السعودية

الامريكان وحلفاؤهم توقعوا خطر “الدولة الاسلامية” في سورية والعراق فجاءهم من ليبيا.. وعندما يتحدثون عن “الحل السياسي”.. فهذا ايمانهم بفشل الحل العسكري مسبقا.. والجامعة العربية تتحمل المسؤولية الاكبر

عبد الباري عطوان
في ليبيا حكومتان، وبرلمانان، وجيشان، الآن اضيف الى المعسكرين “كيان” ثالث اكثر اهمية وخطورة، وهو “الدولة الاسلامية” وولاياتها الجديدة في “برقة” و”سرت” وربما قريبا في سبها في الجنوب، وطرابلس في الغرب، وهذا ما خباه عليها “الناتو” واصدقاؤه.
بينما تركز الولايات المتحدة وتحالفها “الستيني” على كيفية منع توسع هذه “الدولة” في سورية والعراق، وتستخدم الغارات الجوية لضرب مواقعها، وتدرب وتسلح فرقا من الجيش العراقي والبشمرغة الكردية لهجوم متوقع على مدينة الموصل بعد شهرين، تفاجيء هذه “الدولة” الجميع وتكشف عن وجود قوي يتمدد ويتوسع لكن في مكان آخر لم يخطر على بال احد، وهو ليبيا.
من شاهد العرض العسكري القوي لانصار هذه “الدولة” في وضح النهار في الشرق الليبي، وتابع البيان الذي اصدره متحدث باسم “ولاية برقة” الفرع الليبي لـ”الدولة الاسلامية” وتبنى فيه “هجومين استشهاديين من الهجمات الثلاثة التي نفذها فارسين من فوارس الخلافة بسيارتين مفخختين استهدفا غرفة عمليات الطاغوت خليفة حفتر في المنطقة الشرقية ثأرا لضحايا درنة” يترحم على ايام تنظيم “القاعدة”.
***
الدول الاوروبية، وخاصة التي تقع على الشاطيء الشمالي للبحر المتوسط، تعيش حالة من الرعب من جراء اقتراب “الدولة الاسلامية” و”ولاياتها” من حدودها الجنوبية، ومن المفارقة ان هذه الدول، وخاصة ايطاليا وفرنسا كانت الاكثر حماسة لتدخل حلف الناتو العسكري في ليبيا في عام 2011، وتجد نفسها الآن تواجه خطرا مزدوجا، الاول هو الهجرة غير الشرعية التي تتدفق عبر البحر الى شواطئها، والثاني احتمال وجود متشددين اسلاميين وسط هؤلاء، فالسواحل الليبية قبالة نظيراتها الاوروبية تمتد لاكثر من الفي كيلومتر، ومفتوحة على مصرعيها للمتطلعين الى الانطلاق منها نحو الساحل الآخر.
الدول الاوروبية التي تملك طائرات حربية واساطيل بحرية حديثة تتمسك بشعار “الحل السلمي” للازمة الليبية، وتعارض دعوة السلطات المصرية لاي تدخل عسكري جديد تحت مظلة الامم المتحدة، مثلما تعارض اي رفع لحظر السلاح عن ليبيا لانها تدرك جيدا ان مثل هذه الخطوات تصب الزيت على نار الازمة، وبما يزيدها اشتعالا وتعقيدا، والاهم من كل هذا وذاك انها ترتعب من التدخل، وتدير وجهها الى الناحية الاخرى.
ولعل مخاوف دول الجوار الليبي، ومصر على وجه التحديد، من امتدادات الفوضى الدموية الليبية الى حدودها، اكبر بكثير من مخاوف سياسية واجتماعية يمكن ان تشكل مجتمعة او متفرقة بيئة حاضنة لهذا التنظيم المتشدد، ويمكن الاشارة هنا الى ثلاثة مواقف متضادة في هذا الصدد، الاول مصري اعتمد القصف الجوي كرد على مقتل 21 من المصريين الاقباط، والثاني جزائري يعارض بشدة اي تدخل عسكري، والثالث تونسي يريد ان يمسك العصا من الوسط، عبر عنه الرئيس المخضرم الباجي قايد السبسي عندما قال ان الحكومتين في ليبيا، الشرقية منها والغربية تتمتعان بالشرعية، وكأن لسان حاله يقول نحن مع الجميع، وارجوكم كفو شروركم عنا واتركونا في حالنا!
موقف الدول العربية من الصراع في ليبيا مخجل بكل المقاييس، وتأييد دول مجلس التعاون الخليجي لتحفظ دولة قطر على فقرة في البيان الختامي لاجتماع المندوبين العرب التي تقر “بحق مصر في الدفاع الشرعي عن نفسها، وتوجيه ضربات الى ليبيا” ورفض الاتهامات التي وجهها مندوب مصر الى دولة قطر بدعم الارهاب كرد على هذا التحفظ، ثم عبر بيان جديد لامين عام المجلس نفسه يؤيد “ما تتخذه مصر من اجراءات عسكرية ضد الجماعات الارهابية في ليبيا”.. مخجل بشكل اكبر ويكشف عن ارتباك غير مستغرب في ظل الانهيار العربي الراهن، وعلينا ان لا ننسى مطلقا ان بعض الدول الخليجية، وخاصة قطر والامارات تدخلنا بالازمة الليبية منذ يومها الاول ماليا وعسكريا وسياسيا.
ما يجري في ليبيا حاليا من فوضى هو احد ابرز ثمار “التآمر العربي” والسقوط في مصيدة المخططات الامريكية التي تريد تمزيق المنطقة وتفكيك دولها تحت مسميات زائفة روجت لها بعض وسائط الاعلام العربي ذات التأثير الكبير، وهي الوسائط التي حققت شعبية هائلة في اطار خطة مدروسة واستخدمت هذا الرصيد الشعبي لاحقا في تمرير هذه المخططات، وانجاحها بحسن نيه او سوئها.
***
ليبيا ضحية اكذوبة كبيرة لا تقل عن اكذوبة اسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة، والشعب الليبي هو الذي يدفع الثمن من امنه واستقراره وثرواته النفطية الهائلة عندما صدق بعض ابنائه بعض فصول هذه الاكذوبة، وعملوا على ترويجها واقناع الآخرين بها.
عندما تتحدث الدول الغربية عن الحلول السياسية في سورية وليبيا والعراق واليمن كمخرج وحيد، وتعارض الحلول العسكرية التي تبنتها وحولت هذه الدول الى دول فاشلة، فان ما يمكن استنتاجه انها “كسرت الجرة ولا تريد، او لا تستطيع اصلاحها”، وتريد ترك هذه الدول وشعوبها الى مصيرها المؤلم المشؤوم، بل ما يدفع الى الغيظ اكثر ان هناك من بيننا من يزالوا يراهنون على امريكا والغرب وتدخلاتهم العسكرية والسياسية في شؤون المنطقة كأحد ابرز اوجه العلاج من ازماتها، ويتجاهلون ان هذا الغرب هو الذي زرع ويزرع فيروس عدم الاستقرار والتفكيك في بلداننا.
الجامعة العربية باتت بؤرة للتآمر على المنطقة وشعوبها، وتوفر الغطاء العربي المزور للتدخلات العسكرية الاجنبية، ولذلك لا خير فيها ولا جدوى من اصلاحها، ولا بد من محاكمة كل من ساهم في مؤامراتها ضد هذه الامة وشعوبها، سواء كانوا امناء عامين، والسيدين عمرو موسى ونبيل العربي على وجه الخصوص، او اعضاء جلسوا على مقعد قيادتها في ظل انقلاب المعادلات وتراجع الدول المحورية وغياب القيادات الوطنية.

انهارت المصالحة المصرية القطرية “الهشة” مبكرا.. ونجحت “الدولة الاسلامية” في تأجيج الصراع وخلق صداع “اشد” لمجلس التعاون الخليجي في مشرق العرب ومغربهم.. ما هو موقف السعودية وعاهلها الجديد في هذه الازمة؟ ولمن ستنحاز؟

عبد الباري عطوان
يبدو ان “الدولة الاسلامية” لم تنجح فقط في جر النظام المصري الى “المحرقة” الليبية مثلما نجحت قبل ذلك في توريط امريكا وحلفائها في المستنقع الدموي العراقي السوري، وانما في نسف المصالحة القطرية المصرية “طرية العود” وخلق صداع مزمن لدول مجلس التعاون الخليجي، وضعها امام خيارات استراتيجية صعبة.
الصدام المصري القطري خرج اخيرا الى العلن، بعد ان كان مكبوتا ومسكوتا عنه، وانتقل من القنوات التلفزيونية الفضائية والصحف الى اروقة الجامعة العربية، وبات يؤشر الى احتمالات تقسيم مجلس التعاون الخليجي على ارضيته الى معسكرين، واحد مع مصر، وآخر مع قطر، اذا لم يتم تطويق هذا الخلاف بسرعة، وهذا امر في قمة الصعوبة.

***

نشرح اكثر ونقول ان جهود المصالحة بين البلدين التي بذلها العاهل السعودي الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز، وسخر لها الجزء الاكبر من وقته وعلى حساب صحته المتدهورة، بعد نجاحه في حل ازمة العلاقات بين قطر والدول الخليجية الثلاث التي سحبت سفراءها من الدوحة (السعودية والامارات البحرين) وفق بنود “اتفاق الرياض التكميلي” الذي جرى التوصل اليه في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، تتبخر بسرعة وان هذه المصالحة ظلت على السطح وقبلتها الدولتان على مضض، احتراما لمكانة العاهل السعودي، فمصر الرئيس السيسي لم تغفر لقطر مطلقا دعمها لحركة الاخوان المسلمين، وقطر لن تنسى مطلقا انقلاب السيسي الذي اطاح بحليفها الاوثق محمد مرسي، وافسد عليها الركن الاساسي لاستراتيجيتها في المنطقة، اي كسب مصر الى جانب حلفها مع تركيا، وهي الاستراتيجية التي وضعتها في مقعد قيادتها، ولعب دور رئيسي في شؤونها رغم صغر حجمها البشري والجغرافي.
الشرارة التي فجرت الخلاف جاءت اثناء مناقشة البيان الصادر عن اجتماع جامعة الدول العربية قبل يومين على مستوى المندوبين، حيث تحفظ المندوب القطري على الفقرة التي “تقر بحق مصر في الدفاع الشرعي عن نفسها وتوجيه ضربات الى ليبيا”، وفقرة اخرى تطالب “برفع الحظر الدولي المفروض على ارسال اسلحة الى ليبيا”، الامر الذي اثار غضب المندوب المصري طارق عادل الذي رد على هذين التحفظين، والاول خاصة، باتهام دولة قطر “بدعم الارهاب”.
المندوب المصري ضرب على عصب قطري حساس للغاية، وهو الاتهام بدعم الارهاب، لان مثل هذا الاتهام يطارد مسؤوليها (اي قطر) في كل مكان، خاصة هذه الايام في الدول الغربية، بسبب دورها في سورية، وهو اتهام خطير جدا لانه لو جرى اثباته، وهذا صعب حتى الآن، سيعني وضع قطر على قائمة الارهاب وتجميد جميع ارصدتها المالية، وفرض عقوبات اقتصادية عليها على غرار ما حدث لايران بعد الثورة الخمينية، حيث تواجه حصارا شرسا منذ ثلاثين عاما، ايران صمدت في وجه الحصار لانها دولة عظمى، ولكن ماذا يمكن ان تفعل قطر بدون اموالها؟
الحكومة القطرية ردت بعنف على المندوب المصري ووصفت تصريحه بانه “موتور” ويخلط “بين ضرورة مكافحة الارهاب وبين قتل المدنيين وحرقهم بطريقة همجية”، وقالت “ان المندوب المصري جانبه الصواب والحكمة ومبادىء العمل العربي المشترك”.
مجلس التعاون الخليجي يجد نفسه هذه الايام في مأزق صعب وجديد يضاف الى مآزقه الاخرى المتفاقمة، فهل ينحاز الى دولة قطر العضو فيه ويحافظ على ما تبقى من وحدته وتماسكه، وهو قليل على اي حال، ام الى مصر التي يعتبرها رأس الحربة في استراتيجيته لمكافحة الارهاب والحرب التي يشنها على حركة “الاخوان المسلمين”.
يبدو ان المجلس اختار الانحياز الى جانب دولة قطر “كلاميا” على الاقل، وكلف السيد عبد اللطيف الزياني امينه العام اصدار بيان يندد فيه بالاتهامات المصرية لقطر بدعم الارهاب ووصفها بأنها باطلة تجافي الحقيقة.
لا نعتقد ان السلطات المصرية ستكون مسرورة من بيان تنديدات السيد الزياني هذه والتي تتناقض مع منظورها للبعد الاستراتيجي في علاقاتها مع دول الخليج، وسترى ان هذه الدول تكاتفت ضدها في ظرف حرج تعيشه في ظل مقتل 21 مواطنا مصريا، ورفض الدول الغربية لمطالبها بقرار دولي يصدر عن مجلس الامن يؤيد التدخل العسكري في ليبيا تحت البند السابع من ميثاق الامم المتحدة.
الامارات والكويت والبحرين تؤيد مصر بالمطلق ليس لانها استثمرت المليارات في دعم حكومة الرئيس السيسي (25 مليار دولار) حسب احدث التقديرات، وانما لانها ترى فيها حليفا استراتيجيا في مواجهة ايران والاسلام السياسي الذي ترى انه يهدد امنها واستقرارها.
وما زال من غير المعروف ما اذا كان الملك سلمان بن عبد العزيز سيسير على نهج شقيقه الراحل بتبني الموقف نفسه الداعم لمصر ام انه سيميل اكثر الى الكفة القطرية، الامر الذي لو تم سيحدث شرخا كبيرا قد يؤدي الى انهيار مجلس التعاون الخليجي كمنظمة اقليمية او اضعافه في افضل الاحوال.
***
مصر الرئيس السيسي تعيش حاليا مثل النمر المثخن بالجراح، حيث تخوض حرب استنزاف في سيناء من ناحية، وتنجر الى حرب اخرى في ليبيا، وقد تجد اكثر من مليون من عمالها يفرون بأرواحهم من الاخيرة، مما يعني تفاقم معدلات البطالة والازمة الاقتصادية بالتالي.
المؤشرات التي يمكن رصدها تؤكد ان الصدام المصري القطري شبه مؤكد في الايام المقبلة، ومحاولات “الترقيع″ الخليجية المعهودة قد لا تعطي ثمارها هذه المرة، وكلا الطرفين يتعاطون مع هذه الازمة على طريقة الرئيس جورج بوش “من هو ليس معي فهو ضدي”، وبدأت التعبئة الاعلامية للصدام بين البلدين تنعكس في حشد القنوات الفضائية وشحذ “السنة” اذرعتها البشرية الضارية في العاصمة البريطانية على وجه الخصوص.
فاذا كانت الحرب بدأت باتهامات مثل “دعم الارهاب” والرد بتوصيفات مثل “قول موتور” وفي اهم محفل سياسي ودبلوماسي عربي (الجامعة العربية) وسحب السفير القطري، فعلينا ان نتصور كيف سيكون الحال في اجهزة اعلام فالته من كل عيار، وتأسست في الوطن العربي وخارجه من اجل النيل من الطرف الآخر بكل الطرق والوسائل؟
ما اجمل ان لا تكون طرفا في هذا الاستقطاب وهذا الصراع!

المأزق السعودي الخليجي في اليمن يتفاقم: تهديدات “مبطنة” بالتدخل العسكري.. واستغاثة دون تجاوب بمجلس الامن الدولي.. ترى ما هي الخيارات الخليجية في اليمن؟ ومن المسؤول عن الخطأ الكارثي؟ وكيف يكون الاصلاح؟

عبد الباري عطوان
النقطة الابرز التي وردت في البيان الختامي لاجتماع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي الذي انعقد يوم السبت في قاعة الاجتماعات في مطار قاعدة الرياض الجوية اكدت “على استئناف العملية السياسية في اليمن وفقا للمبادرة الخليجية” وحذر البيان “انه في حال عدم التوصل الى اتفاق فسوف تتخذ دول المجلس الاجراءات التي تمكنها من الحفاظ على مصالحها الحيوية في امن واستقرار اليمن”.
كلام جميل.. ولكن ما هي هذه الاجراءات التي يمكن ان تتخذها دول مجلس التعاون للحفاظ على مصالحها الحيوية هذه؟ فهل سترسل جيوشها واساطيلها البحرية والجوية لقصف تجمعات “انصار الله” الحوثيين الذين يسيطرون على العاصمة صنعاء، ويصدرون بياناتهم من قلب القصر الجمهوري، ويفرضون الاقامة الجبرية على رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي ورئيس وزرائه خالد بحاح؟
لا نعتقد ان دول الخليج ستتدخل عسكريا في اليمن، وان تدخلت فتحت اجنحة الطائرات الامريكية، وبطريقة رمزية على غرار ما يحدث حاليا في العراق وسورية في اطار الحرب المعلنة ضد “الدولة الاسلامية”.
لم تتدخل جيوش دولة الا وهزمت او لم تنتصر على الاقل في اليمن، حتى ان صنعاء ظلت عصية على الامبراطورية العثمانية، ومن قبلها الامبراطورية البريطانية التي حصرت وجودها في عدن وجوارها الجنوبي، وكانت النصيحة الابرز للملك عبد العزيز آل سعود لنجله الامير (الملك) فيصل بالعودة فورا عندما توغلت القوات التي كان يرأسها في العمق اليمني، حتى لا يقع في هذه المصيدة التي لا ينجو منها احد، ولعل تجربة الحرب السعودية المصرية في اليمن في الستينات الا احد الامثلة المغرقة في دمويتها في هذا الصدد، وهي الحرب التي قادت الى الهزيمة العربية الكبرى عام 1967، ولم يصلح حال العرب من حينها.
***
لا نعتقد ان الولايات المتحدة المتورطة في حربين حاليا (افغانستان والعراق) وثالثة غير مباشرة في اليمن مستعدة لتلبية الاستغاثة الخليجية هذه واستصدار قرار عن مجلس الامن الدولي تحت “البند السابع″ بفرض الامن والسلم الدوليين في اليمن، فالادارة الامريكية لا تساوي بين التمرد الحوثي و”الدولة الاسلامية” ولا تعتبر القضاء على الاول “اولوية” على غرار ما تفعل ضد “الدولة الاسلامية” لانها تخاف من ايران اولا، ولا تريد عرقلة اي اتفاق نووي معها.
السياسات الخليجية في اليمن كانت وما زالت “كارثية” ومرتبكة وتفتقد الى الرؤية والاستراتيجية الواضحة والمدروسة، ولا نبالغ اذا قلنا انه لا توجد سياسة خليجية موحدة اساسا، وانما “مناكفات” وردود فعل لا اكثر ولا اقل.
نشرح اكثر ونقول انه لا يوجد “مشروع خليجي” موحد في اليمن، او اي مكان آخر في الوطن العربي، وانما مشاريع لآخرين تساندها الدول الخليجية ومواقف متضاربة لا يوجد اي تنسيق بينها، ففي سورية تدعم قطر جهات وتدعم السعودية اخرى مضادة لها، وفي ليبيا تدعم الامارات اللواء خليفة حفترى وكتائب الزنتان، بينما تقف قطر بصلابة خلف قوات “فجر ليبيا” ودولة مصراته، وجماعات اسلامية متشددة، والشيء نفسه يتكرر تجاه مصر في عهد حكم الاخوان المسلمين، ثم في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، ولا داعي للاطالة.
المملكة العربية السعودية صاحبة “المبادرة الخليجية” في اليمن التي تريد من مجلس الامن الدولي التمسك بها وفرضها وفق البند السابع، وجدت نفسها وبعد ثمانين عاما، دون اي حلفاء في هذا البلد، لا القبائل، ولا حزب الاصلاح (الاخوان المسلمين) ونواته الصلبة آل الاحمر وقبيلة حاشد، ولا “انصار الله” الحوثيين (الشيعة)، ولا الحراك الجنوبي (السني) رغم انها استثمرت الكثير في اليمن منذ اليوم الاول لقيامها، وحتى الرئيس اليمني علي عبد الله صالح حليفها التقليدي الذي عالجته وانقذته من الموت انقلب عليها وتحالف مع اعدائها الحوثيين، وفضل خصمه علي سالم البيض زعيم اليمن الجنوبي المطالب بالانفصال التوجه الى طهران وتوثيق العلاقات معها، وسبحان من جمع الرجلين على حليف واحد!
ايران ترسل السلاح والخبراء العسكريين وربما الحرس الثوري الى حلفائها الحوثيين فماذا تقدم السعودية ودول الخليج لحفائها اليمنيين اذا وجدوا غير البيانات التي تطالب بالالتزام بمبادرتها ودعم السلطة الشرعية.. قولوا لنا بالله عليكم اين هذه المبادرة واين هي السلطة الشرعية الآن؟
يجب على وزراء خارجية دول الخليج الاعتراف اولا انه لا توجد سياسة خارجية خليجية موحدة او متفرقة، وان يبدأوا ثانيا بالاعتراف بهذه الحقيقة ويعملون على اصلاحها، بوضع مشروع خليجي يقوم على اسس وطنية عربية واضحة يضع حدا لكل التناقضات الحالية في العراق وليبيا ولبنان وسورية واليمن وحتى في فلسطين.
فالممكلة العربية السعودية زعيمة دول مجلس التعاون الخليجي، صاحبة المبادرة العربية للسلام في فلسطين هذه المرة، باتت خارج القضية الفلسطينية كليا، ولا احد يعرف ما هي سياستها الحالية تجاهها، فهي في حال قطيعة، ان لم يكن حالة عداء، مع حركة المقاومة الاسلامية “حماس″ بسبب ارتباطها بالاخوان المسلمين، وكذلك حركة الجهاد الاسلامي، اما علاقتها بسلطة رام الله فهي باردة، وما زال من غير المعروف حقيقة موقفها الحالي في الازمة السورية، وهناك من يقول انها انسحبت منها وباتت تركز على محاربة “الدولة الاسلامية” فقط.
السياسة السعودية، والخليجية بالتالي، تجاه اليمن كانت تقوم على ركيزتين اساسيتين: الاولى ان يظل هذا البلد فقيرا ضعيفا مقسما ومفتقدا لاسباب القوة، والثانية ان لا توجد فيه حكومة مركزية قوية، لان وحدة هذا البلد وقوته تشكلان خطرا على استقرار المنطقة، وهذا ما يفسر دعوة كل من الاردن والمغرب البعيدين كليا عن الخليج للانضمام الى مجلس التعاون واستثناء اليمن القريب جدا ثقافيا وجغرافيا وبشريا، والشح المخجل في المساعدات ودعم مشاريع التنمية فيه.
***
هذه السياسة نجحت في اضعاف اليمن وتقسيمه بل تفتيته فعلا، ولكن السحر انقلب على الساحر، فقد تحول اليمن الى دولة فاشلة، وسلطة مركزية ضعيفة، الامر الذي اوجد فراغا ملأته “القاعدة” طوال السنوات العشر الماضية، وهي “الدولة الاسلامية” الاكثر خطورة تقيم مضاربها وتتمدد وبسرعة متناهية وتجد تأييدا ومساندة من القبائل المحبطة من السياسة السعودية الخليجية وازدياد قوة ونفوذ التيار الحوثي معا.
تيار “انصار الله” الحوثي يمني، بل احد ابرز مكونات الديمغرافية اليمنية، اي انه ليس غريبا او طارئا، واستفاد استفادة كبيرة من غياب السياسات الخليجية السلبية والمظالم الواقعة على الشعب اليمني، وهذا من حقه، وتحالف مع القوة الايرانية التي لا تتخلى عن حلفائها، وهذا سر قوته، ورفع شعار العداء لاسرائيل وامريكا، وهذا عين الصواب، اي انه استفاد من اخطاء السياسات السعودية والخليجية التي تخلت عن المقاومة الفلسطينية وتحالفت مع امريكا، وخاضت وتخوض كل حروبها في المنطقة والعالم.
الدول الخليجية وبسبب غياب المشروع السياسي والاستراتيجي المتكامل واعتمادها المطلق على امريكا التي تخلت عنها لصالح التقارب مع ايران في لمح البصر، تجد نفسها في العراء، ووسط بيئة معادية، ومحاطة من الاعداء من كل اتجاه، “الدولة الاسلامية” في الشمال، وايران في الشرق، والدولة اليمنية الفاشلة والتيار الحوثي في الجنوب، والغموض في الغرب (مصر).
من يتحمل مسؤولية هذا الوضع المرعب؟
اسألوا مئات الخبراء والمستشارين والمفكرين وبنوك العقول (Thinktank) الخليجية، التي تنفق عليها مئات الملايين من الدولارات لعل عندهم الاجابة!

سبحان مغير الاحوال: الرئيس الاسد اصبح “جزءا من الحل” في الازمة السورية حسب احدث فتاوى “الشيخ” دي ميستورا.. فكيف حدث هذا التحول الاستراتيجي؟.. ولماذا جرى اعلانه من فيينا؟ وهل سيشكر الرئيس السوري “الدولة الاسلامية” على هذه “المكرمة” التي لم تقصدها؟

عبد الباري عطوان

بعد ايام معدودة تدخل الازمة السورية عامها الخامس دون حصول اي تقدم على صعيد الجهود المبذولة دوليا للوصول الى “حل سياسي” او “حسم عسكري”، لكن هناك مؤشرات عديدة تؤكد ان كفة النظام باتت هي الارجح، وان الرياح تسير وفق ما تشتهي سفنه، بعد ان خرج من عنق الزجاجة “تقريبا” في المستقبل المنظور على الاقل.
من تابع التصريحات التي ادلى بها موفد الامم المتحدة الى سورية، ستيفان دي ميستورا اليوم (الجمعة) في ختام لقائه مع وزير الخارجية النمساوي سباستيان كورتس في فيينا وقال فيها “ان الرئيس بشار الاسد يشكل جزءا من الحل في سورية” في اول اعتراف علني بدور السلطات السورية وشرعيتها منذ اندلاع الازمة، يدرك جيدا انها مقدمة وتمهيد، لعودة الرئيس السوري وحكومته الى الحظيرة الدولية، والتخلي ولو مؤقتا، عن مخططات اطاحته.
هذا الموقف الاممي الجديد الذي صدر من النمسا يشكل نقطة تحول رئيسية في الازمة السورية، ويعكس توجها غربيا جديدا وغير مسبوق، خاصة ان وزير الخارجية النمساوي اكده عندما قال صراحة في اللقاء نفسه، “انه في ظل المعركة ضد تنظيم الدولة الاسلامية قد يكون من الضروري القتال الى جانب دمشق، وان كان الاسد لن يصبح يوما صديقا او شريكا”.
من المؤكد ان الرئيس الاسد لا يريد في المقابل ان يكون شريكا، او صديقا، ويكفيه ان لا يكون عدوا في الوقت الراهن بالمقارنة الى ما كان عليه الحال في بداية الازمة عندما كان المسؤولون الغربيون، وعلى رأسهم الرئيس الامريكي باراك اوباما يؤكدون ان ايامه باتت معدودة، ويردد هذه النغمة من بعدهم بدأب غير معهود زعماء في المنطقة على رأسهم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، ورئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق ايهود باراك، ورهط من الزعماء العرب الاعضاء في منظومة “اصدقاء سورية” (اين هي بالمناسبة؟).

***

المبعوث الدولي دي ميستورا القى بقنبلته هذه في فيينا بعد عودته من زيارة مطولة الى دمشق التقى خلالها الرئيس السوري لعدة ساعات ولا بد انه قام باطلاعه على متغيرات دولية في هذا الصدد، خاصة في الموقف الامريكي، فنحن لا نعتقد بأنه يمكن ان يقول ما قاله دون تنسيق مسبق مع الادارة الامريكية.
الفضل الكبير في هذا التحول يعود الى “الدولة الاسلامية” وسيطرتها على ثلث العراق ونصف سورية، وصمودها حتى الآن في وجه اكثر من الفي غارة امريكية على مواقعها، بل ونجاحها في الاستيلاء على مساحات واسعة من الاراضي في البلدين، آخرها احياء مهمة من البغدادية التي تقوم فيها خبرات عسكرية امريكية بتدريب وحدات الجيش العراقي و”الصحوات” العشائرية.
لا نعتقد ان الرئيس سيعطي الفضل لاصحابه ويتقدم بالشكر الى السيد ابو بكر البغدادي خليفة “الدولة” وزعيمها على هذه “المكرمة” غير المقصودة، ولكننا لا نستغرب اذا ما كان قد توقعها، وربما خطط لها من خلف ستار على طريقة “لم أأمر بها ولم تسوئني”.
قادة المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري سيشعرون، والدول الداعمة لهم، ان ايام معظمهم باتت معدودة فعلا، خاصة اولئك الذين كانوا يصرون دائما على ضرورة رحيل الرئيس الاسد ونظامه في اي تسوية سياسية للازمة السورية، مثلما حصل في مؤتمر جنيف في نسختيه الاولى “الاصلية” والثانية “المعدلة”.
وكلما ازداد ارتفاع ضجيج قرع طبول الحرب البرية، كلما ازدادت حاجة التحالف الدولي الستيني الذي تقوده الولايات المتحدة في حربها “لاجتثاث” “الدولة الاسلامية” الى السلطات السورية وتعاونها او عدم اعتراضها على هذه الحرب.
***
صحيح ان السلطات السورية لا تستطيع التصدي لطائرات التحالف الامريكي التي اخترقت اجواءها، وانتهكت سيادتها، ولم تأخذ اذنها في قصفها لمواقع “الدولة الاسلامية” داخل اراضيها، لانها لا تملك الدفاعات الجوية المتقدمة اولا، ورغبتها في عدم الصدام مع الولايات المتحدة ثانيا، ولانه من مصلحتها قصف هذه “الدولة” المتضخمة والقوية ثالثا، ولكنها قادرة، وبفاعلية، التصدي لاي قوات برية تدخل اراضيها وافشال مهمتها، ولعل في تحذيرات السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري للاردن ودول اخرى من التدخل بريا في سورية دون موافقة حكومته ما يؤكد هذه النظرية.
التنسيق الامريكي مع النظام السوري، بطرق غير مباشرة، في الحرب ضد “الدولة الاسلامية” بات قائما، ودون اعلان، ولم يجانب الرئيس الاسد الحقيقة عندما قال في حديث لشبكة “بي بي سي” ان بلاده تتبلغ المعلومات من اطراف ثالثة عن ضربات الائتلاف في سورية، وسمى العراق على وجه التحديد كأحد القنوات.
الرئيس الاسد يفرك يديه فرحا في قصر المهاجرين وهو يرى كيف تنقلب المعادلة لصالحه تدريجيا مع دخول الازمة عامها الخامس، بينما يلعق خصومه جراح كبريائهم، ويعيشون حالة من الارتباك غير مسبوقة.
عند المبعوث الدولي دي ميستورا الخبر اليقين، وكلمة السر ايضا، وننصح بمتابعة تصريحاته، القديم منها والجديد، لرصد كيفية انقلاب هذه المعادلات الدولية في المنطقة، وسبحان مغير الاحوال!
الم نقل اكثر من مرة اننا نعيش في منطقة يستحيل التنبؤ بتطوراتها؟

يا اصحاب القرار في الاردن اجيبونا من فضلكم: هل ستخوضون الحرب البرية ام لا؟ وهل ستكون في العراق فقط ام في سورية ايضا؟ وهل انتم واثقون من نتائجها مسبقا؟ ولماذا ينساق العرب خلف امريكا مغمضي العينين؟ الم يتعلموا من كوارث حروبها السابقة؟

عبد الباري عطوان

ندرك جيدا ان الاردن يعيش ظروفا صعبة، ويتعرض لضغوط من اطراف عديدة، لخوض حرب برية ضد “الدولة الاسلامية” وجاءت طريقة الاعدام الوحشية البشعة لطياره معاذ الكساسبة لتوفر له الغطاء الشعبي للتجاوب مع هذه الضغوط، التي كان سيتجاوب معها اصلا، لانه لا يستطيع ان يقول “لا” للولايات المتحدة زعيمة التحالف الستيني الجديد، وكل التحالفات الاخرى التي قادتها، سواء في ليبيا او سورية او العراق او افغانستان، واي قول غير ذلك “مكابرة” لا تقنع احدا، وتؤكد ان صاحبه لا يعرف المنطقة وابجدياتها السياسية.
ولكن ما يصعب علينا فهمه وادراكه هو التصريحات المتناقضة التي تصدر عن المؤسستين العسكرية والسياسية الاردنيتين هذه الايام حول مسألة الحرب هذه، الامر الذي يخلق حالة من البلبة داخليا وخارجيا.
لنكون اكثر تحديدا، نضرب مثلا بتصريحين وردا امس على لسان مسؤولين اردنيين يتضمنان تناقضا واضحا تجاه هذه القضية الساخنة التي ربما تكون هي وتداعياتها الاهم في تاريخ الاردن.
• الاول: تصريح للسيد عبد الرؤوف الروابدة رئيس مجلس الاعيان الاردني (الغرفة الثانية في البرلمان) ادلى به اثناء لقائه بالرئيس التشيكي ميلوس زيمان الذي يزور الاردن حاليا قال فيه “ان بلاده لن تخوض حربا برية ضد “داعش”، واضاف “ان الاردن مستمر في التصدي للارهاب ومواجهة تنظيم دولة “داعش الارهابي”.
• الثاني: تصريح الفريق اول الركن مشعل محمد الزبن رئيس هيئة الاركان المشتركة للجيش الاردني والمستشار العسكري للعاهل الاردني الذي ادلى به اثناء مؤتمر صحافي مع وزير الدفاع العراقي في بغداد وقال فيه “ان الجيش الاردني سيقوم بكل شيء لهزيمة “داعش” الارهابي بعد الجريمة الوحشية التي ارتكبها بحق الشهيد الطيار معاذ الكساسبة”، واضاف “لن نتردد كقوات مسلحة اردنية والجيش العراقي الشقيق بأن نعمل معا، وفي نفس الخندق، حتى نهزم هذا التنظيم في داخل العراق او سورية او اي مكان”، فهل سيظل الاردن بعيدا عن الحرب لو لم تسقط طائرة الكساسبة، ولم يرتكب تنظيم “الدولة الاسلامية” جريمة قتله البشعه؟
***
نحترم السيد الروابدة، ولكننا نميل الى رواية الفريق الزبن، لان الرجل ادلى بتصريحاته التي تؤكد انطلاق العد التنازلي للحرب البرية من بغداد، وبلغة عسكرية شديدة الوضوح، ولا نعتقد انه ذهب الى العاصمة العراقية، وفي مثل هذا التوقيت، في زيارة “مجاملة” للسلام والتحية، وانما من اجل التنسيق حول كيفية خوض هذه الحرب، ودور القوات الاردنية فيها، فقد تحدث عن خوض هذه الحرب ضد “داعش” ليس في العراق فقط، وانما في سورية ايضا، ودون اي استشارة لحكومة الاخيرة، او التنسيق معها، وكأنها حكومة غير موجودة اساسا، وان وجدت فهي بلا سيادة وارضها مشاع.
اللواء جون الن منسق التحالف الدولي ضد “الدولة الاسلامية” اكد قبل يومين ان هجوما ارضيا سيبدأ قريبا من قبل 12 لواء عراقيا جرى تدريبهم وتسليحهم على ايدي خبراء عسكريين من عدة دول غربية الى جانب امريكا في اربع مناطق في الانبار واربيل وقوات حليفة وقوات حليفة من دول اخرى، ومن المؤكد ان وحدات اردنية ستكون العمود الفقري في هذا الهجوم.
ولم يكن من قبيل الصدفة ان يتقدم الرئيس اوباما اليوم (الاربعاء) بطلب الى الكونغرس للحصول على تخويل للقتال ضد “الدولة الاسلامية” دون اي قيود جغرافية، وهو تخويل يرتقي الى مستوى “اعلان الحرب” على غرار نظيره الذي حصل عليه جورج بوش الابن قبيل غزوة العراق.
الرئيس اوباما لم ينتظر الحصول على موافقة الكونغرس، وبدأ في تهيئة الاجواء، وتوفير الذرائع والاعذار والمبررات للحرب عندما اعلن “البيت الابيض ان قوات برية قد تستخدم لانقاذ الرهائن” وان التفويض (المضمون) يمنح الجيش صلاحية ملاحقة الدولة الاسلامية في كل مكان”، ومن اخترع ذريعة اسلحة الدمار الشامل العراقية، يستطيع ان يفبرك “اكذوبة” اخرى خاصة ان هناك من العرب وغيرهم جاهز لتصديقها.
ما هو رد “الدولة الاسلامية” على هذه التحركات المتسارعة المتوازية مع قرع طبول الحرب البرية ضدها؟
الاجابة نجدها على مواقعها، او المقربين منها، على “الانترنت” و”الفيسبوك” و”التويتر” وتتلخص بأنها تنتظر بلهفة هذه الحرب البرية وتعتبرها امنية وتحقيقا لنبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم عن معركة “آخر الزمان” التي ستكون فاصلة بين المسلمين واعدائهم في بلدة “دابق” شمال سورية قرب مدينة “اعزاز″.
التحضيرات الامريكية ضخمة بكل المقاييس ولا يمكن التقليل من اهميتها وخطورتها، ولكن ما يمكن ان ننبه اليه ايضا ان معركة امريكا وحلفاءها في الموصل والرقة قد لا تكون مثل معركتها في بغداد والبصرة اثناء غزو 2003، لانها، اي القوات الامريكية، لن تواجه جيشا نظاميا يمثل دولة محاصرة ومجوعة لاكثر من 12 عاما كان محرما عليها استيراد اقلام الرصاص، وانما قوات عقائدية غير نظامية، تملك خبرة “متميزة” في حرب المدن والعصابات ايضا ومستعدة للقتال حتى الموت الذي تعتبره قمة امنياتها.
بالامس قال النائب الامريكي بيتر كنغ الخبير العسكري في شهادته امام الكونغرس ان تعداد القوات الاجنبية التي تقاتل في صفوف “الدولة الاسلامية” ارتفع من 16 الفا العام الماضي الى عشرين الفا هذا العام، اي بزيادة 25 بالمئة، ونضيف اليه معلومة مؤكدة ان عدد العراقيين والسوريين المنضويين تحت لواء جيش هذه الدولة يزيد عن ثمانين الفا، ان لم يكن اكثر.
نعرف دائما متى تبدأ الحروب الامريكية، وكيف، مثلما نعرف ايضا ان نتائجها تأتي مختلفة كليا عن الاهداف التي بدأت من اجل تحقيقها في معظم الاحيان، والعراق هو خير مثال، فاذا كان الرئيس اوباما يريد تفويضا من الكونغرس لحرب تمتد ثلاث سنوات فهل يعرف بالضبط ماذا سيحدث في هذه السنوات الثلاث وحجم الخسائر فيها في الجانبين الامريكي والعربي معا، وهل يستطيع ان يتنبأ بردود الفعل؟ فماذا لو امتلكت “الدولة الاسلامية” اسلحة كيماوية مثلا وقررت استخدامها ضد مهاجميها؟ وماذا لو طال امد هذه الحرب لسنوات اخرى؟
نطرح نظرية استخدام الاسلحة الكيماوية لانها، اي الدولة، استولت على قواعد عسكرية سورية ضخمة، في الرقة ودير الزور ولا يستبعد ان تحتوي على براميل من هذه الاسلحة الكيماوية، فمطار “الطبقة” وقاعدته تعتبر الاضخم في شرق سورية كانت تحتوي على كل انواع الاسلحة ولا نعتقد ان الكيماوية منها كانت استثناء، واذا كان النظام العراقي ومن بعده السوري وافق على تدمير اسلحته الكيماوية خوفا على سمعته ولشراء بعض الوقت، وتجنب ردا نوويا، فعلى ماذا ستخاف “الدولة الاسلامية” وجنودها؟ على ارواحهم وهم الذين يتوقون لمغادرة دار الفناء الى دار البقاء وجنات عدن حسب ايمانهم المطلق؟
***
ما يحيرنا ان العرب، والعراقيين منهم خاصة، سنة كانوا او شيعة، ما زالوا يثقون بالامريكان ويصدقون وعودهم ويستقبلونهم بالاحضان، وينسون دروس الماضي القريب، والمأسي التي حلت بهم وبلدهم من جراء غزو هؤلاء الامريكان وحلفائهم، وما يحيرنا اكثر ان الحكومات الامريكية ايضا سريعة النسيان، وذاكرتها قصيرة جدا، مثلما ينسى الرئيس اوباما، او يتناسى انه حصل على جائزة “نوبل” للسلام لانه قرر انهاء عصر الحروب وسحب قواته من العراق وافغانستان لتقليص الخسائر البشرية في صفوف قواته قبل الخسائر المادية التي تقدر بخمسة ترليونات دولار، وجعل العالم اكثر امانا.
ندرك جيدا، ان من يطربون لانغام طبول الحرب الامريكية، ويرقصون الدبكة تعبيرا عن سعادتهم بها ودعمهم لقارعيها، سيؤولون كلامنا هذا، ويفسرونه تفسيرات عديدة وفق اهوائهم وسيكيلون الاتهامات الينا، ولكن هذا لا يهمنا، فقد عارضنا الحروب الامريكية كلها على العراق وليبيا وسورية (تم التراجع في اللحظة الاخيرة عنها اثناء ازمة الاسلحة الكيماوية) وقطعا سنعارض الحرب الامريكية الجديدة، وهذا لا يعني اننا مع قطع الرؤوس وحرق الطيار الكساسبة حيا بطرق وحشية، لاننا كنا وما زلنا نعرف ان امريكا لم تخض مطلقا حربا من اجلنا، واننا كنا وسنظل الخاسرين في كل حروبها بشريا وماليا وجغرافيا، والايام بيننا.

الحرب البرية “لاجتثاث” “الدولة الاسلامية” باتت وشيكة مثلما بشرنا الجنرال الامريكي الن.. ولكن ماذا سنحصل كعرب بعد نجاحها؟ ومن هم ضحاياها في الجانبين؟ اليسوا عربا؟ ومن سيحصي اعداهم.. ام انهم حشرات؟

عبد الباري عطوان

بدأت الولايات المتحدة الامريكية تقرع طبول “الحرب البرية” للقضاء على “الدولة الاسلامية”، واعلن الجنرال جون آلن منسق التحالف الدولي ان الهجوم البري سيبدأ قريبا دون ان يحدد موعدا.
الاردن من اكثر الاطراف العربية “حماسة” للدخول في هذه الحرب، واعلن عن استعداده بخوضها بريا وجويا كرد فعل على طريقة الحرق الوحشية لطياره معاذ الكساسبة على ايدي عناصر من الدولة، مستغلا حالة الغضب الشعبي التي تتمثل في الدعوات للثأر والانتقام، حتى ان قائد السلاح الجوي الاردني تحدث بكلمات “غير مسبوقة” مثل “السحق” و”المحق” عندما ظهر في مؤتمر صحافي “غير مسبوق” ايضا للحديث عن استراتيجية الحكومة الاردنية الانتقامية هذه.
قبل يومين، وصباح يوم السبت الماضي على وجه الخصوص، التقيت بمسؤول عراقي “سني” كبير في بهو احد فنادق لندن بمحض الصدفة، حيث كنت ازور صديقا وصل لتوه، وسألته عن توقيت هجوم التحالف البري على الموصل معقل “الدولة الاسلامية” في العراق فقال “الصيف المقبل” بكل تأكيد.
بيننا وبين طلائع الصيف بضعة اشهر، ويمكن ملاحظة حالة من الاستعجال الامريكي لهذا الهجوم، فالجنرال الن الذي يتنافس مع رئيسه الجنرال ديفيد بترايوس على “حقوق ملكية” تأسيس الصحوات في العراق، قال ان قيادة بلاده العسكرية اقامت اربعة مراكز تدريب للقوات العراقية ورجال “العشائر السنية” في الانبار والتاجي واربيل وبسمايا، حيث يوجد مدربين من استراليا والدنمارك واسبانيا وايطاليا والمانيا وبلجيكا وهولندا، بينما اعلن هلكورد حكمت الناطق الرسمي باسم وزارة “البشمرغة” في حكومة اقليم كردستان العراق ان امريكا ستقيم قاعدة عسكرية جوية قرب اربيل، ترى هل اخذت القيادة العسكرية الامريكية اذن السيد حيدر العبادي رئيس وزراء العراق قبل اقامة هذه القاعدة؟ وهل البرلمان العراقي ناقش هذه المسألة واقرها؟ وماذا عن السيد نوري المالكي والتحالف الذي تزعمه الذي عارض اعطاء امريكا اي قواعد في العراق بعد انسحاب قواتها؟ ولماذا هو وحزبه يلتزمون فضيلة الصمت؟
***
من المؤكد ان الهجوم البري سيكون من قوات عربية فقط، وبالتحديد من قبل 12 لواء عراقيا، وقوات اردنية خاصة ونظامية، بينما تكتفي الولايات المتحدة وباقي الدول العربية والاوروبية المنخرطة في التحالف بالقصف والاسناد الجوي من علو شاهق.
لا شك انها قوة جبارة تلك التي ستهاجم مواقع “الدولة الاسلامية” تقودها القوة الاعظم في عصرنا الحالي، ومن المؤكد ان ضحاياها، سواء في القوة المهاجمة او التي سيستهدفها الهجوم في الموصل وغيرها هم من العرب والمسلمين، سواء كانوا من المدنيين سكان هذه المناطق او من مقاتلي “الدولة الاسلامية”.
نسأل، وبكل براءة، عن الثمن الذي سيحصل عليه العرب والمسلمين في حال نجاح هذه القوات في القضاء فعلا على “الدولة الاسلامية” من قبل الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، هل ستكون المكافأة “تحرير فلسطين” مثلا واستعادة المسجد الاقصى للسيادة الاسلامية؟ هل سنرى مشروع مارشال لاعادة اعمار الدول التي دمرها التدخل الامريكي المباشر، او غير المباشر، مثل اليمن والعراق وليبيا وسورية؟ وهل ستعم الديمقراطية وحقوق الانسان وقيم التعايش في العالم العربي؟
“الدولة الاسلامية” دولة متوحشة، وتقطع الرؤوس، وترجم الزناة والشاذين، وتقطع ايدي اللصوص، وتطبق الحدود على المرتدين، حسب توصيفها قتلا وتعزيرا، ولكن هل نرى نظما ديمقراطية، وعدالة اجتماعية، وقضاء عادل مستقل، على انقاضها على يد الدول التي تشارك في هذا التحالف، عربية كانت ام غربية، بحيث نرى عالما عربيا مختلفا؟
قالوا لنا ان العالم الاسلامي سيكون دولة “افلاطون الفاضلة” بعد نجاح الحرب على الارهاب، وبشرونا بدولة فلسطينية مستقلة بعد اسقاط نظام الرئيس صدام حسين، واقامة عراق مزدهر يكون نموذجا للديمقراطية وحقوق الانسان، والشيء نفسه في ليبيا واليمن وسورية، و”لعلعت” الفضائيات الداعمة للتدخلات العسكرية الامريكية هذه في تسويق هذه النبوءات والوعود للمواطن العربي المغلوب على امره، الذي صدقها وانتظر الفرج القريب، وها نحن ننتظر منذ 14 عاما ترجمة هذه الوعود على ارض الواقع رغم خسارتنا اكثر من مليون انسان عربي ومسلم في الحربين على الارهاب وعلى صدام حسين.
كل عشر سنوات نحن موعودون بحرب جديدة في المنطقة، اما بقيادة الولايات المتحدة او من قبل حليفتها اسرائيل او الاثنين معا، وفي كل حرب يقال لنا انها تأتي لاكمال ما فشلت في تحقيقه الحرب التي سبقتها، ونحن ندفع الثمن دائما من دمنا ومالنا وبترولنا وكرامتنا.
للمرة الالف نقول وبلا تردد ان “الدولة الاسلامية” دولة ارهابية، ولكن هل قتلت هذه الدولة واحد على الف ممن قتلتهم الدولة الحضارية الامريكية اثناء حروبها السابقة او اللاحقة في البلدان العربية؟ الم تحرق الصواريخ الامريكية التي اطلقت على العراقيين جنودا ومدنيين الآلاف من امثال الطيار معاذ الكساسبة؟
***
الحرب البرية ستبدأ قريبا مثلما وعدنا وطمأننا الجنرال جون الن، ولكنه لم يقل لنا وهو الخبير كيف ستكون هذه الحرب، وكم عدد ضحاياها، وكم ستستغرق من الوقت، وهل ستتكرم علينا ادارته بتقديم احصاءات دقيقة لعدد القتلى العرب، مثلما فعلت وتفعل لضحايا الحرب في سورية؟ ام انها ستكرر ما فعلته في العراق وليبيا، اي احصاء القتلى الامريكيين فقط باعتبارهم من نسل بشري مقدس، ومن الدرجة الاولى الممتازة، اما الضحايا العرب والمسلمين فهم من درجات متدنية لا يستحقون حتى الاحصاء.
الحرب الجوية الامريكية ستكون “سهلة” وآمنة لان الطيارين يخوضونها من ارتفاعات شاهقة، وهي بمثابة الالعاب الكمبيوترية بالنسبىة اليهم، حرب “تسلية”، فالخصم لا يملك صواريخ قادرة على الوصول اليها، ولكن الحرب البرية التي سيخوضها الجنود العرب لن تكون كذلك، فالموصل والرقة ودير الزور وغيرهما غابات من الاسمنت، ولذلك سيكون عدد الضحايا كبير جدا في الجانبين العربيين، المهاجم والمهجوم عليه، ناهيك عن المدنيين الابرياء الذين سيحاصرون وسط النيران.
ندرك جيدا ان كلامنا هذا لا يروق للكثيرين “المتحضرين”، ولكن نجد لزاما علينا ان نقوله، وبأعلى صوت ممكن، ونحيل من يعترض الى الحروب الامريكية في العراق وليبيا وافغانستان لعل في ارثها الدموي، والخداع الذي رافقها ما يمكن ان يجيب نيابة عنا.

ظاهرة سحب الجنسيات من المواطنين تشمل خمس دول خليجية.. والذرائع متعددة والهدف واحد: استهداف المعارضة والحريات التعبيرية.. ويسألون بعد ذلك عن اسباب “تمدد” “الدولة الاسلامية” واخواتها

عبد الباري عطوان
خبران سيطرا على وسائل الاعلام العربية في الاسبوعين الماضيين، واحتلا صدر نشرات الاخبار التلفزيونية وعناوين الصحف، الاول هو اعدام الطيار الاردني معاذ الكساسبة حرقا من قبل “الدولة الاسلامية”، والثاني سحب حكومات عربية جنسيات مواطنيها بسبب اقدامهم على مواقف سياسية معارضة لها.
انه امر محزن بكل المقاييس ان تصبح الجنيسة التي هي حق شرعي للمواطن، احد ادوات الضغط والترهيب له، والتشريد لاهله وعائلته واطفاله، والحرمان من الانتماء الى وطن آبائه واجداده لمجرد انه خالف حكومته، وانتقد بعض جوانب سياساتها، بطريقة سلمية حضارية تكفلها كل القوانين والشرائع الالهية والوضعية.
شعرت بالكآبة وانا اتابع قضية الزميل الصحافي المصري محمد فهمي الصحافي في قناة “الجزيرة” الفضائية الدولية الذي قضى ما يقرب العام خلف القضبان بتهم “مفبركة” حيث اضطر الى التنازل عن جنسيته المصرية لصالح جنسيته الكندية، من اجل ان يسري عليه القانون الصادر مؤخرا بامكانية ترحيل الاجانب الذين صدرت بحقهم احكام في مصر، وهو القانون نفسه الذي تم بموجبه ترحيل الصحافي الاسترالي بيتر غريست.
فهذه المعاملة غير الانسانية من حكومة بلده الاصلي دفعته للاقدام على هذه الخطوة لان ازدواجية الجنسية، او احتفاظه بالجنسية المصرية، ربما يبقيه في السجن لعدة اعوام، لان قانون الجنسية في الغرب لا يجبر الحكومة على الدفاع عن حاملها في بلده الاصلي.
***
ولا نعرف ماذا سيكون مصير المواطن المصري الزميل باهر محمد الذي لا يحمل جنسية اجنبية، الذي صدر بحقه حكم بالسجن عشرة اعوام، اي بزيادة ثلاثة اعوام بالمقارنة مع زميله الاسترالي والكندي، فلا توجد حكومة اجنبية تدافع عنه وتضغط للافراج عنه، بل حكومة مصرية تتفنن في تعذيبه واطالة امد اقامته خلف القضبان في سجون لا تصلح للحيوانات.
وقبل ثلاثة ايام سحبت الحكومة البحرينية الجنسية من 72 مواطنا من بينهم اربعة صحافيين جرى نفيهم خارج البلاد، حسب ما جاء في بيان لمنظمة العفو الدولية، وذهبت الى ما هو بعد من ذلك عندما اغلقت قناة “العرب” التلفزيونية التي يملكها الامير الوليد بن طلال لانها استضافت معارضا انتقد هذه الخطوة بأدب جم، وقبلها سحبت دولة قطر الجنسية من آلاف من قبيلة بني مرة، لان بعض ابناء القبيلة شارك في محاولة الانقلاب ضد الامير السابق عام 1996، ولكن السلطات القطرية لم تقل ذلك صراحة، واتهمت هؤلاء بحمل جنسية ثانية، هي الجنسية السعودية، وتردد انها اعادت الجنسية القطرية لكل من تنازل عن جنسيته السعودية.
وكانت وكالة الانباء الاماراتية نقلت عن مصدر مسؤول في الادارة العامة لشؤون الجنسية والاقامة قوله ان الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة اصدر في الرابع من شهر كانون الاول (ديسمبر) الماضي امرا بسحب الجنسية عن خمسة اشخاص بتهمة القيام بأعمال تعد خطرا على امن الدولة وسلامتها من خلال الارتباط بمنظمات وشخصيات اقليمية ودولية مشبوهة مدرجة على قوائم الامم المتحدة المتعلقة بالارهاب (اخوان مسلمين).
وكان من المأمول ان تكون دولة الكويت التي تحظى بتجربة ديمقراطية متميزة في منطقة الخليج والوطن العربي بأسره استثناء، ولكنها سارت على النهج نفسه، وسحبت جنسيات من مواطنين، “مجنسين” كانوا او غير مجنسين، واغلقت صحف ومحطات تلفزة، وكان ابرز هؤلاء الدكتور سعد العجمي وزير الاعلام الكويتي الاسبق الذي طالما انبرى في الدفاع عن الحكومة وسياساتها في وسائل الاعلام العربية والاجنبية، وانا شخصيا اصطدمت معه اكثر من مرة في هذه البرامج لخلافات في الرأي، ولكن هذا لا يمنعني مطلقا من معارضة قرار سحب جنسيته ومنعه من السفر.
الدولة الخليجية الخامسة التي سحبت الجنسية من مواطنيها هي المملكة العربية السعودية وللسبب نفسه، وكان الروائي العربي الكبير عبد الرحمن منيف هو ابرز هؤلاء لانه عبر عن معارضته للنظام في عمله الروائي العالمي ثلاثية “مدن الملح”، وقد تشرفت بلقائه عدة مرات في لندن، وكان اديبا مبدعا، وعربيا اصيلا، وعلى خلق عظيم تفتخر به امته وعقيدته.
ولا يمكن ان ننسى دول عربية اخرى غير خليجية توحشت في سحب الجنسيات، وعلى رأسها السلطات الاردنية والمصرية والعراقية، حتى لا يقال اننا نركز على الدول الخليجية فقط.
سحب الجنسيات وتضييق الخناق على “حرية الرأي” استنادا الى تشريعات تتنافى مع حقوق الانسان هو الذي يؤدي الى جانب انتهاكات اخرى الى تصاعد جماعات التطرف المتشددة في الوطن العربي، وزعزعة استقرار البلدان، وغرقها في حروب اهلية تحت تسميات عديدة.
***
الجنسية حق مكتسب للمواطن، وليست منحة من الحكومة تسحبها وقتما تشاء، فاذا كان هذا المواطن ارتكب “جريمة” يعاقب عليها القانون فإن من يحدد هذا العقاب هو المحاكم العادلة، المنبثقة عن قضاء نزيه ومستقل.
وربما تجادل بعض الحكومات بانها سحبت الجنسية من مواطنين من دول اخرى حصلوا عليها ولم يلتزموا بشروطها، وهذا صحيح في بعض الحالات، ليس كلها، وان كنا نعارض هذا التمييز بشدة، وهناك مواطنون سحبت منهم الجنسية عمرهم في بلادهم اطول من عمر الحكومات التي سحبت جنسياتهم، وينتمون الى قبائل عربية تمتد جذورها في عمق المنطقة لآلاف السنين.
مثل هذه الممارسات التي تشكل انتهاكا صريحا لحقوق الانسان هي التي تمهد التربة، وتوفر الحاضنة لجماعات اسلامية متشددة مثل “الدولة الاسلامية” وتنظيم “القاعدة” الام، وعلينا ان نتذكر ان زعيم التنظيم الاخير الشيخ اسامة بن لادن لجأ الى العنف والعمليات الانتحارية بعد ان جرى سحب جنسيته السعودية اثناء اقامته في الخرطوم.
فإذا كانت الحرب “الامنية” على هذه الجماعات “الارهابية” لا تكفي وحدها في الانتصار عليها اذا لم تتوازى بحرب فكرية لمنع الشباب من الانضمام اليها، فان اول ابجديات هذه الحرب الفكرية احترام المواطن وحقوقه، وابرزها حق الجنسية المقدس الذي لا يجب ان لا يمس بأي صورة من الصور.

ما هي ابرز ملامح وتوجهات العاهل السعودي الجديد تجاه القضايا العربية؟ وما مدى صحة التقارير التي تتحدث عن ابتعاده عن الرئيس السيسي وتقربه من “الاخوان المسلمين”؟ وماذا عن الملفين السوري والعراقي.. والعلاقة مع “حماس″؟ وهل انهار التحالف مع الامارات؟

عبد الباري عطوان

تتجه كل الانظار هذه الايام باتجاه الرياض، والعاهل السعودي الجديد الملك سلمان بن عبد العزيز لمعرفة خطواته المقبلة، وطبيعة تحالفاته الخليجية والاقليمية المتوقعة، بعد ان ثبت اركان عرشه، وكرس رجاله في المفاصل الهامة في الدولة من خلال اصدار 34 مرسوما دفعة واحدة.
الملك سلمان بن عبد العزيز قال خلال ترؤسه مجلس الوزراء للمرة الاولى بعد توليه العرش يوم (الاثنين) “ان بلاده مدركة مسوؤلياتها الجسام” و”لن تحيد عن السير في النهج نفسه الذي سنه الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، وسار عليه من بعده ابناؤه الملوك” ونقل الدكتور عادل الطريفي وزير الاعلام الجديد عن الملك السعودي قوله “ان توجهات وسياسات المملكة على الساحات العربية والاسلامية والدولية نهج متواصل ومستمر، واضاف “نحن عازمون على مواصلة العمل الجاد والدؤوب من اجل خدمة الاسلام وتحقيق الخير لشعبنا العربي النبيل ودعم القضايا العربية والاسلامية، والاسهام في ترسيخ الامن والسلم الدوليين والنمو الاقتصادي العالمي”.
كلام جميل، ولكنه مغرق في عموميته، ولا يمكن الخروج منه، بعد قراءته اكثر من مرة، بأي ملمح من ملامح السياسة الخارجية او الداخلية للعهد السعودي الجديد، فدعم القضايا العربية والاسلامية جملة فضفاضة، فأي من هذه القضايا التي سيدعمها العهد الجديد على سبيل المثال؟ فهل القضايا السورية والعراقية والفلسطينية والليبية والمصرية من بينها، وكيف سيكون هذا الدعم، وضمن اي محور في هذه القضايا مثلا؟
بمعنى آخر هل سيتم دعم المعارضة السورية بالمال والسلاح، مثلما كان عليه حال الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز والاستمرار في سياسة اسقاط النظام السوري، ام سيتم الانسحاب من هذه السياسة بعد تغير الاولويات ووضع محاربة “الدولة الاسلامية” على قمتها، وهل سيتم دعم المقاومة الاسلامية في الارض الفلسطينية المحتلة، ام ستستمر القطيعة مع حركة “حماس″، وتوثيق العلاقة مع السلطة فاقدة الشعبية في المقابل؟ (الملك سلمان تولى رئاسة اللجنة السعودية لدعم الشعب الفلسطيني لاكثر من اربعة عقود واعتقد انه ما زال في المنصب)، وبالنسبة الى مصر هل سيواصل العاهل الجديد الدعم المفتوح والمطلق لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، ومواصلة الحرب على تنظيم الاخوان المسلمين في كل بقاع الارض، وليس في مصر وحدها، ام سيلجأ الى ترميم الجسور مع هذه الحركة؟ وماذا عن ايران “الشيعية” وتركيا “السنية” ومع اي من هاتين القوتين الاقليميتين العظميين سيتقارب العهد السعودي الجديد، وكيف، ووفق اي معايير؟ والاسئلة كثيرة في هذا المضمار، وتحتاج الى اجابات عاجلة، وربما بالسرعة نفسها التي تمت من خلالها عملية ترتيب البيت السعودي الداخلي.
***
وعندما نقول ان الانظار مركزة حاليا على الرياض، فان هذا التركيز مشروع ومبرر لاهمية هذه العاصمة وحاكمها، ودورها المؤثر في السياسات الاقليمية والدولية، ولم يكن غريبا ان هناك من يقف محللا ومتكهنا لكل خطوة وكل اشارة وكل تصريح.
توقف الكثيرون، على سبيل المثال، عند غياب الشيخين القويين في دولة الامارات العربية المتحدة اي محمد بن راشد (حاكم دبي) ومحمد بن زايد (ولي عهد ابوظبي) عن جنازة العاهل السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز، مثلما توقفوا ايضا عند غياب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وذهب البعض الى درجة القول بأن الحلف السعودي الاماراتي المصري الذي تبلور، وبلغ ذروة قوته في عهد الملك الراحل بدأ يتفكك، ان لم يكن قد انهار فعلا، ولعب الاعلام القطري، او المحسوب على الدوحة، على وجه الخصوص، دورا كبيرا في “فصفصة” هذه المسألة واستنتاج النتائج السابقة، اي ضعف او انهيار هذا التحالف الذي غير خريطة مجلس التعاون الخليجي الداخلية والخارجية معا.
نقطة اخرى جرى رصدها وهي تقديم الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية المقربة من الاخوان المسلمين، ان لم تكن تابعة لها، واجبات العزاء للعاهل السعودي الجديد، فهناك من رأى في هذه الخطوة تغييرا في سياسة المملكة تجاه حركة الاخوان التي وصلت الى حد القطيعة الكاملة، وهناك من ذهب الى ما هو ابعد من ذلك، وتحدث عن علاقات الملك سلمان الوثيقة مع المؤسسة الدينية الرسمية، وابتعاده عن الليبراليين السعوديين والعرب، ورغبته في انهاء ارث الملك الراحل في “تهميش” التيار الاسلامي المحافظ والاقتراب من الليبراليين، وربما يكون هذا التفسير صحيحا، ولكن ما علمنا به ان الشيخ راشد الغنوشي طلب من السلطات السعودية الحضور لتقديم واجب العزاء وتهنئة الملك الجديد وفي نيته فتح صفحة جديدة، وهو الذي ابعد من مطار جدة مرتين، وبملابس الاحرام، بسبب غضب السلطات السعودية عليه لاخوانيته اولا، ولقائه بالشيخ سعود الهاشمي قبل اعتقاله ثانيا، فجاء الرد، اي للشيخ الغنوشي، بالترحيب والاذن بالحضور، ولا ننسى ان الشيخ الغنوشي وحركة النهضة التي يتزعمها، والحكومة التي انبثقت عنها في بداية الثورة التونسية عارضت بقوة استضافة السعودية للرئيس التونسي الاسبق زين العابدين بن علي وطالبت بتسليمه.
لا نعرف الاسباب التي دفعت بالمسؤولين الاماراتيين للتغيب عن تقديم واجبات العزاء في الملك الراحل، والاكتفاء بارسال شيوخ من امارات اصغر حجما وثراء، فالامارات تلتزم الصمت، ومن يؤمنون بنظرية “الازمة” اعتمدوا في تحليلهم على انهيار التحالف على موقع اماراتي يرأسه اعلامي مخضرم يعمل في ديوان رئيس الدولة انتقد تعيين الامير القوي محمد بن نايف وزير الداخلية، وليا لولي العهد ورئيسا لمجلس الامن والسياسة الذي يضم وزارات الدولة الامنية والسياسية “الخارجية” و”الدفاع″ و”الداخلية” و”الاعلام” و”الحج”، والايحاء بأن العلاقات بين الشيخ محمد بن زايد والامير محمد بن نايف متوترة، وان الاول كان على علاقة وثيقة مع الاميرين بندر بن سلطان ومتعب ابن عبد الله نجل العاهل الراحل، علاوة على خالد التويجري رئيس ديوان الملك الراحل الذي ابعد بأول مرسوم يصدره العاهل الجديد.
واذا افترضنا ان كل هذه التكهنات صحيحة، او تنطوي على الكثير من الصحة، وربما يكون الحال كذلك، فشيوخ الخليج ملوك التكتم وكل تسريبة لهم للاعلام توزن بميزان من الذهب الابيض، فان السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن مدى صحة “فرضية” توتر العلاقة او “برودها” بين مصر الرئيس عبد الفتاح السيسي والعاهل السعودي الجديد؟

***

لم يصدر حتى الآن من مصر ومسؤوليها اي موقف او مؤشر يؤكد على تدهور العلاقات، باستثناء تغيب الرئيس السيسي عن مراسم العزاء الذي قيل انه جاء بسبب الثلوج التي حالت دون اقلاع طائرته فورا من منتجع دافوس الاقتصادي الذي كان يشارك فيه.
المملكة العربية السعودية استثمرت اكثر من 15 مليار دولار لدعم النظام المصري الجديد الذي جاء بعد انقلاب عسكري على الرئيس المنتخب محمد مرسي، وبنت كل سياساتها الاستراتيجية على اساس التحالف مع هذا النظام بما في ذلك “تجميد” العلاقات مع تركيا والضغط على قطر بلجم “الجزيرة”، وابعاد قادة الاخوان المقيمين في الدوحة، وتصعيدها مع ايران والعراق وسورية، فهل نحن امام تغيير جذري لهذه العلاقة الاستراتيجية من قبل العهد السعودي الجديد؟
من الصعب الاجابة بشكل قاطع على هذا السؤال وغيره، فما زالت اوراق لعب الملك سلمان قريبة جدا الى صدره، ومن الصعب رؤية اي منها، الامر الذي فتح المجال واسعا امام التكهنات من قبل جهات عديدة.
الامر المؤكد ان هناك مجالا واسعا لاحتمالات التغيير، فقد جرت العادة ان يغير ملوك السعودية سياساتهم وخيولهم عندما يتولون العرش، والملك سلمان بن عبد العزيز لن يكون استثناء.
الشيء الوحيد الذي يبدو اكثر وضوحا اننا نقف على اعتاب حرب اعلامية ساخنة تتناطح فيها امبراطوريات اعلامية ضخمة خليجية في معظمها مسلحة بمليارات الدولارات واطقم حرفية عالية الخبرة والمؤهلات، وما علينا الا الانتظار، وهذا “التناطح” سيكون انعكاسا لسياسات جديدة ليس على الصعيد السعودي فقط، وانما معظم الدول الاعضاء في مجلس التعاون، فمرحلة “الجمود” وكنس الخلافات تحت السجادة، يبدو انها تقترب من نهايتها بوفاة الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي كان يوصف بكبير العائلة، او شيخ القبيلة الخليجية الاكبر، ويحترمه الجميع، ويقبلون بأبوته حتى وان اختلفوا مع بعض توجهاته.

الاردن قرر الانتقام لاعدام طياره بطريقة بشعة بإعلان الحرب على “الدولة الاسلامية” وقتالها في عقر دارها.. القرار شجاع ولكنه ليس بدون مخاطر.. وانسحاب الامارات من الحملة الجوية مؤشر على استيعابها للرسالة الاهم.. والايام المقبلة حافلة بالمفاجآت

عبد الباري عطوان

اعفت الطريقة الدموية البشعة التي اعدم من خلالها الطيار الاردني معاذ الكساسبة على يد “الدولة الاسلامية” القيادة الاردنية من “حرج” كبير، وحشدت معظم الرأي العام الاردني، ان لم يكن كله، خلف مشاركتها في التحالف الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة للقضاء على هذه الظاهرة “الجهادية” المتشددة.
الشارع الاردني قبل الاعدام كان منقسما في موقفه تجاه مشاركة بلاده طائرات التحالف الامريكي الغربي في الحرب على “الدولة الاسلامية”، ومعارضي هذه المشاركة كانوا الاعلى صوتا، ولكن الصورة تغيرت كليا في اليومين الماضيين، وبدأت الدعوات لانتقام اوسع لاحراق الطيار الضحية على السنة الغالبية الساحقة من الشعب الاردني بمختلف اطيافه والوانه واصوله ومنابته.
في ظل هذا المناخ المتعطش للانتقام، لم يكن مفاجئا ان يتماهى معه العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني الذي قطع زيارته الى واشنطن، ويتوعد في بيان رسمي شديد اللهجة، وبعد اجتماع مع كبار قادته العسكريين “الدولة الاسلامية” “برد قاس″، مؤكدا ان دم الطيار الاردني لن يضيع هدرا، ونحن هنا لا نتحدث عن اعدام السيدة الانتحارية ساجدة الريشاوي وزميلها زياد الكربولي كأول خطوة على طريق هذا الانتقام، فالمسألة اكبر واخطر من ذلك بكثير.
***
القاء نظرة متأملة لبيان الديوان الملكي الاردني تعطي انطباعا بأن القيادة الاردنية قررت نقل الحرب الى معاقل “الدولة الاسلامية” بما في ذلك ارسال قوات “برية” خاصة، او على شكل وحدات من الجيش الاردني، فالبيان الملكي تضمن نقطة على درجة كبيرة من الاهمية وهي “سنكون بالمرصاد لزمرة المجرمين، ونضربهم في عقر دارهم”.
وما يؤكد هذا الاستنتاج، التصريحات التي ادلى بها النائب الامريكي ثورنبيري ماك ثورنبيري رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الامريكي، وقال فيها “ان الولايات المتحدة تبحث في الطلبات الاردنية للحصول على اسلحة ومعدات في الحرب على “داعش” ودعا “الى ضرورة تلبيتها بشكل عاجل، وبحث كيفية التصدي لايديولوجية هذا التنظيم”.
الاردن كان منذ اليوم الاول عضوا فاعلا في التحالف الامريكي “الخمسيني” ضد “الدولة الاسلامية” وبادر بإرسال طائراته الامريكية القديمة من طراز (اف 16) لتأكيد نواياه في هذا المضمار، وكان بصدد ارسال قوات خاصة تدعم جهوده الاستخبارية الاهم التي يُشهد لها في جمع المعلومات، ومن المؤكد ان اعدام الطيار الكساسبة بالطريقة البشعة (امتنعت عن نشرها) عجل من التوجهات العسكرية الاردنية في خوض الحرب بالاسلحة كلها.
من الصعب علينا في ظل حالة الغضب الشعبي غير المسبوق، والدعوات المتصاعدة للانتقام، مناقشة الجوانب الايجابية والسلبية لمثل هذه الخطوات، فالاخطار موجودة، لا يمكن، بل لا يجب، التقليل من شأنها، او القفز عنها، فالاردن سيكون في مواجهة تنظيم دموي شرس يرابط بالقرب من حدوده، ولا يهمه خسارة الرأي العام الاردني او كسبه، ولا يلتزم بأي قواعد للاشتباك، ورأسمال الاردن هو امنه واستقراره ووحدته الوطنية، ولهذا يجب النظر الى الامور من زاوية المصلحة واجراء حسابات دقيقة، بعيدا عن العواطف والنزعات الانتقامية، فالاردن دولة تمتد جذورها لاكثر من مئة عام بينما خصمه، اي “الدولة الاسلامية” تنظيم حديث العهد لا يزيد عمره عن عامين، والفارق كبير بين الطرفين، ونأمل ان لا يفسر كلامنا هذا بطريقة خاطئة، لان غبار “الحماس″ سيهدأ بعد ايام او اسابيع حتما، وستظهر الحقائق واضحة ويمكن رصدها بالعين المجردة.
شتم “الدولة الاسلامية” واتهامها بالارهاب والوحشية والبشاعة من قبل الكثير من الكتاب والمحللين السياسيين في الاعلام العربي، يعطي نتائج عكسية تماما، لانه يصب في خانة “المدح” وليس “الذم”، لان استراتيجية هذه الدولة تقوم على “الصدمة والرعب” و”ارهاب” الخصوم، وارباكهم عسكريا وسياسيا، الامر الذي يسهل عملية تجنيد المزيد من الشباب المحبط في صفوفها وتبني ايديولوجيتها الدموية.
من تابع شريط الاعدام للطيار الكساسبة والطريقة التي انتج واخرج بها، يعتقد انه يتابع فيلما هوليوديا لافلام العنف من اعداد خبراء كبار في الحرب النفسية، كان مبتغاهم الاساسي احداث اكبر قدر ممكن من التأثير في المشاهد، مما يؤكد الرواية الاردنية شبه الرسمية التي تقول بأن الطيار الضحية اعدم قبل شهر على الاقل.
نشرح اكثر ونقول ان وضع الطيار الضحية في قفص، واغراق جسده بالبنزين، وهو في بدلة الاعدام البرتقالية، ووقوف شخص ملثم حاملا شعله “مضمخة” بالبترول يشعلها ببطئ، امام الكاميرا، ثم يستخدمها لاشعال الفتيل المؤدي الى القفص يتحول الشاب الضحية بعدها الى كتلة من اللهب بطريقة بشعة وغير انسانية، هذا الاعدام غير المسبوق لا يمكن ان يكون وليد الساعة، ولا يمكن ان يكون من انتاج تنظيم همجي متخلف، وانما يعكس عملا مؤسساتيا متقدما لا يضاهيه اي عمل رسمي عربي، وهذا ليس مدحا وانما توصيفا عمليا مهنيا.
هذه هي المرة الاولى التي يستخدم فيها التنظيم هذه الطريقة البشعة في اعدام اسراه، فحتى جنود الجيشين السوري والعراقي الذين يوصفوا بـ”المرتدين” في ادبياته، لم يعدما بهذه الطريقة، ولا الرهائن الاجانب ايضا، وسمعت من يقول على احد الشاشات ان استخدام اسلوب الحرق في اعدام الطيار الكساسبة جاء بسبب كونه عسكريا وليس مدنيا، وهذا تفسير يتنافى مع الواقع، فلم نر التنظيم “الدولة” يحرق جنودا، او مقاتلين من الجبهات العسكرية المعارضة الاخرى التي خاض حربا ضروسا في حلب ودير الزور والرقة ضدها واعدم المئات ان لم يكن الآلاف من منتسبيها الذين وقعوا اسرى في قبضته.

***

طريقة الحرق البشعة هذه كان الهدف منها ارسال رسالة ترهيب الى الدول المشاركة في التحالف الخمسيني الامريكي لحثها على الانسحاب من هذا التحالف اذا ارادت تجنب المصير نفسه لطياريها او جنودها، ويبدو ان هذه الرسالة وصلت بسرعة بالنظر الى التقرير الذي نشرته صحيفة “النيويورك تايمز″ اليوم الاربعاء، واكدت فيه ان دولة الامارات العربية المتحدة اوقفت طلعاتها الجوية لقصف مواقع “الدولة الاسلامية” منذ اسر الطيار الكساسبة.
الاردن قرر “الانتقام” والذهاب في حرب ضد “الدولة الاسلامية” حتى الشوط الاخير ويجد دعما من الغالبية العظمى من مواطنيه، ناهيك عن قواته المسلحة، والولايات المتحدة، الدولة الاعظم في الوقت الراهن، ونأمل ان يكون قد قرر تبني هذا الخيار بعد دراسة وتمحيص جيدين ومتعمقين.

اكتب لكم من اليابان المسكونة بـ”الدولة الاسلامية” التي يصلي اهلها لعدم اعدام الصحافي الاسير لديها.. ساجدة الريشاوي المعتقلة في الاردن باتت اكثر شهرة من نجوم السينما وكذلك الطيار الكساسبة.. ونحن مع الافراج الفوري عنها.. وهذه هي مبرراتنا

عبد الباري عطوان
الحديث الطاغي في اليابان حاليا، والمتداول في الجامعات والمدارس والمجالس الخاصة، ويتصدر عناوين الصحف ونشرات اخبار التلفزة هو عن اعدام “الدولة الاسلامية” للرهينة الياباني هاورنا باكادوا بعد رفض الحكومة تقديم “فدية” مقدارها 200 مليون دولار يوم الجمعة الماضي، وكيفية انقاذ الرهينة الثاني الصحافي كينغي غوتو الذي ما زال على قيد الحياة، ووجه نداء مؤثرا الى الشعب الياباني قال فيه بلغة انكليزية بلكنة يابانية “انهم لم يعودوا يطالبون الفدية وانما الافراج عن شقيقتهم ساجدة الريشاوي وسيتم اطلاق سراحي فورا، وربما تكون هذه آخر كلماتي.. لا تجعلوا آبي (رئيس الوزراء) يقتلني”.
السيدة ساجدة الريشاوي المحكومة بالاعدام بتهمة المشاركة في تفجيرات عمان عام 2005 الدموية (لم ينفجر حزامها الناسف) باتت صورها في كل مكان في اليابان، واضحت معروفة لدى اليابانيين اكثر من نجمات السينما اليابانية، بغطاء رأسها الابيض وتقاطيع وجهها العربية.
اليابانيون باتوا يعوفون ايضا اسم معاذ الكساسبة الطيار الاردني الذي جرى اسره بعد اسقاط طائرته بصاروخ قبل شهر فوق مدينة الرقة السورية، عاصمة “الدولة الاسلامية”، والسبب ان “الدولة الاسلامية” غيرت شروطها، واسقطت الفدية المالية واعربت عن استعدادها الافراج عنه، اي الكساسبة، الى جانب الرهينة الياباني اذا ما افرجت السلطات الاردنية عن السيدة الريشاوي.

***

حالة من الجدل تدور في الاوساط السياسية والجامعية في اليايان التي ازورها حاليا (بدعوة من جامعة اوساكا للحديث عن الدولة الاسلامية، وكتابي الاخير الصادر حول نشأتها ومستقبلها ونفذت الطبعة الاولى منه في اقل من شهر)، فهناك من يلوم رئيس الوزراء لانه لم يدفع الفدية في الوقت المحدد، وهناك من يؤيد موقفه في رفض الخضوع لشروط الخاطفين، ويصلي المعسكران من اجل تجاوب الاردن مع الشرط المعدل، اي الافراج عن السيدة الريشاوي والحصول على رهينتين في المقابل، على طريقة السوبرماركت (افرج عن السيدة الريشاوي فتحصل على الثاني مجانا).
لا نفهم لماذا ترفض السلطات الاردنية الافراج عن السيدة الريشاوي اذا كانت ستحقق امرين على درجة عالية من الاهمية، اي الافراج عن الطيار الكساسبة والرهينة الياباني معا، وتضرب بذلك عصفورين بحجر واحد وتنقذ حياة رجلين احدهما اردني، والثاني يمكن ان يؤدي الافراج عنه الى علاقات وثيقة مع بلد غني متقدم مثل اليابان يمكنه ان يقدم مساعدات مالية وتقنية للاردن.
لو كان الاردن يرفض التفاوض بالمطلق مع الجهاديين المتشددين، والتجاوب مع مطالبهم بالافراج عن معتقلين في سجونه، مثلما تفعل دول مثل بريطانيا وامريكا ويعتبر عدم التنازل مسألة مبدئية، فإنه يمكن تفهم وبالتالي تبرير موقفه هذا، ولكن الحال ليس كذلك، والحكومة الاردنية سجلت سابقة مهمة في هذا الصدد عندما افرجت عن القيادي الليبي محمد الدرسي عضو تنظيم “القاعدة” المتهم بمحاولة تفجير مطار عسكري اردني 2007 مقابل الافراج عن السفير الاردني فواز العيطان الذي احتجزته جماعة انصار الشريعة الاسلامية الليبية.
حتى امريكا كسرت قاعدة عدم التفاوض مع الخاطفين هذه عندما دفعت فدية غير مباشرة لحركة طالبان مقابل الافراج عن جندي امريكي كان محتجزا لديها، ودافع الرئيس اوباما بشدة عن هذه الخطوة امام منتقديه الشرسين في الكونغرس ووسائل الاعلام.
الاصرار على عدم التفاوض مع الخاطفين تحت ذريعة انهم “ارهابيون” وان التنازل لمطالبهم يؤدي الى تشجيعهم للاقدام على المزيد من اعمال الخطف “اكذوبة”، لان الحكومات تتفاوض مع “الارهابيين” في نهاية المطاف وتعترف بهم، ويكون الضحايا هم الابرياء الذين يتم اعدامهم نتيجة هذا “العناد” الكاذب.
بريطانيا تفاوضت مع الجيش الجمهوري الايرلندي واعترفت به وهي التي كانت ترفض حتى السماح بالاستماع الى صوت اعضائه، او رؤية وجوههم على شاشات التلفزة، وامريكا العظمى اجبرتها الهزيمة في افغانستان على التفاوض مع حركة “طالبان” من اجل تسليمها السلطة، واوعزت لدولة قطر بفتح سفارة لها، اي لطالبان في الدوحة، ولا ننسى اعتراف اسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية، واضطرارها للتجاوب مع كل شروط الجبهة الشعبية القيادة العامة (برئاسة احمد جبريل) والافراج عن 77 اسيرا فلسطينيا في ما عرف في حينها عام 1979 بعملية النورس، وبعد ذلك التفاوض مع حزب الله للافراج عن مجموعة اسرى من بينهم الشيخ مصطفى الديراني وعميد الاسرى العرب سمير قنطار.
فما هي الفائدة التي يمكن ان تجنيها السلطات الاردنية جراء احتفاظها بالسيدة ساجدة الريشاوي خلف القضبان؟ وما هي اقصى ما يمكن ان تلحقه بها من عقاب، الاعدام مثلا؟
هذا ليس عقابا وانما “مكافأة”، فلو كانت السيدة الريشاوي تخشى الموت لما تزنرت بالحزام الناسف، ولا نبالغ اذا قلنا انها تتمناه لانه طريقها الاقصر الى جنات الخلد حيث دار البقاء.
ابقاء السيدة الريشاوي خلف القضبان يعني تنفيذ الاعدام بالطيار الكساسبة، ناهيك عن الرهينة الياباني، واسر طيارين او مسؤولين اردنيين آخرين والمطالبة بالافراج عنها مقابل الافراج عنهم او منع اعدامهم، او هكذا نعتقد، وهذا لا يعني اننا ضد تطبيق القانون او عدم معاقبة منتهكيه، وانما ننظر الى الامر من منطلق جلب المنافع وتقليص الاضرار.
***
نناشد السلطات الاردنية الافراج عن السيدة الريشاوي في اسرع وقت ممكن انقاذا للطيار الكساسبة وللاسير الياباني، لان العناد غير مجد في هذه الحالة، وسيؤدي الى اعدام هذا الطيار الشاب وتبعات اخرى تتعلق باسرته وعشيرته لا نريد الخوض فيها في هذا المضمار.
“الدولة الاسلامية” قوية، وتقول وتفعل، واذا اعطت مهلة فانها تحترمها، واذا وعدت بالافراج عن رهينة فانها تنفذ وعودها دون نقصان.
معرفتي بالجماعات الجهادية، من خلال الدراسة والبحث والمقابلات بغرض التأليف تؤكد ان هؤلاء لا يكذبون مطلقا، لاسباب دينية عقائدية، اختلف معهم البعض او اتفق.
دمويون نعم.. ارهابيون نعم.. ولكنهم اذا قالوا فعلوا.. واتهامهم بالارهاب بالمناسبة لا يضيرهم بل يسعدهم، والآية القرآنية التي تقول بارهاب اعداء الله موثقة ولا داعي لتكرارها هنا، ونأمل الا تنتهي مهلة الـ 24 ساعة التي حددتها “الدولة الاسلامية” قبل الافراج عن السيدة الريشاوي.