قطر

المصالحة المصرية القطرية في “مهب الريح” بعد عودة “الجزيرة” الى سيرتها الاولى وخروج القرضاوي عن صمته.. والملك سلمان لا يكن الكثير من الود لدولة قطر.. واحتمالات عودة الحرب الاعلامية الساخنة واردة جدا بين الامبراطوريات المتناطحة

عبد الباري عطوان

من تابع قناة “الجزيرة” الفضائية القطرية وتغطيتها المكثفة للاشتباكات الدموية بين قوات الامن المصرية والمتظاهرين التي سقط فيها اكثر من عشرين قتيلا، حيث خرج الآلاف الى الشوارع في مختلف المحافظات للاحتفال بالذكرى الرابعة لثورة 25 كانون الثاني (يناير) يخرج بإنطباع قوي فماده ان “المصالحة” التي رعاها العاهل السعودي الراحل بين النظام المصري الذي يرأسه السيد عبد الفتاح السيسي ودولة قطر ربما تكون ماتت بموت صاحبها اي الملك عبد الله بن عبد العزيز.
المصالحة فرضت التزمات قوية على دولة قطر ابرزها “لجم” قناة “الجزيرة” ووقف دعمها السياسي والاعلامي لحركة “الاخوان المسلمين” والانتصار لهم في معركتهم لزعزعة استقرار النظام الذي اطاح بحكمهم، واسكات الشيخ يوسف القرضاوي “مدفعية” قطر الاخوانية الثقيلة، وابعاد قيادات الصف “الاخواني” الاول والثاني الذين وجدوا في الدوحة الملاذ الآمن، والحضن الدافيء، ومنصة الانطلاق في معارضتهم للنظام المصري سياسيا واعلاميا.
العاهل السعودي الراحل، وفي ظل تنامي صعود “الدولة الاسلامية” سياسيا وعسكريا، وتشكيلها تهديدا مباشرا لأمن بلاده وحكم اسرته، مارس جهودا كبيرة من اجل ترتيب البيت الداخلي الخليجي اولا، ثم العلاقات المصرية الخليجية ثانيا، وقد نجح في الاولى عندما حل الازمة بين المثلث السعودي الاماراتي البحريني من ناحية وقطر من ناحية اخرى، على اساس “وثيقة الرياض” واعاد السفراء الثلاثة الذين تم سحبهم من الدوحة، ولكن جهوده في حل الازمة الثانية، اي اصلاح العلاقات بين مصر ودولة قطر كانت بطيئة ومتعثرة نوعا ما بسبب صعوية هذا الملف وتعقيداته الاقليمية، وكان آخر جهد بذله في هذا الصدد ارسال السيد خالد التويجري مستشاره ومدير مكتبه الى القاهرة وفي معيته الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مساعد وزير خارجية دولة قطر للقاء بالرئيس عبد الفتاح السيسي، والتمهيد للقاء بينه وبين الشيخ تميم بن حمد آل ثاني امير دولة قطر، اللقاء تم في شهر كانون الاول (ديسمبر)، اي قبل وفاة العاهل السعودي بشهر وقبل ان تتدهور احواله الصحية ويدخل المستشفى مصابا بالتهاب رئوي حاد لم يتمكن الاطباء من علاجه، وكاد ان يثمر في ترطيب الاجواء، وترتيب زيارة مصالحة للامير القطري الى القاهرة.

***

المصالحة المصرية القطرية، وبعد وفاة العاهل السعودي، او بالاحرى ابوها الروحي، باتت على “كف عفريت” مثلما يقولون، مع انتقال الحكم في السعودية الى الملك سلمان بن عبد العزيز، فالعلاقة بينه وبين دولة قطر لم تكن جيدة في يوم من الايام، وظهرت تسريبات في بعض الصحف القطرية، او تلك المحسوبة على دولة قطر، تتهمه بأنه كان العقل المدبر وراء محاولة الانقلاب الفاشلة التي ارادت الاطاحة بالامير السابق حمد بن خليفة واعادة والده الشيخ خليفة الى الحكم عام 1996.
هناك في الدوحة من يراهن على الامير محمد بن نايف وزير الداخلية وولي ولي العهد الجديد الذي تربطه علاقة وثيقة بالامير تميم في تلطيف العلاقات مع الجار السعودي القوي، ولكن من يعرف طبيعة الحكم في السعودية، ودول الخليج عموما، يدرك جيدا ان الكلمة الاولى والاخيرة دائما هي للملك، وما على الآخرين غير السمع والطاعة والتنفيذ.
الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز كان بدويا اصيلا في اخلاقه وتصرفاته، ويتعامل مع قطر ودول الخليج الاخرى من منطلق شيخ القبيلة، او “أب الجميع″، ولهذا صبر كثيرا على بعض المشاغبات القطرية خاصة في ملف “الاخوان المسلمين”، وملف العلاقات مع مصر، ومن غير المعتقد ان يكون للملك الجديد سلمان بن عبد العزيز الصبر نفسه.
نعود الى الخلاف المصري القطري، ونقول ان عودة “الجزيرة” الى سيرتها السابقة، والتعاطي مع ملف الاضطرابات الاخيرة في مصر بلهجة اقرب الى التحريض الذي يذكر يتغطيتها التي اشعلت الثورة المصرية وصبت الزيت على نارها حتى نجحت في اطاحة نظام حكم الرئيس مبارك، ربما لا ينسف فقط جهود المصالحة المصرية القطرية التي بذلها العاهل الراحل وحققت بعض التقدم تمثل في ابعاد قيادات الاخوان من الدوحة، واغلاق قناة “الجزيرة مباشر مصر”، واحالة الشيخ القرضاوي الى حالة من الصيام عن التصريحات المعارضة لنظام الرئيس السيسي، وانما ايضا تؤدي الى نسف المصالحة الخليجية القطرية، وعودة الاوضاع الى المربع الاول، اي الى مرحلة ما قبل “وثيقة الرياض” التي كان عنوانها الابرز سحب ثلاثة سفراء من الدوحة.
الملك سلمان بن عبد العزيز لا يعطي المصالحة بين مصر وقطر جل اهتمامه في الوقت الراهن، ومن الطبيعي ان لا تكون على سلم اولوياته، فهو منشغل حاليا في ترتيب البيت السعودي الداخلي، وتثبيت رجاله في مفاصل السلطة الرئيسية، وابعاد من يشك في ولائهم، ووضع بصماته بقوة على تركيبة الحكم، وسياسات المملكة الداخلية والخارجية، ولذلك لا نستبعد توتيرا في العلاقات بين النظامين المصري والقطري في الايام والاسابيع المقبلة.
***
ولا نبالغ اذا قلنا ان العلاقة السعودية القطرية كانت ترتكز على محور واحد في الاسرة الحاكمة السعودية، اي جناح الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز وابنه الامير متعب بن عبد الله وزير الحرس الوطني، ولم تكن ودية على الاطلاق مع الجناح السديري في الاسرة السعودية الحاكمة، وهو الجناح الذي عاد الى الواجهة بقوة بعد وفاة الملك عبد الله وبات يتحكم بأهم اربع مناصب في الدولة، اي العرش (الملك سلمان) والداخلية (محمد بن نايف) والدفاع (محمد بن سلمان) والنفط (عبد العزيز بن سلمان نائب الوزير والمهندس الحقيقي للسياسة النفطية السعودية).
لا نعتقد ان الرئيس السيسي الذي يعتبر دولة قطر عدوه الاول حاليا سيكون مسرورا من تغطية قناة “الجزيرة” للمظاهرات الاحتجاجية ضده، واعطاء المنبر لخصومه من الاخوان واليساريين معا، كما اننا لا نعتقد ايضا ان حلفاءه في الخليج، وخاصة في دولتي السعودية والامارات الذين ايدوا حربه الطاحنة ضد الاخوان المسلمين ووضعوا كل ملياراتهم وعلاقاتهم السياسية مع الغرب خلفه، سيكونوا “سعداء” بهذا النكوص، او بالاحرى الخروج عن “اتفاق الرياض” وبنوده.
مرة اخرى نقول ان احتمالات العودة الى المربع الاول للازمة واردة، وان الحرب الاعلامية الساخنة بين الامبراطورية الاعلامية القطرية الممثلة في شبكة “الجزيرة” واخواتها في لندن واسطنبول من ناحية، ونظيراتها السعودية (العربية وبناتها) والاماراتية ربما ستشعل بقوة اكبر بالنظر الى المقدمات الحالية المتمثلة في عمليات شحذ السيوف والالسنة و”الخبراء”، ولا ننسى كتائب التدخل السريع الاعلامية المصرية المحلية، وألسنة جنرالاتها السليطة.
باختصار شديد نقول ان “المصالحة” “في مهب الريح” وقد تكون دفنت مع عرابها وراعيها الملك عبد الله، واللهم الا اذا قرر الملك سلمان تهدئة الاوضاع مؤقتا لكسب الوقت الكافي لتثبيت حكمه، وكل شيء جائز، لكن الامر المؤكد ان الايام والاشهر المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت، والله اعلم.

حماس تحسم امرها وتعود الى معسكر “الممانعة” وتعيد حلفها مع ايران و”حزب الله” الى عهده الذهبي.. وجناحها العسكري اصبح صاحب “اليد العليا”.. والتنسيق لاعمال عسكرية وربما حرب وارد جدا.. وهذه اسبابنا

عبد الباري عطوان

ليس من عادة السيد محمد ضيف القائد العام لكتائب القسام، الجناح العسكري لحركة “حماس″ ان يوجه رسائل، او يدلي بتصريحات، او يظهر على وسائل الاعلام المرئية، ولذلك فإن كسره لهذه القاعدة، ولو جزئيا، وتوجيهه رسالة تعزية الى السيد حسن نصر الله امين عام “حزب الله” باستشهاد ستة من مقاتلي الحزب بينهم الشهيد جهاد مغنية ينطوي على الكثير من المعاني التي تستحق التوقف عندها وتحليل دوافعها واهدافها وقراءة ما بين سطورها.
بداية لا بد من العودة الى الوراء قليلا والاشارة الى ان العلاقة بين حركة حماس، وجناحها السياسي على وجه الخصوص، وقيادة “حزب الله” في لبنان، والقيادة الايرانية في طهران ايضا، اتسمت بنوع من الفتور في السنوات الاربع الماضية بسبب تأييد حركة “حماس″ للمعارضة السورية المسلحة التي تقاتل لاسقاط النظام السوري، وبلغ هذا “الفتور” ذروته عندما قرر السيد خالد مشعل رئيس مكتبها السياسي، نقل مقر قيادة الحركة الرسمي في الخارج من دمشق الى العاصمة القطرية الدوحة في 12 شباط (فبراير) عام 2012، معلنا القطيعة، والانضمام الى المعسكر الآخر، (كانت قطر في حينها تقود الحرب لاسقاط النظام السوري سياسيا وعسكريا واعلاميا)، واعتقادا منه، وبتشجيع من السلطات القطرية، بأن المعارضة السورية منتصرة لا محالة، وايام النظام السوري باتت معدودة، وعليه “ان لا يكرر خطأ الرئيس الشهيد ياسر عرفات في ازمة الكويت، ويقف في خندق المهزومين”.
وفي الوقت الذي “كظم” حزب الله الغيظ وامتنع مسؤولوه عن توجيه اي نقد لحركة “حماس″ وقيادتها، وابقى على علاقاته مع ممثلها في بيروت (مقره في الضاحية الجنوبية) دون اي تغيير، تصرف بعض المسؤولين في حركة “حماس″ بطريقة مغايرة تماما، ولا نريد ان ننكأ الجراح ونسرد بعض الحقائق الموثقة في هذا المضمار.
***
لم يعد خافيا على احد، وجود جناحين متضادين في حركة حماس، الاول يتماهى بالكامل مع حركة “الاخوان المسلمين” وموقفها المؤيد، دون تحفظ، للمعارضة للسورية المسلحة في وجه النظام، ووصل هذا التأييد لدرجة مباركة دعوة الرئيس المصري محمد مرسي للجهاد في سورية الذي اعلنه قبل الانقلاب العسكري الذي اطاح به باسبوع، وسط حشد من رجال الدين بينهم الدكتور يوسف القرضاوي، واغلاق سفارتها في القاهرة، اما الجناح الثاني الذي شكل الاقلية فكان يطالب بموقف متوازن، اقرب الى الحياد، والحفاظ على العلاقات الوثيقة مع ايران وحزب الله في لبنان، عرفانا للجميل، وقناعة بأن معسكر “الاعتدال” العربي الذي تتزعمه المملكة العربية السعودية وتدعمه واشنطن، لا يمكن ان يدعم المقاومة الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلي، وقد صدقت نبوءة هذا الجناح ووضوح رؤيته في نهاية المطاف.
الحصار العربي الخانق، من قبل دول محور الاعتدال العربي على قطاع غزة، وتجويع مليوني فلسطيني، ومنع وصول اي اموال او مساعدات من الحكومات العربية الداعمة للمعارضة السورية المسلحة، واغلاق معبر رفح لاشهر متواصلة، كلها عوامل صبت في مصلحة تعزيز الجناح الثاني الذي يقوده السيد محمد ضيف، ويدعمه الدكتور محمود الزهار الذي خسر موقعه في المكتب السياسي للحركة، خاصة ان من الحقائق الثابته ان جميع الاسلحة والصواريخ وخبرات التدريب التي اكتسبتها قوات الحركة، بما في ذلك هندسة الانفاق يعود الفضل فيها لايران وحزب الله، بينما لم تقدم حكومات دول “الاعتدال” طلقة واحدة واغلقت ابوابها في وجه مسؤولي حماس باحكام، وبفضل هذه الاسلحة وتكنولوجيا الصواريخ والانفاق، صمدت حركات المقاومة في القطاع 51 يوما، وحققت انتصارا عسكريا ومعنويا كبيرا.
اقدام السيد الضيف على توجيه رسالته هذه الى السيد نصر الله معزيا، وليس خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس″ وزعيم الحركة، تقول الكثير ليس على صعيد الدعوة التي تضمنتها الى “توحيد” قوى المعارضة لمواجهة اسرائيل” فقط، وانما على صعيد التوجه السياسي والعسكري للحركة في الاشهر وربما السنوات المقبلة، ويمكن ايجاز قراءتنا للتحول الجديد للحركة في النقاط التالية:
• اولا: من الواضح ان رسالة تعزية السيد ضيف توجه رسالة واضحة الكلمات والمعالم وتؤكد ان حركة “حماس″، حسمت امرها وعادت الى المعسكر السوري الايراني، او معسكر “دول الممانعة” الذي خرجت منه قبل ثلاثة اعوام، بقرار من قيادتها السياسية.
• ثانيا: في ظل الانقسام الواضح في المكتب السياسي للحركة، والذي تحاول القيادة اخفاءه او نكرانه، باتت الكلمة العليا الآن، وبالتحديد منذ العدوان الاخير على قطاع غزة، لكتائب عز الدين القسام، وكان اول مؤشر في هذا الخصوص اشادة السيد ابو عبيدة الناطق الاعلامي الرسمي باسم “القسام”، صوتا وصورة، بايران ودعمها للمقاومة الاسلامية في القطاع الذي مكنها من الصمود في وجه العدوان.
• ثالثا: “اعتدال” حركة “حماس″، وتنازلها عن السلطة في القطاع للرئيس محمود عباس، وقبولها بحكومة “وفاق” لم يكن لها دور في تشكيلها، على امل رفع الحصار عن القطاع، واعادة الاعمار، كلها اعطت نتائج عكسية تماما ولم تغير من الاوضاع على الارض، بل زادتها سوءا وقهرا.
• رابعا: بروز تيار اسلامي متشدد تقوده “الدولة الاسلامية” في قطاع غزة، وهو تيار عبر عن نفسه علنا وللمرة الاولى في المظاهرة التي نظمها انصار “الدولة” اما المركز الثقافي الفرنسي في مدينة غزة، اثار القلق في اوساط حركة “حماس″ وعزز احتمالات اضعاف سيطرتها على القطاع، وفلتان السلطة من يديها، الامر الذي حتم عليها تغيير مواقفها، والعودة بقوة خندق الى المقاومة لاستعادة قبضتها على الشارع الغزي، او ما خسرته منها، لصالح الجماعات الاسلامية المتشددة التي تتسع دائرة التأييد لها في اوساط شباب القطاع خاصة، وانضمام بعض كوادر حماس اليها.
***
في ضوء كل ما تقدم يمكن القول اننا امام حلف مقاوم ضد اسرائيل يبرز بقوة، او يعود للبروز مجددا يتمثل في حزب الله في الشمال، وحركة حماس في الجنوب الفلسطيني، ومن غير المستبعد ان يشترك الطرفان في تنفيذ عملية انتقامية ضد قوة الاحتلال الاسرائيلي كرد على اغتيال ستة من كوادر حزب الله، وستة من القيادات العسكرية الايرانية على رأسهم جنرال محمد علي دادي مساعد السيد قاسم سليماني رئيس جيش القدس في منطقة القنيطرة قبل اسبوع.
لا نستغرب، ولا نستبعد، ان تشهد الايام المقبلة هجمات دموية تكون اسرائيل هدفها، من جنوب لبنان وربما سورية ايضا، من ناحية وجنوب فلسطين من ناحية اخرى، فليس هناك للطرفين ما يمكن خسرانه في ظل العربدة الاسرائيلية والتواطؤ العربي الذي بات علنيا معها.
رسالة السيد الضيف يجب ان تدرس بعناية فائقة، لانها ربما تكون الاهم التي تصدر عن حركة حماس في السنوات العشر الماضية ان لم يكن اكثر، فهذا الرجل يزن كلماته بميزان الايمان والشهادة، ونأمل ان لا نكون مخطئين.
بنيامين نتنياهو أثار عش الدبابير باغتياله كوادر “حزب الله”، وربما لا نبالغ اذا قلنا انه فتح على نفسه ومستوطنيه ابواب جهنم، وقطعا سيدفع ومستوطنيه ثمنا باهظا جدا.

ذبح مغربي طعنا في جنوب فرنسا واعتداء على خمسين مسجدا وما زال المسلمون في دائرة الاتهام.. وقلقهم لا يحتل المرتبة الاولى للحماية في اجندة الحكومات الاوروبية.. ماذا لو طلب امام مسلم بما طالب به حاخام يهود بروكسل بتسليح المسلمين ايضا؟

عبد الباري عطوان
تعرض فرنسي من اصل مغربي لهجوم من قبل جاره الفرنسي ايضا اقتحم منزله ووجه اليه 17 طعنة سكين وارداه قتيلا وسط بركة من الدماء امام زوجته واطفاله، كما اشهر مهاجر من اصل روماني سكنيا في مدينة تولوز جنوب فرنسا وهدد بذبح مسلمين، وافادت التحقيقات الرسمية ان اكثر من خمسين مسجدا ومؤسسة اسلامية تعرضت لاعتداءات عنصرية من بينها كتابات تطالب بالموت للمسلمين ووضع رؤوس وامعاء خنازير امام ابوابها.
من يطالع الصحف البريطانية والفرنسية صباح السبت يجد ان الموضوع الطاغي في صفحاتها الاولى هو تشديد الحراسة من قبل السلطات الامنية على المؤسسات اليهودية لحمايتها من اي هجمات محتملة من قبل متشددين اسلاميين بعد مقتل اربعة اشخاص في المتجر اليهودي الذي اقتحمه احمد كوليبالي، ولا اشارة واحدة لتأمين الحراسة للمسلمين وان وجدت فهي على استحياء شديد.
هناك خوف في اوساط الجاليات اليهودية، ولكن الخوف في اوساط الجالية الاسلامية اكبر في ظل تصاعد نفوذ وقوة الاحزاب والجماعات اليمينية العنصرية المتطرفة التي تستهدف المسلمين وتهدد بترحليهم من اوروبا كلها وسط اعمال تحريض اعلامية وسياسية غير مسبوقة، وجاء الهجوم على صحيفة شارلي ابدو الاسبوعية ليعطيها الذحيرة التي كانت تنتظرها وتحلم بها.

***

في المانيا على سبيل المثال توجد حركة “بيغيدا” اليمينية المتطرفة (حركة وطنيون اوروبيون ضد اسلمة الغرب) هذه الحركة تنظم مظاهرة كل يوم اثنين في جميع المدن الالمانية، في المظاهرة الاولى التي نظمتها في تشرين الاول (اكتوبر) الماضي اشترك فيها 500 شخص، وفي الثانية التي نظمتها في شهر كانون الاول (ديسمبر) الماضي ارتفع الرقم الى 10 الاف شخص، اما مظاهرة الاثنين الماضي فارتفع عدد المشاركين الى 25 الفا.
بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل استغل هجوم المتشددين على مجلة شارلي ابدو لدعوة اليهود الفرنسيين الى الهجرة الى فلسطين المحتلة، وجرى دفن اليهود الاربعة ضحايا هجوم متجر باريس في جبل المكبر في القدس المحتلة، اي في اراضي مغتصبة، وهناك مؤشرات بأن عشرة آلاف يهودي فرنسي قد يهاجرون الى فلسطين المحتلة هذا العام، ومن المؤكد انه سيجري توطين معظمهم في مستوطنات في الضفة الغربية.
الحاخام مناحيم مارجولين، حاخام بروكسل ورئيس الاتحاد الاوروبي للمنظمات اليهودية طالب مختلف وزراء داخلية الحكومات الاوروبية بتعديل قوانين حمل السلاح للافراد بما يسمح لليهود في اوروبا بحمل السلاح للدفاع عن انفسهم، ونقلت عنه صحيفة “بلجيكا الحرة” الصادرة اليوم (السبت) ان اليهود في حال قلق بعد الهجمات الاخيرة في فرنسا.
قلق الجالية اليهودية مفهوم، ولكن ماذا يمكن ان يحدث لو امام او زعيم مؤسسة او هيئة اسلامية في اوروبا تقدم بالطلب نفسه على سبيل المثال، وكيف ستكون ردود الفعل؟
المسألة لم تعد الدفاع عن حرية التعبير مثلما كانت قبل اسبوع، وانما تحولت الى مسألة امنية بحته توجه اصابع الاتهام الى المسلمين، او المتشددين منهم على اعتبارهم مصدر تهديد لامن اوروبا واستقرارها، وبما يحتم ضرورة تحالف القارة العجوز مع امريكا لمواجهة هذا الخطر، مثلما فعل ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا الذي طار الى واشنطن من اجل هذا الغرض.
اذا كان هناك خطر على اليهود في اوروبا واي مكان آخر في العالم فإن سببه اغتصاب فلسطين، وسياسات اسرائيل الاستيطانية والعنصرية، وحروبها ومجازرها ضد العرب والفلسطينيين، واصرار نتنياهو على اعتراف العرب والمسلمين بإسرائيل كدولة يهودية عنصرية، واقناع اليهود والحكومات والاعلام الغربي بأن اي انتقاد لهذه الممارسات العنصرية هو عداء لليهود والسامية، ومن المؤسف انه نجح نجاحا ملموسا في جر اليهود الى هذه المصيدة.
كل من ينتقد المجازر الاسرائيلية في قطاع غزة وجنوب لبنان هو معاد للسامية ولليهود ومتطرف يجب وضعه على لائحة الاتهام، ومن المؤلم ان الكثيرين من الكتاب الغربيين، ناهيك عن العرب والمسلمين وضعوا على هذه اللائحة وطوردوا في اكل عيشهم، ومنعوا من حرية التعبير بطريقة او باخرى ومن بين هؤلاء يهود.
الحكومات الغربية التي تعلن حالة الطوارىء القصوى يجب ان تعلم جيدا بان ما يهدد استقرار مجتمعاتها هو سياساتها التي توفر الذخيرة الاكبر للجماعات المتشددة لتجنيد الشباب المسلم في صفوفها ودفعه لتنفيذ هجمات “ارهابية”.
***
ديفيد كايمرون ونظيره نيكولاي ساكوزي هما اللذان ذهبا الى بروكسل قبل ثلاث سنوات لرفع الحظر عن ارسال السلاح الى الجماعات التي تقاتل لاسقاط النظام في سورية، وعندما خرج المارد من القمقم وباتت هذه الجماعات هي الاقوى وتطالب باقامة دولة الخلافة تحول هؤلاء الى ارهابيين وتغيرت الاولويات والحلفاء ايضا.
الرئيس جورج بوش الاين اعلن الحرب على الارهاب ومعه حلف الناتو، وبعض العرب من اجل محاربة الارهابيين حيث يتواجدون في العالم الاسلامي لمنع وصولهم الى امريكا واوروبا، وربما يكون هناك نجاح تحقق، ولكن لم يدر في ذهن هؤلاء ان محاربة الارهاب في الخارج ستؤدي الى نموه في الداخل.
الاجراءات الامنية المشددة لن تحقق الاستقرار في اوروبا وتمنع الهجمات، وانما اتباع سياسات تقوم على المساواة والعدالة بين ابناء جميع الديانات ووقف كل اعمال التحريض والاستفزاز، ونكرر بأن الذين خلقوا الازمة وتداعياتها هم ثلاثة اشخاص فقط، ولا يملكون طائرات (اف 16) او صواريخ كروز ولا اسلحة نووية.
توجيه اصابع الاتهام الى الجالية الاسلامية من خلال هذه الاجراءات الامنية التي توفر الحماية لغيرهم باعتبارهم ضحايا، قد يعطي نتائج عكسية تماما، لان المسلمين هو الضحايا ايضا، وهم الذين يقتلون ايضا في بلدانهم التي لجأوا اليها، او في بلدانهم التي هربوا منها بحثا عن الحرية ولقمة العيش الكريم.
نحن مع حرية التعبير دون قيود، ولكننا ضد استخدامها كذريعة ليس لاستفزاز المسلمين فقط، وانما كنقطة استغلال لتجريمهم ووضعهم في دائرة الاتهام، وعدم مساواة خوفهم وقلقهم بقلق الآخر وخوفه ايضا.

والله طفح كيلنا من تصاعد الاستفزازات ضدنا كمسلمين ولكننا نحذر من ان الخطر سيطول الطرفين اذا ترجم الى اعمال عدوانية وكل ما نطالب به هو المساواة باليهود في الغرب فهل هذا بكثير؟

عبد الباري عطوان

مر اسبوع على الهجوم على مجلة “شارلي ابدو” الفرنسية و”سوبرماركت” يهودي في قلب باريس، ولكن حملات “التضامن” مع الضحايا وادانة الهجوم بكل الطرق والوسائل ما زالت مستمرة بل في ذروتها.
التضامن الفرنسي مع الضحايا حق لا جدال فيه، لكن ترجمة هذا التضامن بشكل مباشر، او غير مباشر، الى حملات كراهية ضد عشرة ملايين مسلم في اوروبا من خلال وسائل اعلام تحريضية خرجت عن كل الحدود المنطقية، امر خطير وستترتب عليه تبعات خطيرة على طرفي المعادلة مسلمين كانوا او فرنسيين.
يتهموننا نحن العرب والمسلمين بأننا انفعاليون، ردود افعالنا سريعة، وغير متزنة، بعيدة كل البعد عن المنطق، وهذا صحيح في بعض جوانبه ويعود الى جيناتنا، ولكن تعالوا نتحدث عن “العقلانيين” الاوروبيين اصحاب ردود الفعل “المتزنة” الباردة كالثلج والبعيدة عن الانفعال الغاضب، ولنأخذ مثلا الرئيس الفرنسي السابق، ربما القادم، نيكولا ساركوزي الذي بادر الى القول بعد الهجومين “انها حرب على الحضارة” واردف قائلا “انه هجوم على حريتنا” اما فرانسوا هولاند رئيس الجمهورية قال انها “حرب علينا”، واكد اكثر من برلماني وصحافي “ان فرنسا تواجه احداث الحادي عشر من سبتمبر”.
هل يعقل ان يعلن ثلاثة شبان عانوا من الاقصاء والتهميش الحرب على الحضارة الاوروبية ويشنون هجوما على “الحريات الغربية”؟ وهل يمثل هؤلاء الثلاثة ستة ملايين مسلم فرنسي وعشرة ملايين في اوروبا، ومليار ونصف المليار في العالم بأسره مثلما يبدو من التحريض الاعلامي والسياسي؟
نحن لا نريد كمسلمين نعيش في الغرب الا المعاملة نفسها التي يعامل بها “ابناء عمومتنا” اليهود لا اكثر ولا اقل، وان نحظى بالاحترام والحماية التي يحظيان بهما من قبل الرأي العام والحكومات في اوروبا بشكل عام وفرنسا بشكل خاص فهل هذا مطلب كبير ومبالغ فيه؟

***

نشرح اكثر ونضرب بعض الامثلة التي تؤكد مشروعية مطالبنا هذه، ونبدأ بالصحافي البريطاني تيم ويلكوكس مراسل شبكة الـ “بي بي سي” الذي كان يغطي المسيرة التضامنية المليونية يوم الاحد الماضي في باريس، فهذا المراسل الانكلوسكسوني ارتكب خطيئة كبرى عندما قابل ابنه احد الناجين من الهولوكوست وتحدثت اثناء المقابلة عن الخوف الذي يشعر به اليهود في فرنسا بعد الهجومين، فبادر المراسل بسؤالها باللطف كله “بعض النقاد لسياسة اسرائيل قد يقولون بأن الفلسطينيين يعانون كثيرا بين ايدي الاسرائيليين ايضا وهم يهود”.
هنا قامت الدنيا ولم تقعد منذ يوم امس وانهالت الرسائل الالكترونية الهجومية والبذيئة بعض الاحيان التي تطالب محطة “بي بي سي” بطرد هذا المراسل، وكتبت مقالات في الصحف في هذا الشأن، حتى ان السناتور الامريكي المشهور صاحب برنامج “شو” يومي واسمه جو سكاربورا استغرب ان يبقى هذا المراسل في عمله يوما واحدا.
المراسل ويلكولكس اعتذر رسميا على موقعه على “التويتر” واعترف بخطيئته، وكذلك متحدث باسم الشبكة الذي قال انه لم يصغ سؤاله بطريقة مهنية.
ما هو الخطأ الذي ارتكبه هذا المراسل المحترف، ولماذا يعتذر عنه، فهل فعلا لا يتعرض اطفال فلسطين للقتل في قطاع غزة؟ الم يحرق الصبي محمد ابو خضير حيا من الداخل الخارج على ايدي متطرفين يهود؟ الا تعيش حاليا 105 الف اسرة فلسطينية في العراء في قطاع غزة بسبب تدمير منازلهم قصفا من قبل الطائرات الاسرائيلية اثناء العدوان على قطاع غزة، قولوا لنا بالله عليكم يامن تظاهرتم وتقدمتم المسيرات دفاعا عن حرية التعبير اين هذه الحرية التي تتضامنون وتتظاهرون من اجلها؟
نذهب الى ما هو ابعد من ذلك ما دمنا نتحدث عن السخرية والمجلة الفرنسية الممثلة لها، فالكوميدي الفرنسي ديو ديوني مبالا الاسود استدعته الشرطة الفرنسية للتحقيق يوم امس لانه قال على صفحته على “الفيسبوك” اشعر “انني شارلي كوليبالي”، في اشارة الى المجلة الساخرة “شارلي ابدو” والشاب المسلم احمد كوليبالي الذي هاجم المتجر اليهودي واحتجز الرهائن وقتل اربعة منهم عند مداهمة الشرطة للمتجر.
هذا الممثل والكوميدي اوقفوا عروضه المسرحية التي انتقد فيها الاسرائيليين وهجومهم على سفينة مرمرة التركية في عرض المتوسط وقتلهم لتسعة من ركابها كانوا في طريقهم لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، واوصلهم حرفيا الى حافة الموت جوعا.
نزيدكم من الشعر بيتا ونضرب لكم مثلا من بريطانيا التي اعيش فيها، باللاعب المسلم نيكولاس انيلكا الذي كان في فريق ويست بروميتش البيون هذا اللاعب تربطه صداقه مع الكوميدي دي دوني، وارتكب “جريمة” كبرى عندما وضع يده على صدره في اشارة ترمز الى هذا الكوميدي فماذا حصل؟
ضجت بريطلانيا كلها ضد هذا اللاعب، وتعرض للتحقيق بتهمة معاداة السامية، وانهي عقده، وجرى متعه من اللعب كليا، ولا تعرف اين انتهى، فأين حرية التعبير هذه؟
“السامية” وفق المفهوم الغربي اكثر قداسة من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، والتهمة بمعاداتها ولو كانت ملفقة تعرض صاحبها للسجن والطرد وقطع لقمة العيش في فرنسا وغيرها من الدول الغربية بينما التطاول على نبي يمثل مليار ونصف المليار مسلم “حرية تعبير”، والاحتجاج على ذبح آلاف الفلسطينيين عداء للسامية.
قبل احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) عام 2001 لم تتعرض اوروبا ولاكثر من عشرين عاما تقريبا لاي هجمات ارهابية، والاستثناء الوحيد حادث فردي في باريس عام 1995 تزامن مع احداث الجزائر واتهامات لفرنسا بدعم النظام ضد جبهة الانقاذ الاسلامية، الحرب التي اعلنتها امريكا واوروبا على الارهاب وادت الى غزو افغانستان والعراق واحتلالها هي التي صبت النار على زيته وادت الى تصاعد هجماته في بريطانيا وفرنسا.
دومنيك دوفيلبان رئيس الوزراء ووزير الخارجية الفرنسي الاسبق الذي عارض بشدة الحرب على العراق عام 2003 ليس ارهابيا ولا عضوا في تنظيم “القاعدة” او “الدولة الاسلامية” عندما قال امس “ان الغرب هو الذي صنع “الارهاب الاسلامي”، وطالب الغرب “بالوقوف امام هذه الحقيقة المؤلمة التي شارك بصنعها بتدخلهم العسكري في افغانستان والعراق وليبيا ومالي”، واضاف كان الارهابيون بضعة آلاف واصبحوا الآن ثلاثين الفا”، وختم كلامه قائلا “هذا التنظيم (الدولة الاسلامية) يكشف الارهاب الحقيقي ويبريء المسلمين من هذه الاعمال الاجرامية”.
***
في برنامج تلفزيوني شاركت فيه اليوم (الخميس) وجه احدهم اتهاما للعرب في فرنسا بِأنهم يرفضون الاندماج في الحضارة الغربية، ولا يقبلون بقيم الحريات الفرنسية، لان اقل من بضعة مئات من المسلمات يرتدين النقاب واكثر من ذلك الحجاب، ونسي او تناسى ان ستة ملايين من المسلمين في فرنسا يحترمون القانون، ويدفعون الضرائب، ويرفضون العنف ويتحدثون الفرنسية بطلاقة اهلها، فما هو الاندماج في نظره وامثاله، التطاول على الرسول صلى الله عليه وسلم، او التصفيق والرقص والعناق لمن يتطاولون عليه؟
خمسة ملايين نسخة جرى طبعها وتوزيعها من المجلة المسيئة وقف الفرنسيون في طابور لشرائها وهي التي تتضمن رسوما للرسول الكريم الا يعتبر هذا استفزازا واحتقارا لمشاعر مليار ونصف المليار مسلم وبأكثر من 16 لغة بما فيها العربية، الا يعتبر هذا اعلان حرب على دين آخر تحت عنوان الحريات التعبيرية، وامعانا في الاستفزاز والتحدي؟
البابا فرانسيس قال اليوم (الخميس) في مؤتمر صحافي على طائرته وهو في طريقه الى مانيلا “ان حرية التعبير حق اساسي لكنها لا تجيز اهانة معتقدات الآخرين او التهكم عليهم”.
هذا الكلام الموزون لم نسمعه من المليون متظاهر الذين شاركوا في مسيرة التضامن مع ضحايا الهجومين، ورفعوا الرسوم الكرتونية المسيئة، ولم نسمعه ايضا من وزيرة العدل الفرنسية كريستان توبيرا التي قالت بلهجة استفزازية متحدية اليوم (الخميس): “في فرنسا يمكن ان نرسم كل شيء حتى الاديان” اي عدالة هذه؟
نريد من فرنسا وبريطانيا وامريكا وكل الدول الاوروبية “المتحضرة” المساواة فقط بأبناء “عمنا اليهود” والتمتع بالحماية التي يتمتعون بها قانونيا وامنيا، فلسنا نحن المسلمون الذين ارتكبنا محرقة الهولوكوست، بل نحن الذين دفعنا وندفع ثمنها من ارضنا ودمائنا فهل هذا بكثير؟ افيدونا افادكم الله.

السعودية تفشل المبادرة الفنزويلية وترفض اجتماعا طارئا للاوبك.. واسعار النفط تهبط الى الاربعين دولارا.. وايران تهدد وتتوعد وروسيا صامته.. وخسائر الخليج تعيد اعمار العالم العربي كله

عبد الباري عطوان
ذكرتني الجولة التي يقوم بها حاليا الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في اربع دول رئيسية منتجة للنفط هي ايران والسعودية وقطر والجزائر في محاولة لاقناعها بمبادرته التي تنص على انعقاد قمة طارئة لمنظمة الاوبك لبحث ازمة تدهور الاسعار الحالية، بجولة مماثلة لسلفه الاسبق الرئيس كارلوس رودريغز قبل 37 عاما تقريبا ومن اجل الهدف نفسه لكن لاسباب مختلفة.
كنت في حينها، اي عام 1977 على ما اذكر اعمل محررا في صحيفة “المدينة” اليومية السعودية، واوفدني رئيس التحرير الصديق احمد محمد محمود الى الرياض لتغطية زيارة الرئيس الفنزويلي وجاء اختياري، لسبب ليس له علاقة بالكفاءة، بقدر ما له علاقة بلغتي الانكليزية المعقولة، فقد كنت اتحسس طريقي في هذه المهنة الصعبة، وهذه قصة اخرى.
الرئيس الفنزويلي رودريغز حط الرحال في الرياض من اجل اقناع العاهل السعودي الملك خالد بن عبد العزيز برفع اسعار النفط السعودي بنسبة 5 بالمئة من اجل ردم الهوة مع اسعار دول اوبك اخرى رفعته في اجتماع سابق لها بنسبة 10 بالمئة وهو ما رفضته السعودية واصرت على ان تكون الزيادة نصف هذه النسبة، وتردد ان هذا الرفض جاء بضغوط امريكية.
اذكر انني سألت الامير فهد بن عبد العزيز ولي العهد الذي ترأس الوفد السعودي في المباحثات مع الضيف الفنزويلي وكان الحاكم الفعلي للبلاد، عما اذا كانت المملكة ستتجاوب مع مطلب رفع اسعار نفطها اسوة بالدول الاخرى، فقال لي ان المملكة “ملتزمة” بوحدة منظمة الاوبك وكانت هذه كلمة السر، وفعلا رفعت المملكة سعر نفطها 5 بالمئة اخرى ومرت الازمة، وخرجت انا بسبق صحافي عالمي.
***
يبدو ان الرئيس الفنزويلي الحالي مادورو اقل حظا من الرئيس كارلوس، لان مبادرته بخفض انتاج النفط السعودي من اجل رفع الاسعار او بالاحرى وقف انهيارها السريع لم تحقق اي من اهدافها، فقد اعلن بعد اجتماعه مع السيد عبد الملك سلاس رئيس وزراء الجزائر المحطة الاخيرة في جولته “انه لا يوجد اجماع بين الدول الاعضاء في اوبك لعقد اجتماع طارىء للمنظمة”، وفي واقع الحال ليس هناك حاجة لاجماع، وانما موافقة دولة واحدة تنتج 9.6 مليون برميل يوميا وهي السعودية يمكن ان تحل الازمة اذا ارادت، وتوافق على الاجتماع الطارىء، وتقبل بالتالي بخفض الانتاج.
فشل جهود الرئيس الفنزويلي يعني ان اسعار النفط التي وصلت امس الى اقل من 45 دولارا للبرميل قد تصل الى اربعين دولارا غدا، و35 دولارا الاسبوع المقبل حتى تصل الى عشرين دولارا مثلما بشر السيد علي النعيمي وزير نفط المملكة الدول الاخرى الاعضاء، الامر الذي قد يؤدي الى افلاس معظم الدولة المنتجة غير الخليجية، وخاصة فنزويلا ونيجيريا وايران وروسيا.
كل دولار انخفاض في اسعار برميل النفط يعني خسارة مقدارها ملياري دولار من دخل روسيا يوميا، واذا قدرنا ان اسعار النفط انخفضت بحوالي سبعين دولارا منذ حزيران (يونيو) الماضي فإن هذا يعني ان خسارة روسيا السنوية 140 مليار دولار مرشحة للزيادة، والحسبة نفسها تنطبق على ايران وفنزويلا ونيجيريا وجميع الدول المصدرة للنفط.
السعودية ودول الخليج الاخرى لن تتأثر على المدى القصير، لان جيوبها عميقة، فالسعودية تملك فائض نقدي مقداره 750 مليار دولار وتستطيع تحمل الخسائر لعدة سنوات، والشيء نفسه يقال عن الكويت والامارات وقطر التي تملك صناديق سيادية تزيد قيمتها على ترليون ونصف ترليون دولار تقريبا، ولكن ليس البحرين وسلطنة عمان، الدول الافقر والاقل انتاجا والاكثر سكانا مثلما هو حال الثانية (عمان).
هناك ثلاثة اعتبارات او اسباب رئيسية ادت الى انخفاض اسعار النفط بهذه الصورة المتسارعة:
• اولا: ضعف الطلب بسبب الازمة الاقتصادية العالمية.
• ثانيا: زيادة الانتاج الامريكي من النفط الصخري حوالي خمسة ملايين برميل يوميا سترتفع الى عشرة عام 2020.
• ثالثا: رفض السعودية خفض الانتاج من اجل زيادة الاسعار اثناء اجتماع اوبك الاخير في كانون الاول (ديسمبر) الماضي.

روسيا وايران لديهما انطباع مؤكد ان هناك مؤامرة سعودية امريكية تهدف الى تضييق الخناق عليهما اقتصاديا من خلال تخفيض اسعار النفط، الاولى بسبب ضمها لجزيرة القرم ودعم انفصال شرق اوكرانيا، والثانية لدعمها النظام السوري وحزب الله وحركة المقاومة الاسلامية الفلسطينية، فالاقتصاد الروسي الذي يعتمد بنسبة 70 بالمئة على صادرات النفط والغاز مرشح للدخول في حال كساد هذا العام، والروبل خسر ستين في المئة من قيمته امام الدولار، وكل محاولات دعمه بما في ذلك رفع سعر الفائدة الى 17 بالمئة باءت بالفشل، والشيء نفسه يقال عن ايران التي تدهورت عملتها لاكثر من ثمانين في المئة، وقد اقرت ميزانيتها للعام المقبل ابتداء من اول اذار (مارس) على اساس سعر 72 دولارا للبرميل اي بعجز متوقع بنسبة 33 بالمئة على اقل تقدير اذا وقف انهيار اسعار النفط عند حاجز 45 دولارا مثلما هو الحال اليوم.

***

ايران بدأت تشعر بسخونة الازمة، وانعكس هذا في تصريحات الرئيس حسن روحاني التي هدد فيها امس بأن من خفضوا اسعار النفط (في اشارة الى السعودية) ضد بعض البلدان (في شارة الى ايران وروسيا) سيندمون على هذه الخطوة، وقال “ايران لن تخضع للمؤامرة وستتغلب عليها.
السعودية التي تخوض حاليا حربا في سورية والعراق ضد “الدولة الاسلامية” واخرى ضد التهديد الامني لانصارها في الداخل بدأت الآن على حافة حرب اخرى ضد دول منظمة اوبك وخارجها بعضها مسلم مثل ايران ونيجيريا والجزائر وليبيا واخرى غير مسلمة مثل روسيا وفنزويلا.
خسائر دول الخليج وحدها من انخفاض اسعار النفط الى 45 دولارا تصل الى اكثر من 300 مليار دولار سنويا وهي خسارة كفيلة بإعادة اعمار وتنمية كل الدول العربية مجتمعة وايجاد وظائف لكل الشباب العربي العاطل عن العمل، ناهيك عن الشباب السعودي الذي تبلغ نسبة البطالة في صفوفه اكثر من ثلاثين في المئة.
لا نعرف من هم الاكثر حكمة وتبصر في التعاطي مع الازمات النفطية الطارئة، حكام السعودية القدامى ام الحاليين.
المقارنة ليست في محلها، والظروف تغيرت حتما، ولكن ما يمكن قوله ان السيد النعيمي وزير النفط السعودي ومن يرسمون له السياسات يقدمون على مقامرة خطيرة جدا سياسيا واقتصاديا من الصعب التنبؤ بنتائجها، خاصة ان الامور بدأت تخرج من ايدي الجميع وباتت امكانية السيطرة عليها معدومة، والله اعلم.

الطيار الكساسبة يفضح الروايات الامريكية الكاذبة ويؤكد اسقاطه بصاروخ.. انها رسالة ايضا للطيارين العرب زملائه في التحالف.. واخيرا هل سيعتذر لنا الامريكيون ويعترفون بخطأ أحدث اكاذيبهم؟

عبد الباري عطوان
لا نعرف ما هو شعور القيادة العسكرية الامريكية التي اصدرت بيانا شككت فيه برواية “الدولة الاسلامية” التي قالت انها اسقطت الطائرة الحربية الاردنية “بصاروخ حراري” بعد ان اطلعوا على النص الحرفي للمقابلة التي اجرتها مجلة “دابق” مع الملازم طيار معاذ الكساسبة وروى فيها بالتفصيل كيفية سقوط طائرته الامريكية الصنع، وقفزه منها بعد ان انحرفت عن مسارها والسنة الدخان تنبعث من محركاتها.
ولا نعرف ايضا ما هو شعور القيادة العسكرية الاردنية التي تبنت الرواية الامريكية الكاذبة والمضللة هذه التي تكشف عن غباء مطلق، واستهتار بعقل المشاهد والقاريء، والامكانيات الاعلامية الهائلة للطرف الآخر، تقنيا وبشريا.
يجب ان تعرف الادارة الامريكية وقيادتها العسكرية وتعترف ان الاعلام تغير في عصر “الانترنت” و”اليوتيوب” و”الفيسبوك” و”التويتر”، وان العرب والمسلمين لم يعودوا اغبياء، وتحرروا من هيمنة الاعلام الرسمي وادواته الرقابية المتخلفة، مثلما تحرروا من الاعتماد على وسائل الاعلام الغربية للوصول الى المعلومات، وان ما كان صالحا في الحربين العالميتين الاولى والثانية لم يعد صالحا في القرن الواحد والعشرين.
الادارة الامريكية تكابر في تعاطيها مع مسألة اسقاط الطائرة الاردنية، وترفض الاعتراف بأن هذا النوع من الطائرات (تف 16) الذي كان يصول ويجول في الاجواء العربية ويقصف ويدمر كيفما شاء دون ان يعترضه احد، يمكن ان يسقط مثل الذباب عندما يجد من يعرف كيف يتعاطى معه، ويكسر شوكته ولو جزئيا.
***
اسرائيل كانت تتحلى بالغرور نفسه، وتعتقد ان دباباتها من نوع “الميركافا” عصية على رجال المقاومة وصواريخهم، الى ان جاء اليوم الذي سجل انهيار هذه الاسطورة في قطاع غزة وجنوب لبنان بسواعد المؤمنين طالبي الشهادة، وشاهدنا مقابرها ماثلة للاذهان وشاهدة، في شمال وشرق قطاع غزة وفي ميليتا في جنوب لبنان.
الطيار الاسير الكساسبة كشف المستور وفضح اللعبة واللاعبين، وقدم معلومات دقيقة عن جميع الدول الخليجية والعربية التي ارسلت طائراتها للمشاركة في ضرب مواقع وتجمعات “الدولة الاسلامية”، والقواعد التي تنطلق منها الطائرات، وانواعها، مثلما كشف عن اعداد الطيارين والمهندسين، والمستشارين الامريكيين الذين يعملون في هذه القواعد.
المعلومات الدقيقة هذه التي قدمها الطيار الكساسبة ربما نقطة في بحر، ولا بد ان هناك اخرى جرى حجبها، او انها ستظهر لاحقا، وهي ثمينة جدا بكل المقاييس، وما يؤكد صحتها ان وزارة الدفاع الامريكية تلتزم الصمت ولم تعلق عليها مطلقا حتى كتابة هذه السطور ربما خجلا، ونحن نفترض ان هناك من يخجل في البنتاغون من اعمال القتل والتعذيب التي مارسها ويمارسها رجاله واجهزته الاستخبارية في العراق وافغانستان وغوانتانامو.
الطيار الكساسبة “صيد ثمين” في يد آسريه في “الدولة الاسلامية” وورقة ضغط كبرى على السلطات الاردنية والامريكية معا، كما ان عملية اسقاط طائرته واسره رسالة قوية الى الطيارين العرب (والطيارات)، وبينهم امراء، تباهوا وهم يقودون طائراتهم الى الاجواء السورية والعراقية لتنفيذ ضرباتهم وفق الاوامر الموجهة اليهم، ويقتلون مواطنين ابرياء الى جانب مقاتلي “العدو” اي تنظيم “الدولة الاسلامية”.
***
لسنا من بين المصدقين للغالبية العظمى من البيانات الامريكية، لاننا نملك مخزونا ضخما من الادلة التي تؤكد كذبها وتضليلها، ألم يقولوا لنا ان هناك معلومات موثقة عن اسلحة الدمار الشامل العراقية، ألم يؤكدون لنا قبل ثلاثة اعوام ان ايران على بعد اقل من ستة اشهر من انتاج رؤوس نووية، وقالوا الشيء نفسه قبل ذلك عن صدام حسين ونظامه.
اعترف انني شعرت بغصة في حلقي وانا ارى الطيار الكساسبة يرتدي البدلة البرتقالية، ويقول دون تردد في اجابته عن سؤال عما ستفعل به “الدولة الاسلامية” ومقاتليها بعد وقوعه في الاسر “انهم سيقتلونني”.
اتمنى من كل قلبي ان لا تعدم “الدولة” هذا الطيار الشاب وتحسن معاملته، فقد جرى الزج به في حرب اعتقد انه لا يؤمن بها وجدواها، وشرعيتها، في اعماقه، وكم كنت سأفتخر به واعلق صورته في مكتبي لو ان آسريه من الاسرائيليين.
انه ضحية سياسات خاطئة اقدمت عليها السلطات الاردنية، باختيارها او رغما عنها، فهذه الحرب ليست حربها، ودورها فيها ثانوي جدا، ولن تخرج منها الا خاسرة، وان ربحت بعض المال وبعض الرضاء الامريكي.

العلم السوري يرفرف غدا فوق السفارة السورية في الكويت بألوانه الحمراء والبيضاء والسوداء.. انه انقلاب كبير لم يكن متوقعا قبل 22 شهرا.. ما الذي حدث؟ وما هي اسبابه ومتى نرى العلم نفسه يرفرف في الرياض والدوحة؟

عبد الباري عطوان
سيرفرف العلم السوري بألوانه الاحمر والابيض والاسود فوق السفارة السورية في الكويت التي سيعاد فتحها رسميا اليوم الاثنين، بعد اغلاق استمر عشرين شهرا توقعت خلالها الحكومة الكويتية، ودول خليجية اخرى سقوط النظام وتسليم السفارة الى المعارضة السورية المسلحة برئاسة الائتلاف الوطني السوري، بعد ان جمدوا عضويته في الجامعة العربية وسمحوا لزعيم المعارضة في حينها (معاذ الخطيب) الجلوس على مقعدها والقاء كلمتها في قمة الدوحة العربية.
النظام لم يسقط، ولا يوجد اي مؤشرات انه سيسقط في المنظور المتوسط على الاقل، رغم الانشقاقات التي وقعت في صفوفه في بداية الازمة، سواء في الجيش او في المؤسسات السياسية والدبلوماسية، حيث قفز الكثيرون من سفينته، سواء عن قناعة، او استجابة للاغراءات المالية الضخمة، نتيجة اعتقاد راسخ، كرسته امبراطورية اعلامية غربية، وخليجية جبارة، مرفوقة بتأكيدات امريكية واسرائيلية وتركية بأن ايام النظام باتت معدودة، وان سفينته غارقة لا محالة.
لا نجادل مطلقا بأن النظام ارتكب مجازر، ويتحمل المسؤولية الاكبر عن ما حدث ويحدث في سورية، لكن الطرف الآخر في المقابل لم يكن حملا وديعا، واحتكم الى السلاح على امل التعجيل في اسقاط هذا النظام وتغييره ببديل ديمقراطي، ولكن في ظل انقلاب “الثورة” السورية الى صراع على الحكم، وصب المليارات، وآلاف الاطنان من الاسلحة في الاتجاهين، اختلطت الاوراق، وتغيرت المعادلات، وتبدلت المفاهيم، واصبح الشعب السوري الذي تشرد منه عشرة ملايين يعيشون حاليا في العراء في ظروف معيشية ومناخية صعبة، وخسر اكثر من ثلاثمائة الف من خيرة ابنائه هو الضحية الكبرى، ويترحم نسبة كبيرة منه على الايام السابقة، بعد ان تحولت بلاده الى فوضى دموية، وميدان صراع للامم، وفقدت وحدتها الجغرافية والديمغرافية وتقدمت الهوية الطائفية على كل الهويات الاخرى الجامعة للأسف.

***

المعارضة السورية، مثلها مثل الشعب السوري، تعرضت لخديعة كبرى عندما صدقت الوعود الامريكية، والتطمينات العربية، والخليجية منها على وجه الخصوص، واعتقدت انها باتت على بعد ايام معدودة للتخلص من النظام الديكتاتوري القمعي حسب نصوص ادبياتها وبياناتها، واقامة الجمهورية الديمقراطية الفاضلة.
اعادة فتح السفارة السورية في الكويت اهم اعتراف علني، وعملي، بأن السياسة الخليجية في سورية انهارت، خاصة انها توازت مع انفتاح كبير على العراق حليف سورية، تمثل في فتح قنصليتين وتوقيع 46 اتفاقية تجارية مع حكومته في اطار استراتيجية كويتية جديدة بتطبيع العلاقات وتعزيزها.
الكويت عندما سحبت سفيرها من دمشق واغلقت سفارتها، وطلبت من السفير السوري العودة الى بلاده في شباط (فبراير) عام 2012، اقدمت على هذه الخطوة في اطار تنسيق خليجي مشترك ومتفق عليه (سلطنة عمان لم تلتزم وابقت سفارتها مفتوحة في دمشق)، لهذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو عما اذا كان قرارها هذا منفردا، ام في اطار اتفاق خليجي على اعادة فتح سفارات سورية، في جميع او معظم العواصم الخليجية؟
انه موسم الحجيج الى دمشق، فها هي تونس التي كانت اول دولة عربية تغلق سفارتها في دمشق، ويعرض رئيسها المؤقت السابق (المنصف المرزوقي) على نظيره السوري حق اللجوء السياسي، ويستضيف اول اجتماع لمنظومة اصدقاء سورية (هل ما زالت موجودة؟) تعيد فتح سفارتها، ويتبادل رئيسها الجديد “المنتخب” الباجي قائد السبسي برقيات التهاني مع نظيره السوري، ولا نستبعد ان تبدأ احجار الدومينو تتساقط الواحدة تلو الاخرى، او فتح السفارة تلو الاخرى.
اسباب عديدة ادت الى هذا التطور “غير المفاجيء” على اي حال:
• اولا: ادركت الولايات المتحدة ان المعسكر الايراني السوري العراقي المدعوم من روسيا هو المنتصر “حاليا” فقررت الرهان عليه، والتعاطي معه، والاعتراف به على حساب حلفائها القدامى، وبعد ان “حلبتهم” ماليا وباعتهم اسلحة بأكثر من 150 مليار دولار.
• ثانيا: صعود “الدولة الاسلامية” بقوة، وازالتها الحدود السورية العراقية، واقامة دولة مكتفية ذاتيا بالمال والسلاح، حجمها اكبر من حجم فرنسا، وجميع الدولة الخليجية مجتمعة، عدا المملكة العربية السعودية، واعتمادها التوسع الجغرافي والعقائدي كنهج واستراتيجية، على عكس كل الحركات الاسلامية الاخرى، الامر الذي بث الرعب في جميع دول المنطقة، وغير اولويات الغرب، وجعل الجميع يرون في النظام السوري حليفا مستقبليا يمكن الاعتماد عليه، والتعاون معه، وغفر كل خطاياه، ما تقدم منها وما تأخر.
• ثالثا: انهيار الجامعة العربية ومصداقيتها كمظلة سياسية اقليمية، وحدوث تغيير جذري في مصر عنوانه انقلاب عسكري بقيادة الفريق اول عبد الفتاح السيسي (مشير ورئيس منتخب لاحقا) اطاح بحكم الاخوان المسلمين، والتحالف القطري التركي معهم، وجاءت عودة الليبراليين والدستوريين في تونس عبر صناديق الاقتراع، وتراجع ترويكا النهضة الثلاثية، وانهيار الاستقرار في ليبيا، وتصاعد الحرب الدموية فيها كلها عوامل غيرت المشهدين السوري والعربي تماما.
• رابعا: تراجع اسعار النفط بأكثر من خمسين في المئة، وتوقعات بوصولها الى عشرين دولارا للبرميل في سنوات مقبلة، اضعفت المعسكر الخليجي وقبضته على المنطقة، وصعدت من مخاوفه في حدوث اضطرابات داخلية، سياسية واجتماعية، بعد تزايد احتمالات تخفيض الانفاق الحكومي، وفرض ضرائب على المواطنين، ورفع الدعم عن المواد الاساسية مثل المحروقات والمواد الغذائية.
• خامسا: انقلاب السحر على الساحر، وعودة “الارهاب” بقوة الى دول خليجية ظلت محصنة منه لعقود، وشاهدنا هجمات تستهدف اجانب في كل من الامارات والسعودية، وظهور إعلام مواز مؤثر وفاعل لـ”الدولة الاسلامية” يحرض على اطاحة الانظمة، ويجذب نسبة كبيرة من الشباب الخليجي لاطروحاته، وتشكيله خلايا نائمة وحية بالتالي.
• سادسا: بروز المحور المصري الروسي الذي نشط في الاسابيع الاخيرة من اجل عقد مؤتمر حوار بين الحكومة والمعارضة في سورية للتوصل الى حل سياسي للازمة دون اي شروط مسبقة، وبمعزل عن المحور الخليجي التركي، وتجاوب معظم فصائل المعارضة السورية معه بشكل ايجابي والاستعداد للانخراط في الحوار دون شرط اسقاط النظام.
***
لا نستبعد ان يجلس السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري على مقعد سورية في الاجتماع المقبل لمؤسسة القمة العربية المقرر ان يعقد في القاهرة في الثلث الاخير من شهر اذار (مارس) المقبل، ولن نستغرب اذا كان السيد معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني السوري السابق، والسيد حسن عبد العظيم رئيس هيئة التنسيق وآخرين اعضاء في الوفد السوري يجلسون في المقاعد خلف شيخ الدبلوماسية السورية.
لم لا.. فكل شيء جائز هذه الايام، فمن كان يتوقع اتفاقا امريكيا ايرانيا بعد ان وصلت الامور الى حافة المواجهة، او من كان يتوقع هذا الصعود لـ”الدولة الاسلامية”، واطاحتها بالسيد نوري المالكي ووصول قواتها الى ابواب بغداد واربيل؟، وعودة الطائرات واكثر من خمسة آلاف جندي امريكي الى العراق، والاهم من كل ذلك، من كان يحلم بأن الرئيس بشار الاسد سيستمر في الجلوس على كرسي الحكم للعام الخامس على التوالي؟
نكتفي بهذا القدر.. ومن المؤكد ان لنا عودة لمتابعة تطورات هذا الزلزال.

هل تمهد السعودية لحظر “النقاب” بعد منع “الجهاد” لاسباب امنية؟ وكيف سيكون رد العلماء والاصوليين؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟

عبد الباري عطوان
فجر رجل الدين السعودي المعروف احمد الغامدي جدلا فقهيا غير مسبوق طوال الايام الثلاثة الماضية بعد ظهوره، وزوجته الى جانبه، في برنامج تلفزيوني بثته قناة “ام بي سي” سافرة الوجه في تحد غير مسبوق للتقاليد الصارمة في المملكة العربية السعودية، حيث يعتبر النقاب اللباس شبه الاجباري للمرأة في هضبة نجد على وجه الخصوص، تطبيقا لتعاليم الامام محمد بن عبد الوهاب ودعوته الوهابية.
الغالبية الساحقة من المتدخلين في هذه القضية، سواء من رجال الدين او من خصومهم الليبراليين، خاصة في وسائط التواصل الاجتماعي من “فيسبوك” او “تويتر” ركزوا على جوانبها الدينية، ولجأوا الى التنقيب في المراجع الفقهية، والتفاسير القرآنية لتأييد وجهة نظرهم بهذه الفتوى الشرعية او تلك، وتناسوا كليا الجوانب الامنية والسياسية الاهم لهذه المسألة.
لا شيء يأتي بمحض الصدفة هذه الايام في الممكلة العربية السعودية ودول الخليج، فكل شيء محسوب بعناية فائقة، وفي اطار استراتيجية مستقبلية متفق عليها، خاصة عندما يتعلق الامر بقضايا فقهية مجتمعية لها علاقة بالاسلام السياسي بطريقة مباشرة او غير مباشرة، فحتى اشهر معدودة كان الحديث عن عدم شرعية النقاب و”اباحة” السفور من التابوهات او حتى من “الكبائر”.
وسائل الاعلام السعودية، خاصة تلك التي تصدر من خارج المملكة، مثل محطة “ام بي سي” واخواتها، التي انطلقت في صيف عام 1991 من لندن، اي بعد “تحرير” الكويت مباشرة، هي احد الادوات الرئيسية التي يجري توظيفها في خدمة الايديولوجيات والاجندات السعودية الجديدة التي ترمي الى احداث تغييرات مجتمعية وسياسية تحارب الاسلام السياسي المتشدد وتعيد صياغة العقل السعودي بعيدا عن الفكر الوهابي المتشدد وفي اطار التحالف الاعمق مع الاستراتيجيات الغربية في المنطقة.
السعودية تواجه خطرا اسلاميا اصوليا جاء من صلبها، ويتبنى افكار “مذهبها” الوهابي، ويتمثل في “الدولة الاسلامية” وفكر تنظيم “القاعدة”، وهي ايديولويجة فكرية تتبنى “الجهاد” للاطاحة بالانظمة الديكتاتورية التي لا تطبق الشريعة الاسلامية وفق تفسيرات وفتاوى السلف الصالح وكبار الائمة والعلماء على حد وصف منظري هذه الجماعات وكبار علمائها.

***

واذا عدنا الى الوراء قليلا، وبالتحديد الى الربيع الماضي على وجه التحديد، عندما بدأت محطة “ام بي سي” ومن خلال برنامج الزميل داوود الشريان (الثامنة) حملة شرسة ضد الدعاة السعوديين الذين يحرضون الشباب السعودي على “الجهاد” في سورية، وسمت اسماء العديدين منهم مثل الشيوخ سلمان العودة، ومحمد العريفي، وعدنان العرعور، وقالت انها تدفع بهؤلاء الشباب الى التهلكة، ثم تبين بعد ذلك ان الهدف من هذه البرامج التمهيد لمراسيم سعودية تجرم كل من يحرض او يخرج للجهاد خارج اراضي المملكة، وفرض عقوبات كبيرة على هؤلاء تصل الى السجن 15 عاما.
ربما تكرر محطة “ام بي سي” هذه الايام السيناريو نفسه بكسر “محرم” في المملكة العربية السعودية جرى فرضه لاكثر من 14 قرنا، وتصديره الى دول ومجتمعات خارجها، اي “النقاب”، ولمصلحة الترويج لـ”السفور” كبديل، باعتباره الاكثر عصرية ولا تتناقض مع الدين واصوله، وحشد كل الدعاة ورجال الدين الذين يؤيدونه لدعم هذا التوجه بالحجج والبراهين والادلة الشرعية، ومن هنا جيء بالشيخ احمد الغامدي وزوجته الى شاشة قناة “ام بي سي” دون غيرها.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن توقيت هذا التحرك المدروس بعناية لمحاربة النقاب او التقليل من شرعيته، والاهداف المرجوة منه لاحقا خاصة ان المملكة وعلماءها شنوا حملات شرسة ضد دول غربية مثل فرنسا قررت منع “النقاب” في الاماكن العامة، واعتبروا ذلك منافيا للاسلام وللحريات الدينية؟
الاجابة بسيطة للغاية، ويمكن استخلاصها من حادثين خطيرين، الاول عندما تسللت “منقبة” الى سوق تجاري في مدينة ابوظبي وذبحت مدرسة امريكية في احدى حماماتها، بسكين اخفته تحت ملابسها، والثانية عندما تستر اكثر من خمسة شبان ينتمون الى تنظيم متشدد يعتقد انه “الدولة الاسلامية”، خلف النقاب، وحاولوا اختراق الحدود اليمنية السعودية في حافلة صغيرة، لتنفيذ هجمات في العمق السعودي، حيث جرى العثور على احزمة ناسفة واسلحة ومتفجرات في حوزتهم بعد قتلهم من قبل قوات حرس الحدود، ولا بد ان احداث مشابهة كان للنقاب دور كبير فيها ولكنها لم تنشر.

***

في تقديرنا ان “النقاب” بات يشكل خطرا امنيا في نظر اجهزة الامن السعودية ودول الخليج، ولذلك لا نستغرب وجود توجه رسمي لمنعه منعا مطلقا للحيولة دون استخدامه في اخفاء هويات المطلوبين من النساء والرجال الذين قد يلجأوا اليه لاخفاء وجوههم وهويتاهم في الوقت نفسه.
المحطات السعودية التي تصدر خارج حدود المملكة ادوات سياسية شديدة التأثير وخاصة في المجتمع السعودي، فهي التي قادت وتقود الحرب الاعلامية في سورية والعراق وليبيا ومصر واليمن، وتساند طرفا في مواجهة آخر، وهي التي تنقل الحياة الغربية والامريكية عامة الى قلب المجتمعات العربية من خلال عرض برامج ومسلسلات ذات شعبية عالية تحت مسمى “التحديث والعصرية”، مثل “آراب ايدول” و”فويس″ و”آراب غوت تالنت”، وهي برامج ومسلسلات تستحوذ على عقول الشباب رجالا ونساء، وتتحدى المؤسسة الدينية الرسمية المتزمتة حسب وصف القائمين على هذه المحطات.
انتظروا قرارات سعودية تدريجية لمنع ارتداء “النقاب” او الحد من ارتدائه في اماكن معينة، وذلك لاسباب امنية ليس بناء على فتاوى او تفسيرات شرعية تبطل ارتدائه، ولا تعتبر السفور خروجا على الاسلام.
لا نستبعد ان يتم الغاء هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (الشرطة الدينية” بشكل تدريجي، او استبدال دورها بحيث يتم فتح فرع نسائي اكبر لها، يتولى الدعوة الى السفور، ومحاربة النقاب، فمن كان يتوقع الحرب السعودية الشرسة ضد الاخوان المسلمين الذين كانوا الاكثر احتضانا من قبل المملكة لعقود، حتى انه عهد اليهم صياغة ووضع المناهج الدراسية في عصرهم الذهبي في فترتي الستينات والسبعينات.
الاعتبارات الامنية تتقدم على كل ما عداها في المملكة العربية السعودية في ظل تصاعد الهجمات على قوات الامن والشرطة من قبل الجماعات الاسلامية المتشددة، فلا يمر اسبوع دون مقتل رجل امن سواء من المتشددين السنة او الشيعة، ولا نستبعد ان تتقدم هذه الاعتبارات على جميع ما عداها حتى لو تمثلت في “النقاب”.
راقبوا محطات شبكة “ام بي سي” لكي تتعرفوا على القرارات والخطوات والمتغيرات السعودية القادمة.

لا يحتاج نتنياهو لتحذير كيري من وصول المتشددين الاسلاميين الى ضواحي تل ابيب فهم في طريقهم اليها والقدس المحتلة ايضا.. والعمر الافتراضي لسلطة عباس اوشك على الانتهاء.. وحلفاؤه العرب سيعانون ايضا

لا يحتاج نتنياهو لتحذير كيري من وصول المتشددين الاسلاميين الى ضواحي تل ابيب فهم في طريقهم اليها والقدس المحتلة ايضا.. والعمر الافتراضي لسلطة عباس اوشك على الانتهاء.. وحلفاؤه العرب سيعانون ايضا

عبد الباري عطوان

لا يحتاج بنيامين نتنياهو الى تحذير جون كيري وزير الخارجية الامريكي الذي سيلتقيه غدا (الاثنين) في روما بأن اجبار اسرئيل على الانسحاب لخطوط 1967 خلال سنتين سيؤدي الى قدوم جبهات الاسلام السياسي المتطرف الى ضواحي تل ابيب، لان ما حذر منه هو الخيار الوحيد المتبقي بعد ان اهان “المعتدلين” الفلسطينيين والعرب واذلهم بسياساته الاستيطانية وحروبه العدوانية وما يرتكبه من مجازر وجرائم حرب، واضاع فرصا ذهبية للسلام والتعايش.
المتشددون الاسلاميون، سواء كانوا فلسطينيين او عربا لن يصلوا الى ضواحي تل ابيب فقط، وانما الى قلب القدس المحتلة ايضا، لانه وبكل بساطة لم يبق غيرهم على الساحة، والسلطة الفلسطينية التي منعت المقاومة طوال العشرين عاما من خلال قواتها الامنية المتواطئة مع الاحتلال افلست سياسيا واخلاقيا وماليا، وباتت على وشك الانهيار، سواء ذهب الرئيس محمود عباس الى الامم المتحدة وعاد بقرار من مجلس الامن بتحديد سقف زمني لانهاء الاحتلال او لم يذهب.
***
فاذا كان هذا “الاسلام المتشدد” يضرب في ابو ظبي والرياض، ويصمد اكثر من شهرين في عين العرب (كوباني)، ويسيطر على نصف العراق وثلث سورية، ويعزز وجوده في دول الاتحاد المغاربي واليمن والصومال ودول الساحل وسيناء، ويقتل 5000 شخص في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) فقط، حسب احصاءات موثقة، فلماذا تظل تل ابيب محصنة ووادعة وآمنة، ويتنعم مستوطنيها بشمسها وبحرها وسمكها وبرتقالها، وتواصل حكومتها نهب الارض وقتل الفلسطينيين وقلع اشجار زيتونهم، واغتيال وزرائهم ومتظاهريهم العزل؟
منظمات الاسلام السياسي ستتمدد وستصل الى الضفة الغربية حتما، والمسألة مسألة وقت لا اكثر، ولن يستطيع امن الرئيس عباس منعها لسبب بسيط لان كل الذرائع التي كان يستخدمها في السابق لتبرير تواطئه مع الاحتلال، والتنسيق الامني معه، سقطت بشكل مخجل، فالعملية التفاوضية فشلت، والدولة الفلسطينية لم تعد تجد ارضا لكي تقوم عليها، ومؤسسات السلطة “شاخت” ورئيسها بات يهذي، والانتفاضة “الفتحاوية” باتت وشيكة، واتفاق اوسلو الذي اسس لكل هذا الهوان اصبح في سلة قمامة التاريخ.
والغريب ان البعض يجادل هذه الايام بأن الاسلام السياسي حليف لامريكا، ولذلك لن يقاتل اسرائيل، والرد على هذا الجدل بسيط، وهل حركتا “حماس″ و”الجهاد الاسلامي” من نسل كفار قريش؟ وماذا عن الذين يتحالفون وينسقون مع امريكا وضرباتها في العراق وسورية وكردستان؟ افيدونا افادكم الله.
نعم هناك من يتحالف مع الاحتلال الاسرائيلي من فصائل سورية معارضة، ويرسل جرحاه للعلاج في مستشفيات تل ابيب وهضبة الجولان، وهؤلاء يرتكبون اكبر الكبائر، ولكن هؤلاء اقلية مصيرهم سيكون اسوأ من نظرائهم في جيش انطوان لحد في جنوب لبنان الذين باتوا يتسولون لقمة العيش في شوارع تل ابيب بعد ان تخلى عنهم مستأجروهم واستنفذوا اغراضهم منهم وقذفوا بهم الى مصيرهم البائس.
الرئيس محمود عباس ليس سيدنا آدم عليه السلام حتى يعيش الف عام، واستعباده الشعب الفلسطيني من خلال الرواتب بدأ يفقد مفعوله لان من يدفع لهم الرواتب شاخوا مثله، وباتت شريحتهم تتناقص امام جيش جرار من الشباب الغاضب المحبط المتمرد على السلطة وعلى آبائه الذين يعملون فيها، ويعتاشون على فتاتها، ويعانون من الكآبة والخجل من واوضاعهم، ومعظم هؤلاء (الآباء) من المناضلين والوطنيين الشرفاء، تعرضوا لخديعة دولية عربية كبرة اسمها اتفاقات اوسلو.
الخناق يضيق على اسرائيل وشعبها وقياداتها، مثلما يضيق ايضا على بعض الحكومات العربية التي تواطأت، وتتواطأ معها، واستجارت بها خوفا من التهديد الايراني، لان اسرائيل نفسها باتت تبحث عمن يجيرها في ظل انقلاب الموازين والمعادلات في المنطقة، في ظل تحالف امريكي ايراني متصاعد، وفشل كل الضغوط والتهديدات لايقاف البرنامج النووي الايراني وتدمير منشآته وتجميد اعمال التخصيب، وصعود الدور الروسي، وتبدل الاولويات الامريكية والغربية.
اسقاط المشروع “الاخواني” كليا او جزئيا في المنطقة العربية لن يحقق الامن والاستقرار لاسرائيل، ولا للدول العربية المعتدلة، لان حركة الاخوان المسلمين ارتكبت في نظر الكثيرين خطأ استراتيجيا كبيرا عندما اعلنت الجهاد بعد وصولها الى الحكم ضد العديد من الانظمة العربية ولم تركز على القضية العربية الاوبى وتضعها على قمة اولوياتها، واخراجها من الساحة، اي حركة الاخوان، من خلال اسقاط حكوماتها في اكثر من عاصمة عربية ووضعها على قائمة الارهاب، خلق فراغا ستملؤه حتما الجماعات الاسلامية المتشددة التي لا تؤمن بالحوار، وتحتكم الى السلام وتتبنى ايديولوجية “الجهاد” والعنف “والارهاب”.
حصار حركة “حماس″ في قطاع غزة التي ترفع لواء المقاومة وخنقها، وتجويع مليوني فلسطيني تحت مظلة حكمها، لن يصب في مصلحة سلطة الرئيس عباس المفلسة، وانما في قناة الجماعات المتشددة سواء كانت متمثلة في اجنحة حركة “فتح” الشابة الثورية “المؤمنة” وهي الغالبية الآن، او تلك التي تتبنى فكر “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” وتنظيم “القاعدة” المركزي.
***
الفراغ الحالي لن يعمر طويلا على الارض المحتلة والمنطقة، وثقافة المقاومة بدأت تستعيد عافيتها، وتعمق جذورها، نتيجة الخذلان العربي والاسلامي، فهي الوحيدة التي توحد بين المذاهب، وتتجاوز كل صور الاستقطاب الطائفي السائدة حاليا بفعل الفتنة الامريكية الاسرائيلية العربية المشتركة، ومرجل الغضب الذي يغلي حاليا سينفجر حتما في غضون اشهر ومن يقول غير ذلك لا يعرف المنطقة وشعوبها، ولا يقرأ تطورات الاوضاع فيها بطريقة موضوعية متعمقة.
ومثلما يتحمل السيد نوري المالكي والاحتلال الامريكي الذي غض النظر عن ممارساته الطائفية الاقصائية الفاسدة مسؤولية توفير البيئة الحاضنة التي هيأت المناخ لنمو “الدولة الاسلامية” واشتداد عودها في العراق وسورية لاحقا، فإن بنيامين نتنياهو وحروبه، واستكانة الرئيس محمود عباس وتواطؤ سلطته، وفرا البيئة الحاضنة لمقاومة جديدة مختلفة واكثر شراسة، مقاومة اسلامية متشددة هي “كوكتيل قاتل” من شباب “فتح” المؤمن وباقي التيارات الاسلامية الاخرى، وسياتي اليوم الذي تترحم فيه اسرائيل على “حماس″ واعتدالها بالمقارنة بما هو قادم.
اسرائيل هي المستفيد الاكبر من الاستقرار والامن في المنطقة، ومن يجادل بغير ذلك نسأله سؤالا محددا، ماذا جنا المواطن العربي من هذا الاستقرار على مدى نصف قرن ونيف، غير القمع، والفساد، ونهب الثروات، والتعليم المتخلف، والخدمات الطبية المخجلة، والقضاء المسيس، والعدالة العوراء، والقائمة طويلة، والتواطؤ مع اسرائيل والصمت على جرائمها وحروبها وتهويدها للمقدسات؟
فاذا كان البديل هو الفوضى الدموية فإن المتواطئين مع الاحتلال الاسرائيلي واستيطانه وحروبه العدوانية، هم الذين مهدوا لها وعليهم ان يتحملوا مسؤوليتها ويدفعوا هم واسرائيل ثمنها مهما كان باهظا.

اقصر القمم الخليجية في التاريخ تعيد قطر الى “الحضن المصري” وتأكيد المصالحة مع السيسي.. هل يعني هذا “الطلاق البائن” مع الاخوان.. وتغيير نهج شبكة “الجزيرة”.. وفك التحالف مع اردوغان؟

عبد الباري عطوان

ستدخل قمة مجلس التعاون الخليجي التي انعقدت واختتمت اعمالها مساء اليوم (الثلاثاء) كتاب “غينيس″ للارقام القياسية لكونها القمة “الاقصر” في تاريخ مجلس التعاون الخليجي، فلم تستغرق مدة انعقادها غير ساعتين، واقتصرت على ثلاثة خطابات رئيسية، اولها لرئيسها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني امير الدولة المضيفة، وثانيها للشيخ صباح الاحمد امير الكويت رئيس القمة السابقة، وثالثها للسيد عبد اللطيف الزياني الامين العام للمجلس، ولكن قيمة القمم، عربية كانت او خليجية، لا تنحصر في مدة انعقادها، وانما بالقرارات المهمة التي تصدر عنها، وانعكاساتها على مصير الدول المشاركة فيها، واجنداتها، ومواقفها السياسية، ويمكن القول ان قمة الدوحة، ونتائجها جاءت استثناء، فعندما يؤكد بيانها الختامي الذي اقره زعماء المجلس على “الدعم التام لمصر ولرئيسها عبد الفتاح السيسي وبما يحقق استقرارها وازدهارها” فإن هذا يعني صراحة، ودون اي مواربة، ان العقبة الرئيسية التي كانت تقف امام حل الخلافات الخليجية قد “ازيلت”، وان دولة قطر “مثلت” لشروط المصالحة جميعا، وقررت العودة الى السرب الخليجي، والتغريد من داخله باللحن السياسي نفسه وربما بحماسة اكبر، فقطر تريد دائما ان تكون مختلفة عن غيرها.
***
دعم دولة قطر للرئيس المصري السيسي وبرنامجه السياسي المتمثل في “خارطة الطريق” و”وقوفها التام مع مصر، حكومة وشعبا، من اجل استقرارها وازدهارها”، “تحول” في الموقف القطري ستترتب عليه، اذا ما كان نهائيا، العديد من “الالتزامات” و”المتغيرات” نختصرها في النقاط التالية:
ـ اولا: تخلي قطر كليا عن دعم حركة “الاخوان المسلمين” سياسيا وماليا واعلاميا، وابعاد جميع قيادات الحركة من الصفين الاول والثاني الذين يقيمون في الدوحة حاليا، او الزامهم بعدم الاقدام على اي انشطة سياسية معادية للنظام المصري، وعلى رأس هؤلاء الشيخ يوسف القرضاوي رئيس اتحاد كبار علماء المسلمين.
ـ ثانيا: حدوث تغيير جذري في تغطية قنوات شبكة “الجزيرة” المتعددة للملف المصري وخاصة “الجزيرة مباشر”، ووقف كل الهجمات الاعلامية ضد الرئيس السيسي وحكمه وسياساته، وانتهاج تغطية للحدث المصري اقرب الى اسلوب منافستها قناة “العربية”.
ـ ثالثا: تقديم مساعدات مالية، او اعادة المساعدات التي تم سحبها او اعادتها، الى الخزينة المصرية، سواء بمبادرة سريعة، او من خلال المشاركة في مؤتمر للدول المانحة، دعا اليه العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز في خطاب رسمي ارسله الى الرئيس السيسي بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية واعتبر فيه ان من لا يقدم الدعم لمصر “ليس منا ونحن لسنا منه”، في رسالة واضحة الى قطر في حينها، وكانت دولة قطر قدمت اكثر من عشرة مليارات دولار لمصر في زمن الرئيس محمد مرسي الذي اطيح به بإنقلاب عسكري، اعادت حكومة السيسي معظمها للخزينة القطرية حردا وتحديا.
ـ رابعا: خروج قطر جزئيا او كليا، من الحلف الثنائي مع تركيا ورئيسها رجب طيب اردوغان، خاصة الشق المتعلق منه بكل من الملفين المصري والليبي، مع احتمال بقاء الشق المتعلق منه بسورية والمتمحور حول اطاحة نظام الرئيس الاسد، فالدولتان دعمتا حركة “الاخوان” في مصر، ووقفتا مع التيار الاسلامي في ليبيا، وبالذات قوات “فجر ليبيا” في مواجهة كتائب الزنتان (القعقاع والصواعق) وجيش اللواء خليفة حفتر والبرلمان الليبي المنتخب ومقره مدينة طبرق شرق البلاد.

***

لا نعتقد ان هذا التحول في الموقف القطري جاء مفاجئا او وليد الساعة، بل جرى الاتفاق على كل تفاصيله في قمة الرياض الاستثنائية، التي انعقدت الشهر الماضي واصدرت اتفاق الرياض “التكميلي” الذي صدر عنها، بناء على دعوة من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، فقد كان واضحا ان الاتفاق على دعم مصر السيسي هو الشرط الاساسي لانعقاد قمة الدوحة، ومشاركة الجميع فيها في موعدها ومكانها، وعودة السفراء الثلاثة (السعودية، الامارات، والبحرين).
ما هي الخطوة التالية بعد مفاجآت قمة الدوحة؟
من الصعب استباق الاحداث، ولكن مثلما ادى الاتفاق على بنود قمة الرياض الاستثنائية الى قيام الشيخ محمد بن زايد ولي عهد ابو ظبي ونائب القائد العام للقوات المسلحة الاماراتية، والخصم الاشرس لقطر، بزيارة مفاجئة الى الدوحة على رأس وفد كبير للتأكيد على طي صفحة الخلافات معها، فإننا لا نستبعد ان يقوم الشيخ تميم امير دولة قطر بزيارة “اخوية” الى مصر على رأس وفد قطري كبير ايضا لتأكيد المصالحة وطي صفحة الماضي وكل ما فيها من “شوائب” وما اكثر الاخيرة.
الدوحة ظلت، وعلى مدى ربع القرن الماضي، مصدر “المفاجآت”، وقمة مجلس التعاون الخليجي وبيانها الختامي جاء على النهج نفسه، ولكن في “الاتجاه المعاكس″.
قطر تعرضت لعملية “ترويض” ممنهجة شاركت فيها مراكز قوى عربية وخليجية ودولية اعطت ثمارها في النهاية فيما يبدو.. ولكن هل سيأتي التغيير طويل الامد ام قصيره؟
الاجابة في رحم المستقبل المنظور.