ليبيا

ذبح مغربي طعنا في جنوب فرنسا واعتداء على خمسين مسجدا وما زال المسلمون في دائرة الاتهام.. وقلقهم لا يحتل المرتبة الاولى للحماية في اجندة الحكومات الاوروبية.. ماذا لو طلب امام مسلم بما طالب به حاخام يهود بروكسل بتسليح المسلمين ايضا؟

عبد الباري عطوان
تعرض فرنسي من اصل مغربي لهجوم من قبل جاره الفرنسي ايضا اقتحم منزله ووجه اليه 17 طعنة سكين وارداه قتيلا وسط بركة من الدماء امام زوجته واطفاله، كما اشهر مهاجر من اصل روماني سكنيا في مدينة تولوز جنوب فرنسا وهدد بذبح مسلمين، وافادت التحقيقات الرسمية ان اكثر من خمسين مسجدا ومؤسسة اسلامية تعرضت لاعتداءات عنصرية من بينها كتابات تطالب بالموت للمسلمين ووضع رؤوس وامعاء خنازير امام ابوابها.
من يطالع الصحف البريطانية والفرنسية صباح السبت يجد ان الموضوع الطاغي في صفحاتها الاولى هو تشديد الحراسة من قبل السلطات الامنية على المؤسسات اليهودية لحمايتها من اي هجمات محتملة من قبل متشددين اسلاميين بعد مقتل اربعة اشخاص في المتجر اليهودي الذي اقتحمه احمد كوليبالي، ولا اشارة واحدة لتأمين الحراسة للمسلمين وان وجدت فهي على استحياء شديد.
هناك خوف في اوساط الجاليات اليهودية، ولكن الخوف في اوساط الجالية الاسلامية اكبر في ظل تصاعد نفوذ وقوة الاحزاب والجماعات اليمينية العنصرية المتطرفة التي تستهدف المسلمين وتهدد بترحليهم من اوروبا كلها وسط اعمال تحريض اعلامية وسياسية غير مسبوقة، وجاء الهجوم على صحيفة شارلي ابدو الاسبوعية ليعطيها الذحيرة التي كانت تنتظرها وتحلم بها.

***

في المانيا على سبيل المثال توجد حركة “بيغيدا” اليمينية المتطرفة (حركة وطنيون اوروبيون ضد اسلمة الغرب) هذه الحركة تنظم مظاهرة كل يوم اثنين في جميع المدن الالمانية، في المظاهرة الاولى التي نظمتها في تشرين الاول (اكتوبر) الماضي اشترك فيها 500 شخص، وفي الثانية التي نظمتها في شهر كانون الاول (ديسمبر) الماضي ارتفع الرقم الى 10 الاف شخص، اما مظاهرة الاثنين الماضي فارتفع عدد المشاركين الى 25 الفا.
بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل استغل هجوم المتشددين على مجلة شارلي ابدو لدعوة اليهود الفرنسيين الى الهجرة الى فلسطين المحتلة، وجرى دفن اليهود الاربعة ضحايا هجوم متجر باريس في جبل المكبر في القدس المحتلة، اي في اراضي مغتصبة، وهناك مؤشرات بأن عشرة آلاف يهودي فرنسي قد يهاجرون الى فلسطين المحتلة هذا العام، ومن المؤكد انه سيجري توطين معظمهم في مستوطنات في الضفة الغربية.
الحاخام مناحيم مارجولين، حاخام بروكسل ورئيس الاتحاد الاوروبي للمنظمات اليهودية طالب مختلف وزراء داخلية الحكومات الاوروبية بتعديل قوانين حمل السلاح للافراد بما يسمح لليهود في اوروبا بحمل السلاح للدفاع عن انفسهم، ونقلت عنه صحيفة “بلجيكا الحرة” الصادرة اليوم (السبت) ان اليهود في حال قلق بعد الهجمات الاخيرة في فرنسا.
قلق الجالية اليهودية مفهوم، ولكن ماذا يمكن ان يحدث لو امام او زعيم مؤسسة او هيئة اسلامية في اوروبا تقدم بالطلب نفسه على سبيل المثال، وكيف ستكون ردود الفعل؟
المسألة لم تعد الدفاع عن حرية التعبير مثلما كانت قبل اسبوع، وانما تحولت الى مسألة امنية بحته توجه اصابع الاتهام الى المسلمين، او المتشددين منهم على اعتبارهم مصدر تهديد لامن اوروبا واستقرارها، وبما يحتم ضرورة تحالف القارة العجوز مع امريكا لمواجهة هذا الخطر، مثلما فعل ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا الذي طار الى واشنطن من اجل هذا الغرض.
اذا كان هناك خطر على اليهود في اوروبا واي مكان آخر في العالم فإن سببه اغتصاب فلسطين، وسياسات اسرائيل الاستيطانية والعنصرية، وحروبها ومجازرها ضد العرب والفلسطينيين، واصرار نتنياهو على اعتراف العرب والمسلمين بإسرائيل كدولة يهودية عنصرية، واقناع اليهود والحكومات والاعلام الغربي بأن اي انتقاد لهذه الممارسات العنصرية هو عداء لليهود والسامية، ومن المؤسف انه نجح نجاحا ملموسا في جر اليهود الى هذه المصيدة.
كل من ينتقد المجازر الاسرائيلية في قطاع غزة وجنوب لبنان هو معاد للسامية ولليهود ومتطرف يجب وضعه على لائحة الاتهام، ومن المؤلم ان الكثيرين من الكتاب الغربيين، ناهيك عن العرب والمسلمين وضعوا على هذه اللائحة وطوردوا في اكل عيشهم، ومنعوا من حرية التعبير بطريقة او باخرى ومن بين هؤلاء يهود.
الحكومات الغربية التي تعلن حالة الطوارىء القصوى يجب ان تعلم جيدا بان ما يهدد استقرار مجتمعاتها هو سياساتها التي توفر الذخيرة الاكبر للجماعات المتشددة لتجنيد الشباب المسلم في صفوفها ودفعه لتنفيذ هجمات “ارهابية”.
***
ديفيد كايمرون ونظيره نيكولاي ساكوزي هما اللذان ذهبا الى بروكسل قبل ثلاث سنوات لرفع الحظر عن ارسال السلاح الى الجماعات التي تقاتل لاسقاط النظام في سورية، وعندما خرج المارد من القمقم وباتت هذه الجماعات هي الاقوى وتطالب باقامة دولة الخلافة تحول هؤلاء الى ارهابيين وتغيرت الاولويات والحلفاء ايضا.
الرئيس جورج بوش الاين اعلن الحرب على الارهاب ومعه حلف الناتو، وبعض العرب من اجل محاربة الارهابيين حيث يتواجدون في العالم الاسلامي لمنع وصولهم الى امريكا واوروبا، وربما يكون هناك نجاح تحقق، ولكن لم يدر في ذهن هؤلاء ان محاربة الارهاب في الخارج ستؤدي الى نموه في الداخل.
الاجراءات الامنية المشددة لن تحقق الاستقرار في اوروبا وتمنع الهجمات، وانما اتباع سياسات تقوم على المساواة والعدالة بين ابناء جميع الديانات ووقف كل اعمال التحريض والاستفزاز، ونكرر بأن الذين خلقوا الازمة وتداعياتها هم ثلاثة اشخاص فقط، ولا يملكون طائرات (اف 16) او صواريخ كروز ولا اسلحة نووية.
توجيه اصابع الاتهام الى الجالية الاسلامية من خلال هذه الاجراءات الامنية التي توفر الحماية لغيرهم باعتبارهم ضحايا، قد يعطي نتائج عكسية تماما، لان المسلمين هو الضحايا ايضا، وهم الذين يقتلون ايضا في بلدانهم التي لجأوا اليها، او في بلدانهم التي هربوا منها بحثا عن الحرية ولقمة العيش الكريم.
نحن مع حرية التعبير دون قيود، ولكننا ضد استخدامها كذريعة ليس لاستفزاز المسلمين فقط، وانما كنقطة استغلال لتجريمهم ووضعهم في دائرة الاتهام، وعدم مساواة خوفهم وقلقهم بقلق الآخر وخوفه ايضا.

السعودية تفشل المبادرة الفنزويلية وترفض اجتماعا طارئا للاوبك.. واسعار النفط تهبط الى الاربعين دولارا.. وايران تهدد وتتوعد وروسيا صامته.. وخسائر الخليج تعيد اعمار العالم العربي كله

عبد الباري عطوان
ذكرتني الجولة التي يقوم بها حاليا الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في اربع دول رئيسية منتجة للنفط هي ايران والسعودية وقطر والجزائر في محاولة لاقناعها بمبادرته التي تنص على انعقاد قمة طارئة لمنظمة الاوبك لبحث ازمة تدهور الاسعار الحالية، بجولة مماثلة لسلفه الاسبق الرئيس كارلوس رودريغز قبل 37 عاما تقريبا ومن اجل الهدف نفسه لكن لاسباب مختلفة.
كنت في حينها، اي عام 1977 على ما اذكر اعمل محررا في صحيفة “المدينة” اليومية السعودية، واوفدني رئيس التحرير الصديق احمد محمد محمود الى الرياض لتغطية زيارة الرئيس الفنزويلي وجاء اختياري، لسبب ليس له علاقة بالكفاءة، بقدر ما له علاقة بلغتي الانكليزية المعقولة، فقد كنت اتحسس طريقي في هذه المهنة الصعبة، وهذه قصة اخرى.
الرئيس الفنزويلي رودريغز حط الرحال في الرياض من اجل اقناع العاهل السعودي الملك خالد بن عبد العزيز برفع اسعار النفط السعودي بنسبة 5 بالمئة من اجل ردم الهوة مع اسعار دول اوبك اخرى رفعته في اجتماع سابق لها بنسبة 10 بالمئة وهو ما رفضته السعودية واصرت على ان تكون الزيادة نصف هذه النسبة، وتردد ان هذا الرفض جاء بضغوط امريكية.
اذكر انني سألت الامير فهد بن عبد العزيز ولي العهد الذي ترأس الوفد السعودي في المباحثات مع الضيف الفنزويلي وكان الحاكم الفعلي للبلاد، عما اذا كانت المملكة ستتجاوب مع مطلب رفع اسعار نفطها اسوة بالدول الاخرى، فقال لي ان المملكة “ملتزمة” بوحدة منظمة الاوبك وكانت هذه كلمة السر، وفعلا رفعت المملكة سعر نفطها 5 بالمئة اخرى ومرت الازمة، وخرجت انا بسبق صحافي عالمي.
***
يبدو ان الرئيس الفنزويلي الحالي مادورو اقل حظا من الرئيس كارلوس، لان مبادرته بخفض انتاج النفط السعودي من اجل رفع الاسعار او بالاحرى وقف انهيارها السريع لم تحقق اي من اهدافها، فقد اعلن بعد اجتماعه مع السيد عبد الملك سلاس رئيس وزراء الجزائر المحطة الاخيرة في جولته “انه لا يوجد اجماع بين الدول الاعضاء في اوبك لعقد اجتماع طارىء للمنظمة”، وفي واقع الحال ليس هناك حاجة لاجماع، وانما موافقة دولة واحدة تنتج 9.6 مليون برميل يوميا وهي السعودية يمكن ان تحل الازمة اذا ارادت، وتوافق على الاجتماع الطارىء، وتقبل بالتالي بخفض الانتاج.
فشل جهود الرئيس الفنزويلي يعني ان اسعار النفط التي وصلت امس الى اقل من 45 دولارا للبرميل قد تصل الى اربعين دولارا غدا، و35 دولارا الاسبوع المقبل حتى تصل الى عشرين دولارا مثلما بشر السيد علي النعيمي وزير نفط المملكة الدول الاخرى الاعضاء، الامر الذي قد يؤدي الى افلاس معظم الدولة المنتجة غير الخليجية، وخاصة فنزويلا ونيجيريا وايران وروسيا.
كل دولار انخفاض في اسعار برميل النفط يعني خسارة مقدارها ملياري دولار من دخل روسيا يوميا، واذا قدرنا ان اسعار النفط انخفضت بحوالي سبعين دولارا منذ حزيران (يونيو) الماضي فإن هذا يعني ان خسارة روسيا السنوية 140 مليار دولار مرشحة للزيادة، والحسبة نفسها تنطبق على ايران وفنزويلا ونيجيريا وجميع الدول المصدرة للنفط.
السعودية ودول الخليج الاخرى لن تتأثر على المدى القصير، لان جيوبها عميقة، فالسعودية تملك فائض نقدي مقداره 750 مليار دولار وتستطيع تحمل الخسائر لعدة سنوات، والشيء نفسه يقال عن الكويت والامارات وقطر التي تملك صناديق سيادية تزيد قيمتها على ترليون ونصف ترليون دولار تقريبا، ولكن ليس البحرين وسلطنة عمان، الدول الافقر والاقل انتاجا والاكثر سكانا مثلما هو حال الثانية (عمان).
هناك ثلاثة اعتبارات او اسباب رئيسية ادت الى انخفاض اسعار النفط بهذه الصورة المتسارعة:
• اولا: ضعف الطلب بسبب الازمة الاقتصادية العالمية.
• ثانيا: زيادة الانتاج الامريكي من النفط الصخري حوالي خمسة ملايين برميل يوميا سترتفع الى عشرة عام 2020.
• ثالثا: رفض السعودية خفض الانتاج من اجل زيادة الاسعار اثناء اجتماع اوبك الاخير في كانون الاول (ديسمبر) الماضي.

روسيا وايران لديهما انطباع مؤكد ان هناك مؤامرة سعودية امريكية تهدف الى تضييق الخناق عليهما اقتصاديا من خلال تخفيض اسعار النفط، الاولى بسبب ضمها لجزيرة القرم ودعم انفصال شرق اوكرانيا، والثانية لدعمها النظام السوري وحزب الله وحركة المقاومة الاسلامية الفلسطينية، فالاقتصاد الروسي الذي يعتمد بنسبة 70 بالمئة على صادرات النفط والغاز مرشح للدخول في حال كساد هذا العام، والروبل خسر ستين في المئة من قيمته امام الدولار، وكل محاولات دعمه بما في ذلك رفع سعر الفائدة الى 17 بالمئة باءت بالفشل، والشيء نفسه يقال عن ايران التي تدهورت عملتها لاكثر من ثمانين في المئة، وقد اقرت ميزانيتها للعام المقبل ابتداء من اول اذار (مارس) على اساس سعر 72 دولارا للبرميل اي بعجز متوقع بنسبة 33 بالمئة على اقل تقدير اذا وقف انهيار اسعار النفط عند حاجز 45 دولارا مثلما هو الحال اليوم.

***

ايران بدأت تشعر بسخونة الازمة، وانعكس هذا في تصريحات الرئيس حسن روحاني التي هدد فيها امس بأن من خفضوا اسعار النفط (في اشارة الى السعودية) ضد بعض البلدان (في شارة الى ايران وروسيا) سيندمون على هذه الخطوة، وقال “ايران لن تخضع للمؤامرة وستتغلب عليها.
السعودية التي تخوض حاليا حربا في سورية والعراق ضد “الدولة الاسلامية” واخرى ضد التهديد الامني لانصارها في الداخل بدأت الآن على حافة حرب اخرى ضد دول منظمة اوبك وخارجها بعضها مسلم مثل ايران ونيجيريا والجزائر وليبيا واخرى غير مسلمة مثل روسيا وفنزويلا.
خسائر دول الخليج وحدها من انخفاض اسعار النفط الى 45 دولارا تصل الى اكثر من 300 مليار دولار سنويا وهي خسارة كفيلة بإعادة اعمار وتنمية كل الدول العربية مجتمعة وايجاد وظائف لكل الشباب العربي العاطل عن العمل، ناهيك عن الشباب السعودي الذي تبلغ نسبة البطالة في صفوفه اكثر من ثلاثين في المئة.
لا نعرف من هم الاكثر حكمة وتبصر في التعاطي مع الازمات النفطية الطارئة، حكام السعودية القدامى ام الحاليين.
المقارنة ليست في محلها، والظروف تغيرت حتما، ولكن ما يمكن قوله ان السيد النعيمي وزير النفط السعودي ومن يرسمون له السياسات يقدمون على مقامرة خطيرة جدا سياسيا واقتصاديا من الصعب التنبؤ بنتائجها، خاصة ان الامور بدأت تخرج من ايدي الجميع وباتت امكانية السيطرة عليها معدومة، والله اعلم.

لماذا يتقدم مسؤولون عربا مظاهرة باريس تضامنا مع الضحايا الفرنسيين جنبا الى جنب مع الحمل الوديع نتنياهو ولم نراهم مطلقا في مظاهرة تضامنا مع ضحايا مجازر العراق وغزة وقانا اللبنانية؟ ولماذا نشكر وزير خارجية المغرب الذي قاطع مهرجان النفاق العربي هذا؟

عبد الباري عطوان
بعد ان يهدأ غبار عاصفة “التضامن” مع ضحايا مجلة “تشارلي ابدو” الفرنسية الاسبوعية، ويذوب “ثلج النفاق” الذي تراكم في مقدمة مسيرة اليوم المليونية في قلب باريس، وتهدأ العواطف الصادقة والكاذبة معا، ستظهر الحقائق تباعا، الواحدة تلو الاخرى، وابرزها ان معظم المسؤولين العرب والاجانب الذين تقدموا الصفوف هم من اكبر صناع الارهاب الحقيقي الذي جاءوا لادانته، والحاضنة الدافئة والمريحة له، بقصد وتعمد او بغير قصد، ابتداء من بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي ارتكب لتوه مجزرة في قطاع غزة راح ضحيتها الفين ومئتي الف انسان ثلثهم من الاطفال، وما زال مئة الف من اهاليهم في العراء في مواجهة عاصفة ثلجية قاتلة، ومرورا بالسيد احمد داوود اوغلو المتهمة حكومته بتوفير الممر الآمن والسريع لآلاف الجهاديين العرب والمسلمين المتهمين بالوقوف خلف هجوم باريس، وانتهاء بفرانسوا هولاند رئيس فرنسا واصدقائه البريطانيين والامريكان الذين تمارس طائراتهم، بطيار او بدونه، في هذه اللحظة قتل الابرياء في افغانستان والعراق وسورية واليمن، عمدا او عن طريق الخطأ.
الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي لم يتزعم او يتصدر مظاهرة واحدة في رام الله، ناهيك عن غزة، تضامنا مع ابنائه ومواطنيه الذين ذبحتهم الطائرات الاسرائيلية تحت سمع اصدقائه في فرنسا وبريطانيا وامريكا وبصرهم، كان الاكثر حماسا في الظهور في مقدمة مظاهرة باريس على بعد امتار من القاتل بنيامين نتنياهو.
***
ايريك هولدر وزير العدل الامريكي الذي شارك في المظاهرة ايضا قال انه لا توجد اي معلومات حتى الآن تؤكد ان تنظيم “القاعدة” يقف وراء الهجمات على المجلة الفرنسية الساخرة، واكد الشيء نفسه الجنرال مارتن ديمبسي قائد الجيوش الامريكية، الامر الذي يطرح العديد من علامات الاستفهام حول الاصرار على قتل المتورطين الثلاثة، وعدم الانخراط في اي مفاوضات معهم، وهم الذين عرضوا الاستسلام، لاعتقالهم احياء، والتحقيق معهم لمعرفة ما اذا كانوا اقدموا على هذه الجريمة وحدهم ام بتكليف من جماعة “ارهابية”، تماما مثلما حدث مع الفرنسي من اصل جزائري محمد مراح مقتحم مدرسة تولوز الفرنسية اليهودية عام 2012، وتسرع الكثيرون باتهام تنظيم “القاعدة” في اليمن بالوقوف خلف الهجوم لان شريف كواشي زار صنعاء.
للمرة المليون نؤكد هنا اننا لسنا مع الارهاب، واننا مع حرية التعبير، والا لما اصدرنا هذه الصحيفة من لندن، وليس من اي عاصمة عربية اخرى، ولكننا لسنا مع حرية الاساءة للانبياء والرسل وتطاول المجلة المذكورة على الديانتين اليهودية والمسيحية ورموزها لا يمكن، بل الا يجب، ان يبرر تطاولها ورساميها، على الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي ضرب مثلا في الرحمة والتسامح حتى مع خصومه وقال كلمته المأثورة “عظّموا انفسكم بالتغافل” ونزلت الآية الكريمة تأكيدا على ذلك التي تقول “واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما” صدق الله العظيم.
مكافحة الارهاب لا تتم بالتنسيق الاستخباري، واستهداف ابناء العقيدة الاسلامية بالملاحقة والتوقيف والتفتيش (المسلم معرض للتوقيف اكثر من 30 مرة بالمقارنة بغير المسلم في معظم الدول الاوروبية)، وانما ايضا من خلال وقف السياسات الاستعمارية الاذلالية في العالم الاسلامي.
نحن نرفض المقولة التي يرددها القادة الغربيون لتبرير تدخلاتهم الدموية في العالم الاسلامي، وتقول اننا نحاربهم في بلدانهم حتى لا يأتوا الينا، مما يعني ارتكاب المجازر في حق الابرياء دون اي سند قانوني او اخلاقي تحت عنوان مكافحة الارهاب، واكبر دليل على فشل هذه المقولة عملية الهجوم على المجلة الفرنسية، والكنيس اليهودي في بروكسل، واقتحام المدرسة الفرنسية اليهودية في “تولوز″، بل لا نبالغ اذا قلنا ان جميع هذه التدخلات ادت الى تحويل دول آمنة الى دول فاشلة تشكل البيئة الاخصب للجماعات المتشددة.
مجلة “الايكونوميست” البريطانية قالت في عددها الاخير الصادر يوم الجمعة الماضي ان ليبيا التي “حررها” الناتو ستصبح الدولة الفاشلة القادمة رسميا بعد اربع سنوات بالتمام والكمال على بدء ثورة الربيع العربي فيها، واكدت ان اهمال ليبيا كان خطأ ولكنها حذرت من التدخل العسكري مرة اخرى فيها، وقالت ان انقاذ ليبيا يجب ان يتم بأيدي الليبيين وحدهم، ولكن لماذا لا تنطبق هذه القاعدة على السوريين واليمنيين والعراقيين، بعيدا من طائرات “الدرونز″ وشقيقاتها من “اف 16″ و”اف 15″ و”اف 23″ وكل “الافات” الامريكية الاخرى.
بعد ان قررت مجلة “شارلي ابدو” اعادة نشر الرسوم الدانماركية المسيئة للرسول الكريم عام 2006، حاول الرئيس الفرنسي جاك شيراك في حينها اثنائها عن هذه الخطوة بالحسنى، واعتبرها “استفزازية” ولكنه لم يقف في طريقها ويحاول منعها رغم معرفته بالنتائج التي يمكن ان تترتب على ذلك، كان رجلا عاقلا ترك الساحة لساركوزي وامثاله لقيادة فرنسا الى الغزوات والحروب والتدخلات العسكرية الكارثية.
***
باريس اصبحت اليوم “عاصمة العالم” ضد الارهاب هذا هو الشعار الذي ردده كل من شارك في المظاهرة المليونية، والمقصود هنا “الارهاب الاسلامي” ولعمري ان هذا الارهاب الاسلامي يتواضع كثيرا امام الارهاب الغربي واسلحته، طائرات وصواريخ كروز، وحاملات الطائرات، والغواصات النووية وجنود المارينز، فالاول، وهو مدان، يقتل افرادا بالعشرات او المئات بالكلاشينكوف، بينما الثاني يقتل مئات الآلاف، ويدمر دولا ويمزق مجتمعات، ويدفع بالملايين الى العراء او الى قوارب الموت بحثا عن ملاذ آمن، وهو مدان ايضا، والادانة لا تفيد في الحالين، ويأتي هذا التدمير والقتل في معظمه متدثرا بأكاذيب وقيم زائفة وفي العالم الاسلامي دون غيره
ختاما وفي ظل هذا المشهد الغارق في السخرية السوداء المرة، هناك نقطة مضيئة لا بد من التوقف عندها احتراما، وهي مقاطعة وزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار والوفد المرافق له الذي ذهب الى باريس لتقديم التعازي في ضحايا الهجوم، المشاركة في “المسيرة التضامنية”، وقال بيان الوزارة المغربية “لا يمكن ان يشارك وزير الخارجية والتعاون الدولي او اي مسؤول رسمي مغربي في هذه المسيرة التي رفع فيها متظاهرون رسوم كاريكاتورية مسيئة للرسول علية الصلاة والسلام”.
كم تمنينا لو ان الزعماء والمسؤولين العرب الذين شاركوا في المسيرة اتخذوا الموقف الشجاع نفسه. ولكن لم تحقق اي من تمنياتنا السابقة، وربما اللاحقة، عندما يتعلق الامر بالزعماء والمسؤولين العرب.
شكرا لوزير الخارجية المغربي على هذا الموقف، نقولها تيمنا بالقول الكريم “من لا يشكر الناس لا يشكر الله”.

الهجوم الدموي على المجلة الفرنسية المعادية للاسلام والمسيئة لرسوله هل هو حادث انتقامي فردي ام في اطار سلسلة من الهجمات الاخرى؟ وهل المنفذون من العائدين من سورية والعراق؟ وما هو الهدف المقبل؟

عبد الباري عطوان
بعد هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) عام 2001 اختتمت مجلة “الايكونوميست” العريقة افتتاحيتها الرئيسية بالقول ما معناه “نحن نهاجمهم، ونقصفهم، ونذهب آلاف الكيلومترات لقتالهم، وعلينا ان نتوقع ان يأتي الينا من يحاول الرد والانتقام”.
تذكرت هذه الافتتاحية وانا اتابع بقلق الهجوم الذي شنه ثلاثة شبان يعتقد انهم ينتمون الى “التيار الجهادي” الاسلامي على مجلة “تشارلز ايبدو” في قلب العاصمة الفرنسية باريس، وفتحوا نيران بنادقهم الآلية (كلاشينكوف) ومدفع “الآر بي جي” الذي كان في حوزة احدهم فقتلوا 12 شخصا بينهم رئيس تحرير الصحيفة واربعة رسامين وشرطيان.
بداية لا بد من التأكيد على ان قتل اي صاحب رأي لا يجوز شرعا وقانونا ومدان بكل العبارات واقواها، ولكن هذا لا يعني التطاول، وبشكل استفزازي مسيء لمعتنقي الديانات السماوية، والتطاول على الرسل والانبياء، مسيحيين كانوا او مسلمين او يهودا.
نحن لسنا مع الكاتب البريطاني الهندي الاصل سلمان رشدي الذي بادر بالقول “بأن الاديان يجب ان تكون موضوعا للسخرية” في اطار تضامنه مع المجلة، ومطالبة الجميع بالوقوف الى جانبها، لانها كانت قوة لليبرالية والحريات ضد الطغيان” لان الاديان في رأينا يجب ان تحظى بالاحترام وتوضع في موضع القداسة التي تستحقها.

***

مجلة “تشارليز ايبدو” اخترقت كل الخطوط الحمراء وما فوق الحمراء في تهجمها على الديانة الاسلامية من خلال حملاتها الشرسة على الرسول محمد صلي الله عليه وسلم، ولم تقتصر هذه الحملات على اعادة نشر الرسم الكرتوني المسيء اليه للرسام النرويجي عام 2006، وهو الرسم الذي اثار غضب مليار ونصف المليار مسلم، وتسبب في مظاهرات احتجاجية صاخبة، قتل فيها اكثر من مئتي شخص، وانما بلغت ذروتها عام 2011 عندما نشرت رسوما اخرى اكثر اساءة واستفزازا من بينها واحدة تصور الرسول الكريم عاريا.
مرة اخرى نعيد التأكيد بأننا بذكر هذه الوقائع الموثقة لا نبرر الهجوم الدموي الذي تعرضت له هذه المجلة، او اننا نساند او ندعم من نفذه، وسنظل دائما في خندق حرية الرأي النزيه الشريف الذي يتجنب الاساءة للاديان السماوية بطريقة تنطوي على التعمد والاصرار والتحدي وكأن هذه الاساءة عمل من اعمال البطولة، فنحن نطالب بالتآخي بين الاديان ومعتنقيها في اطار من المحبة والاحترام المتبادل.
ناشر المجلة ورئيس تحريرها اساءوا تقدير الخطر الذي يواجههم، والتحذيرات التي وصلتهم، وتمادوا في خطهم التحريري الاستفزازي، اعتقادا منهم ان الحماية التي وفرها البوليس الفرنسي لهم كافية لمنع اي هجوم عليهم، وكم كانوا مخطئين في تقديراتهم، فهذا يؤكد قدرة هؤلاء المتشددين في الوصول الى اي هدف يريدون الوصول اليه، وهنا يكمن خطرهم الحقيقي على كل من يختلف معهم، او يتطاول على عقيدتهم، مسلما كان او غير مسلم.
الذين اطلعوا على الشريط المصور للمهاجمين الذي صوره احد الهواة، يخرج بإنطباع ان هؤلاء كانوا في قمة الهدوء والطمأنينة، وعلى درجة عالية من الاحتراف، مما يوحي انهم تلقوا تدريبات مكثفة، وقاتلوا في جبهات قتال حقيقية.
حتى كتابة هذه السطور لم تعلن اي جهة مسؤوليتها عن هذا الهجوم، وتضاربت آراء “الخبراء” في هذا المضمار، فمنهم من قال ان تنظيم “القاعدة” يقف خلفه لاثبات وجوده، وخطف الاضواء من “الدولة الاسلامية”، وهناك آخرون لا يستبعدون ان يكون المنفذون من “الجهاديين” الفرنسيين الالف الذين ذهبوا الى العراق وسورية للقتال في صفوف “الدولة الاسلامية”، وعادوا للانتقام من حكوماتهم التي شاركت في الحرب ضدها في اطار التحالف الامريكي.
وسواء كانت “منظمة” ما تقف خلف هذه الهجوم، او جاء كحادث معزول نظمته “خلية” بعيدة عن اي تنظيمات اخرى، مثل الهجوم الذي نفذه الشاب الفرنسي الجزائري الاصل محمد مراح عندما هاجم مدرسة يهودية في تولوز جنوب فرنسا عام 2012، فإن فرنسا مهددة ومستهدفة اسوة بدول اوروبية اخرى، بسبب مشاركتها في حرب شرسة ضد “الجهاديين” في مالي، وارسالها طائرات حربية الى الاردن للمشاركة في الضربات التي تهدف الى اضعاف ومن ثم انهاء “الدولة الاسلامية”، والقضاء عليها كليا.

***

نعم.. من المتوقع ان تؤدي هذه العملية الهجومية الدموية الى تعزيز اليمين الاوروبي المتطرف الذي يصعد هذه الايام ويكن عداءا شرسا للمهاجرين المسلمين خاصة، وان تنعكس سلبا على اكثر من عشرة ملايين مسلم يعيشون في اوروبا ويحملون جنسيتها، ولكن على الحكومات الاوروبية ان تدرك جيدا ان الغالبية الساحقة من هؤلاء من المسلمين المعتدلين الذين ينبذون العنف والارهاب باشكالهما كافة، ولا يجب ان يؤخذوا بجريرة اقلية الاقلية من ابنائهم المتشددين، وحمايتهم كمواطنين يجب ان يكون على قمة سلم اولوياتها.
الحكومات الاوروبية، ومن بينها الحكومة الفرنسية، يجب في المقابل ان تتوقف عن التدخل عسكريا في الشرق الاوسط، وهي تدرك جيدا انها بمثل هذا التدخل تعمل على خدمة هذا الارهاب، وتعززه وتسهل عمليات تجنيد منظماته لآلاف الشباب الاسلامي المحبط، علاوة على ان هذا التدخل لم ينجح في تحقيق اهدافه التي جاء من اجلها، بل فرخ ازمات اخرى اكثر خطورة.
وربما يفيد التذكير بتدخل حلف الناتو وطائراته في ليبيا والوضع الذي آلت اليه، وقبل ذلك في العراق وافغانستان، واخيرا في سورية واليمن، ومقتل اكثر من مليون انسان كضحية له.
السياسات الغربية في البلاد العربية والاسلامية خلقت دولا فاشلة، وحروبا طائفية وعرقية، واوجدت الحاضنات للجماعات الاسلامية الجهادية المتشددة، وبدأت ترتد عليها على شكل هجمات دموية، وهجرات جماعية لشبان يركبون البحر بالآلاف، عشرة آلاف منهم شهريا من ليبيا وحدها، التي وعد الرئيس الفرنسي ساركوزي بتحويلها الى واحة للديمقراطية والاستقرار والازدهار وحقوق الانسان.
نتمنى ان يكون الهجوم الدموي على المجلة الفرنسية فرديا، وليس مقدمة لهجمات اخرى ضد ابرياء، مثلما نتمنى على الدول الغربية وحكوماتها واعلامها تبني سياسات ترتكز على العدالة والمساواة، والتعايش، ووقف كل اشكال التحريض ضد الاسلام والتدخل العسكري، ومساندة القضايا العادلة، واولها قضية فلسطين التي شاركوا جميعا في خلق وتعميق معاناة شعبها لما يقرب من سبعين عاما، فهي ام القضايا، وآلة التفريخ للتطرف في المنطقة بشكل مباشر او غير مباشر، حتى لو تراجعت اهميتها هذه الايام في نظر البعض، وهذا موضوع آخر.

هجوم خلية “الدولة الاسلامية” “الاستشهادية” على مخفر حدودي سعودي في عرعر تطور خطير ينبيء بحرب صعبة في المستقبل المنظور اسلحتها اعلامية فكرية قبل ان تكون امنية وعسكرية.. لماذ؟

عبد الباري عطوان

في غمرة انشغال المملكة العربية السعودية، حكومة وشعبا، بصحة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز (92 عاما) المتدهورة، اكد بيان رسمي مقتل ثلاثة جنود بينهم عميد يدعى عودة معوض البلوي في هجوم نفذه اربعة عناصر على نقطة حدودية في منطقة عرعر المحاذية للعراق.
المهاجمون قتلوا جميعا برصاص قوات الامن السعودية، احدهما فجر نفسه بحزام ناسف رافضا الاستسلام، بينما اصيب اثنان من القوات الامنية السعودية.
الهجوم يعتبر الاول من نوعه على الحدود الشمالية للمملكة، حيث حشدت الحكومة السعودية اكثر من ثلاثة آلاف جندي على طولها الذي يبلغ 814 كيلومترا مما يبعث على القلق بالنسبة الى السلطات السعودية لان علاقاتها مع العراق، الجار الشمالي، ليست على ما يرام حيث سحبت الحكومة العراقية جميع قواتها على الجانب الآخر من الحدود، مضافا الى ذلك منطقة الانبار المحاذية للسعودية بات معظمها تحت سيطرة “الدولة الاسلامية” وقواتها، وتجد الاخيرة تعاطفا كبيرا بين اهالي المنطقة السنة المذهب.

***

ما زالت دوافع هذه الخلية للتسلل عبر حدود المملكة، والاصطدام بقوات الامن غير معروفة، لكن المؤكد انها “خلية انتحارية” ارادت زعزعة امن واستقرار المملكة، فالسيد ابو بكر البغدادي زعيم “الدولة الاسلامية” اصدر شريطا على”اليوتيوب” قبل شهر تقريبا طالب فيه مواطني “بلاد الحرمين” بالثورة على نظامهم الفاسد، والانضمام الى دولته، وتبني عقيدتها الجهادية.
ادبيات “الدولة الاسلامية” تؤكد ان الهدف الاول لها هو استعادة الحجاز، واعلان المدينة المنورة او مكة المكرمة عاصمة لدولة الخلافة التي تريد اقامتها على مناطق شاسعة من العالم تمتد من الصين حتى فيينا وما بعدها، ولذلك من غير المستبعد ان تشهد المرحلة المقبلة المزيد من هذه الهجمات.
ولم يكن من قبيل الصدفة ان يعّرف “الخليفة” البغدادي نفسه بأنه ابراهيم عواد ابراهيم البدري الحسني القرشي السامرائي، مؤكدا نسبه الى آل البيت من ناحية، وقبيلة قريش من ناحية اخرى.
ومن يطّلع على العقيدة والايديولوجية التي ترتكز اليها “الدولة” يجد انها عودة الى جذور الوهابية وفكر الامام محمد بن عبد الوهاب في صيغته “الطهرية” الاولى، الامر الذي يشكل نقطة جذب للشباب السعوديين الذين كشفت استطلاعات رأي على مواقع التواصل الاجتماعي ان 92 بالمئة منهم يؤيدون “الدولة الاسلامية” وعقيدتها المتشددة، ووعدت السلطات السعودية التي شككت رسميا بنتائج هذا الاستطلاع باجراء استفتاء علمي يشرف عليه اكاديميون في اوساط الشباب للرد على الاستطلاع المذكور، ولكنه لم يصدر حتى كتابة هذه السطور.
السلطات السعودية باتت تقاتل على جبهتين في آن واحد، الاولى داخلية والثانية خارجية، ومن الصعب ترجيح ايهما اخطر من الاخرى، فكلاهما مصدر قلق وخوف، فماذا يمكن ان تفعل قوات الامن بمهاجمين في الداخل او قادمين من الخارج يرتدون الاحزمة الناسفة، ويريدون تفجير انفسهم على الاستسلام والاسر، ومصممون على القتال حتى السقوط “كشهداء” والصعود الى دار البقاء؟
التقديرات شبه الرسمية تقول ان هناك اكثر من 5000 سعودي يقاتلون في صفوف “الدولة الاسلامية”، وينخرط معظمهم في “الفرق الاستشهادية”، وهناك من يقدر العدد بأكثر من سبعة آلاف، ومن غير المفاجيء ان تكون خلية الهجوم على عرعر يوم امس مكونة من هؤلاء.
العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز اكد اكثر من مرة في خطاباته، سواء التي قرأها بنفسه، او قُرأت بالنيابة عنه، في المناسبات الرسمية مثل عيدي الفطر والاضحى، طالب العلماء والدعاة ورجال الدين بالتصدي لما اسماه بالفكر الضال، ولكن التجاوب مع هذه الدعوة ظلت محدودة، والشيء نفسه يقال عن محاولات السلطات السعودية السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي مثل “التويتر” و”الفيسبوك” حيث ينشط انصار “الدولة” بشكل غير عادي.
المعركة السعودية مع “الدولة الاسلامية” لها جوانب امنية واعلامية وفكرية، ويبدو انه من الصعب كسبها بسهولة، وبالحد الادنى من الخسائر، فمن يتابع الانشطة الاعلامية للدولة، المرئية منها والمقروءة والمسموعة، وما تتضمنه من فكر وحرفية عالية، يدرك هذه الصعوبة، ولا نبالغ اذا قلنا، نحن الذين درسنا هذه الانشطة طوال الاشهر العشرة الماضية على الاقل، ان انتاج هذه الدولة الاعلامي يتفوق على نظيره الامريكي الهوليودي، ناهيك عن الاعلام السعودي، الرسمي منه وغير الرسمي، مما يؤكد ان عقولا جبارة اكتسبت خبرات غربية متقدمة تقف خلفه وتوجهه.
استراتيجية “الدولة الاسلامية” في السعودية او غيرها تقوم على الرعب والترهيب، وزعزعة الاستقرار، فاطلاق النار على مواطن دانمركي في احد شوارع الرياض، او ذبح امريكية في مركز تسوق مركزي في ابو ظبي، او ارسال خمسة رجال منقبين الى الحدود السعودية الجنوبية مع اليمن، كلها تصب في هذا المضمار.
***
وعندما نقول ان معركة المملكة ليست سهلة مع “الدولة الاسلامية” لا ننسى ان نتوقف عند انهيار اسعار النفط، وانخفاض الدخل السعودي السنوي بأكثر من خمسين في المئة، واذا صحت نبوءة السيد علي النعيمي بأن الاسعار قد تصل الى عشرين دولارا للبرميل، فان هذا سيصب في مصلحة “الدولة الاسلامية” وقد يسهل او يسرع عملية تجنيدها للشباب السعودي المحبط، خاصة اذا علمنا ان نسبة البطالة في اوساط هؤلاء تصل الى اكثر من ثلاثين في المئة في الوقت الراهن.
“خلية عرعر” وهجومها غير المفاجيء يقرع جرس انذار شديد الصدى في اوساط الحكومة السعودية ويؤكد ان الخطر يتضخم، ويدخل المناطق الحرجة المحرمة التي ظلت “محصنة” طوال السنوات الثمانين من عمر المملكة.
السلطات السعودية عملت طوال السنوات الاربع الماضية الى ابعاد العنف والارهاب عن عنقها وحدودها، وصدرت الشباب المتطرف والمحبط الى دول الجوار وخاصة العراق وسورية، وصدرت المليارات سواء لدعم “الثورات” في دول (سورية والعراق) او لاجهاضها (مصر واليمن) في دول الجوار، ولكن يبدو ان هذه الاستراتيجية المتناقضة والعصية على الفهم بدأت تعطي ثمارا دموية معاكسة، فهل بدأ السحر ينقلب على السحرة.
ندرك جيدا ان السلطات السعودية تجرم السحر وتعدم السحرة، ولكن لم نجد توصيفا افضل من هذا للمستقبل المنظور.
هيئة كبار العلماء في السعودية ادانت هذا “الحادث الارهابي” بعد دقائق من وقوعه، وايدت القبضة الحديدية للدولة في مواجهة هذا “الفكر الضال”، ونعتقد ان السلطات تحتاج الى ما هو اكثر من الادانة في معركتها الحالية، واول خطوة في هذا الصدد ترتيب بيتها من الداخل، واختيار حاكم قوي، ونشر قيم العدالة والمساواة والحكم الرشيد، والاصلاحات السياسية، والتعلم من دروس بعض دول الجوار؟

حلف الناتو يريد تقسيم سورية على غرار البوسنه على اسس مذهبية وعرقية.. فما هي فرص نجاح هذا المخطط وكم عدد الدول المقترحة؟ وما هو دور تركيا وحكومات خليجية فيه؟

عبد الباري عطوان
اذا اردنا ان نفهم مخططات الغرب في منطقتنا العربية، فإن من اهم المصادر في هذا الاطار متابعة التصريحات والمواقف التي يقدم عليها الامناء العامين لحلف الناتو الذراع العسكري لامريكا واوروبا، والمطبخ الاهم لوضع الاستراتيجيات العسكرية والعمل على تنفيذها او بالاحرى فرضها بالقوة.
بعد انهيار جدار برلين في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1989 ومعه المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفييتي، خرج علينا جوزيف لوند الامين العام للحلف بتصريحات احتفل فيها بهذا الانهيار، وقال ان علينا الآن ان نبحث عن “عدو جديد” يحل محل الشيوعية المهزومة، واشار الى ان “الاصولية الاسلامية” هي العدو الجديد الذي يجب محاربته دون هوادة والقضاء عليه، وافردت مجلة “الايكونوميست” عدة صفحات لتصريحاته هذه في حينها.
نبوءة لوند صدقت، وان كنت، وما زلت، اعتقد انه كان ينطلق من معلومات مؤكدة لديه، وموثقة في تقارير ودراسات، بمعنى ان حلف الناتو واعلامه وزعاماته استغل هذا الخطر الاصولي المزعوم الذي لا يمكن، بل لا يجب، مقارنته بامبراطورية عظمى مثل الاتحاد السوفييتي تملك آلاف الرؤوس النووية، والغواصات والصواريخ العابرة للقارات باصولية لا تملك الا الاسلحة الخفيفة، استغل هذا الخطر المفبرك من اجل غزو افغانستان واحتلال العراق وتدمير ليبيا.

***

بالامس خرج علينا اندرس فوغ راسموسن الامين العام السابق لحلف الناتو الذي قاد التدخل العسكري في ليبيا، واشرف على الضربات الجوية العسكرية في العراق، خرج علينا بتصريحات في الجلسة الافتتاحية لندوة “السلام في الشرق الاوسط: اللاعبون، المشاكل وسبل الحل” التي نظمتها جامعة حسن قليونجي في ولاية “غازي عنتاب” الواقعة على الحدود التركية مع سورية، (لاحظوا اهمية المكان)، قال فيها حرفيا حول كيفية الحل في سورية “ينبغي تقسيم البلاد في اطار التوزعات الاثنية والدينية عبر اقناع الرئيس الاسد بمغادرة السلطة على غرار ما حدث في البوسنة”.
البوسنة شهدت حربا اهلية بين الصرب والمسلمين بين عامي 1992 و1995 لعبت المخابرات الامريكية دورا كبيرا في تأجيجها ومن ثم انهائها وارسال “مجاهدين عرب” بدعم من المملكة العربية السعودية ودول خليجية اخرى لنصرة اخوانهم المسلمين في وجه المجازر الصربية البشعة التي راح ضحيتها آلاف الابرياء ابرزها مجرة سربرنيتسا.
المجاهدون العرب كانوا مندفعين بغيرتهم على عقيدتهم ودينهم ونصرة اشقائهم، ولم يعرفوا مطلقا الدور الامريكي الغربي في تأجيج الصراع في البلقان من اجل تفكيك وانهيار الامبراطورية السوفييتية العدو الابرز، والاتحاد اليوغسلافي احد ابرز دعائمها، ولكن دولهم كانت تعرف جيدا بتقاصيل هذا المخطط، وتشارك في انجاحه تماما مثلما حدث في افغانستان.
بعد ان بلغت المجاور ذروتها، وبدأ المسلمون المقاتلون يدركون جيدا انهم لن يحققوا حلمهم بإقامة دولتهم المستقلة على كامل ترابهم، عقدت الولايات المتحدة مؤتمرا للسلام في مدينة دايتون الامريكية في نوفمبر عام 1995 تمخض عن اتفاق بتقسيم البوسنة والهرسك الى دولتين: الاولى فيدرالية البوسنة والهرسك يتناوب على حكمها المسلمون الصرب، والثانية جمهورية صرب البوسنة وهي خاضعة لحكم الصرب، كما أدت إلى انتشار قوات حفظ السلام الدولية الإيفور.
المستر راسموسن يؤيد تطبيق هذا الاتفاق، او نسخة معدلة منه في سورية، تماما مثلما حدث في البوسنة، ولكنه لم يقل في مداخلته تلك كم عدد الدول التي ستنشأ في سورية وفق الحل الذي يقترحه، فهل ستقسم الى ثلاث دول: علوية وسنية، ودرزية، ام الى اربع دول، اي اضافة دولة اخرى للاكراد في الشمال، ثم ما هو مصير “الدولة الاسلامية” التي تتربع حاليا على نصف العراق وثلت سورية، وتحكم حوالي ثمانية ملايين مواطن من البلدين ومرشحة للتوسع، هل سيتم الاعتراف بها كأمر واقع لاحقا، ولم لا، الم تعترف واشنطن بحكومة طالبان وتوعز بفتح سفارات لها في ابوظبي والرياض واسلام اباد؟
من يتابع تفاصيل حرب البوسنة في التسعينات، وتدخل الطائرات الامريكية في اطار حلف الناتو عسكريا وقصفها لصربيا، وتفتيت البلاد واقامة عدة دول في يوغوسلافيا (كوسوفو، البوسنة، صربيا، الحبل الاسود، كرواتيا) يجد ان السيناريو نفسه يتكرر حاليا في سورية، فخطوط التقسيم للدول الجديدة المقترحة تتبلور، والقصف الجوي الامريكي في بداياته، ويزداد كثافة، والصراع المذهبي والمناطقي يتصاعد ويجد دعما خارجيا، والجهاديون يتدفقون من منطقة الخليج ودول عربية واسلامية اخرى؟
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عما اذا كان هذا السيناريو الذي “يبشر” به المستر راسموسن يمكن ان ينجح في سورية مثلما نجح في البوسنة؟
الرجل نفسه اجاب على السؤال نفسه بالقول “هذه الصيغة ليست الحل الامثل، اذ تعد الخلافات الدينية، والاثنية والعرقية في سورية اعمق بكثير من نظيراتها في منطقة البلقان” ولكنه كان مصرا في مداخلته على ان التقسيم هو الحل الاكثر ترجيحا.
***
هناك امران مهمان يجب التوقف عندهما بعد عرضنا لمثل هذا السيناريو المدمر، والمغزى من وروده على لسان صاحبه ومكانته، والاهداف المرجوة من طرحه في هذا التوقيت:
• الاول: ان السلطات السورية ستكون منزعجة منه حتما، ولكنها ستكون مرتاحة له من ناحية اخرى، منزعجة لانه ربما يكشف عن النوايا الغربية المستقبلية لمرحلة ما بعد “القضاء” على الجماعات الاسلامية في سورية مثل الدولة الاسلامية، وجبهة النصرة، واحرار الشام، والاولى على وجه الخصوص.
• الثاني: ان انعقاد هذه الندوة في جامعة تركية في ولاية غازي عنتاب الحدودية التي تعتبر “مطبخ” الانشطة السياسية والعسكرية للحرب لاسقاط النظام في سورية يوحي بأن الحكومة تقف خلف هذا السيناريو التفتيتي لجارها السوري، او لا تعارضه في افضل الاحوال.
انه مخطط رهيب وخطير يسلط الاضواء على كل ما حدث ويحدث من وقائع وتدخلات في سورية على مدى السنوات الاربع الماضية، واذا قدر له ان ينجح، فانه سيطبق في دول عربية اخرى، ابتداء من العراق، ومرورا بمصر، وانتهاء بالمملكة العربية السعودية.
هل انتفض الشعب السوري، بتحريض من دول اقليمية وعربية خليجية، وامبراطوريات اعلامية ضخمة، من اجل التوصل الى الديمقراطية وحقوق الانسان والعدالة الاجتماعية، ام من اجل تفتيت بلاده ووحدتها الجغرافية والديمغرافية على اسس عرقية ومذهبية؟
نكتفي بطرح الاسئلة في هذه المقالة، لاننا نعرف الاجابة عن ظهر قلب، ولهذا رفضنا ان نكون من بين المخدوعين عندما بدأت ملامح هذا السيناريو في الظهور الى العلن تدريجيا.

جريمة “المنقبة” الاماراتية سياسية ارهابية الدافع.. وذيول حروب المنطقة بدأت تمتد للخليج

عبد الباري عطوان
جريمة القتل التي ارتكبتها سيدة اماراتية منقبة واستهدفت سيدة امريكية، ليست جريمة قتل عادية مثل تلك التي تحدث في اماكن عديدة من المنطقة العربية والعالم، لان كل المعلومات التي بثتها وزارة الداخلية الاماراتية تؤكد ان دوافعها سياسية انتقامية، الامر الذي يؤشر الى امكانية توسع مثل هذه العمليات في المستقبل بالنظر الى التطورات الارهابية المرعبة التي تسود المنطقة في الوقت الراهن.
السيدة المنقبة اختارت مواطنة امريكية لذبحها في حمام وسط حي تجاري، كما زرعت قنبلة بدائية امام منزل مواطن امريكي آخر، مما يعني انها تستهدف اهدافا امريكية مما يوحي بأنها تنتمي الى احد الجماعات الاسلامية المتشددة، او تتعاطف معها، و”الدولة الاسلامية” على وجه الخصوص.
ما يجعلنا نتكهن بمثل هذا الافتراض اقدام خلايا سعودية على اطلاق النار على رعايا امريكيين واوروبيين في الرياض ومناطق اخرى قبل بضعة ايام، وتوجيه السلطات السعودية اصابع الاتهام الى “الدولة الاسلامية” بالوقوف خلف هذه الهجمات.
***
استهداف دولة الامارات بعد المملكة العربية السعودية ربما يعود الى اشتراكها بفاعلية في التحالف الستيني الدولي الذي اسسته الولايات المتحدة لمحاربة “الدولة الاسلامية” بهدف اضعافها تمهيدا للقضاء عليها، وقواتها في العراق وسورية.
السعودية والامارات وقطر شاركت في هذه الحرب بطريقة مباشرة او غير مباشرة، بما في ذلك توفير قواعد عسكرية لانطلاق الهجمات، او ارسال طائرات لشن غارات لتدمير آبار ومصافي نفط تسيطر عليها “الدولة الاسلامية” في منطقة الرقة السورية على الحدود مع العراق، ومن غير المستبعد ان تكون هذه المنقبة عضوة في احد خلايا هذه “الدولة” النائمة، او تنظيم “القاعدة” المركزي.
صحيح ان قوات الامن الاماراتية استطاعت القاء القبض على “المنقبة”، وتفكيك العبوة الناسفة التي زرعتها امام منزل مواطن امريكي آخر، الامر الذي يظهر كفاءة امنية عالية، ولكن الجريمة في حد ذاتها تقرع ناقوس الخطر، خوفا من كونها جزءا من مخطط يستهدف هز استقرار دول الخليج العربي التي ظلت في منأى عن اي اعمال عنف وارهاب طوال السنوات الماضية، رغم تدخلها المالي والعسكري في بعض بؤر الصراع الساخنة، بل الملتهبة في كل من ليبيا وسورية والعراق واليمن.
وسائل التواصل الاجتماعي باتت ميادين تحريض للشباب الخليجي على “الجهاد” في صفوف الجماعات المتشددة، وتفيد دراسات كثيرة بأن بعض الدعاة استغلوها لتجنيد الآلاف للانخراط في صفوف تنظيمات “القاعدة” و”الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة”، ويكفي الاشارة الى التقديرات شبه الرسمية التي تفيد بأن اكثر من 5000 شاب سعودي يقاتلون حاليا الى جانب “الدولة الاسلامية” وينخرط معظمهم في وحدات “انتحارية” او استشهادية حسب ادبيات هذا التنظيم.
الذين قاموا بتجنيد هذه “المنقبة” وحددوا لها اهدافها بشكل دقيق يريدون هز استقرار دولة الامارات، واثارة “الفزع″ في صفوف مواطنيها والمقيمين فيها، والاجانب منهم على وجه الخصوص، وما زال من المبكر القول بأنهم حققوا اهدافهم في هذا الصدد.
***
انها جريمة بشعة تبعث على القلق كيفما نظرت اليها، فدول الخليج ظلت، باستثناء البحرين والمملكة العربية السعودية بعيدة عن الحروب الاهلية ذات الطابع المذهبي، والصراعات على السلطة في اكثر من بلد عربي، يبدو لم تعد محصنة من وصول بعض ذيولها بشكل مباشر او غير مباشر.
الازدهار الاقتصادي الذي عاشته هذه الدول يعود بالدرجة الاولى الى امرين اساسيين، الاول عوائد النفط المجزية، والثاني الامن والاستقرار، واذا كان انخفاض الاول نتيجة تراجع اسعار النفط لا يؤثر عليها كثيرا بسبب احتياطاتها المالية الهائلة، فإن استهداف امنها واستقرارها سيكون له تاثير سلبي كبير دون ادنى شك.
المنطقة العربية كلها تقف حاليا على فوهة بركان من العنف والصراعات المذهبية، وبداية حممه تجلت بوضوح من الفوضى الدموية التي نراها في ليبيا وسورية والعراق واليمن، ويبدو ان دائرتها بدأت تتسع لتصل الى دول جوار الصف الثاني التي اعتقد الكثيرون انها في مأمن.
وربما يجادل البعض ان جريمة “المنقبة” هذه ربما تكون حادثة فردية ولذلك من الخطأ الذهاب بعيدا في تأويلها وتضخيم نتائجها بالتالي، وهذا الجدل فيه جانب من الصحة، ولكن معظم الاحداث الكبرى التي شهدتها المنطقة، وهزت استقرار بعض دولها، بدأت على هذه الصورة، وثبت لاحقا ان هذه الهجمات الفردية هي قمة جبل الثلج المخفي تحت سطح الماء، ونأمل ان نكون مخطئين في تشاؤمنا هذا.

هل يواجه “التحالف الستيني” ضد “الدولة الاسلامية” مصير منظومة “اصدقاء سورية”؟ وهل يعطي دخول ايران حلبة القصف الجوي نتائج عكسية؟ واين اخطأ الاسد واين اصاب في تبنؤاته الاخيرة؟

عبد الباري عطوان

يذكرني البيان الذي صدر اليوم (الاربعاء) عن اجتماع التحالف الدولي ضد “الدولة الاسلامية” الذي يضم ستين دولة بالبيانات التي كانت تصدر تباعا عن منظومة اصدقاء سورية في اكثر من عاصمة عربية واوروبية على مدى السنوات الثلاث الماضية من حيث كونها جعجعة دون اي طحن.
التحالف الدولي اعلن في ختام اجتماعاته التي عقدت على مدة يومين في بروكسل ان الحملة ضد التنظيم بدأت توقف تقدمه في العراق وسورية، الا انه حذر من ان هزيمته ستستغرق سنوات، ولكن الوقائع على الارض تقول غير ذلك، واول مؤشر في هذا الصدد استمرار وجود قواته في “عين العرب”، وسيطرته على اكثر من 85 بالمئة من منطقة الانبار التي تشكل وحدها اكثر من ثلث مساحة العراق وتحاذي السعودية والاردن وسورية حدوديا.
حتى ايران التي “تمنعت” كثيرا وارتبكت سياسيا لعدم دعوتها للانضمام الى هذا التحالف الستيني من قبل زعيمته الامريكية قررت ان “تشترك في الأجر” وترسل طائراتها “الفانتوم 4″ القديمة المتهالكة التي ورثها النظام الاسلامي الحالي من عهد شاه ايران لقصف تجمعات “الدولة الاسلامية” في العراق، في تناقض واضح مع كل مواقفها السابقة التي عارضت فيها اي تدخل اجنبي عسكري امريكي في العراق والمنطقة.
فعندما تلتقي ايران وسورية وامريكا والسعودية والامارات وفرنسا وبريطانيا ومعهما اكثر من خمسين دولة اخرى على محاربة “دولة” لا تملك اسلحة نووية ولا طائرات بطيار او بدونه، ولا صواريخ من اي احجام او ابعاد، فإن هذا يعني واحدا من امرين: اما ان هذا التحالف ضعيف وغير جدي، واما ان “الدولة الاسلامية” التي يحاربها “قوة عظمى” لا يمكن هزيمتها.
***
السلطات الايرانية نفت في البداية تقارير امريكية تقول ان طائراتها دخلت المعركة ضد “الدولة الاسلامية”، ثم تراجعت عن هذا النفي بعد تأكيدات البنتاغون عندما قالت السيدة مرضية افخم الناطقة باسم الخارجية الايرانية في تصريح صحافي ردا على سؤال حول معلومات عن قصف طائرات بلادها لمواقع لـ”الدولة الاسلامية” شرق العراق انها لا تنفي ولا تؤكد هذه المعلومات وتهربت من الاجابة.
لا نعرف ما اذا كان الدخول الايراني على خط محاربة “الدولة الاسلامية” الذي رحب به جون كيري وزير الخارجية الامريكي جاء بالتنسيق المسبق مع واشنطن، ام انه بدونه، وما اذا كانت هذه المشاركة الايرانية تخدم التحالف واستراتيجيته ام انها تخدم “الدولة الاسلامية” وتسهل عليها عمليات التجنيد للمتخوفين من اتساع النفوذ الايراني في العراق الى صفوفها، ولكن ما يمكن ان نتكهن به ان الاوراق اختلطت في المنطقة، ولم يعد المراقب يعرف من ضد من، او اين ستتجه الامور في الاشهر وربما السنوات المقبلة.
فعندما يتفق الرئيس السوري بشار الاسد مع الامير سعود الفيصل وزير خارجية الدولة الاكثر حماسا واندفاعا لاسقاط نظامه على ان الضربات الجوية الامريكية لقواعد “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية فاشلة، ويؤكد الاخير، اي الفيصل، على ان لا بديل عن ارسال قوات ارضية فإن هذا كله، الى جانب اسباب اخرى، يؤكد حالة الارتباك الشديد في اوساط جميع دول التحالف الجديد او الذين يقفون خارج دائرته.
بيان التحالف الستيني اكد “نحن في صدد وقف تقدم تنظيم الدولة الاسلامية عبر سورية وداخل العراق”، واضاف “ان الوزراء وافقوا على استراتيجية من خمس محاور في مكافحة التنظيم، وهي زيادة المجهود العسكري، ووقف تدفق المقاتلين الاجانب، وقطع طرق التمويلات، ومعالجة مشكلة المساعدات الانسانية ونزع الشرعية عن تنظيم الدولة الذي يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بفاعلية”.
هذه الاستراتيجية ومحاورها الخمسة تعكس جهلا واضحا بالمنطقة وطبيعة الدولة التي تريد هزيمتها، فـ”الدولة” تملك رصيدا ماليا يتراوح بين ثلاثة وسبعة مليارات دولار ودخل يومي من بيع النفط يصل الى ثلاثة ملايين دولار، علاوة على مداخيل عائدة من الضرائب (المكوس)، اما النقطة الاخرى وهي وقف تدفق المجاهدين الاجانب، فليس لها قيمة عملية، لان معظم مقاتلي “الدولة” هم من العراقيين والسوريين، اي من ابناء المنطقة، ودور “الجهاديين” الاجانب اسنادي وليس جوهريا. اما اذا انتقلنا الى مسألة نزع الشرعية واستخدامات التنظيم لوسائط التواصل الاجتماعي بفاعلية فإن اي خطوة في هذا الاطار محدودة الاثر لان “الدولة الاسلامية” اقامت امبراطورية اعلامية ضخمة على “التويتر” و”الفيسبوك” و”الانترنت”، وباتت مثل التنين الاسطوري كلما قطعت له رأسا حل محله عدة رؤوس.
***
الرئيس الاسد وصف في مقابلة مع مجلة “باري ماتش” نشرت مقتطفات منها اليوم انه بعد شهرين من القصف الجوي لا توجد نتائج حقيقية على الارض و”القول ان قوات التحالف تساعدنا غير صحيح، لو كانت هذه الضربات (جدية وفاعلة) سأقول بأننا نستفيد منها بكل تأكيد”، واشار وهنا بيت القصيد “نحن نخوض المعارك على الارض ضد داعش ولم نشعر بأي تغيير خصوصا ان تركيا ما زالت تدعم داعش”.
كلام الرئيس الاسد ينطوي على الكثير من الصحة، اختلف معه البعض او اتفق، ويعكس “شماته” واضحة بالتحالف واستراتيجيته واعضائه، وعرضا بالانضمام اليه، وما لجوء الولايات المتحدة الى التنسيق مع ايران لادخالها سرا في هذا التحالف الا الاعتراف المؤكد بالمأزق الذي تعيشه حاليا في الشرق الاوسط، ومشاركة ايران في التحالف وضرباته بصورة غير مباشرة يصب فعلا في تعزيز النظام السوري، وقرب اعادة تأهيله وعودته الى المجتمع الدولي، وما اعادة فتح السفارة السورية في الكويت الا اول الغيث.
النظام السوري يحصل على اعمار (جمع عمر بتسكين الميم) جديدة شهرا بعد شهر، و”الدولة الاسلامية” تتمترس بفعل سوء التقدير الامريكي وتخبط ادارة اوباما، وزيادة حدة الاستقطابات والتقسيمات الطائفية والاخطاء الكارثية في العراق.
منظمة اصدقاء سورية بدأت بحوالي 150 دولة في اجتماعها الاول في تونس قبل اربع سنوات تقريبا، وانتهت الى 11 دولة اجتمعت اخيرا في لندن على مستوى صغار المندوبين ولم يسمع بهذا الاجتماع احد ولا نستبعد ان يكون مصير التحالف الستيني ضد “الدولة الاسلامية” مماثلا ان لم يكن اسوأ، فلم تُقم امريكا تحالفا حقق اهدافه ولم يواجه انتكاسات لاحقة الا مع اسرائيل، وانتم تعرفون الاسباب.

ماذا بعد ترحيب القرضاوي بمبادرة رفسنجاني وهل الاخير وحده مطالب بترجمة الاقوال الى افعال؟ وما هي الخطوة القادمة لوأد الفتنة الطائفية؟

عبد الباري عطوان

بعد ما يقرب من الخمسة الايام على التصريحات التي اطلقها الشيخ هاشمي رفسنجاني رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام والرئيس الايراني الاسبق وانتقد فيها بشدة شتم بعض الشيعة لصحابة الرسول محمد عليه السلام، والاحتفال باغتيال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اصدر الشيخ يوسف القرضاوي بيانا ظهر السبت رحب فيه بالتصريحات هذه التي وصفها بأنها “مفاجئة” و”متأخرة”، وقال “اننا نشكره على هذا الموقف الشجاع″.

ترحيب الشيخ القرضاوي، وهو على حد علمنا الوحيد من العلماء الكبار، الذي اقدم على هذه المبادرة، واصدر هذا البيان بإسمه واسم هيئة كبار علماء المسلمين الذي يرأسه، خطوة جيدة على طريق طويل لمواجهة الفتنة الطائفية التي تستشري حاليا وتتصاعد في منطقة الشرق الاوسط بسبب اعمال التحريض المذهبي التي يقدم دعاة ورجال دين على طرفي المعادلة السنية والشيعية.

الشيخ القرضاوي دعا الشيخ رفسنجاني الى ترجمة اقواله الى افعال، وقدم له لائحة طويلة من المطالب نختصرها في عدم اقامة مساجد للسنة في طهران، وتعظيم مكانة ابو لؤلؤة الفارسي المجوسي قاتل امير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومساندة النظام الغارق في دماء السوريين، وقتل السنة على الهوية في العراق.

مطالب الشيخ القرضاوي مشروعة، ولكن للطرف الآخر مطالب ايضا، لا تقل في اهميتها عن مطالبه، لا بد من الاستماع اليها في حوار جدي، وصدور واسعة، ووأد هذه الفتنة قبل ان تهلك الامة بأسرها، فاذا كان الشيخ القرضاوي يطالب نظيره رفسنجاني بترجمة الاقوال الى افعال فإنه وباقي العلماء السنة مطالبين بالشيء نفسه وربما ما هو اكثر.

***

نعم يجب عدم الاحتفال بأبو لؤلوة المجوسي وتحويل قبره الى مزار، ويوم اغتياله للخليفة الثاني عمر يوم احتفال، فهذا رجل قاتل، واعتدى على رجل كان مثالا في العدل والتفاني في خدمة العقيدة، عاش صارما في تقشفه، ووهب حياته لنشر الاسلام وتوسيع رقعته، وابو لؤلؤة هذا لم يقتله في قصره الفاره بثرياته الباذخة ووسط حريمه، وانما في مسجد وهو يصلي صلاة الفجر ويعود له الفضل، بعد الله ورسوله، في ايصال الهداية الى قلوب الملايين من اهل بلاد فارس، ونقول نعم ايضا لمطلب بناء مساجد للسنة في طهران، ووقف القتل على الهوية في العراق، وعدم مساندة النظام في سورية، ولكن اليس من حق الطرف الآخر ان يذكر الشيخ القرضاوي والكثير من اهل السنة والجماعة بالسيارات المفخخة والعمليات الانتحارية التي قتلت الآلاف من اهل العراق ايضا؟ وان يلفت الانظار الى فتاوى الشيخ القرضاوي نفسه التي حرضت عشرات الآلاف من الجهاديين للذهاب الى القتال في سورية مرفوقين بأطنان الاسلحة ومليارات الدولارات؟

المنطقة ابتليت بحكام يغيرون جلودهم وفق الاملاءات الامريكية عليهم، فهم يصبحون طائفيين يلعبون بالورقة الطائفية القاتلة، ويفتحون القنوات الفضائية المتخصصة في السب والشتائم للآخر اذا ارادوا ذلك، ويتحولون الى علمانيين اذا شعروا بخطر هذه السياسات، السيد احمدي نجاد الرئيس الايراني السابق يحل ضيفا عزيزا على عدة عواصم عربية، ويقف جنبا الى جنب مع الملوك والامراء والرؤساء، ويتحول الى شيطان رجيم و”مجوسي رافض” اذا تدهورت العلاقات مع حكومته ولاسباب امريكية ايضا في معظم الاحيان.

الم يعتذر الشيخ القرضاوي لنظرائه العلماء السعوديين لانه انخرط في حوار من اجل التقريب بين المذاهب، والشيعي والسني على وجه الخصوص، في ذروة الحرب الاهلية في سورية، لانه صدق نوايا العلماء الشيعة في فتح صفحة جديدة توحد الامة في خندق واحد ضد اعدائها.

لا نريد ان ننكأ الجراح، ونفتح الملفات، فالطرفان وقعا في اخطاء قاتلة، ونصر على ان الخلاف سياسي في شقه الاكبر، ويجري توظيفه طائفيا من قبل اطراف اقليمية بتحريض خارجي لا يريد للامة الاسلامية غير التناخر والاقتتال.

***

نعم.. نريد افعالا لا اقوالا.. مثلما نريد ترجمة عملية لكل النوايا الطيبة وتفهما وتفاهما متبادلين، وعندما نقول ان جوهر عقيدتنا التسامح، واننا امه وسط، فهنا يأتي دور العلماء لاثبات هذه المسلمات والبديهيات.

التحريض الطائفي بلغ ذروته طوال السنوات العشر الماضية وفي المملكة العربية السعودية خصوصا، وعندما وصلت نتائجه الدموية الى العمق السعودي من خلال هجمة لمتشددين على حسينية في الاحساء فجأة تحول الشيعة الى اخوة، وذهب عليّه القوم للمشاركة في جنازات الضحايا وتقديم التعازي لذويهم، وسط مهرجان اعلامي غير مسبوق، وشدد علماء كانوا رموزا للتحريض الطائفي على اهمية الوحدة الوطنية والتعايش بين المذاهب على قدم المساواة، ودون اي تمييز.

الذين يُذبحون بمئات الآلاف في الحرب في سورية والعراق واليمن، سواء بسبب الحرب الاهلية والصراع على السلطة تحت رايات مذهبية هم من العرب والمسلمين، والعشرة ملايين مشرد هم كذلك ايضا، والحقيقة التي يتفق عليها الجميع انه لن يكون هناك منتصرا في هذه الحرب، فلماذا لا نبحث عن بدائل اخرى للقتل والدمار؟

الشيخ رفسنجاني تقدم بمبادرة، والعلامة القرضاوي رحب بها، وهذه ارضية جيدة للتلاقي يجب البناء عليها للوصول الى مستقبل افضل يتم فيه حقن الدماء، والتوصل الى مصالحة تطوي صفحة الماضي، وتؤسس لعلاقة قائمة على الاحترام المتبادل والتعايش المشترك، فهل يفعلها الرجلان؟ نأمل ذلك، وفي اسرع وقت ممكن.

محاولات اختراق “الدولة الاسلامية” استخباريا ستستمر لانها احد ابرز الاسلحة لتدميرها وتقويضها من الداخل.. فكيف ستتعامل معها وكيف كان يكشف الشيخ بن لادن المندسين

عبد الباري عطوان

اذا صحت الانباء التي نشرها ابو حفص المهاجري المقرب من ابو بكر البغدادي زعيم “الدولة الاسلامية” واعترف فيها بأن جهاز الاستخبارات ومكافحة الارهاب العراقي نجح في اختراق تنظيم “الدولة” وتسبب في خسائر كبيرة، فإن هذا حدث كبير ستكون له تداعياته، لان مثل هذه الاختراقات تؤدي عادة الى اضعاف التنظيمات التي تستهدفها، وتحدث انشقاقات واغتيالات لكبار القادة ايضا.
من الطبيعي ان يكون تنظيم مثل “الدولة الاسلامية” هدفا لاختراقات استخبارية متعددة، لان عمره قصير، وتضاعفت قوته والمناطق المسيطر عليها عدة مرات في زمن قياسي، ولان عشرات اجهزة الاستخبارات العالمية والاقليمية تستهدفه ولا تكف عن محاربته، والعمل على زرع عناصرها داخله، وفوق هذا وذاك، ان قوات “الدولة الاسلامية” تخوض حروبا على عدة جبهات هذه الايام، وتتعرض لضربات جوية امريكية مكثفة على مدار الساعة، الامر الذي يشتت تركيزها الامني، كليا او جزئيا.
لا نعرف حجم الاضرار الذي الحقها الاختراق الاستخباري العراقي لتنظيم الدولة الذي تحدث عنه السيد ابو حفصة المهاجري، فقد امتنع عن اعطاء اي معلومات، ولكن نعتقد انه كبير مثلما هو واضح من البيان المقتضب، ومن القرار الذي اتخذه بعدم قبول انضمام متطوعين عراقيين الى صفوف الدولة والاكتفاء بالجهاديين الاجانب، ولكن حتى هؤلاء يمكن ان يكون من بينهم مندسين.
***
تنظيم “القاعدة” المركزي تعرض لاختراقات استخبارية عديدة كان اضخمها الطبيب همام خليل محمد أبو ملال البلوي، الذي حاولت المخابرات الاردنية تجنيده وتكليفه باغتيال قادة فيه، ولكنه استطاع خديعتها، اي المخابرات الاردنية، والقبول بمهمة اغتيال الشيخ اسامة بن لادن ونائبة الدكتور ايمن الظواهري، وفجر نفسه في قيادة المخابرات المركزية الامريكية والجيش الامريكي في ولاية خوست في افغانستان عام 2009، ونتج عن العملية مقتل سبعة من هؤلاء وبعض المحيطين بهم، بالاضافة الى علي بن زيد ضابط الارتباط في المخابرات الاردنية.
احد القادة الميدانيين في تنظيم “القاعدة” ابلغ رئيس تحرير هذه الصحيفة ان محاولات اختراق التنظيم لم تتوقف مطلقا، واكثرها من قبل مخابرات اردنية وعربية، حيث يتم ارسال الجواسيس على شكل متطوعين جهاديين للانخراط في صفوفه، وقال الشخص نفسه ان الشيخ بن لادن ومساعديه كانوا يلجأون الى اكتشاف هؤلاء من خلال الطلب من مجموعة وفي حضور الشخص المشتبه به الاستعداد للقيام بعملية انتحارية، وعندها يتلكأ الشخص المعني في القبول بهذه المهمة فيتم استدعاؤه والتحقيق معه، وغالبا ما كان هذا الاسلوب يعطي مفعوله، ويتم اكتشاف الشخص المندس واعدامه.
المنظمات الفلسطينية تعرضت لاختراقات كبيرة، حتى ان احد العملاء الاسرائيليين نجح في الوصول الى طاقم حراسة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، واراد الرئيس عرفات سجنه وليس اعدامه بعد اثبات التهمة عليه، ولكن المرحوم صلاح خلف (ابو اياد) اصر على اعدامه، وامر فريق اغتيالات بإصطحابه الى منطقة المدينة الرياضية في بيروت وجرت عملية تصفيته.
حركة الجهاد الاسلامي تعرضت لاختراق اسرائيلي كبير، حيث نجح جهاز الموساد الاسرائيلي في تجنيد مدير مكتب الشهيد فتحي الشقاقي في دمشق، وظل اربع سنوات كامنا لا يعطي اي معلومات حتى حان الوقت الملائم عندما طلب منه مشغله في الموساد تحديد الطريق التي سيغادر عبرها المرحوم الشقاقي ليبيا التي كان يزورها، هل هي مالطة او تونس او السودان، فأخبرهم انها مالطة، وكان الموساد قد ارسل ثلاث فرق اغتيال الى الدول الثلاث مسبقا، ونجحت خلية مالطة في اغتيال الشقاقي عبر اطلاق النار عليه من دراجة نارية في 26 تشرين الاول (اكتوبر) عام 1995.
اما كيف جرى اكتشاف مدير مكتب المرحوم الشقاقي، فتم عندما لاحظت اجهزة امن التنظيم بأنه يبالغ في اللطم والبكاء والنحيب، يقدم على حركات متصنعة، وجرى اعتقاله وتسليمه للمخابرات السورية التي حصلت منه على المعلومات الكاملة حول كيفية تجنيده في احدى دول اوروبا الشرقية من اجل هذه المهمة.
***
المخابرات الغربية، والاقليمية تركز كل جهودها حاليا لاختراق تنظيم “الدولة الاسلامية”، من اجل معرفة جميع مفاصله وطرق عمله وربما محاولة الوصول لزعيمه ابو بكر البغدادي واغتياله بهدف تقويض التنظيم من الداخل بالتوازي مع محاولة هزيمته على جبهات القتال ومن خلال انشاء قوات “صحوات” تتولى عمليات القتال الارضي سواء من مجنديين عراقيين او سوريين، وانضمام وحدات من الجيش السوري الحر وقوات من البشمرغة العراقية الى المدافعين الاكراد في مدينة “عين العرب ـ كوباني” السورية ذات الغالبية الكردية هو اول فصل من فصول هذا المخطط.