السعودية

صمود قوات “الدولة الاسلامية” في “عين العرب” يصيب القيادة الامريكية بالاحباط والسورية بالسعادة وان ادعت غير ذلك.. والاستغاثة بالعرب لاستعادة “اراضيهم” لن تجد آذانا صاغية

عبد الباري عطوان
كثيرة هي التصريحات الغريبة التي تصدر عن الحكومة السورية في دمشق، ولكن البيان الذي صدر يوم امس عن وزارة الخارجية السورية واعتبرت فيه دخول قوات البشمرغة الى “مدينة عين العرب ـ كوباني” يعتبر واحد من اغربها، هذا ان لم يكن اغربها، فالبيان المذكور وصف عبور هذه القوات الحدود الشمالية مع تركيا الى المدينة بأنه “تدخلا في الشؤون الداخلية للبلاد وانتهاك سافر للسيادة السورية”، وانتقد بشدة الدور التركي المتواطيء والداعم لهذا التدخل.
مصدر الغرابة ان هذا الانتهاك ليس جديدا، ولا مفاجئا، في ظل تدهور الاوضاع في سورية وحالة الفوضى التي تسودها منذ اربع سنوات تقريبا الايام فلم يبق احد لم يتدخل فيها وشؤونها الداخلية وتنتهك سيادتها بطريقة او بأخرى: دول الخليج التي تضخ مليارات الدولارات لدعم المعارضة وتسليحها، والسلطات التركية التي حولت انطاكية المحاذية للحدود الشمالية الغربية السورية الى “بيشاور” اخرى لعبور المقاتلين والاموال الى العمق السوري، على غرار الدور الباكستاني في حرب “المجاهدين” الافغان لاخراج القوات السوفييتية من بلادهم، وفوق هذا وذاك طائرات التحالف الامريكي الجديد التي تسيطر على الاجواء السورية وتشن غارات مكثفة على مواقع “الدولة الاسلامية” وتجمعاتها، فلم تبق دولة في الغرب الا وارسلت طائرات حربية، طالما ان لا خطر عليها وطياريها سواء في الجو او من الارض، فهي طلعات تدريبية آمنة، والضحايا عرب مدنيين كانوا او من مقاتلي “الدولة”.
***
مدينة “عين العرب ـ كوباني” التي لا يزيد عدد سكانها عن ثلاثين الفا في طريقها لكي تتحول الى “لينينغراد” اخرى، فمنذ شهر ونصف الشهر تقريبا والطائرات الامريكية في الجو والقوات الكردية على الارض تحاول منع سقوطها في ايدي قوات “الدولة الاسلامية” الزاحفة نحوها، دون جدوى رغم الفارق الكبير في العدد والعتاد.
عدم نجاح القوات المدافعة عن المدينة في اعادة السيطرة عليها، وفشل الطائرات الامريكية في وقف تقدم قوات “الدولة الاسلامية” يؤكد دون اي تردد بأن التدخل العسكري الامريكي ما زال يدور في المربع الاول ولم يعط نتائجه المرجوه، او هكذا نعتقد، ومعنا الكثير من الخبراء والعسكريين الغربيين وغيرهم.
ارسال 400 جندي من قوات “البشمرغة” وفوقها العدد نفسه من قوات الجيش السوري الحر لا نعتقد انه سيغير معادلات القوة على الارض، بل سيشكل احراجا كبيرا لكل هذه القوى التي تقف خلف التدخل العسكري الارضي، سواء بفتح الحدود مثلما هو حال تركيا، او بارسال القوات والمعدات مثلما فعلت قيادة “دولة” كردستان العراق.
لا نعتقد ان البيان السوري الرسمي المندد بهذا التدخل العسكري الارضي يعكس المشاعر الحقيقية للقيادة السورية، فاندلاع المواجهات العسكرية بين اعدائها هو خبر سار بالنسبة اليها، جاءها دون ان تحتسب، ومن غير ان تبذل اي مجهود للوصول الى هذه النتيجة.
ولا بد ان القيادة العسكرية الامريكية تشعر بالاسى في الوقت نفسه، وهي ترى مدى ضعف حلفائها الذين يقاتلون “الدولة الاسلامية” في المدينة ذاتها (كوباني) وعدم قدرتهم، ورغم اطنان الاسلحة الحديثة التي القتها عليهم من الجو، والتعزيزات الاخرى، على حسم المعركة لصالحهم.
وربما نستشف هذه المشاعر الامريكية المحبطة من التصريحات التي ادلى بها اليوم (الخميس) الجنرال راي اوديرنو رئيس هيئة الاركان المشتركة في الجيش الامريكي في حديث لمحطة الـ”سي ان ان” وقال فيها “ان مهمة قتال تنظيم “الدولة الاسلامية” على الارض ترجع للعراقيين والسوريين والعرب، لان تلك بلدانهم وعليهم استعادتها من جديد”.
واوضح، هذا هو الاهم “ان الجنود الامريكيين ليسوا متطوعين، وهم يتلقون الاوامر التي نصدرها لهم ونحاول تجنيبهم المخاطر والحفاظ على معنوياتهم ومعنويات عائلاتهم، ونفعل كل ما في وسعنا لحماية جنودنا”.
نبشر الجنرال الامريكي بأن الحكومات العربية لن ترسل قوات لمحاربة تنظيم “الدولة الاسلامية” وقواته على الارض وهزيمته خاصة بعد ان شاهدت صمود هذه القوات وقتالها الشرس في “عين العرب”، والحاقها خسائر كبيرة في صفوف القوات الكردية المدافعة عنها وبعد ان تابعت انهيار قوات الجيش العراقي امامها وهروب ثلاثين الفا من جنوده قبل وصولها، اي “الدولة”، الى حدود مدينة الموصل خوفا ورعبا، والشيء نفسه يقال ايضا عن قوات البشمرغة.
***
الحكومات العربية يمكن ان ترسل طائرات حربية لالقاء بعض الصواريخ على آبار ومصافي نفط، وبهدف “الاستعراض الاعلامي” لا اكثر ولا اقل، اما ان ترسل جنودا فهذا من عاشر المستحيلات لان معظم هؤلاء الجنود قد لا يعودون الى بلدانهم، وان عادوا ففي حقائب بلاستيكية سوداء.
لا نضيف جديدا اذا قلنا ان امريكا تورطت ورطة بلا قاع في سورية والعراق، ولا بد ان السلطات السورية تعرف هذه الحقيقة جيدا، وتفرك يديها فرحا، وهي ترى ان هذا المأزق الامريكي والعربي يتعمق، واعداءها يتقاتلون، فسيمر وقت طويل حتى يصفي هؤلاء حساباتهم مع بعضهم البعض قبل ان يلتفتون اليها.
الغالبية الساحقة من الذين تدخلوا ويتدخلون في الازمة السورية خاسرون حتى الآن، سواء بالمال او السلاح او فتح الحدود، وهذا لا يعني ان السلطات السورية ليست من بين الخاسرين، ولكنها ربما تكون الاقل خسارة في الوقت الراهن على الاقل، اما المستقبل فلا احد يستطيع التنبؤ به ومفاجآته وما اكثرها، ولهذا نستغرب بيان وزارة الخارجية السورية.

كم نحتاج من الجيوش لمنع استيلاء “الدولة الاسلامية” على بلدة “كوباني” الكردية؟ وما هي النتائج المترتبة على انضمام الجيش السوري الحر للقتال الى جانب المدافعين عنها؟

عبد الباري عطوان

لا نعرف كم عدد الجيوش المطلوبة التي يمكن ان تهزم قوات “الدولة الاسلامية” وتحول دون استيلائها على مدينة “عين العرب ـ كوباني”، وكم عدد الطائرات الحربية الامريكية والعربية اللازمة لوقف تقدمها، وهي التي لا تملك الا بعض المدرعات وبضعة آلاف من المقاتلين المسلحين بأسلحة خفيفة.
فلا نسمع او نقرأ هذه الايام الا عن قوات تتدفق من كل مكان الى المدينة لمواجهة “الدولة الاسلامية”، فالرئيس التركي رجب طيب اردوغان اعلن الخميس ان مئتي جندي من قوات البشمرغة الكردية عبرت الحدود الى “كوباني”، واعلن الجمعة في مؤتمر صحافي عقده في تالين عاصمة استونيا المحطة الثانية في جولته “البلطيقية”، ان 1300 جندي من الجيش السوري الحر سيعبرون الحدود التركية للانضمام الى وحدات حماية الشعب الكردي التي تدافع عن المدينة.
***
الرئيس اردوغان عارض بشدة فتح حدود بلاده امام اي قوات كردية او غير كردية تريد مساعدة القوات الكردية المحلية، ووصف حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني وميليشياته بأنها امتداد لحزب العمال الكردستاني “الارهابي” حليف النظام السوري.
السيد نواف خليل المتحدث باسم حزب الاتحاد الديمقراطي، ابرز الاحزاب الكردية السورية الذي شكك بتصريحات الرئيس اردوغان هذه طرح تساؤلا، يبدو مشروعا للوهلة الاولى، عندما قال “لماذا لا تتوجه قوات الجيش الحر التي تريد الدخول الى كوباني وتقاتل في مدينة حلب التي تكاد تسقط في ايدي النظام”.
ما لا يعرفه السيد نواف خليل ان الاوامر للجيش السوري الحر بالتحرك في هذا الاتجاه او ذاك تأتي من قيادة قوات التحالف الامريكي وبالتنسيق مع السلطات التركية، والرئيس اردوغان اكد على هذه الحقيقة بكل صراحة، عندما قال ان الجيش الحر هو خيارنا الاول للدفاع عن كوباني، ثم بعد ذلك قوات البشمرغة الكردية في الدرجة الثانية.
مشاركة الجيش الحر في القتال ضد “الدولة الاسلامية” ربما تكون خطوة اولى، او “بروفة” لفتح جبهات الرقة ودير الزور واعزاز ليس في مواجهة “الدولة الاسلامية” فقط، وانما الجبهات والفصائل الاخرى التي ادانت التدخل العسكري الامريكي ضد “الدولة الاسلامية”، ووصفت التحالف الامريكي الخمسيني بأنه تحالف “صهيوامريكي”.
نحن نقف الآن امام عملية فرز واضحة داخل المعارضة السورية المسلحة التي انقسمت الى معسكريين رئيسيين:
*الاول: يضم الجماعات الاسلامية المتشددة مثل “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة”، واحرار الشام، ولواء الشام، ومنظمات اخرى وتعارض التدخل العسكري الامريكي.
*الثاني: يتزعمه الجيش السوري الحر (او جناح منه) الى جانب جيش الاسلام، وقوات بركان الفرات وفصيل ثوار الرقة، واحرار جرابلس.
ومن غير المستبعد ان يشهد الجيش السوري انشقاقات جديدة في الاسابيع المقبلة، فالعقيد عبد الجبار الكعيدي احد قادة هذا الجيش اكد في تصريحات لوكالة انباء الاناضول التركية الرسمية انه سيقود مجموعة من الف مقاتل للدفاع عن “عين العرب ـ كوباني” في اطار مبادرة من فصائل كبيرة في الجيش الحر، ودون التنسيق مع المجلس العسكري، الذي من المفترض انه يشكل المظلة العسكرية القيادية للجيش الحر.
معركة “عين العرب ـ كوباني” المحتدمة منذ ما يقرب الشهر، وايا كانت نتائجها، والجهة التي تسيطر عليها، فانها ستكون مقدمة، او بالاحرى خطوة اولى لفتح جبهات اخرى في مناطق تسيطر عليها “الدولة الاسلامية” في الاراضي السورية مثل محافظتي الرقة ودير الزور في الشرق.
***
المؤشرات التي يمكن استخلاصها من سير المعارك في “عين العرب”، وخريطة القوى التي تقاتل دفاعا عنها، تعكس صعوبات كبيرة في طريق مهمة التحالف الامريكي الاساسية، اي اضعاف “الدولة الاسلامية” والقضاء عليها بالسرعة المطلوبة، فاذا كان منع سقوط هذه البلدة الحدودية التي لا يزيد تعداد سكانها عن 35 الف (هرب معظمهم الى داخل تركيا) يحتاج اكثر من شهر من القصف المتواصل وتدفق آلاف من المقاتلين، فكيف سيكون الحال في مدن مثل الموصل والرقة ودير الزور والفلوجة؟ فالنظريات العسكرية الاولية تفيد بأن “مهمة” الذين يقفون في خندق الدفاع اكثر سهولة من المهاجمين الذين يحتاجون الى ثلاثة اضعاف القوات المدافعة، بالاضافة الى غطاء جوي مكثف، وهذا ما لم يتأت لقوات “الدولة الاسلامية”.
لا بد ان القيادة السورية في دمشق تفرك يديها فرحا هذه الايام وهي ترى خصومها الذين كانوا يشكلون جبهة واحدة متماسكة ضدها يقاتلون بعضهم بعضا، والفضل في ذلك للتحالف الامريكي و”الدولة الاسلامية” معا، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، لكن الى متى يستمر هذا الفرح، لا حد يملك الاجابة القاطعة، لان المتغيرات متسارعة جدا في ميادين الصراع في سورية والعراق او هكذا نعتقد.

“رياح الجنة” تحول المساعدات العسكرية الامريكية الى مناطق “الدولة” في “عين العرب”.. ومفاجآت كثيرة في الطريق.. وتراجع تركيا عن فتح حدودها للبشمرغة احداها!

لا يأتينا من سورية هذه الايام غير “المفاجآت”، بعضها مفهوم ومعظمها يستعصي على الفهم من شدة غرابته وتعقيداته، لكن الشيء المؤكد ان الازمة ستستمر وتزداد تفاقما اسبوعا بعد اسبوع، وشهرا بعد شهر، وعاما بعد عام، ولا احد يملك المفتاح السحري للحل.
صحيح ان “الدولة الاسلامية” خطفت الاضواء بتقدمها “على حين غفلة” في الاراضي السورية والعراقية، واجبارها امريكا على تشكيل تحالف من اربعين دولة، والعودة بطائراتها ومستشاريها العسكريين الى العراق مكرهة، ولكن الايام الحالية تشهد عودة قوية لملف الازمة السورية مجددا والحديث عن حل سلمي لها، وصفقات سرية يجري طبخها، او بالاحرى محاولة طبخها في الغرف المغلقة.
***
لنبدأ اولا بالمفاجآت التي وقعت في اليومين الماضيين ولا يمكن ان ندعها تمر دون التوقف عندها لطرافتها احيانا، وللمعاني الكبيرة التي يمكن استخلاصها من ثناياها:
* المفاجأة الاولى: اسقاط الطائرات الامريكية شحنات من الاسلحة النوعية المتقدمة جدا على مناطق خاضعة لسيطرة “الدولة الاسلامية” في مدينة “عين العرب” او كوباني الكردية في شمال سورية بطريق الخطأ، حيث كانت موجهة الى الاكراد، فاستولت عليها “الدولة” “غير شاكرة”، و”غير مقدرة”، معتبرة هذا الخطأ غير المقصود هو “ارادة الله” جلّ وعلى، وتأكيد على انه يقف معها في وجه اعدائها، مثلما قال احد انصارها على احد شبكات التواصل الاجتماعي.
فهذه الاسلحة وشحنات الادوية جاءت في الوقت المناسب، والمكان المناسب، حيث انهالت المساعدات العسكرية والطبية من امريكا وكردستان العراق وفرنسا على الاكراد المدافعين عن المدينة ومنع سقوطها، بينما تعاني قوات “الدولة” من بعض النقص في العتاد والذخائر.
*المفاجأة الثانية: اعلان السيد مولود شاوش اوغلو وزير الخارجية التركي في تصريح لمحطة تلفزيون “ان تي في” التركية الثلاثاء، ان المقاتلين من كردستان العراق لم يعبروا الحدود الى “عين العرب” انطلاقا من الاراضي التركية حتى الآن وان مفاوضات جارية في هذا الصدد، بعد ان اكد بعظمة لسانه قبل ثلاثة ايام، وعلقنا عليه في هذا المكان، ان بلاده لن تسمح بسقوط “عين العرب” (كوباني) وانها فتحت حدودها لقوات “البشمرغة” الكردية للدخول اليها.
لا نعرف الدوافع التي تكمن خلف هذا التراجع التركي، فهل هو الخوف من الميليشيا الكردية المدافعة عن (كوباني) ام من “الدولة الاسلامية” وانتقامها ام من الاثنتين معا؟ ولكننا نعرف تبعات هذا التراجع، واولها اتساع دائرة الخلاف مع الولايات المتحدة، بعض الدول المشاركة في التحالف الامريكي لاضعاف، ومن ثم القضاء على “الدولة الاسلامية”، وعودة قوية للاتهامات العربية والغربية التي تتهم تركيا بدعم “الدولة الاسلامية” بطرق مباشرة او غير مباشرة.
*المفاجأة الثالثة: اختيار السيد حيدر العبادي رئيس وزراء العراق الجديد العاصمة الايرانية “طهران” لكي تكون المحطة الاولى التي يزورها بعد توليه منصبه، واكمال تشكيل حكومته، الامر الذي سيفسر في اوساط معارضيه الكثر داخل العراق وخارجه، بأن الوضع لم يتغير في بغداد، وانه ما زال يسير على خطى سلفه السيد نوري المالكي، الامر الذي سيجعل من مخططاته لتشكيل قوات “حرس وطني” في المناطق السنية والعشائرية “صحوات”، ولكن “بتسمية جديدة” مسألة في غاية الصعوبة، كما سيخيب آمال الكثير من دول الجوار التي كانت تتوقع ان يكون رئيس الوزراء الجديد على مسافة واحدة مع الجميع، وليس حليفا قويا لايران، ونحن نتحدث هنا عن المملكة العربية السعودية ودول خليجية وتركيا على وجه الخصوص.
ما نريد قوله ان كل هذه المفاجآت الثلاث التي تعكس تخبطا واضحا من اللاعبين الدوليين والاقليميين على حد سواء حول كيفية التعاطي مع خطر “الدولة الاسلامية” باتت تدفع بحتمية العودة الى الازمة الاصلية، ومحاولة معالجتها اولا، وليس الذهاب الى اعراضها الجانبية.
هذه العودة لاصل الازمة يمكن رصدها في تطورين اساسيين من الصعب اغفالهما:
*الاول: دعوة المبعوث الخاص بالامم المتحدة الى سورية السويدي ستفان ميستورا الثلاثاء اثناء زيارته لموسكو الى حل “عاجل” للازمة السورية على خلفية “تهديد ارهابي متفاقم، مؤكدا اثناء لقائه سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي “ان الحل العسكري مستبعد وعلينا ان نحل هذه المشكلة بالحوار السياسي”.
*الثاني: نفي مصادر دبلوماسية روسية لقناة “الميادين” عقد اي صفقات من وراء الكواليس بين واشنطن ودمشق على حساب موسكو وطهران، وقالت “ان واشنطن تتمنى عقد صفقة مع الاسد لابعاد ايران وروسيا عن المنطقة لكن الرئيس السوري لم يوافق ابدا”.
لا نعرف اسباب هذا الحديث عن صفقة سرية بين الاسد وامريكا من وراء الكواليس، واذا كان ليس صحيحا فلماذا تقدم موسكو على نفيه، وتتعمد قناة “الميادين” الداعمة لايران وسورية ابرازه، اي النفي بهذه الطريقة؟ وهل يصح المثل الذي يقول “لا دخان من غير نار” في هذه الحالة؟
السيد الاخضر الابراهيمي (هل تتذكرونه) قال قبل ايام في محاضرة القاها في المعهد الملكي للدراسات الدولية (تشاتام هاوس) البريطاني الشهير، انه ليس هناك خطط للسلام بل الحرب، ولا خطط امريكية لضرب مواقع النظام السوري ولا احد يطالب باسقاطه ولا توجد انشقاقات في صفوفه.
الرسالة التي يريد الابراهيمي ايصالها هي ان النظام باق، وان عليكم التعاون معه، وان حدود “سايكس بيكو” راسخة اكثر مما يعتقد الكثيرون.
السيد الابراهيمي يعرف جيدا دهاليز السياسة الدولية ونوعية مطابخها، وعندما يقول هذا الكلام الخطير علينا ان نسمع ونحلل لنعرف ما هو المقصود منه، وماذا سيحدث بعده.
في الماضي القريب جدا كانت المعارضة السورية السلمية والمسلحة، تغضب كثيرا عندما يقول البعض لماذا تحظى هذه المعارضة بدعم امريكا وتسليحها ولا تفعل الشيء نفسه للفلسطينيين، في اشارة الى النفاق والازدواجية الامريكيين، الآن، وفصائل المعارضة السورية تعاني من التهميش الامريكي، وتشتكي من عدم دعوتها وممثليها الى مؤتمر دول التحالف الدولي ضد “الدولة الاسلامية” الذي انعقد اخيرا في باريس، باتت تتحدث عن النفاق الامريكي وتقول كيف تقدم واشنطن كل هذه الاسلحة الحديثة للمدافعين عن “عين العرب” وتستخدم طائراتها لقصف “الدولة الاسلامية” وتجمعاتها بينما لم تفعل الشيء نفسه لها؟
السؤال مشروع، وسبحان مغير الاحوال، ولكن ما هو غير مشروع هو الثقة في امريكا، ووضع كل البيض في سلتها، والرهان عليها، واعتبارها صديقة للعرب والمسلمين وتضع مصالحهم في عين الاعتبار.
***
الشيء الوحيد الذي يمكن ان نختم به هذه المقالة انه بعد شهرين من القصف الجوي الامريكي العربي المكثف ما زالت “الدولة الاسلامية” صامدة، وتتقدم وتزداد قوة، بينما استطاعت القوات والطائرات الامريكية احتلال العراق في ثلاثة اسابيع وليبيا بضعف هذه المدة، مما يؤكد ما قاله ليون بانيتا وزير الدفاع الامريكي السابق بأن الحرب ضدها ستستمر ثلاثين عاما، وكرر الكلام نفسه العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني اثناء لقائه يوم امس مع عدد من النواب الاردنيين.
المفاجآت ستستمر تفاجئنا في الاشهر، وربما السنوات المقبلة، ولا نستبعد ان تكون “غير سارة” لقادة دول المنطقة، والتحالف الامريكي الذي سارعت بالانضمام اليه للقضاء على “دولة” يعترف الجميع انهم اساءوا تقدير قوتها.
اهلا بالمفاجآت، سواء كانت “سارة” او “غير سارة” فلم يعد لشعوب المنطقة ما تخسره بعد ان تحولت معظم دولها الى دول فاشلة تسودها فوضى دموية لاسباب معروفة لا داعي لتكرارها.

الاردن “يمهد” لارسال “قوات خاصة” لقتال “الدولة الاسلامية” ان لم يكن ارسلها فعلا.. فما هو حجم المخاطرة؟ وما هي انعكاساتها على الجبهة الداخلية؟ وما هو المقابل السياسي والمادي؟

بعد اكثر من شهرين من القصف لمواقع “الدولة الاسلامية” سواء داخل الاراضي السورية لمنع قواتها من الاستيلاء على مدينة عين العرب (كوباني) شمال سورية او في مناطق عراقية في هيث والرمادي وتكريت وحديثه وغلاف بغداد، بات واضحا ان هذه المهمة التي تشارك فيها طائرات عدة دول، سواء بشكل مباشر او غير مباشر لم تحقق الا نجاح محدود للغاية، بات الحديث عن تدخل بري جنبا الى جنب مع التدخل الجوي يتصاعد خاصة في الاوساط الامريكية ويجد اصداء ملحوظة في المنطقة العربية.
في هذا الاطار يمكن اخذ تصريحات السيد خالد الكلالدة وزير الشؤون السياسية والبرلمانية في الحكومة الاردنية التي ادلى بها قبل ثلاثة ايام وقال فيها صراحة ان بلاده بصدد ارسال قوات ارضية لمحاربة قوات “الدولة الاسلامية” دون ان يعطي المزيد من التفاصيل في هذا الخصوص.
الطريقة الاردنية المتبعة في التمهيد لادوار عسكرية هنا وهناك تأتي دائما خجولة، وعلى لسان وزراء لا يتولون حقائب سياسية، الهدف منها اطلاق بالونات اختبار لقياس ردود فعل الرأي العام، واحيانا بهدف “تطبيع″ او تعويد” المواطنين الاردنيين على هذا النوع من الخطوات التي تجد معارضة قوية في اوساطهم، ويجب اخذ تصريحات الوزير الكلالدة في هذا الاطار حتى نستطيع ان نستقرأ الخطوة او الخطوات المقبلة.

***

لنكن اكثر صراحة ووضوحا في تناول امرين اساسيين يتعلقان بهذه المسألة: الاول ان الاردن لا يستطيع مخالفة اي طلب امريكي بارسال قواته الارضية للقتال على جبهات وفي مهمات تحدد له، فقد ارسل قوات اردنية تحت جنح الظلام للقتال الى جانب القوات الامريكية اثناء احتلال العراق عام 2003، بل ان القوات الامريكية التي دخلت بغداد انطلقت من الاراضي الاردنية، مثلما ارسلت قوات الى ليبيا كانت على رأس حربه في احتلال طرابلس واقتحام قاعدة العزيزية حيث مقر القيادة العسكرية للعقيد الليبي معمر القذافي، مثلما بادر بارسال قوات الى البحرين للمساندة في قمع الانتفاضة الشعبية التي جارت نظيراتها في دول عربية عديدة عام 2011 تحت عنوان ما اطلق عليه في حينها ثورات “الربيع العربي”، ولم يصدر اي اعلان رسمي حول هذه المشاركات، وجرى ابعاد الصحافة عن اي خوض فيها وطبيعتها.
اما الامر الثاني فيتعلق بالدور الوظيفي للاردن في القيام بأدوار عسكرية وسياسية بايعاز امريكي والحاح عربي، مقابل مساعدات مالية، فالاردن لا يملك ذهبا ولا نفطا، وموارده المالية شحيحة وعوائد السياحة تتناقص، وتتضخم ديونه العامة في المقابل، وهناك من يقدرها 25 مليار دولار في ظل عجز مزمن في الميزانية السنوية يصل الى ملياري دولار، والدعم المالي الخليجي يتراجع ويضمحل.
الاردن ارسل طائرات شاركت بقصف مواقع “الدولة الاسلامية” في سورية جنبا الى جنب مع طائرات امريكية وسعودية واماراتية، ولكنها تظل خطوة رمزية لان طائرات السلاح الجوي الاردني قديمة، ومعظمها انتهت صلاحيتها القتالية بالمقارنة مع نظيراتها الخليجية والغربية الاخرى، ولكن شهرة المؤسسة العسكرية الاردنية لم تكن قائمة على اسراب طائراتها الحربية وقواتها الجوية، وانما على قواتها الارضية المدربة تدريبا جيدا على اعمال الاقتحام.
العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني يتباهى امام زواره الخلص بأنه اسس، عندما كان في القوات المسلحة الاردنية، وقبل ان يتولى العرش فجأة اثر وفاة والده، وحدات قتالية يطلق عليها اسم “قوات النخبة الخاصة”، وتعتبر الاكثر ولاء له، والاشرس في العمليات القتالية، ويتم اختيار عناصرها بطريقة صارمة، ووفق معايير دقيقة تضمن تنفيذ الاوامر القيادية بشجاعة وتفان دون تردد، ولم يكن من قبيل الصدفة، وبسبب نجاح هذه القوات، ان تتم محاكاتها من قبل عدة دول عربية، بل والطلب من قيادتها تدريب قوات مماثلة، وابرز العناوين في هذا المضمار قوات الامن الفلسطينية في الضفة الغربية، ولاحقا قوات معارضة سورية.
اي مهمة قادمة للقوات الخاصة الاردنية في سورية والعراق قد تتلخص في عمليات التفافية خلف خطوط “العدو” وهو في هذه الحالة قوات “الدولة الاسلامية”، وهذه مهمة خطرة بكل المقاييس لان هذه القوات (الدولة) مدربة تدريبا جيدا، وقياداتها عملت تحت لواء الجيش العراقي السابق ووحداته الخاصة التي اسسها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، بمعنى آخر، ان كفاءتها القتالية لا تقل عن نظيراتها في الاردن ودول عربية اخرى، ان لم تكن تفوقها، علاوة على نزعتها الايمانية الاسلامية القوية وتسليحها الجيد (حصلت عليه من مخازن الجيش العراقي)، وفوق هذا وذاك يتطلع افرادها للشهادة فأقصر الطرق الى الجنة.
الاردن، وباختصار شديد، يقدم على “مقامرة” محفوفة بالمخاطر، لان قطاعا عريضا من رأيه العام يعارض مثل هذا التدخل، ليس من منطلق التعاطف مع “الدولة الاسلامية” باعتبارها وريثة تنظيم التوحيد والجهاد الذي اسسه ابو مصعب الزرقاوي الجهادي الذي يحظى بشعبية كبيرة في الاردن، وتقاتل باسم “السنة”، وانما ايضا من منطلق الكراهية لامريكا والغرب والشكوك في نواياهما، وكل خطوة يقدمان عليها باعتبارها تخدم في نهاية المطاف اسرائيل وتمزيق الامة العربية، فالكثيرون في الاردن لا ينظرون الى “الدولة الاسلامية” كمنظمة ارهابية، ويعتقدون انه طالما انها مستهدفة امريكيا وغربيا وتشكل خطرا على مصالحها فانها ليست ارهابية.
شيوخ الجهاد في الاردن مثل الشيخ ابو محمد المقدسي لم يستمع الى التحذيرات الرسمية التي جاءت اليه من جهاز المخابرات الاردني في مواجهة مباشرة، بعد استدعائه الى مقره في عمان، بعد التحريض من قبله ضد التحالف الامريكي، على موقعه على “التويتر”، وواصل توصيف هذا التحالف بـ”الصليبي” والدول المشاركة فيه بـ”دول الردة”، الامر الذي خلق مزاجا عاما مغايرا لما تريده الدولة، وقد يفسد عليها مشاركتها في الحرب، وهي حرب ستطول، وسيسقط فيها جنود قتلى من كل الجنسيات المشاركة حتما، والقوات الاردنية لن تكون استثناء، فاذا كان ليون بانيتا وزير الدفاع الامريكي الاسبق يؤكد ان هذه الحرب ضد “الدولة الاسلامية”، وفي كتاب جديد صدر له، ستستمر ثلاثين عاما على الاقل، فهل يستطيع الاردن تحمل تبعات ذلك، ويواصل تقديم التضحيات، وربما الكثير من القتلى والجرحى طوال هذه المدة؟
***
زرت الاردن قبل شهر تقريبا، والتقيت الكثير من القيادات الدينية المؤيدة للجماعات الجهادية، وتنظيمي “الدولة الاسلامية” و”النصرة”، مثلما التقيت بالمعارضين الشرسين لهما، والانطباع الذي خرجت به من هذه اللقاءات ان اعداد الجهاديين الاردنيين في العراق وسورية اكثر من الفي مقاتل على الاقل وهو في تصاعد مستمر، وعلينا ان نتذكر جيدا ان الاردن يحاذي جبهتي القتال الملتهبة حاليا، وقوات الدولة والنصرة معا تقف على بعد بضعة كيلومترات من حدوده، والاهم من ذلك ان قتال القوات الامريكية والمتحالفة معها يأتي على قدم المساواة مع قتال قوات الجيش السوري ان لم يكن اكثر اولوية بالنسبة اليهما، ومن يتابع حسابات قادة الجهاديين على مواقع التواصل الاجتماعي، بأسماء صريحة او مستعارة، يدرك هذه الحقيقة جيدا.
لا نعرف متى سترسل المؤسسة السياسية الاردنية “قواتها الخاصة” الى جبهات القتال، وقد تكون ارسلت فعلا، وتقاتل حاليا في عين العرب او الفلوجة، ولكن ما نعرفه ان هذه الخطوة ستكون محفوفة بالمخاطر لما لها من انعكاسات على الجبهة الداخلية الاردنية وتماسكها مع وضعنا في عين الاعتبار قوة وصلابة وخبرة اجهزة الامن الاردنية، فقوة هذه الاجهزة داخليا شيء، وقدراتها في الخارج، وفي جبهات بعيدة وارض غير صديقة شيء آخر مختلف تماما.
الاردن يلعب بالنار، ولكنها نار مختلفة هذه المرة وتزداد لهيبا وقد تحرق طرف ثوبه، او معظمه، والامريكان كعادتهم دائما يهربون من المنطقة اذا وجدوا ان الخسارة كبيرة او وشيكة، هكذا فعلوا في الصومال والعراق وقريبا في افغانستان، وهكذا سيفعلون في سورية، والمأمول ان تدرك القيادة الاردنية حجم “المقامرة” او “المغامرة” التي يدفعها الامريكي وحليفه العربي اليائس نحوها، وتبادر الى التدقيق جيدا في حساباتها، وتجنب التورط بقدر الامكان على غرار ما حدث في سورية، او بالاحرى في الحدود الدنيا، ونحن في كل الاحوال ضد هذا التورط، وضد هذا التحالف “الاعور” الذي لم يتدخل مطلقا لصالحنا، وصالح ضحايانا الذين تذبحهم الطائرات والقوات الامريكية والاسرائيلية بصفة دورية.

الحكم باعدام الشيخ النمر قنبلة موقوتة بين يدي السلطات السعودية فالتنفيذ مشكلة وعدمه مشكلة اكبر.. فهل يتم التسريع بالتنفيذ ام يلجأ العاهل السعودي الى العفو؟

الازمات تحاصر المملكة العربية السعودية من الجوانب الاربعة، فهناك ازمة الحوثيين الذين تتساقط امام زحفهم المدن اليمنية في الجنوب، وهناك أزمة الدولة الاسلامية في العراق والشام شمالا التي تشّكل تحالفا من خمسين دولة لمواجهتها وتعتبر ان خلافتها التي اعلنتها لا تكتمل الا بالسيطرة على مكة المكرمة، وتفاقم الخلاف مع ايران شرقا، ولا ننسى ذيول ازمة الاخوان المسلمين في مصر وتبعاتها في ليبيا من جهة اخرى، ولكن الازمات الداخلية، ومهما بدت صغيرة في نظر البعض تظل الاكثر خطورة والتي لا يجب التقليل من شأنها لانها مرشحة للتضخم وقلب كل المعادلات الداخلية.
في الايام القليلة الماضية شهدت الساحة السعودية حدثين داخليين كسرا حاجز الصمت، وركزا الانظار على الوضع الداخلي في المملكة، الاول سني الطابع، تمثل في اطلاق الشاب عبد العزيز الرشيد النار على سيارة تقل مواطنين امريكيين يعملان في شركة عسكرية تدرب الحرس الوطني فقتل احدهما واصاب الثاني، وهناك تكهنات بأن الشاب المولود في امريكا ويحمل جنسيتها قد يكون اقدم على هذا العمل لاسباب سياسية دينية، ونتيجة لارتباط مع جماعات جهادية متشددة مثل “الدولة الاسلامية” او تنظيم “القاعدة”.
اما الحدث، او الامر الثاني، فيتعلق بإصدار المحكمة الجزائية السعودية المتخصصة حكما بالإعدام تعزيرا في حق الشيخ نمر النمر الداعية الشيعي بعد ادانته بتهمة الخروج على ولي الامر واشعال الفتنة الطائفية وقيادة احتجاجات شعبية ضد السلطة وحمل السلاح في وجه رجال الامن واشاعة الفوضى، والمطالبة بسحب القوات السعودية من البحرين وضم المنطقة الشرقية السعودية حيث يشكل ابناء الطائفة الشيعية اغلبية في بعض مدنها الى البحرين.
***
الهجوم على السيارة الامريكية وسط الرياض جرت معالجته في افتتاحية “رأي اليوم” قبل يومين، ولكن حكم الاعدام هذا الذي أثار ردود فعل في ايران ولبنان (حزب الله) وقوبل بإدانة من قبل منظمات حقوقية عالمية مثل منظمة العفو الدولية هو الذي يستحق التوقف عنده في هذا الحيز لما له من دلالات عديدة، وما أثاره من موجه احتجاجات صاخبة في العوامية والقطيف واماكن اخرى في شرق المملكة.
السلطات الايرانية حذرت من اعدام الشيخ النمر، وقالت انه سيؤجج التوتر في العالم الاسلامي، مثلما جاء على لسان السيد حسين امير عبد اللهيان نائب وزير الخارجية، بينما وصف “حزب الله” في بيان رسمي حكم الاعدام بأنه “جائر وسياسي بامتياز″ وحذر من تبعات تنفيذه.
حكم المحكمة الجزائية بإعدام الشيخ النمر لن يطبق فورا، وهو قابل للنقض من قبل محكمة الاستئناف، وحتى لو جرى التصديق عليه فانه يرفع بعد ذلك الى مجلس القضاء الاعلى لاعتماده، وبعد ذلك الى الملك، الذي من المفترض ان يحيله الى وزارة الداخلية للتنفيذ في حالة اقراره، اي ان الامر قد يتطلب بضعة اشهر من الاجراءات القانونية، ولكن الملك عبد الله بن عبد العزيز يمكن ان يسرع بتنفيذ الاعدام لو اراد ذلك لسبب ما.
في غير المرجح ان يسرع العاهل السعودي بعملية التنفيذ في مثل هذا الظرف الحرج الذي تمر فيه المملكة داخليا وخارجيا، الا اذا اراد تأجيج الصراع مع ايران، واشعال نار الاضطرابات في المنطقة الشرقية ومع ابناء الطائفية الشيعية بالذات، ولذلك من غير المستبعد ان يتريث في تنفيذ حكم الاعدام، واطالة امد الاجراءات القانونية او ان يقرر اصدار عفو عن الشيخ النمر لامتصاص التوتر مع ايران وابناء الطائفة الشيعية في الاحساء.
التنفيذ سيغضب ايران وابناء الطائفة الشيعية في المنطقة وداخل المملكة نفسها، وعدم التنفيذ قد ينظر اليه البعض بأنه تهاون معهم ومحاباة لهم من منطلق الخوف بالنظر الى تغريدات بعض المتشددين على شبكات التواصل الاجتماعي خصوصا.
***
لا نعرف كيف سيتعاطى العاهل السعودي مع هذه المسألة، ولكننا نتمنى ان لا يتم تنفيذ الاعدام، ليس خوفا من ردود الفعل او استجابة للتهديدات والتحذيرات التي صدرت من هذه الدولة او تلك الجهة، وانما من منطلق الثقة والحرص على الوحدة الوطنية وحقن الدماء، ونأمل في الوقت نفسه ان نرى عفوا عاما عنه وعن كل العلماء المسجونين في سجون المملكة حاليا مثل الشيخ سعود الهاشمي، والشيخ محمد العريفي، والشيخ بن زعير، والقائمة طويلة.
الخروج على ولي الامر لم يعد جريمة تستحق عقوبتها الاعدام في زمن الحريات والثورات المطالبة بالعدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد، ثم ان هذه مسألة جدلية لها جوانب متعددة وخلافية، والا لماذا تتبنى المملكة رسميا “المناصحة” منهجا رسميا للتعاطي مع هؤلاء في السجون والمعتقلات، وبعضهم اقدم على كل انواع التحريض ضد النظام وشارك في هجمات دموية؟

الواعظ توني بلير عندما يحاضر علينا في التعايش والتسامح وهو الذي بذر بذور الطائفية السامة وحلفاؤه العرب والامريكان واوصلونا الى حالة الانهيار الراهنة

من سخريات القدر ان يخرج علينا توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الاسبق محاضرا حول كيفية احترام الاديان ومحاربة جذور التطرف من خلال شن حملة عالمية مدروسة مثلما قال في مقالة نشرها (الاربعاء) على موقع شبكة “بي بي سي”.
بلير الذي يشغل حاليا منصب مبعوث اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الاوسط يتحول فجأة الى واعظ ينشر قيم الفضيلة والعدالة، ويطالب باجتثاث فكر المتطرفين وليس مجرد تعطيل اعمالهم فقط لان الحرب على الارهاب يتطلب الانخراط في معركة الافكار لانه من الحماقة انفاق المليارات من الدولارات على معركة عسكرية مع التطرف الاسلامي وترك التعصب دون عائق.
التطرف في نظر بلير هو التطرف الاسلامي فقط الذي يريد شن حرب مزدوجة فكرية وعسكرية لمواجهته، ولا ينطق بكلمة واحدة في حق نظرائه في الاديان الاخرى، والاسباب الحقيقية التي تؤدي الى صعوده واستفحاله.
فالمستر بلير لم ينطق مطلقا، وعلى مدى ما يقرب من العشر سنوات، من وجوده في القدس المحتلة كمبعوث للسلام، بكلمة واحدة عن التطرف اليهودي على سبيل المثال لا الحصر، الذي يتجلى في ابشع صوره واشكاله في عمليات اقتحام المسجد الاقصى، وتقسيم الحرم الابراهيمي، والاعتداء على المواطنين الفلسطينيين العزل وقلع اشجار زيتونهم واطلاق النار عليهم.

***

الواعظ بلير الذي يقرع طبول الحرب ضد “الدولة الاسلامية” هو وصديقه جورج بوش الابن الذي وفر البيئة الحاضنة لميلاد هذه الدولة وتوسعها عندما غزا العراق وقتل مليون من ابنائه، ويتّم اكثر من اربعة ملايين طفل وبذر بذور الفتنة الطائفية في ارضه ونسيجه الاجتماعي والسياسي، ويرفض حتى هذه اللحظة الاعتراف بخطئه والاعتذار عنه.
العراق الذي دمره بلير تحت اكذوبة اسلحة الدمار الشامل، كان من اكثر الدول محاربة للتطرف بشقيه السني والشيعي معا، وضرب مثلا في التعايش بين المذاهب والاديان، ففي الوقت الذي كان يتقاتل فيه الكاثوليك والبروتستانت في ايرلندا الشمالية، ويخوضان حربا دموية ضد بعضهما البعض كان العراقيون والسوريون يتزاوجون وينصهرون في بوتقة التسامح والتعايش، وكان السؤال عن مذهب الشخص من المحرمات مع استثناءات قليلة جدا.
لم يكن من قبيل الصدفة ان جميع الدول العربية التي تدخل فيها بلير وحلفاؤه الامريكان والعرب، وحولوها الى دول فاشلة، تسودها الفوضى الدموية هي تلك الدول التي اوصدت ابوابها في وجه الفتن الطائفية، وحصنت مجتمعاتها من امراضها، من خلال انظمة تعليمية منفتحة تكرس التسامح الديني، واحترام الاخر وعقيدته.
الاحتلال الامريكي هو الذي ادخل المحاصصة الطائفية الى العراق، وهو الذي انحاز الى طائفة ضد اخرى، وحل الجيش العراقي الذي كان يجسد الهوية العراقية الموحدة الجامعة، وبتشجيع ومباركة حلفاء امريكا من العرب الذين يصيغون مواقفهم وسياساتهم انطلاقا من عقيدة ثأرية، وليس وفق معايير التسامح والتآخي والمصالح المشتركة.
نعم التدخل العسكري الذي يقوده التحالف الامريكي الحالي لن يهزم “الدولة الاسلامية”، وان الآلاف وربما مئات الآلاف من البشر الذين سيخسرون ارواحهم من جراء صواريخه وقذائف طائراته ستذهب سدى لان هذا التدخل لم يأت من اجل القضاء على التطرف وانما لتعميقه واعطائه قوة اضافية توسع دائرته، لانه يبدو في نظر شريحة واسعة من ابناء المنطقة حربا صليبية ضد الاسلام والمسلمين، وكل من ينضم اليه من العرب والمسلمين من قوى الردة، ولكن يبدو ان المستر بلير وحلفاءه العرب لا يقرأون ادبيات هذه الشريحة على مواقع التواصل الاجتماعي.
***
الذين يحاربون في صفوف “الدولة الاسلامية” ويقودون معاركها وحروبها في العراق وسورية، هم من “اجتثهم” الاحتلال الامريكي وحلفاؤه، وهمشهم تحت ذرائع متعددة، واسقط عنهم هويتهم العراقية، لانهم كانوا وما زالوا يعتزون بهويتهم العربية الجامعة العابرة للطوائف، والساعين من اجل تعايش الجميع تحت مظلة هذه الهوية.
الذين يطالبون حاليا “بحرب عقول”، ومواجهات فكرية ضد التطرف ومنظماته وجماعاته، تسير جنبا الى جنب مع قصف الطائرات والصواريخ، تأخروا كثيرا، لان نشوة الانتصار الكاذبة اعمتهم عن رؤية الحقائق المرة على الارض، والنمو السريع للتوجهات المتطرفة على جانبي السور الطائفي في الدول العربية، والعراق وسورية خصوصا.
من المؤسف ان بضاعة بلير وحلفائه الامريكيان والعرب المغشوشة، بل والمسمومة، تجد اسواقا رائجة في اوساط الحكومات العربية، يجني من ورائها عشرات الملايين من الدولارات، ويفرش له الاغبياء العرب السجاد الاحمر في المطارات، ويعينونه مستشارا رفيع المستوى مكافأة له على الدمار البشري والمادي الذي سببته حروبه في منطقتنا، واوصلتنا الى حالة الانهيار هذه.
هؤلاء العرب الاغبياء قصيرو النظر الذين يهدرون ثرواتنا، ويدمرون بلداننا ويتعاملون مع سماسرة الحروب من امثال توني بلير لا يستحقون الا المنظمات المتطرفة التي تعرف كيف تتعامل معهم وفسادهم، ليس المعتدلين والليبراليين ومن لف لفهم.

السعودية تتهم ايران بـ”احتلال” سورية.. وايران تطالبها بالانسحاب من البحرين.. والصراع بينهما دمر المنطقة وفتتها جغرافيا وطائفيا.. فهل من حل؟

عبد الباري عطوان

تصاعد الخلاف السعودي الايراني احد الاسباب الرئيسية لحالة الانهيار التي تعيشها منطقة الشرق الاوسط برمتها، وابرز عناوينها تفاقم الصراع الطائفي، وصب الغرب المزيد من الزيت على نار هذا الصراع، والتدخل عسكريا في شؤونه.
الدولتان تخوضان حربا بالنيابة في سورية والعراق واليمن ولبنان وفلسطين، وشعوب المنطقة تدفع ثمنا باهظا لهذا الصراع من ثرواتها ودماء ابنائها، ووحدة اراضيها، واستقرارها الداخلي، ومن المؤسف انه لا يلوح في الافق اي مؤشر على احتواء هذا الصراع من خلال اتفاق بين هاتين الدولتين المتصارعتين.
الولايات المتحدة الامريكية تعرف كيف تلعب على حبال هذا الصراع السعودي الايراني، وبما يحقق اهدافها وطموحاتها في الهيمنة واضعاف الجانبين، وبيع صفقات اسلحة تبقي صناعتها العسكرية في حال اشغال دائم بما ينعش الاقتصاد الامريكي التمأزم.
الخلاف السعودي الايراني ليس وليد الساعة، ويعود بجذوره الى اسقاط الثورة الاسلامية الايرانية للشاه محمد بهلوي عام 1979، وتفاقم بعد كشف النقاب عن الطموحات النووية الايرانية، وبلغ ذروته على ارضية الازمة السورية الحالية، وخسارة السعودية للعراق كدولة رادعة بعد الاحتلال الامريكي له.
القيادة السعودية تريد اسقاط نظام الرئيس السوري بشار الاسد بكل الطرق والوسائل، وتوظف كل امكانياتها المادية وتحالفاتها الاقليمية، والدولية، من اجل هذا الهدف، والقيادة الايرانية تسعى في المقابل لافشال هذا الطموح السعودي، وحققت نجاحا ملموسا في هذا الصدد حتى الآن على الاقل، بدليل ان الرئيس الاسد هو الوحيد الذي واجه “ثورة” في اطار ما يسمى بالربيع العربي، وما زال في قمة السلطة في بلاده بفضل الدعم الايراني، المادي والبشري، واستطاع ان يحقق بعض المكاسب على الارض رغم ضخامة الهجمة وحجم القوى المقاتلة على الارض لاسقاطه.
***
بالامس انفجر الصراع علنا بين السعودية وايران بعد فترة من الهدوء، عندما دعا الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي ايران الى سحب قواتها “المحتلة” من سورية، وطالب اليمنيين الى عدم خدمة اطراف اجنبية (ايران) على حساب مصلحة بلادهم، فرد السيد حسين عبد اللهيان نائب وزير الخارجية الايراني الصاع صاعين عندما طالب السعودية بدوره بسحب قواتها من البحرين لان هذا، حسب رأيه، “سيسهم في ايجاد حل سياسي في هذا البلد، وايقاف قمع الشعب، وبدء الحوار الوطني”.
ويبدو اننا على ابواب حرب اعلامية شرسة بين البلدين تتناطح فيها الامبراطوريات الاعلامية الضخمة التي تملكها البلدان، فاليوم ذهب السيد علاء الدين بروجردي رئيس لجنة الامن والسياسة الخارجية في ايران خطوة ابعد عندما “شخصن” الخلاف، واخرجه عن طابعه السياسي ووصف تصريحات وزير الخارجية السعودي بانها “ناتجة عن مرضه وشيخوخته”، واضاف ان كلمة “احتلال” تليق بالسعودية نفسها لانها وظفت مشروع درع الجزيرة ضد الشعب البحريني المظلوم”.
لا نعرف الى اين سيصل هذا الصراع، ولكن كل ما نعرفه ان البلدين يتحملان مسؤولية حالة الانهيار والحروب التي تمر بها المنطقة حاليا، وتستنزف ثرواتها وتسفك دماء ابناء، وتحول معظم دولها الى دول فاشلة تعمها فوضى دموية، وحروب اهلية قبلية وطائفية ومناطقية وعرقية.
قبل بضع سنوات كنا نسمع عن مؤتمرات وندوات للحوار بين المذاهب والاديان، على المستويين المحلي والدولي، الآن نشاهد صدامات وحروب بين هذه المذاهب، واعمال تحريض طائفي غير مسبوق، بل والاكثر من ذلك تقارب مع اسرائيل وامريكا اللذين من المفترض انهما العدو الاول للعرب والمسلمين، الامر الذي سمح للاولى (اي اسرائيل) استغلال حالة الانهيار هذه للعدوان على قطاع غزة واقتحام المسجد الاقصى، وتقسيمه زمنيا بين اليهود والمسلمين تمهيدا لتقسيمه جغرافيا على غرار ما حدث للحرم الابراهيمي في مدينة الخليل.
من الصعب ان تنتصر السعودية في سورية، ومن شبه المستحيل ان تنتصر ايران في اليمن، والطرفان وان تباعدا، قد لا يهزما “الدولة الاسلامية” في المستقبل المنظور حتى لو جاءت كل طائرات العالم الحربية للمشاركة في التحالف الامريكي، والا لانتصر هذا التحالف في العراق وافغانستان وليبيا واكرانيا، ولا نبالغ اذا قلنا ان هذه الدولة التي باتت شغل العالم بأسره ولدت من رحم الصراع السعودي الايراني وسياساتهما الطائفية الخاطئة وقصيرة النظر.
واذا تحقق الانتصار لاي منهما سيكون مؤقتا وفوق كل ذلك مكلفا جدا، وبعد سنوات وربما عقود من الاقتتال، فالحسم لم يعد عملية سهلة في الحروب السياسية، او العسكرية، وحتى لو تحقق، فانه قد يأتي بنتائج اكثر خطورة او سيكون مؤقتا فنحن في زمن عنوانه التوافق والتعايش والا فلبديل دموي.
امريكا تقصفنا بطائراتها من الجو ونحن نخسر على الارض، وستعود هذه الطائرات الامريكية الى “اعشاشها” في يوم ما، وتترك لنا الدمار والموت والحروب الاهلية والطائفية، مثلما فعلت بعد كل هزائمها في افغانستان والعراق وقبلهما فيتنام.
المخرج من هذه الدوامة القاتلة هو الحوار المسؤول والبناء بين هاتين القوتين الاقليميتين العملاقتين، ووضع كل الخلافات على الطاولة، والتوصل الى تفاهمات تنهي هذا الصراع الدموي قبل ان تفنى المنطقة واهلها.
فمن غير المنطقي ان يتحاور العرب مع الاسرائيليين، ويتواطأ بعضهم معهم، وتتوصل ايران الى صفقة سرية حول برنامجها النووي تنهي العداء مع امريكا جزئيا او كليا، بينما يتواصل الصراع السعودي الايراني “العبثي والتحشيد الطائفي الاداة التدميرية الرئيسية المستخدمة فيه.
***
ثرواتنا كعرب ومسلمين تهدر في القتل والتدمير وانقاذ الاقتصاد الغربي من عثراته، وليس في البناء والتعليم والصحة وخلق الوظائف لملايين العاطلين عن العمل من شبابنا، وبناء بنى تحتية اقتصادية صلبه تفيد اجيالنا الحالية والقادمة.
اسعار النفط تتهاوى، والاعتماد الغربي والشرقي على نفوطنا يتراجع بسبب البدائل الاخرى، والميزانيات العامة بدأت تشتكي من العجوزات، وهذه كلها وصفة لكارثة قادمة عنوانها انتشار التشدد في صفوف الشباب المسلم.
ربما يرى البعض ان طرحنا لمبدأ الحوار في ظل حالة الاحتراب التي تعيشها المنطقة يبدو تغريدا خارج السرب، وينطوي على سذاجة، وليكن، فلا بد من صرخة الم، وقرع طبول الحكمة والتعقل، لعل النيام يفوقون من نومهم الذي طال واوصلنا الى ما نحن فيه من كوارث وحمامات دم.

الخوف من دولة البغدادي الاسلامية هو سبب اعادة اعمار قطاع غزة والعودة للمفاوضات.. ومهرجانات الفرح باعتراف البرلمان البريطاني بدولة فلسطينية ضحك على ذقون الفلسطينيين.. وهذه هي اسبابنا!

عبد الباري عطوان
من يتابع الضجة الاعلامية الكبرى التي تسود المنطقة العربية هذه الايام والمتحورة حول اعتراف السويد بالدولة الفلسطينية، وتصويت البرلمان البريطاني المتوقع غدا (الاثنين) للامر نفسه يعتقد ان هذه الدولة قائمة فعلا، ولا ينقصها غير هذه الاعترافات فقط.
المسألة وبكل بساطة لا تتعدى كونها “حقنة” تخديرية اخرى للشعب الفلسطيني والعالم الاسلامي بأسره، تذكرنا بتجارب ووعود مماثلة كثيرة جدا صفقنا لها بحرارة، وبنينا عليها آمالا عريضة، وانتهينا بخيبة امل وخديعة الواحدة تلو الاخرى في اطار مسلسل طويل من الاهانات والاكاذيب، ويبدو اننا سنظل نلدغ من نفس الثعبان ومن نفس الجحر طوال الوقت، وممنوع علينا ان نصرخ الما والا فنحن ارهابيون.
عندما اراد جورج بوش الاب “تخدير” العرب قال انه سيحل القضية الفلسطينية بعد اخراج القوات العراقية من الكويت، وخرجت القوات فعلا، وجرى تدمير معظمها ذبحا بصواريخ الطائرات الامريكية وهي منسحبة ذليلة من الكويت في شباط (فبراير) عام 1991، على طريق المطلاع المؤدي الى البصرة، وفشل مؤتمر مدريد للسلام الذي عقده الرئيس بوش في زفة دولية وعربية، والشي الوحيد الذي اسفر عنه هو صدق نبوءة اسحق شامير رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي رأس وفد بلاده بأنه سيظل يتفاوض لاكثر من عشرين عاما دون ان يتنازل عن مليمترا واحدا من الاراضي المحتلة، ودون ان يتوقف لحظة عن مواصلة الاستيطان.
حاول خلفه بيل كلينتون الشيء نفسه، وعقد مؤتمر آخر للسلام في كامب ديفيد عام الفين ليتبين لنا ان الهدف منه “تسويق” دولة فلسطينية “مسخ” بدون سيادة وبدون القدس عاصمة لها، وعندما جاء جورج بوش الابن، واراد غزو العراق واحتلاله تعهد باقامة دولة فلسطينية مستقلة قبل نهاية ولايته الاولى عام 2005، وبعد الانتهاء من حكم صدام حسين، وانتهت الولاية الاولى والثانية وجرى اعدام صدام حسين ورفاقه، وتدمير العراق وتفتيته طائفيا، وتقسيمه جغرافيا، وتحويله الى دولة فاشلة والدولة الفلسطينية ما زالت في رحم الغيب، بل لم تبق اراض لكي تقام عليها.
***
الآن حلت “الدولة الاسلامية” وخطرها على الغرب وحلفائه في المنطقة مكان صدام حسين، وخطره، ولان هذه الدولة باتت تستقطب الشباب العربي المحبط، وتحقق الانتصار تلو الانتصار وتستولي على المزيد من الاراضي (آخرها عين العرب) في سورية والعراق رغم الضربات الجوية المكثفة، عادت امريكا وحلفاؤها الغربيون الى اسطوانة الدولة الفلسطينية المستقلة، المشروخة مرة اخرى، وللأسف تجد من يصدقها من ابناء جلدتنا، والرئيس الفلسطيني محمود عباس والمجموعة المحيطة به على وجه الخصوص، ويعتبرون مجرد هذا الاعتراف “الرمزي” الذي لا يفرض اي التزام على الارض انتصارا كبيرا يستحق التصفيق والرقض في ميدان المنارة في رام الله طربا له، تماما مثلما رقص بعض المخدوعين بسياساته عندما عاد من الامم المتحدة قبل عام مزهوا بحصوله على دولة مراقب، ووعدنا بأنه سيستخدم هذا الانجاز لمطاردة مجرمي الحرب الاسرائيليين وهو ما لم يفعله ولن يفعله، “ولو بدها تشتي لغيمت”.
الغرب يعرف جيدا نفسية العرب والمسلمين، مثلما يعرف ان “الاشياء الصغيرة تبث السعادة في العقول الصغيرة”، مثلما يقول المثل الانكليزي الشهير، ولهذا بدأت الاعترافات تتوالى وتتسع، وبدأت معها مهرجانات الفرح في اكثر من عاصمة عربية، وتناسلت معها المقالات والتصريحات حول اهمية هذا الاختراق السياسي العظيم.
الامر وبكل بساطة هو انه مثلما نجحت حركة المقاومة الاسلامية “حماس″ في مليء “الفراغ الجهادي” الذي خلقته حركة “فتح” بتخليها عن المقاومة بوقوعها في مصيدة “السلام المغشوش”، فان هناك مؤشرات على بروز ظاهرة الاسلام المتشدد في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة الذي يهدد بمليء الفراغ الذي سيترتب على “اعتدال” حركة حماس المتوقع، وميلها نحو “الحل التفاوضي” وتسليمها السلطة بالكامل في قطاع غزة لتيار اوسلو بعد ان انهكها وحكمها الحصار الاسرائيلي العربي الخانق، ووجود توقعات امريكية باستمرار الحرب ضد “الدولة الاسلامية” و”ارهابها” لاكثر من ثلاثين عاما.

لنفترض جدلا ان خطة اعمار غزة التي تبحث في مؤتمر القاهرة ليس لها علاقة بالخوف من “الدولة الاسلامية” وتمددها مثلما يجادل البعض، فان السؤال الذي يطرح نفسه حول الثمن الذي تريده امريكا من الفلسطينيين وحركة حماس على وجه التحديد مقابل هذه الاموال التي ستدفعها لاعادة الاعمار والدول الغربية الاخرى، هل هو رأس المقاومة، هل هو نزع سلاحها، ام ماذا تريد؟ لان لا شيء تدفعه امريكا بدون مقابل، ثم لماذا لم تمثل الفصائل الفلسطينية المقاومة في هذا المؤتمر مثل “حماس و”الجهاد”، والجبهة الشعبية والديمقراطية وغيرها، وهي الفصائل التي صمدت وانتصرت على العدوان الاسرائيلي الاخير.

المعلومات الواردة من قطاع غزة والضفة تفيد ان تنظيمي “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” يحظيان بتأييد كبير في اوساط الشباب الاسلامي الفلسطيني المحبط من “فتح” و”حماس″ معا، وان خلايا تابعة للتنظيمين بدأت تتبلور وتنمو خاصة في “الخليل” ومحيطها في الضفة الغربية ومدينة رفح في القطاع، وهذا ما يفسر حالة الهلع الغربية الحالية التي تتمثل في الضغط على حكومة نتنياهو لتخفيف الحصار والسماح لعدد اكبر من العمال من الضفة وقطاع غزة من العمل داخل ما يسمى بالخط الاخضر، وتنظيم مؤتمر دولي يشارك فيه وزراء خارجية 30 دولة لاعادة اعمار قطاع غزة بدأ اعماله اليوم في القاهرة برئاسة جون كيري وزير خارجية امريكا ورعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
الدول الغربية وعلى رأسها امريكا ادركت ان الحصار على القطاع بدأ يعطي نتائج عكسية تماما، ولهذا جرى التحرك بسرعة لامتصاص حالة الغضب المتفاقمة الناجمة عنه، وعن العدوان الاسرائيلي الاخير الذي ادى الى استشهاد اكثر من الفي انسان ربعهم من الاطفال، وتشريد اكثر من مئتي الف آخرين من جراء تدمير منازلهم، من خلال ضخ بضعة مليارات من الدولارات كرشوة لاعادة احياء عملية السلام واعادة السلطة الى مائدة المفاوضات بشروط اسرائيلية بعد ان ملّ المفاوضون الفلسطينيون من “البطالة” وباتوا يحنون للقاء نظرائهم الاسرائيليين.
الرعب من الاسلام السياسي المتشدد هو الذي يقف وراء كل هذه التحركات الدبلوماسية الغربية، وليس براعة الرئيس محمود عباس، او الجهود العربية الرسمية، فالعرب نسوا فلسطين، وصمتوا على تقسيم الاقصى، مثلما صمتوا على تقسيم الحرم الابراهيمي، وتغول الاستيطان، بل وتواطأوا علنا مع العدوان الاسرائيلي الاخير على قطاع غزة، ومن يقول غير ذلك يخدع نفسه ويعيش في عالم آخر غير عالمنا.
المنطقة العربية تقف الآن على فوهة بركان، واسرائيل باتت محاصرة بالفوضى والتطرف والدول الفاشلة او شبه الفاشلة، واحتمالات تسخين او حتى اشتعال جبهة جنوب لبنان، وجنوب غرب سورية واردة بل ربما حتمية، والغرب لا يهمه غير اسرائيل وامنها الذي يحظى بالاولوية بالنسبة اليه.
للذين يهللون للاعتراف البريطاني بالدولة الفلسطينية الوهمية نقول ان هذا الاعتراف بلا اي قيمة حقيقية، وان ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا الذي ادار وجهه عن ذبح الاطفال الفلسطينيين في قطاع غزة، واعتبر هذا الذبح حق اسرائيلي شرعي في الدفاع عن النفس، لا يمكن ان يؤيد قيام الدولة الفلسطينية عمليا، فالغرب لا يتحرك الا عندما تتهدد مصالحه، مثلما يحدث في العراق وسورية حاليا، وهو ليس جمعية خيرية، ولا يعير اي اهتمام للضعفاء الاذلاء.

عندما يحرك هؤلاء طائراتهم للتصدي للعدوان الاسرائيلي، مثلما فعلوا لحماية الاكراد في اربيل وعين العرب، وبادروا بقصف الدبابات الاسرائيلية التي تزحف نحو قطاع غزة، وتقتل الابرياء العزل، وتمنع الطيران الاسرائيلي من سحق الاطفال على شاطيء مدينة غزة، في هذه الحالة فقط، نقول ان هناك تغييرا حقيقيا بات يتبلور في السياسات الغربية نحو القضية الفلسطينية واهلها، اما غير ذلك فضحك على الذقون.

***
نذّكر الذين يهللون لاعتراف البرلمان البريطاني بدولة فلسطينية بأن بريطانية هي المسؤول الاول عن كارثة فلسطين، وان وعد بلفور الذي صدر قبل مئة عام، واكرر قبل مئة عام، اعطى الفلسطينيين الحق في اقامة وطنهم ودولتهم على قدم المساواة مع اليهود، وان قرارات التقسيم الصادرة عن الامم المتحدة كرست هذا الحق ايضا رغم اجحافه، فماذا حدث بعد ذلك؟ الاستمرار في دعم العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني وبطرق اكثر شراسة، والهاء الفلسطينيين والعرب بخطوات صغيرة مثل دولة عضو مراقب، او حل الدولتين، مقابل القاء السلاح والتجاوب مع كل الشروط الاسرائيلية.
شكرا للسويد وللبرلمان البريطاني، نحن مللنا من “الحقن التخديرية” والحركات البهلوانية ولا نريد اعترافكم هذا الذي لا يقدم ولا يؤخر، وانما يكشف ان هناك من يعتقد اننا ما زلنا اغبياء وسذج، يمكن خداعنا والضحك علينا بسهولة، فاذا كان البعض منا اغبياء ويتمتعون بذلك، ويفتقدون الى الحد الادنى من الكرامة والوطنية ويرضون بالصغائر فان الغالبية الساحقة من الامة وشبابها ليسوا كذلك، والايام بيننا.

رواية امريكا “الجديدة” عن اغتيال بن لادن ودفنه في البحر “مضلله” وهناك الكثير من الاسرار التي يريدون “دفنها” ومن حقنا ان نمنعهم من ذلك ونطالب بالحقائق كاملة

عبد الباري عطوان
من المعروف ان الاجهزة الامنية الامريكية مثلها مثل جميع نظيراتها الغربية، تحرص على توثيق معظم الاحداث التاريخية الهامة، وتحفظها في ارشيفاتها، وتسمح بالاطلاع على تفاصيلها لكل باحث، وفق قانون حرية المعلومات، ولكن هذه القاعدة لا تنطبق على زعيم تنظيم “القاعدة” الشيخ اسامة بن لادن والظروف التي احاطت بعملية اعتقاله ومن ثم اغتياله في منزله بمدينة أبوت اباد في باكستان في شهر ايار (مايو) عام 2011؟
فحتى هذه اللحظة لم نشاهد اي صورة لجثمان الشيخ الراحل ومن قتلوا معه، ولم يتم السماح لابنائه وزوجاته الذين كانوا معه لتقديم روايتهم عما حدث في تلك الليلة التي جري فيها الهجوم المباغت من قبل “وحدة العجول” الخاصة، فقد جرى نقل هؤلاء، وبعد اعتقالهم لعدة اشهر في باكستان، تحت ذرائع متعددة، من بينها دخول البلاد بطريقة غير مشروعة، ومخالفة قوانين الاقامة، وعندما تم السماح لهم بمغادرة باكستان الى المملكة العربية السعودية، حيث يقيمون حاليا في مدينة جدة، جرى منعهم من الكلام والاتصال بالصحافة بالتالي.
***
قبل عامين، استوقفني في احد شوارع مدينة لندن شاب وسيم، وقدم لي نفسه على انه عبد الله ابن اسامة بن لادن، واظهر بطاقته الشخصية التي تؤكد هذه الحقيقة، وكان في قمة التهذيب ودماثة الخلق، وكان اللقاء مفاجأة سارة بالنسبة الي، لاني اعرف عنه واسرته والكثير، وكان هو باعتباره النجل الاكبر للشيخ الراحل، الذي اشرف على رعاية الاسرة عندما كانت في باكستان تحت الاقامة الجبرية، ورتب سفرها الى مدينة جدة.
حاولت ان اعرف منه بعض التفاصيل عما حدث في “ابوت اباد” وعميلة الاغتيال، فلا بد انه يعرف الكثير من اشقائه وشقيقاته وزوجات والده، ولكنه اعتذر بأدب شديد عن الاجابة، وافترقنا والابتسامة مرسومة على وجهه، وتحمل معاني كثيرة ملخصها انه لا يريد الحديث، لاسبابه، وربما تجنبا للمشاكل، تماما مثلما هو حال جميع اشقاء الشيخ بن لادن الذين حاولت الاتصال بهم عندما كنت اجمع المعلومات لكتابي الاول “التاريخ السري للقاعدة”.
الادارة الامريكية قدمت لنا اشرطة مصورة عن كيفية اعتقال الرئيس صدام حسين، مثلما فعلت الشيء نفسه لوقائع عملية اعدامه، وولديه من قبله عدي وقصي، ولكنها لم تقدم صورة واحدة ولو من بعيد للهجوم المذكور على منزل الشيخ بن لادن، او عملية دفنه في البحر وفق الشعائر الاسلامية، حسب ما اكد ليون بانيتا رئيس وكالة المخابرات المركزية الامريكية “سي اي ايه” ووزير الدفاع السابق في كتابه الجديد (حروب تستحق المجازمة).
كا ما كشفه بانيتا في وصفه لعملية اغتيال الشيخ بن لادن ودفنه في البحر هو معلومات قديمة حول كيفية لف جثمانه باسلاك حديدية يزيد وزنها عن 136 كيلوغراما للتأكد من استقرار الجثمان في قاع بحر العرب.
نستغرب كيف تصمت الصحافة الغربية التي لا تترك حجرا دون ان تقلبه خاصة اذا تعلق الامر بالعرب والمسلمين، لاكثر من اربع سنوات، دون ان تقدم لنا الرواية الحقيقة عما حدث في “ابوت اباد”، وتمارس ضغوطا على ادارة اوباما لاثبات صحة ادعاءاتها حول مقتله ودفنه في عمق البحر.
من المؤكد ان الرواية الرسمية الامريكية تنطوي على الكثير من الاكاذيب التي تحرص على عدم فضحها، واذكر مرة انني شاركت في برنامج تلفزيوني في محطة “بي بي سي” البريطانية وكان “خصمي” صحافيا بريطانيا عريقا، وعندما شككت في صحة الرواية، ورد علي حانقا باتهامي بأنني مثل كل زملائي من العرب والمسلمين مسكونون بنظرية المؤامرة، وقال ان الرئيس الامريكي لا يكذب.
قلت له ألم يكذب الرئيس جورج بوش الابن وتابعه بلير رئيس الوزراء البريطاني حول اسلحة الدمار الشامل في العراق؟ واضفت: ألم يكذب الرئيس الامريكي الذي سبقه كلينتون عندما قال امام الكاميرات بانه “لم يمارس الجنس مع تلك المرأة” في اشارة الى مونيكا لوينسكي متدربة البيت الابيض؟
***
من حقنا ان نعرف كل تفاصيل عملية اغتيال الشيخ بن لادن، واخفاء جثمانه بالطريقة التي اخفي فيها، خاصة هذه الايام التي يكثر فيها الحديث عن الارهاب، وترسل الولايات المتحدة طائراتها لقتل الارهابيين في سورية والعراق وتصفية منظماتهم، طالما انها نصبت نفسها حامية لقيم الاخلاق وحقوق الانسان، والشفافية وحرية المعلومات.
كتاب بانيتا خيبة امل كبرى، خاصة الجزء المتعلق منه بهذه الواقعة تحديدا، ويأتي في اطار مسلسل الاكاذيب لخداعنا وتضليلنا، او حكامنا على وجه الخصوص، للتدخل عسكريا في بلداننا، وتحويلها الى مقابر جماعية، ودول فاشلة تعمها الفوضى الدموية.

القلق السوري الايراني يتفاقم بعد موافقة امريكا المبدئية على مطالب اردوغان اقامة مناطق عازلة وحظر جوي.. فهل اقتربت الحرب الاقليمية؟ وهل ستكون اسرائيل احد اطرافها؟

يبدو ان الولايات المتحدة الامريكية وحلفاءها الغربيين (فرنسا وبريطانيا) رضخوا لشروط الرئيس التركي رجب طيب اردوغان باقامة منطقة عازلة على طول الحدود التركية السورية داخل اراضي الاخيرة في محاولة من جانبهم اقناعه بالدخول في الحرب ضد “الدولة الاسلامية”.
وزارة الدفاع الامريكية اعترفت اليوم ان الضربات الجوية الامريكية في سورية لن تكفي لانقاذ كوباني، وهذا يعني ضرورة تدخل قوات برية لمواجهة “الدولة الاسلامية” ووقف تقدمها، او بالاحرى اخراجها من المناطق التي سيطرت عليها داخل المدينة ورفعت علمها الاسود عليها، وليس هناك غير الجيش التركي، سابع اكبر جيش في العالم للقيام بهذه المهمة.
***
الرئيس اردوغان الذي يواجه حاليا خيارات صعبة فيما يتعلق بتطورات الاوضاع في سورية والعراق، عرض ثلاثة مطالب اساسية على امريكا كشرط لدخول الحرب ضد “الدولة الاسلامية”:
*الاول: اقامة منطقة عازلة داخل الحدود السورية المحاذية للحدود التركية، وهي مناطق كردية مما يعني حرمان الاكراد السوريين كليا من حلم الاستقلال او الحكم الذاتي، ومنع حزب العمال الكردستاني من استغلال هذا الشريط كنقطة انطلاق لشن عمليات في العمق التركي.
*ثانيا: اقامة منطقة حظر جوي في شمال سورية وغربها على غرار مناطق مماثلة في العراق وليبيا، الامر الذي يشل فاعلية الطيران السوري، ويؤسس لجيب سوري مستقل تديره المعارضة.
*ثالثا: تدريب مكثف للمعارضة السورية “المعتدلة” وتسليحها بأسلحة فتاكة.
الرئيس اردوغان يريد اطاحة النظام السوري اولا، او الاشتراك في حرب ضده وضد “الدولة الاسلامية” معا، وبذلك يشفي غليله، ويثبت مصداقيته، ويلبي التعهدات التي قطعها على نفسه علانية في هذا الصدد.
الادارة الامريكية التي تتعرض لانتقادات كثيرة بسبب ضرباتها الجوية غير الفاعلة، لا تريد ان تخسر الانتخابات النصفية في الشهر المقبل، ولذلك اعلن جون كيري وزير الخارجية الامريكي ونظيره البريطاني فيليب هاموند ان بلديهما على “استعداد” لبحث فكرة اقامة منطقة عازلة على الحدود بين تركيا وسورية.
قبول امريكا وحلفائها بشروط اردوغان يعني اعلان حرب على سورية في نظر النظام في دمشق وحلفائه الايرانيين، وربما الروس ايضا، لان هذا النظام الذي صمت على الغارات الجوية الامريكية داخل حدوده التي تشكل انتهاكا لسيادته، قد يجد من الصعب عليه الوقوف مكتوف الايدي ازاء اقامة مناطق عازلة وحظر جوي داخل حدوده، وهذا ما يفسر تأكيد السيدة مرضية افخم المتحدثة باسم الخارجية الايرانية استعداد ايران لتقديم الدعم اللازم بشأن عين العرب (كوباني)، اذا ما تقدمت السلطات السورية بطلب في هذا الخصوص، لان “كوباني” جزء من السيادة الوطنية والاراضي السورية.
القلق السوري الايراني المشترك انعكس في خطوتين مهمتين اتخذها البلدان في الاسابيع الثلاثة الماضية:
*الاولى: الزيارة التي قام بها الى دمشق الجنرال قاسم سليماني الرجل القوي في ايران وقائد فيلق القدس ولقائه بالرئيس بشار الاسد، وتزامن هذا اللقاء مع انباء عن نقل ايران صواريخ وقنابل هاون للميليشيات التي تدعمها وتقاتل الى جانب قوات النظام السوري ضد الجماعات المعارضة المسلحة، وطائرات بدون طيار، ونشر 2000 من الحرس الثوري الايراني الى الاراضي السورية.
*الثانية: التفجير الذي استهدف دورية اسرائيلية في مزارع شبعا المحتلة في جنوب لبنان، واعلان حزب الله مسؤوليته عنه، فهذا التفجير الذي جاء امس بعد فترة هدوء على هذه الجبهة طال لسنوات، هو رسالة لاسرائيل وامريكا والدول الغربية مجتمعة، تقول بأن ايران ستنتقم من اي محاولة لاسقاط النظام السوري ليس بمحاربة من يقفون خلفها فقط، وانما بفتح حرب على اسرائيل واطلاق آلاف الصواريخ على مدنها ومستوطناتها، والاكثر من ذلك تحرير مناطق في الجليل الاعلى المحتل.
***
لا شك ان ادارة الرئيس اوباما التي ترددت طويلا، ولاكثر من ثلاث سنوات، في الوقوع في مصيدة التدخل العسكري في سورية تجد نفسها الآن امام خيارات لا تقل صعوبة عن خيارات حليفها التركي الذي يدفع بها بقوة للتخلي عن حذرها وترددها والتجاوب مع اهدافه في اطاحة النظام السوري اولا.
حزب الله يستطيع لو اراد، وبضوء اخضر من ايران، وتضامنا مع حلفائه في دمشق ان يشعل فتيل هذه الحرب ويطلق عشرات الآلاف من الصواريخ على تل ابيب وما بعد تل ابيب، لانه يدرك جيدا، ان سقوط النظام السوري يعني سقوطه، وقطع الشريان الحيوي الايراني الذي يمده بالسلاح والدعم المالي، ومعه كل منظومة دول الممانعة حسب ادبياته.
الحرب على “الدولة الاسلامية” ستتحول تدريجيا الى حرب ضد النظام السوري، وسقوط “عين العرب” يعني انفجار القنبلة الكردية في وجه الرئيس اردوغان وعودة جيشه الى المواجهات الدموية مجددا.
منطقة الشرق الاوسط كلها تقف امام عملية تغيير جذرية وقد لا يسلم من جرائها احد، انظمة ستسقط واخرى ستنشأ، وحدود ستتغير، وما زلنا في بداية الطريق، او بالقرب من المحطة الاولى، ولا احد يعرف اين وكيف ستكون المحطة الاخيرةن والعنصر “المفجر” اسمه “الدولة الاسلامية”، وكلمة السر عين العرب “كوباني”.