لبنان

حماس تحسم امرها وتعود الى معسكر “الممانعة” وتعيد حلفها مع ايران و”حزب الله” الى عهده الذهبي.. وجناحها العسكري اصبح صاحب “اليد العليا”.. والتنسيق لاعمال عسكرية وربما حرب وارد جدا.. وهذه اسبابنا

عبد الباري عطوان

ليس من عادة السيد محمد ضيف القائد العام لكتائب القسام، الجناح العسكري لحركة “حماس″ ان يوجه رسائل، او يدلي بتصريحات، او يظهر على وسائل الاعلام المرئية، ولذلك فإن كسره لهذه القاعدة، ولو جزئيا، وتوجيهه رسالة تعزية الى السيد حسن نصر الله امين عام “حزب الله” باستشهاد ستة من مقاتلي الحزب بينهم الشهيد جهاد مغنية ينطوي على الكثير من المعاني التي تستحق التوقف عندها وتحليل دوافعها واهدافها وقراءة ما بين سطورها.
بداية لا بد من العودة الى الوراء قليلا والاشارة الى ان العلاقة بين حركة حماس، وجناحها السياسي على وجه الخصوص، وقيادة “حزب الله” في لبنان، والقيادة الايرانية في طهران ايضا، اتسمت بنوع من الفتور في السنوات الاربع الماضية بسبب تأييد حركة “حماس″ للمعارضة السورية المسلحة التي تقاتل لاسقاط النظام السوري، وبلغ هذا “الفتور” ذروته عندما قرر السيد خالد مشعل رئيس مكتبها السياسي، نقل مقر قيادة الحركة الرسمي في الخارج من دمشق الى العاصمة القطرية الدوحة في 12 شباط (فبراير) عام 2012، معلنا القطيعة، والانضمام الى المعسكر الآخر، (كانت قطر في حينها تقود الحرب لاسقاط النظام السوري سياسيا وعسكريا واعلاميا)، واعتقادا منه، وبتشجيع من السلطات القطرية، بأن المعارضة السورية منتصرة لا محالة، وايام النظام السوري باتت معدودة، وعليه “ان لا يكرر خطأ الرئيس الشهيد ياسر عرفات في ازمة الكويت، ويقف في خندق المهزومين”.
وفي الوقت الذي “كظم” حزب الله الغيظ وامتنع مسؤولوه عن توجيه اي نقد لحركة “حماس″ وقيادتها، وابقى على علاقاته مع ممثلها في بيروت (مقره في الضاحية الجنوبية) دون اي تغيير، تصرف بعض المسؤولين في حركة “حماس″ بطريقة مغايرة تماما، ولا نريد ان ننكأ الجراح ونسرد بعض الحقائق الموثقة في هذا المضمار.
***
لم يعد خافيا على احد، وجود جناحين متضادين في حركة حماس، الاول يتماهى بالكامل مع حركة “الاخوان المسلمين” وموقفها المؤيد، دون تحفظ، للمعارضة للسورية المسلحة في وجه النظام، ووصل هذا التأييد لدرجة مباركة دعوة الرئيس المصري محمد مرسي للجهاد في سورية الذي اعلنه قبل الانقلاب العسكري الذي اطاح به باسبوع، وسط حشد من رجال الدين بينهم الدكتور يوسف القرضاوي، واغلاق سفارتها في القاهرة، اما الجناح الثاني الذي شكل الاقلية فكان يطالب بموقف متوازن، اقرب الى الحياد، والحفاظ على العلاقات الوثيقة مع ايران وحزب الله في لبنان، عرفانا للجميل، وقناعة بأن معسكر “الاعتدال” العربي الذي تتزعمه المملكة العربية السعودية وتدعمه واشنطن، لا يمكن ان يدعم المقاومة الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلي، وقد صدقت نبوءة هذا الجناح ووضوح رؤيته في نهاية المطاف.
الحصار العربي الخانق، من قبل دول محور الاعتدال العربي على قطاع غزة، وتجويع مليوني فلسطيني، ومنع وصول اي اموال او مساعدات من الحكومات العربية الداعمة للمعارضة السورية المسلحة، واغلاق معبر رفح لاشهر متواصلة، كلها عوامل صبت في مصلحة تعزيز الجناح الثاني الذي يقوده السيد محمد ضيف، ويدعمه الدكتور محمود الزهار الذي خسر موقعه في المكتب السياسي للحركة، خاصة ان من الحقائق الثابته ان جميع الاسلحة والصواريخ وخبرات التدريب التي اكتسبتها قوات الحركة، بما في ذلك هندسة الانفاق يعود الفضل فيها لايران وحزب الله، بينما لم تقدم حكومات دول “الاعتدال” طلقة واحدة واغلقت ابوابها في وجه مسؤولي حماس باحكام، وبفضل هذه الاسلحة وتكنولوجيا الصواريخ والانفاق، صمدت حركات المقاومة في القطاع 51 يوما، وحققت انتصارا عسكريا ومعنويا كبيرا.
اقدام السيد الضيف على توجيه رسالته هذه الى السيد نصر الله معزيا، وليس خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس″ وزعيم الحركة، تقول الكثير ليس على صعيد الدعوة التي تضمنتها الى “توحيد” قوى المعارضة لمواجهة اسرائيل” فقط، وانما على صعيد التوجه السياسي والعسكري للحركة في الاشهر وربما السنوات المقبلة، ويمكن ايجاز قراءتنا للتحول الجديد للحركة في النقاط التالية:
• اولا: من الواضح ان رسالة تعزية السيد ضيف توجه رسالة واضحة الكلمات والمعالم وتؤكد ان حركة “حماس″، حسمت امرها وعادت الى المعسكر السوري الايراني، او معسكر “دول الممانعة” الذي خرجت منه قبل ثلاثة اعوام، بقرار من قيادتها السياسية.
• ثانيا: في ظل الانقسام الواضح في المكتب السياسي للحركة، والذي تحاول القيادة اخفاءه او نكرانه، باتت الكلمة العليا الآن، وبالتحديد منذ العدوان الاخير على قطاع غزة، لكتائب عز الدين القسام، وكان اول مؤشر في هذا الخصوص اشادة السيد ابو عبيدة الناطق الاعلامي الرسمي باسم “القسام”، صوتا وصورة، بايران ودعمها للمقاومة الاسلامية في القطاع الذي مكنها من الصمود في وجه العدوان.
• ثالثا: “اعتدال” حركة “حماس″، وتنازلها عن السلطة في القطاع للرئيس محمود عباس، وقبولها بحكومة “وفاق” لم يكن لها دور في تشكيلها، على امل رفع الحصار عن القطاع، واعادة الاعمار، كلها اعطت نتائج عكسية تماما ولم تغير من الاوضاع على الارض، بل زادتها سوءا وقهرا.
• رابعا: بروز تيار اسلامي متشدد تقوده “الدولة الاسلامية” في قطاع غزة، وهو تيار عبر عن نفسه علنا وللمرة الاولى في المظاهرة التي نظمها انصار “الدولة” اما المركز الثقافي الفرنسي في مدينة غزة، اثار القلق في اوساط حركة “حماس″ وعزز احتمالات اضعاف سيطرتها على القطاع، وفلتان السلطة من يديها، الامر الذي حتم عليها تغيير مواقفها، والعودة بقوة خندق الى المقاومة لاستعادة قبضتها على الشارع الغزي، او ما خسرته منها، لصالح الجماعات الاسلامية المتشددة التي تتسع دائرة التأييد لها في اوساط شباب القطاع خاصة، وانضمام بعض كوادر حماس اليها.
***
في ضوء كل ما تقدم يمكن القول اننا امام حلف مقاوم ضد اسرائيل يبرز بقوة، او يعود للبروز مجددا يتمثل في حزب الله في الشمال، وحركة حماس في الجنوب الفلسطيني، ومن غير المستبعد ان يشترك الطرفان في تنفيذ عملية انتقامية ضد قوة الاحتلال الاسرائيلي كرد على اغتيال ستة من كوادر حزب الله، وستة من القيادات العسكرية الايرانية على رأسهم جنرال محمد علي دادي مساعد السيد قاسم سليماني رئيس جيش القدس في منطقة القنيطرة قبل اسبوع.
لا نستغرب، ولا نستبعد، ان تشهد الايام المقبلة هجمات دموية تكون اسرائيل هدفها، من جنوب لبنان وربما سورية ايضا، من ناحية وجنوب فلسطين من ناحية اخرى، فليس هناك للطرفين ما يمكن خسرانه في ظل العربدة الاسرائيلية والتواطؤ العربي الذي بات علنيا معها.
رسالة السيد الضيف يجب ان تدرس بعناية فائقة، لانها ربما تكون الاهم التي تصدر عن حركة حماس في السنوات العشر الماضية ان لم يكن اكثر، فهذا الرجل يزن كلماته بميزان الايمان والشهادة، ونأمل ان لا نكون مخطئين.
بنيامين نتنياهو أثار عش الدبابير باغتياله كوادر “حزب الله”، وربما لا نبالغ اذا قلنا انه فتح على نفسه ومستوطنيه ابواب جهنم، وقطعا سيدفع ومستوطنيه ثمنا باهظا جدا.

اسرائيل في حال من الرعب.. وانتظار الرد الانتقامي على جريمتها في الجولان اكثر ايلاما من الانتقام نفسه.. فمن اين سيأتي الرد.. وكيف.. ومتى.. وبأي اسلحة؟ هذا هو السؤال الذي نحاول الاجابة عليه

عبد الباري عطوان
ربما تكون القيادة العسكرية الاسرائيلية اصابت صيدا ثمينا عندما اطلقت صواريخ طائراتها العمودية على سيارتين قرب حدود الجولان المحتل، داخل الاراضي السورية كانتا تقلان ستة من كوادر حزب الله بينهم ابن الشهيد جهاد عماد مغنية وستة ايرانيين بينهم الجنرال محمد علي الله دادي، ولكن الامر المؤكد ان الانتقام حتمي، وان الثمن سيكون غاليا، والرد سيأتي مزلزلا واكبر، واسرع مما يتصوره الكثيرون.
السيد حسن نصر الله زعيم المقاومة في لبنان توعد قبل اكثر من عام بفتح جبهة الجولان، ولا نعتقد ان هذا الفريق من كبار القادة اللبنانيين والايرانيين كان هناك في نزهة وانما لاعداد هذه الجبهة كنقطة انطلاق لاعمال مسلحة على غرار ما حدث في جنوب لبنان وقطاع غزة، وربما نرى تسخينا لهذه الجبهة، شبه المنسية، فيما هو قادم من ايام، وبشكل لم يخطر على بال الاسرائيليين وحلفائهم.
اسرائيل باتت اكثر قلقا من اي وقت مضى لانها لا تعرف اين سيكون الرد على جريمتها وكيف، وبأي نوع من الاسلحة؟ هل سيأتي من جنوب لبنان، ام في هضبة الجولان المحتلة، ام في خارج فلسطين؟ وبأي طريقة سينفذ بالصواريخ او بطائرات “ايوب” بدون طيار، او بعبوات ناسفة تزرع على الحدود في مزارع شبعا، او عبر انفاق سرية عبر الحدود تصب في العمق على غرار ما فعل مقاومو قطاع غزة من ابناء القسام؟
***
الرعب الذي تعيشه اسرائيل حاليا تحسبا للانتقام اكثر ايلاما من الانتقام نفسه، فعندما يقول اللواء محمد علي جعفري القائد العام للحرس الثوري الايراني “بأن على اسرائيل ان تنتظر صاعقة مدمرة” ويضيف “ان الحرس الثوري مستمر في تقديم الدعم العميق للمقاتلين والمجاهدين المسلمين في المنطقة حتى مسح جرثومة الفساد من الجغرافيا السياسية للمنطقة” فإن من حق اسرائيل ان تشعر بالقلق والرعب، وما يدل على ندمها على الاقدام على جريمة الاغتيال هذه وتنصلها من بعض جوانبها قول مسؤول فيها “انها لم تقصد اغتيال الجنرال دادي، واعتقدت ان السيارتين تقلان وفدا منخفضا من مقاتلي حزب الله”.
الجريمة كانت حتما موجعة لحزب الله وايران معا، القوتان الاكثر خطورة في المنطقة، ليس بالنسبة الى عدد الشهداء، وانما ايضا لحدوث اختراق امني ادى الى تقديم معلومات عنها للاسرائيليين، ولذلك فإن الرد محسوم، قد يفتح ابواب نار جهنم على دولة الاحتلال، ومن غير المستبعد ان تتطور الامور الى حرب موسعة، رغم فتاوى بعض الخبراء العسكريين العرب والاسرائيليين على شاشات التلفزة التي تقول بأن الطرفين لا يريدانها.
انتظار تنفيذ حكم الاعدام اكثر رعبا من الاعدام نفسه، والوقوف امام المقصلة، خاصة اذا طال هذا الانتظار، فالمجرم المدان لا يعرف متى سيتم ايقاظة فجرا للوقوف امام الجلاد، وهذا هو حال اسرائيل الآن، قيادة وشعبا، او هكذا نعتقد.
الجنرال امير بارام المسؤول العسكري عن منطقة الجليل الاعلى التي تضم ربع مليون مستوطن استدعى عمداء القرى والمدن (جمع عمدة) ورؤساء المجالس البلدية يوم امس الى مقره العسكري، ووجه اليهم تعليمات الطوارىء، وامر بفتح الملاجيء تحسبا لكل الاحتمالات.
المشكلة بالنسبة له، وقادته الاعلى، ان احتمالات الانتقام متعددة كما ذكرنا، لكن ابرزها احتمال وجود انفاق سرية تحت الحدود اللبنانية الاسرائيلية وما اطولها، وانا شخصا زرت “متحف” المقاومة وحرب عام 2006، في بلدة “مليتا” في جنوب لبنان قبل عامين، وشاهدت نموذجا عن هذه الانفاق التي استخدمتها قوات المقاومة، مثلما شاهدت مقبرة دبابات الميركافا فخر الصناعة العسكرية الاسرائيلية، وتذكرتها، اي الانفاق، اثناء العدوان الاسرائيلي الاخير على قطاع غزة عندما شاهدنا رجال “القسام” الجناح العسكري لحركة “حماس″ يخرجون من تحت الارض وسط موقعا عسكريا اسرائيليا شمال القطاع ويقتلون كل من فيه ويصورون العملية ثانية بثانية من الفها الى يائها بكل ثقة ورباطة جأش، ويستولون على الاسلحة ويعودون سالمين.

***

فاذا كان هذا هو انجاز “التلاميذ” فكيف سيكون انجاز الاساتذة الذين دربوا رجال “حماس″ على هندسة الانفاق هذه، مثلما دربوهم على فنون الحرب الاخرى ومن بينها تصنيع الصواريخ، والطائرات بدون طيار؟
ايام اسرائيل القادمة صعبة، محفوفة بالمخاطر، فلم تعد قيادتها تملك زمام المبادرة، ولم تعد الضربة الاولى الساحقة التي تحسم فيها الحروب في ساعاتها الاولى مثلما حدث في حرب حزيران (يونيو) عام 1967، وجزئيا عام 1973 فاعلة، كما ان اعداءها الجدد طلاب شهادة واكثر استعدادا وتسليحا، ويكفي الاشارة، الى اسرة مغنية، رجالا كانوا ام اشبالا الذين لا يذهبون الا الى الجامعات لتعلم الطب والهندسة وانما الى اكاديمة واحدة، وهي اكاديمية الشهداء، مهتدين ببوصلتهم التي لا تخطيء وهي فلسطين، وندعوا لهم بالرحمة والانتقال الى جنات الخلد، ولعمري انهم يستحقونها عن جدارة.

العلم السوري يرفرف غدا فوق السفارة السورية في الكويت بألوانه الحمراء والبيضاء والسوداء.. انه انقلاب كبير لم يكن متوقعا قبل 22 شهرا.. ما الذي حدث؟ وما هي اسبابه ومتى نرى العلم نفسه يرفرف في الرياض والدوحة؟

عبد الباري عطوان
سيرفرف العلم السوري بألوانه الاحمر والابيض والاسود فوق السفارة السورية في الكويت التي سيعاد فتحها رسميا اليوم الاثنين، بعد اغلاق استمر عشرين شهرا توقعت خلالها الحكومة الكويتية، ودول خليجية اخرى سقوط النظام وتسليم السفارة الى المعارضة السورية المسلحة برئاسة الائتلاف الوطني السوري، بعد ان جمدوا عضويته في الجامعة العربية وسمحوا لزعيم المعارضة في حينها (معاذ الخطيب) الجلوس على مقعدها والقاء كلمتها في قمة الدوحة العربية.
النظام لم يسقط، ولا يوجد اي مؤشرات انه سيسقط في المنظور المتوسط على الاقل، رغم الانشقاقات التي وقعت في صفوفه في بداية الازمة، سواء في الجيش او في المؤسسات السياسية والدبلوماسية، حيث قفز الكثيرون من سفينته، سواء عن قناعة، او استجابة للاغراءات المالية الضخمة، نتيجة اعتقاد راسخ، كرسته امبراطورية اعلامية غربية، وخليجية جبارة، مرفوقة بتأكيدات امريكية واسرائيلية وتركية بأن ايام النظام باتت معدودة، وان سفينته غارقة لا محالة.
لا نجادل مطلقا بأن النظام ارتكب مجازر، ويتحمل المسؤولية الاكبر عن ما حدث ويحدث في سورية، لكن الطرف الآخر في المقابل لم يكن حملا وديعا، واحتكم الى السلاح على امل التعجيل في اسقاط هذا النظام وتغييره ببديل ديمقراطي، ولكن في ظل انقلاب “الثورة” السورية الى صراع على الحكم، وصب المليارات، وآلاف الاطنان من الاسلحة في الاتجاهين، اختلطت الاوراق، وتغيرت المعادلات، وتبدلت المفاهيم، واصبح الشعب السوري الذي تشرد منه عشرة ملايين يعيشون حاليا في العراء في ظروف معيشية ومناخية صعبة، وخسر اكثر من ثلاثمائة الف من خيرة ابنائه هو الضحية الكبرى، ويترحم نسبة كبيرة منه على الايام السابقة، بعد ان تحولت بلاده الى فوضى دموية، وميدان صراع للامم، وفقدت وحدتها الجغرافية والديمغرافية وتقدمت الهوية الطائفية على كل الهويات الاخرى الجامعة للأسف.

***

المعارضة السورية، مثلها مثل الشعب السوري، تعرضت لخديعة كبرى عندما صدقت الوعود الامريكية، والتطمينات العربية، والخليجية منها على وجه الخصوص، واعتقدت انها باتت على بعد ايام معدودة للتخلص من النظام الديكتاتوري القمعي حسب نصوص ادبياتها وبياناتها، واقامة الجمهورية الديمقراطية الفاضلة.
اعادة فتح السفارة السورية في الكويت اهم اعتراف علني، وعملي، بأن السياسة الخليجية في سورية انهارت، خاصة انها توازت مع انفتاح كبير على العراق حليف سورية، تمثل في فتح قنصليتين وتوقيع 46 اتفاقية تجارية مع حكومته في اطار استراتيجية كويتية جديدة بتطبيع العلاقات وتعزيزها.
الكويت عندما سحبت سفيرها من دمشق واغلقت سفارتها، وطلبت من السفير السوري العودة الى بلاده في شباط (فبراير) عام 2012، اقدمت على هذه الخطوة في اطار تنسيق خليجي مشترك ومتفق عليه (سلطنة عمان لم تلتزم وابقت سفارتها مفتوحة في دمشق)، لهذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو عما اذا كان قرارها هذا منفردا، ام في اطار اتفاق خليجي على اعادة فتح سفارات سورية، في جميع او معظم العواصم الخليجية؟
انه موسم الحجيج الى دمشق، فها هي تونس التي كانت اول دولة عربية تغلق سفارتها في دمشق، ويعرض رئيسها المؤقت السابق (المنصف المرزوقي) على نظيره السوري حق اللجوء السياسي، ويستضيف اول اجتماع لمنظومة اصدقاء سورية (هل ما زالت موجودة؟) تعيد فتح سفارتها، ويتبادل رئيسها الجديد “المنتخب” الباجي قائد السبسي برقيات التهاني مع نظيره السوري، ولا نستبعد ان تبدأ احجار الدومينو تتساقط الواحدة تلو الاخرى، او فتح السفارة تلو الاخرى.
اسباب عديدة ادت الى هذا التطور “غير المفاجيء” على اي حال:
• اولا: ادركت الولايات المتحدة ان المعسكر الايراني السوري العراقي المدعوم من روسيا هو المنتصر “حاليا” فقررت الرهان عليه، والتعاطي معه، والاعتراف به على حساب حلفائها القدامى، وبعد ان “حلبتهم” ماليا وباعتهم اسلحة بأكثر من 150 مليار دولار.
• ثانيا: صعود “الدولة الاسلامية” بقوة، وازالتها الحدود السورية العراقية، واقامة دولة مكتفية ذاتيا بالمال والسلاح، حجمها اكبر من حجم فرنسا، وجميع الدولة الخليجية مجتمعة، عدا المملكة العربية السعودية، واعتمادها التوسع الجغرافي والعقائدي كنهج واستراتيجية، على عكس كل الحركات الاسلامية الاخرى، الامر الذي بث الرعب في جميع دول المنطقة، وغير اولويات الغرب، وجعل الجميع يرون في النظام السوري حليفا مستقبليا يمكن الاعتماد عليه، والتعاون معه، وغفر كل خطاياه، ما تقدم منها وما تأخر.
• ثالثا: انهيار الجامعة العربية ومصداقيتها كمظلة سياسية اقليمية، وحدوث تغيير جذري في مصر عنوانه انقلاب عسكري بقيادة الفريق اول عبد الفتاح السيسي (مشير ورئيس منتخب لاحقا) اطاح بحكم الاخوان المسلمين، والتحالف القطري التركي معهم، وجاءت عودة الليبراليين والدستوريين في تونس عبر صناديق الاقتراع، وتراجع ترويكا النهضة الثلاثية، وانهيار الاستقرار في ليبيا، وتصاعد الحرب الدموية فيها كلها عوامل غيرت المشهدين السوري والعربي تماما.
• رابعا: تراجع اسعار النفط بأكثر من خمسين في المئة، وتوقعات بوصولها الى عشرين دولارا للبرميل في سنوات مقبلة، اضعفت المعسكر الخليجي وقبضته على المنطقة، وصعدت من مخاوفه في حدوث اضطرابات داخلية، سياسية واجتماعية، بعد تزايد احتمالات تخفيض الانفاق الحكومي، وفرض ضرائب على المواطنين، ورفع الدعم عن المواد الاساسية مثل المحروقات والمواد الغذائية.
• خامسا: انقلاب السحر على الساحر، وعودة “الارهاب” بقوة الى دول خليجية ظلت محصنة منه لعقود، وشاهدنا هجمات تستهدف اجانب في كل من الامارات والسعودية، وظهور إعلام مواز مؤثر وفاعل لـ”الدولة الاسلامية” يحرض على اطاحة الانظمة، ويجذب نسبة كبيرة من الشباب الخليجي لاطروحاته، وتشكيله خلايا نائمة وحية بالتالي.
• سادسا: بروز المحور المصري الروسي الذي نشط في الاسابيع الاخيرة من اجل عقد مؤتمر حوار بين الحكومة والمعارضة في سورية للتوصل الى حل سياسي للازمة دون اي شروط مسبقة، وبمعزل عن المحور الخليجي التركي، وتجاوب معظم فصائل المعارضة السورية معه بشكل ايجابي والاستعداد للانخراط في الحوار دون شرط اسقاط النظام.
***
لا نستبعد ان يجلس السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري على مقعد سورية في الاجتماع المقبل لمؤسسة القمة العربية المقرر ان يعقد في القاهرة في الثلث الاخير من شهر اذار (مارس) المقبل، ولن نستغرب اذا كان السيد معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني السوري السابق، والسيد حسن عبد العظيم رئيس هيئة التنسيق وآخرين اعضاء في الوفد السوري يجلسون في المقاعد خلف شيخ الدبلوماسية السورية.
لم لا.. فكل شيء جائز هذه الايام، فمن كان يتوقع اتفاقا امريكيا ايرانيا بعد ان وصلت الامور الى حافة المواجهة، او من كان يتوقع هذا الصعود لـ”الدولة الاسلامية”، واطاحتها بالسيد نوري المالكي ووصول قواتها الى ابواب بغداد واربيل؟، وعودة الطائرات واكثر من خمسة آلاف جندي امريكي الى العراق، والاهم من كل ذلك، من كان يحلم بأن الرئيس بشار الاسد سيستمر في الجلوس على كرسي الحكم للعام الخامس على التوالي؟
نكتفي بهذا القدر.. ومن المؤكد ان لنا عودة لمتابعة تطورات هذا الزلزال.

لا يحتاج نتنياهو لتحذير كيري من وصول المتشددين الاسلاميين الى ضواحي تل ابيب فهم في طريقهم اليها والقدس المحتلة ايضا.. والعمر الافتراضي لسلطة عباس اوشك على الانتهاء.. وحلفاؤه العرب سيعانون ايضا

لا يحتاج نتنياهو لتحذير كيري من وصول المتشددين الاسلاميين الى ضواحي تل ابيب فهم في طريقهم اليها والقدس المحتلة ايضا.. والعمر الافتراضي لسلطة عباس اوشك على الانتهاء.. وحلفاؤه العرب سيعانون ايضا

عبد الباري عطوان

لا يحتاج بنيامين نتنياهو الى تحذير جون كيري وزير الخارجية الامريكي الذي سيلتقيه غدا (الاثنين) في روما بأن اجبار اسرئيل على الانسحاب لخطوط 1967 خلال سنتين سيؤدي الى قدوم جبهات الاسلام السياسي المتطرف الى ضواحي تل ابيب، لان ما حذر منه هو الخيار الوحيد المتبقي بعد ان اهان “المعتدلين” الفلسطينيين والعرب واذلهم بسياساته الاستيطانية وحروبه العدوانية وما يرتكبه من مجازر وجرائم حرب، واضاع فرصا ذهبية للسلام والتعايش.
المتشددون الاسلاميون، سواء كانوا فلسطينيين او عربا لن يصلوا الى ضواحي تل ابيب فقط، وانما الى قلب القدس المحتلة ايضا، لانه وبكل بساطة لم يبق غيرهم على الساحة، والسلطة الفلسطينية التي منعت المقاومة طوال العشرين عاما من خلال قواتها الامنية المتواطئة مع الاحتلال افلست سياسيا واخلاقيا وماليا، وباتت على وشك الانهيار، سواء ذهب الرئيس محمود عباس الى الامم المتحدة وعاد بقرار من مجلس الامن بتحديد سقف زمني لانهاء الاحتلال او لم يذهب.
***
فاذا كان هذا “الاسلام المتشدد” يضرب في ابو ظبي والرياض، ويصمد اكثر من شهرين في عين العرب (كوباني)، ويسيطر على نصف العراق وثلث سورية، ويعزز وجوده في دول الاتحاد المغاربي واليمن والصومال ودول الساحل وسيناء، ويقتل 5000 شخص في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) فقط، حسب احصاءات موثقة، فلماذا تظل تل ابيب محصنة ووادعة وآمنة، ويتنعم مستوطنيها بشمسها وبحرها وسمكها وبرتقالها، وتواصل حكومتها نهب الارض وقتل الفلسطينيين وقلع اشجار زيتونهم، واغتيال وزرائهم ومتظاهريهم العزل؟
منظمات الاسلام السياسي ستتمدد وستصل الى الضفة الغربية حتما، والمسألة مسألة وقت لا اكثر، ولن يستطيع امن الرئيس عباس منعها لسبب بسيط لان كل الذرائع التي كان يستخدمها في السابق لتبرير تواطئه مع الاحتلال، والتنسيق الامني معه، سقطت بشكل مخجل، فالعملية التفاوضية فشلت، والدولة الفلسطينية لم تعد تجد ارضا لكي تقوم عليها، ومؤسسات السلطة “شاخت” ورئيسها بات يهذي، والانتفاضة “الفتحاوية” باتت وشيكة، واتفاق اوسلو الذي اسس لكل هذا الهوان اصبح في سلة قمامة التاريخ.
والغريب ان البعض يجادل هذه الايام بأن الاسلام السياسي حليف لامريكا، ولذلك لن يقاتل اسرائيل، والرد على هذا الجدل بسيط، وهل حركتا “حماس″ و”الجهاد الاسلامي” من نسل كفار قريش؟ وماذا عن الذين يتحالفون وينسقون مع امريكا وضرباتها في العراق وسورية وكردستان؟ افيدونا افادكم الله.
نعم هناك من يتحالف مع الاحتلال الاسرائيلي من فصائل سورية معارضة، ويرسل جرحاه للعلاج في مستشفيات تل ابيب وهضبة الجولان، وهؤلاء يرتكبون اكبر الكبائر، ولكن هؤلاء اقلية مصيرهم سيكون اسوأ من نظرائهم في جيش انطوان لحد في جنوب لبنان الذين باتوا يتسولون لقمة العيش في شوارع تل ابيب بعد ان تخلى عنهم مستأجروهم واستنفذوا اغراضهم منهم وقذفوا بهم الى مصيرهم البائس.
الرئيس محمود عباس ليس سيدنا آدم عليه السلام حتى يعيش الف عام، واستعباده الشعب الفلسطيني من خلال الرواتب بدأ يفقد مفعوله لان من يدفع لهم الرواتب شاخوا مثله، وباتت شريحتهم تتناقص امام جيش جرار من الشباب الغاضب المحبط المتمرد على السلطة وعلى آبائه الذين يعملون فيها، ويعتاشون على فتاتها، ويعانون من الكآبة والخجل من واوضاعهم، ومعظم هؤلاء (الآباء) من المناضلين والوطنيين الشرفاء، تعرضوا لخديعة دولية عربية كبرة اسمها اتفاقات اوسلو.
الخناق يضيق على اسرائيل وشعبها وقياداتها، مثلما يضيق ايضا على بعض الحكومات العربية التي تواطأت، وتتواطأ معها، واستجارت بها خوفا من التهديد الايراني، لان اسرائيل نفسها باتت تبحث عمن يجيرها في ظل انقلاب الموازين والمعادلات في المنطقة، في ظل تحالف امريكي ايراني متصاعد، وفشل كل الضغوط والتهديدات لايقاف البرنامج النووي الايراني وتدمير منشآته وتجميد اعمال التخصيب، وصعود الدور الروسي، وتبدل الاولويات الامريكية والغربية.
اسقاط المشروع “الاخواني” كليا او جزئيا في المنطقة العربية لن يحقق الامن والاستقرار لاسرائيل، ولا للدول العربية المعتدلة، لان حركة الاخوان المسلمين ارتكبت في نظر الكثيرين خطأ استراتيجيا كبيرا عندما اعلنت الجهاد بعد وصولها الى الحكم ضد العديد من الانظمة العربية ولم تركز على القضية العربية الاوبى وتضعها على قمة اولوياتها، واخراجها من الساحة، اي حركة الاخوان، من خلال اسقاط حكوماتها في اكثر من عاصمة عربية ووضعها على قائمة الارهاب، خلق فراغا ستملؤه حتما الجماعات الاسلامية المتشددة التي لا تؤمن بالحوار، وتحتكم الى السلام وتتبنى ايديولوجية “الجهاد” والعنف “والارهاب”.
حصار حركة “حماس″ في قطاع غزة التي ترفع لواء المقاومة وخنقها، وتجويع مليوني فلسطيني تحت مظلة حكمها، لن يصب في مصلحة سلطة الرئيس عباس المفلسة، وانما في قناة الجماعات المتشددة سواء كانت متمثلة في اجنحة حركة “فتح” الشابة الثورية “المؤمنة” وهي الغالبية الآن، او تلك التي تتبنى فكر “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” وتنظيم “القاعدة” المركزي.
***
الفراغ الحالي لن يعمر طويلا على الارض المحتلة والمنطقة، وثقافة المقاومة بدأت تستعيد عافيتها، وتعمق جذورها، نتيجة الخذلان العربي والاسلامي، فهي الوحيدة التي توحد بين المذاهب، وتتجاوز كل صور الاستقطاب الطائفي السائدة حاليا بفعل الفتنة الامريكية الاسرائيلية العربية المشتركة، ومرجل الغضب الذي يغلي حاليا سينفجر حتما في غضون اشهر ومن يقول غير ذلك لا يعرف المنطقة وشعوبها، ولا يقرأ تطورات الاوضاع فيها بطريقة موضوعية متعمقة.
ومثلما يتحمل السيد نوري المالكي والاحتلال الامريكي الذي غض النظر عن ممارساته الطائفية الاقصائية الفاسدة مسؤولية توفير البيئة الحاضنة التي هيأت المناخ لنمو “الدولة الاسلامية” واشتداد عودها في العراق وسورية لاحقا، فإن بنيامين نتنياهو وحروبه، واستكانة الرئيس محمود عباس وتواطؤ سلطته، وفرا البيئة الحاضنة لمقاومة جديدة مختلفة واكثر شراسة، مقاومة اسلامية متشددة هي “كوكتيل قاتل” من شباب “فتح” المؤمن وباقي التيارات الاسلامية الاخرى، وسياتي اليوم الذي تترحم فيه اسرائيل على “حماس″ واعتدالها بالمقارنة بما هو قادم.
اسرائيل هي المستفيد الاكبر من الاستقرار والامن في المنطقة، ومن يجادل بغير ذلك نسأله سؤالا محددا، ماذا جنا المواطن العربي من هذا الاستقرار على مدى نصف قرن ونيف، غير القمع، والفساد، ونهب الثروات، والتعليم المتخلف، والخدمات الطبية المخجلة، والقضاء المسيس، والعدالة العوراء، والقائمة طويلة، والتواطؤ مع اسرائيل والصمت على جرائمها وحروبها وتهويدها للمقدسات؟
فاذا كان البديل هو الفوضى الدموية فإن المتواطئين مع الاحتلال الاسرائيلي واستيطانه وحروبه العدوانية، هم الذين مهدوا لها وعليهم ان يتحملوا مسؤوليتها ويدفعوا هم واسرائيل ثمنها مهما كان باهظا.

اكتب لكم من بيروت ولكن عن سورية ولاجئيها الذين يشكلون القلق الاكبر الذي يوحد غالبية اللبنانيين وهم المختلفون دائما.. والحديث عن زوجات البغدادي والشيشاني المعتقلات يطغى على الاستعداد لحفلات رأس السنة.. اهلا بكم في لبنان

عبد الباري عطوان

من يزور بيروت هذه الايام يعتقد انه في مدينة اسكندنافيه تستعد للاحتفال بأعياد الميلاد، وليس عاصمة بلد تشهد حدوده، او بعض منها، معارك طاحنة، بين قوات الجيش وجماعات اسلامية “جهادية” متشددة، ونحن هنا لا نتحدث عن الموضوع القديم المتجدد اي مشاركة قوات تابعة لحزب الله الى جانب قوات الجيش السوري مع هذه الجماعات، وانما جبهة ملتهبة جرت جيشا زاهدا في الحروب الى اتونها.
الحركة في العاصمة اللبنانية تأخذ طابعا صاخبا، المطاعم مليئة بالرواد وكذلك المقاهي، وزحمة السير خانقة، واشجار اعياد الميلاد المزينة بالاضواء من مختلف الالوان، تطل برأسها في كل مكان (باستثناء الضاحية الجنوبية طبعا)، وعليك الانتظار لعدة ايام كي تحصل على مقعد في الطائرات المتوجهة الى مطار بيروت. اما معرض بيروت الدولي للكتاب الذي كنت احد ضيوفه فشهد اقبالا غير مسبوق، وزحام خانق، وزواره من العرب الذين لم يعبأوا بتحذيرات حكوماتهم يمكن رصدهم بسهولة لكثرتهم، وخاصة من دول الجوار.
هذا الصخب اللافت من الصعب ان يخفي “حالة قلق” تسود اللبنانيين، ولم ينجح مقدم الاعياد في طمس معالمها، قلق من عودة السيارات المفخخة انتقاما لاعتقال الجيش زوجتين لزعيمي اخطر تنظيمين “جهاديين”، الاولى السيدة سجى الدليمي الزوجة السابقة للسيد ابو بكر البغدادي، زعيم “الدولة الاسلامية” واولادها، والثانية علا متقال العقيلي زوجة السيد ابو علي الشيشاني احد ابرز القادة العسكريين “لجبهة النصرة”، وتهديد الاخير بانتقام مزلزل، اذا لم يتم الافراج عن عقيلته فورا في تسجيل مصور انتشر بكثافة على (اليوتيوب).
***
اللبنانيون، ومن مختلف الاديان والطوائف يلتفون بقوة هذه الايام حول جيشهم دون تحفظ، ويضعون كل خلافاتهم جانبا، ويريدون عودة جنودهم “المخطوفين” سالمين الى اسرهم، ويبكون الجندي الشاب الذي قتلته جبهة النصرة انتقاما وتحذيرا، او الآخرين الذين سقطوا في كمين (سبعة جنود)، ولكن قلة قليلة تهمس في المجالس الخاصة بـأن الجيش ما كان يجب ان يسرب اخبار اعتقال السيدتين على الحدود، وكان عليه معالجة امرهما بعيدا عن الصحافة، ولكن هناك في المقابل، وهؤلاء اغلبية، يطالبون بصوت اعلى باعدامهن لانهن “ارهابيات” وليكن ما يكون.
يتوحد معظم البنانيين ايضا، مسلمين كانوا او مسيحيين، سنة او شيعة، على رعبهم من تفاقم اعداد اللاجئين السوريين الى بلادهم ووصولها الى ما فوق المليوني لاجيء، ويتساءلون بقلق عن خطر هذا “التسونامي” الزاحف تجاه بلدهم واين سيتوقف العد، وعندما تقول للقلقين منهم ان السوريين اشقاؤكم وفتحوا لكم بيتهم وقلوبهم ايام الحرب عام 2006، مثلما فتحوها للعراقيين وكل مستجير، يردون بأن سورية دولة كبيرة، بينما لبنان بلد صغير لا يمكن ان يستوعب هذه الاعداد الضخمة في ظل تعاطف عالمي محدود، واعراض جانبية بدأت تعكر صفو استقراره وتركيبته الاجتماعية والسياسية، ويضربون امثلة كثيرة في هذا المضمار لا يتسع المجال لذكرها.
الملف السوري بجوانبه العسكرية والسياسية والانسانية هو المسيطر، فعندما كنت في بيروت تصدرت زيارة ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي العناوين الرئيسية للصحف ونشرات اخبار محطات التلفزة اللبنانية، وبرامجها الحوارية والاخبارية وما اكثرها، واللقاءات التي اجراها مع معظم السياسيين اللبنانيين وخاصة اللقاء “السري” مع السيد حسن نصر الله الامين العام لحزب الله، والسيد نبيه بري رئيس البرلمان وقادة فريق الرابع عشر من آذار وفريق 8 ايار.
تسأل اللبنانيين عن هذه الزيارة، فيتطوع الكثيرون بإعطاء شرح مفصل عن الدور الروسي ومحاولة القيادة الروسية استطلاع الحقائق، وجمع الافكار حول كيفية الخروج من المأزق السوري، والاستفادة من دروس الازمة اللبنانية، ويذهب بعضهم الى الحديث عن “طائف” سوري يتبلور في اطار حل سياسي للازمة السورية من خلال حجيج مسؤولين سوريين وعناصر قياديه معارضة الى موسكو بكثافة هذه الايام، حيث تلعب موسكو الدور نفسه الذي لعبته الرياض او تحاول.
وتتزامن زيارة بوغدانوف مع “حراك” على جبهة اخرى بقيادة ستيفان دي ميستورا مبعوث الامم المتحدة الى سورية، الذي يريد تجميد الصراع المسلح في حلب، وتقسيمها الى حلب شرقية واخرى غربية، واحدة تحت سيطرة النظام واخرى تحت سيطرة المعارضة، ويفتي بعض السياسيين اللبنانيين بأن المبعوث الدولي استلهم هذه الفكرة من التجربة اللبنانية، وتقسيم بيروت على النموذج نفسه لفترة انتقالية لبضعة اشهر او سنوات ثم عودتها الى وحدتها الطبيعية، فعندما هدأت المدافع في بيروت وبدأت مسيرة التعايش تنطلق وتتهاوى امامها خطوط التماس هدأ لبنان كله.
اتفاق “الطائف” اللبناني جاء بعد 15 عاما من الحرب الاهلية، وبعد وصول طرفي الحرب الى مرحلة الانهاك التام واستعدادهما للقبول بالحل السياسي وتقديم تنازلات “مؤلمة” من بينها تعديل الدستور للخروج من هذا المأزق الدموي، فهل وصلت اطراف الصراع في سورية الى هذه القناعة وبدأت تتحلى بالبراغماتية؟
هناك من يجيب بنعم كبرى، ويؤكد ان النظام والمعارضة في سورية باتا على قناعة بضرورة شرب كأس “سم الحل السياسي”، والتوحد بالتالي في مواجهة الخطر الاكبر الذي يهددهما معا، اي الاسلام السياسي المتشدد، وابرز عناوينه “الدولة الاسلامية” وشريكتها “السابقة” في الايديولوجية “جبهة النصرة” اللتين تشكلان تحالفا غير معلن لتغيير الحكمين في لبنان وسورية معا وتغيير، بل نسف، خرائطهما السياسية والاجتماعية والجغرافية، واعادة رسمها مجددا وفق معاييرهما الايديولوجية.
مسؤول لبناني كبير قال لي “سورية تحارب على ثلاث جبهات، الاولى ضد “الدولة الاسلامية” واخواتها، والثانية معركة الحفاظ على النظام ومؤسساته بعد ثلاث سنوات من الحرب، وفي ظل حصار اقتصادي خانق، والثالثة حول كيفية التعاطي مع حرب باردة على ارضها بين القوتين العظميين روسيا وامريكا، ولهذا ربما تتحلى القيادة السورية ببعض المرونة تجاه الحلول السلمية خاصة ان من يقود سفينتها هذه الايام حليفها الروسي، مضافا الى ذلك ان حلفاءها الروس والايرانيين يواجهون حربا نفطية تستهدفهما وادت الى انخفاض عوائدهم بأكثر من 40 بالمئة بسبب اغراق السعودية وحلفائها في الخليج الاسواق بفائض يزيد عن مليون برميل انتقاما من دورهما في سورية والعراق واوكرانيا.
احد القادمين من دمشق، واثق كثيرا في معلوماته قال لي ان “المرونة” غير موجودة على الاطلاق في اوساط اهل النظام السوري وعظام رقبته، وان الدائرة الضيقة في الحكم تشعر بحالة من القلق من هذه التحركات الروسية، وما زالت تنظر بعين الريبة الى السيد معاذ الخطيب الذي يعتبر اكثر قادة المعارضة السورية “برغماتية” واعتدالا، وصاحب الخط الثالث في المعارضة السورية المستعد للتفاوض مباشرة مع النظام، وان مسؤولا سوريا كبيرا ابلغه ان سورية لا يمكن ان تنسى او تغفر له جلوسه على مقعدها في قمة الدوحة العربية قبل عامين تقريبا، وامام علم “الثورة” ومخاطبة الملوك والرؤساء والامراء من على منبرها.
المصدر نفسه ربط بين الغارات الاسرائيلية التي اعلنت عنها الاحد السلطات السورية وقصفت اهدافا في دمشق ودون وقوع اصابات، وما يقال في الوقت نفسه عن اتساع دائرة التعاون بين تل ابيب وجماعات سورية معارضة في الجولان السوري، وتوجيه رسائل الهدف منها الضغط على اصحاب الحل والعقد في دمشق بضرورة اتباع المرونة وانجاح الجهود الدولية، لان المنطقة والعالم، لم يعودا يتحملان استمرار هذه الازمة السورية، وهو استمرار يصب في نهاية المطاف في مصلحة “الدولة الاسلامية” وحالة عدم الاستقرار في المنطقة.
***
اللبنانيون، “البيروتيون” منهم على وجه الخصوص، يتمنون نجاح جهود موسكو وبغدانوف ودي ميستورا، وجون كيري، او اي طرف آخر يخلصهم من تبعات وذيول الصراع السوري، واكثر من مليوني لاجيء سوري يتواجدون على ارضهم يتحولون بسرعة الى ازمة سياسية وديمغرافية على غرار اشقائهم الفلسطينيين الذين سبقوهم قبل 66 عاما، ولهذا يعارضون في معظمهم التوسع في اقامة مخيمات لجوء سورية جديدة، على غرار مخيمات عين الحلوة والبرج ونهر البارد التي اصبح بعضها دول داخل الدولة واماكن مغلقة يلجأ اليها بعض الهاربين من العدالة، على حد وصف زميل لبناني.
الزميل نفسه الذي يتمتع بظُرف نادر في اوساط المهنة هذه الايام قال في لحظة “تجلي” ان اللبنانيين تخلصوا من الجيش السوري، ولا يريدون عودته كجيش من اللاجئين، ويعتبره اخطر من نظيره العسكري ويجعل من وحدة سورية ولبنان امرا واقعا في نهاية المطاف، وربما لا يتفق معه البعض في “ظُرفه هذا”.
اللبنانيون قدريون، يقرأون الصحف في الصباح ويتابعون بعض نشرات الاخبار في مطلع المساء، ثم يسهر غالبيتهم الى ما بعد منتصف الليل، وينتظرون الحل السياسي للازمة السورية باعتباره املهم الوحيد في الخلاص، ويصلون في الفجر لبغدانوف ورئيسه سيرغي لافروف مهندس الدبلوماسية الروسية، ولا ينسون القادم الجديد دي ميستورا ايضا بدعواتهم لهم جميعا بالنجاح وبأقصى سرعو ممكنة.
الاعلان عن حفلات رأس السنة في الفنادق تتلألأ وتحتل لوحات مضيئة تزينها صور الفنانين والفنانات في كل مكان.. اللبنانيون شعب يحب الحياة وهو بلا شك اكثر من يستحقها في اعتقاده، ويؤجل هموم اليوم الى العام الجديد!
واهلا بكم في لبنان.

كم نحتاج من الجيوش لمنع استيلاء “الدولة الاسلامية” على بلدة “كوباني” الكردية؟ وما هي النتائج المترتبة على انضمام الجيش السوري الحر للقتال الى جانب المدافعين عنها؟

عبد الباري عطوان

لا نعرف كم عدد الجيوش المطلوبة التي يمكن ان تهزم قوات “الدولة الاسلامية” وتحول دون استيلائها على مدينة “عين العرب ـ كوباني”، وكم عدد الطائرات الحربية الامريكية والعربية اللازمة لوقف تقدمها، وهي التي لا تملك الا بعض المدرعات وبضعة آلاف من المقاتلين المسلحين بأسلحة خفيفة.
فلا نسمع او نقرأ هذه الايام الا عن قوات تتدفق من كل مكان الى المدينة لمواجهة “الدولة الاسلامية”، فالرئيس التركي رجب طيب اردوغان اعلن الخميس ان مئتي جندي من قوات البشمرغة الكردية عبرت الحدود الى “كوباني”، واعلن الجمعة في مؤتمر صحافي عقده في تالين عاصمة استونيا المحطة الثانية في جولته “البلطيقية”، ان 1300 جندي من الجيش السوري الحر سيعبرون الحدود التركية للانضمام الى وحدات حماية الشعب الكردي التي تدافع عن المدينة.
***
الرئيس اردوغان عارض بشدة فتح حدود بلاده امام اي قوات كردية او غير كردية تريد مساعدة القوات الكردية المحلية، ووصف حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني وميليشياته بأنها امتداد لحزب العمال الكردستاني “الارهابي” حليف النظام السوري.
السيد نواف خليل المتحدث باسم حزب الاتحاد الديمقراطي، ابرز الاحزاب الكردية السورية الذي شكك بتصريحات الرئيس اردوغان هذه طرح تساؤلا، يبدو مشروعا للوهلة الاولى، عندما قال “لماذا لا تتوجه قوات الجيش الحر التي تريد الدخول الى كوباني وتقاتل في مدينة حلب التي تكاد تسقط في ايدي النظام”.
ما لا يعرفه السيد نواف خليل ان الاوامر للجيش السوري الحر بالتحرك في هذا الاتجاه او ذاك تأتي من قيادة قوات التحالف الامريكي وبالتنسيق مع السلطات التركية، والرئيس اردوغان اكد على هذه الحقيقة بكل صراحة، عندما قال ان الجيش الحر هو خيارنا الاول للدفاع عن كوباني، ثم بعد ذلك قوات البشمرغة الكردية في الدرجة الثانية.
مشاركة الجيش الحر في القتال ضد “الدولة الاسلامية” ربما تكون خطوة اولى، او “بروفة” لفتح جبهات الرقة ودير الزور واعزاز ليس في مواجهة “الدولة الاسلامية” فقط، وانما الجبهات والفصائل الاخرى التي ادانت التدخل العسكري الامريكي ضد “الدولة الاسلامية”، ووصفت التحالف الامريكي الخمسيني بأنه تحالف “صهيوامريكي”.
نحن نقف الآن امام عملية فرز واضحة داخل المعارضة السورية المسلحة التي انقسمت الى معسكريين رئيسيين:
*الاول: يضم الجماعات الاسلامية المتشددة مثل “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة”، واحرار الشام، ولواء الشام، ومنظمات اخرى وتعارض التدخل العسكري الامريكي.
*الثاني: يتزعمه الجيش السوري الحر (او جناح منه) الى جانب جيش الاسلام، وقوات بركان الفرات وفصيل ثوار الرقة، واحرار جرابلس.
ومن غير المستبعد ان يشهد الجيش السوري انشقاقات جديدة في الاسابيع المقبلة، فالعقيد عبد الجبار الكعيدي احد قادة هذا الجيش اكد في تصريحات لوكالة انباء الاناضول التركية الرسمية انه سيقود مجموعة من الف مقاتل للدفاع عن “عين العرب ـ كوباني” في اطار مبادرة من فصائل كبيرة في الجيش الحر، ودون التنسيق مع المجلس العسكري، الذي من المفترض انه يشكل المظلة العسكرية القيادية للجيش الحر.
معركة “عين العرب ـ كوباني” المحتدمة منذ ما يقرب الشهر، وايا كانت نتائجها، والجهة التي تسيطر عليها، فانها ستكون مقدمة، او بالاحرى خطوة اولى لفتح جبهات اخرى في مناطق تسيطر عليها “الدولة الاسلامية” في الاراضي السورية مثل محافظتي الرقة ودير الزور في الشرق.
***
المؤشرات التي يمكن استخلاصها من سير المعارك في “عين العرب”، وخريطة القوى التي تقاتل دفاعا عنها، تعكس صعوبات كبيرة في طريق مهمة التحالف الامريكي الاساسية، اي اضعاف “الدولة الاسلامية” والقضاء عليها بالسرعة المطلوبة، فاذا كان منع سقوط هذه البلدة الحدودية التي لا يزيد تعداد سكانها عن 35 الف (هرب معظمهم الى داخل تركيا) يحتاج اكثر من شهر من القصف المتواصل وتدفق آلاف من المقاتلين، فكيف سيكون الحال في مدن مثل الموصل والرقة ودير الزور والفلوجة؟ فالنظريات العسكرية الاولية تفيد بأن “مهمة” الذين يقفون في خندق الدفاع اكثر سهولة من المهاجمين الذين يحتاجون الى ثلاثة اضعاف القوات المدافعة، بالاضافة الى غطاء جوي مكثف، وهذا ما لم يتأت لقوات “الدولة الاسلامية”.
لا بد ان القيادة السورية في دمشق تفرك يديها فرحا هذه الايام وهي ترى خصومها الذين كانوا يشكلون جبهة واحدة متماسكة ضدها يقاتلون بعضهم بعضا، والفضل في ذلك للتحالف الامريكي و”الدولة الاسلامية” معا، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، لكن الى متى يستمر هذا الفرح، لا حد يملك الاجابة القاطعة، لان المتغيرات متسارعة جدا في ميادين الصراع في سورية والعراق او هكذا نعتقد.

الحكم باعدام الشيخ النمر قنبلة موقوتة بين يدي السلطات السعودية فالتنفيذ مشكلة وعدمه مشكلة اكبر.. فهل يتم التسريع بالتنفيذ ام يلجأ العاهل السعودي الى العفو؟

الازمات تحاصر المملكة العربية السعودية من الجوانب الاربعة، فهناك ازمة الحوثيين الذين تتساقط امام زحفهم المدن اليمنية في الجنوب، وهناك أزمة الدولة الاسلامية في العراق والشام شمالا التي تشّكل تحالفا من خمسين دولة لمواجهتها وتعتبر ان خلافتها التي اعلنتها لا تكتمل الا بالسيطرة على مكة المكرمة، وتفاقم الخلاف مع ايران شرقا، ولا ننسى ذيول ازمة الاخوان المسلمين في مصر وتبعاتها في ليبيا من جهة اخرى، ولكن الازمات الداخلية، ومهما بدت صغيرة في نظر البعض تظل الاكثر خطورة والتي لا يجب التقليل من شأنها لانها مرشحة للتضخم وقلب كل المعادلات الداخلية.
في الايام القليلة الماضية شهدت الساحة السعودية حدثين داخليين كسرا حاجز الصمت، وركزا الانظار على الوضع الداخلي في المملكة، الاول سني الطابع، تمثل في اطلاق الشاب عبد العزيز الرشيد النار على سيارة تقل مواطنين امريكيين يعملان في شركة عسكرية تدرب الحرس الوطني فقتل احدهما واصاب الثاني، وهناك تكهنات بأن الشاب المولود في امريكا ويحمل جنسيتها قد يكون اقدم على هذا العمل لاسباب سياسية دينية، ونتيجة لارتباط مع جماعات جهادية متشددة مثل “الدولة الاسلامية” او تنظيم “القاعدة”.
اما الحدث، او الامر الثاني، فيتعلق بإصدار المحكمة الجزائية السعودية المتخصصة حكما بالإعدام تعزيرا في حق الشيخ نمر النمر الداعية الشيعي بعد ادانته بتهمة الخروج على ولي الامر واشعال الفتنة الطائفية وقيادة احتجاجات شعبية ضد السلطة وحمل السلاح في وجه رجال الامن واشاعة الفوضى، والمطالبة بسحب القوات السعودية من البحرين وضم المنطقة الشرقية السعودية حيث يشكل ابناء الطائفة الشيعية اغلبية في بعض مدنها الى البحرين.
***
الهجوم على السيارة الامريكية وسط الرياض جرت معالجته في افتتاحية “رأي اليوم” قبل يومين، ولكن حكم الاعدام هذا الذي أثار ردود فعل في ايران ولبنان (حزب الله) وقوبل بإدانة من قبل منظمات حقوقية عالمية مثل منظمة العفو الدولية هو الذي يستحق التوقف عنده في هذا الحيز لما له من دلالات عديدة، وما أثاره من موجه احتجاجات صاخبة في العوامية والقطيف واماكن اخرى في شرق المملكة.
السلطات الايرانية حذرت من اعدام الشيخ النمر، وقالت انه سيؤجج التوتر في العالم الاسلامي، مثلما جاء على لسان السيد حسين امير عبد اللهيان نائب وزير الخارجية، بينما وصف “حزب الله” في بيان رسمي حكم الاعدام بأنه “جائر وسياسي بامتياز″ وحذر من تبعات تنفيذه.
حكم المحكمة الجزائية بإعدام الشيخ النمر لن يطبق فورا، وهو قابل للنقض من قبل محكمة الاستئناف، وحتى لو جرى التصديق عليه فانه يرفع بعد ذلك الى مجلس القضاء الاعلى لاعتماده، وبعد ذلك الى الملك، الذي من المفترض ان يحيله الى وزارة الداخلية للتنفيذ في حالة اقراره، اي ان الامر قد يتطلب بضعة اشهر من الاجراءات القانونية، ولكن الملك عبد الله بن عبد العزيز يمكن ان يسرع بتنفيذ الاعدام لو اراد ذلك لسبب ما.
في غير المرجح ان يسرع العاهل السعودي بعملية التنفيذ في مثل هذا الظرف الحرج الذي تمر فيه المملكة داخليا وخارجيا، الا اذا اراد تأجيج الصراع مع ايران، واشعال نار الاضطرابات في المنطقة الشرقية ومع ابناء الطائفية الشيعية بالذات، ولذلك من غير المستبعد ان يتريث في تنفيذ حكم الاعدام، واطالة امد الاجراءات القانونية او ان يقرر اصدار عفو عن الشيخ النمر لامتصاص التوتر مع ايران وابناء الطائفة الشيعية في الاحساء.
التنفيذ سيغضب ايران وابناء الطائفة الشيعية في المنطقة وداخل المملكة نفسها، وعدم التنفيذ قد ينظر اليه البعض بأنه تهاون معهم ومحاباة لهم من منطلق الخوف بالنظر الى تغريدات بعض المتشددين على شبكات التواصل الاجتماعي خصوصا.
***
لا نعرف كيف سيتعاطى العاهل السعودي مع هذه المسألة، ولكننا نتمنى ان لا يتم تنفيذ الاعدام، ليس خوفا من ردود الفعل او استجابة للتهديدات والتحذيرات التي صدرت من هذه الدولة او تلك الجهة، وانما من منطلق الثقة والحرص على الوحدة الوطنية وحقن الدماء، ونأمل في الوقت نفسه ان نرى عفوا عاما عنه وعن كل العلماء المسجونين في سجون المملكة حاليا مثل الشيخ سعود الهاشمي، والشيخ محمد العريفي، والشيخ بن زعير، والقائمة طويلة.
الخروج على ولي الامر لم يعد جريمة تستحق عقوبتها الاعدام في زمن الحريات والثورات المطالبة بالعدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد، ثم ان هذه مسألة جدلية لها جوانب متعددة وخلافية، والا لماذا تتبنى المملكة رسميا “المناصحة” منهجا رسميا للتعاطي مع هؤلاء في السجون والمعتقلات، وبعضهم اقدم على كل انواع التحريض ضد النظام وشارك في هجمات دموية؟

حملات التحريض العنصري ضد النازحين السوريين في لبنان يجب ان تتوقف.. وعلينا جميعا ان لا ننكر جميلهم نحونا.. وفتحهم بيوتهم وقلوبهم لكل العرب.. ارحموا عزيز قوم ذلّ

في مقال عاطفي يعتصر بالالم نشرته هذه الصحيفة للزميل كمال خلف المذيع ومقدم البرامج المعروف في قناة “الميادين”، قال انه شاهد بأم عينيه رجال امن حدود لبنانيين في معبر “المصنع″ الحدودي مع سورية يصفعون ويضربون مواطنيين سوريين، ويشتمون آخرين يتزاحمون للانتقال الى الجانب اللبناني هربا من الموت، وسعيا من اجل هدنة، قد تطول او تقصر، من الخوف والرعب والمعاناة.

الزميل خلف قارن، وبطريقة رومانسية، بين المضايقات التي يتعرض لها النازحون السوريون في لبنان، وبعض حدوده، وبين صديق له هاجر الى هولندا، وكيف استقبل ذلك الصديق الاستقبال الطيب له ولاطفاله، حتى ان اخصائية نفسية قامت بفحص اطفاله خوفا من تأثير الرحلة الطويلة عليهم، وفي آقل من شهر حظي ببيت وراتب شهري.

لبنان قطعا ليس مثل هولندا، فربما لو تدفق مليون ونصف المليون نازح سوري الى الاخيرة لكانت الصورة مختلفة ربما، ولكن سورية اعظم من البلدين، فيما يتعلق بالنازحين واللاجئين العرب على مر العصور، فقد وقفت مع لبنان في كل حروبه، واستقبلت مئات الآلاف من اللبنانيين، ومن قبلهم آلاف الفلسطينيين واكثر من مليون ونصف المليون عراقي، ولم تقم معسكرا واحدا لهؤلاء جميعا، فقد نزلوا في بيوت السوريين وقلوبهم، واقتسموا معهم لقمة الخبز، والمستشفيات والمدارس وعوملوا مثل السوريين ان لم يكن افضل.

***

نقول هذا الكلام بمناسبة ما يتردد عن حملات عنصرية مؤسفة يتعرض لها النازحون السوريين في لبنان هذه الايام بعد ذبح اثنين من الجنود اللبنانيين على ايدي مقاتلين يتبعون لتنظيم “الدولة الاسلامية” (داعش) جرى اسرهم على حدود مدينة عرسال اللبنانية على الحدود السورية، احدهما شيعي وآخر سني، فالذباح طائفي في كل شيء الا في الذبح حيث تتساوى الضحايا ومذاهبهم.

ندرك جيدا ان لبنان يواجه ظروفا اقتصادية وسياسية وامنية صعبة، ويستقبل حاليا اكثر من ربع سكانه من النازحين السوريين، ولكن هذا لا يعني، ويجب ان لا يبرر مطلقا، ان يتعرض هؤلاء للاهانات والطرد من منازلهم، والضرب والشتائم من قبل بعض العنصريين، وفي ظل تحريض اعلامي غير مسبوق، حتى ان صحيفة لبنانية كانت توصف بأنها محترمة، توقعت انهيار لبنان اذا تجاوز عدد النازحين السوريين فيه عتبة المليون، وقد تجاوزوا هذه العتبة ولم ينهار لبنان بل ازداد رخاء وازدهارا وحافظت عملته على قوتها.

بعد اغتيال السيد رفيق الحريري واجه العمال السوريون حملات عنصرية مماثلة، وتعرضوا لاعتداءات مؤسفة، حيث جرى تدمير “بسطاتهم” والقاء بعضهم من فوق العمارات التي يعملون فيها، وطردهم من مقرات اقامتهم المتواضعة واطلاق الكثير من النكات السمجة والعنصرية للسخرية منهم، وها هي الحملات العنصرية تعود بصورة اقوى حتى ان بعض المجالس المحلية فرضت في الآونة الاخيرة حظر تجول من التاسعة مساء حتى السادسة صباحا على بعض الاماكن التي يتكدس فيها النازحون السوريون.

عدت لتوي من الاردن حيث يوجد حوالي مليون نازح سوري في بلد يقترب تعداده من تعداد سكان لبنان، مع فقر في كل الموارد الطبيعية وارتفاع حاد في البطالة، ولم نسمع مطلقا اي حوادث عنصرية ضد هؤلاء من الدولة المضيفة وشعبها الا ما ندر، بل كل الاحترام والتقدير والتفهم، وحدث الشيء نفسه بالنسبة الى اكثر من مليون نازح عراقي.

نعترف مسبقا بأن هذه الفئة العنصرية المعادية للنازحين السوريين محدودة ولا تمثل الشعب اللبناني الطيب المضياف، ونتابع الحملات النشطة على مواقع التواصل الاجتماعي ضدها، والمناهضة لعنصريتها، والمؤكدة على الروابط الاخوية المصيرية بين الشعبين الشقيقين، ولن نسقط في خطيئة التعميم مطلقا.

***

النازحون السوريون لم يكونوا ابدا عبئا على احد، فأينما حلوا يخلقون ازدهارا اقتصاديا، فمعظمهم من الخبرات المهنية العالية الكفاءة، والعمالة الماهرة، والعقول الاقتصادية الجبارة، ففي مصر على سبيل المثال اقاموا سلسلة من المطاعم والمقاهي، نقلت الشام الى قلب مدينة السادس من اكتوبر، واضافت عليها طابعا حضاريا مميزا، وفي بيروت وطرابلس فعلوا الشيء نفسه، واي مكان يهاجرون اليه في العالم يتحولون الى مليونيرات في بضعة اعوام، واشهر الاطباء والمستشفيات الخاصة والمطاعم والشركات الناجحة في لندن وباريس والرياض وجدة ودبي اصحابها سوريون.

الشعب السوري يعيش محنة اكثر شراسة من محن الشعوب العربية الاخرى مجتمعة، ومن العيب والعار ان لا يجد من بعض اهله من يتعاطى معه بعنصرية وعجرفة وفوقية، ويستغل ظروفه الصعبة لسبي حرائره في صفقات مشبوهة وغير انسانية، ولا داعي للخوض في تفاصيل مرعبة في هذا الصدد.

نتمنى ان لا تطول هذه المحنة، وان لا تغير نفسيات الشعب السوري الذي يحمل في عروقه اقوى جينات العروبة والاسلام السمح، هذا الشعب الذي ضرب مثالا مشرفا في التعايش والتكافل، والتعاضد، وترفع عن كل الامراض الطائفية، بل قاومها بكل ما اوتي من قوة، نتمنى ان تتوقف كل محاولات اذلاله وهو الكريم الشهم الاصيل والعزيز، من اي طرف او مكان جاءت، فهذا شعب لا يستحق الا الاحترام والحياة الكريمة.

حضور روحاني لحفل تنصيب السيسي حدث كبير.. ورفضه الدعوة حدث اكبر.. واستثناء تركيا وقطر يطرح الكثير من علامات الاستفهام

ضعف الاقبال على التصويت في الانتخابات الرئاسية المصرية جاء بمثابة الصدمة بالنسبة الى المشير عبد الفتاح السيسي، ولكن الصدمة الاكبر في رأينا ستكون في انخفاض مستوى المشاركة في حفل تنصيبه رئيسا للجمهورية الذي سيقام صباح الاحد حيث سيؤدي القسم في المحكمة الدستورية العليا امام الرئيس المؤقت عدلي منصور.

فباستثناء قادة الدول الخليجية الاربع الرئيسية اي المملكة العربية السعودية (الامير سلمان بن عبد العزيز ولي العهد) ومملكة البحرين (الملك حمد بن عيس آل خليفة) ودولة الامارات (الشيخ محمد بن زايد ولي العهد) ودولة الكويت (الامير صباح الاحمد)، جاء مستوى التمثيل في الحفل، وحتى كتابة هذه السطور، اقل بكثير من المتوقع حيث غاب معظم الزعماء.

الدعوات جرى توجيهها الى 22 دولة، من بينها الولايات المتحدة وروسيا وفلسطين والاردن واثيوبيا والصومال والمغرب، باستثناء العاهل الاردني والرئيسين الصومالي والفلسطيني، فضلت اغلبية الدول تمثيلها بمبعوثين شخصيين او سفراء او مستشارين.

استثناء تركيا وقطر واسرائيل من توجيه الدعوات للمشاركة في هذه المناسبة كان متوقعا، ولكن المفاجأة غير المتوقعة تمثلت في توجيه الدعوة الى الرئيس الايراني حسن روحاني بصفته رئيسا لايران، وبصفته رئيسا لدول عدم الانحياز، ولكن حتى كتابة هذه السطور ايضا، لم نسمع، او نقرأ عن اي رد ايراني بقبول الدعوة، او الاعتذار عن قبولها، خاصة ان معظم الوفود المشاركة وصلت الى القاهرة، ولم يكن من بينها اي وفد ايراني.

***

قبول الرئيس روحاني للدعوة، والمشاركة في حفل التنصيب بالتالي، سيكون الحدث الاهم والابرز في هذه المناسبة الذي قد يطغى على صاحب الدعوة نفسه، اما رفضها بالمطلق، سيكون حدثا اكبر لما قد ينطوي عليه من تبعات سياسية على درجة كبيرة من الاهمية ايضا.

فمن المفترض ان يطير الرئيس الروحاني الى انقرة يوم الاثنين في زيارة رسمية هي الاولى له منذ انتخابه رئيسا للجمهورية وكرد على زيارة فام بها رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، فهل رأت المؤسسة الايرانية الحاكمة انه بات من الصعب عليها الجمع بين حلفين ومعسكرين متناقضين وربما متحاربين في المستقبل، اي تركيا من ناحية والحلف المصري الخليجي الجديد من الناحية الاخرى بات في طور التبلور في الاشهر الستة الاخيرة، وبعد الاطاحة بالرئيس الاخواني محمد مرسي في انقلاب عسكري بقيادة المشير السيسي.

الايرانيون دهاة في السياسة واللعب على التناقضات الاقليمية والدولية ويملكون رصيدا كبيرا في الصبر، وتوجيه الدعوة من قبل المشير السيسي للمشاركة في الحفل محاولة لتحييدهم، اي الايرانيين، وابعادهم عن المعسكر التركي القطري الاخواني، ومحاولة جذبهم الى الائتلاف او الحلف المصري السعودي الجديد، ولكنهم فضلوا فيما يبدو التريث، والانتظار وعدم التسرع في اتخاذ اي قرار بالانحياز الى هذا الحلف او ذاك والبقاء على الحياد ولو مؤقتا حتى يذوب الثلج ويظهر ما تحته.

ارسال الولايات المتحدة شخصية غير رفيعة للمشاركة في حفل التنصيب، واكتفاء الاتحاد الاوروبي، بارسال سفرائه لحضور الحفل وغياب السيدة كاثي اشتون وزيرة الخارجية الاوروبية، يعكس تحفظات عديدة عنوانها الرئيسي هو القلق على تدهور الحريات وحقوق الانسان في مصر، ولكن هناك اسباب اكثر عمقا في رأينا لا بد انها ستظهر في الاشهر المقبلة، ومن بينها محاولة الاطمئنان على مدى قدرة الحكم الجديد على البقاء والصمود، ومعالجة التحديات الصعبة التي تقف في طريقه، وكذلك التعرف على موقفه من مسألتين مهمتين اولهما الصراع في سورية، وثانيهما اتفاقات كامب ديفيد.

فالرد المصري الذي صدر صباح اليوم على هذه التحفظات الاوروبية العلنية بارسال ملفات عشرة محكومين بالاعدام الى المفتي للتصديق على هذه العقوبة جاء اكثر سرعة من المتوقع، مما يؤكد مجددا ان سياسة القبضة الحديدة التي يتبعها الرئيس السيسي منذ وصوله الى الحكم يوم الثالث من تموز (يوليو) الماضي ستستمر وربما تزداد شراسة، وهذا غير مستغرب من رجل تعهد باجتثاث حركة الاخوان المسلمين، واعتقل معظم قياداتها، واكثر من عشرين الفا من انصارها، وبسبب هذا التعهد، وهذا العداء، حقق الفوز في الانتخابات الرئاسية الاخيرة.

الملوك والامراء واولياء العهود الخليجيون لم يأتوا الى القاهرة للمشاركة في حفل التنصيب وانما لتدشين الحلف الجديد الذي سيتمحور حول مصر وجيشها ويضم الاردن ايضا الى جانب الدول الثلاث التي سحبت سفراءها من الدوحة (السعودية الامارات البحرين) مع تزايد المؤشرات التي تفيد بان الكويت باتت على وشك الانضمام.

***

رسالة التهنئة الطويلة، وغير المألوفة، التي بعث بها العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، كانت تحمل تهديدات واضحة لكل من يتدخل في الشأن المصري الداخلي، وتعتبره تدخلا في “شؤون الاسلام” و”المملكة” نفسها، وتتبرأ من اي دولة تملك المال (اشارة الى قطر) لا تلبي دعوته (العاهل السعودي) لمشروع مارشال اقتصادي لانقاذ الاقتصاد المصري وتعزيز قوة مصر المالية، فهذه اكبر “مبايعة” للرئيس المصري الجديد، و”خريطة طريق” تحدد الاعداء والاصدقاء واعادة احياء “محور الاعتدال العربي” الذي وأدته ثورات ما يسمى بالربيع العربي، مثلما قلنا في مقال سابق.

فاذا كانت الدول الخليجية ستتكفل بمواجهة التحدي الاقتصادي الاكبر الذي يواجه الرئيس السيسي، وتزيل اعباءه عن كاهله، فان هذا يعني تفرغه للملفات الامنية وعلى رأسها اكمال مهمته التي بدأها في مصر بمطاردة الاخوان والتصدي لـ”الارهاب” في المنطقة، حسب وصفه.

عندما يصرح العقيد محمد حجازي المتحدث باسم اللواء الليبي المتمرد خليفة حفتر بان الاخير ينتظر قيام الجيش المصري بعملية عسكرية داخل ليبيا للقضاء على “الارهاب”، فان هذا التصريح قد يكون مؤشرا على اولويات الجيش المصري المقبلة، خاصة ان المشير السيسي وقبل انتخابه عبر في مقابلة مع محطة “العربية” عن قلقه من جراء تدهور الاوضاع في ليبيا وقال ان استمرار الوضع الراهن قد يعني سقوط الدولة وهذا “امر لا يليق ان نتفرج عليه”.

مهام الرئيس السيسي القادمة ودوره يذكرنا بدور الرئيس العراقي صدام حسين في اعلان الحرب على ايران لحماية العراق ودول الخليج معا، من اخطار وصول ثورتها “الخمينية” الى شواطئها في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، وهي الحرب التي استمرت ثماني سنوات وتحملت السعودية والكويت معظم نفقاتها.. فهل نقول ان التاريخ يعيد نفسه ولكن بلاعبين آخرين مثلما جرت العادة؟!

لا يهم ما ذا كانت الغارات الاسرائيلية ضربت في الاراضي السورية او اللبنانية.. المهم انها انتهكت كرامتنا وحرمة اراضينا.. ولا نعفي النظام السوري وحزب الله وروسيا وايران من المسؤولية

نشعر بالالم، والهوان، كعرب ومسلمين، بل كبشر ايضا، عندما يتناهى الى اسماعنا اقدام الطائرات الحربية الاسرائيلية على قصف اهداف داخل الاراضي العربية في وضح النهار ولا يتصدى لها احد حتى لكأنها في نزهة.

بالامس اغارت الطائرات الاسرائيلية على اهداف لحزب الله عند الحدود اللبنانية السورية، وتردد انها دمرت بطاريات صواريخ، بينما قالت مصادر اخرى ان الهدف كان شحنة اسلحة سورية “متطورة” كانت في طريقها الى الحزب في لبنان عبر طرق جبلية حدودية وعرة.

قرأنا، وسمعنا، عن جدل واقوال متضاربة حول المكان الذي ضربته الطائرات الاسرائيلية، فمن قال ان الغارة وقعت في الاراضي اللبنانية، ومن اكد انها داخل الاراضي السورية، وهذا جدل عقيم، ومخجل، بكل المقاييس، فما الفرق بين قصف لصواريخ في طريقها الى حزب الله داخل الحدود اللبنانية او السورية، المهم ان عدوانا اسرائيليا وقع ولم يتصد له او يردعه احد.

بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي لم يتبن هذا العدوان كعادته دائما في كل المرات السابقة، وما اكثرها، ولكنه قال في مؤتمر صحافي مع ضيفته السيدة انغيلا ميركل مستشارة المانيا “سنقوم بكل ما هو ضروري للدفاع عن امن اسرائيل” بينما جددت حكومته مرارا عدم سماحها بنقل اسلحة متطورة الى حزب الله عدوها اللدود الذي يقاتل منذ اشهر الى جانب القوات السورية النظامية.

***

نتطلع ونتضرع الى الله، ومنذ سنوات ان يأتي اليوم الذي نسمع فيه ان الصواريخ او الطائرات العربية المقاتلة تصدت لغارات جوية اسرائيلية داخل اراض عربية واسقطت جميع الطائرات المغيرة او حتى احداها على الاقل، وان عدسات التلفزة هرعت لتصوير الطائرة المسقطة، وطيارها الذي وقع في اسر القوات العربية.

لا نفهم لماذا تعود جميع الطائرات الاسرائيلية الى قواعدها سالمة دون ان تخدش ومنذ سنوات، وبعد ان تنتهي غاراتها، وتدمر ما تدمر من اهداف، ونحن نملك آلاف المليارات من الدولارات كعرب، مثلما نملك الحلفاء، والاصدقاء، الذين يمكن، لو ان تحالفنا معهم يقوم على ارضية سليمة صلبة عنوانها المصالح المشتركة، ان يزودونا بالصواريخ المضادة للطائرات القادرة على انجاز هذا المطلب المشروع في الدفاع عن النفس الذي كفلته كل المواثيق الدولية والاخلاقية.

هل ما نقوله هنا نوع من الهذيان ام انه مجرد اضغاث احلام يقظة؟ ايا كان الامر فانه من حقنا ان نحلم، مثلما هو من حقنا ان نهذي وان نغضب، بعد ان فقدنا صوابنا من جراء هذه الاهانات الاسرائيلية المتوالية، والتي يبدو ان لا حدود لها، ولا امل قريب بوقفها.

لا نعرف لماذا لا تسلّم روسيا الحليف القوي للنظام السوري الذي يواجه كل هذه الاهانات لانه اسمتع اليها، واوقف مد انبوب الغاز القطري من المرور عبر اراضيه الى اوروبا لمنافسة نظيره الروسي، بصواريخ “اس 300″ الحديثة المضادة للطائرات، وهي التي وعدت بالتسليم منذ سنوات وهددت على لسان بوتين انها لن تتردد في ذلك اذا ما كسرت اسرائيل عدوانها وغاراتها؟

هذه الصواريخ دفاعية، مما يعني انها لن تستخدم لضرب اهداف في العمق الاسرائيلي، فلماذا يرفض الرئيس بوتين بيعها لسورية وايران او اي دولة عربية تطلبها، لحماية اراضيها وكرامتها الوطنية من هذه العربدة الاسرائيلية المستمرة؟ نحن نسأل ونريد جوابا.

لا نريد حججا، ولا تفسيرات عقيمة مللنا من سماعها، نريد ما يحفظ كرامتنا الوطنية والشخصية بعد ان شبعنا اهانات واذلال على يد هذا العدو الغاضب المتغطرس الذي ينتهك اجواءنا، وامننا الوطني وكرامتنا الدينية والقومية.

***

نعم انها مسؤولية النظام السوري ايضا، مثلما هي مسؤولية “حزب الله” في التصدي بقوة وحزم لهذه الغطرسة الاسرائيلية، مثلما يتصديان لقوى المعارضة السورية المسلحة المدعومة من الغرب ودول الخليج، مثلما هي مسؤولية الدول العربية التي تريد تسليح المعارضة بصواريخ متقدمة لاسقاط الطائرات السورية فلماذا تظل الطائرات الاسرائيلية محصنة؟

لا نعفي ايران ايضا من المسؤولية وهي التي تختبر كل يوم انواع جديدة من الصواريخ من مختلف الابعاد والاحجام، امام عدسات التلفزة، فما قيمة هذه الصواريخ اذا كانت ارض حلفائها مستباحة ومستهدفة من قبل الطائرات والصواريخ الاسرائيلية؟

فعلا لقد طفح كيل اهاناتنا كعرب ومسلمين، ما نريده فقط، وفي مرحلة الهوان التي نعيشها، ونتجرع كأس مرارتها هذه الايام، هو ان نجد من يقول كفى قوية ومؤثرة لهذا العدو الغاصب المعتدي بطريقة فاعلة ومؤثرة.

فهل هذا بكثير، وهل هذا الطلب غير منطقي؟ لا نريد اجابة ولا ننتظرها.