت الضغوط الخليجية عليها فيما يبدو، بدليل تعيينها الزميل ياسر ابو هلالة المعروف بميوله الاسلامية مديرا عاما لقناة “الجزيرة” في تحد يحمل في طياته استفزازا لمن يريدون تغيير خط المحطة.

***

السعودية تقف اليوم امام تحديات خطيرة جدا، ابرزها خطر القوة المتنامية لـ”الدولة الاسلامية” بقيادة ابو بكر البغدادي الحسيني “القرشي” التي تحاكي، بصورة او بأخرى، الحركة الوهابية في صيغتها البكر الاولى، وتهدد باجتياح المملكة فكريا وعقائديا وعسكريا في الوقت نفسه، مثلما تواجه ايضا، اي السعودية، انقلابا في اولويات الولايات المتحدة ودول اوروبا في تحشيد القوى لمواجهة هذا الخطر “الاسلامي السني المتشدد”، وليس اسقاط النظام السوري، ولو مرحليا على الاقل.

ما يقلق القيادة السعودية هو انجذاب نسبة كبيرة من الشباب السعودي الى هذا الفكر المتشدد للدولة الاسلامية، واعجابهم بـ “انتصاراتها” على الارض في العراق وسورية وتساقط المدن والقواعد العسكرية مثل الذباب امام زحفها، حيث قدر استطلاع غير رسمي اجري على وسائل التواصل الاجتماعي تأييد 92 بالمئة من الشباب السعودي لـ”الدولة الاسلامية”، ومهما كانت نسبة الخطأ في هذا الاستطلاع فانه يظل مرعبا للسلطات السعودية، وهذا ما يفسر هبة العلماء الرسميين والائمة وتجنيدهم لتجريم هذه “الدولة” وفكرها، وتحذير الشباب السعودي من الانضمام اليها، وكان لافتا في المقابل، وهذا خطر اشد ايضا، التزام “علماء الصحوة” الاسلاميين السعوديين الصمت تجاه هذه الظاهرة وعدم ادانتها ومحاربتها مثلما طلب منهم العاهل السعودي، في وسائل الاعلام الرسمية، او على مواقعهم في وسائل التواصل الاجتماعي حيث يحظون بملايين المتابعين في السعودية وحدها.

في ظل هذا التحدي تريد القيادة السعودية حشد مجلس التعاون الخليجي وتوحيد صفوفه لتحصين بيتها الداخلي، وتشكيل تحالف مصري خليجي اردني في مواجهته وهذا الطموح لا يتأتى، او يصبح اكثر صعوبة في التحقيق، جزئيا، او كليا، في ظل حالة الشلل الراهنة التي يعيش في ظلها المجلس بسبب تغريد قطر في سرب آخر وتوظيف دخل سنوي يصل الى 200 مليار دولار في دعم سياسات ومواقف وجماعات ترى السعودية انها خطر عليها، وهذا ما يمكن ان يفسر المهل العديدة التي اعطتها لدولة قطر، والوفود العديدة من الامراء التي بعثتها الى الدوحة لاقناعها في التجاوب مع طلباتها لانها لا تريد التصعيد وتدرك مخاطره في الوقت نفسه، ولكن الخيارات بدأت تضيق امامها بعد ان طفح كيلها مثلما يبدو لاي متابع لتحركاتها.

يمكن القول ان اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في جدة يوم السبت، ربما يكون مختلفا عن كل الاجتماعات السابقة بالنظر الى المعطيات والقضايا المتفجرة التي سببت فيها فاما ان تذعن السعودية وحلفاؤها لهذا “الجنوح” القطري وتقرر التعايش معه، او تلجأ لمواجهته، وليس هناك اي مؤشرات حتى كتابة هذه السطور تفيد بامكانية التوصل الى اتفاق يحول دون تطور الخلافات الى عقوبات او قطيعة الا اذا حدثت معجزة، ولكننا لسنا في زمن المعجزات، والخليجية منها بالذات، والايام المقبلة حافلة وحاسمة على اكثر من صعيد، وفي اكثر من اتجاه، وليس امامنا اي خيار آخر غير انتظار المفاجآت، ويبدو انها ستكون كبيرة ومن الوزن الثقيل والله اعلم!

حماس تأخرت في التقارب مع ايران.. واشادة مشعل بالاسد ودعمه للمقاومة “كلمة السر” التي قد تعيد فتح ابواب دمشق.. ومحور المقاومة يستعيد قواه

اللقاء المطول الذي عقده السيد حسين امير عبد اللهيان مساعد وزير الخارجية الايراني مع السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس″ في احد فنادق الدوحة جاء انجازا جديدا للدبلوماسية الايرانية التي نجحت في تحقيق اختراقات مهمة في المنطقة العربية في الاسابيع الاخيرة ابرزها الدعوة التي وجهتها المملكة العربية السعودية للسيد محمد جواد ظريف وزير الخارجية الايراني، والزيارة التي من المقرر ان يقوم بها الى طهران الشيخ صباح الاحمد امير دولة الكويت السبت المقبل.

الربيع العربي وثوراته اربك حركة “حماس″ مثلما اربك الكثيرين في المنطقة، خاصة بعد وصول “التنظيم الام” اي الاخوان المسلمين الى السلطة في مصر وتونس وليبيا عبر صناديق الاقتراع “وبعدم ممانعة” امريكية فادارت ظهرها بقسوة الى حلفائها في معسكر “الممانعة” الذي كانت احد ابرز ركائزه، وحرقت كل قواربها مع سورية الاسد اعتقادا منها ان سقوط النظام بات حتميا، ولم تكن الوحيدة في هذا التقدير المتسرع فقد شاطرها المنحى نفسه “دهاة” وسياسيين مثل رجب طيب اردوغان، وباراك اوباما، والقيادة السعودية، وامير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني الذي اقنع السيد خالد مشعل بعدم ارتكاب “غلطة” عرفات في حرب الكويت ورحب به في الدوحة ضيفا عزيزا مكرما، على اعتبار ان الرهان على دمشق وايران وحزب الله رهان على حصان اعرج بل كسيح.

***

سوء التقدير الاكبر الذي ارتكبته حماس في راي الكثيرين، سقوطها في مصيدة الاستقطاب الطائفي في المنطقة الذي رعته وضخمته وحرضت عليه بعض الدول الخليجية، حيث قدمت اي حماس الانتماء الطائفي الايديولوجي (حركة الاخوان) على المظلة الاسلامية الاوسع والاشمل وعدم وقوفها بحكم كونها حركة مقاومة، على مسافة واحدة مع جميع الطوائف والاعراف، فجاءت النتيجة حصارا خانقا من مصر المشير عبد الفتاح السيسي واسرائيل معا، وتجفيف موارد الدعم المادي والعسكري، وانقساما في الحركة نفسها ومكتبها السياسي وقاعدتها التنظيمية ثم بين قيادتها السياسية وجناحها العسكري، وهو انقسام ظهر الى العلن رغم كل محاولات اخفائه.

السيد خالد مشعل وللانصاف، لم يكن وحده صاحب مشروع الطلاق مع محور المقاومة والممانعة، وادارة الظهر للنظام السوري احد ابرز رموزه، والخروج من دمشق بطريقة اعلامية صادمة جرى توظيفها في مصلحة مشروع اعدائها (اعداء دمشق) في منطقة الخليج وبعض الانظمة المحكومة من قبل الاخوان في حينها (مصر وتونس) فقد شاطره الموقف نفسه معظم اعضاء المكتب السياسي في الحركة، ولكنه يتحمل اللوم الاكبر باعتباره الرئيس والقائد، والمتربع على قمة امبراطوريته في قبل دمشق لسنوات، وحظي فيها بكل الدعم والمساندة في وقت اغلقت معظم العواصم العربية ابوابها في وجهه تهربا من تحمل تبعات خيار المقاومة، والغضبين الامريكي والاسرائيلي.

للتذكير فقط نقول ان ايران هي التي قدمت لحركة حماس الصواريخ التي دكت تل ابيب، مثلما قدمت لها الدعم المالي والمعنوي، بينما لم يقدم لها اصدقاؤها في المعسكر الآخر الذين حرضوها على مغادرة دمشق ولبنان، وقطع “شعرة معاوية” مع طهران البديل الافضل، والاكثر من ذلك انهم، حاصروها ونبذوها، ولم يستخدموا الحد الادنى من علاقاتهم الطيبة مع المشير السيسي حاكم مصر الفعلي لتخفيف الحصار، ولا نقول رفعه، وايصال الدعم المالي، ولا نقول ارساله، للحركة حتى تسدد رواتب 40 الفا من موظفي حكومتها في قطاع غزة، بل شاركوا في تضييق الخناق عليها بحكم اخوانيتها وتعاطفها مع الرئيس المعزول محمد مرسي.

ومن المفارقة ان موقف بعض الدول الخليج هذا ادى الى نتائج عكسية اي اضعاف الجناح “الاكثر سنية”، “الاكثر خليجية” لمصلحة الجناح المتشدد المؤيد لايران ومحور المقاومة، فكيف تقدم دول خليجية، والسعودية وقطر من وجهة نظر هذا الجناح مليارات الدولارات لدعم المعارضة السورية المسلحة، وتتبناها في كل المحافل العربية (الجامعة العربية) والدولية (اصدقاء سوريا) بينما “تنبذ” حركة حماس ولا تقدم لها رصاصة واحدة؟ ولا توجه دعوة واحدة لقادتها.

هذا هو التنافض الاكبر، الذي لم تقع فيه طهران التي استمرت، ورغم قطيعة حماس لحليفها السوري ودعمها المعارضة المسلحة السورية، معنويا على الاقل، في ابقاء قنوات الاتصال مفتوحة معها، وقدمت لها مساعدات مالية، والشيء نفسه فعله حزب الله، وليس سورية، وكان لافتا ان السيد حسن نصر الله لم ينطق بكلامة نقد واحدة ولو خفيفة لحركة حماس وموقفها، وهذا هو الفرق الشاسع في بعد النظر والصبر وكظم الغيظ.

اشادة السيد مشعل بالرئيس الاسد اثناء لقائه مع السيد عبد اللهيان، وقوله صراحة “ان حماس لا يمكن ان تنسى دعم الرئيس الاسد وشعبه للمقاومة والقضية الفلسطينية، وترحيبه بحل الازمة عبر الحل السياسي، وموقف ايران الذي يطالب بتوحيد جهود المعارضة الى جانب الجيش السوري لمواجهة الارهاب و”التطرف” هي “كلمة السر” لاعادة فتح ابواب دمشق امام حركة “حماس″ مجددا، او حتى ابقائه مواربا، ولا نكشف سرا اذا قلنا ان الرئيس بشار الاسد وضع “فيتو” على هذه العودة، على السيد خالد مشعل بالذات، ولذلك اختيار هذه الكلمات بعناية، وتسريبها الى قنوات وصحف ايرانية او قريبة من ايران ومحور المقاومة مثل “الميادين” كان مقصودا ولم يكن صدفة ولا نستغرب اذا ما اعطى ثماره قريبا.

***

المياه بدأت تعود الى مجاريها بين حركة “حماس″ ومحور المقاومة، وخاصة مع ايران، ولا بد من الاعتراف بانه في الوقت الذي وضعت فيه حماس كل بيضها في سلة “المعسكر السني العربي”، ونأسف لاستخدام هذا المصطلح، كان مندوبها في بيروت يحظى بدعم حزب الله وحمايته، ويقيم في المنطقة الجنوبية من بيروت.

السيد اسماعيل هنية رئيس حكومة قطاع غزة يستعد لشد الرحال لزيارة طهران، وربما يلحق به السيد الزهار الذي خسر عضويته في المكتب السياسي بسبب معارضته لقطع العلاقات مع ايران وسورية وحزب الله، والانباء تتوافر عن وجود وفد من الحركة حاليا في العاصمة الايرانية لبحث ترتيب هذه الزيارت وازالة كل العقبات في طريقها، وانهاء قطيعة استمرت سنتين.

بعد دعوة الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي لنظيره الايراني لزيارة الرياض مرفوقة برغبة في مناقشة جميع القضايا الخلافية بين البلدين، وبعد الاعلان عن زيارة امير الكويت للعاصمة الايرانية، واستقبال وزير الخارجية المصري نبيل فهمي لوفد من المعارضة السورية بقيادة هيثم مناع وسط انباء عن عزم مصر اتخاذ مواقف ايجابية من النظام السوري بعد الانتخابات الرئاسية الحالية، لا يجب ان يلوم احد حركة حماس على تقاربها مع ايران وسورية، فقد جاء تقاربها هذا متأخرا وبعد الجميع، وان كنا نفضل ان يكون قبل الجميع وليس آخرهم.

الدرس الذي يجب ان تستوعبه حركة “حماس″ جيدا كحركة مقاومة مسلحة يجب ان تظل فوق جميع الاستقطابات الطائفية والعرقية، وان تراهن دائما على محور الممانعة والمقاومة، وان لا تقع في “الخطأ” الذي وقع فيه الرئيس ياسر عرفات عندما صدق وعود “محور الاعتدال” التي لم تقد الا الى خيبة الامل وقتل وتجميد القضية الفلسطينية، واقتحام الاقصى، وربما تقسيمه قريبا، وتعزيز الاحتلال الاسرائيلي.