البحرين

القصف الجوي الامريكي استهدف الاراضي السورية.. والنظام والمعارضة يتسابقان للترحيب به.. ماذا يحدث في المنطقة.. وكيف يتوحد عرب “الممانعة” و”الاعتدال” خلف هذا التدخل العسكري الذي سيقتل الآلاف وربما مئات الآلاف من السوريين ايضا؟ وماذا عن السيادة؟

عبد الباري عطوان

لم تحتج الطائرات الحربية الامريكية وصواريخ “التوماهوك” اذنا من السلطات السورية لضرب مواقع لتنظيم “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة” جناحي تنظيم “القاعدة” الى جانب “احرار الشام” داخل الاراضي السورية، لان امريكا باتت الحاكم الناهي المسيطر على المنطقة، ولذلك لا تعترف بسيادة اي دولة عربية على اراضيها او اجوائها، فالسيادة لها فقط، وما على الآخرين غير تقديم “البيعة” لساكن البيت الابيض الذي لم يبق له غير تنصيب نفسه”خليفة” للمسلمين، والعرب منهم خاصة، سنة او شيعة.

انها حرب امريكية بامتياز وبغطاء عربي اسلامي من دول محور “الممانعة”، ومن دول محور “الاعتدال”، من المسلمين السنة، ومن المسلمين الشيعة على حد سواء، فقد تساوى الجميع، وذابت الفوارق المذهبية والعقائدية والسياسية وبات الجميع، ودون اي استثناء يخدم الاجندات العسكرية والسياسية الامريكية، وهو استثناء تاريخي غير مسبوق في تاريخ المنطقة، فلم نسمع صوتا معارضا واحدا لهذا التدخل، ولو من قبيل التحذير من العواقب.

اربع دول خليجية، علاوة على الاردن، تباهت علانية بالمشاركة في هذه الضربات الامريكية، ليس من خلال فتح قواعدها الجوية، وخزائنها المالية، وانما ايضا بارسال طائرات للمشاركة الفعلية في الغارات على مواقع الجماعات الاسلامية المتشددة التي ساهمت بدور كبير، مباشر او غير مباشر، في تمويلها وتسليحها، ووصولها الى ما وصلت اليه من قوة وعنفوان، من اجل تصفيتها، حتى لو ادت هذه الغارات الى قتل مدنيين سوريين ابرياء، ومن بينهم اطفال ونساء بطبيعة الحال، فلا نعتقد ان مقاتلي الجماعات الجهادية المتشددة سيقفون وسط الصحراء السورية ويقولون للطائرات الامريكية تفضلي اقصفينا، كما ان هذه الجماعات لا تملك قواعد او مقرات لوزارات او بنوك مركزية او قصور لقادتها حتى تكون هدفا واضحا، وانما ستذوب قياداتها وافرادها وسط السكان بحيث تصبح ابرة وسط جبل من القش.

***

الشعب السوري لم يعد يعرف هذه الايام على يد من سيقتل، على يد النظام وبراميله المتفجرة، ام على يد فصائل المعارضة المسلحة وقصفها، ام بقذائف الطائرات الامريكية المغيرة، ام بحمم صواريخ “توماهوك”، ام قنابل الطائرات الخليجية، الامريكية الصنع، التي من المفترض ان تكون “قنابل صديقة”.

الجميع يتفق حاليا ويتكاتف ويتحالف على قتل المواطنين السوريين سواء كانوا في خندق النظام او في خندق المعارضة، ودون ان يكون لهذا الشعب اي ذنب، غير انه كان وسيظل عربيا مسلما مخلصا لعروبته واسلامه وقضايا امته.

سوريا تحولت الى حقل تجارب للقتل واختبار فاعلية الاسلحة الحديثة، فها هي الادارة الامريكية ووزارة دفاعها “البنتاغون” ترسل احدث ما في ترسانتها ومخازنها من اسلحة وطائرات مثل طائرة “اف 22″، الى الاجواء السورية للمرة الاولى منذ دخولها الخدمة، لتجرب حظها في القتل، وقياس مدى دقة وفعالية صواريخها، واداء طياريها.

ندرك جيدا ان مشاركة طائرات حربية خليجية في الحرب على الجماعات الاسلامية المتشددة هي مشاركة “رمزية”، او “كمبارس″ عمليا، فالمهمة الكبرى ملقاة على كاهل الطائرات الامريكية، ولكنها مشاركة خطرة جدا، وعلى درجة كبيرة من الاهمية ستظهر مخاطرها لاحقا، لانها توفر “الغطاء الشرعي” العربي والاسلامي لهذه الحرب الامريكية، وتوزع دم الجماعات الاسلامية المتشددة على القبائل العربية، التي اصبحت دولا ترفع اعلاما على مضاربها “العصرية”، وتعطي “صك براءة” لامريكا وكل جرائمها السابقة واللاحقة في حق اهل المنطقة.

نعرف اليوم الموعد او التاريخ الذي يؤرخ لبداية هذه الحرب، ولكننا لا نعرف، ولن نعرف في المستقبل المنظور، متى ستنتهي، وكيف ستنتهي، ومن الخاسر والرابح فيها، وان كنا نشك بأننا كعرب ومسلمين سنكون من الرابحين بالقياس الى جميع الحروب الامريكية السابقة في منطقتنا، امريكا لن تواجه الا الحد الادنى من الخطر، لانها تقاتل من الجو، بينما الخطر الاكبر سيلحق بالذين سيقاتلون على الارض، وهم بكل تأكيد من العرب والمسلمين، سواء كانوا يقاتلون في الخندق الامريكي او الآخر المقابل له.

الغارات الجوية الامريكية “العربية” المشتركة قد تغير معادلات كثيرة في المنطقة، ولن نستغرب ان نرى في الايام او الاسابيع المقبلة “توحد” اكبر ثلاثة فصائل اسلامية فرقهما العداء، والخلاف الايديولوجي، ونقصد بذلك “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة” و”احرار الشام” وهي اكثر الفصائل المعارضة قوة وشكيمة وتأثيرا، ولن نستبعد حدوث اعمال انتقامية ضد الحكومات العربية والاسلامية التي شاركت في هذه الحرب بطرق مباشرة او غير مباشرة من قبل هذه الجماعات وانصارها، ونحن نتحدث هنا عن الاردن والدولة الخليجية الاربع الاخرى (السعودية، قطر، الامارات، البحرين).

جميع التدخلات العسكرية الغربية التي قادتها امريكا في المنطقة خلقت دولا فاشلة، وفوضى امنية عسكرية، وملاذا للجماعات الجهادية المتطرفة، وانهيارا للدولة ومؤسساتها وعدم وجود اي بديل افضل، ولنا في ليبيا والعراق وسورية خير الامثلة.

نعم هناك انصار ومؤيدون لهذه الحرب، ولكن اكثر الناس تأييدا وحماسا هم الذين يقفون في خانة الانظمة الحليفة او حتى غير الحليفة لواشنطن التي ترى في “الدولة الاسلامية” خطرا عليها، وكأن هذه الدولة قوة عظمى تملك الطائرات الحربية واسلحة نووية وصواريخ باليستية، ولكن ماذا عن الغالبية الساحقة من الشباب المحبط الذي يعاني من البطالة والفقر والحرمان والفساد والتهميش؟ وماذا لو لم تنجح هذه الحرب في تحقيق اهدافها؟

***

نسأل هذا السؤال لان الرئيس الامريكي باراك اوباما الذي قال في خطابه قبل اسبوعين انه سيهزم “الدولة الاسلامية” مثلما هزم “القاعدة” كان يجافي الحقيقة، او يضلل مواطنيه، فاذا كان هزم القاعدة فعلا لماذا يضرب جماعة “خراسان” التي يقول ان مواطنا كويتيا يقف خلفها (عبد الرحمن الفضلي) وكانت تخطط لشن هجمات ضد الغرب، وتعتبره فرعا لتنظيم “القاعدة” ثم لماذا يعود الى العراق بطائراته وصواريخه بعد اربع سنوات لمحاربة تنظيم “الدولة الاسلامية” وجبهة النصرة واحرار الشام والقضاء عليها قضاء مبرما؟ وهو الذي اعلن ان الحرب على الارهاب اعطت اؤكلها والعراق “تحرر” وبات نموذجا في الديمقراطية والاستقرار.

“الدولة الاسلامية” تشكل خطرا كبيرا، وتعتنق ايديولوجية دموية يختلف معها غالبية المسلمين لدمويتها وارهابيتها، ولكن علينا ان نسأل هل القتل على ايدي سفاحي “الدولة الاسلامية” محرم بينما هو حلال زلال اذا جاء بصواريخ الطائرات الامريكية والعربية المشاركة معها في عمليات القتل الجوي هذه؟

وهذا النظام السوري الذي بارك هذه الحرب ورحب بها لاستئصال الارهاب، الا يدرك انه المستهدف الاول في هذه الحرب، سواء بعد القضاء على التنظيمات الارهابية او ربما قبلها؟

المنطقة مقبلة على كارثة جديدة ربما تكون اكثر خطرا وتدميرا من كل سابقاتها، وسيهرب الامريكيون مثلما هربوا بعد كل تدخلاتهم العسكرية وهزائمهم السابقة، ونحن العرب الذين سندفع الثمن من دمنا ومالنا ووحدتنا الجغرافية والديمغرافية والاسلامية.

قراءة في “دبلوماسية اللحظة الاخيرة” السعودية لانقاذ مجلس التعاون الخليجي من الانقسام.. واسباب زيارة الوفد السعودي الثلاثي المفاجئة للدوحة وما سر تعدد الزيارات والمهل؟ ولماذا سيكون اجتماع جدة السبت حاسما في كل الاتجاهات؟

انتهت الحرب العسكرية الاسرائيلية على قطاع غزة ومن المتوقع ان يؤدي اتفاق وقف اطلاق النار الذي رعته السلطات المصرية الى التفرغ لحرب دبلوماسية اخرى، ربما لا تقل شراسة، بين المحور المصري السعودي الاماراتي البحريني، وبين المحور التركي القطري الذي وقف ويقف في الخندق الآخر المقابل.

بعد غد السبت يعقد وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي اجتماعا في مدينة جدة غرب المملكة العربية السعودية لبحث التقرير الذي وضعته لجنة متابعة تنفيذ “اتفاق الرياض” الخاص بأزمة سحب السفراء من الدوحة (بدأت في آذار مارس من هذا العام) بشكل خاص والخلافات الخليجية مع السلطات القطرية بشكل عام.

تقرير اللجنة اشار الى عدم قيام الى دولة قطر بالالتزام بتنفيذ بنود الاتفاق وابرزها وقف التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج الاخرى، من بينها تجنيس معارضين خليجيين وتوفير الملاذ الآمن لهم، وعدم اتخاذ سياسات خارجية تلحق الضرر بمجلس التعاون الخليجي ودوله، في اشارة الى حركة الاخوان المسلمين وتبني موقفها الرامي الى اطاحة النظام المصري الحالي والعودة الى السلطة التي سلبت منها واطلاق سراح قيادتها المعتقلة.

وزير الخارجية القطري السيد خالد العطية رفض توقيع تقرير اللجنة المذكورة اسوة بزملائه الخمسة الآخرين اثناء اجتماع عقد في هذا الخصوص في جدة قبل عشرة ايام وغادر الى الدوحة غاضبا، وهو موقف منطقي، فكيف يوقع على تقرير يدين دولته، ويمهد لفرض عقوبات عليها من قبل شقيقاتها في المجلس؟

***

العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز شكل وفدا من ثلاثة امراء كبار برئاسة وزير الخارجية سعود الفيصل، ووزير الداخلية محمد بن نايف، ورئيس المخابرات خالد بن بندر، والثلاثة من احفاد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، وطلب منه التوجه الى الدوحة ولقاء المسؤولين فيها، في زيارة وصفتها صحيفة “الشرق الاوسط” المقربة من النظام السعودي بأنها “دبلوماسية اللحظة الاخيرة” لتسوية ازمة العلاقات مع قطر التي القت بظلالها على مسيرة مجلس التعاون الخليجي وشلتها جزئيا، او كليا، طوال الاشهر الستة الماضية.

تشكيل الوفد من ثلاثة امراء، الاول من الصقور الذين لا يكنون الكثير من الود للنظام الحالي في قطر وسياساته، اي الامير سعود الفيصل، والثاني من “الحمائم” الذي يعرف بعلاقته الوثيقة مع هذا النظام وصداقته القوية بالامير القطري الشاب تميم بن حمد آل ثاني، ويتردد باستمرار على الدوحة في زيارات خاصة معلنة وغير معلنه، والثالث الامير خالد بن بندر رئيس جهاز الاستخبارات الذي يوصف بجديته وموضوعيته، علاوة على “وسطيته”، هذا التشكيل للوفد جاء مقصودا، اي للايحاء للسلطات القطرية بأنه لا يوجد صراع اجنحة في السعودية، او آراء متباينة بشأن الخلاف معها، وان الكل مجمع على ضرورة تنفيذها اتفاق الرياض وبنوده كافة، او تحمل نتائج عدم التنفيذ التي ربما تشمل اغلاق حدود برية وعقوبات اقتصادية وتجميد العضوية في مجلس التعاون.

الوفد الثلاتي قضى ساعة ونصف الساعة في الدوحة فقط، التقى خلالها الامير القطري، مما يوحي ان المسألة تنحصر في تسليم رسالة محددة او “انذار”، والاستماع الى الرد الفوري عليها، حيث لم يكن هناك اي مجال للمجاملات الخليجية التقليدية ومآدب الغداء او العشاء الرسمية المتبعة في هذا الصدد، فقد كانت زيارة “جافة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

الزيارة تمت وانتهت وسط تكتم شديد، ولم ترشح اي معلومات حول نتائجها او ما دار فيها، خاصة من الجانب القطري المضيف، ولكن الصحف السعودية او المحسوبة عليها في لندن، اكدت عدم نجاحها في اقناع الجانب القطري بالتجاوب مع ما هو مطلوب منه تنفيذه في اتفاق الرياض، بينما التزمت الصحف القطرية في الدوحة او تلك التي تصدر في الخارج الصمت المطبق، ولم تتناول زيارة الوفد السعودي للدوحة الا بشكل روتيني تقليدي على طريقة وكالات الانباء الرسمية.

مسؤول كويتي قامت دولته بجهود وساطة مكثفة لاحتواء هذه الازمة الخليجية بعد ان عجزت عن ايجاد حلول جذرية لها، قال ان ما هو مطلوب من قطر، وبكل بساطة، اصدار تعليمات فورية لقناة “الجزيرة” بتغيير خطابها الاعلامي، فيما يتعلق بالاوضاع في مصر وتطوراتها، اي التوقف عن دعم الاخوان المسلمين وتوجيه اي انتقاد لحكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، ووضع آلية واضحة لوقف التجنيس للمعارضين الخليجيين، ومن البحرين والامارات خصوصا، في اطار سقف زمني محدد.

لا نعتقد ان السلطات القطرية ستلبي اي من الطلبين في غضون اليومين القادمين السابقين لاجتماع وزراء الخارجية في مدينة جدة، ولو كانت مستعدة لذلك لفعلتها قبل اشهر، لان تحالفها مع حركة الاخوان المسلمين استراتيجي وفي اطار تحالف اكبر مع قوى اقليمية مثل تركيا، واي تغيير لخط “الجزيرة” السياسي، اي التوقف عن دعم الاخوان ومصالحة الرئيس السيسي بالتالي يعني بدء العد التنازلي لاضمحلال هذه المحطة، وفقدانها لما تبقى لها من مصداقية ونفوذ وتأثير، بالتالي تراجع اهمية الدولة القطرية التي تعتمد عليها كورقة اساسية في يدها لدعم سياساتها الخارجية المتشعبة.

الخلاف بين قطر وشقيقاتها لا يعود، في اعتقادنا، بالدرجة الاولى الى مسائل داخلية مثل قضية التجنيس واحتضان المعارضين، وانما الى قناة “الجزيرة” ودورها وحملاتها ضد نظام السيسي، واحتضانها لحركة الاخوان المسلمين والانتصار لها وفكرها واهدافها، وهي ستستمر في هذه السياسة مهما تعاظمت الضغوط الخليجية عليها فيما يبدو، بدليل تعيينها الزميل ياسر ابو هلالة المعروف بميوله الاسلامية مديرا عاما لقناة “الجزيرة” في تحد يحمل في طياته استفزازا لمن يريدون تغيير خط المحطة.

***

السعودية تقف اليوم امام تحديات خطيرة جدا، ابرزها خطر القوة المتنامية لـ”الدولة الاسلامية” بقيادة ابو بكر البغدادي الحسيني “القرشي” التي تحاكي، بصورة او بأخرى، الحركة الوهابية في صيغتها البكر الاولى، وتهدد باجتياح المملكة فكريا وعقائديا وعسكريا في الوقت نفسه، مثلما تواجه ايضا، اي السعودية، انقلابا في اولويات الولايات المتحدة ودول اوروبا في تحشيد القوى لمواجهة هذا الخطر “الاسلامي السني المتشدد”، وليس اسقاط النظام السوري، ولو مرحليا على الاقل.

ما يقلق القيادة السعودية هو انجذاب نسبة كبيرة من الشباب السعودي الى هذا الفكر المتشدد للدولة الاسلامية، واعجابهم بـ “انتصاراتها” على الارض في العراق وسورية وتساقط المدن والقواعد العسكرية مثل الذباب امام زحفها، حيث قدر استطلاع غير رسمي اجري على وسائل التواصل الاجتماعي تأييد 92 بالمئة من الشباب السعودي لـ”الدولة الاسلامية”، ومهما كانت نسبة الخطأ في هذا الاستطلاع فانه يظل مرعبا للسلطات السعودية، وهذا ما يفسر هبة العلماء الرسميين والائمة وتجنيدهم لتجريم هذه “الدولة” وفكرها، وتحذير الشباب السعودي من الانضمام اليها، وكان لافتا في المقابل، وهذا خطر اشد ايضا، التزام “علماء الصحوة” الاسلاميين السعوديين الصمت تجاه هذه الظاهرة وعدم ادانتها ومحاربتها مثلما طلب منهم العاهل السعودي، في وسائل الاعلام الرسمية، او على مواقعهم في وسائل التواصل الاجتماعي حيث يحظون بملايين المتابعين في السعودية وحدها.

في ظل هذا التحدي تريد القيادة السعودية حشد مجلس التعاون الخليجي وتوحيد صفوفه لتحصين بيتها الداخلي، وتشكيل تحالف مصري خليجي اردني في مواجهته وهذا الطموح لا يتأتى، او يصبح اكثر صعوبة في التحقيق، جزئيا، او كليا، في ظل حالة الشلل الراهنة التي يعيش في ظلها المجلس بسبب تغريد قطر في سرب آخر وتوظيف دخل سنوي يصل الى 200 مليار دولار في دعم سياسات ومواقف وجماعات ترى السعودية انها خطر عليها، وهذا ما يمكن ان يفسر المهل العديدة التي اعطتها لدولة قطر، والوفود العديدة من الامراء التي بعثتها الى الدوحة لاقناعها في التجاوب مع طلباتها لانها لا تريد التصعيد وتدرك مخاطره في الوقت نفسه، ولكن الخيارات بدأت تضيق امامها بعد ان طفح كيلها مثلما يبدو لاي متابع لتحركاتها.

يمكن القول ان اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في جدة يوم السبت، ربما يكون مختلفا عن كل الاجتماعات السابقة بالنظر الى المعطيات والقضايا المتفجرة التي سببت فيها فاما ان تذعن السعودية وحلفاؤها لهذا “الجنوح” القطري وتقرر التعايش معه، او تلجأ لمواجهته، وليس هناك اي مؤشرات حتى كتابة هذه السطور تفيد بامكانية التوصل الى اتفاق يحول دون تطور الخلافات الى عقوبات او قطيعة الا اذا حدثت معجزة، ولكننا لسنا في زمن المعجزات، والخليجية منها بالذات، والايام المقبلة حافلة وحاسمة على اكثر من صعيد، وفي اكثر من اتجاه، وليس امامنا اي خيار آخر غير انتظار المفاجآت، ويبدو انها ستكون كبيرة ومن الوزن الثقيل والله اعلم!

السعودية وايران تتحالفان لتصفية “الدولة الاسلامية” تحت مظلة امريكية.. فما هو الثمن الذي سيقبضه الاسد مقابل تعاونه.. وهل تحالفه مع “داعش” وارد؟

التحرك الدبلوماسي المكوكي الذي يقوم به حاليا جون كيري وزير الخارجية الامريكي في المنطقة وكانت مدينة جدة محطته الاخيرة حيث التقى العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز يبدو انه حقق تفاهما يقوم على ثلاث نقاط اساسية يمكن استخلاصها من قراءة معمقة للتصريحات المتوفرة حولها:

*الاولى: الاطاحة بالسيد نوري المالكي من رئاسة الوزارة في العراق باتت شبه مؤكدة، تلبية لشرط سعودي خليجي اردني، ومباركة المرجع الشيعي الاعلى السيد علي السيستاني الذي طالب بالاتفاق على الرئاسات العراقية الثلاث (رئاسة الدولة والوزراء والبرلمان) قبل انعقاد البرلمان والبدء في المشاورات لتشكيل الحكومة الجديدة في الاول من الشهر المقبل، دون اي اشارة للسيد المالكي، وتخلي السيد مقتدى الصدر عنه، وحديث السيد الحكيم عن بدائل على الطاولة.

*الثانية: تحويل الجيش السوري الحر الى “قوات صحوات” جديدة لمحاربة تنظيم الدولة الاسلامية على الارض العراقية اولا والسورية لاحقا، ورصد 500 مليون دولار من قبل الادارة الامريكية لتدريبه وتسليحه اول مؤشر في هذا الخصوص.

*الثالثة: بدء الضربات العسكرية الامريكية بطائرات، بطيار او بدونه، لتصفية تنظيم الدولة الاسلامية (داعش)، ومحاولة انهاء سيطرتها على الانبار والموصل وتكريت والفلوجة والمعابر الحدودية بين العراق وسورية، وبين العراق والاردن، ومنع اقتراب قوات التنظيم من الحدود السعودية والاردنية التي تعتبر خط احمر امريكي.

***

اللاعبون الاساسيون في الازمتين السورية والعراقية يختلفون على كل شيء، ولكنهم يتفقون على امر واحد وهو محاربة “الدولة الاسلامية” التي تمثل خطرا “ارهابيا” في نظرهم يجب استئصاله من جذوره قبل ان يقوى اكثر ويصبح خطرا لا يمكن السيطرة عليه.

وعندما نشير الى اللاعبين الاساسيين فاننا نقصد امريكا، وايران، والمملكة العربية السعودية، والاردن، والامارات، وربما سورية ايضا، علاوة على اسرائيل التي عرضت خدماتها في هذا الخصوص على لسان وزير خارجيتها افيغدور ليبرمان، ولكن هذا العرض لم يحظ بأي ترحيب في العلن على الاقل، والله اعلم بالبواطن.

السيد المالكي كان يشكل العقبة الرئيسية التي تحول دون التوصل الى اتفاق يجمع هذه الاضداد، ويبدو ان زيارة الوزير جون كيري الى بغداد واربيل وقبلهما عمان، واخيرا مدينة جدة قد ازالت هذه العقبة من الطريق الذي بات مفتوحا الآن لبدء الضربات الجوية الامريكية المكثفة.

اما على الارض، فاننا قد نشهد تحالف صحوات قديم سيتم احياؤه، وآخر جديد في طور البناء والتدريب والتسليح، ونقصد بذلك الجيش السوري الحر، وقد حدث تطوران في هذا الاتجاه:

*الاول: التكليف الرسمي الذي صدر من الوزير كيري للسيد احمد الجربا رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض اثناء لقاء الاثنين في مطار جدة الدولي صباح الجمعة، حيث قال كيري للجربا “لدينا الكثير لنتحدث عنه فيما يتعلق بالمعارضة المعتدلة في سورية التي لديها القدرة ان تكون لاعبا مهما في صد وجود الدولة الاسلامية في العراق والشام”، واشارته الى ان السيد الجربا “يمثل عشيرة يمتد وجودها الى العراق وهو يعرف اناسا هناك وستكون وجهة نظره ووجهة نظر المعارضة السورية مهمة جدا للمضي قدما”.

الوزير كيري يتحدث هنا عن قبيلة “شمر” التي يقدر عدد ابنائها بسبعة ملايين شخص بعضهم يعتنق المذهب الشيعي والآخر السني، وينتشرون في المربع العراقي السوري السعودي الاردني، ويريد كيري ان تدعم هذه القبيلة المخطط الامريكي الاقليمي الجديد للقضاء على ما يسمونه تنظيم “داعش”، مقابل وعود بالدعم وتشكيل حكومة غير طائفية في العراق تنهي ممارسات الاقصاء والتهميش.

*الثاني: اصدار السيد الجربا قرارا يلغي بموجبه قرار آخر للسيد احمد طعمة رئيس الحكومة المؤقتة التابعة للائتلاف القاضي باقالة العميد عبد الاله البشير رئيس هيئة اركان الجيش السوري الحر، واعضاء مجلس القيادة العسكرية، واحالتهم جميعا للتحقيق بتهم عديدة بينها “الفساد”.

واعتبار قرار السيد طعمة لاغيا لانه ليس من صلاحياته اتخاذه، حسب القانون الاساسي للائتلاف.

السؤال المطروح الآن وبقوة هو حول احتمالات نجاح هذا “التحالف الاضداد” في تحقيق اهدافه وابرزها “اجتثاث” الدولة الاسلامية والقضاء عليها في سورية والعراق معا؟

هناك احتمالان رئيسيان في هذا الصدد:

*الاول: ان ينجح هذا التحالف في مهمته فعلا بسبب اهمية وقوة الدول المنخرطة فيه سياسيا وعسكريا وماليا ووضع الولايات المتحدة كل ثقلها العسكري والمالي خلفه، ولكن هل سيستمر هذا التحالف متماسكا بعد تحقيق هذا النجاح ولا ينقسم على نفسه، ام ان هناك تصورا لتسوية سياسية محتملة بين طرفيه الاساسيين اي السعودية وايران برعاية امريكية للملفين السوري والعراقي خاصة؟

*الثاني: ان يفشل هذا التحالف في مهمته بسبب قوة الدولة الاسلامية، والتفاف جماهيري سني حولها بسبب الكراهية للتدخل الامريكي، وضعف الارضية العقائدية والسياسية التي يقف عليها التحالف المضاد، وتقلص فرص احياء نظام الصجوات مجددا لتغير الظروف المحلية العراقية، وغضب العشائر العراقية من الخذلان الامريكي لهم.

من الصعب ترجيح كفة اي من الاحتمالين، وخاصة الاول الذي يتحدث عن فرص النجاح، لان الجيش الحر الذي سيكون رأس الحربة في قتال “الدولة الاسلامية” على الارض خسر اكثر من مرة في ميادين القتال امام قوات “الدولة الاسلامية”، والخلافات بين قيادته تمزق صفوفه، والخمسمائة مليون دولار التي رصدتها الولايات المتحدة لتدريبه وتسليحه ليست بالمبلغ الكبير والفاعل، لان دولا عربية خليجية مثل المملكة العربية السعودية وقطر دفعت اضعاف هذا المبلغ دون ان ترى تغييرات جذرية على الارض، واي تقدم حاسم في جبهات القتال السورية، والا لما صمد النظام ثلاث سنوات واستطاع استعادة مناطق عديدة في الاشهر الاخيرة، خاصة في القلمون وحمص وكسب وبعض قرى ريف دمشق والقصير.

الحروب لا تسير دائما وفق “المانيول” او المخطط المرسوم لها، فالمفاجآت واردة، فمن كان يتوقع الصدامات الدموية بين تنظيمين يمثلان القاعدة (النصرة والدولة) على الارض السورية، ومن كان يتصور سقوط الموصل التي يتواجد فيها اربع فرق (30 الف جندي تقريبا) خلال ساعات امام زحف تحالف الدولة الاسلامية والعشائر وقوات البعث؟

***

القضاء على “الدولة الاسلامية” قد لا يكون بالسهولة التي يتصورها الوزير كيري وحلفاؤه، لانها قوية اولا، وتتواجد في مدن كبرى بين ملايين السكان المدنيين ثانيا، مما يضع محظورات كبيرة امام القصف الجوي، ومن هنا لا نستبعد ان تكون هذه المهمة مكلفة بشريا ومعنويا وسياسيا وقد تستغرق وقتا طويلا يسمح بطفو التناقضات بين هذا التحالف على السطح.

اخيرا ماذا سيكون موقف الرئيس السوري بشار الاسد ونظامه في سورية، وهل سيكون جزءا من التحالف الجديد بشكل، مباشر او غير مباشر، ومقابل اي ثمن؟ بقاؤه في السلطة مثلا، ورفع الحصار عنه واعادة تاهيله وعودته الى المجتمع الدولي والجامعة العربية من البوابة الرئيسية؟

لن نفاجأ، ولا شيء مفاجيء هذه الايام، اذا ما تحالف النظام السوري مع “الدولة الاسلامية” ودعمها، ووضع خلافاته جانبا معها، ولو بشكل مؤقت، اذا احس ان الخطوة المقبلة، بعد القضاء عليها، اي الدولة الاسلامية، هو استدارة هذا التحالف للاطاحة به، على اساس نظرية اكلت يوم اؤكل الثور الابيض؟ او مثلما حدث مع الرئيس الراحل صدام حسين بعد انتهاء الحرب مع ايران.

المنطقة كلها تدخل مرحلة تحالفات ومخططات غريبة ولذلك علينا ان نتوقع الكثير من المفاجآت، من بينها تغيير في المعادلات السياسية والعسكرية في الاسابيع والاشهر، وربما السنوات القادمة، فابعاد النظام الروسي عن هذا الحراك الامريكي، وغموض النظام السوري، عنصران اساسيان قد يفسدان الطبخة او يحرقانها قبل ان تنضج!

الدشاديش الخليجية بدأت تعود للمشهد اللبناني مجددا.. والفضل لامريكا وخريطة طريق رفسنجاني.. وزيارة امير الكويت لايران ستمهد لمرحلة جديدة

 

عندما ترى السياح الخليجيين بدشاديشهم البيضاء الانيقة وغترهم يتدفقون الى بيروت ويحتلون معظم مقاعد مقاهيها ومطاعمها ومولات التسوق الراقية مع اسرهم.. وعندما تقرأ انباء عودة السفير السعودي الى العاصمة اللبنانية بعد غياب لعدة اشهر تجنبا للتفجيرات المضادة، وبعدها مباشرة تتشكل حكومة وفاق برئاسة تمام سلام اللبنانية بعد مماحكات عديدة.. وعندما تخفف كتائب “التويتر” والفيسبوك” من استخدام كلمات مثل “رافضي” و”صفوي” و”مجوسي” فاعلم ان العلاقات الايرانية الخليجية في طريقها الى التحسن التدريجي، وان الانفراج بات وشيكا.

زوار العاصمة اللبنانية بدأوا يرصدون هذه الايام الاسراب الاولى من الطيور الخليجية المهاجرة من قيظ الخليج تحط في شارع الحمراء وعالية، والاشرفية ومناطق اخرى، بعد انقطاع استمر ما يقرب من الثلاثة اعوام، بالتحديد منذ بدء الازمة السورية، واشتعال حرب الاستقطاب الطائفي التي رافقتها، ويلحظون، اي الزوار، علامات البهجة والفرح على وجوه اللبنانيين، لان هذا يعني الامان وانحسار موجة التفجيرات، والسيارات المفخخة، والانتعاش الاقتصادي ولو مؤقتا.

***

تحولان رئيسيان غيرا بعض ركائز معادلة العنف والتوتر في لبنان في الاسابيع القليلة الماضية، واشاعا موجه من التفاؤل حول امكانية نزع فتيل الازمة اللبنانية الى جانب ازمات اخرى في المنطقة:

*الاول: الدعوة التي وجهها الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي الى نظيره الايراني محمد جواد ظريف لزيارة المملكة مرفوقة برغبة سعودية في الانخراط في مفاوضات لتسوية الملفات الخلافية بين البلدين.

*الثاني: اعلان دولة الكويت عن قيام اميرها الشيخ صباح الاحمد الصباح بزيارة رسمية الى طهران على رأس وفد كبير يوم 31 ايار (مايو) الحالي تلبية لدعوة من الرئيس الايراني حسن روحاني.

السلطات الايرانية رحبت بدعوة وزير الخارجية السعودي التي كسرت حدة التوتر في العلاقات بين البلدين، وتستعد لفرش السجاد الاحمر لاستقبال اول رئيس دولة خليجية (امير الكويت) تهبط طائرته في مطار طهران بعد انقطاع استمر عدة سنوات. (سنتحدث لاحقا عن زيارة السلطان قابوس).

الفضل في هذا التحول الكبير يعود الى الولايات المتحدة الامريكية وادارتها الحالية التي وقعت اتفاقا نوويا مؤقتا مع الحكومة الايرانية حول برنامجها النووي في غفلة من الجميع (باستثناء عمان)، الامر الذي دفع الدول الخليجية، والسعودية بالذات، الى مراجعة حساباتها، وتجاوز مرحلة الصدمة باقصى سرعة ممكنة، والسير على الطريق الامريكي نفسه، في تطبيق حرفي للمثل الانكليزي الشهير الذي يقول: اذا لم تستطع هزيمتهم فمن الاسلم ان تنضم اليهم”، ونضيف من عندنا “ولو الى حين”.

زيارة امير الكويت تنطوي على درجة كبيرة من الاهمية ليس من حيث كونها مقدمة لسلسلة من الزيارات القادمة فقط، وانما لان الرجل معروف بقدراته وخبرته الدبلوماسية العالية في حل النزعات اولا، ولانعكاس التوتر الخليجي الايراني بشكل اخطر على بلاده التي تقول الاحصاءات الرسمية ان عدد ابناء الطائفة الشيعية فيها يزيد عن ثلاثين في المئة من مجموع الكويتيين “الاصليين”، وباتوا يشكلون كتلة سياسية ومذهبية لها ثقلها في مؤسسات الدولة السياسية، وقطاعها الاقتصادي وخريطتها الاعلامية.

ومن اللافت ان السيد هاشمي رفسنجاني الرئيس الايراني الاسبق، ورئيس هيئة تشخيص النظام في ايراني، والمعروف بعلاقاته الوثيقة مع العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، اصدر قبل بضعة ايام وثيقة اعتبرها “خريطة طريق” لخل الخلافات الايرانية الخليجية، اقترح فيها بدء المفاوضات حول القضايا الاسهل مثل البحرين ولبنان واليمن ثم الانتقال بعد ذلك الى القضايا الاصعب مثل العراق وسورية.

خريطة طريق السيد رفسنجاني التي تحدثت عنها الصحافة الايرانية باسهاب تقوم على قاعدة “تنظيم الخلافات” تمهيدا لحلها، او بالاحرى “ادارتها” اي تجميدها اولا، ثم تفكيكها الواحدة تلو الاخرى مع وعود ايرانية بالضغط على القيادات البحرينية الشيعية بالانخراط في مفاوضات مع الدولة وتخفيف حدة الاحتجاجات مقابل تشكيل حكومة بحرينية جديدة تستوعب بعض وجوه المعارضة، والنظر في ملف المظالم الاخرى، ثم بعد ذلك يتم الانتقال الى الملف اللبناني وتسهيل عملية انتخاب رئيس جديد خلفا للحالي ميشال سليمان الذي تنتهي ولايته رسميا بعد ايام معدودة، وفي موازاة ذلك تبدأ المفاوضات حول “الملف الحوثي” في اليمن واشراك الحوثيين ايضا في حكومة يمينية جديدة على غرار التسوية البحرينية.

***

صحيح ان السلطان قابوس بن سعيد زار طهران قبل عام، ولكن زيارته المفاجئة في حينها كانت منصبة على بحث الخلاف الايراني الامريكي، وللتوسط لحل هذا الخلاف بالوسائل السلمية، وحققت هذه الزيارة اختراقا كبيرا في هذا الاتجاه، حيث استضافت سلطنة عمان مفاوضات سرية بين الطرفين لمدة ستة اشهر تمخضت عن الاتفاق النووي، اما زيارة امير الكويت فتتعلق بالخلافات الخليجية الايرانية بالدرجة الاولى وكيفية ايجاد مخارج للازمتين السورية والعراقية الى جانب الازمات الاخرى، وهي تمهيد او تسهيل للمفاوضات السعودية الايرانية الاكثر اهمية في هذا المضمار.

الكثيرون توقعوا صيفا ايرانيا خليجيا ملتهبا، ولكن من الواضح ان هذه التوقعات كانت متسرعة وفي غير محلها لان ما كان في الظاهر شيء والباطن شيء آخر ومن كانوا يصبون الزيت على نار الخلاف بين الطرفين جرى ابعادهم، مثل الامير بندر بن سلطان الذي كان مسؤولا عن الملف الايراني والملفات الاخرى المتفرعة عنه مثل الملفين العراقي والسوري، وانتصار الجناح السعودي الاكثر براغماتية الذي كان يفضل التهدئة على التصعيد والحلول التفاوضية للازمات لان البديل عن هذه الحلول هو حرب ستدمر المنطقة، او قلاقل امنية تهز استقرارها في افضل الاحوال.

الصيف الخليجي سيظل قائظا سياسيا وطقسيا، ولكن بوادر الانفراج بدأت تطل برأسها وتوحي بأن عجلة المفاوضات التي من المقرر ان تبدأ في الدوران التدريجي في الايام المقبلة قد تظل ذروة سرعتها في الخريف ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال “الهدنة الاعلامية” التي نرى انعكاساتها في وسائل اعلام البلدين، والخليجي منه على وجه الخصوص.

هجمة شرسة تطل براسها ضد الاسلام والمسلمين في الغرب.. بلير يطالب بحرب صليبية.. وكاميرون يسير على خطى نتنياهو ويريد بريطانيا دولة مسيحية.. وحكومات عربية تعطي الضوء الاخضر بسبب عدائها للاخوان المسلمين

من يعيش في بريطانيا هذه الايام فانه يلمس دون عناء حجم الهجمة التي يتعرض لها الاسلام والمسلمين سواء من قبل الحكومة المحافظة التي تحكم البلاد او من قبل معظم الوسائل الاعلامية باشكالها المتعددة، والقاسم المشترك هو تضخيم خطر الاسلام، واعتباره الخطر الاكبر الذي يهدد البشرية.

اربع محطات رئيسية يمكن التوقف عندها، وتؤشر على ما ذكرناه آنفا، وتعكس حالة “الاسلاموفوبيا” في ابشع صورها، وحوادثها وقعت في اقل من ثلاثين يوما:

*الاولى: شن وزير التربية والتعليم في بريطانيا مايكل غوف حملة على المدارس الاسلامية واتهامها بتخريج متطرفين ومشاريع “ارهابيين”.

*الثانية: اعلان ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني اليميني المحافظ ان المسيحية هي ديانة بريطانيا، وهو اعلان عنصري تمييزي وتحريضي، فأكثر من خمسين في المئة من سكان بريطانيا اما غير مسيحيين او لا دينيين.

*الثالثة: فتح الحكومة البريطانية تحقيقا رسميا حول انشطة حركة الاخوان المسلمين وعقيدتها وانشطتها، وما اذا كانت حركة “ارهابية” ام لا، وطالبت المسلمين وغير المسلمين بتقديم معلومات يمكن ان تفيد لجنة التحقيق التي يرأسها سفير بريطاني سابق في المملكة العربية السعودية.

*الرابعة: خروج توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الاسبق والمستشار لاكثر من حكومة عربية والصديق الشخصي للمشير عبد الفتاح السيسي رئيس مصر القادم، الى العلن، واتهامه الاصولية الاسلامية بانها مصدر تهديد حقيقي لاستقرار الغرب والعالم، ومطالبته بانشاء جبهة موحدة مع روسيا بوتين لاعلان الحرب عليها وانهاء اخطارها، وبلير لا يميز هنا بين الاسلام السني او الشيعي، ويعتبر الاثنين يجسدان الخطر نفسه.

***

الامر المؤلم ان دولا عربية مثل المملكة العربية السعودية ومصر والامارات مارست ضغوطا على بريطانيا من اجل فتح تحقيق في المنطلقات الفكرية والعملية لحركة الاخوان في اطار حملاتها المشتركة ضد هذه الحركة، ولكن ما حدث ان الحكومة البريطانية اعتبرت هذه الضغوط ضوءا اخضر لشن حملة تحريض ضد المسلمين عموما سواء كانوا اخوانا او غير اخوان.

الجالية الاسلامية في بريطانيا، او نسبة كبيرة منها، باتت محاصرة بمثل هذا الاستهداف، رغم انها جالية معتدلة، وانباؤها متفوقون في المدارس والجامعات وقطاع الاعمال (البيزنس)، وهذا الاستهداف قد يشجع الجماعات اليمينية المتطرفة لتصعيد الهجمات ضدها، فالمئات من المساجد والمحلات التجارية والمؤسسات الاسلامية تعرضت وتتعرض لمثل هذه الهجمات نتيجة للتحريض الاعلامي المكثف.

الحكومة البريطانية، ومن خلال الاعلام، تطالب الاسر البريطانية المسلمة بمنع ابنائها من الذهاب الى جبهات القتال في سورية خوفا من عودتهم بافكار متطرفة من هناك، والقيام باعمال عنف وارهاب في بريطانيا، وتنسى انها ونظيرتها الفرنسية مارستا ضغوطا كبيرة على الاتحاد الاوروبي لرفع الحظر المفروض على ارسال اسلحة للمعارضة، وشجعت الشباب الاسلامي على الالتحاق بجبهات القتال، تماما مثلما فعلت اثناء الجهاد الافغاني ضد النظام الشيوعي.

توني بلير شن حرب عالمية ثالثة ضد المسلمين ووصل به الامر، وهو الذي قال ان الغرب سيدفع ثمنا باهظا لانه لم يتدخل عسكريا في سورية، عاد وطالب بعقد اتفاق سلام مع الاسد من اجل العمل معه لمحاربة الجماعات الاسلامية التي تقاتل لاسقاط نظامه.

ومن المفارقة ان بلير يخير الغرب حاليا بين خيارين: اما الاسلام السياسي المتطرف او الديكتاتوريات، وينصح بالتعاون مع الخيار الثاني ضد الخيار الاول انطلاقا من نزعاته الصليبية الحاقدة على الاسلام والمسلمين معتدلين كانوا ام متطرفين.

ولعل التناقض الاكبر والفاضح الذي وقع فيه بلير انه طالب بالتدخل العسكري في ليبيا والعراق وسورية وقصف ايران التي رأي في ملاليها اكثر خطرا وبمقدار عشر مرات بالمقارنة مع الخطر الذي يشكله صدام حسين، من اجل التخلص من انظمة ديكتاتورية، وهي انظمة علمانية كانت تشن حربا شرسة ضد الاسلاميين، وتنظيم “القاعدة” وحركة الاخوان المسلمين على وجه الخصوص.

***

انهم باختصار شديد يحاربوننا مرة باسم الديكتاتورية ومرة اخرى باسم خطر الاسلام السياسي، وثالثة بتشكيل خطر على اسرائيل ووجودها، ويستغلون الانقسامات الحادة الطائفية والقبلية والسياسية للتدخل عسكريا واستنزاف ثرواتنا وزعزعة استقرار ووحدة بلداننا وشعوبنا.

كنا نريد حث حكومات عربية على التصدي لهذا المخطط، ولكننا تراجعنا، لان معظم هذه الحكومات متورطة لقصر نظرها، ووضعها مصلحة بقاء انظمتها فوق مصالح الامة ونهوضها ومستقبلها.

الاسلام السياسي ازداد قوة بسبب القمع والاضطهاد وفساد الانظمة وعدم حل المشاكل الاقتصادية والمجتمعية، وبفضل دعم بعض الحكومات العربية ضد بعضها البعض مثلما يحدث في سورية والعراق ولخدمة اغراضها واسقاط اعدائها، وليس من اجل مصلحة شعوب هذه الدول ورخائها واستقرارها ووحدتها الترابية والديمغرافية وان كان هذا هو الذريعة والهدف المعلن للاسف.

بئست هكذا قمة اهم قضاياها “مقعد خال” لسورية.. عنوانها الابرز الخلافات والانقسامات والمناكفات حيث تساوى عرب الثروة والفقر بآفاتها وحمل “فيروساتها” للأسف!

من تأمل وجوه الحفنة القليلة من الزعماء العرب الذين شاركوا في قمة الكويت العربية يستطيع رسم صورة واضحة عن الحالة المزرية للواقع العربي المنهار على الاصعدة كافة، فلم يسبق في تاريخ القمم العربية منذ بدئها قبل نصف قرن تقريبا ان وصل العمل العربي المشترك الى مثل هذه الدرجة من الضعف.

انقسامات حول كل شيء، والاتفاق الوحيد بين المشاركين ودولهم هو المزيد منها، والظاهرة الملفتة هو غياب الزعماء الوطنيين من الوزن الثقيل الذين يضعون مصالح الامة فوق كل اعتبار، ويملكون بوصلة واضحة تحدد من هو العدو ومن هو الصديق، ومن هي القضايا المركزية ومن هي القضايا الهامشية، وكيفية التعاطي مع الاولى، وكيفية ايجاد حلول سريعة للثانية حتى لا تؤثر سلبا على الاولى في حال استمرارها.

***

مؤسف جدا ان يكون الموضوع الاهم في قمة الكويت هو “مقعد” سورية وان يكون هذا “المقعد” والعلم الذي يرفع فوقه هو المحور الاساسي فيها، فهناك من يريد اعطائه هدية لائتلاف معارض مهلهل ومنقسم، وهناك من يعارض ذلك ويهدد بالانسحاب، بينما سفك الدم السوري يتواصل، واعداد القتلى والمشردين يتفاقم، والتفتيت الجغرافي والديمغرافي يتعمق.

في القمم السابقة جميعا كان عرب الخليج يتفاخرون على اقرانهم الآخرين بوحدتهم، وتضامنهم وصمود مجلس تعاونهم في مواجهة كل آفات الانقسام وعوامل التعرية التي وأدت التجمعات المماثلة شمالا ووسطا وغربا، وها هي قمة الكويت، لاحظوا الكويت، تظهر على الملأ ما حاول الاشقاء الخليجيون اخفاءه، فقد كانت الخلافات الخليجية هي الاعمق، بل وتقف خلف معظم المصائب العربية الحالية، وخاصة في سورية والعراق وفلسطين ومصر.

المحاولات اليائسة التي بذلها امير الكويت الشيخ صباح الاحمد لجمع كل من الامير سلمان بن عبد العزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية مع الامير القطري تميم بن حمد وانتزاع ابتسامة منهما امام الكاميرات لم تخف الازمة المرشحة للتصعيد بين البلدين بعد انتهاء القمة وزيارة الرئيس الامريكي باراك اوباما للرياض، والشيء نفسه يقال عن لقاء آخر بين الامير القطري والرئيس المصري المؤقت عدلي منصور، زمن الابتسامات البلاستيكية المصطنعة انتهى الى غير رجعة، ومعه زمن كنس القمامة الخلافية تحت سجاد الزعماء الفاخر.

***

القمم العربية مرت بثلاث مراحل: الاولى مرحلة الزعماء الوطنيين المتميزين، مثل جمال عبد الناصر وهواري بوميدين وفيصل بن عبد العزيز واحمد الشقيري وياسر عرفات وزايد بن سلطان، والثانية مرحلة الزعماء المهرجين التي انتهت ببدء ثورات ما يسمى بالربيع العربي، والثالثة مرحلة هيمنة المال وزعمائه على القرار العربي والجامعة العربية، وهي مرحلة ندفع كأمة ثمنها غاليا من دمائنا ووحدة اوطاننا، وضياع قضايانا المركزية.

من المؤسف ان هذا الوضع العربي المتعفن سيظل معنا لسنوات وربما لعقود قادمة، وحتى هذه القمم العربية الفاشلة التي نلعنها ليل نهار قد نترحم عليها والجامعة العربية التي ترعى مؤسستها.

متشائم.. نعم لا انكر ذلك، واعتقد ان معظم الشعوب العربية مثلي، فلا يوجد ما يبعث على التفاؤل للأسف، وليس هناك ما يمكن رصده وتحليله في هذه القمة غير الفشل والمناكفات بين زعماء صغار على حساب هذه الامة ومستقبلها، وهدر اموالها في القتل والدمار والمكائد، وكل قمة عربية وانتم بالف خير.

المثلت السعودي الاماراتي البحريني نفذ تهديداته وسحب السفراء من الدوحة.. فما هي الاجراءات الاخرى المتوقعة.. وما هي احتمالات تطويق الازمة او تفاقمها سياسيا وعسكريا.. وكيف ستكون صورة مجلس التعاون قبل قمته المقبلة؟

بعد اجتماع عاصف لوزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في الرياض شهد ملاسنات وخلافات ووجوه متجهمة، خرج القرار الثلاثي السعودي الاماراتي البحريني المشترك بسحب السفراء من دولة قطر بسبب تدخلها في الشؤون الداخلية لدول المجلس وعدم التزامها بما تعهد به اميرها في اجتماع القمة الثلاثي في العاصمة السعودية في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

مشكلة قطر مع شقيقاتها الخليجيات الاخريات وحسب البيان الرسمي الذي تضمن سحب السفراء، وهي خطوة غير مسبوقة منذ انشاء المجلس قبل اكثر من ثلاثين عاما، تتمثل في امرين الاول هو دعم الاخوان المسلمين، والثاني قناة “الجزيرة” التي باتت لسان حالهم، والعدو الاول للسلطات المصرية التي تولت الحكم بعد انقلاب عسكري اطاح بحكم الرئيس الاخواني محمد مرسي.

دولة قطر، وفي بيان رسمي صدر عن مجلس الوزراء، قالت ان قرار سحب السفراء “لا علاقة له بمصالح الشعوب الخليجية وامنها واستقرارها بل باختلال في المواقف حول قضايا واقعة خارج دول مجلس التعاون الخليجي”، في اشارة واضحة لمصر حيث تدعم الدول الثلاث ومعها الكويت المشير عبد الفتاح السيسي وحكومته بينما تعارضها قطر بحدة وتضع كل ثقلها المالي والاعلامي خلف حركة الاخوان المسلمين التي تعتبر الرئيس مرسي المعزول والمعتقل هو الرئيس الشرعي للبلاد.

تحديد مصالح الشعوب الخليجية وامنها واستقرارها موضع خلاف شديد بين قطر والمثلث الجديد المعارض لها، فبينما ترى الاولى، اي قطر، ان هذه المصالح هي في الوقوف ضد السلطات المصرية الحالية التي انتزعت الحكم من رئيس منتخب، يرى المثلث السعودي الاماراتي البحريني العكس تماما، ولهذا جرى ضخ اكثر من عشرين مليار دولار لمساعدة مصر ما بعد حكم الاخوان المسلمين، وكان العاهل السعودي اول المهنئين للفريق اول عبد الفتاح السيسي وبعد دقائق من عزل الرئيس مرسي.

***

الامر المؤكد ان ازمة سحب السفراء ربما تؤشر لبدء مرحلة جديدة مختلفة لمجلس التعاون الخليجي حيث بدا الانقسام واضحا، ولم يعد بالامكان العمل على اخفائه واصبح بين ثلاثة معسكرات، الاول يضم الدول الثلاث السعودية والامارات والبحرين، وهو الاكبر والاقوى ماليا وبشريا وعسكريا، والثاني يضم قطر وحدها في المقابل، اما الثالث فيضم دولتين “محايدتين”، الاولى سلطنة عمان التي قررت تخفيف حماسها لعضوية مجلس التعاون، والابتعاد التدريجي عنه بالتالي، ولهذا عارضت العملة الخليجية الموحدة، مثلما رفضت بقوة صيغة الاتحاد المطروحة من قبل السعودية، واحتفظت بعلاقات قوية مع ايران، اما الثانية اي دولة الكويت ففضلت ان لا تنحاز لاي طرف في الخلاف الحالي، وان كانت اقرب الى المثلث الآنف الذكر، ليس لانها موافقة على سياسات دولة قطر محور الازمة، وانما لانها تفضل ان تستمر في دور الوسيط لترتيب البيت الخليجي، وتقليص الخلافات خاصة ان القمة العربية ستعقد على ارضها في الرابع والعشرين من الشهر الحالي، وتريد موقفا خليجيا موحدا فيها.

هذه الازمة التي تعتبر الاخطر في تاريخ مجلس التعاون، قد تؤسس لقيام الاتحاد الخليجي الفدرالي او الكونفدرالي على انقاض مجلس التعاون الحالي، وبداية الطلاق البائن بين الثلاثي السعودي الاماراتي البحريني وقطر، وربما سلطنة عمان ايضا، فالامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي اطلق تصريحا لافتا للنظر يوم امس عندما قال ان الاتحاد الخليجي “سيقوم” قبل انعقاد القمة الخليجية المقبلة في كانون الاول (ديسمبر) من هذا العام.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن بقوة في الاوساط الخليجية والعربية هو عما اذا كانت الازمة الحالية ستتوقف عند خطوة سحب السفراء ام انها ستتطور الى اتخاذ اجراءات اخرى ضد دولة قطر من قبل خصومها.

هناك طرحان في هذا الخصوص، حسب ما قاله لنا مصدر خليجي موثوق على علم ببواطن الامور:

*الاول ان تبادر دولة قطر بايفاد مبعوثين الى الدول الخليجية الثلاث التي سحبت سفراءها، في محاولة لترطيب الاجواء، والتعهد بتنفيذ ما وعدت به في القمة الثلاثية في الرياض في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي. او ان تقوم دولة الكويت بجهود دبلوماسية، مثلما فعلت دائما، لتطويق الازمة، ولكن هذا الاحتمال الثاني ضعيف لان اميرها صباح الاحمد الذي يوصف بحمامة السلام الخليجية، يتعافى حاليا من عملية جراحية اجريت له في احد المستشفيات الامريكية.

*الثاني: ان تتخذ الدول الثلاث اجراءات اخرى اكثر خطورة، اذا لم تلتقط الدوحة الانذار المتمثل في سحب السفراء، وتلبي شروطها وتنفذ مطالبها جزئيا او كليا.

الاحتمال الثاني قد يكون الاكثر ترجيحا في رأينا، لان دولة قطر تعتقد ان هذه الشروط “تعجيزية” لا تستطيع تلبيتها لان دعم حركة الاخوان سياسة استراتيجية تمتد جذورها لاكثر من عشرين عاما على الاقل ولا يمكن تغييرها بسهولة، ولان حاكمها الفعلي او “مرشدها الاعلى” الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، او “الامير الوالد” حسب اللقب الرسمي، رجل يتسم بالعناد ومن الصعب ان يقدم تنازلات، ويرضخ لهذه المطالب، وعلينا ان نتذكر موقفه المتحدي للمملكة العربية السعودية لدرجة خوض حرب معها بسبب تغييرها للحدود، او ما يسمى في حينها معركة “الخفوس″ في نهاية ايلول (سبتمبر) عام 1992.

مصادر اعلامية سعودية موثوقة على صلة بالنظامين السعودي والاماراتي تحدثت عن عدة احتمالات واجراءات من بينها اغلاق الحدود البرية مع دولة قطر، وكذلك الاجواء الجوية، وممارسة ضغوط وحصارات اقتصادية في حال اصرت الاخيرة، اي قطر، على مواقفها، بل انها تحدثت ايضا، اي تلك المصادر، عن اجراءات عسكرية.

ومن اللافت ان دولة الامارات العربية المتحدة تستضيف حاليا اعدادا كبيرة من القوات المصرية تشترك مع قواتها المسلحة في مناورات عسكرية تمتد لاسبوعين، وقالت وكالة انباء الامارات الرسمية “يأتي هذا التمرين بهدف تعزيز اواصر التعاون والعمل المشترك وتبادل الخبرات في المجالات العسكرية مما يسهم في رفع القدرات العسكرية القتالية والتأهب لمواجهة التحديات التي تمر بها المنطقة، ولزيادة التنسيق بين القوات المسلحة الاماراتية والمصرية”، بينما قال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة المصرية على حسابه الخاص على تويتر” ان هذه المناورة تشمل التدريب على اعمال الدفاع والهجوم على النقاط والاهداف الحيوية، وتنفيذ مناورات تكتيكية بحرية وجوية لادارة اعمال قتال مشترك بين العناصر المشاركة باستخدام الذخيرة الحية بمشاركة المقاتلات والطائرات متعددة المهام، وعدد من المدمرات والقطع البحرية وعناصر القوات الخاصة من الصاعقة والمظلات المشاركة في التدريب”.

***

ربما يتبادر الى ذهن البعض ان هذه المناورات تقليدية عادية، وقد يكون الهدف هو ايران، ولكن التوقيت ربما يوحي بما هو عكس ذلك، خاصة اذا ذكرنا بان القيادة المصرية اتهمت قطر اكثر من مرة بتهديد امنها القومي، وكانت اول من سحب سفيرها من الدوحة، وردت ملياري دولار اليها بطريقة “نزقة” في رسالة واضحة بانها لا تريد اموالها ومساعداتها.

وربما يفيد التذكير ايضا بانه ليس من قبيل الصدفة ان الدول الثلاث السعودية والامارات البحرين التي سحبت السفراء كانت شريكة في مؤامرة عسكرية عام 1995 لاطاحة والد امير قطر الحالي اي الشيخ حمد بن خليفة، واعادة والده الشيخ خليفة المعزول في حينها الى الحكم عبر تدخل عسكري، وليس صدفة ان الشيخ خليفة نقل مقره الرسمي الى فندق الانتركونتيننتال في ابو ظبي، وليس صدفة للمرة الثانية ايضا ان ضباطا مصرين كانوا مشاركين بشكل مباشر في تنفيذ خطط التدخل هذه.

نحن لا نتمنى حربا بين الاشقاء، ولكننا نسرد وقائع مثبتة وموثقة، والتاريخ يعيد نفسه في معظم الحالات، واحيانا اسرع مما نتوقع، والعداء الفرنسي البريطاني مستمر حتى اليوم، والتقارب الالماني التركي حلفاء الحرب العالمية الاولى يتعزز اكثر، وتظل المانيا الحليف الاقوى لتركيا في الاتحاد الاوروبي، والدعم الفرنسي للموارنة في لبنان لم يهتز، وكذلك دعم البريطانيين للدروز والامثلة عديدة.

مجلس التعاون الخليجي، وباختصار شديد، مقدم على مرحلة صعبة، وايام عصيبة، ولا نعتقد انه سيظل على الحال نفسها في العامين او الثلاثة القادمة ونأمل ان نكون مخطئين.

الى الاشقاء في الخليج: اسمحوا لنا ان نتدخل في شؤونكم.. ولكن بالنقد البناء وليس بالمتفجرات والمدافع

تأتي القمم السنوية الخليجية روتينية باهتة، جديدها قليل جدا، مجرد لقاء للقادة، وحفل عشاء يقيمه زعيم الدولة المضيفة، ثم مؤتمر صحافي يعقد ظهر اليوم التالي يتضمن قراءة لبيان ختامي طويل يشكل نسخة طبق الاصل لبيانات سابقة مع تعديلات طفيفة خالية من اي خبر يشفي غليل الصحافيين المكلفين بتغطية اعمال هذه القمم.

قمة الكويت الحالية التي بدات مساء اليوم جاءت مختلفة عن نظيراتها، ليس بسبب القضايا المدرجة على جدول اعمالها، او تواضع التمثيل فيها وانما بسبب ما سبقها من احداث مزلزلة، جاءت ارتدادا طبيعيا، واوليا، للاتفاق التاريخي المفاجيء بين الولايات المتحدة الامريكية وايران حول برنامج الاخيرة النووي.

*الحدث الاول: قرار سلطنة عمان معارضة مشروع الاتحاد الخليجي الذي طرحه العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز قبل عامين، وتضغط بلاده، اي السعودية، من اجل فرضه على الدول الخمس الاخرى، الامر الذي اثار تحفظ معظمها.

*الحدث الثاني: الخلاف السعودي القطري المتفاقم على ارضيتي الازمتين السورية والمصرية، وهو خلاف كاد ان يعصف بمجلس التعاون الخليجي، لولا وساطة الكويت التي نجحت في احتوائه مؤقتا.

من يتابع وسائل التواصل الاجتماعي من “انترنت” و”فيسبوك” و”تويتر” يخرج بانطباع راسخ بان اكثر من ثلاثين عاما من القمم الخليجية، والافتتاحيات، والاغاني الوطنية، والبرامج التلفزيونية لم تنجح الا جزئيا في التقريب بين شعوب المجلس او قادتها، ولم تبلور هوية خليجية موحدة، او استراتيجية سياسية وعسكرية شاملة، وحتى المباهاة بالسماح بالتنقل للمواطنين بالهوية باعتباره انجازا مردود عليه، فمعظم حملة الجوازات الاجنبية وبعض العربية يدخلون معظم دول الخليج بدون تأشيرة وهذا انجاز حضاري اكبر.

فما اظهرته تصريحات السيد بن علوي الرافضة للاتحاد المقترح من عداء سعودي للسلطنة، واذكاء الصراع المذهبي معها، والشيء نفسه في المقابل، من قبل بعض العمانيين، وان بدرجة اقل، يؤكد ان كل ما كان يقال عن الهوية الخليجية الجامعة، والقواسم المشتركة كان نوعا من المبالغة الاعلامية التي ليس لها جذور قوية تدعمها على ارض الواقع.

كنا نعتقد مخطئين ان مشكلة دول الخليج الكبرى هي مع دول الجوار المتهمة باطماعها الجغرافية والسياسية، ولكننا اكتشفنا في الايام القليلة الماضية ان خلافاتها البينية لا تقل خطورة، وان محاولات الهيمنة الداخلية اكبر من نظيراتها الخارجية، مما دفع الدول الاصغر الى التمرد والعصيان.

القرار الامريكي بالتعايش مع ايران كقوة اقليمية نووية عظمى، والتخلي عن خطط اسقاط النظام السوري كأحد اهم الاولويات الغربية لمصلحة التركيز على الخطر الجهادي الاصولي المتصاعد في المنطقة وعلى اسرائيل خاصة، يجب ان يشكل هزة قوية للكثير من المسلمات الخليجية السابقة، وبما يحتم اجراء مراجعة شاملة سياسية واجتماعية وثقافية وعسكرية، فما كان يصلح قبل مئة عام لا يصلح اليوم، وعقلية الدولة يجب ان تتقدم على عقلية العشيرة او القبيلة.

***

نعترف بان اخطار ثورات الربيع العربي على دول الخليج ربما تكون قد تراجعت بسبب فشل الحكومات الجديدة في تقديم النموذج البديل، وتعاظم التدخلات الخارجية وامتداداتها الداخلية، التي خطفت هذه الثورات وحرفتها عن مساراتها التي انطلقت من اجل اتباعها للوصول الى الحرية والعدالة والتغيير الديمقراطي، ولكن الاخطار الداخلية بدأت تتبلور بصمت، وابرز اسلحتها وسائط التواصل الاجتماعي التي تجسد حالة من التعطش للحريات والاصلاح الديمقراطي لا يمكن تجاهل ما يمكن ان يترتب عليها من تطورات مستقبلية.

المواطن الخليجي لم يعد مقتنعا بالرشوة المالية التي يمّن عليه الحاكم بها، فمفعولها يتبخر سريعا فالمواطن يدرك ان الحاكم يعطيه من ثروات البلاد وليس من ماله ويظل يطلب بالمزيد من المشاركة والشفافية، مضافا الى ذلك ان الفوارق الطبقية ما زالت ضخمة جدا في بعض البلدان، والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص حيث الثراء الفاحش والفقر المدقع، ويوازي كل هذا تخمة مالية لدى بعض الدول في المجلس (قطر السعودية والامارات والكويت) وعجوزات كبيرة في الميزانية في دول اخرى (البحرين وسلطنة عمان) تعاني من نسب البطالة المرتفعة، ونقص الاستثمارات، وتراجع الخدمات الاساسية، وفي ظل هذه التناقضات من الصعب وجود استقرار على المستويين القاعدة والقمة.

الدول الخليجية لا يمكن ان تعيش بمعزل عن جوارها الفقير المعدم، وتستمر كواحة ثراء فاحش وسط محيط من الفقر والمعاناة، مثل الاردن في الشمال واليمن في الجنوب، وايران وباكستان في الشرق ومصر والسودان واريتريا واثيوبيا في الغرب، الدعم المالي الذي يتم وفق ضوابط محكمة، واتفاقات قانونية تحفظ للمستثمر امواله، هي وثيقة امان قبل ان تكون فضلة احسان.

لا بد من “ثورات” داخلية سياسية وثقافية تزرع قيم العدالة والمساواة والتعايش والتكافل واحترام الآخر خليجيا كان ام عربيا ام اجنبيا، وثقافته ومذاهبه وعقيدته بعيدا عن الغطرسة والتعالي والفوقية البغيضة، واول خطوة في هذا الصدد الغاء نظام الكفيل البغيض، ومنح فئة البدون حقوق المواطنة.

لا مانع من تحويل مجلس التعاون الخليجي الى اتحاد بل ان هذه الخطوة ضرورة في ظل المتغيرات الاقليمية والدولية، وعنوان قوة، ولكن قبل ذلك لا بد من زرع قيم التسامح والتعايش والمساواة بين ابناء دول المجلس اولا، والمحيط العربي والاسلامي ثانيا، فكيف يتم هذا الاتحاد الاندماجي، وكل شيعي رافضي مجوسي، وكل عماني خارجي اباضي، وكل سعودي وهابي ارهابي؟

مؤسف ان كل من ينتقد بعض الدول الخليجية والسعودية خاصة هو حاسد حاقد وعدو.. وكل من يمتدح هذه الدول او بعض انجازاتها الطيبة (هناك انجازات عظيمة علمية واقتصادية لا يمكن نكرانها) هو قابض مأجور ولا خيار وسطا بينهما.

شخصيا صدمت عندما قرأت وتابعت بعض حملات التجريح والسباب التي تعرض لها المطرب اللبناني راغب علامة على “الانترنت” و”التويتر” و”الفيسبوك” لانه ارتكب ام الكبائر في نظر البعض لانه ابدى اعجابه بالشيخ محمد بن راشد المكتوم حاكم دبي، فهناك من قال انه يسعى للمال، وآخر من اتهمه بانه يريد استبدال سيارة جديدة بسيارته القديمة، وثالث يتطلع الى جنسية اماراتية، ونسي الجميع ان الرجل مطرب ثري جمع ثروة من صوته ويتقاضى الملايين جراء مشاركته في برامج تلفزيونية، وحفلات غنائية، ولكن اي انسان غير خليجي في نظر هؤلاء هو متسول وبلا قيم او كرامة، والثراء محصور بهم فقط.

انا هنا لا اغرق في خطيئة التعميم، واضرب مثلا يعكس ظاهرة مرضية يجب مقاومتها بكل الطرق والوسائل لانها تجعل من دول الخليج وشعوبها في وضع غير مريح في اوساط الاشقاء العرب، فلم اقابل راغب علامة في حياتي، وهو ليس من ابناء بلدي او قبيلتي لكن كلمة الحق يجب ان تقال.

الحكومات الخليجية لا تريد منا، او غيرنا، ان نتدخل في شؤونها، وهذا حقها، ولكنها تتدخل بالمال والسلاح في شؤون الكثير من الدول العربية، تتدخل في سوريا والعراق وتونس ومصر والسودان والجزائر، ويلعب اعلامها المهيمن دورا كبيرا في هذا المضمار، المقاتلون الخليجيون يقاتلون في سورية واليمن والعراق، والطائرات والقوات السعودية والقطرية والاماراتية حاربت في ليبيا وساعدت في اسقاط نظامها، جنبا الى جنب مع طائرات وسفن حلف الناتو والاموال الخليجية تقاتل في مصر حاليا الى جانب الاخوان تارة (قطر) وفي خندق النظام تارة اخرى (الامارات والسعودية والكويت).

***

نحن اذا تدخلنا فان تدخلنا في اطار النقد “غير المسلح” لتسليط الاضواء على السلبيات من اجل اصلاحها، من خلال مقالة او مقابلة تلفزيونية فتنفتح علينا وغيرنا من يشاطرنا الجرأة نفسها ابواب جهنم، بينما هم يتدخلون بالمدافع والصواريخ والاموال وكتائب قناتي “الجزيرة” و”العربية” وحواسيب خبرائها العسكريين ومفكريها السياسيين، ولا يجرؤ معظم الاعلام العربي الآخر الضعيف المتخلف على انتقادهم الا ما ندر، خوفا او استسلاما لعقدة “الكفيل”.

نريد من الاشقاء في دول الخليج ان يعودوا الى العرب لاستنهاض همهم، وبناء قوتهم الذاتية، الاقتصادية والعسكرية، والانحياز الى قضاياهم المصيرية، وفلسطين على رأسها، وتسخير كل امكانياتهم المالية الهائلة لبناء مشروع عربي نهضوي متكامل، يبدأ بشعوبها الخليجية، وينطلق الى الشعوب الاخرى، فهذا هو الخيار الانجع الذي يعيد للعرب مكانتهم وسط مشاريع ايرانية وتركية واسرائيلية وهندية.

نعرف مسبقا ردود الفعل على هذا المقال، مثلما نعرف مسبقا ايضا نتائج قمة الكويت الخليجية، لكن ما يصعب علينا التكهن به، اذا ما استمرت الاوضاع على حالها، هو ما سيحدث في المستقبل لهذا الكيان الخليجي الذي تمنينا دوما ان يكون مختلفا عن نظرائه، وان لا يواجه مصيرها الحزين، ونرى بوادر الشيخوخة والشقوق تظهر بقوة وسرعة على بنيانه.

صرخة غضب عُمانية في البحرين تتحدى مشروع “الاتحاد السعودي” وتهدد بالانسحاب من مجلس التعاون

دول الخليج العربي تتغير، وكذلك شعوبها، وسلوكيات حكامها وحكوماتها معا، ولكن بشكل متسارع وغير مسبوق، فلم تعد تصريحات مسؤوليها تتسم بالغموض، واللف والدوران، وتجنب اتخاذ موقف سياسي واضح، في قضايا خليجية على وجه الخصوص، مثلما كان عليه الحال طوال الثلاثين عاما الماضية من عمر مجلس التعاون الخليجي الذي بدأت تظهر عليه اعراض الشيخوخة لانسداد قنوات التجديد والتحديث اذا كانت موجودة اصلا.

بالامس جاءت “الصاعقة” من سلطنة عمان اكثر دول المجلس هدوءا ومحافظة، عندما فجر وزير خارجيتها السيد يوسف بن علوي قنبلة من العيار الثقيل، واين؟ في قلب مدينة المنامة، واثناء مشاركته في ندوة حوارية سنوية تعقد باسمها.

السيد بن علوي فاجأ الجميع عندما وقف وسط الحضور، واخذ الميكروفون ليرد على الدكتور نزار مدني وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية، رافضا بكل وضوح، ودون اي تلعثم، مشروع الاتحاد الخليجي الذي دعا اليه في كلمته التي القاها من فوق منبر “حوار المنامة”، وقال بالحرف الواحد “لن نمنع قيام هذا الاتحاد، ولكن اذا حصل، فلن نكون جزءا منه”.

الاخطر من ذلك كله، ان السيد بن علوي الذي يتمتع بهدوء غير معهود، ذهب الى ما هو ابعد من ذلك، وهدد علانية، في تصريحات لوكالة الصحافة الفرنسية، بانسحاب بلاده كليا من مجلس التعاون الخليجي، اذا ما تقرر قيام هذا الاتحاد الذي دعا اليه العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، وما زال يصر عليه.

***

هذه الغضبة العُمانية لا يمكن ان تكون آنية، وفورة عاطفية، او رد فعل غير محسوب، فهذه ليست طبيعة الخليجيين عموما، والعُمانيين منهم خاصة، ولا بد ان وراء الاكمة ما وراؤها، وان هناك مخزونا ضخما من الغضب كان ينتظر الفرصة لكي يظهر على الملأ وينفجر.

نحاول ان ننقب عن الاسباب، ونقلب الحجارة، ونبدأ بالجغرافيا ونقول ان فورة الغضب هذه انفجرت في المنامة بحضور معظم وزراء الخارجية العرب، وتشاك هاغل وزير الدفاع الامريكي، والعديد من الوزراء الاوروبيين والعالميين او نوابهم.

واذا انتقلنا الى عامل التوقيت، وهو الاهم في رأينا فانها جاءت بعد ايام من توقيع الاتفاق النووي الايراني مع الدول الست الكبرى في جنيف، ومن المفارقة ان سلطنة عمان استضافت مفاوضات سرية امريكية ايرانية مهدت له، ودون اي علم او اعلام للدول الخليجية الاخرى بما فيها الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية.

الامر المؤكد ان امير الكويت الشيخ صباح الاحمد الذي ستتزعم بلاده القمة الخليجية السنوية يوم الثلاثاء سيكون الاكثر قلقا من هذا التطور الذي لم يحسب له اي حساب، فبالكاد نجح في “تجميد” خلاف قطري سعودي كاد ان ينسف هذه القمة، عندما اصطحب الشيخ تميم بن خليفة الى الرياض لتهدئة غضب العاهل السعودي الذي فاض كيله من الخروج القطري على الاجماع الخليجي بدعم الاخوان المسلمين في مصر، حتى يشتعل هذا الخلاف السعودي العماني الذي لا يمكن ان يفجر قمة الكويت فقط، وانما مجلس التعاون كمظلة اقليمية ايضا.

ليس من عادة سلطنة عمان اتخاذ مواقف صريحة وقوية كتلك التي عبر عنها السيد بن علوي، ولكنها يأست فيما يبدو من مجلس التعاون وفائدته، وعضويتها فيه، منذ ان رفضت المملكة العربية السعودية، ودول اخرى، اقتراح سلطانها بتشكيل جيش خليجي قوي تدريبا وتسليحا، تعداده مئة الف رجل تحت اسم “درع الجزيرة”، وما ازعجها اكثر ان بعض المسؤولين في المجلس اتهموها همسا بانها تبحث عن وظائف لمواطنيها بضمهم الى هذا الجيش، وعندما اجتاحت القوات العراقية الكويت عام 1990، ادرك الكثير من دول الخليج كم اخطأت عندما رفضت هذا المشروع، ولا نعرف اذا كانت المملكة العربية السعودية من بين النادمين ام لا.

من الواضح ان سلطنة عمان لم تعد تنظر لمجلس التعاون كاطار وحدوي خليجي يمكن ان يفيد دوله وشعوبها، فقد نأت بنفسها عن بعض مؤسساته وهياكله، ورفضت منذ اليوم الاول الانضمام الى العملة الخليجية الموحدة، وحافظت على علاقات قوية مع ايران في وقت كانت تحرض شقيقاتها على حرب ضدها.

لنكن صرحاء، ونسمي الاشياء باسمائها، ونقول ان صيغة مجلس التعاون كتجمع اقليمي لدول ثرية، وشعوب قليلة العدد متجانسة، في منطقة نفطية تتنافس القوى الكبرى والاقليمية على قصعتها، لم تحقق آمال شعوبها في الوحدة وتحقيق اسباب القوة، والاندماج العسكري قبل الاقتصادي، ولهذا بدأ الصدأ يتسرب اليها، والخلافات الحدودية تنهشها، بحيث باتت هيكلا عظميا شكليا.

فالخلاف السعودي القطري لم يهدأ مطلقا، وان شهد بعض الهدن القصيرة، فالخلاف القبلي استعصى على الرتق، رغم ان البلدين هما الوحيدان في منطقة الخليج اللذان يجمعهما المذهب الوهابي، وتنحدر اسرتاهما الحاكمة من هضبة نجد، ووصل هذا الخلاف الى الصدام العسكري في معبر الخفوس الحدودي بينهما اوائل التسعينات، وكادت ان تجتاح القوات السعودية قطر قبل سبع سنوات غضبا منها وقناة جزيرتها التي بثت شريط “سوداء اليمامة” (قيمتها سبعون مليار دولار) الذي يوثق مزاعم عن تورط الامير سلطان بن عبد العزيز ولي العهد الراحل وبعض اولاده في رشاوى وعمولات بالمليارات في صفقة اسلحة اليمامة، وتصاعد الخلاف مجددا اثر دعم قطر للاخوان المسلمين في مصر، ومنافسة السعودية على السيطرة على المعارضة السورية المسلحة وفصائلها.

***

الصراع الخليجي على الارض المصرية اتخذ اشكالا سياسية ومالية متعددة، فقطر دعمت الرئيس محمد مرسي والاخوان، بينما فضل المربع السعودي الاماراتي الكويتي البحريني دعم الفريق اول عبد الفتاح السيسي الذي اطاح بالاول وحركته في انقلاب عسكري، بينما اعاد الفريق السيسي لقطر وديعة بملياري دولار من مساعداتها بطريقة غاضبة حازمة بحجة رفض فوائدها العالية، ضخ المربع السعودي 15 مليار دولار في الخزينة المصرية، ووقفت سلطنة عمان على الحياد.

واذا كان الصراع الحدودي السعودي الاماراتي على حقل الشيبة النفطي (ينتج نصف مليون برميل يوميا)، وشريط العيديد، (طوله 40 كيلومترا) قد جرى تجميده في الوقت الراهن، للتفرغ للتصدي لايران وطموحاتها النووية من ناحية، والاخوان المسلمين من ناحية اخرى، وتحالف ضد قطر الداعمة للاخيرين، فان نار الخلاف ما زالت تحت الرماد، وقد تشتعل في اي وقت، واحد ارهاصاتها رفض الامارات الانضمام الى العملة الخليجية الموحدة مثلها مثل عمان وان اختلفت الاسباب قليلا.

قمة الكويت التي ستعقد الثلاثاء ستكون مختلفة عن جميع القمم الاخرى، هذا اذا انعقدت على مستوى الزعماء، وفي هذه الحالة ستكون الوجوه متجهمة وعاقدة الجبين، ولا نستطيع ان نقول انها قد تكون الاخيرة، ولكن فرصها في النجاح ستكون محدودة جدا.

مجلس التعاون الخليجي يحتضر، وانا ادرك ان هذا التوصيف سيزعج الكثيرين، ولكنها الحقيقة، فاعضاؤه عرب اولا واخيرا، وليس مستغربا ان يواجه المصير نفسه الذي واجهته تجمعات ومجالس عربية مماثلة مع فارق وحيد وهو ان حكومات الخليج لم تعد حريصة على اخفاء خلافاتها او لم تعد تريد، بعضها او كلها، استمرار التكتم وكنس الخلافات تحت السجادة والادعاء بالتضامن والتآلف وان كل شيء على ما يرام، فالاجيال الشابة التي تشكل حوالي ستين في المئة من مجموع سكانه لم تعد تقبل ما قبله آباؤها في ظل ثورة المعلومات والتطور الكبير في علوم الاتصال الجماهيري والاجتماعي وادواته.

الانتفاضة تمتد الى الخليج

هرع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي الى المنامة يوم امس لعقد اجتماع طارئ فيها لتأكيد تضامنهم مع الاسرة الحاكمة في مواجهة المظاهرات الصاخبة التي اجتاحت البحرين للمطالبة بالتغيير.

دول الخليج قلقة لاكثر من سبب، قلقة لانها خسرت النظام المصري الذي كان يشكل الدعامة الرئيسية لمحور الاعتدال التي هي عضو مؤسس فيه، وقلقة لان البحرين هي احد اهم خطوط الدفاع الامامية الخليجية في مواجهة التمدد المذهبي والسياسي والعسكري الايراني في المنطقة.
لا نعرف ما اذا كانت الجهود الخليجية المبذولة حاليا كفيلة بانقاذ نظام الحكم في البحرين، والحيلولة دون سقوطه مثلما حدث للنظامين المصري والتونسي، ولكن ما نعلمه ان الضغوط الكبيرة التي مارستها 'عميدة' مجلس التعاون اي المملكة العربية السعودية على الادارة الامريكية من اجل منع سقوط نظام الرئيس المصري حسني مبارك قد باءت بالفشل.
الدول الخليجية تملك المال، بل الكثير منه، وصناديقها الاستثمارية السيادية تطفح بمئات الآلاف من المليارات الدولارية، والمال سلاح مؤثر، ولا يوجد ادنى شك في ذلك، ولكن هذا السلاح يبدو بلا قيمة حقيقية اذا جاء متأخرا، وجرى استخدامه في المكان والزمان غير المناسبين، ونعتقد ان هذا ينطبق على الحالة البحرينية.
صحيح ان البحرين هي الاكثر فقرا في منظومة دول مجلس التعاون الخليجي، ولكن الفقر والبطالة ليسا المفجر الحقيقي للاضطرابات الحالية، وانما غياب الاصلاحات الديمقراطية الحقيقية، واستئثار مجموعة صغيرة بالسلطة، والوظائف الهامة، ووجود ممارسات تمييزية تتم على اسس طائفية.
جيران البحرين الاثرياء كان باستطاعتهم تخفيف الاحتقان الداخلي من خلال ضخ المليارات من الاستثمارات لخلق وظائف جديدة لاستيعاب العاطلين ولكنها كانت 'مقترة' جدا في هذا الصدد. فالمملكة العربية السعودية التي تنتج تسعة ملايين برميل يوميا من النفط عارضت بشدة استجداءات الاسرة الحاكمة في البحرين لرفع انتاج حقل السعفة النفطي المشترك الى خمسمئة الف برميل يوميا، بدلا من سقفه الحالي المقدر بحوالي 300 الف برميل يوميا، وبما يوفر بعض العوائد النفطية اللازمة التي تحتاجها حكومة المنامة لاصلاح الخدمات العامة، وتوفير الوظائف وتحسين الظروف المعيشية للفقراء في البلاد.
وقد كان نصيب البحرين من انتاج هذا الحقل اقل من خمسين الف برميل (الانتاج مناصفة) حتى عشر سنوات مضت.
' ' '
العاهل البحريني ادرك ان الانتفاضة الشعبية التي انطلقت شرارتها في تونس ومصر واحرقت النظامين في البلدين ستصل الى ميدان اللؤلؤة وسط المنامة، فبادر الى توزيع ألفي دولار على كل فرد في البلاد كمنحة، ولكن هذه الخطوة كشفت عن عدم فهم اسباب تضخم الاحتقان الداخلي، علاوة على كونها جاءت متأخرة.
الدول الملكية في المنطقة العربية ليست محصنة في وجه الانتفاضات والثورات الشعبية، لان تكريس جميع السلطات في يد الأسر الحاكمة، يواجه معارضة شديدة من القاعدة الجماهيرية، فلا بديل عن التعددية السياسية والانتخابات الحرة، ورفع سقف الحريات التعبيرية.
الملكيات الدستورية التي يقوم نظام الحكم فيها على سلطة تشريعية برلمانية قوية، وسلطة تنفيذية ممثلة في البرلمان يحاسبها ويراقب اداءها ومدعومة من نظام قضائي مستقل هي المطلب الشعبي الاساسي الذي ستؤدي تلبيته الى عودة الهدوء والاستقرار والتعايش بين مختلف الطوائف والجنسيات.
البحرين كمركز مالي تحتاج الى الاستقرار السياسي حتى لا تهرب الصناديق الاستثمارية الموجودة فيها وتقدر قيمتها بحوالى عشرة مليارات دولار، وحتى لا تفقد قيمتها ومكانتها كمركز بنكي في منطقة الخليج بأسرها، ويبدو ان هذه المكانة قد اهتزت بفعل الاحتجاجات الشعبية المتفاقمة، والقمع البوليسي الشرس لها الذي اوقع العديد من القتلى والجرحى.
لا نجادل بان هناك شبهة صبغة طائفية للمظاهرات الاحتجاجية في البحرين، ولكن لا بد من الاعتراف بان لابناء الطائفة الشيعية مظالم واضحة في البحرين، وهم الأكثر تأثراً من سياسات التمييز في الوظائف وتوزيع الثروة، ومشاريع التنمية في البلاد.
' ' '
يرتكب ابناء الطائفة الشيعية خطأ فادحاً اذا سقطوا في مصيدة السلطة التي تريد اضفاء الطابع الطائفي على انتفاضتهم، وعليهم الاستفادة من دروس الثورة المصرية واولها الابتعاد عن الطائفية ورموزها، والتأكيد على الوحدة الوطنية، والاصرار على شمولية الاصلاحات، واحترام حقوق الانسان، فالبحرين للجميع، وفوق الطوائف جميعاً.
تطورات الاوضاع في البحرين ستغير نتائجها منطقة الخليج بأسرها، ومعادلات القوة والضعف فيها، مثلما ستشكل الاختبار الحقيقي للوجود الامريكي وصراعه العلني والخفي في مواجهة القوة الايرانية المتنامية، ومدى قدرته على حماية حلفائه، والتأثير عليهم في الوقت نفسه في التجاوب مع مطالب شعوبهم في الاصلاحات السياسية والعدالة الاجتماعية، والانظمة الدستورية.
البحرين هي مفتاح الخليج، ونقطة ضعفه الاساسية، ومثلما أرادها بعض الحكام قاعدة خلفية للترفيه، ونحن نتحدث هنا عن حكام المملكة العربية السعودية، فان جسر 'المحبة' الذي اقيم لخدمة هذا الهدف، يمكن ان يصبح طريقاً في اتجاهين، وليس في اتجاه واحد، اي انتقال الانتفاضة الشعبية البحرينية الى الشاطئ السعودي المقابل.
انتفاضة البحرين لن تظل محصورة في ميدان اللؤلؤة، ولن نفاجأ اذا ما امتدت الى دول الجوار في ظل ثورة الانترنت، وتفاقم الاحتقانات الداخلية، والفروقات الاجتماعية الضخمة، والتفاوت الكبير في الدخول المالية، وتغول احتكار الثروات، واتساع نطاق دوائر الفساد.
ولا نستطيع ان ننسى في هذه العجالة، حجم المظالم الواقعة على العمالة الاجنبية التي تشكل اكثر من اربعين في المئة في مجلس التعاون الخليجي، من حيث تدني الاجور، وساعات العمل الطويلة، وانعدام النقابات العمالية، وجور نظام الكفيل الاستعبادي. فهذه يمكن ان تفجر ثورة مختلفة مشابهة 'لثورة الزنج' في منتصف القرن الثالث الهجري في البصرة، اذا ما عمت الفوضى، وانتشرت عدوى الانتفاضات الشعبية.
المال لن يمنع التغيير، وكذلك عصا الامن الغليظة، البوابة الوحيدة للنجاة هي الاصلاحات الحقيقية، والتخلي عن اساليب المكابرة والغطرسة المتبعة حالياً في معظم ارجاء الحكم في الوطن العربي، ومنطقة الخليج من ضمنها.