الجزائر

بئست هكذا قمة اهم قضاياها “مقعد خال” لسورية.. عنوانها الابرز الخلافات والانقسامات والمناكفات حيث تساوى عرب الثروة والفقر بآفاتها وحمل “فيروساتها” للأسف!

من تأمل وجوه الحفنة القليلة من الزعماء العرب الذين شاركوا في قمة الكويت العربية يستطيع رسم صورة واضحة عن الحالة المزرية للواقع العربي المنهار على الاصعدة كافة، فلم يسبق في تاريخ القمم العربية منذ بدئها قبل نصف قرن تقريبا ان وصل العمل العربي المشترك الى مثل هذه الدرجة من الضعف.

انقسامات حول كل شيء، والاتفاق الوحيد بين المشاركين ودولهم هو المزيد منها، والظاهرة الملفتة هو غياب الزعماء الوطنيين من الوزن الثقيل الذين يضعون مصالح الامة فوق كل اعتبار، ويملكون بوصلة واضحة تحدد من هو العدو ومن هو الصديق، ومن هي القضايا المركزية ومن هي القضايا الهامشية، وكيفية التعاطي مع الاولى، وكيفية ايجاد حلول سريعة للثانية حتى لا تؤثر سلبا على الاولى في حال استمرارها.

***

مؤسف جدا ان يكون الموضوع الاهم في قمة الكويت هو “مقعد” سورية وان يكون هذا “المقعد” والعلم الذي يرفع فوقه هو المحور الاساسي فيها، فهناك من يريد اعطائه هدية لائتلاف معارض مهلهل ومنقسم، وهناك من يعارض ذلك ويهدد بالانسحاب، بينما سفك الدم السوري يتواصل، واعداد القتلى والمشردين يتفاقم، والتفتيت الجغرافي والديمغرافي يتعمق.

في القمم السابقة جميعا كان عرب الخليج يتفاخرون على اقرانهم الآخرين بوحدتهم، وتضامنهم وصمود مجلس تعاونهم في مواجهة كل آفات الانقسام وعوامل التعرية التي وأدت التجمعات المماثلة شمالا ووسطا وغربا، وها هي قمة الكويت، لاحظوا الكويت، تظهر على الملأ ما حاول الاشقاء الخليجيون اخفاءه، فقد كانت الخلافات الخليجية هي الاعمق، بل وتقف خلف معظم المصائب العربية الحالية، وخاصة في سورية والعراق وفلسطين ومصر.

المحاولات اليائسة التي بذلها امير الكويت الشيخ صباح الاحمد لجمع كل من الامير سلمان بن عبد العزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية مع الامير القطري تميم بن حمد وانتزاع ابتسامة منهما امام الكاميرات لم تخف الازمة المرشحة للتصعيد بين البلدين بعد انتهاء القمة وزيارة الرئيس الامريكي باراك اوباما للرياض، والشيء نفسه يقال عن لقاء آخر بين الامير القطري والرئيس المصري المؤقت عدلي منصور، زمن الابتسامات البلاستيكية المصطنعة انتهى الى غير رجعة، ومعه زمن كنس القمامة الخلافية تحت سجاد الزعماء الفاخر.

***

القمم العربية مرت بثلاث مراحل: الاولى مرحلة الزعماء الوطنيين المتميزين، مثل جمال عبد الناصر وهواري بوميدين وفيصل بن عبد العزيز واحمد الشقيري وياسر عرفات وزايد بن سلطان، والثانية مرحلة الزعماء المهرجين التي انتهت ببدء ثورات ما يسمى بالربيع العربي، والثالثة مرحلة هيمنة المال وزعمائه على القرار العربي والجامعة العربية، وهي مرحلة ندفع كأمة ثمنها غاليا من دمائنا ووحدة اوطاننا، وضياع قضايانا المركزية.

من المؤسف ان هذا الوضع العربي المتعفن سيظل معنا لسنوات وربما لعقود قادمة، وحتى هذه القمم العربية الفاشلة التي نلعنها ليل نهار قد نترحم عليها والجامعة العربية التي ترعى مؤسستها.

متشائم.. نعم لا انكر ذلك، واعتقد ان معظم الشعوب العربية مثلي، فلا يوجد ما يبعث على التفاؤل للأسف، وليس هناك ما يمكن رصده وتحليله في هذه القمة غير الفشل والمناكفات بين زعماء صغار على حساب هذه الامة ومستقبلها، وهدر اموالها في القتل والدمار والمكائد، وكل قمة عربية وانتم بالف خير.

الجزائر اخطأت.. وهذه اسبابنا

فجّر لوران فابيوس وزير الخارجية الفرنسي قنبلة من العيار الثقيل عندما كشف عن موافقة الحكومة الجزائرية على السماح للطائرات الحربية الفرنسية، التي تشن غارات على مواقع الجماعات الاسلامية الجهادية المسلحة في شمالي مالي، بعبور المجال الجوي الجزائري بكل حرية ودون اي شروط.

السلطات الجزائرية التزمت الصمت المطبق ولم تصدر اي بيانات رسمية توضح الأمر من جانبها، وتشرح موقفها الجديد تجاه التدخل الفرنسي العسكري السافر في دولة اسلامية لها حدود مشتركة معها، وتعتبر البوابة الخلفية الرخوة بالنسبة اليها.
السماح لطائرات حربية فرنسية بعبور الأجواء الجزائرية يعتبر في العرف السياسي مباركة لهذه المغامرة الفرنسية، المتمثلة في التدخل في صراع داخلي لدولة ذات سيادة، وثانيا المشاركة بصورة مباشرة في هذا الصراع.
المتحدثون باسم الحكومة الجزائرية اعربوا، وفي اكثر من مناسبة، عن معارضتهم لأي حل عسكري للأزمة في مالي، واصرّوا على ان الحل السلمي التـــــفاوضي هو الطريق الأمــــثل، ورفضوا طلبا امريكيا تقدمت به السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الامريكية بمشاركة قوات جزائرية في اي قوة افريقية او غربية لمكافحة الوجود الجهادي في شمالي مالي اثــــناء زيارتها للعاصمة الجزائرية قبل شـــهرين، وأشدنا في هــــذه الصحـــيفة بهذا الموقف الذي وصفناه بالحكمة والشجاعة، ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة يتعلق بالاسباب التي دفعت الحكومة الجزائرية الى تغيير موقفها، والوقوف في الخندق نفسه، او على حافته، مع الدولة التي استعمرت الجزائر لأكثر من مئة وثلاثين عاما.
' ' '
ما يجعلنا نطرح هذا السؤال هو نأي الجزائر بنفسها كليا عن تدخل اوسع لحلف الناتو بقيادة فرنسا في دولة عربية مجاورة هي ليبيا، التي تربطها، او بالاحرى زعيمها السابق معمر القذافي، علاقات تحالفية قوية مع قيادتها، حيث وقفت الجزائر على الحياد التام، وهو حياد كلّفها الكثير، فما هي المبررات التي جعلتها تتخلى عنه في حالة مالي؟
لا يمكن ان نتجاهل حقيقة اساسية وهي ان هناك مصلحة مشتركة بين الجزائر وفرنسا في شن حرب ضد الجماعات الجهادية في منطقة الساحل، على اعتبار ان هذه الجماعات لا تخفي استهدافها للسلطة الجزائرية، والعمل على زعزعة استقرارها لعلمانيتها اولا، ولتورطها في تصفية العديد من الجماعات الاسلامية وانصارها في ذروة الحرب الاهلية، التي اودت بحياة حوالى مئتي الف جزائري على مدى عشر سنوات، ولكن خطر هذه الجماعات الجهادية على الجزائر تراجع بشكل ملحوظ في السنوات الاخيرة، وتركز في منطقة الساحل، واقتصر على عمليات الخطف للسياح الاجانب، والفرنسيين خاصة.
الخطوة الجزائرية الرسمية بالوقوف الى جانب التدخل العسكري الفرنسي هذا، ضمنيا او علنيا، ربما تؤدي الى تزايد هذا الخطر، واتساع دائرته، واحياء جذوره داخل الجزائر نفسها من خلال تقديم الذرائع والمبررات لاستهداف النظام، واعادة التأكيد على اتهامات خفتت حدتها، بتعاونه مع الغرب الاستعماري.
واذا كانت السلطات الجزائرية تراهن على نجاح هذه المغامرة العسكرية الفرنسية في القيام بمهمة استئصال الجماعات الجهادية في منطقة الساحل، نيابة عنها ودول اخرى مثل النيجر وموريتانيا ونيجيريا وتشاد، فإن هذا الرهان محفوف بالصعوبات والمخاطر، ومحكوم بالفشل بالقياس الى معظم الحالات المشابهة، العراق وافغانستان على وجه الخصوص.
الحكومة الفرنسية اول من يدرك جيدا هذه الحقيقة، بدليل سحبها لقواتها مبكرا من افغانستان، ورفضها التدخل بكثافة في الحرب الامريكية في العراق، مضافا الى كل ذلك ان فبركتها الاسباب والذرائع للتدخل في ليبيا عسكريا ،مثلما قال سيلفيو برلسكوني رئيس وزراء ايطاليا السابق، لا يمكن ان يكون نموذجا ناجحا، فالنتائج الكارثية لتدخلها في ليبيا هي التي ادت الى تورطها الحالي في مالي.
' ' '
نشرح اكثر ونقول ان تنظيم 'القــــاعدة' لم يكن مـــوجودا في ليبيا قبل تدخل حلف الناتو، وحتى اذا وجد، فلم يكن بالقــوة الحالية العائدة بالدرجة الاولى الى حصوله على كميات مهولة من الاسلحة الحديثة والمتطورة، التي تركها النظام الليبي السابق في مخازنه لتتسرب الى معظم دول الجوار في مختلف الاتجاهات، ووصلت حتى سيناء وقطاع غزة، ناهيك عن منطقة الساحل الافريقي.
الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند ذكر بالأمس ان مهمة قواته الارضية (750 جنديا) والجوية ستستغرق اسبوعا او اسبوعين على الاكثر تنسحب بعدها، وتترك المهمة للقوات الافريقية، وهذا تنبؤ ربما يكون متفائلا اكثر من اللازم، فالتنبؤات الامريكية في فيتنام، وافغانستان والعراق، واخيرا سورية، كانت على الدرجة نفسها من التفاؤل، والنتائج باتت معروفة للجميع، وليس هناك اي داع لذكرها، او بالأحرى التذكير بها.
التدخل الفرنسي العسكري في مالي اثار عشا للدبابير، او للأفاعي السامة، قد تمتد لسعاتها الى معظم دول الجوار، علاوة على فرنسا نفسها، ولا نعتقد ان الرئيس هولاند سيجد النجدة التي لقيها سلفه فرانسوا ساركوزي في مغامرته الأكبر في ليبيا، فألمانيا متحفظة، وايطاليا لا تريد ان تعرف، وبريطانيا ارسلت طائرتين قاذفتين تعطلت احداهما في الطريق، وامريكا باراك اوباما وعدت بالمساعدة الاستخبارية، ولهذا السبب حطّ الرئيس الفرنسي الرّحال في دولة الامارات طالبا المساعدة ماليا وعسكريا، ولا نعرف ماذا كان الردّ.
فرنسا تدخلت حتى الآن ثلاث مرات للإفراج عن رهائنها في مالي والصومال، وفشلت، فهل ستنجح في تدخلها العسكري الحالي في مالي بمواجهة مجموعات جهادية 'استنزفت' امريكا في العراق وافغانستان، وقريبا في ليبيا وربما سورية؟
نترك الإجابة للأسابيع، او الشهور، او السنوات المقبلة.
 
Twier:@abdelbariatwan
 

الحرب في مالي.. والجزائر الهدف

بالأمس أخبرنا سيلفيو برلسكوني رئيس وزراء ايطاليا الاسبق بأن فرنسا ارسلت طائراتها لقصف مواقع في ليبيا قبل صدور قرار مجلس الأمن الدولي، وبالغت في تضخيم نزاع محلي لتبرير تدخلها هذا، واليوم تقول لنا وكالات الانباء العالمية ان الطائرات الفرنسية تقصف ولليوم الثالث على التوالي مواقع لمتمردين اسلاميين في مالي، وارسلت المزيد من القوات الى العاصمة باماكو في انتظار وصول قوة من دول غرب افريقيا لطرد المتمردين المرتبطين بتنظيم 'القاعدة' في شمالي البلاد.

تدخلوا في افغانستان فمزّقوها جغرافيا وديموغرافيا، وقتلوا الآلاف من اهلها، وغزوا العراق واحتلوه وادخلوه في صراع طائفي، وشتتوا الملايين من ابنائه، وهجّروا طبقته الوسطى، وحوّلوه الى اكثر بلدان العالم فسادا، ثم اكملوا مخططهم بقصف ليبيا واليمن، ويدعمون بقوة الانتفاضة في سورية.
قالوا لنا ان تدخل حلف الناتو عسكريا في ليبيا جاء لمنع مجزرة، واطاحة طاغية، وترسيخ الاستقرار، وبناء دولة حديثة وقطع دابر الفساد، نقول لهم هذا كلام باطل، فالطاغية كان صديقكم، والفساد كان وسيظل طريقكم لنهب ثرواتنا الطبيعية والمالية، فليس صدفة ان الدول التي تدخلتم فيها، وهي العراق وافغانستان والصومال وليبيا، تحتل المراتب الاولى على قائمة الشفافية الدولية المتعلقة بمعدلات الفساد في العالم.
' ' '
التدخل في افغانستان جاء لمحاربة تنظيم 'القاعدة' واقتلاع جذوره، فازداد التنظيم قوة وترسخا بغزو العراق، وفتح القصف الجوي لليبيا واطاحة النظام فيها الباب على مصراعيه للتنظيم الجهادي للتربع على ترسانة اسلحة من كل الأنواع والأحجام، والسيطرة على منطقة الصحراء الافريقية، واستيلاء انصاره على شمالي مالي واقامة دولة 'ازوادستان' فيها، بدعم من الجماعة الجزائرية للدعوة والجهاد، احد فروع القاعدة في المغرب الاسلامي.
اليس غريبا ان جميع هذه التدخلات والغزوات العسكرية لدول حلف الناتو تتم في دول اسلامية وتستهدف شعوبا اسلامية بالقتل والتشريد والفقر والمجاعة، ابتداء من الصومال ومرورا بأفغانستان والعراق وانتهاء بدولة مالي؟
يبررون هذا التدخل العسكري الدموي في مالي بأنه جاء من اجل مقاومة تنظيم 'القاعدة'.. تنظيم 'القاعدة' لم يكن موجودا في ليبيا ولا العراق قبل غزو البلدين، بل ما حدث هو العكس تماما، اي ان التنظيم وتفرعاته المختلفة جاء الى البلدين وعزز وجوده بعد هذا التدخل.
ما نريد ان نقوله ان ما يجري حاليا هو عودة للاستعمار القديم تحت عناوين ومسميات مختلفة، تارة لتغيير انظمة ديكتاتورية، وتارة اخرى لفرض قيم العدالة والحرية وحقوق الانسان.
السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الامريكية ذهبت الى الجزائر على امل اقناع حكومتها بالتدخل عسكريا لإنهاء الوجود الاسلامي الجهادي في مالي، اي اغراقها في حرب استنزاف دموية ومالية لسنوات قادمة، ولكنها رفضت القيام بهذه المهمة المشبوهة، ولا نستغرب ان تتعرض لعقاب مدمّر جراء هذا الرفض.
النفط هو عنوان كل التدخلات العسكرية الغربية في دول العالم الاسلامي، والتدخل في مالي لن يكون استثناء، صحيح ان مالي فقيرة في النفط، ولكنها مجاورة لأكبر حقول النفط والغاز في افريقيا، اي في الجزائر ونيجيريا، مضافا الى ذلك احتواء اراضيها على مخزون كبير من اليورانيوم والمعادن الاخرى الثمينة، ماليا واستراتيجيا.
فشلوا في تفجير ثورة في الجزائر، ليس لان نظامها نموذج في الديمقراطية والعدالة، وانما لان الشعب الجزائري خسر مئتي الف انسان في حرب اهلية استمرت قرابة العشر سنوات، ولم يعد يحتمل حربا اهلية اخرى يتخلى عنه فيها الغرب ويتركه لمصيره، مثلما حدث في الحرب الاولى ولمصالحه ايضا.
الجزائريون كانوا حكماء، ولكنها حكمه تواجه اختبارا عسيرا ومصيريا، فالتدخل يأتي حاليا من الباب الخلفي الجنوبي، المكان الذي لم يتوقعوه مطلقا.
امريكا التي تتنافس بشراسة مع الصين للسيطرة على افريقيا، واقامة قيادة عسكرية خاصة لإدارة الصراع عليها تحت اسم 'افريكوم' سارعت لتأييد التدخل العسكري الفرنسي في مالي ودعمه، وعلينا ان نتوقع افواجا جديدة من طائرات بدون طيار (درونز) لتقوم باصطياد الاسلاميين المقاتلين وغير المقاتلين، تماما مثلما يحدث في افغانستان واليمن.
' ' '
فرنسا ستواجه المصير نفسه الذي واجهته امريكا في العراق وافغانستان، ولا نستبعد نتائج اسوأ، لان التدخلات العسكرية الغربية في القرن الواحد والعشرين لم تعد سهلة وميسّرة وغير محفوفة المخاطر على غرار مثيلاتها في مدخل القرن العشرين.
منطقة الساحل الافريقي ستتحول الى منطقة فوضى دموية، لان الجماعات الجهادية التي تنتقل في ثنايا صحاريها مسلحة حتى النخاع، بفضل 'الذكاء' الغربي المتمثل في التدخل عسكريا في ليبيا حيث خرجت هذه التنظيمات الرابح الاكبر منه، وحصلت على اسلحة لم تحلم في حياتها بالحصول عليها، بحيث بات سعر البندقية الآلية من طراز كلاشينكوف لا يزيد عن عشرين دولارا في افضل الاحوال.
فرنسا ذهبت الى مالي تحت ذريعة القضاء على تنظيم القاعدة ومنعه من اقامة قاعدة له قريبة من سواحلها، ولكن هذا التدخل قد يحقق للتنظيم الجهادي ما لا تريده فرنسا وتحاول منعه، والاخطر من ذلك 'تثوير' بعض الخلايا النائمة له داخل فرنسا نفسها والاقدام على عمليات 'ارهابية' على غرار عملية محمد مراح في مدرسة تولوز الفرنسية اليهودية.
السؤال هو: متى سيظل العرب والمسلمون ارضا مشاعا للتدخلات العسكرية الغربية للهيمنة على ثرواتهم تحت اعذار ومسميات عديدة؟!
اليوم يخوضون حربا ضد التنظيمات الجهادية في مالي واقليم الصحراء، فهل يتكرر السيناريو نفسه في سورية قريبا تحت عنوان محاربة جبهة النصرة الجهادية والجماعات الاخرى المشابهة لها؟ تذكروا هذا الكلام جيدا!
 
Twitter:@abdelbariatwan
 
 

انتفاضة كرامة.. وليس خبزاً فقط

بدأت انتفاضة القاع التي انفجرت في الجناح المغاربي تؤتي ثمارها ليس في تونس والجزائر فقط، وانما في دول الجوار، وبعض الدول المشرقية ايضاً، مما يعني ان القبضة الحديدية للأنظمة العربية في طريقها للتآكل تحت مطرقة الاحتجاجات الشعبية الغاضبة.

هذه ليست انتفاضة خبز، وان كان الجوع والبطالة عاملين رئيسيين في تفجيرها، وانما هي انتفاضة كرامة، وتمرد على الاذلال ومسلسل الاهانات الذي لحق، ومازال بالانسان العربي على مدى الثلاثين عاماً الماضية.
فاذا كانت بعض الشعوب غير العربية، او غير المسلمة، تهرب من انظمة الظلم والفساد والقمع الى الانفصال وتقرير المصير بعد ان عجزت عن التعايش، او نتيجة لتحريض غربي، والأكثر من ذلك تلجأ الى اسرائيل للتتحالف معها، مثلما نرى في جنوب السودان، وبدرجة اقل في كردستان العراق، فأين تهرب الشعوب العربية المقهورة؟
أهم مؤشر يمكن استخلاصه من الاحتجاجات الاخيرة هذه هو ان 'ثقافة الخوف' التي فرضتها الانظمة على الشعوب طوال العقود الماضية، تصدعت ان لم تكن قد انهارت، وان الانظمة بدأت تراجع حساباتها بشكل جدي للمرة الاولى، وتحسب حساب الرأي العام العربي الذي طالما تجاهلته واحتقرته.
فكان لافتاً اقدام الحكومة الجزائرية على تخفيض اسعار السلع الاساسية بمقدار النصف تقريباً في محاولة منها لاحتواء الموقف، وتخفيف حدة التوتر، بينما ذهبت نظيرتها التونسية الى ما هو ابعد من ذلك، عندما وعد الرئيس التونسي زين العابدين بن علي برصد ستة مليارات دولار لخلق 300 الف وظيفة للخريجين العاطلين عن العمل في العامين المقبلين، واصدر قراراً باعفاء المشاريع الاستثمارية الجديدة من اي ضرائب لاستيعاب المزيد من العاطلين وتنشيط الاقتصاد الانتاجي.
ولم يكن مفاجئاً ان تسارع السلطات الليبية للاقدام على اجراءات استباقية وقائية للحيلولة دون نزول العاطلين فيها الى الشوارع، وتحصينهم من 'فيروس' الانتفاضة التونسي ـ الجزائري 'الحميد'، مثل اعفاء السلع التموينية كافة من الرسوم الجمركية مثل السكر والرز والزيت والمعكرونة والدقيق. فالبطالة في ليبيا التي يدخل خزينتها حوالي خمسين مليار دولار سنوياً من عوائد النفط، وتملك فائضاً مالياً يزيد عن مئتي مليار دولار لا تعرف سلطاتها كيف تستثمره، تصل معدلاتها الى اكثر من عشرين في المئة في اوساط الشباب حسب اكثر التقديرات محافظة.
الحكومة الاردنية التي ادارت ظهرها لكل تحذيرات المعارضة، واصرت على رفع الدعم عن السلع الاساسية، وفرض ضرائب جديدة، والتجاوب بالكامل مع تعليمات صندوق النقد الدولي في تعويم الاسعار، استشعرت الخطر مقدماً، ونزلت من عليائها، وتخلت عن عنادها، واتخذت اجراءات عاجلة لخفض اسعار السلع الاساسية لتهدئة الشارع، وامتصاص غضبته واجهاض مسيرة احتجاجية ضخمة دعت اليها النقابات بعد صلاة الجمعة المقبلة.
امران يجب ان يتوقف عندهما اي مراقب متابع للاحتجاجات، الاول هو صمت الدول الغربية، والاوروبية خاصة على الشاطئ الآخر من المتوسط، والثاني عدم اقدام دول اخرى تشهد احتقانا داخلياً مماثلاً مثل المغرب وسورية ومصر واليمن على اجراءات مماثلة لتخفيف معاناة المواطنين.
***
نفهم صمت الدول الغربية، فهذه الدول التي ثارت لجلد امرأة في السودان، وقلبت الدنيا ولم تقعدها لحكم برجم زانية في ايران، لا تريد التغيير في المنطقة العربية، ودول الاتحاد المغاربي على وجه الخصوص، بعد ان عقدت صفقة معها تتلخص في مكافحة هذه الانظمة لأهم خطرين يواجهان اوروبا، الأول التطرف الاسلامي ومنظماته، والثاني مكافحة الهجرة غير الشرعية. في المقابل تعمل الدول الاوروبية على حماية الانظمة القائمة، وغض النظر عن انتهاكات لحقوق الانسان وغياب الديمقراطية والحريات في بلدانها. ولكن ما لا نفهمه هو عدم اقدام دول عربية اخرى على ما أقدم عليه الاردن وليبيا قبل ان تواجه ما واجهته كل من تونس والجزائر، وربما ما هو اكثر، رغم تسليمنا بان حتى هذه الاجراءات الاستباقية قد تكون مؤقتة ومحدودة التأثير، علاوة على كونها لا تشكل ضمانة بمنع الانفجار.
السؤال الابرز الذي يطرح نفسه حاليا بقوة، وبعد متابعة التنازلات المتسارعة التي تقدمها انظمة عربية سواء لامتصاص الاحتجاجات، او لمنع وصول احتجاج مثيلاتها الى مرابعها، هو اسباب تجاهلها او بالاحرى عدم مبالاتها لمعاناة مواطنيها طوال كل هذه السنوات، وهي التي تملك الثروات والفوائض المالية، مثلما تملك اجهزة استخبارات ترصد كل صغيرة وكبيرة في الشارع، وتملأ السجون بالمعارضين او حتى الذين يفكرون بالمعارضة. فاذا كانت السلطات التونسية قادرة على خلق كل هذه الوظائف التي وعدت بها (300 الف وظيفة خلال عامين) واعترفت بشرعية الاحتجاجات ومنطقيتها، واكد وزير اعلامها ان الرسالة قد وصلت، فلماذا لم تفعل ذلك من قبل، وانتظرت حتى يحرق الشاب محمد البوزيدي نفسه امام مقر الوالي، وهو بالمناسبة يستحق تمثالا يخلد ذكراه وتضحيته، لكي تتحرك لمعالجة الازمة؟
ثم لماذا سمحت السلطات الجزائرية بالارتفاع الجنوني لاسعار السلع الاساسية لمفاقمة معاناة الفقراء، وهي التي تجلس على احتياطي مقداره 150 مليار دولار ويدخل ميزانيتها 55 مليار دولار سنويا عوائد نفط وغاز؟
السلطات العربية بعيدة كليا عن قراءة المتغيرات العالمية والعربية قراءة صحيحة، فقد نسيت ان سنوات الحجب والمصادرة والتكميم للاعلام ووسائله قد انقرضت، وانتهت مدة صلاحيتها بفعل التطور الكبير في وسائل الاتصال وتكنولوجياته، فاذا كنا قد احتجنا الى اسبوعين لمعرفة انباء احداث حماة السورية، فاننا لم نحتج الا لدقائق لمتابعة احداث سيدي بوزيد التونسية بالصوت والصورة عبر الاعلام البديل واليوتيوب على وجه الخصوص.
التشخيص الرسمي لامراض المجتمعات العربية كان خاطئا، ويبدو انه سيظل كذلك، لان رؤوس الانظمة لا تريد اخبارا سيئة تعكر عليها صفو انشغالها بامراضها الطبية المستعصية، او استمتاعها وبطانتها بثروات الشعب وعرقه، ولهذا من الطبيعي ان يأتي العلاج كارثيا ايضا، لانه علاج وان تم، فينصب على الاعراض الجانبية وليس على العلة الاساسية.
فالسلطات في الجزائر وتونس لجأت لسياسات القليل من الجزر والكثير من العصي في علاجها لازمة الاحتجاجات، ولهذا جاءت النتائج عكسية، وحتى ان هدأت الاوضاع جزئيا في الجزائر مثلا، فانه قد يكون هدوءا مؤقتا قد لا يعمر طويلا اذا لم يتم التعاطي مع المرض الاساسي.
اجراءات تخفيض اسعار السلع الاساسية هي اجراءات عشوائية وعبارة عن حقن مسكنة او تخديرية، وهي تنازلات تعكس ارتباكا ورد فعل وليس جزءاً من استراتيجية مدروسة بعناية. اما التغول في استخدام الاجهزة الامنية للتصدي للمحتجين الجائعين، فقد اطالت من امد الاحتجاجات بدلا من ان تسرع في اخمادها، فأعداد القتلى الضخم خلقت حالة من الثأر بين النظام والمواطنين، وزادت من الفجوة بينهما. فالمزيد من الضحايا يعني المزيد من الجنازات، والمزيد من الغضب والمسيرات الاحتجاجية، وتأجيجاً اكبر لمشاعر الحنق والغضب.
اغلاق المدارس والجامعات، والغاء مباريات كرة القدم لحظر التجمعات، اجراء وقائي ظاهره براق، ومنطقي، ولكن غاب عن ذهن متخذيه ان هؤلاء اذا لم يذهبوا الى الجامعات والمدارس وملاعب كرة القدم سينزلون الى الشوارع للمشاركة في الاحتجاجات لانه ليس هناك ما يفعلونه. وقد يؤجلون مشاركتهم في الاحتجاجات الى ما بعد عودتهم الى مقاعد دراستهم لاحقا.
* * *
ما نريد ان نقوله ان مظاهرات الجوع هذه ما هي الا قمة جبل الجليد، وارتفاع الاسعار الذي ادى الى تفجيرها ما هو الا المفجر او عود الثقاب فقط، فالاحتقان كبير يتضخم منذ عقود، بسبب غياب الحريات وفساد البطانة ومعظم الحكام ايضا، والنهب المستمر للمال العام وتغول اعمال القتل والتعذيب والمحسوبية وانتهاك حقوق الانسان وغياب القضاء العادل وكل اشكال المحاسبة والرقابة.
مليارديرات العالم، الذين جمعوا ثرواتهم من كد عرقهم، وبوسائل مشروعة، وفي مشاريع انتاجية، وبعد دفع مستحقاتهم من الضرائب كاملة لخزانة الدولة، يتخلون عن عشرات المليارات للاعمال الخيرية تطوعا منهم، وفي دول العالم الثالث لمكافحة البطالة والجوع والجهل، بينما مليارديراتنا الذين سرق معظمهم امواله عبر الفساد او كونه واجهة للحكام، او لسبب صلة قرابة او نسب معهم يواصلون النهب والسلب طلبا للمزيد، فماذا سيفعلون بكل هذه الاموال؟
في الماضي كانت الانظمة تدعي انها تضحي بمصالح شعوبها خدمة لقضايا الامة والعقيدة لمواجهة الاستعمار، الآن ما هي حجة هذه الانظمة بعد ان تخلت عن كل هذه القضايا، بل بدأت تبيع قضية فلسطين وكرامة الامة مقابل استقرارها ورضا اسرائيل وامريكا واوروبا عليها والصمت على دكتاتوريتها وقمعها.
الشعوب العربية بدأت تستعيد الثقة بنفسها تدريجيا، وتدخل في مرحلة الصحوة في ظل غيبوبة الانظمة في المقابل، وبدأت هذه الشعوب تطالب بالحد الادنى من حقوقها المشروعة في الحرية والعيش الكريم.
من الصعب التنبؤ بما يمكن ان تتمخض عنه هذه الاحتجاجات، او ما اذا كانت تتوقف او تستمر، فالشعوب تفاجئنا دائما، والانظمة كذلك، ولكن ما يمكن الجزم به هو ان هذه الاحتجاجات الجزائرية والتونسية ألقت حجرا كبيرا في بركة عربية آسنة متعفنة. فالمحتجون لا يبحثون عن رغيف خبز فقط، وانما رغيف خبز معجون بالكرامة، مثلما يتطلعون الى استعادة امة لدورها ومكانتها بين الامم والنهوض من حالة السبات التي تعيشها.
من العيب ان تتصالح الامة مع اعدائها من اجل اضطهاد شعوبها، وبما يؤدي الى تفكيك اوطان، وضياع حقوق ومزيد من الاذلال.
لعلها بداية دوران عجلة التغيير نحو الافضل، وما نأمله ان يكون الدوران سريعا لان حجم الضرر الحالي كبير بل كبير جدا.
 

مصر والجزائر: اعتراف متأخر

الدكتور مفيد شهاب وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية المصري فاجأنا، مثلما فاجأ الكثيرين، عندما اعترف يوم امس بان مشجعين مصريين كانوا وراء الاعتداء الذي تعرضت له حافلة كانت تقل لاعبي فريق الجزائر لكرة القدم قبيل مباراتهم مع نظرائهم المصريين على استاد القاهرة، للتأهل للتصفيات النهائية لكأس العالم الصيف المقبل في جنوب افريقيا.

هذا الاعتراف 'المتأخر'، الذي نقلته وكالة انباء الشرق الاوسط الرسمية، وادلى به اثناء مخاطبته اجتماعا للحزب الوطني الحاكم، جاء ردا على محطات تلفزة مصرية 'خاصة' اصرّت على ان لاعبي المنتخب الجزائري هم الذين قاموا بالاعتداء على الحافلة، وحطموا نوافذها من الداخل، وشجّوا رؤوس زملائهم بقضيب حديدي كان في حوزتهم لحث الاتحاد الدولي لكرة القدم على الغاء المباراة، او نقلها الى عاصمة اخرى، وهي رواية صدقها الكثيرون للأسف.
الدكتور شهاب، الذي اعرفه شخصيا حيث كنت احد تلاميذه، ودرست على يديه مادة المنظمات والقوانين الدولية، لم يتردد في توجيه اللوم الى الدور الذي لعبه الاعلام المصري في الأزمة مع الجزائر، وخطورته. واشار باصبع الاتهام الى قنوات تلفزيونية خاصة، مؤكدا ان العلاقات الدولية لا تحكمها الانفعالات، وان المصالح ابقى من العواطف.
هذه خطوة جيدة، تعكس توجها تصالحيا من قبل الحكومة المصرية لطي صفحة الخلاف مع الجزائر، واعادة الامور الى سيرتها الاولى، ولو بشكل تدريجي، الامر الذي يتطلب توجها مماثلا من الحكومة الجزائرية، او هكذا نأمل، لان استمرار التوتر في العلاقات لا يخدم الا ذوي النوايا السيئة في البلدين.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن صمت الدكتور شهاب، والعديد من المسؤولين المصريين الآخرين، طوال فترة الأزمة، وتجنبهم ذكر كل هذه الحقائق، حيث مارس بعض قنوات هذا الاعلام الخاص، المعزز بكتيبة من الفنانين ومقدمي البرامج المشهورين، كل انواع الكذب والدجل، والتحريض ضد شعب شقيق، بل وضد روابط الدم والعقيدة والتاريخ التي تربط مصر بأشقائها العرب والمسلمين.
فظهور مسؤول مصري كبير في وزن الدكتور شهاب على شاشات التلفزة في ذروة الأزمة ساردا الحقائق، ومطالبا بلجم 'حالة السّعار' التي سادت قنوات تلفزيونية معينة، وبعض الوجوه الحاقدة على العرب والمسلمين، كان سيؤدي حتما الى التهدئة، وتجنب الكثير من الخسائر، ان لم يؤد الى منعها، وقطع الطريق على هذه الجوقة، والاضرار التي الحقتها بمصر ومصالحها، وعلاقاتها مع اقرب اشقائها.
' ' '
بعض القنوات التلفزيونية المصرية، بل وبعض مقدمي البرامج فيها بشكل اصح، ينفذون، ونقولها بأسف، اجندات خاصة، ليست لها علاقة بمصر ومصالح شعبها، ويفتقرون الى الحد الادنى من الثقافة السياسية، وفهم طبيعة العلاقات الدولية، وكل رصيدهم محصور في توجيه معلقات من الشتائم لخصومهم، او خصوم من يقفون خلفهم، الذين يحركونهم عن بعد بالروموت كونترول، هؤلاء الذين نهبوا ثروات الشعب المصري وعرقه، واقاموا دولة داخل الدولة.
ولا بد من التسجيل هنا، بانه مقابل هذه الحفنة الحاقدة في الاعلام المصري، ونعترف بانها حفنة مؤثرة، هناك مخزون كبير من العقلاء في صحف ومحطات تلفزة مصرية، كانوا صوت العقل، بابرازهم الوجه المشرق والمسؤول لمصر وهويتها الوطنية العربية والاسلامية.
نعم.. بعض اوساط الاعلام الجزائرية خرجت عن الاصول، وتطاولت على الشعب المصري، وحرضت ضده بطرق بشعة، وروجت لاكذوبة تعرض بعض المشجعين الجزائريين للقتل في القاهرة، ولكن هذه الاوساط الاعلامية الجزائرية محدودة التأثير، ولا تقارن مطلقا بالمدافع الاعلامية المصرية الثقيلة في المقابل، التي جيشت كتائب وفرقا من الفنانين المعروفين، لنفث السموم وحفر جروح غائرة في نفوس الاشقاء الجزائريين، مثل قول احدهم 'انها ليست ثورة المليون شهيد.. بل المليون لقيط'، وهي كلمات معيبة لا يمكن الا ان تمثل قائلها ومستواه الاخلاقي، المتدني، وليس الشعب المصري الاصيل المعطاء الذي عانقت دماؤه دماء اشقائه الجزائريين اثناء حرب التحرير، وقدم آلاف الشهداء في خدمة قضايا امته وعقيدته.
هذا الاعلام نفسه يخوض حاليا حملات تشويه، وان كانت اقل حدة لانها في بداياتها، ضد الدكتور محمد البرادعي الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، لانه 'فكر'، مجرد 'التفكير'، بالترشح لمنصب الرئاسة في الانتخابات المقبلة منافسا للرئيس مبارك او نجله جمال.
' ' '
مشكلة الدكتور البرادعي من وجهة نظر المجموعة المهيمنة على معظم اوساط الاعلام الخاص، وجميع صحف الدولة وتلفزيوناتها، انه رجل مؤهل، يحظى بسمعة دولية، وقرر ان يوظف خبراته العلمية والادارية في خدمة بلاده.
الدكتور البرادعي ارتكب خطيئة كبرى عندما دخل 'المنطقة المحرّمة' على جميع ابناء الشعب المصري، باستثناء الرئيس مبارك ونسله، ولمّح، مجرد التلميح، الى نواياه بدخول المعترك السياسي ولكن بشروط. الامر الذي فتح عليه حملة تحريض 'مدبرّة' يقودها بلطجية اعلام رجال الاعمال المرتبطين بالمؤسسة الحاكمة في البلاد، والمتحالفين مع لجنة السادات، ويتمتعون بعضوية الحزب الحاكم ودعمه.
قالوا انه يحمل جنسية اجنبية، وعندما تبين لهم عكس ذلك، اشاروا الى انه يفتقر الى التجربة السياسية والحزبية، التي تؤهله لتولي منصب رئيس الدولة، مثله مثل علماء اجلاء كأحمد زويل، وفاروق الباز وغيرهما. فجائرة نوبل تتواضع امام جائزة الرئاسة.
فإذا كان الدكتور البرادعي يفتقر الى الخبرة السياسية، وهو الذي تعامل مع اكثر القضايا السياسية العالمية خطرا وتعقيدا، مثل الملفين النوويين الايراني والكوري الشمالي وقبلهما العراقي، وقابل وتعامل مع جميع زعماء العالم الفاعلين والمؤثرين مثل جورج بوش الابن وباراك اوباما (امريكا)، وانجيلا ميركل (المانيا)، وغوردون براون (بريطانيا)، ونيكولاي ساركوزي (فرنسا) وديمتري ميدفيدف وفلاديمير بوتين (روسيا)، فمن هم الزعماء العالميون الذين قابلهم السيد جمال مبارك، وما هي المنظمات الدولية التي تولى زعامتها، والملفات الخطيرة التي تولى ادارة ازماتها؟
' ' '
ربطنا بين التحريض الاعلامي ضد الشعب الجزائري والدكتور البرادعي ليس من قبيل الصدفة، لان القصد من وراء هذا التحريض واضح، وهو مسألة الوراثة، وكيفية تسهيل تمريرها بأقصر الطرق واكثرها سلامة.
فالذين صعّدوا ضد الجزائر ارادوا ان يوظفوا النصر الكروي في خدمة هذه المحصلة في حال انجازه، وهذا ما يفسر تصدر نجلي الرئيس المشجعين في المباراتين الحاسمتين في القاهرة والخرطوم، او افتعال ازمة مع الجزائر لتحويل الانظار عن مشاكل مصر الداخلية المتفاقمة، بتصديرها الى عدو خارجي، وهذا ما حدث.
والذين يصعّدون حاليا حملاتهم ضد الدكتور البرادعي، ونحن لسنا من اصدقائه او مريديه على اي حال، يجدون انفسهم امام 'بلدوزر' تتمثل فيه كل الصفات التي تؤهله للمنافسة من موقع قوة، على منصب الرئاسة في حال ما قرر خوضها.
مصر وباختصار شديد، امام مخاض حقيقي، بدأت ارهاصاته بارتباك اجهزة اعلام الحكم وحوارييه في افتعال ازمات، وقطع علاقات مع معظم الدول العربية، وحالة الحراك السياسي التي بدأت تتفاعل قبل الازمة الكروية الاخيرة مع الجزائر، واطلق رصاصتها الاولى السيد محمد حسنين هيكل، بمطالبته بمجلس امناء يحكم مصر، لفترة مؤتقة، ويشرف على انتخابات رئاسية نزيهة، واطلق رصاصتها الثانية السيد عمرو موسى عندما لم يستبعد نزوله الى حلبة المنافسة في اي انتخابات رئاسية مقبلة، ولكن قنبلة الدكتور البرادعي التي انعكست في بيانه الاخير، واستعداده المشروط لخوض معترك الرئاسة، 'جبّت' كل ما قبلها، ووضعت مصر امام عملية التغيير، وهي قادمة لا محالة.
 

مهزلة جزائرية مصرية

 

تحتل اربع دول عربية المراتب الاولى على قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم، اضافة الى افغانستان، حسب منظمة الشفافية الدولية، ولكن لم يخطر في بالنا مطلقا، ان تستخدم انظمتنا الرياضة من اجل تحويل الانظار عن فسادها ودكتاتوريتها القمعية، وبذر بذور الكراهية بين ابناء الأمة الواحدة، مثلما شاهدنا في الايام العشرة السوداء الاخيرة، التي بدأت وانتهت بمباراتي فريقي مصر والجزائر، في تصفيات نهائي كأس العالم الصيف المقبل في جنوب افريقيا.
هذا المخزون الكبير من الكراهية الذي انعكس في تصرفات النخب السياسية والاعلامية في البلدين جاء مفاجئا بالنسبة الينا، وربما لمعظم العرب الآخرين، بحيث يدفعنا لاعادة النظر في الكثير من المقولات حول الاخوة والروابط المشتركة، والانتماء الواحد للعرق والعقيدة.
نحن امام حرب حقيقية، وعمليات تجييش اعلامي ودبلوماسي لم يسبق لها مثيل، وكل هذا من اجل الفوز في مباراة كرة قدم بين فريقي دولتين وشعبين شقيقين، من المفترض ان الفائز من بينهما سيمثل العرب جميعا في هذه المسابقة الكروية الدولية.
عندما قرأت انباء عقد الرئيس حسني مبارك اجتماعا طارئا لاركان دولته، ابتداء من مجلس الوزراء ومرورا بقائد جهاز المخابرات، وانتهاء برئيس هيئة اركان الجيش المصري، تبادر الى ذهني ان مصر على ابواب مواجهة مصيرية مع اعداء الأمة والعقيدة، ولم اصدق ان هذا الاجتماع غير المسبوق منذ الاعداد لحرب العاشر من رمضان اكتوبر المجيدة عام 1973، هو لبحث كيفية الرد على العدوان الجزائري المزعوم في الخرطوم، الذي اسفر عن اصابة عشرين مشجعا مصريا.
هذه ليست مصر الكبيرة العظيمة، حاضنة الامة ورافعتها، وفخر العرب جميعا بتضحياتها وابداعاتها في الميادين كافة. هذه مصر اخرى لا نعرفها، وفوجئنا بها، وبعض سلوكيات اهل الحكم فيها، وحوارييهم خاصة، في وسائل الاعلام المقروءة والمرئية.
' ' '
الحكومة المصرية لم تسحب سفيرها في تل ابيب عندما اعتدت اسرائيل على لبنان مرتين، الاولى عام 1982، والثانية في عام 2006، ولم تطرد السفير الاسرائيلي وتغلق سفارته في القاهرة، عندما اجتاحت قواتها قطاع غزة، واستخدمت الفوسفور الابيض لحرق اجساد الاطفال والنساء، رغم ان هذا القطاع يخضع حتى هذه اللحظة للادارة المصرية قانونيا، وثلاثة ارباع ابنائه يرتبطون بروابط الدم او النسب مع اشقائهم في مصر.
ان يعتدي جزائريون على اشقائهم المصريين العاملين في عاصمة بلادهم، فهذا امر مستهجن ومدان وغير اخلاقي، وان يقذف مشجعون مصريون حافلة الفريق الجزائري وهو في طريقه من مطار القاهرة الى مقر اقامته، فهو امر معيب ايضا، ولكن لا هؤلاء، ولا اولئك يمثلون الغالبية الساحقة من ابناء الشعبين المصري والجزائري، وانما قلة منحرفة موتورة حاقدة.
الشغب الكروي امر عادي يتكرر اسبوعيا في مختلف انحاء العالم، بما في ذلك اوروبا 'المتحضرة'، وهناك امثلة لا حصر لها عن اشتباكات بين مشجعين انكليز وفرنسيين او المان وروس، بل وبين مشجعي فريقين من المدينة الواحدة، يسقط فيها عشرات القتلى والجرحى، ولكن لا تتدخل الحكومات ولا تسحب سفراءها، وتترك الامور في نطاقها الكروي.
في اليوم نفسه الذي كانت تدور فيه احداث الحرب الكروية المصرية الجزائرية على ارض ام درمان السودانية، تقابل منتخبا فرنسا وايرلندا، وفاز الاول بهدف من جراء لمسة يد من احد مهاجميه (تيري هنري) اظهرتها عدسات التلفزة بكل وضوح، واعيدت اللقطة مئات المرات على شاشات التلفزة العالمية، بل واعترف اللاعب نفسه انه مارس الغش ولمس الكرة متعمدا، ولكن لم نر التلفزيونات الايرلندية تستضيف الكتاب والشعراء والفنانين والرياضيين الايرلنديين لتوجيه اقذع انواع السباب الى الشعب الفرنسي او حكومته، او حتى للاتحاد الدولي لكرة القدم الذي رفض طلبا باعادة المباراة تقدم به رئيس وزراء ايرلندا.
' ' '
الحكومتان الجزائرية والمصرية تعمدتا صب الزيت على نار الاحقاد، وانخرطتا في عمليات تعبئة وتجييش لمشجعي شعبيهما ضد بعضهما البعض، لاسباب سياسية مريضة وغير اخلاقية.
الحكومة المصرية كانت تريد فوزا يشغل الشعب المصري عن الظروف المعيشية المزرية التي يعيشها، جراء الفساد والبطالة، وبما يسهل عملية التوريث التي واجهت حملات شرسة عرقلت مسيرتها بعد دخول مدفعيات ثقيلة في المعركة ضدها، مثل السادة محمد حسنين هيكل، والدكتور محمد البرادعي، والسيد عمرو موسى.
الحكومة الجزائرية ارادت تحويل انظار الشعب الجزائري عن النهب المنظم لثرواته، وتفاقم معاناته، وركوب ابنائه قوارب الموت بحثا عن لقمة عيش على الساحل الاوروبي من البحر المتوسط، بسبب استفحال البطالة في بلد يعتبر الاغنى في محيطه، لثرواته الهائلة من النفط والغاز والزراعة والصناعة.
كان القاسم المشترك بين النظامين المصري والجزائري واضحا في استاد المريخ في ام درمان، حيث تصدر ابنا الرئيس مبارك جمال وعلاء منصة الشرف، جنبا الى جنب مع شقيقي الرئيس الجزائري اللذين مثلاه في المباراة. اليس هذا دليلا اضافيا على المحسوبية، والتوجه نحو التوريث، والضرب عرض الحائط بالدساتير، وتقاليد الانظمة الجمهورية المتبعة في العالم بأسره؟
وما نستغربه اكثر هو حال الغضب المصري الرسمي، وربما الشعبي ايضا، تجاه السودان الشقيق، الذي ليس له في هذه الحرب ناقة او جمل، ولم يستشر فيها، وانما جرى فرضها عليه من قبل اشقائه الشماليين ايمانا منهم بوحدة وادي النيل، الذين اختاروا الخرطوم كأرض اهلها اقرب اليهم لاستضافة المعركة الحاسمة.
' ' '
الحكومة السودانية يجب ان تتلقى كل الشكر، لا اللوم، من قبل نظيرتها المصرية، لانها نجحت، رغم امكانياتها القليلة، في توفير اجواء امنية طيبة، وسيطرت على حوالى اربعين الف مشجع من البلدين وانصارهما، ولم تحدث اي خروقات امنية داخل الملعب او خارجه، باستثناء اشتباكات محدودة ادت الى اصابة بعض المشجعين بجروح طفيفة، عولجت في حينها، ولم يمكث اي من المصابين ساعة واحدة في المستشفى. وحتى لو اصيب عشرون مشجعا مصريا نتيجة اعتداءات مشجعين جزائريين، وسكاكينهم، فإن هذا الرقم لا يذكر بالمقارنة مع مشاعر الكراهية المتأججة في اوساط الجانبين.
كان من المفترض ان تقدر الحكومتان المصرية والجزائرية الادارة المتميزة لنظيرتهما السودانية للأزمة، ونجاحها في منع مذابح حقيقية على ارضها، لا ان تقدم الحكومة المصرية على استدعاء السفير السوداني لابلاغه احتجاجا على تقصير حكومته في حماية المشجعين المصريين بالشكل الكافي.
ختاما نقول إننا شعرنا بالخجل، بل والعار، كأعلاميين ونحن نتابع الإسفاف الذي انحدرت اليه وسائل اعلام في البلدين، لم نتصور مطلقا ان يهبط مستوى بعض الزملاء الى هذه المستويات الدنيا، من الردح والتحريض ضد الطرف الآخر وحكومته وشعبه.
انها سابقة خطيرة، يندى لها الجبين، نعترف فيها بان نظامي البلدين صدّرا ازماتهما مع شعوبهما من نافذة مباراة كرة قدم، بايقاع اقرب شعبين الى بعضهما البعض في مصيدة الكراهية والاحقاد. لقد نجح النظامان بامتياز في مكرهما هذا، بينما يدفع الشعبان الطيبان، والامة العربية ثمنه غاليا.
 
 

ساركوزي يجب ان يعتذر

رفض الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي تقديم اعتذار رسمي للشعب الجزائري عن سنوات الاستعمار التي امتدت لاكثر من مئة وثلاثين عاما، وكبدت الجزائر اكثر من مليون شهيد، واكتفي بالدعوة في مؤتمر صحافي عقده في العاصمة الجزائرية الي طي صفحة الماضي والنظر الي المستقبل.

ان يرفض الرئيس الفرنسي الاعتذار فهذا امر معيب، ولكنه متوقع وغير مستبعد، ولكن ان يقبل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة هذا الرفض والتبريرات التي ارفقت به، فهذا امر مهين، ويشكل تراجعا مستغربا من رجل يملك تاريخا وتجربة متميزة في القتال في صفوف الثورة الجزائرية الي جانب رجال عظام قدموا المثل الاعلي في التضحية والكبرياء الوطني.
فالرئيس بوتفليقة هو الذي اشترط علي الرئيس الفرنسي تقديم هذا الاعتذار الرسمي عن الماضي الاستعماري الحافل بالمآسي، مقابل اقامة اي علاقات جيدة مع فرنسا علي الصعد كافة، السياسية والاقتصادية والامنية.
ولا بد ان الرئيس ساركوزي تحسس ميل الرئيس الجزائري للتراجع عن شروطه هذه، عندما وجه اليه، اي الرئيس بوتفليقة، دعوة رسمية لزيارة الجزائر مرة اخري في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، ولو كان الحال غير ذلك لكان المؤتمر الصحافي مختلفا، ولما كانت الدعوة الرسمية هذه قد جري تقديمها.
ويصعب علينا ان نفهم لماذا لا يعتذر الغرب لنا عن جرائمه في حق شعوبنا وبلداننا، ويجد منا رغم ذلك اذرعا مفتوحة مرحبة، واستقبالات حارة في مطاراتنا لزعمائه الذين يحطون علي ارضها زائرين!
فاوروبا لم تتردد مطلقا في الاعتذار لليهود عما لحق بهم من محارق وتصفيات في افران الغاز النازية، وأرفقت هذا الاعتذار ممهورا باقامة دولة لهم في فلسطين علي حساب شعب عربي مسلم، وامدتها بالسلاح والمعامل الذرية، وساندتها في كل حروبها ضد العرب واحتلالاتها لارضهم.
الاوروبيون اعتذروا لليهود عن جرائم ارتكبتها النازية التي لم تكن تمثلهم، بل وشنوا حربا عالمية ثانية ضدها. وما زالوا يدفعون التعويضات المالية حتي يومنا هذا دون تردد، والاكثر من هذا ان الدولة العبرية اجبرتهم علي دفع فوائد ذهب اليهود المصادرة في البنوك السويسرية، ورضخ هؤلاء صاغرين ولم يترددوا لحظة في الاستجابة لهذا الطلب.
البابا السابق يوحنا بولص بزّ الجميع عندما اشترك بنفسه في موجة الاعتذارات هذه، ولم يعتذر فقط عن جرائم ابناء جلدته ضد اليهود في بولندا والمانيا، وانما عن وقائع ارتكبتها المسيحية قبل الفي قرن، وبرأهم من قتل سيدنا المسيح عليه السلام.
نحن لسنا ضد الاعتذار لليهود، فكل من ارتكب جريمة في حق الآخر يجب ان يعاقب ويعتذر، ولكن اعتراضنا هو عدم الاعتذار لنا كعرب ومسلمين عن الجرائم التي وقعت وتقع في حقنا، ولا تقل ابدا عن الجرائم التي لحقت بالآخرين، واليهود من ضمنهم.
الجرائم التي ارتكبها الاستعمار في حقنا اكبر بكثير من تلك التي ارتكبت في حق اليهود. فالاستعمار الفرنسي استمر في الجزائر قرنا ونصف القرن تقريبا، جري خلاله نهب ثروات البلاد، وتوطين مئات الآلاف من المستوطنين في ارضها، وتحول قطاع كبير من الشعب الجزائري الي خدم لهؤلاء ومزارعهم وعمال سخرة في مصانع نبيذهم. وفرنسا لعبت دورا اساسيا في قيام دولة اسرائيل، وقدمت لها مفاعلا نوويا انتج حتي الآن اكثر من ثلاثمئة رأس نووية، حولها الي دولة اقليمية عظمي.
الشعب الجزائري لم يطلب تعويضا عن سنوات الاستعمار الطويلة هذه، والاستغلال البشع لأرضه ومائه وثرواته، واستشهاد مليون شخص من خيرة ابنائه، فقط يطلب الاعتذار الرسمي، لبدء صفحة جديدة في العلاقات بين المستعمِر (بكسر الميم) والمستعمَر (بفتحها) وهو طلب يعكس قمة التواضع، والقيم الحضارية، والرغبة الصادقة في طي صفحة الماضي واقامة علاقات تقوم علي المصالح المتبادلة وبما يخدم الشعبين المتشاركين في حوض واحد للبحر المتوسط.
ماذا يعيب ساركوزي، وهو ابن مهاجر عانت اسرته تحت الاستعمار النازي، لو تحلي بكل قيم الشجاعة وآدابها، واعلن من قلب العاصمة الجزائرية اعتذاره عما فعله الاستعماريون الفرنسيون (من غير اجداده) تجاه شعب فقير معـــدم لم يرتكـــب اي جريمة في حق فرنسا او شعبها؟
لو فعل ساركوزي هذا، لأثبت انه رجل دولة بحق، ولوجد مئات الآلاف من الجزائريين يهتفون باسمه، ليس فقط في الجزائر، وانما داخل فرنسا نفسها حيث يعيش ثلاثة ملايين منهم علي الاقل.
فرنسا تحتاج الجزائر اكثر من حاجة الاخيرة الي فرنسا. فالخطر الارهابي الذي يهدد اوروبا يأتي من الشاطيء الآخر للبحر المتوسط. وعدم تعاون الدول المغاربية مع فرنسا والدول الاوروبية الاخري سيؤدي الي زعزعة استقرار القارة الاوروبية بأسرها، وتحويل مدنها وقطارات انفاقها الي ساحة حرب دموية.
الجزائر تملك الغاز والنفط والمعادن والايدي العاملة الرخيصة، وهي عناصر اقتصادية استراتيجية تفتقر اليها فرنسا ومعظم الدول الاوروبية الاخري، ويكفي ان تتغاضي الدول المغاربية الاخري، عن قوارب الهجرة غير المشروعة الزاحفة من القارة السوداء ومستودعات الفقر والحرمـــان فيــها، لكي تحول حــياة الاوروبيين الي جحيم لا يطاق.
مشكلتنا كعرب ومسلمين تتمثل في قياداتنا الضعيفة الذليلة امام الغرب، ولو كنا امة قوية تحترم نفسها، وترتقي الي مستوي شعوبها وكرامتها، لما تردد ساركوزي وغيره في تقديم الاعتذار لنا، الذي هو حق وواجب، تمليهما كل الشرائع الربانية والوضعية.
نتمني ان يتراجع الرئيس بوتفليــقة عــــن تراجعه في اســــقاط شرط الاعتذار، وان يربــــط زيــــارة ساركوزي الرســمية المقبلة للجزائر باعتذار صريح وواضح للشعب الجزائري، وكل الشعوب الــفرنسية التي عانت وتعاني من الاستعمار الفرنسي وسياساته وممارساته السابقة.