عمان

هل يواجه “التحالف الستيني” ضد “الدولة الاسلامية” مصير منظومة “اصدقاء سورية”؟ وهل يعطي دخول ايران حلبة القصف الجوي نتائج عكسية؟ واين اخطأ الاسد واين اصاب في تبنؤاته الاخيرة؟

عبد الباري عطوان

يذكرني البيان الذي صدر اليوم (الاربعاء) عن اجتماع التحالف الدولي ضد “الدولة الاسلامية” الذي يضم ستين دولة بالبيانات التي كانت تصدر تباعا عن منظومة اصدقاء سورية في اكثر من عاصمة عربية واوروبية على مدى السنوات الثلاث الماضية من حيث كونها جعجعة دون اي طحن.
التحالف الدولي اعلن في ختام اجتماعاته التي عقدت على مدة يومين في بروكسل ان الحملة ضد التنظيم بدأت توقف تقدمه في العراق وسورية، الا انه حذر من ان هزيمته ستستغرق سنوات، ولكن الوقائع على الارض تقول غير ذلك، واول مؤشر في هذا الصدد استمرار وجود قواته في “عين العرب”، وسيطرته على اكثر من 85 بالمئة من منطقة الانبار التي تشكل وحدها اكثر من ثلث مساحة العراق وتحاذي السعودية والاردن وسورية حدوديا.
حتى ايران التي “تمنعت” كثيرا وارتبكت سياسيا لعدم دعوتها للانضمام الى هذا التحالف الستيني من قبل زعيمته الامريكية قررت ان “تشترك في الأجر” وترسل طائراتها “الفانتوم 4″ القديمة المتهالكة التي ورثها النظام الاسلامي الحالي من عهد شاه ايران لقصف تجمعات “الدولة الاسلامية” في العراق، في تناقض واضح مع كل مواقفها السابقة التي عارضت فيها اي تدخل اجنبي عسكري امريكي في العراق والمنطقة.
فعندما تلتقي ايران وسورية وامريكا والسعودية والامارات وفرنسا وبريطانيا ومعهما اكثر من خمسين دولة اخرى على محاربة “دولة” لا تملك اسلحة نووية ولا طائرات بطيار او بدونه، ولا صواريخ من اي احجام او ابعاد، فإن هذا يعني واحدا من امرين: اما ان هذا التحالف ضعيف وغير جدي، واما ان “الدولة الاسلامية” التي يحاربها “قوة عظمى” لا يمكن هزيمتها.
***
السلطات الايرانية نفت في البداية تقارير امريكية تقول ان طائراتها دخلت المعركة ضد “الدولة الاسلامية”، ثم تراجعت عن هذا النفي بعد تأكيدات البنتاغون عندما قالت السيدة مرضية افخم الناطقة باسم الخارجية الايرانية في تصريح صحافي ردا على سؤال حول معلومات عن قصف طائرات بلادها لمواقع لـ”الدولة الاسلامية” شرق العراق انها لا تنفي ولا تؤكد هذه المعلومات وتهربت من الاجابة.
لا نعرف ما اذا كان الدخول الايراني على خط محاربة “الدولة الاسلامية” الذي رحب به جون كيري وزير الخارجية الامريكي جاء بالتنسيق المسبق مع واشنطن، ام انه بدونه، وما اذا كانت هذه المشاركة الايرانية تخدم التحالف واستراتيجيته ام انها تخدم “الدولة الاسلامية” وتسهل عليها عمليات التجنيد للمتخوفين من اتساع النفوذ الايراني في العراق الى صفوفها، ولكن ما يمكن ان نتكهن به ان الاوراق اختلطت في المنطقة، ولم يعد المراقب يعرف من ضد من، او اين ستتجه الامور في الاشهر وربما السنوات المقبلة.
فعندما يتفق الرئيس السوري بشار الاسد مع الامير سعود الفيصل وزير خارجية الدولة الاكثر حماسا واندفاعا لاسقاط نظامه على ان الضربات الجوية الامريكية لقواعد “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية فاشلة، ويؤكد الاخير، اي الفيصل، على ان لا بديل عن ارسال قوات ارضية فإن هذا كله، الى جانب اسباب اخرى، يؤكد حالة الارتباك الشديد في اوساط جميع دول التحالف الجديد او الذين يقفون خارج دائرته.
بيان التحالف الستيني اكد “نحن في صدد وقف تقدم تنظيم الدولة الاسلامية عبر سورية وداخل العراق”، واضاف “ان الوزراء وافقوا على استراتيجية من خمس محاور في مكافحة التنظيم، وهي زيادة المجهود العسكري، ووقف تدفق المقاتلين الاجانب، وقطع طرق التمويلات، ومعالجة مشكلة المساعدات الانسانية ونزع الشرعية عن تنظيم الدولة الذي يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بفاعلية”.
هذه الاستراتيجية ومحاورها الخمسة تعكس جهلا واضحا بالمنطقة وطبيعة الدولة التي تريد هزيمتها، فـ”الدولة” تملك رصيدا ماليا يتراوح بين ثلاثة وسبعة مليارات دولار ودخل يومي من بيع النفط يصل الى ثلاثة ملايين دولار، علاوة على مداخيل عائدة من الضرائب (المكوس)، اما النقطة الاخرى وهي وقف تدفق المجاهدين الاجانب، فليس لها قيمة عملية، لان معظم مقاتلي “الدولة” هم من العراقيين والسوريين، اي من ابناء المنطقة، ودور “الجهاديين” الاجانب اسنادي وليس جوهريا. اما اذا انتقلنا الى مسألة نزع الشرعية واستخدامات التنظيم لوسائط التواصل الاجتماعي بفاعلية فإن اي خطوة في هذا الاطار محدودة الاثر لان “الدولة الاسلامية” اقامت امبراطورية اعلامية ضخمة على “التويتر” و”الفيسبوك” و”الانترنت”، وباتت مثل التنين الاسطوري كلما قطعت له رأسا حل محله عدة رؤوس.
***
الرئيس الاسد وصف في مقابلة مع مجلة “باري ماتش” نشرت مقتطفات منها اليوم انه بعد شهرين من القصف الجوي لا توجد نتائج حقيقية على الارض و”القول ان قوات التحالف تساعدنا غير صحيح، لو كانت هذه الضربات (جدية وفاعلة) سأقول بأننا نستفيد منها بكل تأكيد”، واشار وهنا بيت القصيد “نحن نخوض المعارك على الارض ضد داعش ولم نشعر بأي تغيير خصوصا ان تركيا ما زالت تدعم داعش”.
كلام الرئيس الاسد ينطوي على الكثير من الصحة، اختلف معه البعض او اتفق، ويعكس “شماته” واضحة بالتحالف واستراتيجيته واعضائه، وعرضا بالانضمام اليه، وما لجوء الولايات المتحدة الى التنسيق مع ايران لادخالها سرا في هذا التحالف الا الاعتراف المؤكد بالمأزق الذي تعيشه حاليا في الشرق الاوسط، ومشاركة ايران في التحالف وضرباته بصورة غير مباشرة يصب فعلا في تعزيز النظام السوري، وقرب اعادة تأهيله وعودته الى المجتمع الدولي، وما اعادة فتح السفارة السورية في الكويت الا اول الغيث.
النظام السوري يحصل على اعمار (جمع عمر بتسكين الميم) جديدة شهرا بعد شهر، و”الدولة الاسلامية” تتمترس بفعل سوء التقدير الامريكي وتخبط ادارة اوباما، وزيادة حدة الاستقطابات والتقسيمات الطائفية والاخطاء الكارثية في العراق.
منظمة اصدقاء سورية بدأت بحوالي 150 دولة في اجتماعها الاول في تونس قبل اربع سنوات تقريبا، وانتهت الى 11 دولة اجتمعت اخيرا في لندن على مستوى صغار المندوبين ولم يسمع بهذا الاجتماع احد ولا نستبعد ان يكون مصير التحالف الستيني ضد “الدولة الاسلامية” مماثلا ان لم يكن اسوأ، فلم تُقم امريكا تحالفا حقق اهدافه ولم يواجه انتكاسات لاحقة الا مع اسرائيل، وانتم تعرفون الاسباب.

العرب الضحية الاكبر سواء اتفق الايرانيون والامريكان او اختلفوا.. ولماذا يلتقي كيري مع سعود الفيصل ويهاتف نظراءه الخليجيين؟ هل لاعدادهم للحرب ام تهيئتهم لصفقة مع طهران؟

عبد الباري عطوان

من المفترض ان تنتهي “مفاوضات الفرصة الاخيرة” بين ايران والدول الست الكبرى حول طموحات الاولى النووية مساء “الاثنين”، ولكن من الواضح ان صمود وتصلب المفاوض الايراني في مواقفه، واصراره على التمسك بحقه في تخصيب اليورانيوم، ورفع كامل للحصار الاقتصادي المفروض على بلاده، هو الذي ادى ويؤدي الى اقتراب الموعد النهائي المحدد دون التوصل الى اتفاق، الا اذا حدثت معجزة او اكتملت الصفقة.
وزراء خارجية الدول الست العظمى، بالاضافة الى السيدة كاثرين اشتون وزيرة خارجية الاتحاد الاوروبي يتواجدون حاليا في فيينا، ويشكلون جبهة واحدة للضغط على ايران ودفعها لتقديم تنازلات اكبر، في اطار حملة مساومات نفسية غير مسبوقة، تستخدم فيها سياسة العصا (التهديد بعقوبات جديدة وربما عمل عسكري) والجزرة (رفع شبه تدريجي للعقوبات الاقتصادية) ولكن الوفد الايراني المفاوض يتصرف كلوح من الثلج، ويستمر في المناورة التي ابدع فيها طوال 12 عاما من المفاوضات والعلاقات المتوترة مع واشنطن وحلفائها.
علينا ان نتصور لو كان المفاوضون العرب مكان المفاوض الايراني، لكانوا رضخوا للضغوط الامريكية منذ الجولة الاولى تماما مثلما فعل الرئيس المصري الراحل محمد انور السادات في كامب ديفيد الاولى، وقدموا كل ما تريده الادارة الامريكية من تنازلات، بحجة ان امريكا قوة عظمى تملك كل اوراق اللعبة ولا يجوز مخالفتها او عصيان امرها، لانه لا احد يحاسبهم، لا برلمان ولا صحافة ولا رأي عام، و”دار ابو سفيان على حالها”.
العربي الوحيد، على حد علمنا، الذي كسر هذه القاعدة المهينة هو الشهيد ياسر عرفات، عندما قاوم كل الضغوط الامريكية الاسرائيلية في مؤتمر كامب ديفيد الثاني عام 2000، ورفض التنازل عن القدس المحتلة وحق العودة للاجئين، وعاد الى الارض المحتلة ليشعل فتيل الانتفاضة المسلحة الثانية ودفع حياته ثمنا لذلك.

***

جون كيري وزير الخارجية الامريكي الذي يرابط في العاصمة النمساوية لانجاز اتفاق قبل الموعد النهائي (مساء الاثنين) التقى الامير سعود الفيصل في طائرة الاخير في مطار فيينا، وتباحث معه حول تطورات المفاوضات، كما اتصل بنظرائه الخليجيين في الكويت والامارات وقطر والبحرين للغرض نفسه.
لا نعرف لماذا اقدم الوزير كيري على هذه الخطوة، فليس من عادته التشاور مع نظرائه العرب حول الملف النووي الايراني، فقد تفاوض مع الايرانيين ستة اشهر في سلطنة عمان دون ان يطلع هؤلاء، حلفاءه الخلص على هذه المفاوضات فما هو الجديد هذه المرة؟
هناك احتمالان يمكن من خلالهما تفسير هذا التصرف الامريكي المفاجيء مع وزراء الخارجية العرب الخمسة (كان لافتا انه لم يتصل بنظيره العماني):
ـ الاول: ان تكون الادارة الامريكية غير واثقة من نجاح المفاوضات، وتخطط للتصعيد مع ايران في حالة فشلها في التوصل الى اتفاق، مما يعني تشديد العقوبات الاقتصادية، والعودة الى سياسة التهديد بالمناورات العسكرية وارسال حاملات الطائرات الى الخليج على غرار ما حدث قبل اتفاق كانون الثاني (يناير) المرحلي مع ايران في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2013.
ـ الثاني: ان يكون كيري يتوقع التوصل الى اتفاق وشيك مع ايران قبل المهلة، مما يعني رفع كامل للعقوبات، وتطبيع العلاقات، والتفاهم معها على ملفات اقليمية مثل الازمتين السورية والعراقية.
وربما يجادل البعض بالقول ان الوزير الامريكي لا يريد تكرار الاخطاء السابقة التي وترت علاقات بلاده مع المملكة العربية السعودية عندما طعنت الاخيرة في الظهر بتوصلها الى اتفاق مع ايران دون ابلاغها بالتفاصيل الامر الذي احرجها كثيرا، واظهرها بمظهر التابع وليس الشريك الاستراتيجي.
من الصعب علينا ترجيح اي من الاحتمالين المذكورين لان المفاوضات ما زالت مستمرة، لكن اتصالات كيري مع بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل اسوة بوزراء الخارجية العرب ربما يوحي بأن الادارة الامريكية تستعد للتصعيد العسكري والاقتصادي اذا لم تحصل على ما تريده من تنازلات وتهيئ حلفاءها مبكرا لمثل هذا الخيار، ونحن هنا نتكهن، او لعله استخدم هذه الاتصالات لارسال رسالة تهديد اضافية الى المفاوض الايراني ومن هم اعلى منه.
***
الرئيس باراك اوباما ادلى بحديث على درجة كبيرة من الاهمية اليوم (الاحد) لمحطة تلفزيون “اي بي سي” الامريكية يمكن ان يسلط ضوءا جديدا عما يدور في خلد الرجل وادارته عندما قال “هناك مشاكل لا تزال قائمة مثل الدعم الايراني للانشطة الارهابية في المنطقة، وموقف طهرن حيال اسرائيل”.
ماذا يعني هذا التصريح ولماذا في مثل هذا التوقيت (لا شيء يمكن ان يكون عشوائيا في امريكا)؟ انه يعني، وبكل بساطة، ان المفاوضات في فيينا لا تدور حول تخصيب اليورانيوم ودرجاته، واعداد اجهزة الطرد المركزي، وانما ايضا حول صفقة سياسية متكاملة، ابرز عناوينها الاعتراف باسرائيل، وتجريد حزب الله من اسلحته، ووقف تدخل الحرس الثوري في سورية والعراق، واخيرا الامتناع عن دعم الميليشيات الشيعية المتطرفة في العراق مثل عصائب اهل الحق، وكتائب ابو الفضل العباس والقائمة طويلة.
امريكا تستخدم المنشآت النووية الايرانية كذريعة للضغط على ايران في محاولة لاعادتها الى بيت الطاعة الامريكي والتوصل الى صفقة سياسية اقليمية معها، وعندما نقول ذريعة، فإننا نذكر بكل الاكاذيب الامريكية والاسرائيلية التي كانت تحشد العالم، والعرب طبعا، ضد ايران بحجة انها ستنتج اسلحة نووية في ستة اشهر، او عام على الاكثر، وها هو يمر عام على توقيع الاتفاق المرحلي ولا نسمع كلمة واحدة في هذا الخصوص.
ما يمكن استخلاصه من كل ما سبق، انه سواء اطلع كيري نظرائه الخليجيين على تطورات مفاوضات فيينا او لم يطلعهم، فإن العرب، والخليجيين منهم، سيكونون ضحايا اي اتفاق يتم التوصل اليه سلما او حربا، وسيدفعون ثمن هذا الاتفاق غاليا من امنهم ومالهم، وسيادتهم او ما تبقى منها، ونأمل ان نكون مخطئين.

علم دولة “الخلافة الاسلامية” يرفرف فوق جبل الرحمة في عرفة وسط ملايين الحجاج.. نعم قد تكون “صدفة” او فعل متعمد.. ولكنها “رسالة” تنطوي معانيها على درجة كبيرة من الاهمية والخطورة معا

بينما كنت اتابع البث المباشر لوقفه عرفة من المشاعر المقدسة، حيث اكثر من مليوني حاج جاءوا من مختلف اصقاع المعمورة لاداء فريضة الحج، في ملابس الاحرام البيضاء بوجوه نضرة طافحة بالسعادة والايمان معا، لفت نظري علم الخلافة الاسود الاسلامية يرفرف من بعيد فوق جبل الرحمة، وتتوسطه كلمات “لا الله الا الله محمد رسول الله” مكتوب بالابيض.

لا اعرف من رفع هذا العلم، فلم تدم هذه القطة للنظر الا بضعة ثوان، مثلما لا اعرف، وكيف اعرف، ما حدث لصاحبه، فالسلطات السعودية تمنع اي ممارسة سياسية الطابع في الاماكن المقدسة، ناهيك عن رفع علم “الدولة الاسلامية” التي تكن لها هذه السلطات كل انواع العداء، وتعتبرها قمة الارهاب، وتشارك طائراتها الحربية، جنبا الى جنب مع نظيراتها الامريكية في قصف مواقعها وتجمعاتها لاضعافها ومن ثم القضاء عليها في اطار تحالف دولي يضم خمسين بلدا.

الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية كان معبرا عن موقف هذه السلطات ولسان حال دول التحالف جميعا، اسلامية او غير اسلامية، عندما دعا في خطبة الجمعة التي القاها من مسجد نمرة في عرفات، قادة الدول الاسلامية الى ضرب “الدولة الاسلامية”، دون ان يسميها، بيد من حديد، وقال مخاطبا لهم، “دينكم مستهدف.. امنكم مستهدف.. عقيدتكم مستهدفة”، واضاف “ابتلينا بأمه سفكوا الدماء.. وقتلوا النفوس المعصومة.. وقدموا بهذا تمثيلا سيئا لا يمثل اسلاما.. هؤلاء اجراميون سفكوا الدماء ونهبوا الاموال وباعوا الحرائر لا خير فيهم”.

وخطبة الشيخ آل الشيخ، اعلى مرجعية دينية في المملكة، تعكس حجم القلق السعودي الرسمي من هذه “الدولة” وعقيدتها الدينية والقتالية، وامتدادها الى العمق الشعبي المهيء جزئيا او كليا لكي يكون حاضنة لفكرها الذي يشكل في معظم جوانبه تجسيدا للدعوة الوهابية في نسختها الاولى قبل ثلاثة قرون، مثلما تؤكد دراسات جادة عديدة في الشرق والغرب معا.

***

العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز حث الدول الغربية على التدخل بسرعة لمحاربة “الدولة الاسلامية” والقضاء عليها محذرا من انها ستصل الى اوروبا في غضون شهر، والى امريكا في غضون شهرين، ويبدو ان الولايات المتحدة لبت هذا النداء فورا، وشكلت الحلف الخمسيني الحالي، وبدأت في غاراتها الجوية على مواقع الدولة في العراق وبعد ذلك في سورية، وكسرت القيادة السعودية قاعدة عسكرية وسياسية التزمت بها اكثر من خمسين عاما، بارسال طائراتها الحربية الى خارج حدودها، والمشاركة في الضربات الجوية الامريكية، واختارت اميرين طيارين لتنفيذ الطلعات الجوية الاولى احدهما نجل ولي العهد ووزير الدفاع السعودي الامير سلمان بن عبد العزيز.

القلق السعودي مشروع ومبرر في نظر السلطة وانصارها وهم كثر، فـ”الدولة الاسلامية” وقيادتها لا تخفي عدائها للاسرة الحاكمة السعودية ورغبتها في اطاحة النظام، ورفع راية الخلافة فوق الحرم المكي الشريف في مكة، والسيد ابو بكر البغدادي زعيمها يصر على ان يضم اسمه نسبين على درجة كبيرة من الاهمية والغزى الاول “الحسني” (نسبة الى آل البيت) والثاني القرشي (نسبة الى قبيلة قريش).

وما اقلق القيادة السعودية اكثر، ما كشفه استطلاع للرأي اجري على وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر على نطاق واسع، وافاد بأن اكثر من 92 بالمئة من الشباب السعودي يؤيدون فكر “الدولة الاسلامية” وعقيدتها، وقد وعدت السلطات في الرياض باجراء استطلاع رأي علمي رسمي لاثبات بطلان هذا الاستطلاع او عدم دقته، وحتى الآن لم يصدر على حد علمنا، ولكن ما هو اهم من الاستطلاع ارتفاع عدد المقاتلين السعوديين في صفوف “الدولة الاسلامية” الى اكثر من ثمانية آلاف مقاتل، ويوصفون بأنهم الاكثر شراسة في القتال والعمليات “الانغماسية” من بين اقرانهم.

ادبيات “الدولة الاسلامية” المتوفرة على شبكة الانترنت تؤكد ان المملكة العربية السعودية، او ارض الجزيرة العربية والحجاز حسب مصطلحاتها، هي الهدف الثالث بعد سورية والعراق، وهذا ما يفسر دعوة العاهل السعودي لرجال الدين والدعاة في بلاده للتصدي للمنطلقات الفكرية لهذه الظاهرة، لان الحرب عليها يجب ان تكون حرب “عقول” جنبا الى جنب مع الحرب العسكرية، ولكن الاستجابة لهذه الدعوة من قبل العلماء والدعاة كانت محدودة، وخاصة مما يطلق عليهم “علماء الصحوة” واصحاب ملايين المتابعين على شبكات التواصل الاجتماعي، والذي يوصفون بالدعاة “النجوم”.

الغارات الجوية على مواقع “الدولة الاسلامية” المستمرة منذ اكثر من شهر، وبأحدث الطائرات المقاتلة من مختلف الانواع، لم تعط نتائجها حتى الآن، حسب اراء خبراء غربيين، بدليل استمرار “تمددها” وسيطرة قواتها على معظم مدينة “عين العرب” الكردية على الحدود الشمالية السورية، مما يؤكد ان الحرب ستطول اكثر من التوقعات الغربية والاقليمية.

الحكومات الاقليمية، والخليجية منها بالذات، ساهمت بطريقة او بأخرى بصعود قوة التيارات الاسلامية المتشددة عندما حرضت بعض اوساطها الدينية والدعوية الشباب السعودي على الانخراط في صفوف الجهاد، وجماعاته في كل من سورية والعراق، معتقدة ان عمقها محصن من اخطارها، ليثبت لها العكس، ولتكتشف انها اخرجت “المارد” من قمقمه، ولم تعد قادرة على السيطرة عليه، وهنا تكمن المعضلة الكبرى.

***

لم نبالغ عندما قلنا في هذا المكان ان عدد المقاتلين تحت لواء “الدولة الاسلامية” يزيد عن مئة الف، ولا نبالغ مرة اخرى اذا قلنا ان العدد ازداد بمقدار الثلث في البلدين، اي سورية والعراق، بسبب تدفق المتطوعين من الدول الاسلامية في العالم بأسره، ومن الجماعات والتيارات الاسلامية الاخرى التي تريد الانضمام الى صفوفه في مواجهة “التحالف الصليبي” حسب تعبيرهم، وهذا ما دفع السلطات الاردنية الى منع الشيخ ابو محمد المقدسي من استخدام هذا “التعبير” في فتاواه ومداخلاته على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب مدلولاتها التحريضية ضد هذا التحالف، ودورها في تشجيع الشباب الى الانضمام الى صفوف الجماعات الجهادية.

“علم الخلافة” الاسلامية وصل الى المشاعر المقدسة في مكة المكرمة وجبل عرفة يوم الوقفة، وربما يكون مجرد صدفة، او من فعل حاج متحمس، او عمل متعمد جرى التخطيط له بشكل جيد، وايا كان الامر فان هذه الخطوة تنطوي على “رسالة” على درجة كبيرة من الاهمية والخطورة معا.

شكرا “لكريستينا” رئيسة الارجنتين التي تفوقت انوثتها علىى”رجولة” الكثير من زعماء العرب.. وفضحت النفاق الامريكي حول الارهاب.. وانتصرت لشهداء غزة والعراق وافغانستان

كنت وما زلت، اتمنى لو ان السيدة كريستينا فيرنانديز دي كريشنر، واحفظوا هذا الاسم جيدا، زعيمة للامة العربية كلها دون استثناء، فبينما ينشغل قادة ووزراء خارجية دول عربية بتقبيل ايادي السيدة تسبي ليفني وزيرة “العدل” الاسرائيلية، احد ابرز مجرمي الحرب الثانية والثالثة على قطاع غزة، ويتمسحون بها تبركا، ويتنافسون على اظهار “اعتدالهم” وحرصهم على السلام والتطبيع، تقف هذه المرأة الشجاعة على منصة مجلس الامن الدولي لتتحدث عن تناقضات السياسة الامريكية وتفضح اكاذيبها، وتكشف وجهها العدواني القبيح وانيابها المتعطشة لسفك الدماء، دماء العرب والمسلمين على وجه الخصوص.

السيدة كريستينا هاجمت سياسة الولايات المتحدة العدوانية التي تتغطى بغطاء الحرب على الارهاب، وقالت بالفم الملان ودون تلعثم وبلغة قوية: “كنتم تدعمون المعارضة الذين قلتم لنا انهم ثوار واليوم نجتمع في هذا المجلس لمحاربة هؤلاء الثوار بعد ان تبين انهم ارهابيون، واصدرتم قرارا بمحاربة تنظيم “القاعدة” بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر، واستبحتم بلاد وقتلتم مئات الآلاف من ابنائها تحت هذه الذريعة في العراق وافغانستان وما زالت هاتان الدولتان تعانيان من الارهاب بالدرجة الاولى”.

وذهبت هذه السيدة الى ما هو ابعد من ذلك عندما انتصرت لضحايا الارهاب الاسرائيلي في قطاع غزة، وهو ما لم يفعله اي زعيم عربي، عندما قالت “غضضتم النظر عن فداحة الكارثة التي ارتكبتها اسرائيل وموت العديد من الضحايا الفلسطينيين وركزتم كل اهتمامكم بالصواريخ التي سقطت عليها والتي لم تؤثر او تحدث اي خسائر في اسرائيل”، واضافت “اليوم نجتمع هنا لاصدار قرار دولي حول تجريم “الدولة الاسلامية” ومحاربتها وهذه الدولة مدعومة من دول انتم تعرفونها اكثر من غيركم ، وهي (الدول العربية) حليفة لدول كبرى اعضاء في مجلس الامن”.

***

قطعوا عنها الترجمة حتى لا تصل كلماتها الى العالم بأسره، والقنوات الفضائية التي كانت تبث وقائع الجلسة على الهواء مباشرة، وادعوا ان هذا الانقطاع، الذي لم يحدث مطلقا في تاريخ مجلس الامن، جاء بسبب خلل فني، فالاخ الامريكي الاكبر لم يعجبه قطعا هذا الكلام، فلجأ الى اساليب الارهاب الفني والتقني لحجب الحقائق عن من ينتظرون سماعها.

الزعماء العرب الذين اعتلوا منبر الجمعية العامة للامم المتحدة القوا كلمات باهتة، مملة، تقطر نفاقا لامريكا، وتسهب في ابراز خطورة ارهاب “الدولة الاسلامية” والاسلام المتشدد، ولم يعرج الا القليل جدا منهم، وعلى استحياء شديد، للارهاب الاسرائيلي.

امريكا لا تستطيع “توبيخ” رئيسة الارجنتين لانها وقفت في خندق الشهداء والجرحى واليتامى في قطاع غزة، لانها رئيسة منتخبة، وتتزعم دولة تحرص على سيادتها، وتحترم شعبها، وقبل كل هذا وذاك تنحاز لقيم العدالة وحقوق الانسان والكرامة في العالم بأسره ولا تخاف امريكا، فالخوف لا مكان له في ثقافتها وتراثها.

نعم انهم يحشدون الطائرات من اكثر من اربعين دولة، لمواجهة “الارهاب الاسلامي” وليس الارهاب الاسرائيلي، ويفتخر طيارون يقولون انهم عرب، وينتمي بعضهم الى اسر حاكمة، بأنهم يدمرون آبارا نفطية عربية، بينما يجتمع قادتهم، او وزراء خارجيتهم، بالسيدة ليفني على مائدة العشاء لتوثيق العلاقات وتكريس التطبيع، والاشادة بالسياسات الاسرائيلية الحضارية في تدمير قطاع غزة.

***

نكتب بغضب لاننا نشعر بالقهر والخذلان ومرارات الهزيمة، ونحن نرى افعال حكامنا، وكيف تنهب ثرواتنا امام اعيننا، وكيف تزهق ارواح المزيد من ابنائنا بقذائف طائراتنا المقاتلة التي لم نر اي منها في الحروب مع اسرائيل وربما لن نراها جنبا الى جنب مع نظيراتها البريطانية والامريكية.

بسبب هذا الهوان والتفريط وانعدام الوطنية يتدفق الآلاف من الشباب العرب الى سورية والعراق للانضمام الى صفوف جماعات الاسلام السياسي المتشدد، وقطعا سيزداد هذا التدفق مع كل طلعة جوية للطائرات العربية او الامريكية في البلدين.

اقول شكرا للسيدة كريستينا.. شكرا على شجاعتها.. وشكرا على انوثتها التي تفوقت على رجولة من يدعون انهم رجال، شكرا انها نطقت بالحق دون ان تخشى امريكا، وطائراتها وصواريخها واساطيلها، وهنيئا للزعماء العرب تمسحهم بالسيدة ليفني، واستجدائهم لرضاها، واذا كانت الشعوب لن تحاسبهم، وهذه قمة المأساة، فان التاريخ لن يرحمهم.

هذه الشعوب التي انجبت كاسترو وتشافيز وموراليس وجيفارا ليس غريبا عليها ان تنجب هذه “النمرة” كريستينا ولا عزاء للجبناء.

انهم يريدون نزع سلاح المقاومة وسرقة انتصار ابناء القطاع مقابل اعمار وسلام اقتصادي مغشوش

تجري حاليا مفاوضات القاهرة حول ترتيب وقف نهائي لاطلاق النار في قطاع غزة وسط تكتم شديد، لكن وجود توني بلير مبعوث لجنة السلام الدولية وممثلين عن السلطة لا يبعث على الاطمئنان مطلقا، خاصة بعد ان سربت صحف اسرائيلية تقارير تفيد بأن هناك مقترحا المانيا بريطانيا فرنسيا يجري بحثه حاليا يرتكز على اساس اعادة اعمار القطاع مقابل نزع سلاح المقاومة.

بلير طبق الحيل نفسها في ايرلندا الشمالية عندما كان رئيسا للوزراء وبدأ مسيرته في تّجريد الحزب الجمهوري الايرلندي من سلاحه من خلال “هدن” صغيرة، تكبر بمرور الوقت، مع ضخ مليارات الدولارات لاعادة البناء وتوفير فرص العمل للعاملين، واشراك الجميع من الكاثوليك والبروتستانت في عملية سياسية وما يؤدي الى نسيان الحقوق التاريخية في نهاية المطاف.

***

فلسطين ليست ايرلندا الشمالية، فهناك فوارق في طبيعة الصراع وجذوره، وان كانت هناك قواسم مشتركة محدودة، لا مجال لسردها، وبلير الذي عمل على تدمير العراق وليبيا وافغانستان، ولم يحقق تقدما ولو ميليمتر واحد في عملية السلام يريد ان يحول قطاع غزة الى نموذج مشابه للضفة الغربية بحيث يغرق ابناؤه في الاستشمارات والسلام الاقتصادي وتستمر السلطات الاسرائيلية في ابتلاع الارض.

الرئيس محمود عباس الذي اقسم بانه لن يسمح بانتفاضة ثالثة، ولا يريد العودة الى صفد، ويعتبر التنسيق الامني مع الاسرائيليين مقدسا، سيدفع باتجاه نزع سلاح المقاومة، وتحويل فصائلها الى احزاب سياسية، وقطاع غزة الى كيان منزوع الدسم.

اسرائيل افتعلت هذه الحرب، ومارست اعمال القتل والتدمير على نطاق واسع من اجل تيئييس ابناء القطاع، ووصولهم الى درجة من الاستسلام تدفعهم للتخلي عن سلاح المقاومة، ولكن ابناء القطاع وقيادته ليسوا على هذه الدرجة من السذاجة وقصر النظر، او هكذا نأمل.

الشعب الفلسطيني انتصر في هذه الحرب رغم التضحيات الكبيرة التي قدمها، واجتماعات القاهرة تريد سرقة هذا الانتصار في وضح النهار، فما قيمة الاعمار اذا جرى تدمير الصواريخ والانفاق، والصناعات العسكرية، وماذا سيفعل قادة المقاومة مثل اسماعيل هنية، ومحمود الزهار وخليل الحية ورمضان شلح وزياد النخالة وكل رموز المقاومة الآخرين؟ هل سيفتحون دكاكين في “سوق فراس″ ام ينخرطون في اعمال “البزنس″ الاخرى، وماذا سيفعلون بالاموال وهم الذين انخرطوا في الجهاد من اجل تحرير فلسطين من البحر الى النهر.

وعندما يقرر وزراء خارجية عرب الذهاب الى غزة في اطار وفد برئاسة السيد نبيل العربي امين عام الجامعة العربية، فان هؤلاء سيذهبوا مثل السياح الاجانب، لالتقاط الصور امام البيوت المدمرة، وتوقيع مجموعة من الصكوك لاعادة بناء ما دمرته اسرائيل.

لا اعرف كيف سيستقبل ابناء قطاع غزة هذا الوفد، ولكن ما يمكن ان نتكهن به ان استقبالهم لن يكون افضل من استقبال وزير صحة السلطة امام مستشفى الشفاء، حيث عبر اهالي الضحايا عن مشاعرهم تجاه هذه السلطة ووزرائها بالطريقة التي تليق بهم.

***

الآن فقط فهمنا اسباب تعطيل عمليات الاعمار للقطاع على مدى السنوات العشر الماضية، فهذه العمليات تنتظر الضوء الاخضر اي تسليم سلاح المقاومة، وسط تواطؤ عربي ملحوظ ومتفق عليه مع اسرائيل، والآن فهمنا اغلاق معبر رفح لاشهر، وتشديد الحصار لدرجة الخنق ضد مليوني فلسطيني.

قادة المقاومة الفلسطينية اكدوا انهم لن يتنازلوا مطلقا عن سلاحهم، لا جزئيا او كليا، ولكن ما نخشاه هو الضغوط العربية والدولية المتعاظمة، والاغراءات التي يقدمها “عرب الشيكات” والوعود الكاذبة بالتسوية التي سيقدمها بلير وسفراء الدول الاوروبية.

ندرك جيدا ان المقاومة تعيش ظروفا صعبة، وان اهل القطاع يريدون العيش بكرامة، ولكن كل مليارات دول الخليج مرفوقة بنظيرتها الاوروبية لا تساوي صاروخ قسام يضرب تل ابيب وبيث الذعر والرعب في نفوس المستوطنين.

الامهات لم يقدمن ابناءهن شهداء من اجل تحويل القطاع الى “سنغافورة”، وانما من اجل ان يكون هانوي اخرى او جنوب لبنان آخر، ففلسطين ليست القطاع ولا الضفة، فلسطين من النهر الى البحر.

معظم ابناء القطاع عاشوا في خيام ومعسكرات اللجوء وما زالوا انتظارا ليوم العودة القادم حتما، وعليهم ان لا يسمحوا للسماسرة العرب والاوروبيين سرقة دماء شهدائهم.

المبادرة المصرية في غرفة الانعاش وتوني بلير سيقود مصر وحلفاءها الخليجيين الى هزائم وفوضى على غرار ليبيا والعراق وافغانستان

ان يهبط توني بلير رئيس وزراء بريطانيا الاسبق واحد ابرز المسؤولين عن قتل مليون عراقي في مطار القاهرة مساء الاحد للانضمام الى المباحثات الجارية حاليا حول كيفية التعاطي مع الاوضاع في قطاع غزة فهذا نذير شؤم، وعنوان تآمر، ومشروع انقاذ لاسرائيل وتوريط مصر اكثر في مستنقعها العدواني.

اذا صحت الانباء بأن بلير هو احد مستشاري الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وانه وضع خطوط مبادرته لوقف الحرب في قطاع غزة التي دمرت سمعة مصر في الوطن العربي والعالم الاسلامي، واظهرتها بمظهر المتواطيء مع العدوان الاسرائيلي، فان هذا يمكن اعتباره اكبر جريمة في حق مصر وشعبها وتاريخها العريق في الوقوف في خندق الشعوب المظلومة، او التي تقاتل من اجل الحرية والاستقلال.

المبادرة المصرية فشلت بطريقة مأساوية لان الرئيس السيسي وحكومته ارادا فرضها بالقوة على فصائل المقاومة، ودون اي تشاور معها وبطريقة استعلائية، وتطورات الامس اجهزت عليها كليا، وخاصة القرار الاسرائيلي بالانسحاب من جانب واحد من القطاع، ورفض نتنياهو ارسال وفد الى القاهرة للتفاوض.

***

هذه المبادرة تقوم على جناحين لا يمكن ان تحلق من دونهما:

الاول هو وقف اطلاق نار متفق عليه في قطاع غزة، والثاني الانخراط في مفاوضات لوضع آليات لهدنة طويلة، يتوقف خلالها اطلاق الصواريخ مقابل استقرار وامن للمستوطنين الاسرائيليين شمال قطاع غزة، واقدام نتنياهو على انسحاب احادي الجانب كسر الجناح الاول، ومقاطعته للمفاوضات كسر الجناح الثاني للمبادرة.

سحب القوات الاسرائيلية من الشريط الحدودي الذي رابطت فيه في عمق ثلاثة كيلومترات شرقا، هو اعتراف بالهزيمة، وعدم القدرة في الاستمرار في الحرب، واعادة احتلال القطاع بالتالي، وتحقيق الاهداف التي حددها نتنياهو لتسويق العدوان للاسرائيليين والعالم، وابرزها وقف الصواريخ، وتدمير الانفاق ونزع سلاح المقاومة، وهي الاهداف التي دفعته لاستدعاء اكثر من مئة الف من جنود الاحتياط وكأنه يعلن الحرب على امريكا او روسيا القوتين الاعظمين.

لم يتخذ زعيما اسرائيليا قرارا بوقف الحرب من جانب واحد الا وسقط وخسر مستقبله السياسي، واولهم ايهود باراك الذي اتخذ قرار الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000، ومن المؤكد ان نتنياهو سيكون الثاني، بعد ان يهدأ غبار هذا العدوان، ويظهر الحجم الحقيقي لخسائر الجيش الاسرائيلي البشرية، والتكاليف الاقتصادية والمعنوية.

قطاع غزة سيتحول الى جنوب لبنان آخر، اي قاعدة للمقاومة، ومثلما استعد ابناؤه من اشقاء ضحايا حرب عام 2008 لهذه الحرب جيدا وطوروا قدراتهم الدفاعية وصواريخهم وحرب الانفاق، سيبدأ اشقاء ضحايا هذه الحرب وشهداؤها في الاستعداد لحرب قادمة باستعدادات اكبر وانفاق اطول، وصواريخ اكثر دقة واكثر تدميرا.

حركة “حماس″ وفصائل المقاومة الاخرى التي تتزعمها، ستكون اكثر شراسة في الحرب المقبلة، وستخترق التنسيق الامني الذي تطبقه السلطة في الضفة كشريك لاسرائيل واجهزتها الامنية، وستنقل تكنولوجيا الصواريخ ومدافع الهاون الى مدن كالخليل ونابلس وجنين، ومعها تكنولوجيا الانفاق، وبما يلغي فاعلية الحائط العنصري، فحماس باتت في حل من السيطرة على الفصائل الاخرى وكبح جماح صواريخها وعملياتها العسكرية الفدائية.

الحكومة المصرية ارتكبت خطأ استراتيجيا بدورها عندما حشرت حركة حماس والفصائل الاخرى في الزاوية، وشددت الحصار الخانق عليها، ورفضت كل رسائل التودد والمصالحة من طرفها، وافشلت حكمها في غزة بتدمير الانفاق واغلاق معبر رفح لاشهر متواصلة، ومنع وصول الاموال اليها من الخارج، واذا استمرت المعاملة نفسها فلا نستغرب ان يتم شق انفاق اخرى الى سيناء لتهريب الاسلحة والخبرات القتالية لمن ينتظرها بلهفة، فليس لدى حركة حماس والفصائل الاخرى ما يمكن ان تخسره.

نتيناهو في خطاب الامس اكد ان اسرائيل باتت تملك اصدقاء وحلفاء عرب، في اشارة الى بعض الدول التي صمتت على العدوان او تواطأت معه مثل السعودية ومصر والامارات والاردن، حسب تفسيرات الصحافة الاسرائيلية، وما ذكره نتنياهو وكرره قبله شمعون بيريس رئيس اسرائيل، وافيغدور ليبرمان وزير الخارجية، يشير الى ان هذه الدول ربما تكون مرشحة لازمات امنية وسياسية خطيرة في المستقبل القريب.

فاذا كان خطر الجماعات الاسلامية المتشددة يهدد هذه الدول وامنها واستقرارها، فان التحالف مع نتنياهو يوفر لها الذخيرة التي تتطلع اليها وتنتظرها، واللافت ان هذه الدول لم تتعلم من اخفاقات سياساتها في العراق وسورية وليبيا وتحاول تكرارها حاليا بالتقرب من الاسرائيليين والصمت على مجازرهم في قطاع غزة.

***

في العدوانين الاخيرين على قطاع غزة كانت الخسائر البشرية الاسرائيلية معدومة تقريبا، في الحرب الحالية اعترفت القيادة الاسرائيلية رسميا بمقتل 55 جنديا وثلاثة مدنيين وجنديين اسيريين، وفوجئت بادارة متفوقة للمواجهات، ومدينة كاملة تحت الارض عجزت كل اجهزتها الاستخبارية عن معرفة دهاليزها، وهذا التطور العملياتي ينبيء بان الحرب المقبلة ستكون مختلفة ايضا.

بلير الذي ورط بلاده في حربين خاسرتين في العراق وافغانستان، وثالثة في ليبيا باستشاراته وفبركاته، سيورط مصر واصدقائها في الخليج العربي في حروب مضمونة الخسارة ايضا، ولا نستبعد ان يكون هو عراب الحلف الاسرائيلي الخليجي الجديد الذي اشار اليه نتنياهو وبيريس وليبرمان.

شعب قطاع غزة الذي ضرب اروع الامثلة في التصدي للعدوان، سيتجاوز آثار الحرب الحالية، مثلما تجاوز كل الحروب السابقة، وسيخرج شامخا من وسط الدمار، ولكن الخسارة الاكبر ستلحق باسرائيل والمتواطئين معها، وستصل النار الى ثوبهم، وليس طرفه فقط، لان بلير لم يدعم دولة وانتصرت بما فيها بلده بريطانيا، وهذا لا يعني انه سيخرج رابحا لانه يكره العرب اولا، وانما لانه سيخرج بمبلغ مالي محترم مقابل استشاراته التدميرية، فحبه للمال لا يحتاج الى اثبات.

اليس هذا ابشع انواع الطغيان يا عرب الديمقراطية؟ ولماذا “تسرعتم” في عقد اجتماع وزراء خارجيتكم “العاجل”.. فاسرائيل لم تفن ابناء القطاع بعد.. ونبشركم.. من دماء الشهداء ستنطلق شرارة التغيير الحقيقي

 

عندما تم العثور على جثث الفتيان المستوطنين الثلاثة الذين جرى اختطافهم وقتلهم من جهة ما زالت مجهولة حتى هذه اللحظة، اقام الاعلام الغربي مناحة، والغى كل برامجه العادية من اجل نقل مراسم تشييعهم، وفتح شاشاته على مصراعيها للسفراء والمتحدثين العسكريين الاسرائيليين لتوجيه الشتائم للعرب والمسلمين الهمج القتلة.

بالامس وعندما اغارت الطائرات الاسرائيلية على بيت للعجزة في شمال غزة، وقتلت كل من فيه، ومزقت اجسادهم الطاهرة، ونقلت عدسات التلفزة الكراسي المتحركة بين الانقاض، توقعت شخصيا، لانني اعيش في الغرب، ان تحرك هذه المشاهد القلوب “الرقيقة” و”المرهفة” بالانسانية للمسؤولين والزعماء الاوروبيين، ويتحركون فورا من اجل وقف اطلاق النار، لانني تابعت كيف استغلت اسرائيل، والغرب عموما، مقتل اليهودي الامريكي المقعد ليون كلينغهوفر بطريقة غامضة على ظهر السفينة الايطالية المخطوفة اكيلي لورو وتحميل الشعب الفلسطيني كله اثم هذه الجريمة.

***

الغرب يصمت بشكل مخجل على المجازر الاسرائيلية في قطاع غزة، وبعض اعلامه يقدم الضحايا من الاطفال الفلسطينيين على انهم يهود قتلتهم الصواريخ المنطلقة من القطاع (اي بي سي) الامريكية، وتوني بلير “مبعوث السلام” الذي يتحمل مسؤولية قتل مليون شهيد عراقي يتنقل بين العواصم العربية تحت ذريعة البحث عن مبادرة لوقف اطلاق النار، ويحظى باستقبالات رئاسية.

انهم يعطون العدوان الاسرائيلي الوقت الكافي لقتل المزيد من الاطفال والنساء والعجزة على امل ان يرفع المقاومون المدافعون عن غزة الرايات البيضاء، ولكنهم لم يفعلوا ولن يفعلوا، ويزدادون صلابة وعنادا، ويواصلون اطلاق صواريخهم على كل بقعة في فلسطين المحتلة، وينتظرون الغزو البري على احر من الجمر.

قادة فصائل المقاومة اغلقوا هواتفهم، وباتوا يديرون المعارك من غرف عمليات محصنة تحت الارض، لتجنب الرد على جمع الوسطاء العرب المدسوسين الذين يريدون انقاذ انفسهم قبل انقاذ الشعب الفلسطيني مثلما يدعون.

الاسرائيليون الذين يقولون انهم يملكون احدث وسائل التجسس في العالم، ويعرفون قطاع غزة شبرا شبرا، فشلوا في العثور على هؤلاء الرجال، وباتوا يقصفون بشكل عشوائي متخبط المساجد ومنازل هؤلاء ويقتلون اطفالهم وجيرانهم في اكبر تجسيد للجبن والتعطش لقتل الفلسطينيين، فالمهمة الوحيدة للجيش الاسرائيلي هي قتل الابرياء العزل ولم يواجه جيشا عربيا منذ اربعين عاما.

اهل قطاع غزة باتوا على موعد كل عامين مع حرب اسرائيلية، ودمار جديد وشهداء جدد، ولكنهم وهم الذين هزموا الاسكندر المقدوني، وصمدوا في وجهه في وقت كانت تتساقط امام قواته المدن والامبراطوريات، لم يشتكوا مطلقا، ولم يلقوا سلاحهم، بل على العكس من ذلك طوروا قدراتهم القتالية وحدّثوها، وابدعوا في تصنيع الصواريخ والقذائف وحفر الانفاق رغم الحصار والتواطؤ الرسمي العربي.

جميل ذلك الطفل الفلسطيني الذي لا يزيد عمره عن السادسة وهو يقف امام “السبورة” في احد فصول مدرسة لجأت اليها عائلته بعد ان تدمر بيتها شمال القطاع، واخذ يرسم صاروخا، كنا نتمنى لو رسم وردة او حمامة سلام، ولكن الاسرائيليين وحلفاءهم الغربيين سرقوا البراءة من طفولته، وهذه اكبر جريمة حرب في رأيي، ونحن في انتظار التقرير الثاني للقاضي الاممي غولدستون لعله يذكر هذه الصورة وآثارها النفسية.

اعداد الشهداء في تصاعد، ولكن وعلى عكس ما يقوله كل المتخاذلين خاصة في سلطة رام الله والمتحدثين باسمها، لم تختر المقاومة في القطاع هذه الحرب، وفرضها نتنياهو وليبرمان وكل عصابة القتلة الاسرائيلية عليها، واستغلوا جريمة القتل الغامضة للشبان المستوطنين الثلاثة لشن هذه الحرب، ولا نستغرب الروايات التي تفيد بانها عملية خطف وقتل مشكوك فيها، الم يفجّر الاسرائيليون كنس يهودية في مصر لدفع يهودها للهجرة الى فلسطين المحتلة، الم تنسف خلايا الموساد دور سينما في احياء يهود بغداد لارهابهم واجبارهم على الهجوة، الم يستخدموا المجازر في دير ياسين والقبية لترويع الفلسطينيين وتهجيرهم؟!

وزراء الخارجية العرب يعقدون اجتماعا “عاجلا” غدا الاثنين لبحث الوضع في قطاع غزة، الا يخجل هؤلاء والامين العام للجامعة العربية واجتماعهم العاجل هذا يعقد وبتلكؤ شديد بعد سبعة ايام من بدء العدوان؟ وماذا سيقرر هؤلاء ارسال باقات الزهور لنتنياهو وحكومته على القيام بما عجزوا عنه وهو تدمير قطاع غزة لانه يتمسك بالمقاومة، وتديره حركة “حماس″ الارهابية؟!

عار على هؤلاء الذين كانوا يتسابقون لتسليح المعارضة السورية، ويرصدون عشرات المليارات لدعمها، يتآمرون الآن بصمتهم مع اسرائيل، وفي وضح النهار لتدمير قطاع غزة، لانه يقاوم “الطغيان” والغطرسة الاسرائيلية، ولكن “الطغيان” الاسرائيلي ليس كغيره، انه طغيان صديق بالنسبة الى هؤلاء الديمقراطيين المزيفين، وعليه ان يقتل ما شاء له القتل، ويقصف ما شاء له القصف ولا مانع ان يكون ذلك في شهر رمضان المبارك طالما ان الضحايا من الفلسطينيين.

***

اليس لافتا ان حروب غزة هي الوحيدة التي هي حروب بلا لاجئين، لان العرب، ومصر الرئيس عبد الفتاح السيسي اغلقت بوابة سجنها واحكمت الاغلاق، ولان القادة العرب لا يريدون الانتشار “لفيروس″ المقاومة، مثلما لا يريدون، وهم الذين تقدموا بمبادرة سلام صالحة لمئة قرن قادمة، وان يزعجوا الاسرائيليين ويزعزعوا استقرارهم وامن مواطنيهم “المسالمين”.

نطمئن القيادة المصرية، وكل نظرائها الآخرين بأن اهل قطاع غزة لن يلجأوا الى اي دولة عربية، ولن يغادوا قطاعهم الصامد، وسيستمرون في المقاومة مثلما فعلوا ليلة امس عندما احبطوا بشجاعة نادرة محاولة انزال بحري اسرائيلي، فهم يفضلون الشهادة على رمال القطاع على مواجهة الذل والمهانة في المعابر المصرية والمطارات العربية، تحت نظام الكفيل العبودي العنصري.

اعداد الشهداء تتزايد.. نعم.. ولكن ايام الصمود تتزايد ايضا، لان الذين يدافعون عن القطاع لا يخافون الموت، ويجسدون روح جديدة بدأت تعود بقوة الى هذه الامة، روح الكرامة والعزة والفداء، ومن قلب غزة ستنطلق شرارة التغيير الحقيقي والمشرف في المنطقة بأسرها.

حضور روحاني لحفل تنصيب السيسي حدث كبير.. ورفضه الدعوة حدث اكبر.. واستثناء تركيا وقطر يطرح الكثير من علامات الاستفهام

ضعف الاقبال على التصويت في الانتخابات الرئاسية المصرية جاء بمثابة الصدمة بالنسبة الى المشير عبد الفتاح السيسي، ولكن الصدمة الاكبر في رأينا ستكون في انخفاض مستوى المشاركة في حفل تنصيبه رئيسا للجمهورية الذي سيقام صباح الاحد حيث سيؤدي القسم في المحكمة الدستورية العليا امام الرئيس المؤقت عدلي منصور.

فباستثناء قادة الدول الخليجية الاربع الرئيسية اي المملكة العربية السعودية (الامير سلمان بن عبد العزيز ولي العهد) ومملكة البحرين (الملك حمد بن عيس آل خليفة) ودولة الامارات (الشيخ محمد بن زايد ولي العهد) ودولة الكويت (الامير صباح الاحمد)، جاء مستوى التمثيل في الحفل، وحتى كتابة هذه السطور، اقل بكثير من المتوقع حيث غاب معظم الزعماء.

الدعوات جرى توجيهها الى 22 دولة، من بينها الولايات المتحدة وروسيا وفلسطين والاردن واثيوبيا والصومال والمغرب، باستثناء العاهل الاردني والرئيسين الصومالي والفلسطيني، فضلت اغلبية الدول تمثيلها بمبعوثين شخصيين او سفراء او مستشارين.

استثناء تركيا وقطر واسرائيل من توجيه الدعوات للمشاركة في هذه المناسبة كان متوقعا، ولكن المفاجأة غير المتوقعة تمثلت في توجيه الدعوة الى الرئيس الايراني حسن روحاني بصفته رئيسا لايران، وبصفته رئيسا لدول عدم الانحياز، ولكن حتى كتابة هذه السطور ايضا، لم نسمع، او نقرأ عن اي رد ايراني بقبول الدعوة، او الاعتذار عن قبولها، خاصة ان معظم الوفود المشاركة وصلت الى القاهرة، ولم يكن من بينها اي وفد ايراني.

***

قبول الرئيس روحاني للدعوة، والمشاركة في حفل التنصيب بالتالي، سيكون الحدث الاهم والابرز في هذه المناسبة الذي قد يطغى على صاحب الدعوة نفسه، اما رفضها بالمطلق، سيكون حدثا اكبر لما قد ينطوي عليه من تبعات سياسية على درجة كبيرة من الاهمية ايضا.

فمن المفترض ان يطير الرئيس الروحاني الى انقرة يوم الاثنين في زيارة رسمية هي الاولى له منذ انتخابه رئيسا للجمهورية وكرد على زيارة فام بها رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، فهل رأت المؤسسة الايرانية الحاكمة انه بات من الصعب عليها الجمع بين حلفين ومعسكرين متناقضين وربما متحاربين في المستقبل، اي تركيا من ناحية والحلف المصري الخليجي الجديد من الناحية الاخرى بات في طور التبلور في الاشهر الستة الاخيرة، وبعد الاطاحة بالرئيس الاخواني محمد مرسي في انقلاب عسكري بقيادة المشير السيسي.

الايرانيون دهاة في السياسة واللعب على التناقضات الاقليمية والدولية ويملكون رصيدا كبيرا في الصبر، وتوجيه الدعوة من قبل المشير السيسي للمشاركة في الحفل محاولة لتحييدهم، اي الايرانيين، وابعادهم عن المعسكر التركي القطري الاخواني، ومحاولة جذبهم الى الائتلاف او الحلف المصري السعودي الجديد، ولكنهم فضلوا فيما يبدو التريث، والانتظار وعدم التسرع في اتخاذ اي قرار بالانحياز الى هذا الحلف او ذاك والبقاء على الحياد ولو مؤقتا حتى يذوب الثلج ويظهر ما تحته.

ارسال الولايات المتحدة شخصية غير رفيعة للمشاركة في حفل التنصيب، واكتفاء الاتحاد الاوروبي، بارسال سفرائه لحضور الحفل وغياب السيدة كاثي اشتون وزيرة الخارجية الاوروبية، يعكس تحفظات عديدة عنوانها الرئيسي هو القلق على تدهور الحريات وحقوق الانسان في مصر، ولكن هناك اسباب اكثر عمقا في رأينا لا بد انها ستظهر في الاشهر المقبلة، ومن بينها محاولة الاطمئنان على مدى قدرة الحكم الجديد على البقاء والصمود، ومعالجة التحديات الصعبة التي تقف في طريقه، وكذلك التعرف على موقفه من مسألتين مهمتين اولهما الصراع في سورية، وثانيهما اتفاقات كامب ديفيد.

فالرد المصري الذي صدر صباح اليوم على هذه التحفظات الاوروبية العلنية بارسال ملفات عشرة محكومين بالاعدام الى المفتي للتصديق على هذه العقوبة جاء اكثر سرعة من المتوقع، مما يؤكد مجددا ان سياسة القبضة الحديدة التي يتبعها الرئيس السيسي منذ وصوله الى الحكم يوم الثالث من تموز (يوليو) الماضي ستستمر وربما تزداد شراسة، وهذا غير مستغرب من رجل تعهد باجتثاث حركة الاخوان المسلمين، واعتقل معظم قياداتها، واكثر من عشرين الفا من انصارها، وبسبب هذا التعهد، وهذا العداء، حقق الفوز في الانتخابات الرئاسية الاخيرة.

الملوك والامراء واولياء العهود الخليجيون لم يأتوا الى القاهرة للمشاركة في حفل التنصيب وانما لتدشين الحلف الجديد الذي سيتمحور حول مصر وجيشها ويضم الاردن ايضا الى جانب الدول الثلاث التي سحبت سفراءها من الدوحة (السعودية الامارات البحرين) مع تزايد المؤشرات التي تفيد بان الكويت باتت على وشك الانضمام.

***

رسالة التهنئة الطويلة، وغير المألوفة، التي بعث بها العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، كانت تحمل تهديدات واضحة لكل من يتدخل في الشأن المصري الداخلي، وتعتبره تدخلا في “شؤون الاسلام” و”المملكة” نفسها، وتتبرأ من اي دولة تملك المال (اشارة الى قطر) لا تلبي دعوته (العاهل السعودي) لمشروع مارشال اقتصادي لانقاذ الاقتصاد المصري وتعزيز قوة مصر المالية، فهذه اكبر “مبايعة” للرئيس المصري الجديد، و”خريطة طريق” تحدد الاعداء والاصدقاء واعادة احياء “محور الاعتدال العربي” الذي وأدته ثورات ما يسمى بالربيع العربي، مثلما قلنا في مقال سابق.

فاذا كانت الدول الخليجية ستتكفل بمواجهة التحدي الاقتصادي الاكبر الذي يواجه الرئيس السيسي، وتزيل اعباءه عن كاهله، فان هذا يعني تفرغه للملفات الامنية وعلى رأسها اكمال مهمته التي بدأها في مصر بمطاردة الاخوان والتصدي لـ”الارهاب” في المنطقة، حسب وصفه.

عندما يصرح العقيد محمد حجازي المتحدث باسم اللواء الليبي المتمرد خليفة حفتر بان الاخير ينتظر قيام الجيش المصري بعملية عسكرية داخل ليبيا للقضاء على “الارهاب”، فان هذا التصريح قد يكون مؤشرا على اولويات الجيش المصري المقبلة، خاصة ان المشير السيسي وقبل انتخابه عبر في مقابلة مع محطة “العربية” عن قلقه من جراء تدهور الاوضاع في ليبيا وقال ان استمرار الوضع الراهن قد يعني سقوط الدولة وهذا “امر لا يليق ان نتفرج عليه”.

مهام الرئيس السيسي القادمة ودوره يذكرنا بدور الرئيس العراقي صدام حسين في اعلان الحرب على ايران لحماية العراق ودول الخليج معا، من اخطار وصول ثورتها “الخمينية” الى شواطئها في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وهي الحرب التي استمرت ثماني سنوات وتحملت السعودية والكويت معظم نفقاتها.. فهل نقول ان التاريخ يعيد نفسه ولكن بلاعبين آخرين مثلما جرت العادة؟!

طرد السفير السوري “المشاغب” من الاردن وعلاقته بمناورات “الاسد المتأهب” وتسخين الجبهة الجنوبية وقرب تسليح المعارضة باسلحة نوعية.. التوقيت مهم جدا

لا نعرف من طفح كيله اولا قبل الآخر، سورية ام الاردن، نسأل هذا السؤال ونحن نتابع التصعيد المفاجيء الدائر حاليا بين الطرفين وانعكس على شكل تبادل طرد السفراء بين البلدين بطريقة تنبيء بخطوات اكبر في المستقبل القريب، وتكشف عن احتقان وصل فيما يبدو درجة الانفجار.

السفير السوري في عمان بهجت سلمان لم يتوقف مطلقا عن انتقاد بعض السياسات الاردنية بصوت عال جدا، والقيام بزيارات الى شخصيات اردنية، او دعوتها الى اجتماعات على العشاء في بيته الذي تحول الى شبه منتدى يومي او اسبوعي يلتقي في صالوناته المؤيدين لنظرية “المؤامرة” التي تتعرض لها سورية، ويرون فيها حربا لتمزيق البلاد جغرافيا وديمغرافيا واسقاط النظام القائم، ويعلنون دعمهم بكل قوة للنظام في مواجهتها، ويجاهرون علنا في الوقوف في خندقه.

لا يخامرنا ادنى شك بان السفير سليمان خرج عن الاعراف الدبلوماسية المتبعة بتعرضه بشكل علني لسياسات الدولة المضيفة نقدا وهجوما وتهديدا، ولكن اسمحوا لنا ان نكون كمحامي الشيطان، ونقول ان الاردن يتدخل ايضا، وبطرق اكثر قسوة في الشؤون الداخلية السورية سواء من خلال تسهيل دخول المقاتلين او الاسلحة، او من خلال فتح قواعده العسكرية لتدريب قوات المعارضة السورية وباشراف امريكي.

***

فليس من قبيل الصدفة ان يأتي طرد السفير السوري من عمان، وامهاله 24 ساعة فقد للمغادرة، متزامنا مع بدء مناورات “الاسد المتأهب” العسكرية التي تجري حاليا قرب الحدود السورية الجنوبية وتستمر حتى الثامن من الشهر المقبل، وتشارك فيها قوات من 19 دولة ابرزها امريكا وتركيا، والمملكة العربية السعودية، وقطر، واستراليا، والعراق، وبلجيكا، وبروناي، والامارات، وجمهورية التشيك، وفرنسا، وبريطانيا، وايطاليا، وكندا، وكازاخستان، والكويت ولبنان ومصر، والنرويج، وباكستان وبولندا، وفيلق من قوات التدخل السريع التابعة لحلف الناتو، ونسأل بعيدا عن البراءة: لمن “يتأهب” هذا الاسد.

لا نعتقد انه يتأهب لمواجهة الاحتلال الاسرائيلي للاراضي المحتلة، ولا نعتقد ان هذه المناورات لها علاقة بايران التي وقعت معها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، المشاركة في هذه المناورات، اتفاقا نوويا ادى الى تخفيف الحصار عنها، اي ايران، وفك التجميد المفروض على ملياراتها في البنوك الغربية.

توقيت اتخاذ عملية الطرد هذه ينطوي على معان خطيرة جدا لا يستطيع المرء تجاهلها بسهولة ويمكن ايجازها في النقاط التالية قبل استخلاص النتائج المتوقعة:

*اولا: اعلن السيد احمد الجربا رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض يوم الاحد ان تدفق الاسلحة الامريكية والعربية النوعية الى الفصائل المسلحة التي تقاتل لاسقاط النظام في سورية سيبدأ في غضون ثلاثة اسابيع وبهدف تغيير الموازين في ميادين القتال لصالح المعارضة.

*ثانيا: تتزايد التوقعات حول قرب “تسخين” الجبهة الجنوبية السورية المحاذية للاردن وتفعيلها بحيث تكون منطلقا وارضية للهجوم على دمشق (تبعد درعا حوالي مئة كيلومتر عن العاصمة السورية)، وتشير تقارير اخبارية الى احتمالات مشاركة قوية للاردن في عملية التسخين هذه لوجستيا على الاقل.

*ثالثا: اعلان الائتلاف الوطني السوري على لسان عضوه السيد احمد جقل ظهر اليوم عن تسمية رجل الاعمال السوري الشاب محمد مروح ممثلا له في الاردن ليحل محل السفير المطرود السيد سليمان، ولا نعتقد ان هذا التعيين جاء من قبيل الصدفة، وانما مخطط له منذ فترة طويلة وبالتنسيق مع السلطات الاردنية، وفي اطار خطة بدأت في واشنطن ولندن وباريس، والاخيرة فتحت سفارة للائتلاف فيها.

*رابعا: معارضة منظومة “اصدقاء سورية” الشديدة للانتخابات الرئاسية السورية، واعتبارها “مهزلة” وقتلا للحل السياسي وقرارات مؤتمر جنيف، واعادة تأكيدها مجددا على عدم شرعية النظام السوري الحالي، ورفض اي دور له في مستقبل سورية وتلميحها الى احتمال التدخل العسكري لاحباطها، والاردن كان مشاركا في الاجتماع الاخير الذي انعقد قبل اسبوع في لندن، والعاهل الاردني عبد الله الثاني زار العاصمة البريطانية في الفترة نفسها، والتقى مسؤولين بريطانيين وكان الملف السوري محور المناقشات.

نعترف بان الاردن صبر كثيرا على بعض التجاوزات “الاعلامية السياسية” سواء من قبل السفير او وسائل الاعلام السورية المرئية والمكتوبة، ووجه تحذيرات للسفير سليمان اكثر من مرة بسبب اقدامه على ممارسات صنفها مسؤولون اردنيون في خانة “الاستفزاز″ ولكن التصعيد ربما لا يكون في اعتقادنا من مصلحة الاردن الذي عمل دائما على التهدئة، وكظم الغيظ، وعدم الانجرار بالتالي الى معارك سياسية او دبلوماسية، وربما لا نبالغ اذا قلنا ان اي تصعيد من جانبه (الاردن) قد لا يكون في صالحه.

نشرح اكثر ونقول ان النظام السوري كان دائما مصدر تهديد امني للاردن، ولذلك لجأت القيادة الاردنية على مر العقود الماضية لاخذ هذا التهديد بمجمل الجد، وعمدت دائما الى معالجة التوتر في العلاقات بالصبر والحكمة وتطويقه في اسرع وقت ممكن.

اذكر مرة انني كنت على موعد مع العاهل الاردني الملك حسين بن طلال (رحمه الله) في الديوان الملكي في اوائل التسعينات، وكان يدخن بشراهة، ووجهه مليء بعلامات الغضب، فسألته بتردد شديد عن اسباب غضبه، وكان معي الزميل بسام بدارين، فقال تصور يا اخي كنت قبل وصولك على اتصال مع الرئيس السوري حافظ الاسد للاطمئنان والتواصل، وترطيب الاجواء، واكتشفت في حينها انه كان مجتمعا مع الرئيس حسني مبارك ولم يقل لي مطلقا انه اي الرئيس مبارك يجلس بجانبه ويرسل لي سلامه وتحياته مثلما تجري العادة بين الزعماء، واضاف العاهل الاردني لا افهم هذا التصرف، ولكني مضطر لمسايرتهم لتجنب اذاهم.

صحيح ان النظام السوري يمر بظروف صعبة قد يفسرها البعض بانها وضعته في حالة ضعف، فهو يحارب على كل الجبهات تقريبا، ويخوض معارك دموية طاحنة مع اكثر من الف فصيل معارض تحظى بدعم قوى اقليمية وعالمية عظمى، تنفق المليارات من الدولارات نقدا او لتمويل صفقات تسليحها ولكن الصحيح ايضا ان النمر الجريح يكون اكثر خطورة من النمر الصحيح المعافى، وليس هناك لدى النظام السوري الكثير مما يمكن ان يخسره في ظل حالته هذه.

***

هناك اكثر من مليون لاجيء سوري في الاردن والحدود مفتوحة على مصراعيها بين البلدين، وصفقات الاسلحة، والمقاتلين، تقطع هذه الحدود في الاتجاهين، والاردن اعلن اكثر من مرة عن ضبط شحنات اسلحة، كما قصف اكثر من مرة قوافل مهربين ومقاتلين.

من الصعب التفريق بين من هو مؤيد للنظام السوري ومن هو معارض له، واي الخلايا نائمة وايها صاحية، والعاهل الاردني قال لمحرر هذه الصحيفة ان هناك اكثر من 17 جهازا امنيا سريا في سورية لا تنسق بل ولا تعرف عن بعضها البعض.

راس مال الاردن الحقيقي هو امنه واستقراره في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيش في ظلها حاليا، وربما يكون من الحكمة الاستمرار في نهج التهدئة وتجنب التصعيد اذا كان ذلك ممكنا ومتاحا، وعدم التجاوب مع التحريض على توتير الاجواء وقطع العلاقات مع الجار السوري من قبل بعض العرب.

ندرك دائما ان الاردن ليس دولة عظمى، وانه محكوم بظروف داخلية وخارجية صعبة، يضطر في احيان كثيرة لمراعاتها، والتجاوب مع الضغوط المترتبة عليها، ولكننا ندرك ايضا ان الاندفاع غير المدروس مع هذا التجاوب قد يؤدي الى تبعات خطيرة، بل خطيرة جدا عندما يتعلق الامر بالتورط بطريقة اعمق في المستنقع الدموي السوري الحالي وفي وقت تتغير فيه موازين القوى لصالح النظام وحلفائه.

الدشاديش الخليجية بدأت تعود للمشهد اللبناني مجددا.. والفضل لامريكا وخريطة طريق رفسنجاني.. وزيارة امير الكويت لايران ستمهد لمرحلة جديدة

 

عندما ترى السياح الخليجيين بدشاديشهم البيضاء الانيقة وغترهم يتدفقون الى بيروت ويحتلون معظم مقاعد مقاهيها ومطاعمها ومولات التسوق الراقية مع اسرهم.. وعندما تقرأ انباء عودة السفير السعودي الى العاصمة اللبنانية بعد غياب لعدة اشهر تجنبا للتفجيرات المضادة، وبعدها مباشرة تتشكل حكومة وفاق برئاسة تمام سلام اللبنانية بعد مماحكات عديدة.. وعندما تخفف كتائب “التويتر” والفيسبوك” من استخدام كلمات مثل “رافضي” و”صفوي” و”مجوسي” فاعلم ان العلاقات الايرانية الخليجية في طريقها الى التحسن التدريجي، وان الانفراج بات وشيكا.

زوار العاصمة اللبنانية بدأوا يرصدون هذه الايام الاسراب الاولى من الطيور الخليجية المهاجرة من قيظ الخليج تحط في شارع الحمراء وعالية، والاشرفية ومناطق اخرى، بعد انقطاع استمر ما يقرب من الثلاثة اعوام، بالتحديد منذ بدء الازمة السورية، واشتعال حرب الاستقطاب الطائفي التي رافقتها، ويلحظون، اي الزوار، علامات البهجة والفرح على وجوه اللبنانيين، لان هذا يعني الامان وانحسار موجة التفجيرات، والسيارات المفخخة، والانتعاش الاقتصادي ولو مؤقتا.

***

تحولان رئيسيان غيرا بعض ركائز معادلة العنف والتوتر في لبنان في الاسابيع القليلة الماضية، واشاعا موجه من التفاؤل حول امكانية نزع فتيل الازمة اللبنانية الى جانب ازمات اخرى في المنطقة:

*الاول: الدعوة التي وجهها الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي الى نظيره الايراني محمد جواد ظريف لزيارة المملكة مرفوقة برغبة سعودية في الانخراط في مفاوضات لتسوية الملفات الخلافية بين البلدين.

*الثاني: اعلان دولة الكويت عن قيام اميرها الشيخ صباح الاحمد الصباح بزيارة رسمية الى طهران على رأس وفد كبير يوم 31 ايار (مايو) الحالي تلبية لدعوة من الرئيس الايراني حسن روحاني.

السلطات الايرانية رحبت بدعوة وزير الخارجية السعودي التي كسرت حدة التوتر في العلاقات بين البلدين، وتستعد لفرش السجاد الاحمر لاستقبال اول رئيس دولة خليجية (امير الكويت) تهبط طائرته في مطار طهران بعد انقطاع استمر عدة سنوات. (سنتحدث لاحقا عن زيارة السلطان قابوس).

الفضل في هذا التحول الكبير يعود الى الولايات المتحدة الامريكية وادارتها الحالية التي وقعت اتفاقا نوويا مؤقتا مع الحكومة الايرانية حول برنامجها النووي في غفلة من الجميع (باستثناء عمان)، الامر الذي دفع الدول الخليجية، والسعودية بالذات، الى مراجعة حساباتها، وتجاوز مرحلة الصدمة باقصى سرعة ممكنة، والسير على الطريق الامريكي نفسه، في تطبيق حرفي للمثل الانكليزي الشهير الذي يقول: اذا لم تستطع هزيمتهم فمن الاسلم ان تنضم اليهم”، ونضيف من عندنا “ولو الى حين”.

زيارة امير الكويت تنطوي على درجة كبيرة من الاهمية ليس من حيث كونها مقدمة لسلسلة من الزيارات القادمة فقط، وانما لان الرجل معروف بقدراته وخبرته الدبلوماسية العالية في حل النزعات اولا، ولانعكاس التوتر الخليجي الايراني بشكل اخطر على بلاده التي تقول الاحصاءات الرسمية ان عدد ابناء الطائفة الشيعية فيها يزيد عن ثلاثين في المئة من مجموع الكويتيين “الاصليين”، وباتوا يشكلون كتلة سياسية ومذهبية لها ثقلها في مؤسسات الدولة السياسية، وقطاعها الاقتصادي وخريطتها الاعلامية.

ومن اللافت ان السيد هاشمي رفسنجاني الرئيس الايراني الاسبق، ورئيس هيئة تشخيص النظام في ايراني، والمعروف بعلاقاته الوثيقة مع العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، اصدر قبل بضعة ايام وثيقة اعتبرها “خريطة طريق” لخل الخلافات الايرانية الخليجية، اقترح فيها بدء المفاوضات حول القضايا الاسهل مثل البحرين ولبنان واليمن ثم الانتقال بعد ذلك الى القضايا الاصعب مثل العراق وسورية.

خريطة طريق السيد رفسنجاني التي تحدثت عنها الصحافة الايرانية باسهاب تقوم على قاعدة “تنظيم الخلافات” تمهيدا لحلها، او بالاحرى “ادارتها” اي تجميدها اولا، ثم تفكيكها الواحدة تلو الاخرى مع وعود ايرانية بالضغط على القيادات البحرينية الشيعية بالانخراط في مفاوضات مع الدولة وتخفيف حدة الاحتجاجات مقابل تشكيل حكومة بحرينية جديدة تستوعب بعض وجوه المعارضة، والنظر في ملف المظالم الاخرى، ثم بعد ذلك يتم الانتقال الى الملف اللبناني وتسهيل عملية انتخاب رئيس جديد خلفا للحالي ميشال سليمان الذي تنتهي ولايته رسميا بعد ايام معدودة، وفي موازاة ذلك تبدأ المفاوضات حول “الملف الحوثي” في اليمن واشراك الحوثيين ايضا في حكومة يمينية جديدة على غرار التسوية البحرينية.

***

صحيح ان السلطان قابوس بن سعيد زار طهران قبل عام، ولكن زيارته المفاجئة في حينها كانت منصبة على بحث الخلاف الايراني الامريكي، وللتوسط لحل هذا الخلاف بالوسائل السلمية، وحققت هذه الزيارة اختراقا كبيرا في هذا الاتجاه، حيث استضافت سلطنة عمان مفاوضات سرية بين الطرفين لمدة ستة اشهر تمخضت عن الاتفاق النووي، اما زيارة امير الكويت فتتعلق بالخلافات الخليجية الايرانية بالدرجة الاولى وكيفية ايجاد مخارج للازمتين السورية والعراقية الى جانب الازمات الاخرى، وهي تمهيد او تسهيل للمفاوضات السعودية الايرانية الاكثر اهمية في هذا المضمار.

الكثيرون توقعوا صيفا ايرانيا خليجيا ملتهبا، ولكن من الواضح ان هذه التوقعات كانت متسرعة وفي غير محلها لان ما كان في الظاهر شيء والباطن شيء آخر ومن كانوا يصبون الزيت على نار الخلاف بين الطرفين جرى ابعادهم، مثل الامير بندر بن سلطان الذي كان مسؤولا عن الملف الايراني والملفات الاخرى المتفرعة عنه مثل الملفين العراقي والسوري، وانتصار الجناح السعودي الاكثر براغماتية الذي كان يفضل التهدئة على التصعيد والحلول التفاوضية للازمات لان البديل عن هذه الحلول هو حرب ستدمر المنطقة، او قلاقل امنية تهز استقرارها في افضل الاحوال.

الصيف الخليجي سيظل قائظا سياسيا وطقسيا، ولكن بوادر الانفراج بدأت تطل برأسها وتوحي بأن عجلة المفاوضات التي من المقرر ان تبدأ في الدوران التدريجي في الايام المقبلة قد تظل ذروة سرعتها في الخريف ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال “الهدنة الاعلامية” التي نرى انعكاساتها في وسائل اعلام البلدين، والخليجي منه على وجه الخصوص.