الاردن

اقصر القمم الخليجية في التاريخ تعيد قطر الى “الحضن المصري” وتأكيد المصالحة مع السيسي.. هل يعني هذا “الطلاق البائن” مع الاخوان.. وتغيير نهج شبكة “الجزيرة”.. وفك التحالف مع اردوغان؟

عبد الباري عطوان

ستدخل قمة مجلس التعاون الخليجي التي انعقدت واختتمت اعمالها مساء اليوم (الثلاثاء) كتاب “غينيس″ للارقام القياسية لكونها القمة “الاقصر” في تاريخ مجلس التعاون الخليجي، فلم تستغرق مدة انعقادها غير ساعتين، واقتصرت على ثلاثة خطابات رئيسية، اولها لرئيسها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني امير الدولة المضيفة، وثانيها للشيخ صباح الاحمد امير الكويت رئيس القمة السابقة، وثالثها للسيد عبد اللطيف الزياني الامين العام للمجلس، ولكن قيمة القمم، عربية كانت او خليجية، لا تنحصر في مدة انعقادها، وانما بالقرارات المهمة التي تصدر عنها، وانعكاساتها على مصير الدول المشاركة فيها، واجنداتها، ومواقفها السياسية، ويمكن القول ان قمة الدوحة، ونتائجها جاءت استثناء، فعندما يؤكد بيانها الختامي الذي اقره زعماء المجلس على “الدعم التام لمصر ولرئيسها عبد الفتاح السيسي وبما يحقق استقرارها وازدهارها” فإن هذا يعني صراحة، ودون اي مواربة، ان العقبة الرئيسية التي كانت تقف امام حل الخلافات الخليجية قد “ازيلت”، وان دولة قطر “مثلت” لشروط المصالحة جميعا، وقررت العودة الى السرب الخليجي، والتغريد من داخله باللحن السياسي نفسه وربما بحماسة اكبر، فقطر تريد دائما ان تكون مختلفة عن غيرها.
***
دعم دولة قطر للرئيس المصري السيسي وبرنامجه السياسي المتمثل في “خارطة الطريق” و”وقوفها التام مع مصر، حكومة وشعبا، من اجل استقرارها وازدهارها”، “تحول” في الموقف القطري ستترتب عليه، اذا ما كان نهائيا، العديد من “الالتزامات” و”المتغيرات” نختصرها في النقاط التالية:
ـ اولا: تخلي قطر كليا عن دعم حركة “الاخوان المسلمين” سياسيا وماليا واعلاميا، وابعاد جميع قيادات الحركة من الصفين الاول والثاني الذين يقيمون في الدوحة حاليا، او الزامهم بعدم الاقدام على اي انشطة سياسية معادية للنظام المصري، وعلى رأس هؤلاء الشيخ يوسف القرضاوي رئيس اتحاد كبار علماء المسلمين.
ـ ثانيا: حدوث تغيير جذري في تغطية قنوات شبكة “الجزيرة” المتعددة للملف المصري وخاصة “الجزيرة مباشر”، ووقف كل الهجمات الاعلامية ضد الرئيس السيسي وحكمه وسياساته، وانتهاج تغطية للحدث المصري اقرب الى اسلوب منافستها قناة “العربية”.
ـ ثالثا: تقديم مساعدات مالية، او اعادة المساعدات التي تم سحبها او اعادتها، الى الخزينة المصرية، سواء بمبادرة سريعة، او من خلال المشاركة في مؤتمر للدول المانحة، دعا اليه العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز في خطاب رسمي ارسله الى الرئيس السيسي بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية واعتبر فيه ان من لا يقدم الدعم لمصر “ليس منا ونحن لسنا منه”، في رسالة واضحة الى قطر في حينها، وكانت دولة قطر قدمت اكثر من عشرة مليارات دولار لمصر في زمن الرئيس محمد مرسي الذي اطيح به بإنقلاب عسكري، اعادت حكومة السيسي معظمها للخزينة القطرية حردا وتحديا.
ـ رابعا: خروج قطر جزئيا او كليا، من الحلف الثنائي مع تركيا ورئيسها رجب طيب اردوغان، خاصة الشق المتعلق منه بكل من الملفين المصري والليبي، مع احتمال بقاء الشق المتعلق منه بسورية والمتمحور حول اطاحة نظام الرئيس الاسد، فالدولتان دعمتا حركة “الاخوان” في مصر، ووقفتا مع التيار الاسلامي في ليبيا، وبالذات قوات “فجر ليبيا” في مواجهة كتائب الزنتان (القعقاع والصواعق) وجيش اللواء خليفة حفتر والبرلمان الليبي المنتخب ومقره مدينة طبرق شرق البلاد.

***

لا نعتقد ان هذا التحول في الموقف القطري جاء مفاجئا او وليد الساعة، بل جرى الاتفاق على كل تفاصيله في قمة الرياض الاستثنائية، التي انعقدت الشهر الماضي واصدرت اتفاق الرياض “التكميلي” الذي صدر عنها، بناء على دعوة من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، فقد كان واضحا ان الاتفاق على دعم مصر السيسي هو الشرط الاساسي لانعقاد قمة الدوحة، ومشاركة الجميع فيها في موعدها ومكانها، وعودة السفراء الثلاثة (السعودية، الامارات، والبحرين).
ما هي الخطوة التالية بعد مفاجآت قمة الدوحة؟
من الصعب استباق الاحداث، ولكن مثلما ادى الاتفاق على بنود قمة الرياض الاستثنائية الى قيام الشيخ محمد بن زايد ولي عهد ابو ظبي ونائب القائد العام للقوات المسلحة الاماراتية، والخصم الاشرس لقطر، بزيارة مفاجئة الى الدوحة على رأس وفد كبير للتأكيد على طي صفحة الخلافات معها، فإننا لا نستبعد ان يقوم الشيخ تميم امير دولة قطر بزيارة “اخوية” الى مصر على رأس وفد قطري كبير ايضا لتأكيد المصالحة وطي صفحة الماضي وكل ما فيها من “شوائب” وما اكثر الاخيرة.
الدوحة ظلت، وعلى مدى ربع القرن الماضي، مصدر “المفاجآت”، وقمة مجلس التعاون الخليجي وبيانها الختامي جاء على النهج نفسه، ولكن في “الاتجاه المعاكس″.
قطر تعرضت لعملية “ترويض” ممنهجة شاركت فيها مراكز قوى عربية وخليجية ودولية اعطت ثمارها في النهاية فيما يبدو.. ولكن هل سيأتي التغيير طويل الامد ام قصيره؟
الاجابة في رحم المستقبل المنظور.

اكتب لكم من بيروت ولكن عن سورية ولاجئيها الذين يشكلون القلق الاكبر الذي يوحد غالبية اللبنانيين وهم المختلفون دائما.. والحديث عن زوجات البغدادي والشيشاني المعتقلات يطغى على الاستعداد لحفلات رأس السنة.. اهلا بكم في لبنان

عبد الباري عطوان

من يزور بيروت هذه الايام يعتقد انه في مدينة اسكندنافيه تستعد للاحتفال بأعياد الميلاد، وليس عاصمة بلد تشهد حدوده، او بعض منها، معارك طاحنة، بين قوات الجيش وجماعات اسلامية “جهادية” متشددة، ونحن هنا لا نتحدث عن الموضوع القديم المتجدد اي مشاركة قوات تابعة لحزب الله الى جانب قوات الجيش السوري مع هذه الجماعات، وانما جبهة ملتهبة جرت جيشا زاهدا في الحروب الى اتونها.
الحركة في العاصمة اللبنانية تأخذ طابعا صاخبا، المطاعم مليئة بالرواد وكذلك المقاهي، وزحمة السير خانقة، واشجار اعياد الميلاد المزينة بالاضواء من مختلف الالوان، تطل برأسها في كل مكان (باستثناء الضاحية الجنوبية طبعا)، وعليك الانتظار لعدة ايام كي تحصل على مقعد في الطائرات المتوجهة الى مطار بيروت. اما معرض بيروت الدولي للكتاب الذي كنت احد ضيوفه فشهد اقبالا غير مسبوق، وزحام خانق، وزواره من العرب الذين لم يعبأوا بتحذيرات حكوماتهم يمكن رصدهم بسهولة لكثرتهم، وخاصة من دول الجوار.
هذا الصخب اللافت من الصعب ان يخفي “حالة قلق” تسود اللبنانيين، ولم ينجح مقدم الاعياد في طمس معالمها، قلق من عودة السيارات المفخخة انتقاما لاعتقال الجيش زوجتين لزعيمي اخطر تنظيمين “جهاديين”، الاولى السيدة سجى الدليمي الزوجة السابقة للسيد ابو بكر البغدادي، زعيم “الدولة الاسلامية” واولادها، والثانية علا متقال العقيلي زوجة السيد ابو علي الشيشاني احد ابرز القادة العسكريين “لجبهة النصرة”، وتهديد الاخير بانتقام مزلزل، اذا لم يتم الافراج عن عقيلته فورا في تسجيل مصور انتشر بكثافة على (اليوتيوب).
***
اللبنانيون، ومن مختلف الاديان والطوائف يلتفون بقوة هذه الايام حول جيشهم دون تحفظ، ويضعون كل خلافاتهم جانبا، ويريدون عودة جنودهم “المخطوفين” سالمين الى اسرهم، ويبكون الجندي الشاب الذي قتلته جبهة النصرة انتقاما وتحذيرا، او الآخرين الذين سقطوا في كمين (سبعة جنود)، ولكن قلة قليلة تهمس في المجالس الخاصة بـأن الجيش ما كان يجب ان يسرب اخبار اعتقال السيدتين على الحدود، وكان عليه معالجة امرهما بعيدا عن الصحافة، ولكن هناك في المقابل، وهؤلاء اغلبية، يطالبون بصوت اعلى باعدامهن لانهن “ارهابيات” وليكن ما يكون.
يتوحد معظم البنانيين ايضا، مسلمين كانوا او مسيحيين، سنة او شيعة، على رعبهم من تفاقم اعداد اللاجئين السوريين الى بلادهم ووصولها الى ما فوق المليوني لاجيء، ويتساءلون بقلق عن خطر هذا “التسونامي” الزاحف تجاه بلدهم واين سيتوقف العد، وعندما تقول للقلقين منهم ان السوريين اشقاؤكم وفتحوا لكم بيتهم وقلوبهم ايام الحرب عام 2006، مثلما فتحوها للعراقيين وكل مستجير، يردون بأن سورية دولة كبيرة، بينما لبنان بلد صغير لا يمكن ان يستوعب هذه الاعداد الضخمة في ظل تعاطف عالمي محدود، واعراض جانبية بدأت تعكر صفو استقراره وتركيبته الاجتماعية والسياسية، ويضربون امثلة كثيرة في هذا المضمار لا يتسع المجال لذكرها.
الملف السوري بجوانبه العسكرية والسياسية والانسانية هو المسيطر، فعندما كنت في بيروت تصدرت زيارة ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي العناوين الرئيسية للصحف ونشرات اخبار محطات التلفزة اللبنانية، وبرامجها الحوارية والاخبارية وما اكثرها، واللقاءات التي اجراها مع معظم السياسيين اللبنانيين وخاصة اللقاء “السري” مع السيد حسن نصر الله الامين العام لحزب الله، والسيد نبيه بري رئيس البرلمان وقادة فريق الرابع عشر من آذار وفريق 8 ايار.
تسأل اللبنانيين عن هذه الزيارة، فيتطوع الكثيرون بإعطاء شرح مفصل عن الدور الروسي ومحاولة القيادة الروسية استطلاع الحقائق، وجمع الافكار حول كيفية الخروج من المأزق السوري، والاستفادة من دروس الازمة اللبنانية، ويذهب بعضهم الى الحديث عن “طائف” سوري يتبلور في اطار حل سياسي للازمة السورية من خلال حجيج مسؤولين سوريين وعناصر قياديه معارضة الى موسكو بكثافة هذه الايام، حيث تلعب موسكو الدور نفسه الذي لعبته الرياض او تحاول.
وتتزامن زيارة بوغدانوف مع “حراك” على جبهة اخرى بقيادة ستيفان دي ميستورا مبعوث الامم المتحدة الى سورية، الذي يريد تجميد الصراع المسلح في حلب، وتقسيمها الى حلب شرقية واخرى غربية، واحدة تحت سيطرة النظام واخرى تحت سيطرة المعارضة، ويفتي بعض السياسيين اللبنانيين بأن المبعوث الدولي استلهم هذه الفكرة من التجربة اللبنانية، وتقسيم بيروت على النموذج نفسه لفترة انتقالية لبضعة اشهر او سنوات ثم عودتها الى وحدتها الطبيعية، فعندما هدأت المدافع في بيروت وبدأت مسيرة التعايش تنطلق وتتهاوى امامها خطوط التماس هدأ لبنان كله.
اتفاق “الطائف” اللبناني جاء بعد 15 عاما من الحرب الاهلية، وبعد وصول طرفي الحرب الى مرحلة الانهاك التام واستعدادهما للقبول بالحل السياسي وتقديم تنازلات “مؤلمة” من بينها تعديل الدستور للخروج من هذا المأزق الدموي، فهل وصلت اطراف الصراع في سورية الى هذه القناعة وبدأت تتحلى بالبراغماتية؟
هناك من يجيب بنعم كبرى، ويؤكد ان النظام والمعارضة في سورية باتا على قناعة بضرورة شرب كأس “سم الحل السياسي”، والتوحد بالتالي في مواجهة الخطر الاكبر الذي يهددهما معا، اي الاسلام السياسي المتشدد، وابرز عناوينه “الدولة الاسلامية” وشريكتها “السابقة” في الايديولوجية “جبهة النصرة” اللتين تشكلان تحالفا غير معلن لتغيير الحكمين في لبنان وسورية معا وتغيير، بل نسف، خرائطهما السياسية والاجتماعية والجغرافية، واعادة رسمها مجددا وفق معاييرهما الايديولوجية.
مسؤول لبناني كبير قال لي “سورية تحارب على ثلاث جبهات، الاولى ضد “الدولة الاسلامية” واخواتها، والثانية معركة الحفاظ على النظام ومؤسساته بعد ثلاث سنوات من الحرب، وفي ظل حصار اقتصادي خانق، والثالثة حول كيفية التعاطي مع حرب باردة على ارضها بين القوتين العظميين روسيا وامريكا، ولهذا ربما تتحلى القيادة السورية ببعض المرونة تجاه الحلول السلمية خاصة ان من يقود سفينتها هذه الايام حليفها الروسي، مضافا الى ذلك ان حلفاءها الروس والايرانيين يواجهون حربا نفطية تستهدفهما وادت الى انخفاض عوائدهم بأكثر من 40 بالمئة بسبب اغراق السعودية وحلفائها في الخليج الاسواق بفائض يزيد عن مليون برميل انتقاما من دورهما في سورية والعراق واوكرانيا.
احد القادمين من دمشق، واثق كثيرا في معلوماته قال لي ان “المرونة” غير موجودة على الاطلاق في اوساط اهل النظام السوري وعظام رقبته، وان الدائرة الضيقة في الحكم تشعر بحالة من القلق من هذه التحركات الروسية، وما زالت تنظر بعين الريبة الى السيد معاذ الخطيب الذي يعتبر اكثر قادة المعارضة السورية “برغماتية” واعتدالا، وصاحب الخط الثالث في المعارضة السورية المستعد للتفاوض مباشرة مع النظام، وان مسؤولا سوريا كبيرا ابلغه ان سورية لا يمكن ان تنسى او تغفر له جلوسه على مقعدها في قمة الدوحة العربية قبل عامين تقريبا، وامام علم “الثورة” ومخاطبة الملوك والرؤساء والامراء من على منبرها.
المصدر نفسه ربط بين الغارات الاسرائيلية التي اعلنت عنها الاحد السلطات السورية وقصفت اهدافا في دمشق ودون وقوع اصابات، وما يقال في الوقت نفسه عن اتساع دائرة التعاون بين تل ابيب وجماعات سورية معارضة في الجولان السوري، وتوجيه رسائل الهدف منها الضغط على اصحاب الحل والعقد في دمشق بضرورة اتباع المرونة وانجاح الجهود الدولية، لان المنطقة والعالم، لم يعودا يتحملان استمرار هذه الازمة السورية، وهو استمرار يصب في نهاية المطاف في مصلحة “الدولة الاسلامية” وحالة عدم الاستقرار في المنطقة.
***
اللبنانيون، “البيروتيون” منهم على وجه الخصوص، يتمنون نجاح جهود موسكو وبغدانوف ودي ميستورا، وجون كيري، او اي طرف آخر يخلصهم من تبعات وذيول الصراع السوري، واكثر من مليوني لاجيء سوري يتواجدون على ارضهم يتحولون بسرعة الى ازمة سياسية وديمغرافية على غرار اشقائهم الفلسطينيين الذين سبقوهم قبل 66 عاما، ولهذا يعارضون في معظمهم التوسع في اقامة مخيمات لجوء سورية جديدة، على غرار مخيمات عين الحلوة والبرج ونهر البارد التي اصبح بعضها دول داخل الدولة واماكن مغلقة يلجأ اليها بعض الهاربين من العدالة، على حد وصف زميل لبناني.
الزميل نفسه الذي يتمتع بظُرف نادر في اوساط المهنة هذه الايام قال في لحظة “تجلي” ان اللبنانيين تخلصوا من الجيش السوري، ولا يريدون عودته كجيش من اللاجئين، ويعتبره اخطر من نظيره العسكري ويجعل من وحدة سورية ولبنان امرا واقعا في نهاية المطاف، وربما لا يتفق معه البعض في “ظُرفه هذا”.
اللبنانيون قدريون، يقرأون الصحف في الصباح ويتابعون بعض نشرات الاخبار في مطلع المساء، ثم يسهر غالبيتهم الى ما بعد منتصف الليل، وينتظرون الحل السياسي للازمة السورية باعتباره املهم الوحيد في الخلاص، ويصلون في الفجر لبغدانوف ورئيسه سيرغي لافروف مهندس الدبلوماسية الروسية، ولا ينسون القادم الجديد دي ميستورا ايضا بدعواتهم لهم جميعا بالنجاح وبأقصى سرعو ممكنة.
الاعلان عن حفلات رأس السنة في الفنادق تتلألأ وتحتل لوحات مضيئة تزينها صور الفنانين والفنانات في كل مكان.. اللبنانيون شعب يحب الحياة وهو بلا شك اكثر من يستحقها في اعتقاده، ويؤجل هموم اليوم الى العام الجديد!
واهلا بكم في لبنان.

اوباما يمهد من استراليا لتدخل بري واسع في العراق وسورية تحت “ذريعة” محاربة “الدولة الاسلامية” في حال سيطرتها على اسلحة نووية.. اين هذه الاسلحة؟ ومن غير اسرائيل يملكها؟ ولماذا هذا الشرط الآن؟

عبد الباري عطوان
من يعيش في الغرب، ويتابع اساليب الحكومات في التمهيد التدريجي، او تسويق مواقف سياسية وعسكرية معينة للرأي العام، يدرك جيدا ان الرئيس الامريكي باراك اوباما عندما يقول في مؤتمر صحافي عقده على هامش قمة العشرين الاقتصادية في مدينة بريزبين الاسترالية اليوم (الاحد) “لن نتردد في ارسال وحدات برية الى المنطقة في حال سيطرت قوات “الدولة الاسلامية” على سلاح نووي مثلا، لكننا نريد ان تتولى قوات الامن العراقية مهامها”، فإن هذا يعني، وللوهلة الاولى، ان القرار بإرسال قوات امريكية الى العراق وسورية ربما جرى اتخاذه مبكرا وينتظر الذريعة، واننا على ابواب مرحلة التنفيذ.
الرئيس اوباما ضاعف عدد القوات الامريكية البرية في العراق الى 3100 جندي، واكد قبل اسبوع ان العدد سيرتفع، وان قوات اخرى في الطريق، وبرر ارسال هذه القوات، قديمها وجديدها لتدريب الجيش العراقي واعادة تأهيله عسكريا حتى يتمكن من التصدي لقوات “الدولة الاسلامية”.

***

لا نعتقد ان تدريب القوات العراقية يحتاج الى هذا العدد الضخم من المدربين والمستشارين، الا اذا كان تعداد هذا الجيش سيصل الى الملايين من الضباط والجنود، ونرجح ان هناك خطة امريكية عراقية مشتركة، لعودة قوية للتدخل العسكري الامريكي في العراق وسورية، ولكن من “نافذة” محاربة “الدولة الاسلامية”، اي انها لن تكون قوات غازية وانما صديقة، ولكن ما هو الثمن الذي تنتظره واشنطن؟
ما يجعلنا نميل الى هذا الاعتقاد عدة مؤشرات على درجة كبيرة من الاهمية نلخصها في النقاط التالية:
ـ اولا: هناك اجماع في اوساط معظم المحللين العسكريين الامريكيين بأن القصف الجوي الامريكي لتجمعات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية لم يحقق الا القليل من النجاح في اضعافها والحد من قوتها، وانه لا بديل عن وجود قوات على الارض.
ـ ثانيا: توارد انباء كثيرة، ذات مصداقية، من مصادر غربية عن قيام “المستشارين” الامريكيين بمرافقة القوات العراقية في حربها لاستعادة مدن وبلدات في اقليم الانبار، وكذلك فك الحصار عن مدينة بيجي حيث توجد مصفاة النفط التي توفر ستين في المئة من احتياجات البلاد من المشتقات النفطية الضرورية مثل البنزين والمازوت.
ـ ثالثا: زيارة الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هيئة اركان الجيوش الامريكية فجأة الى العراق، وتقدمه بعرض لاشراك قوات امريكية في المعارك التي قد تنطلق في الاماكن الخطرة (نينوى والحدود العراقية السورية) ضد تنظيم الدولة الاسلامية وهو العرض الذي قال السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي انه رفضه.
ـ رابعا: رفض معظم اعضاء التحالف من العرب، مثل المملكة العربية السعودية والاردن والامارات وقطر علاوة على تركيا ارسال قوات برية الى العراق وسورية، ورفض السيد العبادي في المقابل وجودها على ارض بلاده لانه يعتقد “ان العراق لا يحتاج الى اي قوات اجنبية برية، وان الجيش العراقي، مدعوما بالحشد الشعبي وابناء العشائر قادر على انجاز مهامه دون تدخل خارجي”.
تصريحات السيد العبادي حول رفض اي قوات ارضية امريكية ربما تأتي للتغطية على اتفاق جرى التوصل اليه فعلا اثناء زيارة الجنرال ديمبسي الخاطفة الى بغداد بأرسال المزيد من القوات الارضية الامريكية، لان نفيه لا معنى له عمليا، ويعكس تناقضا “غير مفهوم” فالقوات الامريكية الارضية موجودة فعلا وتتزايد، وهذا اولا، وثانيا لا نرى اي فرق بين قوات ارضية او جوية، فالاستعانة بقوات اجنبية قد تمت من حيث المبدأ والباقي تفاصيل.
نقطة اخرى لا يمكن تجاهلها وتتلخص في قول الرئيس اوباما انه لن يتردد في ارسال وحدات برية امريكية الى المنطقة اذا سيطرت “الدولة الاسلامية” على سلاح نووي، فأين يوجد هذا السلاح النووي حتى تسيطر عليه هذه الدولة؟ في العراق او سورية ام ايران؟
الدولة الوحيدة في المنطقة التي تملك اسلحة نووية هي اسرائيل فهل تملك “الدولة الاسلامية” وقواتها القدرة في الوقت الراهن للوصول الى مفاعل ديمونا، او مخازن الرؤوس النووية الاسرائيلية والاستيلاء عليها وكيف؟
***
لا بد ان هناك “طبخة” امريكية يجري اعدادها للمنطقة بأسرها، عنوانها عودة القوات الامريكية الى العراق، ولكن تحت ذريعة حماية المنطقة من خطر “الدولة الاسلامية”، وترددت انباء في اكثر من عاصمة غربية، ان هناك خطة مطروحة فعلا لارسال ثمانين الف جندي، اي نصف عدد القوات التي احتلت العراق عام 2003.
وربما لم يكن من قبيل الصدفة اقدام “الدولة الاسلامية” على اعدام الجندي الامريكي السابق الذي كان رهينة لديها (بيتر كاسيغ) امام الكاميرات في منطقة “دابق” وقول متحدث بإسمها انه “اول صليبي” يدفن فيها، وانها تنتظر (اي الدولة) بلهفة باقي الجنود الامريكيين لدفنهم في المنطقة نفسها.
الرئيس باراك اوباما قال في حديث لمحطة تلفزيونية امريكية ان بلاده ستنتقل الى مرحلة الهجوم في حربها ضد “الدولة الاسلامية”؟ فهل حمل الجنرال ديمبسي هذه الخطة الهجومية وتفاصيلها الى نظرائه العراقيين؟ وهل نحن امام احتلال امريكي جديد للعراق وربما سورية ايضا؟ وهل ستكرر امريكا الاخطاء نفسها ام ستتعلم منها في المرة المقبلة؟
احتمالات غرق امريكا في المستنقع الدموي العراقي السوري مرة اخرى، وبعد ثلاث سنوات من انسحابها، كبيرة، بل كبيرة جدا، وسيكون تدخلها مكلفا لها ولأهل المنطقة، قلنا هذا اثناء غزو عام 2003 ونكرره الآن دون تردد، والايام والاشهر المقبلة حبلى بالمفاجآت.

محاولات اختراق “الدولة الاسلامية” استخباريا ستستمر لانها احد ابرز الاسلحة لتدميرها وتقويضها من الداخل.. فكيف ستتعامل معها وكيف كان يكشف الشيخ بن لادن المندسين

عبد الباري عطوان

اذا صحت الانباء التي نشرها ابو حفص المهاجري المقرب من ابو بكر البغدادي زعيم “الدولة الاسلامية” واعترف فيها بأن جهاز الاستخبارات ومكافحة الارهاب العراقي نجح في اختراق تنظيم “الدولة” وتسبب في خسائر كبيرة، فإن هذا حدث كبير ستكون له تداعياته، لان مثل هذه الاختراقات تؤدي عادة الى اضعاف التنظيمات التي تستهدفها، وتحدث انشقاقات واغتيالات لكبار القادة ايضا.
من الطبيعي ان يكون تنظيم مثل “الدولة الاسلامية” هدفا لاختراقات استخبارية متعددة، لان عمره قصير، وتضاعفت قوته والمناطق المسيطر عليها عدة مرات في زمن قياسي، ولان عشرات اجهزة الاستخبارات العالمية والاقليمية تستهدفه ولا تكف عن محاربته، والعمل على زرع عناصرها داخله، وفوق هذا وذاك، ان قوات “الدولة الاسلامية” تخوض حروبا على عدة جبهات هذه الايام، وتتعرض لضربات جوية امريكية مكثفة على مدار الساعة، الامر الذي يشتت تركيزها الامني، كليا او جزئيا.
لا نعرف حجم الاضرار الذي الحقها الاختراق الاستخباري العراقي لتنظيم الدولة الذي تحدث عنه السيد ابو حفصة المهاجري، فقد امتنع عن اعطاء اي معلومات، ولكن نعتقد انه كبير مثلما هو واضح من البيان المقتضب، ومن القرار الذي اتخذه بعدم قبول انضمام متطوعين عراقيين الى صفوف الدولة والاكتفاء بالجهاديين الاجانب، ولكن حتى هؤلاء يمكن ان يكون من بينهم مندسين.
***
تنظيم “القاعدة” المركزي تعرض لاختراقات استخبارية عديدة كان اضخمها الطبيب همام خليل محمد أبو ملال البلوي، الذي حاولت المخابرات الاردنية تجنيده وتكليفه باغتيال قادة فيه، ولكنه استطاع خديعتها، اي المخابرات الاردنية، والقبول بمهمة اغتيال الشيخ اسامة بن لادن ونائبة الدكتور ايمن الظواهري، وفجر نفسه في قيادة المخابرات المركزية الامريكية والجيش الامريكي في ولاية خوست في افغانستان عام 2009، ونتج عن العملية مقتل سبعة من هؤلاء وبعض المحيطين بهم، بالاضافة الى علي بن زيد ضابط الارتباط في المخابرات الاردنية.
احد القادة الميدانيين في تنظيم “القاعدة” ابلغ رئيس تحرير هذه الصحيفة ان محاولات اختراق التنظيم لم تتوقف مطلقا، واكثرها من قبل مخابرات اردنية وعربية، حيث يتم ارسال الجواسيس على شكل متطوعين جهاديين للانخراط في صفوفه، وقال الشخص نفسه ان الشيخ بن لادن ومساعديه كانوا يلجأون الى اكتشاف هؤلاء من خلال الطلب من مجموعة وفي حضور الشخص المشتبه به الاستعداد للقيام بعملية انتحارية، وعندها يتلكأ الشخص المعني في القبول بهذه المهمة فيتم استدعاؤه والتحقيق معه، وغالبا ما كان هذا الاسلوب يعطي مفعوله، ويتم اكتشاف الشخص المندس واعدامه.
المنظمات الفلسطينية تعرضت لاختراقات كبيرة، حتى ان احد العملاء الاسرائيليين نجح في الوصول الى طاقم حراسة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، واراد الرئيس عرفات سجنه وليس اعدامه بعد اثبات التهمة عليه، ولكن المرحوم صلاح خلف (ابو اياد) اصر على اعدامه، وامر فريق اغتيالات بإصطحابه الى منطقة المدينة الرياضية في بيروت وجرت عملية تصفيته.
حركة الجهاد الاسلامي تعرضت لاختراق اسرائيلي كبير، حيث نجح جهاز الموساد الاسرائيلي في تجنيد مدير مكتب الشهيد فتحي الشقاقي في دمشق، وظل اربع سنوات كامنا لا يعطي اي معلومات حتى حان الوقت الملائم عندما طلب منه مشغله في الموساد تحديد الطريق التي سيغادر عبرها المرحوم الشقاقي ليبيا التي كان يزورها، هل هي مالطة او تونس او السودان، فأخبرهم انها مالطة، وكان الموساد قد ارسل ثلاث فرق اغتيال الى الدول الثلاث مسبقا، ونجحت خلية مالطة في اغتيال الشقاقي عبر اطلاق النار عليه من دراجة نارية في 26 تشرين الاول (اكتوبر) عام 1995.
اما كيف جرى اكتشاف مدير مكتب المرحوم الشقاقي، فتم عندما لاحظت اجهزة امن التنظيم بأنه يبالغ في اللطم والبكاء والنحيب، يقدم على حركات متصنعة، وجرى اعتقاله وتسليمه للمخابرات السورية التي حصلت منه على المعلومات الكاملة حول كيفية تجنيده في احدى دول اوروبا الشرقية من اجل هذه المهمة.
***
المخابرات الغربية، والاقليمية تركز كل جهودها حاليا لاختراق تنظيم “الدولة الاسلامية”، من اجل معرفة جميع مفاصله وطرق عمله وربما محاولة الوصول لزعيمه ابو بكر البغدادي واغتياله بهدف تقويض التنظيم من الداخل بالتوازي مع محاولة هزيمته على جبهات القتال ومن خلال انشاء قوات “صحوات” تتولى عمليات القتال الارضي سواء من مجنديين عراقيين او سوريين، وانضمام وحدات من الجيش السوري الحر وقوات من البشمرغة العراقية الى المدافعين الاكراد في مدينة “عين العرب ـ كوباني” السورية ذات الغالبية الكردية هو اول فصل من فصول هذا المخطط.

الاردن “يمهد” لارسال “قوات خاصة” لقتال “الدولة الاسلامية” ان لم يكن ارسلها فعلا.. فما هو حجم المخاطرة؟ وما هي انعكاساتها على الجبهة الداخلية؟ وما هو المقابل السياسي والمادي؟

بعد اكثر من شهرين من القصف لمواقع “الدولة الاسلامية” سواء داخل الاراضي السورية لمنع قواتها من الاستيلاء على مدينة عين العرب (كوباني) شمال سورية او في مناطق عراقية في هيث والرمادي وتكريت وحديثه وغلاف بغداد، بات واضحا ان هذه المهمة التي تشارك فيها طائرات عدة دول، سواء بشكل مباشر او غير مباشر لم تحقق الا نجاح محدود للغاية، بات الحديث عن تدخل بري جنبا الى جنب مع التدخل الجوي يتصاعد خاصة في الاوساط الامريكية ويجد اصداء ملحوظة في المنطقة العربية.
في هذا الاطار يمكن اخذ تصريحات السيد خالد الكلالدة وزير الشؤون السياسية والبرلمانية في الحكومة الاردنية التي ادلى بها قبل ثلاثة ايام وقال فيها صراحة ان بلاده بصدد ارسال قوات ارضية لمحاربة قوات “الدولة الاسلامية” دون ان يعطي المزيد من التفاصيل في هذا الخصوص.
الطريقة الاردنية المتبعة في التمهيد لادوار عسكرية هنا وهناك تأتي دائما خجولة، وعلى لسان وزراء لا يتولون حقائب سياسية، الهدف منها اطلاق بالونات اختبار لقياس ردود فعل الرأي العام، واحيانا بهدف “تطبيع″ او تعويد” المواطنين الاردنيين على هذا النوع من الخطوات التي تجد معارضة قوية في اوساطهم، ويجب اخذ تصريحات الوزير الكلالدة في هذا الاطار حتى نستطيع ان نستقرأ الخطوة او الخطوات المقبلة.

***

لنكن اكثر صراحة ووضوحا في تناول امرين اساسيين يتعلقان بهذه المسألة: الاول ان الاردن لا يستطيع مخالفة اي طلب امريكي بارسال قواته الارضية للقتال على جبهات وفي مهمات تحدد له، فقد ارسل قوات اردنية تحت جنح الظلام للقتال الى جانب القوات الامريكية اثناء احتلال العراق عام 2003، بل ان القوات الامريكية التي دخلت بغداد انطلقت من الاراضي الاردنية، مثلما ارسلت قوات الى ليبيا كانت على رأس حربه في احتلال طرابلس واقتحام قاعدة العزيزية حيث مقر القيادة العسكرية للعقيد الليبي معمر القذافي، مثلما بادر بارسال قوات الى البحرين للمساندة في قمع الانتفاضة الشعبية التي جارت نظيراتها في دول عربية عديدة عام 2011 تحت عنوان ما اطلق عليه في حينها ثورات “الربيع العربي”، ولم يصدر اي اعلان رسمي حول هذه المشاركات، وجرى ابعاد الصحافة عن اي خوض فيها وطبيعتها.
اما الامر الثاني فيتعلق بالدور الوظيفي للاردن في القيام بأدوار عسكرية وسياسية بايعاز امريكي والحاح عربي، مقابل مساعدات مالية، فالاردن لا يملك ذهبا ولا نفطا، وموارده المالية شحيحة وعوائد السياحة تتناقص، وتتضخم ديونه العامة في المقابل، وهناك من يقدرها 25 مليار دولار في ظل عجز مزمن في الميزانية السنوية يصل الى ملياري دولار، والدعم المالي الخليجي يتراجع ويضمحل.
الاردن ارسل طائرات شاركت بقصف مواقع “الدولة الاسلامية” في سورية جنبا الى جنب مع طائرات امريكية وسعودية واماراتية، ولكنها تظل خطوة رمزية لان طائرات السلاح الجوي الاردني قديمة، ومعظمها انتهت صلاحيتها القتالية بالمقارنة مع نظيراتها الخليجية والغربية الاخرى، ولكن شهرة المؤسسة العسكرية الاردنية لم تكن قائمة على اسراب طائراتها الحربية وقواتها الجوية، وانما على قواتها الارضية المدربة تدريبا جيدا على اعمال الاقتحام.
العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني يتباهى امام زواره الخلص بأنه اسس، عندما كان في القوات المسلحة الاردنية، وقبل ان يتولى العرش فجأة اثر وفاة والده، وحدات قتالية يطلق عليها اسم “قوات النخبة الخاصة”، وتعتبر الاكثر ولاء له، والاشرس في العمليات القتالية، ويتم اختيار عناصرها بطريقة صارمة، ووفق معايير دقيقة تضمن تنفيذ الاوامر القيادية بشجاعة وتفان دون تردد، ولم يكن من قبيل الصدفة، وبسبب نجاح هذه القوات، ان تتم محاكاتها من قبل عدة دول عربية، بل والطلب من قيادتها تدريب قوات مماثلة، وابرز العناوين في هذا المضمار قوات الامن الفلسطينية في الضفة الغربية، ولاحقا قوات معارضة سورية.
اي مهمة قادمة للقوات الخاصة الاردنية في سورية والعراق قد تتلخص في عمليات التفافية خلف خطوط “العدو” وهو في هذه الحالة قوات “الدولة الاسلامية”، وهذه مهمة خطرة بكل المقاييس لان هذه القوات (الدولة) مدربة تدريبا جيدا، وقياداتها عملت تحت لواء الجيش العراقي السابق ووحداته الخاصة التي اسسها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، بمعنى آخر، ان كفاءتها القتالية لا تقل عن نظيراتها في الاردن ودول عربية اخرى، ان لم تكن تفوقها، علاوة على نزعتها الايمانية الاسلامية القوية وتسليحها الجيد (حصلت عليه من مخازن الجيش العراقي)، وفوق هذا وذاك يتطلع افرادها للشهادة فأقصر الطرق الى الجنة.
الاردن، وباختصار شديد، يقدم على “مقامرة” محفوفة بالمخاطر، لان قطاعا عريضا من رأيه العام يعارض مثل هذا التدخل، ليس من منطلق التعاطف مع “الدولة الاسلامية” باعتبارها وريثة تنظيم التوحيد والجهاد الذي اسسه ابو مصعب الزرقاوي الجهادي الذي يحظى بشعبية كبيرة في الاردن، وتقاتل باسم “السنة”، وانما ايضا من منطلق الكراهية لامريكا والغرب والشكوك في نواياهما، وكل خطوة يقدمان عليها باعتبارها تخدم في نهاية المطاف اسرائيل وتمزيق الامة العربية، فالكثيرون في الاردن لا ينظرون الى “الدولة الاسلامية” كمنظمة ارهابية، ويعتقدون انه طالما انها مستهدفة امريكيا وغربيا وتشكل خطرا على مصالحها فانها ليست ارهابية.
شيوخ الجهاد في الاردن مثل الشيخ ابو محمد المقدسي لم يستمع الى التحذيرات الرسمية التي جاءت اليه من جهاز المخابرات الاردني في مواجهة مباشرة، بعد استدعائه الى مقره في عمان، بعد التحريض من قبله ضد التحالف الامريكي، على موقعه على “التويتر”، وواصل توصيف هذا التحالف بـ”الصليبي” والدول المشاركة فيه بـ”دول الردة”، الامر الذي خلق مزاجا عاما مغايرا لما تريده الدولة، وقد يفسد عليها مشاركتها في الحرب، وهي حرب ستطول، وسيسقط فيها جنود قتلى من كل الجنسيات المشاركة حتما، والقوات الاردنية لن تكون استثناء، فاذا كان ليون بانيتا وزير الدفاع الامريكي الاسبق يؤكد ان هذه الحرب ضد “الدولة الاسلامية”، وفي كتاب جديد صدر له، ستستمر ثلاثين عاما على الاقل، فهل يستطيع الاردن تحمل تبعات ذلك، ويواصل تقديم التضحيات، وربما الكثير من القتلى والجرحى طوال هذه المدة؟
***
زرت الاردن قبل شهر تقريبا، والتقيت الكثير من القيادات الدينية المؤيدة للجماعات الجهادية، وتنظيمي “الدولة الاسلامية” و”النصرة”، مثلما التقيت بالمعارضين الشرسين لهما، والانطباع الذي خرجت به من هذه اللقاءات ان اعداد الجهاديين الاردنيين في العراق وسورية اكثر من الفي مقاتل على الاقل وهو في تصاعد مستمر، وعلينا ان نتذكر جيدا ان الاردن يحاذي جبهتي القتال الملتهبة حاليا، وقوات الدولة والنصرة معا تقف على بعد بضعة كيلومترات من حدوده، والاهم من ذلك ان قتال القوات الامريكية والمتحالفة معها يأتي على قدم المساواة مع قتال قوات الجيش السوري ان لم يكن اكثر اولوية بالنسبة اليهما، ومن يتابع حسابات قادة الجهاديين على مواقع التواصل الاجتماعي، بأسماء صريحة او مستعارة، يدرك هذه الحقيقة جيدا.
لا نعرف متى سترسل المؤسسة السياسية الاردنية “قواتها الخاصة” الى جبهات القتال، وقد تكون ارسلت فعلا، وتقاتل حاليا في عين العرب او الفلوجة، ولكن ما نعرفه ان هذه الخطوة ستكون محفوفة بالمخاطر لما لها من انعكاسات على الجبهة الداخلية الاردنية وتماسكها مع وضعنا في عين الاعتبار قوة وصلابة وخبرة اجهزة الامن الاردنية، فقوة هذه الاجهزة داخليا شيء، وقدراتها في الخارج، وفي جبهات بعيدة وارض غير صديقة شيء آخر مختلف تماما.
الاردن يلعب بالنار، ولكنها نار مختلفة هذه المرة وتزداد لهيبا وقد تحرق طرف ثوبه، او معظمه، والامريكان كعادتهم دائما يهربون من المنطقة اذا وجدوا ان الخسارة كبيرة او وشيكة، هكذا فعلوا في الصومال والعراق وقريبا في افغانستان، وهكذا سيفعلون في سورية، والمأمول ان تدرك القيادة الاردنية حجم “المقامرة” او “المغامرة” التي يدفعها الامريكي وحليفه العربي اليائس نحوها، وتبادر الى التدقيق جيدا في حساباتها، وتجنب التورط بقدر الامكان على غرار ما حدث في سورية، او بالاحرى في الحدود الدنيا، ونحن في كل الاحوال ضد هذا التورط، وضد هذا التحالف “الاعور” الذي لم يتدخل مطلقا لصالحنا، وصالح ضحايانا الذين تذبحهم الطائرات والقوات الامريكية والاسرائيلية بصفة دورية.

امريكا ارادت حشد “السنة” خلفها” لعزل “الدولة الاسلامية” دون ان تخسر “الشيعة”.. فما هي فرص نجاح هذه الاستراتيجية؟ ولماذا تعلن طالبان باكستان ولاءها للبغدادي؟

بعد شهر تقريبا من بدء الغارات الجوية الامريكية على مواقع “الدولة الاسلامية” داخل الاراضي العراقية واكثر من اسبوعين من بدئها في سورية يبدو واضحا، ومن خلال تقديرات الخبراء، ان حصيلة هذه الضربات تبدو محدودة للغاية، فـ”الدولة الاسلامية” لا تملك مقرات ولا وزارات او مطارات او قواعد عسكرية يمكن تدميرها، وانما اعلام سوداء، وبعض السيارات، وعشرات الآلاف من المقاتلين يمكن ان يختفوا بسهولة وسط المدنيين في المدن التي يسيطرون عليها في الموصل والرقة ودير الزور وغيرها.

الضربات الجوية لم تكن وحدها التي اعطت نتائج عكسية حتى الآن، وانما ايضا الاستراتيجية الامريكية التي تأتي في اطارها، في معظم جوانبها السياسية والعسكرية.

***

فعندما قررت ادارة الرئيس باراك اوباما، وبعد تلكؤ شديد في العودة الى العراق، والتدخل في سورية، وتوسيع نطاق الحرب ضد “الدولة الاسلامية” من خلال اقامة تحالف دولي خمسيني، وضعت على قمة اهدافها حشد التأييد “السني” خلف هذا التحالف، ودون ان تخسر التأييد “الشيعي” لمحاربة هذا التنظيم المتشدد وعزله تمهيدا للقضاء عليه في نهاية المطاف، وهذا ما يفسر ضمها خمس دول عربية سنية الى هذا التحالف بزعامة المملكة العربية السعودية “زعيمة” العالم الاسلامي، ورفضها اي تعاون مع ايران والنظام السوري في الوقت نفسه.

ادارة الرئيس اوباما ذهبت الى ما هو ابعد من ذلك لتجنب اتهامها بأنها تحولت الى “سلاح جو” للطائفة الشيعية العراقية في مواجهة “الدولة الاسلامية” (السنية) باشراك طائرات سعودية واماراتية واردنية جنبا الى جنب مع نظيراتها الامريكية في معظم الطلعات الجوية، وتركت مهمة تدمير مصافي النفط في الرقة ودير الزور الى الطيارين العرب، باعتبارها المهمة الاسهل.

نظريا تبدو خطة الادارة الامريكية محبوكة بعناية فائقة وقابلة للنجاح، ولكنها لا تبدو كذلك بعد التطبيق العملي في الجو والارض معا، وبدأت تعطي نتائج عكسية تماما، وتوحد الكثير من العشائر العراقية والجماعات السورية المقاتلة خلف “الدولة الاسلامية”.

فجبهة “النصرة” العدو التقليدي لـ”الدولة الاسلامية” اعلنت هدنه معها، وقررت الوقوف في خندقها في مواجهة “التحالف الصليبي” وضد “انظمة الردة” العربية التي انخرطت فيه، حسب ما تقول بياناتها وقيادييها في حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي مثل “الفيسبوك” و”التويتر”.

والاكثر من ذلك ان “الجبهة الاسلامية” التي تضم سته فصائل رئيسية تقاتل النظام السوري هي لواء التوحيد، احرار الشام، جيش الاسلام، لواء صقور الشام، لواء الحق، انصار الشام، والجبهة الكردية الاسلامية، استجابت لمبادرة “الهدنة” التي اطلقها مجموعة من العلماء من بينهم الشيخ ابو محمد المقدسي وقررت التوقف عن قتال “الدولة الاسلامية” في اطار اتفاق مصالحة يتبعه التصدي لصد “عدوان التحالف”.

ويظل الدعم المعنوي الاكبر الذي حصلت عليه “الدولة الاسلامية” هو الذي جاؤها بالامس من حركة “طالبان باكستان” التي اعلنت على لسان زعيمها شهيد الله شهيد ولاءها لها (اي الدولة الاسلامية) وامرت انصارها في انحاء المنطقة بمساعدة التنظيم في حملته لاقامة خلافة اسلامية، وعدد انصار طالبان باكستان (تنتمي الى قبيلة البشتون اكبر قبائل افغانستان وباكستان) يزيد عن اربعة ملايين عنصر معظمهم من المتشددين الاسلاميين الذين يتبنون الفكر الجهادي.

وكان تنظيم “جند الخليفة” وهي “مجموعة جهادية” جزائرية اعلنت البيعة لقائد “الدولة الاسلامية” واعدمت رهينة فرنسي كانت خطفته تجاوبا مع نداءاتها بقتل “الصليبيين” وكرد على تدخل فرنسا عسكريا ضد “الدولة الاسلامية” وارسال طائراتها لقصف مواقعه.

ابناء الطائفة السنية في سورية والعراق مثلما قالت مجلة “الايكونوميست” البريطانية العريقة يتشككون في النوايا والمخططات الامريكية، ويتساءل سوريون وهم يرون طائرات التحالف تقصف مواقع “الدولة الاسلامية” “ان امريكا بدلا من ان تضرب الاسد تضرب اعداءه”، ويقول آخرون “انها حرب ضد الاسلام”، بينما يهز بعضهم اكتافه مستنكرا ويقول “انهم مثل الاسد يقتلون المدنيين”.

***

التحالف الامريكي الجديد يملك التكنولوجيا العسكرية الاحدث في العالم، وليس هناك ادنى شك في ذلك، ولكن هل تستطيع هذه التكنولوجيا هزيمة جيش يريد جنوده ان يموتوا شهداء؟

عدد الدول المنضمة الى صفوف التحالف الامريكي الجديد في تزايد يوما بعد يوم، وكذلك الغارات الجوية التي اصبحت روتينية لا تحتل اي مكان في صفحات الاخبار المزدحمة، ولم تعد تلفت الانظار مثلها مثل عدّاد القتلى من السوريين للأسف، ولكن اعداد المنضمين الى “الدولة الاسلامية” يزداد وبوتيرة اكبر في الوقت نفسه.

السؤال لمن ستكون الغلبة في النهاية للتكنولوجيا الحديثة جدا، ام لمن يتطلعون الى الشهادة حسب ادبياتهم وقناعاتهم؟ نترك الاجابة لكم وللايام او السنوات المقبلة.

استيلاء “الدولة الاسلامية” على “عين العرب” سيورط تركيا في حرب شرسة وطويلة في سورية والعراق.. فهل خطط البغدادي لهذه “المصيدة”؟ وكيف سيكون “الشرق الاوسط” الجديد؟ وهل سيخرج اردوغان فائزا؟

نجاح قوات “الدولة الاسلامية” في اقتحام مدينة “عين العرب” والسيطرة على مواقع استراتيجية فيها، بعد حصار استمر اكثر من اسبوعين، ووسط مقاومة شرسة من المقاتلين الاكراد المدافعين عنها، يشكل نقطة تحول استراتيجية في الصراع الدائر حاليا في المنطقة، ومستقبل خطط التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة (50 دولة) لتصفية هذه “الدولة” والقضاء على قواتها باعتباره هدفا يحتل قمة اولوياته.

اللافت ان هذا “النجاح” المفاجيء جاء رغم القصف الجوي المكثف من قبل الطائرات الامريكية الحديثة لمواقع “الدولة” واستحكاماتها حول المدينة من الجهات الاربع طوال الاسابيع الثلاثة الماضية، الامر الذي يؤكد ان القصف الجوي وحده لن يحقق اهدافه، مما يحتم التدخل العسكري الارضي في اسرع وقت ممكن.

وربما لم يكن من قبيل الصدفة ان يتزامن سقوط المدينة (عين العرب)، ومواقع استراتيجية داخلها وحولها، مع تبني البرلمان التركي بالاغلبية (298 صوتا مقابل رفض 98) طلب التفويض الذي تقدم به السيد احمد داوود اوغلو رئيس الحكومة لاعطاء الضوء الاخضر للقوات المسلحة التركية بالتدخل عسكريا في اطار التحالف الامريكي، برا وجوا، في العراق وسورية، للقضاء على تنظيم “الدولة الاسلامية” قضاء مبرما، والسماح لقوات وطائرات اجنبية (امريكية) باستخدام القواعد العسكرية الموجودة على الاراضي التركية (قاعدة انجرليك الجوية).

***

هذا التفويض البرلماني يضع الرئيس رجب طيب اردوغان في وضع داخلي وخارجي صعب للغاية، لان اي خطأ في الحسابات قد يؤدي الى نسف كل انجازاته السياسية والاقتصادية التي جعلت حزبه العدالة والتنمية يفوز في جميع الانتخابات البرلمانية والرئاسية والبلدية على مدى السنوات الاثني عشر الماضية.

فاكبر حزب معارض في البرلمان التركي (الحزب الشعب الجمهوري) صوت ضد هذا التفويض، الامر الذي دفع السيد اوغلو الى اتهامه بتأييد “الدولة الاسلامية” (داعش)، مما يعني انه يريد ان ينأى بنفسه عن هذه الخطوة بالغة الخطورة، وتجنب تبعاتها.

استيلاء قوات “الدولة الاسلامية” على مدينة عين العرب يعني سيطرتها على شريط محاذ لتركيا يمتد من اقصى شرق الحدود السورية الى اقصى نقطة في غربها، ولن تفقد هذه السيطرة الا من خلال حرب برية يشارك فيها عشرات الآلاف من الجنود.

ولا نستبعد ان يكون هدف “الدولة الاسلامية” من اقتحام هذه المدينة والاستيلاء عليها في ذروة القصف الجوي الامريكي هو استدراج وتوسيع الحرب البرية ضدها ومواقعها لخلط الاوراق، والحاق خسائر كبيرة في القوات التركية التي من الواضح انها ستقوم بالدور الاكبر في هذه الحرب، واحراج الرئيس اردوغان وحكومته امام مواطنيه الاتراك خاصة، اذا تصاعدت اعداد القتلى، وامتدت العمليات الارهابية الى العمق التركي، وطالت صناعة السياحة التي تشكل مصدرا اساسيا للدخل (35 مليار دولار سنويا)، الى جانب تداعيات اخرى مثل تصدع الجبهة الداخلية وتصاعد تكاليف الحرب ماديا وبشريا.

الرئيس اردوغان كان ذكيا عندما اجل اي تدخل في الحرب ريثما جرى الافراج عن جميع الدبلوماسيين الرهائن لدى “الدولة الاسلامية” كانوا في قنصلية بلاده في الموصل (49 دبلوماسيا)، ولكن الدخول في الحرب ربما يعرض ارواح مئات او حتى آلاف من الجنود الاتراك للخطر، ويدفع بـ”الدولة الاسلامية” الى تدمير ضريح سليمان باشا اب السلاطين العثمانين، حيث يحاصره المئات من قواتها في الوقت الراهن استعدادا لتدميره فور اقرار البرلمان التركي بالتدخل عسكريا للقضاء عليها.

ارسال طائرات تركية لضرب اهداف خارج الحدود التركية ليس جديدا، فقد طاردت هذه الطائرات مقاتلي حزب العمال الكردستاني داخل الاراضي الشمالية العراقية قبل احتلال العراق وفي اطار معاهدة مع حكومة بغداد، كما ارسلت قوات للسيطرة على الجزء التركي من قبرص في مطلع السبعينات، ولكنها المرة الاولى التي ترسل فيها قوات الى الارضي السورية والعراقية معا في حرب مفتوحة على جميع الاحتمالات ومرشحة للتوسع والامتداد لعدة سنوات.

لا نعرف تفاصيل خطة التدخل التركية في اطار التحالف الامريكي “الخمسيني”، وكيفية هذه المشاركة، فقرار البرلمان صدر في ساعة متأخرة الخميس، لكن ما يمكن ان نتكهن به ان السيد اردوغان قرر ان يضع كل ثقله العسكري والسياسي خلف هذا التحالف، ويجعل من بلاده “باكستان” اخرى بالمقارنة مع دور الاخيرة في الحرب الامريكية لاخراج القوات السوفيتية من افغانستان اولا، ثم اسقاط حكم حركة طالبان في كابول بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ثانيا.

“الدولة الاسلامية” ليست حركة “الطالبان” كما انها لا تشبه تنظيم “القاعدة” والظروف العسكرية والسياسية المحيطة بالتنظيمين، فهي تسيطر على اراضي اكبر من مساحة بريطانيا العظمى، وتملك اسلحة حديثة متطورة، ووفر لها التحالف الدولي غطاء “شرعيا اسلاميا”، حسب ادبياتها، قد يمكنها من تجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين العراقيين والسوريين والاسلاميين من مختلف انحاء العالم للقتال في صفوفها.

***

الرئيس اوباما اعترف بأنه اخطأ في تقدير قوة “الدولة الاسلامية” وخطرها، وربما يكون مصيبا هذه المرة، لان عدد قوات هذه الدولة التي هزمت جيشا عراقيا تكلف بناؤه وتسليحه 25 مليار دولار، واستولت على نصف العراق وثلث سورية يزيد عن مئة الف مقاتل ومسلح تسليحا “مجانيا” جيدا من غنائم الجيش العراقي الامريكية، وحتى تتم هزيمته يحتاج الامر الى اكثر من مئة الف جندي على الارض، حسب تقديرات السير الجنرال ديفيد ريتشارد قائد الجيش البريطاني السابق.

نستطيع ان نقول الآن، وبعد قرار البرلمان التركي، واقتحام مدينة “عين العرب” ان حربا حقيقية ستبدأ، وتحالفات جديدة ستنشأ، وشرق اوسط جديد مختلف سيولد، ولا احد يستطيع ان يتنبأ بالشكل الذي سيكون عليه وطبيعة المعادلات السياسية والعسكرية التي ستحكمه.

تركيا اردوغان وضعت كل بيضها في سلة اوباما وحلفه، ولم تفعل ذلك الا بعد اتفاقها معه على كل التفاصيل، ومن ابرزها سورية بدون الرئيس بشار الاسد، بعد ان تحول خلاف الرئيس اردوغان معه الى ثأر شخصي مهما كلف الامر، فهل تحصل على ما تريد آجلا ام عاجلا، وما هو موقف ايران وروسيا والصين؟ وهل ستستمر في موقف المتفرج؟

الايام المقبلة ستحمل لنا الاجابات وليس امامنا غير الانتظار (وتعداد الضحابا) الذي لا نملك غيره ومعنا معظم شعوب المنطقة التي ستدفع الثمن في نهاية المطاف ايا كان المنتصر او المهزوم.

اردوغان يقدم على المغامرة الاخطر في تاريخه وتركيا بالانضمام الى “التحالف الامريكي” للقضاء على “الدولة الاسلامية”.. فهل يكون رأس الاسد هو الثمن. وماذا لو اخطأ في الحساب وما هي الانعكاسات على جبهته الداخلية؟

 

يقف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان امام واحد من اخطر التحديات التي تواجهها بلاده في تاريخها الحديث، بتقدم حكومته (الثلاثاء) مشروع قرار للبرلمان يجيز استخدام القوة، بشقيها البري والجوي، في سورية وانضمامها الى التحالف الامريكي الذي شكله الرئيس باراك اوباما لاضعاف تنظيم “الدولة الاسلامية” تمهيدا لتصفيته نهائيا.

الرئيس اردوغان اعلن الاحد ان بلاده لا يمكنها البقاء خارج التحالف الدولي الذي يحارب تنظيم “الدولة الاسلامية” في سورية والعراق، الامر الذي ينهي حالة الحذر والتردد التي تمسك بها طوال الاشهر الماضية.

البرلمان التركي الذي سيعقد جلسته الحاسمة يوم الخميس سيقر حتما طلب الحكومة، وسيعطي الرئيس اردوغان الضوء الاخضر للانضمام الى التحالف وبدء التدخل عسكريا في سورية والعراق فورا، فحزب العدالة والتنمية الحاكم يملك الاغلبية فيه، وهو بالتالي لا يمكن ان يرفض طلب زعيمه.

هناك سؤالان يطرحان نفسيهما بقوة: الاول حول كيفية تسارع تطورات الموقف التركي من الحذر المطلق الى المشاركة الكاملة، والثاني حول الثمن الذي سيحصل عليه الرئيس اردوغان مقابل هذه المشاركة؟

***

الصحافيون الاتراك الذين رافقوا الرئيس اردوغان على طائرته وهو في طريق عودته من نيويورك التي قضى فيها خمسة ايام لحضور اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة الى انقرة عاصمة بلاده، كشفوا في تقاريرهم انه تلقى مكالمة هاتفية بالغة الاهمية من الرئيس اوباما تلاها اجتماع مغلق مع جو بايدن نائب الرئيس الامريكي، ومن المعتقد انه اتفق على الخطوط العريضة مع الرئيس الامريكي حول التدخل في سورية والعراق وبحث التفاصيل مع نائبه بايدن.

التفاصيل التي تسربت الى الصحافيين وتعكس الخطة التركية يمكن اختصارها في ثلاث نقاط رئيسية:

*الاولى: اقامة منطقة حظر جوي في الجانب السوري بالتعاون مع طيران التحالف على غرار مناطق الحظر التي اقيمت في جنوب العراق وشماله، ويمنع على اي طيران حربي سوري للاقتراب منها او اختراقها.

*الثانية: التدخل العسكري التركي البري والجوي لقصف، ومن ثم الاستيلاء، على الاراضي التي يسيطر عليها تنظيم “الدولة الاسلامية” في الرقة ودير الزور والحزام الارضي الكردي الممتد على الحدود التركية السورية من آقصى الشرق الى اقصى الغرب السوري.

*الثالثة: تسوية دائمة للصراع في سورية، تقوم على اساس اقامة حكومة جديدة على انقاض النظام الحالي، وتقوية المعارضة السورية بعد اعادة غربلتها، وتدريب وحدات عسكرية جديدة في تركيا والسعودية والاردن يتم اختيارها بعناية فائقة بالمعايير نفسها التي اختيرت فيها قوات الامن الفلسطينية في رام الله تحت اشراف الجنرال الامريكي دايتون (فحص دقيق من اربع مخابرات: الاسرائيلية والامريكية والاردنية والفلسطينية) وتكون هذه الوحدات هي نواة الجيش السوري الجديد (السعودية ستدرب 5000 جندي) وصلت الدفعة الاولى منهم الى احد قواعدها العسكرية.

الرئيس اردوغان اكد ان جميع طلباته حظيت بالموافقة من قبل الادارة الامريكية، ونستطيع ان نستشف من ذلك ان ابرز هذه المطالب اطاحة النظام السوري “كمكافأة” لتدخله البري والجوي في سورية والعراق في اطار التحالف الامريكي، مما قد يعني ان حذره وتردده في الانضمام اليه كان من قبيل رفع السعر والحصول على اكبر صفقة ممكنة، خاصة بعد ان نجح في اطلاق سراح جميع دبلوماسييه المحتجزيين لدى “الدولة الاسلامية” (49 دبلوماسيا كانوا في القنصلية التركية في الموصل ساعة الاستيلاء عليها)، بايهام زعيمها السيد ابو بكر البغدادي ورجاله بأنه لن ينضم الى التحالف الامريكي.

لا نعرف كيف سيكون رد النظام السوري على هذه الخطوة التركية، وما اذا كان يعتبرها لا تشكل اي خطر عليه مثلما تعاطى مع الغارات الامريكية التي انتهكت السيادة السورية وقصفت مواقع “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة” و”احرار الشام”، ام انه سيعتبرها تهديدا له، فاذا قبلنا بأن الادارة الامريكية ابلغته مسبقا بهذه الضربات الجوية ونسقت معه، فانه من الصعب علينا، وربما الكثير مثلنا، توقع اي تنسيق مسبق بين السلطات السورية وحكومة الرئيس اردوغان في اقامة منطقة حظر جوي ومنطقة عازلة داخل الاراضي السورية، الا اذا حدثت معجزة خلف الكواليس لا نعرف كنهها، واذا كانت السلطات في دمشق تعتبرها، اي خطة التدخل التركية معادية لها وخطرا عليها فكيف سيكون ردها، ورد الحليف الروسي؟

ولعل موقف “الدولة الاسلامية” واخواتها في “النصرة” و”احرار الشام” من هذه المشاركة التركية مع قوات “التحالف الصليبي”، حسب ادبيات هذا المثلث وتوصيفاته، ربما يكون مختلفا واقل دبلوماسية و”غمغمة” من موقف النظام السوري، فتنظيم “الدولة الاسلامية” قد يشعر بالخديعة من قبل السلطات التركية، عندما صدق انها لن تنضم للتحالف الذي يريد تصفيتها وافرج عن رهائنها بالتالي، وربما يلجأ الى الانتقام بطريقة او باخرى، خاصة انه هدد بضرب الموسم السياحي التركي الذي يعود على الخزينة بأكثر من 30 مليار دولار سنويا، وكذلك رفع الحصانة عن قبر السلطان سليمان شاه الاب العثماني المؤسس، وربما تفجيره اسوة بالمقامات والاضرحة الاخرى، اذا انضمت تركيا الى التحالف.

***

لا بد ان الرئيس اردوغان، وهو الذي يوصف بقمة الدهاء، قد حسب حسابا دقيقا لكل هذه الاحتمالات مجتمعة او متفرقة، لانه يتصرف اليوم بطريقة مختلفة، بل متناقضة، من وقفته على الحياد اثناء العدوان الامريكي على العراق عام 2003، ورفض ان ينضم الى التحالف الامريكي واوعز الى البرلمان بالتصويت ضد هذا الانضمام او السماح باستخدام الطائرات الامريكية لقاعدة “اجيرليك” الجوية، لتوفير الغطاء الديمقراطي الشرعي له.

الرئيس اردوغان تردد في الانضمام الى غارات “الناتو” ضد ليبيا عام 2011 لاسقاط نظام العقيد معمر القذافي الذي اعطاه عقودا بما يقرب من الثلاثين مليار دولار لاعادة تعمير البنى التحتية لليبيا بعد سنوات من الحصار، ولكنه اضطر للتراجع، والمشاركة بالتالي، بعد ان اعاد الامريكان تذكيره بأن المادة 51 من ميثاق حلف “الناتو” الذي هو عضو فيه تفرض عليه ذلك، وتعهدوا له بحفظ مصالح تركيا كاملة في العهد الليبي الجديد الذي سيكون مستقرا مزدهرا، ولكن هذا لم يحدث، وربما لن يحدث قريبا، في ظل الغياب الكامل للدولة الليبية الذي قد يستغرق سنوات وربما عقودا.

ليبيا تظل بعيدة عن تركيا، وان اي خطأ في الحسابات يظل محتملا، فبين البلدين آلاف الكيلومترات من مياه البحر المتوسط، ولكن الحال مختلف تماما في سورية والعراق، فهناك آلاف الكيلومترات من الحدود المشتركة بين البلدين وتركيا، والامريكان يمكن ان يهربوا من المنطقة بطائراتهم ومستشاريهم وبعض المتواطئين معهم، مثلما فعلوا في العراق والصومال وليبيا وقريبا جدا في افغانستان، لكن اين سيهرب اردوغان اذا لم تسر رياح التدخل بما تشتهي سفنه؟

استبعاد تجاوب اوباما مع عرض الاسد للتعاون ضد “الدولة الاسلامية”.. ولكن ما هي اسباب هذا التحول في الموقف السوري من “الصقورية” الى “الليونة” والتهدئة؟

 

الجميع يعيش “محنة” اسمها “الدولة الاسلامية” في منطقة الشرق الاوسط، ولكن الامور تبدو نسبية، فهناك من يعتقد انه اكثر تحصينا ازاء الاخطار التي تشكلها، ولكن البعض الآخر الذي يرى انه على رأس قائمة المستهدفين، ولذلك يستعجل التدخل العسكري الامريكي ويصلي من اجله ليل نهار.

الآراء تختلف وتتقاطع، فهناك من يعتقد ان المملكة العربية السعودية والاردن الاكثر قلقا وخوفا، لاسباب عديدة ابرزها تطلع الخليفة ابو بكر البغدادي الى استعادة الاماكن المقدسة في الحجاز، ووجود تأييد قوي لدولته وايديولوجيتها في اوساط الشباب السعودي، وهناك من يرى ان رادار “الدولة الاسلامية” مسلط على الاردن لانها الحلقة الاضعف، ولان قطاعا من شعبها يرفض انضمامها الى التحالف الامريكي، وقطاع آخر منه يتعاطف مع السيد البغدادي يأسا واحباطا من الفقر والفساد وتغول الجار الاسرائيلي.

لا نختلف مع وجهات النظر السابقة واصحابها، ولكننا نعتقد ان ايران وسورية ربما يكونان الاكثر قلقا ورعبا من استراتيجية التدخل العسكري الامريكية في المنطقة، لانها قد تتضمن مشروعا لضربهما في نهاية المطاف، فهما يحتلان المرتبة الثانية على سلم الاولويات الامريكية وحلفائها العرب في المنطقة.

***

ارسال السيد محمد جهاد اللحام رئيس مجلس الشعب السوري (البرلمان) يوم الاثنين رسائل الى رئيس مجلس النواب والشيوخ الامريكي يدعوهم فيها للتعاون مع سورية من اجل انقاذ ارواح السوريين والامريكيين على حد سواء من احتمال هجوم ارهابي بالقنبلة القذرة من قبل تنظيم “الدولة الاسلامية” او “جبهة النصرة”، هذا الارسال هو مؤشر على تزايد منسوب القلق والخوف لدى السلطات السورية، وانقلاب في توجهات دبلوماسيتها.

فقبل ايام معدودة كانت الدكتورة بثينة شعبان مستشارة الرئيس السوري تستخدم لهجة تهديدية قوية ضد الولايات المتحدة في حال اقدمت طائراتها الحربية على اختراق الاجواء السورية وضرب مواقع للدولة الاسلامية دون التنسيق مع حكومتها، كما لوح السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري الى احتمال تصدي سورية للطائرات الامريكية هذه والعمل على اسقاطها، اذا كانت غاراتها احادية الجانب ولا تحترم السيادة السورية.

فما هي دوافع هذا التغيير في الموقف السوري من “الصقورية” الى “الاعتدال” فجأة وتكرار عرض التعاون مع واشنطن، لكن من نافذة الكونغرس هذه المرة بعد اغلاق ابواب الادارة كليا من قبل الرئيس باراك اوباما ووزير خارجيته اللذين اكدا بحسم رفضهما لاي تنسيق مع النظام السوري في حال تقرر نقل الهجمات الجوية الامريكية الى داخل الاراضي السورية.

لا نستبعد ان تكون السلطات السورية اطلعت، او قدرت، ان الاستراتيجية العسكرية الامريكية التي يعكف الرئيس اوباما حاليا على وضعها بعد اكتمال استشاراته للمسؤولين العسكريين الامريكيين تتضمن في بعض فصولها توجيه ضربات داخل الاراضي السورية لتجمعات قوات “الدولة الاسلامية” ومؤسساتها، وتقديم اسلحة متقدمة للمعارضة السورية المسلحة “المعتدلة” من بينها صواريخ “اي باد” المضادة للطائرات التي يمكن ان تشّل قدرات السلاح الجوي السوري، وذلك لاغرائها على التحول الى “قوات صحوات” تتولى مهمة قتال “الدولة الاسلامية” على الارض، والتقدم للاستيلاء على المناطق التي تنسحب منها قواتها (الدولة الاسلامية) بسبب كثافة الغارات الجوية، مثلما فعلت كل من قوات الجيش العراقي والبشمرغة الكردية وقوات بدر وعصائب اهل الحق في العراق في الايام الاخيرة بعد انسحاب قوات الدولة من مدينة ارملي بعد قصف جوي مكثف من الطائرات الامريكية.

من المستبعد ان تقبل الادارة الامريكية العروض السورية بالتعاون من اجل مواجهة “الدولة الاسلامية” والقضاء على خطرها، لاسباب عديدة ابرزها “الفيتو” السعودي، وثانيها حسم ادارة اوباما لامرها، والتخلي عن ترددها، وتحدي المحور الروسي الصيني الايراني على ارض الشرق اوسطية انتقاما لهزيمتها في اوكرانيا.

العلاقات السعودية الامريكية عادت الى طبيعتها الاستراتيجية السابقة بشكل تدريجي، و”الحرد” السعودي الذي ظهر في اوضح صوره في مثل هذا الوقت من العام الماضي، عندما رفض الامير سعود الفيصل القاء كلمة بلاده في اجتماع الجمعية العامة للامم المتحدة، وتبع هذا الرفض بآخر اكثر قوة عندما رفض عرضا باحتلال مقعد مؤقت في مجلس الامن (احتله الاردن)، هذا “الحرد” انطوى بعد تراجع النوايا الامريكية الغربية في توثيق التحالف مع ايران وضمها الى الحلف الجديد ضد دولة البغدادي.

يبدو ان التكتيك الامريكي في التلويح بورقة التحالف مع ايران وسورية “ارعب” السلطات السعودية، ودفعها الى “تليين” مواقفها الغاضبة من الولايات المتحدة بسبب سياساتها الداعمة للاخوان المسلمين، والباردة تجاه نظام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والتجاوب كليا مع المطالب الامريكية والدخول في التحالف الجديد، مقابل تخلي امريكا عن تقاربها مع ايران وسورية، واتضح هذا “التليين” في دعمها للتحالف الامريكي والجلوس في مقعد قيادته واستخدام نفوذها مع العشائر السنية العراقية لدعمه.

في بداية “الهلع″ الامريكي من تنظيم “الدولة الاسلامية” سمعنا اصواتا تطالب بالتعاون مع النظام السوري على قاعدة “ان عدو عدوي صديقي” وذهب احد كبار المسؤولين البريطانيين مثل مالكوم ريفكند وزير الدفاع والخارجية البريطاني الاسبق الى التذكير بأن ونستون تشرشل تحالف مع عدوه ستالين ضد هتلر لتبرير التقارب والتنسيق مع الرئيس الاسد، ولكن يبدو ان ادارة اوباما الآن قلبت المعادلة واصبحت تؤمن بأن “عدو عدوي عدوي”، في العلن على الاقل.

فعندما لا يستبعد مارتين ديمبسي ارسال قوات امريكية الى العراق اذا دعت الحاجة، وعندما يؤكد تشاك هيغل وزير الدفاع ان الضربات الجوية ستستهدف ايضا معاقل تنظيم “الدولة الاسلامية” في سورية، ويطالب بالشيء نفسه حيدر العبادي رئيس وزراء العراق الجديد، ورجل المرحلة الحالية، فمن حق سورية ان تقلق، وان تصل الى قناعة مفادها ان امريكا ماضية قدما في خططها لاطاحة النظام الحالي كمكافأة للسعودية وقطر والاردن على وقوفها في خندقها ضد هذا الخطر الذي يعتبره الوزير هيغل خطرا يهدد العالم بأسره، وكأن تنظيم “الدولة الاسلامية” يملك صواريخ باليستية عابرة للقارات وترسانة ضخمة من الرؤوس النووية والكيمائية!

***

القوات الامريكية عائدة الى العراق، وربما خطواتها الاولى محاولة استعادة الموصل، كما قال الجنرال ديمبسي، ففي ظل رفض تركيا المشاركة الارضية، ونأي السعودية بنفسها عن اي اقتراح بارسال وحدات من جيشها الى بيئة معادية في العراق، واستعداد الاردن بارسال “قوات خاصة” فقط، وتأكيد وزير خارجية مصر ان الجيش المصري لا يقاتل الا لحماية شعبه وحدود بلاده، لم يبق الا ارسال قوات “المارينز″ الامريكية تحت غطاء تدريب القوات العراقية والكردية.

انها مصيدة كبرى لا نعرف من سيكون ضحاياها في نهاية المطاف، هل هم الامريكيون، ام الايرانيون ام السوريون ام السعوديون، وهل ستتطور الامور الى حرب عالمية ثالثة؟

علمتنا التجارب السابقة انه من المؤكد ان العرب واموالهم وارضهم هم الضحية الاكبر، وان امريكا ستنقلب عليهم مثلما فعلت في السابق عندما تحقق اهدافها وتستعيد وجودها في المنطقة مجددا، فمن الذي خسر من اطاحتها بالرئيس العراقي صدام حسين، ومن الضحية لتدخلها في ليبيا وسورية واليمن؟

العرب تعودوا على الدخول في التحالفات الخطأ، والاتفاقات الخطأ، وتصديق الوعود الخطأ.. فهل ستكون تحالفاتهم الجديدة، والوعود والاتفاقات الامريكية مختلفة هذه المرة؟

السيد علي خامنئي المرشد الاعلى للثورة الايرانية قال قبل اسبوع ان بلاده رفضت الدخول في الحلف الامريكي، وتوعد بأن الرئيس اوباما سيندم كثيرا على تدخله العسكري في المنطقة مرة اخرى، ونجزم بأن العرب سيندمون ايضا، مثلما ندموا بعد كل مغامرة عسكرية امريكية سابقة، ونرجوا ان نكون مخطئين.

تحالف اوباما “الاقليمي” لتصفية “الدولة الاسلامية” يواجه صعوبات: تركيا مترددة.. والاردن قلق.. والسعودية مشغولة بالحوثيين.. والشيخ “المقدسي” اكد لي انه سيقف في خندق البغدادي

عبد الباري عطوان

يلقي الرئيس الامريكي باراك اوباما (الاربعاء) خطابا يحدد فيه استراتيجيته المتعلقة باعلان الحرب على “الدولة الاسلامية” بهدف القضاء على خطرها الذي يهدد المصالح الامريكية وحلفاءها في المنطقة، وسيتزامن هذا الخطاب مع جولة يقوم بها كل من وزير خارجيته جون كيري ووزير دفاعه تشاك هيغل في عواصم عديدة في الشرق الاوسط، من بينها الرياض وعمان وانقرة علاوة على بغداد.
تفاصيل هذه الاستراتيجية الامريكية ما زالت غير معروفة، ولكن هناك تسريبات اشارت الى انها ستركز على عدة عناوين ابرزها تجفيف مصادر تمويل “الدولة الاسلامية”، ووقف تدفق المقاتلين الاجانب للانضمام الى صفوفها، وتكثيف التحرك العسكري لتدمير قواعدها وتجمعاتها العسكرية على الاراضي التي تسيطر عليها في العراق وسورية.
الرئيس اوباما قال في خطاب سابق “انه سيقضي على “الدولة الاسلامية” مثلما قضى على تنظيم “القاعدة”، ولكن كلامه هذا يبدو من نوع خداع النفس الى جانب خداع الآخرين، فهو لم يقض على تنظيم “القاعدة” رغم انفاق اكثر من تريليون دولار من اموال دافعي الضرائب الامريكيين تحت عنوان “الحرب على الارهاب” فعندما بدأت هذه الحرب كان هناك مقرا واحدا للتنظيم في افغانستان، والآن له اكثر من عشرة مقرات في منطقة الشرق الاوسط والعالم، جرى الاعلان عن فتح آخرها في الهند.
اما بالنسبة الى تجفيف المنابع المالية لتنظيم “الدولة الاسلامية” فان هذا الهدف لن يتحقق في زمن ولاية الرئيس اوباما (بقي له عامان في السلطة) لسبب بسيط وهو ان “الدولة الاسلامية” مكتفية ذاتيا من الناحية المالية، وهناك من يقدر ثروتها بحوالي سبعة مليارات دولار، ويدخل الى ميزانيتها اكثر من مليوني دولار يوميا من بيع النفط الخام او المكرر، وهذه الاموال يمكن ان تكفيها لخمسة اعوام قادمة ان لم يكن اكثر، فهي لا تملك سفارات ضخمة في الخارج، ولا وزراء فاسدون، ولا يحكمها رئيس او ملك يهدر اموالها في اعمال البذخ والترف والطائرات الخاصة مثل اقرانه العرب الآخرين.

***
لا اقول هذا الكلام مدحا او تمجيدا وانما استنادا الى معلومات مؤكدة حصلت عليها من مصادر عديدة مقربة من “الدولة الاسلامية”، التقيت بها اثناء زيارتي الاخيرة للعاصمة الاردنية بهدف بحث هذه الظاهرة التي يتوحد العالم بأسره ضدها لخطورتها ووحشيتها ودمويتها، ودراسة نشأتها ومعرفة اسباب صعودها الاسطوري على سلم الاهتمام الدولي والاقليمي، ومدى قدرتها على التمدد والاستمرار.
الرئيس اوباما سيجد صعوبة كبيرة في تشكيل التحالف الذي يريد تأسيسه، بشقيه الدولي والاقليمي، لان التمنيات شيء والتطبيق العملي شيء آخر، فالدول التي سيلتقي قادتها المبعوثين الامريكيين “ترتعد” من مجرد الطلب منها ارسال قوات ارضية الى ميادين القتال، فقد تعودت ان يحارب الامريكان والآخرون نيابة عنها مثل دول الخليج، او هناك مخاطر يمكن ان تترتب على مشاركتها مثلما هو حال تركيا التي تخشى على امنها الداخلي، ومدخولها السياحي (30 مليار دولار)، واتفاقها السلمي مع مواطنيها الاكراد، ووحدتها الوطنية الديمغرافية والجغرافية معا، علاوة على امن وحياة مواطنيها الاسرى لدى “الدولة الاسلامية” (46 دبلوماسي كانوا في قنصليتها في الموصل ساعة الاستيلاء على المدينة).
فالمملكة العربية السعودية تواجه ازمات داخلية طاحنة، ومسكونة بتمدد الخطر الحوثي في اليمن، وتدرك جيدا ان الدولة تملك انصارا ومتعاطفين بل ومريدين في اوساط شبابها، وتنوء بحمل “مصر السيسي” الاقتصادي، ولم يحدث مطلقا انها ارسلت قوات سعودية الى خارج اراضيها منذ حرب اليمن.. اما الاردن فالمعارضة لارسال قواته الى العراق تتصاعد على المستويين البرلماني والشعبي، وحالة الاحتقان التي بدأت مع حرب غزة، وكبرت بعد اتفاق استيراد الغاز من اسرائيل، واتساع الفجوة بين الفقراء والاغنياء، تبحث عن مفجر.
في لقاءاتي في عمان سمعت كلاما على درجة كبيرة من الاهمية، فالمتعاطفون مع “الدولة الاسلامية” قالوا لي ان التدخل العسكري الامريكي ربما يؤجج الحرب الطائفية في العراق، ويوحد ابناء الطائفة السنية خلف “الدولة”، وقالوا ايضا انه سيوصف بأنه تدخل لصالح ابناء الطائفة الشيعية، وضربوا مثلا بأن استعادة مدينة “آمرلي” العراقية المختلطة من ايدي قوات “الدولة” بعد قصف امريكي مكثف جاء على يد تحالف يضم قوات الجيش العراقي الى جانب اربع ميليشيات “شيعية” مثل عصائب اهل الحق، فيلق بدر، كتائب السلام (المهدي سابقا) بالاضافة الى قوات البشمركة الكردية.
الشيخ ابو محمد المقدسي الذي يوصف بأنه منظر السلفية الجهادية، ومعلم ابو مصعب الزرقاوي، والمرجعية الفقهية والشرعية الرئيسية لجبهة “النصرة” الى جانب الشيخ “ابو قتادة”، قال لي عندما التقيته في بيته المتواضع في احد الاحياء الفقيرة في مدينة الزرقاء، انه اذا كان خياره بين دعم التدخل العسكري الامريكي وبين “الدولة الاسلامية” فانه سيختار الاخيرة وسيفعل الشيء نفسه الكثير من الشيوخ والدعاة، واكد انه اصدر رسالة في هذا الخصوص وعممها على مريديه على شبكات التواصل الاجتماعي.
والشيخ المقدسي دخل في معركة فقهية شرسة ضد “الدولة الاسلامية” واعلان السيد ابو بكر البغدادي الخلافة، وتعرض لحرب شرسة من انصار الدولة واقل تهمة جرى توجيهها اليه، الكفر والردة، والخروج عن الجماعة.
لا شك ان الولايات المتحدة تملك قوة ضاربة، باعتبارها القوة الاعظم في التاريخ، وتستطيع ان تلحق خسائر كبيرة بـ”الدولة الاسلامية”، تماما مثلما فعلت بامارة الطالبان في افغانستان، واحتلال العراق لاحقا، وتغيير النظام في ليبيا، لكن السؤال الاساسي هو عن عمر هذا التدخل وامده والنتائج التي يمكن ان تترتب عليه.
شخصيا في حواراتي مع بعض المشايخ الذين يتعاطفون مع “الدولة الاسلامية” شعرت انهم لا يعيرون اي اهتمام او خوف من التدخل العسكري الامريكي، ويتحدثون بثقة عن سعادتهم بتورط امريكا مرة اخرى في المنطقة، وقال لي احد الذين قاتلوا تحت لواء ابو مصعب الزرقاوي انه “سيرقص طربا” اذا وصلت قوات التحالف الامريكي بشقيها الدولي والاقليمي الى العراق وسورية، وعندما حاولت ان اعرف مصدر هذه الثقة “ابتسم” ورفض الافصاح.

***
علينا ان نتذكرا امرا واحدا وهو ان تركيا فعلت كل شيء لاسقاط نظام الرئيس بشار الاسد، ابتداء من تسهيل مرور الاموال والجهاديين عبر اراضيها وانتهاء بتأسيس مظلة سياسية بديلة للنظام، ولكن امرا واحدا لم تقدم عليه وهو ارسال قوات تركية للقتال الى جانب المعارضة السورية، وفعلت كل من المملكة العربية السعودية وقطر وهما اكثر دولتين عداء للنظام السوري الشيء نفسه، ولا نعتقد ان هذه الدول الثلاث، مجتمعة او متفرقة، تحتمل خوض حرب استنزاف طويلة جيوشها غير مؤهلة لخوضها
نحن هنا لا نتنبأ بنجاح او فشل التحالف الدولي الاقليمي الجديد بزعامة امريكا الذي تتبلور ملامحه يوما يعد يوم وسيتحول الى حقيقة في غضون اسابيع، خاصة بعد ان كشفت استطلاعات الرأي ان 91 بالمئة من الامريكيين يؤيدون مشروع الرئيس اوباما في القضاء على “الدولة الاسلامية” الارهابية، ولكننا ننظر بعين المجرب نظرة ابعد، معتمدين على علم القياس من خلال تفحص التجارب السابقة المماثلة.
الرئيس اوباما معروف بتلكؤه وابتعاده عن التدخلات العسكرية، وجاء الى سدة الرئاسة لمعارضته للحربين في العراق وافغانستان، ولكن يبدو ان انتقادات النواب والشيوخ الجمهوريين وضغوطهم اخرجته من تحفظاته وعقدة الخوف من الحروب التي تسيطر عليه، ولكن الشيء الوحيد المؤكد ان تجربته لن تكون سهلة ونتائجها غير مضمونة في كل الاحوال.