مصر

المصالحة المصرية القطرية في “مهب الريح” بعد عودة “الجزيرة” الى سيرتها الاولى وخروج القرضاوي عن صمته.. والملك سلمان لا يكن الكثير من الود لدولة قطر.. واحتمالات عودة الحرب الاعلامية الساخنة واردة جدا بين الامبراطوريات المتناطحة

عبد الباري عطوان

من تابع قناة “الجزيرة” الفضائية القطرية وتغطيتها المكثفة للاشتباكات الدموية بين قوات الامن المصرية والمتظاهرين التي سقط فيها اكثر من عشرين قتيلا، حيث خرج الآلاف الى الشوارع في مختلف المحافظات للاحتفال بالذكرى الرابعة لثورة 25 كانون الثاني (يناير) يخرج بإنطباع قوي فماده ان “المصالحة” التي رعاها العاهل السعودي الراحل بين النظام المصري الذي يرأسه السيد عبد الفتاح السيسي ودولة قطر ربما تكون ماتت بموت صاحبها اي الملك عبد الله بن عبد العزيز.
المصالحة فرضت التزمات قوية على دولة قطر ابرزها “لجم” قناة “الجزيرة” ووقف دعمها السياسي والاعلامي لحركة “الاخوان المسلمين” والانتصار لهم في معركتهم لزعزعة استقرار النظام الذي اطاح بحكمهم، واسكات الشيخ يوسف القرضاوي “مدفعية” قطر الاخوانية الثقيلة، وابعاد قيادات الصف “الاخواني” الاول والثاني الذين وجدوا في الدوحة الملاذ الآمن، والحضن الدافيء، ومنصة الانطلاق في معارضتهم للنظام المصري سياسيا واعلاميا.
العاهل السعودي الراحل، وفي ظل تنامي صعود “الدولة الاسلامية” سياسيا وعسكريا، وتشكيلها تهديدا مباشرا لأمن بلاده وحكم اسرته، مارس جهودا كبيرة من اجل ترتيب البيت الداخلي الخليجي اولا، ثم العلاقات المصرية الخليجية ثانيا، وقد نجح في الاولى عندما حل الازمة بين المثلث السعودي الاماراتي البحريني من ناحية وقطر من ناحية اخرى، على اساس “وثيقة الرياض” واعاد السفراء الثلاثة الذين تم سحبهم من الدوحة، ولكن جهوده في حل الازمة الثانية، اي اصلاح العلاقات بين مصر ودولة قطر كانت بطيئة ومتعثرة نوعا ما بسبب صعوية هذا الملف وتعقيداته الاقليمية، وكان آخر جهد بذله في هذا الصدد ارسال السيد خالد التويجري مستشاره ومدير مكتبه الى القاهرة وفي معيته الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مساعد وزير خارجية دولة قطر للقاء بالرئيس عبد الفتاح السيسي، والتمهيد للقاء بينه وبين الشيخ تميم بن حمد آل ثاني امير دولة قطر، اللقاء تم في شهر كانون الاول (ديسمبر)، اي قبل وفاة العاهل السعودي بشهر وقبل ان تتدهور احواله الصحية ويدخل المستشفى مصابا بالتهاب رئوي حاد لم يتمكن الاطباء من علاجه، وكاد ان يثمر في ترطيب الاجواء، وترتيب زيارة مصالحة للامير القطري الى القاهرة.

***

المصالحة المصرية القطرية، وبعد وفاة العاهل السعودي، او بالاحرى ابوها الروحي، باتت على “كف عفريت” مثلما يقولون، مع انتقال الحكم في السعودية الى الملك سلمان بن عبد العزيز، فالعلاقة بينه وبين دولة قطر لم تكن جيدة في يوم من الايام، وظهرت تسريبات في بعض الصحف القطرية، او تلك المحسوبة على دولة قطر، تتهمه بأنه كان العقل المدبر وراء محاولة الانقلاب الفاشلة التي ارادت الاطاحة بالامير السابق حمد بن خليفة واعادة والده الشيخ خليفة الى الحكم عام 1996.
هناك في الدوحة من يراهن على الامير محمد بن نايف وزير الداخلية وولي ولي العهد الجديد الذي تربطه علاقة وثيقة بالامير تميم في تلطيف العلاقات مع الجار السعودي القوي، ولكن من يعرف طبيعة الحكم في السعودية، ودول الخليج عموما، يدرك جيدا ان الكلمة الاولى والاخيرة دائما هي للملك، وما على الآخرين غير السمع والطاعة والتنفيذ.
الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز كان بدويا اصيلا في اخلاقه وتصرفاته، ويتعامل مع قطر ودول الخليج الاخرى من منطلق شيخ القبيلة، او “أب الجميع″، ولهذا صبر كثيرا على بعض المشاغبات القطرية خاصة في ملف “الاخوان المسلمين”، وملف العلاقات مع مصر، ومن غير المعتقد ان يكون للملك الجديد سلمان بن عبد العزيز الصبر نفسه.
نعود الى الخلاف المصري القطري، ونقول ان عودة “الجزيرة” الى سيرتها السابقة، والتعاطي مع ملف الاضطرابات الاخيرة في مصر بلهجة اقرب الى التحريض الذي يذكر يتغطيتها التي اشعلت الثورة المصرية وصبت الزيت على نارها حتى نجحت في اطاحة نظام حكم الرئيس مبارك، ربما لا ينسف فقط جهود المصالحة المصرية القطرية التي بذلها العاهل الراحل وحققت بعض التقدم تمثل في ابعاد قيادات الاخوان من الدوحة، واغلاق قناة “الجزيرة مباشر مصر”، واحالة الشيخ القرضاوي الى حالة من الصيام عن التصريحات المعارضة لنظام الرئيس السيسي، وانما ايضا تؤدي الى نسف المصالحة الخليجية القطرية، وعودة الاوضاع الى المربع الاول، اي الى مرحلة ما قبل “وثيقة الرياض” التي كان عنوانها الابرز سحب ثلاثة سفراء من الدوحة.
الملك سلمان بن عبد العزيز لا يعطي المصالحة بين مصر وقطر جل اهتمامه في الوقت الراهن، ومن الطبيعي ان لا تكون على سلم اولوياته، فهو منشغل حاليا في ترتيب البيت السعودي الداخلي، وتثبيت رجاله في مفاصل السلطة الرئيسية، وابعاد من يشك في ولائهم، ووضع بصماته بقوة على تركيبة الحكم، وسياسات المملكة الداخلية والخارجية، ولذلك لا نستبعد توتيرا في العلاقات بين النظامين المصري والقطري في الايام والاسابيع المقبلة.
***
ولا نبالغ اذا قلنا ان العلاقة السعودية القطرية كانت ترتكز على محور واحد في الاسرة الحاكمة السعودية، اي جناح الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز وابنه الامير متعب بن عبد الله وزير الحرس الوطني، ولم تكن ودية على الاطلاق مع الجناح السديري في الاسرة السعودية الحاكمة، وهو الجناح الذي عاد الى الواجهة بقوة بعد وفاة الملك عبد الله وبات يتحكم بأهم اربع مناصب في الدولة، اي العرش (الملك سلمان) والداخلية (محمد بن نايف) والدفاع (محمد بن سلمان) والنفط (عبد العزيز بن سلمان نائب الوزير والمهندس الحقيقي للسياسة النفطية السعودية).
لا نعتقد ان الرئيس السيسي الذي يعتبر دولة قطر عدوه الاول حاليا سيكون مسرورا من تغطية قناة “الجزيرة” للمظاهرات الاحتجاجية ضده، واعطاء المنبر لخصومه من الاخوان واليساريين معا، كما اننا لا نعتقد ايضا ان حلفاءه في الخليج، وخاصة في دولتي السعودية والامارات الذين ايدوا حربه الطاحنة ضد الاخوان المسلمين ووضعوا كل ملياراتهم وعلاقاتهم السياسية مع الغرب خلفه، سيكونوا “سعداء” بهذا النكوص، او بالاحرى الخروج عن “اتفاق الرياض” وبنوده.
مرة اخرى نقول ان احتمالات العودة الى المربع الاول للازمة واردة، وان الحرب الاعلامية الساخنة بين الامبراطورية الاعلامية القطرية الممثلة في شبكة “الجزيرة” واخواتها في لندن واسطنبول من ناحية، ونظيراتها السعودية (العربية وبناتها) والاماراتية ربما ستشعل بقوة اكبر بالنظر الى المقدمات الحالية المتمثلة في عمليات شحذ السيوف والالسنة و”الخبراء”، ولا ننسى كتائب التدخل السريع الاعلامية المصرية المحلية، وألسنة جنرالاتها السليطة.
باختصار شديد نقول ان “المصالحة” “في مهب الريح” وقد تكون دفنت مع عرابها وراعيها الملك عبد الله، واللهم الا اذا قرر الملك سلمان تهدئة الاوضاع مؤقتا لكسب الوقت الكافي لتثبيت حكمه، وكل شيء جائز، لكن الامر المؤكد ان الايام والاشهر المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت، والله اعلم.

انه مأتم حقيقي للثورة المصرية وممنوع على اهله تلقي العزاء بالضحايا وشهداء الحرية والعدالة.. فعندما تتقدم الحلول الامنية على السياسية وتسود سياسة القبضة الحديدة.. فإن مصر تنحرف نحو الاسوأ

عبد الباري عطوان
تحولت الذكرى الرابعة للثورة المصرية الى مجزرة دموية بدلا ان تكون مناسبة سعيدة يتبادل فيها المصريون التهاني، ويوزعون الحلوى و”الشربات” احتفالا بهذا الحدث العظيم الذي اطاح بأحد اكثر النظم السياسية الشرق اوسطية طغيانا وفسادا، ولكن قوات الامن المصرية ارادته غير ذلك، وكان لها ما ارادت، واستخدمت الذخيرة الحية للتصدي للمتظاهرين العزل، ومعظمهم من الشباب، ووصل عدد الضحايا حتى كتابة هذه السطور اكثر من 16 شخصا وهو في تصاعد.
الاحصاءات شبه الرسمية تقول ان 1400 شخص قتلوا برصاص رجال الامن منذ الاطاحة بنظام الرئيس المنتخب محمد مرسي في الثالث من يوليو (تموز) عام 2013، علاوة على ما يقرب من العشرين الف معتقل يقبعون خلف السجون اكثر من الفين من بينهم يواجهون احكاما بالاعدام.
هذه الارقام لا تشرف النظام الجديد في مصر، ولا تكسبه ثقة الشعب المصري المسحوق والمنهك، ولا احترام الرأي العام العالمي الذي تحتاجه مصر للحصول على المساعدات والقروض اللازمة لانقاذها من ازماتها الاقتصادية المتفاقمة، ولا يمكن ان تبشر بمستقبل واعد بالامن والاستقرار والحد الادنى من العيش الكريم.
***
الشعب المصري قام بثورته المجيدة من اجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، واجتثاث الفساد، ومحاكمة رموزه، ولكن ما يجري على ارض مصر حاليا يتناقض مع كل هذه المبادىء والقيم التي ضحى من اجلها وقدم مئات الشهداء، فماذا فعل هؤلاء الذين احتجوا بطرق سلمية حتى يواجهون بالرصاص الحي في يوم عيد ثورتهم؟ ولماذا كل هذه القسوة والدموية، الا توجد قنابل مسيلة للدموع، او مدافع الرش بالماء؟ فهل تعيش مصر في عصر اهل الكهف؟
الثورة المصرية تعرضت لابشع عملية اجهاض، وعلى ايدي من يدعون انهم جاءوا لحمايتها او تصحيحها، ولا نعتقد ان الشعب المصري الطيب الصبور سيقبل ان تجهض ثورته، او تخطف منه، ويأتي من يريد اعادته الى عهود الظلم والقمع والتسلط وسرقة قوت يومه.
هذه ليست مصرية، قوات الامن التي تطلق النار على المتظاهرين، وهذه ليست عدالة التي تزج بالآلاف في السجون والمعتقلات وتصدر مئات، بل آلاف احكام الاعدام في ساعات معدودة في حق متظاهرين قالوا “لا” للظلم والطغيان، وقرروا النزول الى الشوارع للتعبير عن حقهم المشروع الذي كفلته كل الدساتير والاعراف تجاه ما يجري في بلدهم من ظلم واضطهاد وقمع تحت اسم الامن والاستقرار.
الذين سقطوا برصاص الامن اليوم (الاحد) لسيوا “ارهابيين” من جماعة “الاخوان المسلمين” الذين تستخدمهم السلطات “كفزاعة” و”كذريعة” لممارسة اعمال القتل، وانما من خيرة ابناء مصر وشبابها الوطني الشريف الذي يريد الخير لبلده والعدالة لاهله واشقائه.
السيدة شيماء الصباغ التي سقطت مدرجة بدمائها برصاص رجال الامن ليست “اخوانية” وكذلك حال معظم الشهداء الآخرين، الذين يمثلون جميعا مصر الطيبة المعطائة، ويقدمون ارواحهم، مثل اشقائهم شهداء 25 كانون ثاني (يناير) عام 2011 طلبا للحرية والكرامة، ثم ماذا لو كانوا من الاخوان المسلمين، اليس هؤلاء من فصيلة البشر، اليسوا مصريين ايضا؟
عندما يفرج “القضاء” عن جميع رموز القمع والفساد في البلاد ابتداء من الرئيس المخلوع حسني مبارك، ومرورا باطلاق النار على المتظاهرين العزل، بينما “يتكوم” عشرات الآلاف من شباب الثورة الشرفاء خلف القضبان بتهم ملفقة، فإن هذه ليست عدالة، وانما انتقام صريح من قبل انصار الثورة المضادة الذين يريدون عودة مصر الى الوراء، الى عهود الفساد وتكتيم الافواه، ومصادرة الحريات، والتعامل مع الشعب الابي الشهم كقطيع من الغنم.

***

نعم ان ما يجري اليوم في ارض مصر الطاهرة هو مأتم للثورة غير مسموح تقبل العزاء فيه، او الحد الادنى من التعاطف مع الضحايا ابناء مصر البررة، والا فانت ارهابي تدعم الارهابيين، ولا تريد للبلاد الخير والاستقرار والازدهار والتقدم، فالتهم جاهزة، والمحاكم المزورة والقضاء عديمو الضمير “قضاة السلاطين” جاهزون ايضا.
الرئيس عبد الفتاح السيسي اختار القبضة الحديدية، وقدم الحلول الامنية على السياسية منها، واغلق الابواب جميعا امام الحوار الذي يمكن ان يقود الى المصالحة الوطنية الحقيقية التي تحقن دماء البسطاء وتضع مصر على طريق الاستقرار والتعايش، ولكن هذا الخيار يعمق جرح الانقسام، ويصب النار على زيت الفتنة، ويوفر الذخيرة الاكثر فتكا للعنف والارهاب الذي يحاصر مصر حاليا من كل الجهات.
مصر تتغير ولكن ليس للافضل، نقولها نحن الذين نحبها، وفي الحلق اكثر من غصة، فلم يخطر في بالنا ابدا، ان نرى قوات الامن المصرية تطلق النار على المتظاهرين وفي ذكرى ثورة 25 يناير، فقد اعتقدنا ان هذا المشهد الدموي اختفى كليا، والى الابد في هذا البلد الريادي العريق، الذي قدم واحدة من اعرق الثورات سلمية في التاريخ مصحوبة بعملية ديمقراطية في قمة الحرية والنزاهة.
رحم الله ثورة 25 يناير.. ورحم الله شهداءها القدامى والجدد.. كان الله في عون الشعب المصري فيبدو ان القادم اسوأ فعلا.

ذبح مغربي طعنا في جنوب فرنسا واعتداء على خمسين مسجدا وما زال المسلمون في دائرة الاتهام.. وقلقهم لا يحتل المرتبة الاولى للحماية في اجندة الحكومات الاوروبية.. ماذا لو طلب امام مسلم بما طالب به حاخام يهود بروكسل بتسليح المسلمين ايضا؟

عبد الباري عطوان
تعرض فرنسي من اصل مغربي لهجوم من قبل جاره الفرنسي ايضا اقتحم منزله ووجه اليه 17 طعنة سكين وارداه قتيلا وسط بركة من الدماء امام زوجته واطفاله، كما اشهر مهاجر من اصل روماني سكنيا في مدينة تولوز جنوب فرنسا وهدد بذبح مسلمين، وافادت التحقيقات الرسمية ان اكثر من خمسين مسجدا ومؤسسة اسلامية تعرضت لاعتداءات عنصرية من بينها كتابات تطالب بالموت للمسلمين ووضع رؤوس وامعاء خنازير امام ابوابها.
من يطالع الصحف البريطانية والفرنسية صباح السبت يجد ان الموضوع الطاغي في صفحاتها الاولى هو تشديد الحراسة من قبل السلطات الامنية على المؤسسات اليهودية لحمايتها من اي هجمات محتملة من قبل متشددين اسلاميين بعد مقتل اربعة اشخاص في المتجر اليهودي الذي اقتحمه احمد كوليبالي، ولا اشارة واحدة لتأمين الحراسة للمسلمين وان وجدت فهي على استحياء شديد.
هناك خوف في اوساط الجاليات اليهودية، ولكن الخوف في اوساط الجالية الاسلامية اكبر في ظل تصاعد نفوذ وقوة الاحزاب والجماعات اليمينية العنصرية المتطرفة التي تستهدف المسلمين وتهدد بترحليهم من اوروبا كلها وسط اعمال تحريض اعلامية وسياسية غير مسبوقة، وجاء الهجوم على صحيفة شارلي ابدو الاسبوعية ليعطيها الذحيرة التي كانت تنتظرها وتحلم بها.

***

في المانيا على سبيل المثال توجد حركة “بيغيدا” اليمينية المتطرفة (حركة وطنيون اوروبيون ضد اسلمة الغرب) هذه الحركة تنظم مظاهرة كل يوم اثنين في جميع المدن الالمانية، في المظاهرة الاولى التي نظمتها في تشرين الاول (اكتوبر) الماضي اشترك فيها 500 شخص، وفي الثانية التي نظمتها في شهر كانون الاول (ديسمبر) الماضي ارتفع الرقم الى 10 الاف شخص، اما مظاهرة الاثنين الماضي فارتفع عدد المشاركين الى 25 الفا.
بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل استغل هجوم المتشددين على مجلة شارلي ابدو لدعوة اليهود الفرنسيين الى الهجرة الى فلسطين المحتلة، وجرى دفن اليهود الاربعة ضحايا هجوم متجر باريس في جبل المكبر في القدس المحتلة، اي في اراضي مغتصبة، وهناك مؤشرات بأن عشرة آلاف يهودي فرنسي قد يهاجرون الى فلسطين المحتلة هذا العام، ومن المؤكد انه سيجري توطين معظمهم في مستوطنات في الضفة الغربية.
الحاخام مناحيم مارجولين، حاخام بروكسل ورئيس الاتحاد الاوروبي للمنظمات اليهودية طالب مختلف وزراء داخلية الحكومات الاوروبية بتعديل قوانين حمل السلاح للافراد بما يسمح لليهود في اوروبا بحمل السلاح للدفاع عن انفسهم، ونقلت عنه صحيفة “بلجيكا الحرة” الصادرة اليوم (السبت) ان اليهود في حال قلق بعد الهجمات الاخيرة في فرنسا.
قلق الجالية اليهودية مفهوم، ولكن ماذا يمكن ان يحدث لو امام او زعيم مؤسسة او هيئة اسلامية في اوروبا تقدم بالطلب نفسه على سبيل المثال، وكيف ستكون ردود الفعل؟
المسألة لم تعد الدفاع عن حرية التعبير مثلما كانت قبل اسبوع، وانما تحولت الى مسألة امنية بحته توجه اصابع الاتهام الى المسلمين، او المتشددين منهم على اعتبارهم مصدر تهديد لامن اوروبا واستقرارها، وبما يحتم ضرورة تحالف القارة العجوز مع امريكا لمواجهة هذا الخطر، مثلما فعل ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا الذي طار الى واشنطن من اجل هذا الغرض.
اذا كان هناك خطر على اليهود في اوروبا واي مكان آخر في العالم فإن سببه اغتصاب فلسطين، وسياسات اسرائيل الاستيطانية والعنصرية، وحروبها ومجازرها ضد العرب والفلسطينيين، واصرار نتنياهو على اعتراف العرب والمسلمين بإسرائيل كدولة يهودية عنصرية، واقناع اليهود والحكومات والاعلام الغربي بأن اي انتقاد لهذه الممارسات العنصرية هو عداء لليهود والسامية، ومن المؤسف انه نجح نجاحا ملموسا في جر اليهود الى هذه المصيدة.
كل من ينتقد المجازر الاسرائيلية في قطاع غزة وجنوب لبنان هو معاد للسامية ولليهود ومتطرف يجب وضعه على لائحة الاتهام، ومن المؤلم ان الكثيرين من الكتاب الغربيين، ناهيك عن العرب والمسلمين وضعوا على هذه اللائحة وطوردوا في اكل عيشهم، ومنعوا من حرية التعبير بطريقة او باخرى ومن بين هؤلاء يهود.
الحكومات الغربية التي تعلن حالة الطوارىء القصوى يجب ان تعلم جيدا بان ما يهدد استقرار مجتمعاتها هو سياساتها التي توفر الذخيرة الاكبر للجماعات المتشددة لتجنيد الشباب المسلم في صفوفها ودفعه لتنفيذ هجمات “ارهابية”.
***
ديفيد كايمرون ونظيره نيكولاي ساكوزي هما اللذان ذهبا الى بروكسل قبل ثلاث سنوات لرفع الحظر عن ارسال السلاح الى الجماعات التي تقاتل لاسقاط النظام في سورية، وعندما خرج المارد من القمقم وباتت هذه الجماعات هي الاقوى وتطالب باقامة دولة الخلافة تحول هؤلاء الى ارهابيين وتغيرت الاولويات والحلفاء ايضا.
الرئيس جورج بوش الاين اعلن الحرب على الارهاب ومعه حلف الناتو، وبعض العرب من اجل محاربة الارهابيين حيث يتواجدون في العالم الاسلامي لمنع وصولهم الى امريكا واوروبا، وربما يكون هناك نجاح تحقق، ولكن لم يدر في ذهن هؤلاء ان محاربة الارهاب في الخارج ستؤدي الى نموه في الداخل.
الاجراءات الامنية المشددة لن تحقق الاستقرار في اوروبا وتمنع الهجمات، وانما اتباع سياسات تقوم على المساواة والعدالة بين ابناء جميع الديانات ووقف كل اعمال التحريض والاستفزاز، ونكرر بأن الذين خلقوا الازمة وتداعياتها هم ثلاثة اشخاص فقط، ولا يملكون طائرات (اف 16) او صواريخ كروز ولا اسلحة نووية.
توجيه اصابع الاتهام الى الجالية الاسلامية من خلال هذه الاجراءات الامنية التي توفر الحماية لغيرهم باعتبارهم ضحايا، قد يعطي نتائج عكسية تماما، لان المسلمين هو الضحايا ايضا، وهم الذين يقتلون ايضا في بلدانهم التي لجأوا اليها، او في بلدانهم التي هربوا منها بحثا عن الحرية ولقمة العيش الكريم.
نحن مع حرية التعبير دون قيود، ولكننا ضد استخدامها كذريعة ليس لاستفزاز المسلمين فقط، وانما كنقطة استغلال لتجريمهم ووضعهم في دائرة الاتهام، وعدم مساواة خوفهم وقلقهم بقلق الآخر وخوفه ايضا.

السعودية تفشل المبادرة الفنزويلية وترفض اجتماعا طارئا للاوبك.. واسعار النفط تهبط الى الاربعين دولارا.. وايران تهدد وتتوعد وروسيا صامته.. وخسائر الخليج تعيد اعمار العالم العربي كله

عبد الباري عطوان
ذكرتني الجولة التي يقوم بها حاليا الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في اربع دول رئيسية منتجة للنفط هي ايران والسعودية وقطر والجزائر في محاولة لاقناعها بمبادرته التي تنص على انعقاد قمة طارئة لمنظمة الاوبك لبحث ازمة تدهور الاسعار الحالية، بجولة مماثلة لسلفه الاسبق الرئيس كارلوس رودريغز قبل 37 عاما تقريبا ومن اجل الهدف نفسه لكن لاسباب مختلفة.
كنت في حينها، اي عام 1977 على ما اذكر اعمل محررا في صحيفة “المدينة” اليومية السعودية، واوفدني رئيس التحرير الصديق احمد محمد محمود الى الرياض لتغطية زيارة الرئيس الفنزويلي وجاء اختياري، لسبب ليس له علاقة بالكفاءة، بقدر ما له علاقة بلغتي الانكليزية المعقولة، فقد كنت اتحسس طريقي في هذه المهنة الصعبة، وهذه قصة اخرى.
الرئيس الفنزويلي رودريغز حط الرحال في الرياض من اجل اقناع العاهل السعودي الملك خالد بن عبد العزيز برفع اسعار النفط السعودي بنسبة 5 بالمئة من اجل ردم الهوة مع اسعار دول اوبك اخرى رفعته في اجتماع سابق لها بنسبة 10 بالمئة وهو ما رفضته السعودية واصرت على ان تكون الزيادة نصف هذه النسبة، وتردد ان هذا الرفض جاء بضغوط امريكية.
اذكر انني سألت الامير فهد بن عبد العزيز ولي العهد الذي ترأس الوفد السعودي في المباحثات مع الضيف الفنزويلي وكان الحاكم الفعلي للبلاد، عما اذا كانت المملكة ستتجاوب مع مطلب رفع اسعار نفطها اسوة بالدول الاخرى، فقال لي ان المملكة “ملتزمة” بوحدة منظمة الاوبك وكانت هذه كلمة السر، وفعلا رفعت المملكة سعر نفطها 5 بالمئة اخرى ومرت الازمة، وخرجت انا بسبق صحافي عالمي.
***
يبدو ان الرئيس الفنزويلي الحالي مادورو اقل حظا من الرئيس كارلوس، لان مبادرته بخفض انتاج النفط السعودي من اجل رفع الاسعار او بالاحرى وقف انهيارها السريع لم تحقق اي من اهدافها، فقد اعلن بعد اجتماعه مع السيد عبد الملك سلاس رئيس وزراء الجزائر المحطة الاخيرة في جولته “انه لا يوجد اجماع بين الدول الاعضاء في اوبك لعقد اجتماع طارىء للمنظمة”، وفي واقع الحال ليس هناك حاجة لاجماع، وانما موافقة دولة واحدة تنتج 9.6 مليون برميل يوميا وهي السعودية يمكن ان تحل الازمة اذا ارادت، وتوافق على الاجتماع الطارىء، وتقبل بالتالي بخفض الانتاج.
فشل جهود الرئيس الفنزويلي يعني ان اسعار النفط التي وصلت امس الى اقل من 45 دولارا للبرميل قد تصل الى اربعين دولارا غدا، و35 دولارا الاسبوع المقبل حتى تصل الى عشرين دولارا مثلما بشر السيد علي النعيمي وزير نفط المملكة الدول الاخرى الاعضاء، الامر الذي قد يؤدي الى افلاس معظم الدولة المنتجة غير الخليجية، وخاصة فنزويلا ونيجيريا وايران وروسيا.
كل دولار انخفاض في اسعار برميل النفط يعني خسارة مقدارها ملياري دولار من دخل روسيا يوميا، واذا قدرنا ان اسعار النفط انخفضت بحوالي سبعين دولارا منذ حزيران (يونيو) الماضي فإن هذا يعني ان خسارة روسيا السنوية 140 مليار دولار مرشحة للزيادة، والحسبة نفسها تنطبق على ايران وفنزويلا ونيجيريا وجميع الدول المصدرة للنفط.
السعودية ودول الخليج الاخرى لن تتأثر على المدى القصير، لان جيوبها عميقة، فالسعودية تملك فائض نقدي مقداره 750 مليار دولار وتستطيع تحمل الخسائر لعدة سنوات، والشيء نفسه يقال عن الكويت والامارات وقطر التي تملك صناديق سيادية تزيد قيمتها على ترليون ونصف ترليون دولار تقريبا، ولكن ليس البحرين وسلطنة عمان، الدول الافقر والاقل انتاجا والاكثر سكانا مثلما هو حال الثانية (عمان).
هناك ثلاثة اعتبارات او اسباب رئيسية ادت الى انخفاض اسعار النفط بهذه الصورة المتسارعة:
• اولا: ضعف الطلب بسبب الازمة الاقتصادية العالمية.
• ثانيا: زيادة الانتاج الامريكي من النفط الصخري حوالي خمسة ملايين برميل يوميا سترتفع الى عشرة عام 2020.
• ثالثا: رفض السعودية خفض الانتاج من اجل زيادة الاسعار اثناء اجتماع اوبك الاخير في كانون الاول (ديسمبر) الماضي.

روسيا وايران لديهما انطباع مؤكد ان هناك مؤامرة سعودية امريكية تهدف الى تضييق الخناق عليهما اقتصاديا من خلال تخفيض اسعار النفط، الاولى بسبب ضمها لجزيرة القرم ودعم انفصال شرق اوكرانيا، والثانية لدعمها النظام السوري وحزب الله وحركة المقاومة الاسلامية الفلسطينية، فالاقتصاد الروسي الذي يعتمد بنسبة 70 بالمئة على صادرات النفط والغاز مرشح للدخول في حال كساد هذا العام، والروبل خسر ستين في المئة من قيمته امام الدولار، وكل محاولات دعمه بما في ذلك رفع سعر الفائدة الى 17 بالمئة باءت بالفشل، والشيء نفسه يقال عن ايران التي تدهورت عملتها لاكثر من ثمانين في المئة، وقد اقرت ميزانيتها للعام المقبل ابتداء من اول اذار (مارس) على اساس سعر 72 دولارا للبرميل اي بعجز متوقع بنسبة 33 بالمئة على اقل تقدير اذا وقف انهيار اسعار النفط عند حاجز 45 دولارا مثلما هو الحال اليوم.

***

ايران بدأت تشعر بسخونة الازمة، وانعكس هذا في تصريحات الرئيس حسن روحاني التي هدد فيها امس بأن من خفضوا اسعار النفط (في اشارة الى السعودية) ضد بعض البلدان (في شارة الى ايران وروسيا) سيندمون على هذه الخطوة، وقال “ايران لن تخضع للمؤامرة وستتغلب عليها.
السعودية التي تخوض حاليا حربا في سورية والعراق ضد “الدولة الاسلامية” واخرى ضد التهديد الامني لانصارها في الداخل بدأت الآن على حافة حرب اخرى ضد دول منظمة اوبك وخارجها بعضها مسلم مثل ايران ونيجيريا والجزائر وليبيا واخرى غير مسلمة مثل روسيا وفنزويلا.
خسائر دول الخليج وحدها من انخفاض اسعار النفط الى 45 دولارا تصل الى اكثر من 300 مليار دولار سنويا وهي خسارة كفيلة بإعادة اعمار وتنمية كل الدول العربية مجتمعة وايجاد وظائف لكل الشباب العربي العاطل عن العمل، ناهيك عن الشباب السعودي الذي تبلغ نسبة البطالة في صفوفه اكثر من ثلاثين في المئة.
لا نعرف من هم الاكثر حكمة وتبصر في التعاطي مع الازمات النفطية الطارئة، حكام السعودية القدامى ام الحاليين.
المقارنة ليست في محلها، والظروف تغيرت حتما، ولكن ما يمكن قوله ان السيد النعيمي وزير النفط السعودي ومن يرسمون له السياسات يقدمون على مقامرة خطيرة جدا سياسيا واقتصاديا من الصعب التنبؤ بنتائجها، خاصة ان الامور بدأت تخرج من ايدي الجميع وباتت امكانية السيطرة عليها معدومة، والله اعلم.

الاعلام هو الضحية الاكبر للازمة المصرية المغربية: الاسباب غامضة.. والهجوم بجديده وقديمه خرج عن كل الاعراف.. ونحتاج الى ميثاق شرف اخلاقي للحكومات العربية برفع يدها عن الاعلام وتوريطه في ازماتها

عبد الباري عطوان
الازمة السياسية المتفاقمة حاليا بين المغرب ومصر تعكس المستوى البائس الذي انحدرت اليه السياسة العربية، والعلاقات بين الحكومات والدول، والتوظيف المنحرف والسطحي لوسائل الاعلام لبذر بذور الفتنة، بل القطيعة، بين الشعوب بدلا من تشجيع التقارب، وازالة الحواجز بعيدا عن الخلافات الرسمية التي سرعان ما تزول بتبويس اللحى، وتبادل الزيارت على ارضية “عفا الله عما سلف”.
غياب المهنية والاستقلالية عن معظم الوسائل الاعلامية العربية، والتلفزيونية منها على وجه الخصوص، وسيطرة بعض مراكز القوى من خلال “رأس مال” غير معروفة مصادره، واحتمال جمعه وتكوينه من صلب الفساد والافساد، وحصر الحرية في “الردح” و”السب” و”الشتم” لكل من تختلف معه الحكومة المسيطرة شخصيا او نظام حكم، كلها عوامل منفردة او مجتمعة ادت، وتؤدي الى الحالة المزرية التي تشهدها العلاقات العربية العربية هذه الايام.
فجأة وبعد عام ونصف العام، اكتشفت بعض الاوساط الاعلامية المغربية ان الرئيس عبد الفتاح السيسي وصل الى الحكم عبر انقلاب عسكري اطاح برئيس منتخب يقبع في السجن، اسمه محمد مرسي، انه اكتشاف عظيم دون ادنى شك، جاء بتوجيه من جهات تعتقد انها عليا، طلبت فتح النار على مصر ورئيسها وحكومتها، دون اي مقدمات توضح اسباب هذا الهجوم الشرس، مما فتح الباب على مصراعيه للتأويلات والصيد في ماء لم يكن صافيا اصلا.
نفهم ان “تنحرف” بعض محطات التلفزة المصرية الى هذا المنزلق، وتهاجم هذا الطرف او ذاك بأفظع الالفاظ والاتهامات، فهناك ارث اعلامي “عريق” لديها في هذا المضمار، ولكن ما لم نفهمه هو ان تحذو بعض المحطات “الرسمية” المغربية الحذو نفسه في مضمار ليست ضليعة فيه لا يجب ان تنزلق اليه اساسا.

***

نشعر ككتاب، واعلاميين، بالمرارة ونحن نتابع هذه “الخصومة” المفتعلة تلتهم ما تبقى من مصداقية ومهنية لبعض الاعلام العربي، مثلما نشعر بالغصة عندما يتحول “بعض” زملائنا الى ادوات تحركهم احقاد وثارات شخصيات رسمية لمهاجمة هذه الجهة او تلك وكأننا “كلاب حراسة”.
نعم بعض المحطات التلفزيونية اخطأت في حق المغرب، عندما تخطت مذيعة مصرية مغمورة كل الخطوط الحمر، وخرجت عن كل اللياقات والآداب والاعراف المهنية والاخلاقية، عندما تهجمت على المغرب وشعبه وحكومته، وقالت ان دعائم الاقتصاد المغربي تقوم على “الدعارة”، وان البلد تحتل مرتبة متقدمة على لائحة الدول التي ينتشر فيها مرض “الايدز″، وكأن مصر ودول عربية كثيرة ليس فيها دعارة او ايدز، ولكن هذا التصرف الذي يعكس غباء وقصر نظر ما كان يجب ان يثير ازمة في علاقات بلدين كبيرين تتسم بالقوة والقواسم والمصالح المشتركة، ولولا تسليط الاعلام المغربي على هذا “التجاوز الوقح” وتضخيمه والمطالبة باعتذار رسمي لما سمع احد بهذه المذيعة او ما قالته.
وما المانع من انتقاد مذيع مصري آخر العاهل المغربي وسفره الى تركيا في موكب من خمسة طائرات، فالخبر اساس جرى نشره في عدة صحف فرنسية، واذا كان كاذبا فقد كان من المفترض ان يصدر الديوان الملكي المغربي تكذيبا له واغلاق هذه الصفحة.
تعددت الآراء والاجتهادات حول تفسير اسباب هذا “الهجوم” الاعلامي الرسمي المغربي المفاجيء على مصر، وتسمية الاشياء باسمائها الصحيحة، فمن قال انها “فتنة” يقف خلفها التنظيم الدولي للاخوان المسلمين، ونحمد الله انهم لم يقولوا حركة “حماس″، ومن يذهب الى ابعد من ذلك ويقول انه انحياز مصر الى الجزائر، وتأييدها لجبهة “البوليساريو” بعد حصولها على غاز جزائري بأسعار مخفضة، ومشاركة وفد مصري في مؤتمر انعقد في العاصمة الجزائرية لدعم الاخيرة.
الاختلاف امر طبيعي بين الحكومات في قارات العالم الخمس، ولكن لماذا اللجوء الى “الردح” الاعلامي بدلا من القنوات الرسمية المتبعة، مثل السفارات وتبادل الرسائل وايفاد المبعوثين لتطويق الازمات، وايجاد حلول كلية او جزئية لها عبر الحوار الاخوي الحضاري؟
امر مؤسف ان اول خطوة يلجأ اليها الوسطاء في الخلافات البيتية العربية هو طلب “هدنة” اعلامية، وتهيئة الاجواء، لفتح افق افضل للحوار، وبالتالي المصالحة، وغالبا ما تتم هذه المصالحة ويتعانق الزعماء او الوزراء، وتطوى الصفحة، ولكن الاعلام “وفرسانه” الذين كانوا سيوف الحرب، وترسها، هم الضحية وكبش الفداء، ونذكِر في هذه العجالة بإغلاق قناة “الجزيرة مصر مباشر” ولجم القناة العامة، كشرط لاي مصالحة مصرية قطرية.
القطيعة التي خلقتها الحرب الاعلامية الجزائرية المصرية على ارضية احداث وصدامات مباريات تصفية كأس العالم قبل بضعة اعوام بين شعبي البلدين ما زالت ذيولها السلبية موجودة، وجراحها لم تلتئم كليا، بينما تتطور العلاقات بين نظامي البلدين بشكل متسارع وهذه مأساة كبرى.

***

كان الاحرى بالسلطات المغربية ان تصدر بيانا رسميا تحتج فيه على انحياز مصري لصالح الجزائر في قضية الصحراء الغربية، اذا كانت هناك اسباب مقنعة او موثقة، وكان المأمول من السلطات المصرية في المقابل ان تفعل الشيء نفسه، وفوق ذلك تتخلى عن عقدتها تجاه “الاخوان المسلمين” واشهار سيف العداء مع اي دولة تقترب منهم، مع يقيننا انه لا يوجد اي دليل يؤكد ان المغرب اقام علاقة رسمية معهم، ولكنه، اي المغرب تصرف بحكمة عندما سمح لحزب العدالة والتنمية بدخول الحكم وتشكيل الوزارة، بعد فوزه بالمقاعد التي تؤهله لذلك في البرلمان، مع تأكيدنا مسبقا على اختلاف ظروف المغرب واسلاميه عن نظرائهم في دول مشرقية اخرى وخاصة مصر.
الحكومات العربية، قبل ثورات ما يسمى بالربيع العربي، وعزت لوزراء اعلامها بوضع ميثاق شرف اعلامي عربي، ليس له اي علاقة بالشرف، او المهنية، وانما بالقمع والترهيب وخنق الحريات، ونحن الآن نطالب الحكومات نفسها بوضع ميثاق شرف اخلاقي فيما بينها من ناحية، وبينها وبين الاعلام من ناجية اخرى، اي ان تكف يدها واذاها عن الاعلام ووسائله وتتوقف عن توظيفه في خدمة اجنداتها، “الردحية” ضد بعضها البعض، استغلالا لاوضاع بعض الاعلاميين المعيشية البائسة، والاستعانة بالمتطفلين على المهنة في الكثير من الحالات.
حرصنا في هذه المقالة على الاكثار من كلمة “بعض” او “معظم” لتجنب الوقوع في مصيدة “التعميم” وللتأكيد على ان هناك وسائط اعلامية تتحلى بأكبر قدر ممكن من المهنية واتباع الاصول، ولكن هؤلاء قلة للأسف هذه الايام.
ربما يطير وزير الخارجية المصري سامح شكري الى الرباط غدا ويقدم اعتذارا يتم قبوله فورا، وتنهال التصريحات بعده حول عمق العلاقات الاخوية التاريخية بين البلدين، وتطوى صفحة الخلاف، وتهدأ العاصفة الاعلامية، ويخرج الاعلام او بعضه ملطخة صفحاته ببقع سوداء يحتاج الى سنوات لتنظيفها.

العلم السوري يرفرف غدا فوق السفارة السورية في الكويت بألوانه الحمراء والبيضاء والسوداء.. انه انقلاب كبير لم يكن متوقعا قبل 22 شهرا.. ما الذي حدث؟ وما هي اسبابه ومتى نرى العلم نفسه يرفرف في الرياض والدوحة؟

عبد الباري عطوان
سيرفرف العلم السوري بألوانه الاحمر والابيض والاسود فوق السفارة السورية في الكويت التي سيعاد فتحها رسميا اليوم الاثنين، بعد اغلاق استمر عشرين شهرا توقعت خلالها الحكومة الكويتية، ودول خليجية اخرى سقوط النظام وتسليم السفارة الى المعارضة السورية المسلحة برئاسة الائتلاف الوطني السوري، بعد ان جمدوا عضويته في الجامعة العربية وسمحوا لزعيم المعارضة في حينها (معاذ الخطيب) الجلوس على مقعدها والقاء كلمتها في قمة الدوحة العربية.
النظام لم يسقط، ولا يوجد اي مؤشرات انه سيسقط في المنظور المتوسط على الاقل، رغم الانشقاقات التي وقعت في صفوفه في بداية الازمة، سواء في الجيش او في المؤسسات السياسية والدبلوماسية، حيث قفز الكثيرون من سفينته، سواء عن قناعة، او استجابة للاغراءات المالية الضخمة، نتيجة اعتقاد راسخ، كرسته امبراطورية اعلامية غربية، وخليجية جبارة، مرفوقة بتأكيدات امريكية واسرائيلية وتركية بأن ايام النظام باتت معدودة، وان سفينته غارقة لا محالة.
لا نجادل مطلقا بأن النظام ارتكب مجازر، ويتحمل المسؤولية الاكبر عن ما حدث ويحدث في سورية، لكن الطرف الآخر في المقابل لم يكن حملا وديعا، واحتكم الى السلاح على امل التعجيل في اسقاط هذا النظام وتغييره ببديل ديمقراطي، ولكن في ظل انقلاب “الثورة” السورية الى صراع على الحكم، وصب المليارات، وآلاف الاطنان من الاسلحة في الاتجاهين، اختلطت الاوراق، وتغيرت المعادلات، وتبدلت المفاهيم، واصبح الشعب السوري الذي تشرد منه عشرة ملايين يعيشون حاليا في العراء في ظروف معيشية ومناخية صعبة، وخسر اكثر من ثلاثمائة الف من خيرة ابنائه هو الضحية الكبرى، ويترحم نسبة كبيرة منه على الايام السابقة، بعد ان تحولت بلاده الى فوضى دموية، وميدان صراع للامم، وفقدت وحدتها الجغرافية والديمغرافية وتقدمت الهوية الطائفية على كل الهويات الاخرى الجامعة للأسف.

***

المعارضة السورية، مثلها مثل الشعب السوري، تعرضت لخديعة كبرى عندما صدقت الوعود الامريكية، والتطمينات العربية، والخليجية منها على وجه الخصوص، واعتقدت انها باتت على بعد ايام معدودة للتخلص من النظام الديكتاتوري القمعي حسب نصوص ادبياتها وبياناتها، واقامة الجمهورية الديمقراطية الفاضلة.
اعادة فتح السفارة السورية في الكويت اهم اعتراف علني، وعملي، بأن السياسة الخليجية في سورية انهارت، خاصة انها توازت مع انفتاح كبير على العراق حليف سورية، تمثل في فتح قنصليتين وتوقيع 46 اتفاقية تجارية مع حكومته في اطار استراتيجية كويتية جديدة بتطبيع العلاقات وتعزيزها.
الكويت عندما سحبت سفيرها من دمشق واغلقت سفارتها، وطلبت من السفير السوري العودة الى بلاده في شباط (فبراير) عام 2012، اقدمت على هذه الخطوة في اطار تنسيق خليجي مشترك ومتفق عليه (سلطنة عمان لم تلتزم وابقت سفارتها مفتوحة في دمشق)، لهذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو عما اذا كان قرارها هذا منفردا، ام في اطار اتفاق خليجي على اعادة فتح سفارات سورية، في جميع او معظم العواصم الخليجية؟
انه موسم الحجيج الى دمشق، فها هي تونس التي كانت اول دولة عربية تغلق سفارتها في دمشق، ويعرض رئيسها المؤقت السابق (المنصف المرزوقي) على نظيره السوري حق اللجوء السياسي، ويستضيف اول اجتماع لمنظومة اصدقاء سورية (هل ما زالت موجودة؟) تعيد فتح سفارتها، ويتبادل رئيسها الجديد “المنتخب” الباجي قائد السبسي برقيات التهاني مع نظيره السوري، ولا نستبعد ان تبدأ احجار الدومينو تتساقط الواحدة تلو الاخرى، او فتح السفارة تلو الاخرى.
اسباب عديدة ادت الى هذا التطور “غير المفاجيء” على اي حال:
• اولا: ادركت الولايات المتحدة ان المعسكر الايراني السوري العراقي المدعوم من روسيا هو المنتصر “حاليا” فقررت الرهان عليه، والتعاطي معه، والاعتراف به على حساب حلفائها القدامى، وبعد ان “حلبتهم” ماليا وباعتهم اسلحة بأكثر من 150 مليار دولار.
• ثانيا: صعود “الدولة الاسلامية” بقوة، وازالتها الحدود السورية العراقية، واقامة دولة مكتفية ذاتيا بالمال والسلاح، حجمها اكبر من حجم فرنسا، وجميع الدولة الخليجية مجتمعة، عدا المملكة العربية السعودية، واعتمادها التوسع الجغرافي والعقائدي كنهج واستراتيجية، على عكس كل الحركات الاسلامية الاخرى، الامر الذي بث الرعب في جميع دول المنطقة، وغير اولويات الغرب، وجعل الجميع يرون في النظام السوري حليفا مستقبليا يمكن الاعتماد عليه، والتعاون معه، وغفر كل خطاياه، ما تقدم منها وما تأخر.
• ثالثا: انهيار الجامعة العربية ومصداقيتها كمظلة سياسية اقليمية، وحدوث تغيير جذري في مصر عنوانه انقلاب عسكري بقيادة الفريق اول عبد الفتاح السيسي (مشير ورئيس منتخب لاحقا) اطاح بحكم الاخوان المسلمين، والتحالف القطري التركي معهم، وجاءت عودة الليبراليين والدستوريين في تونس عبر صناديق الاقتراع، وتراجع ترويكا النهضة الثلاثية، وانهيار الاستقرار في ليبيا، وتصاعد الحرب الدموية فيها كلها عوامل غيرت المشهدين السوري والعربي تماما.
• رابعا: تراجع اسعار النفط بأكثر من خمسين في المئة، وتوقعات بوصولها الى عشرين دولارا للبرميل في سنوات مقبلة، اضعفت المعسكر الخليجي وقبضته على المنطقة، وصعدت من مخاوفه في حدوث اضطرابات داخلية، سياسية واجتماعية، بعد تزايد احتمالات تخفيض الانفاق الحكومي، وفرض ضرائب على المواطنين، ورفع الدعم عن المواد الاساسية مثل المحروقات والمواد الغذائية.
• خامسا: انقلاب السحر على الساحر، وعودة “الارهاب” بقوة الى دول خليجية ظلت محصنة منه لعقود، وشاهدنا هجمات تستهدف اجانب في كل من الامارات والسعودية، وظهور إعلام مواز مؤثر وفاعل لـ”الدولة الاسلامية” يحرض على اطاحة الانظمة، ويجذب نسبة كبيرة من الشباب الخليجي لاطروحاته، وتشكيله خلايا نائمة وحية بالتالي.
• سادسا: بروز المحور المصري الروسي الذي نشط في الاسابيع الاخيرة من اجل عقد مؤتمر حوار بين الحكومة والمعارضة في سورية للتوصل الى حل سياسي للازمة دون اي شروط مسبقة، وبمعزل عن المحور الخليجي التركي، وتجاوب معظم فصائل المعارضة السورية معه بشكل ايجابي والاستعداد للانخراط في الحوار دون شرط اسقاط النظام.
***
لا نستبعد ان يجلس السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري على مقعد سورية في الاجتماع المقبل لمؤسسة القمة العربية المقرر ان يعقد في القاهرة في الثلث الاخير من شهر اذار (مارس) المقبل، ولن نستغرب اذا كان السيد معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني السوري السابق، والسيد حسن عبد العظيم رئيس هيئة التنسيق وآخرين اعضاء في الوفد السوري يجلسون في المقاعد خلف شيخ الدبلوماسية السورية.
لم لا.. فكل شيء جائز هذه الايام، فمن كان يتوقع اتفاقا امريكيا ايرانيا بعد ان وصلت الامور الى حافة المواجهة، او من كان يتوقع هذا الصعود لـ”الدولة الاسلامية”، واطاحتها بالسيد نوري المالكي ووصول قواتها الى ابواب بغداد واربيل؟، وعودة الطائرات واكثر من خمسة آلاف جندي امريكي الى العراق، والاهم من كل ذلك، من كان يحلم بأن الرئيس بشار الاسد سيستمر في الجلوس على كرسي الحكم للعام الخامس على التوالي؟
نكتفي بهذا القدر.. ومن المؤكد ان لنا عودة لمتابعة تطورات هذا الزلزال.

حلف الناتو يريد تقسيم سورية على غرار البوسنه على اسس مذهبية وعرقية.. فما هي فرص نجاح هذا المخطط وكم عدد الدول المقترحة؟ وما هو دور تركيا وحكومات خليجية فيه؟

عبد الباري عطوان
اذا اردنا ان نفهم مخططات الغرب في منطقتنا العربية، فإن من اهم المصادر في هذا الاطار متابعة التصريحات والمواقف التي يقدم عليها الامناء العامين لحلف الناتو الذراع العسكري لامريكا واوروبا، والمطبخ الاهم لوضع الاستراتيجيات العسكرية والعمل على تنفيذها او بالاحرى فرضها بالقوة.
بعد انهيار جدار برلين في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1989 ومعه المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفييتي، خرج علينا جوزيف لوند الامين العام للحلف بتصريحات احتفل فيها بهذا الانهيار، وقال ان علينا الآن ان نبحث عن “عدو جديد” يحل محل الشيوعية المهزومة، واشار الى ان “الاصولية الاسلامية” هي العدو الجديد الذي يجب محاربته دون هوادة والقضاء عليه، وافردت مجلة “الايكونوميست” عدة صفحات لتصريحاته هذه في حينها.
نبوءة لوند صدقت، وان كنت، وما زلت، اعتقد انه كان ينطلق من معلومات مؤكدة لديه، وموثقة في تقارير ودراسات، بمعنى ان حلف الناتو واعلامه وزعاماته استغل هذا الخطر الاصولي المزعوم الذي لا يمكن، بل لا يجب، مقارنته بامبراطورية عظمى مثل الاتحاد السوفييتي تملك آلاف الرؤوس النووية، والغواصات والصواريخ العابرة للقارات باصولية لا تملك الا الاسلحة الخفيفة، استغل هذا الخطر المفبرك من اجل غزو افغانستان واحتلال العراق وتدمير ليبيا.

***

بالامس خرج علينا اندرس فوغ راسموسن الامين العام السابق لحلف الناتو الذي قاد التدخل العسكري في ليبيا، واشرف على الضربات الجوية العسكرية في العراق، خرج علينا بتصريحات في الجلسة الافتتاحية لندوة “السلام في الشرق الاوسط: اللاعبون، المشاكل وسبل الحل” التي نظمتها جامعة حسن قليونجي في ولاية “غازي عنتاب” الواقعة على الحدود التركية مع سورية، (لاحظوا اهمية المكان)، قال فيها حرفيا حول كيفية الحل في سورية “ينبغي تقسيم البلاد في اطار التوزعات الاثنية والدينية عبر اقناع الرئيس الاسد بمغادرة السلطة على غرار ما حدث في البوسنة”.
البوسنة شهدت حربا اهلية بين الصرب والمسلمين بين عامي 1992 و1995 لعبت المخابرات الامريكية دورا كبيرا في تأجيجها ومن ثم انهائها وارسال “مجاهدين عرب” بدعم من المملكة العربية السعودية ودول خليجية اخرى لنصرة اخوانهم المسلمين في وجه المجازر الصربية البشعة التي راح ضحيتها آلاف الابرياء ابرزها مجرة سربرنيتسا.
المجاهدون العرب كانوا مندفعين بغيرتهم على عقيدتهم ودينهم ونصرة اشقائهم، ولم يعرفوا مطلقا الدور الامريكي الغربي في تأجيج الصراع في البلقان من اجل تفكيك وانهيار الامبراطورية السوفييتية العدو الابرز، والاتحاد اليوغسلافي احد ابرز دعائمها، ولكن دولهم كانت تعرف جيدا بتقاصيل هذا المخطط، وتشارك في انجاحه تماما مثلما حدث في افغانستان.
بعد ان بلغت المجاور ذروتها، وبدأ المسلمون المقاتلون يدركون جيدا انهم لن يحققوا حلمهم بإقامة دولتهم المستقلة على كامل ترابهم، عقدت الولايات المتحدة مؤتمرا للسلام في مدينة دايتون الامريكية في نوفمبر عام 1995 تمخض عن اتفاق بتقسيم البوسنة والهرسك الى دولتين: الاولى فيدرالية البوسنة والهرسك يتناوب على حكمها المسلمون الصرب، والثانية جمهورية صرب البوسنة وهي خاضعة لحكم الصرب، كما أدت إلى انتشار قوات حفظ السلام الدولية الإيفور.
المستر راسموسن يؤيد تطبيق هذا الاتفاق، او نسخة معدلة منه في سورية، تماما مثلما حدث في البوسنة، ولكنه لم يقل في مداخلته تلك كم عدد الدول التي ستنشأ في سورية وفق الحل الذي يقترحه، فهل ستقسم الى ثلاث دول: علوية وسنية، ودرزية، ام الى اربع دول، اي اضافة دولة اخرى للاكراد في الشمال، ثم ما هو مصير “الدولة الاسلامية” التي تتربع حاليا على نصف العراق وثلت سورية، وتحكم حوالي ثمانية ملايين مواطن من البلدين ومرشحة للتوسع، هل سيتم الاعتراف بها كأمر واقع لاحقا، ولم لا، الم تعترف واشنطن بحكومة طالبان وتوعز بفتح سفارات لها في ابوظبي والرياض واسلام اباد؟
من يتابع تفاصيل حرب البوسنة في التسعينات، وتدخل الطائرات الامريكية في اطار حلف الناتو عسكريا وقصفها لصربيا، وتفتيت البلاد واقامة عدة دول في يوغوسلافيا (كوسوفو، البوسنة، صربيا، الحبل الاسود، كرواتيا) يجد ان السيناريو نفسه يتكرر حاليا في سورية، فخطوط التقسيم للدول الجديدة المقترحة تتبلور، والقصف الجوي الامريكي في بداياته، ويزداد كثافة، والصراع المذهبي والمناطقي يتصاعد ويجد دعما خارجيا، والجهاديون يتدفقون من منطقة الخليج ودول عربية واسلامية اخرى؟
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عما اذا كان هذا السيناريو الذي “يبشر” به المستر راسموسن يمكن ان ينجح في سورية مثلما نجح في البوسنة؟
الرجل نفسه اجاب على السؤال نفسه بالقول “هذه الصيغة ليست الحل الامثل، اذ تعد الخلافات الدينية، والاثنية والعرقية في سورية اعمق بكثير من نظيراتها في منطقة البلقان” ولكنه كان مصرا في مداخلته على ان التقسيم هو الحل الاكثر ترجيحا.
***
هناك امران مهمان يجب التوقف عندهما بعد عرضنا لمثل هذا السيناريو المدمر، والمغزى من وروده على لسان صاحبه ومكانته، والاهداف المرجوة من طرحه في هذا التوقيت:
• الاول: ان السلطات السورية ستكون منزعجة منه حتما، ولكنها ستكون مرتاحة له من ناحية اخرى، منزعجة لانه ربما يكشف عن النوايا الغربية المستقبلية لمرحلة ما بعد “القضاء” على الجماعات الاسلامية في سورية مثل الدولة الاسلامية، وجبهة النصرة، واحرار الشام، والاولى على وجه الخصوص.
• الثاني: ان انعقاد هذه الندوة في جامعة تركية في ولاية غازي عنتاب الحدودية التي تعتبر “مطبخ” الانشطة السياسية والعسكرية للحرب لاسقاط النظام في سورية يوحي بأن الحكومة تقف خلف هذا السيناريو التفتيتي لجارها السوري، او لا تعارضه في افضل الاحوال.
انه مخطط رهيب وخطير يسلط الاضواء على كل ما حدث ويحدث من وقائع وتدخلات في سورية على مدى السنوات الاربع الماضية، واذا قدر له ان ينجح، فانه سيطبق في دول عربية اخرى، ابتداء من العراق، ومرورا بمصر، وانتهاء بالمملكة العربية السعودية.
هل انتفض الشعب السوري، بتحريض من دول اقليمية وعربية خليجية، وامبراطوريات اعلامية ضخمة، من اجل التوصل الى الديمقراطية وحقوق الانسان والعدالة الاجتماعية، ام من اجل تفتيت بلاده ووحدتها الجغرافية والديمغرافية على اسس عرقية ومذهبية؟
نكتفي بطرح الاسئلة في هذه المقالة، لاننا نعرف الاجابة عن ظهر قلب، ولهذا رفضنا ان نكون من بين المخدوعين عندما بدأت ملامح هذا السيناريو في الظهور الى العلن تدريجيا.

لا يحتاج نتنياهو لتحذير كيري من وصول المتشددين الاسلاميين الى ضواحي تل ابيب فهم في طريقهم اليها والقدس المحتلة ايضا.. والعمر الافتراضي لسلطة عباس اوشك على الانتهاء.. وحلفاؤه العرب سيعانون ايضا

لا يحتاج نتنياهو لتحذير كيري من وصول المتشددين الاسلاميين الى ضواحي تل ابيب فهم في طريقهم اليها والقدس المحتلة ايضا.. والعمر الافتراضي لسلطة عباس اوشك على الانتهاء.. وحلفاؤه العرب سيعانون ايضا

عبد الباري عطوان

لا يحتاج بنيامين نتنياهو الى تحذير جون كيري وزير الخارجية الامريكي الذي سيلتقيه غدا (الاثنين) في روما بأن اجبار اسرئيل على الانسحاب لخطوط 1967 خلال سنتين سيؤدي الى قدوم جبهات الاسلام السياسي المتطرف الى ضواحي تل ابيب، لان ما حذر منه هو الخيار الوحيد المتبقي بعد ان اهان “المعتدلين” الفلسطينيين والعرب واذلهم بسياساته الاستيطانية وحروبه العدوانية وما يرتكبه من مجازر وجرائم حرب، واضاع فرصا ذهبية للسلام والتعايش.
المتشددون الاسلاميون، سواء كانوا فلسطينيين او عربا لن يصلوا الى ضواحي تل ابيب فقط، وانما الى قلب القدس المحتلة ايضا، لانه وبكل بساطة لم يبق غيرهم على الساحة، والسلطة الفلسطينية التي منعت المقاومة طوال العشرين عاما من خلال قواتها الامنية المتواطئة مع الاحتلال افلست سياسيا واخلاقيا وماليا، وباتت على وشك الانهيار، سواء ذهب الرئيس محمود عباس الى الامم المتحدة وعاد بقرار من مجلس الامن بتحديد سقف زمني لانهاء الاحتلال او لم يذهب.
***
فاذا كان هذا “الاسلام المتشدد” يضرب في ابو ظبي والرياض، ويصمد اكثر من شهرين في عين العرب (كوباني)، ويسيطر على نصف العراق وثلث سورية، ويعزز وجوده في دول الاتحاد المغاربي واليمن والصومال ودول الساحل وسيناء، ويقتل 5000 شخص في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) فقط، حسب احصاءات موثقة، فلماذا تظل تل ابيب محصنة ووادعة وآمنة، ويتنعم مستوطنيها بشمسها وبحرها وسمكها وبرتقالها، وتواصل حكومتها نهب الارض وقتل الفلسطينيين وقلع اشجار زيتونهم، واغتيال وزرائهم ومتظاهريهم العزل؟
منظمات الاسلام السياسي ستتمدد وستصل الى الضفة الغربية حتما، والمسألة مسألة وقت لا اكثر، ولن يستطيع امن الرئيس عباس منعها لسبب بسيط لان كل الذرائع التي كان يستخدمها في السابق لتبرير تواطئه مع الاحتلال، والتنسيق الامني معه، سقطت بشكل مخجل، فالعملية التفاوضية فشلت، والدولة الفلسطينية لم تعد تجد ارضا لكي تقوم عليها، ومؤسسات السلطة “شاخت” ورئيسها بات يهذي، والانتفاضة “الفتحاوية” باتت وشيكة، واتفاق اوسلو الذي اسس لكل هذا الهوان اصبح في سلة قمامة التاريخ.
والغريب ان البعض يجادل هذه الايام بأن الاسلام السياسي حليف لامريكا، ولذلك لن يقاتل اسرائيل، والرد على هذا الجدل بسيط، وهل حركتا “حماس″ و”الجهاد الاسلامي” من نسل كفار قريش؟ وماذا عن الذين يتحالفون وينسقون مع امريكا وضرباتها في العراق وسورية وكردستان؟ افيدونا افادكم الله.
نعم هناك من يتحالف مع الاحتلال الاسرائيلي من فصائل سورية معارضة، ويرسل جرحاه للعلاج في مستشفيات تل ابيب وهضبة الجولان، وهؤلاء يرتكبون اكبر الكبائر، ولكن هؤلاء اقلية مصيرهم سيكون اسوأ من نظرائهم في جيش انطوان لحد في جنوب لبنان الذين باتوا يتسولون لقمة العيش في شوارع تل ابيب بعد ان تخلى عنهم مستأجروهم واستنفذوا اغراضهم منهم وقذفوا بهم الى مصيرهم البائس.
الرئيس محمود عباس ليس سيدنا آدم عليه السلام حتى يعيش الف عام، واستعباده الشعب الفلسطيني من خلال الرواتب بدأ يفقد مفعوله لان من يدفع لهم الرواتب شاخوا مثله، وباتت شريحتهم تتناقص امام جيش جرار من الشباب الغاضب المحبط المتمرد على السلطة وعلى آبائه الذين يعملون فيها، ويعتاشون على فتاتها، ويعانون من الكآبة والخجل من واوضاعهم، ومعظم هؤلاء (الآباء) من المناضلين والوطنيين الشرفاء، تعرضوا لخديعة دولية عربية كبرة اسمها اتفاقات اوسلو.
الخناق يضيق على اسرائيل وشعبها وقياداتها، مثلما يضيق ايضا على بعض الحكومات العربية التي تواطأت، وتتواطأ معها، واستجارت بها خوفا من التهديد الايراني، لان اسرائيل نفسها باتت تبحث عمن يجيرها في ظل انقلاب الموازين والمعادلات في المنطقة، في ظل تحالف امريكي ايراني متصاعد، وفشل كل الضغوط والتهديدات لايقاف البرنامج النووي الايراني وتدمير منشآته وتجميد اعمال التخصيب، وصعود الدور الروسي، وتبدل الاولويات الامريكية والغربية.
اسقاط المشروع “الاخواني” كليا او جزئيا في المنطقة العربية لن يحقق الامن والاستقرار لاسرائيل، ولا للدول العربية المعتدلة، لان حركة الاخوان المسلمين ارتكبت في نظر الكثيرين خطأ استراتيجيا كبيرا عندما اعلنت الجهاد بعد وصولها الى الحكم ضد العديد من الانظمة العربية ولم تركز على القضية العربية الاوبى وتضعها على قمة اولوياتها، واخراجها من الساحة، اي حركة الاخوان، من خلال اسقاط حكوماتها في اكثر من عاصمة عربية ووضعها على قائمة الارهاب، خلق فراغا ستملؤه حتما الجماعات الاسلامية المتشددة التي لا تؤمن بالحوار، وتحتكم الى السلام وتتبنى ايديولوجية “الجهاد” والعنف “والارهاب”.
حصار حركة “حماس″ في قطاع غزة التي ترفع لواء المقاومة وخنقها، وتجويع مليوني فلسطيني تحت مظلة حكمها، لن يصب في مصلحة سلطة الرئيس عباس المفلسة، وانما في قناة الجماعات المتشددة سواء كانت متمثلة في اجنحة حركة “فتح” الشابة الثورية “المؤمنة” وهي الغالبية الآن، او تلك التي تتبنى فكر “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” وتنظيم “القاعدة” المركزي.
***
الفراغ الحالي لن يعمر طويلا على الارض المحتلة والمنطقة، وثقافة المقاومة بدأت تستعيد عافيتها، وتعمق جذورها، نتيجة الخذلان العربي والاسلامي، فهي الوحيدة التي توحد بين المذاهب، وتتجاوز كل صور الاستقطاب الطائفي السائدة حاليا بفعل الفتنة الامريكية الاسرائيلية العربية المشتركة، ومرجل الغضب الذي يغلي حاليا سينفجر حتما في غضون اشهر ومن يقول غير ذلك لا يعرف المنطقة وشعوبها، ولا يقرأ تطورات الاوضاع فيها بطريقة موضوعية متعمقة.
ومثلما يتحمل السيد نوري المالكي والاحتلال الامريكي الذي غض النظر عن ممارساته الطائفية الاقصائية الفاسدة مسؤولية توفير البيئة الحاضنة التي هيأت المناخ لنمو “الدولة الاسلامية” واشتداد عودها في العراق وسورية لاحقا، فإن بنيامين نتنياهو وحروبه، واستكانة الرئيس محمود عباس وتواطؤ سلطته، وفرا البيئة الحاضنة لمقاومة جديدة مختلفة واكثر شراسة، مقاومة اسلامية متشددة هي “كوكتيل قاتل” من شباب “فتح” المؤمن وباقي التيارات الاسلامية الاخرى، وسياتي اليوم الذي تترحم فيه اسرائيل على “حماس″ واعتدالها بالمقارنة بما هو قادم.
اسرائيل هي المستفيد الاكبر من الاستقرار والامن في المنطقة، ومن يجادل بغير ذلك نسأله سؤالا محددا، ماذا جنا المواطن العربي من هذا الاستقرار على مدى نصف قرن ونيف، غير القمع، والفساد، ونهب الثروات، والتعليم المتخلف، والخدمات الطبية المخجلة، والقضاء المسيس، والعدالة العوراء، والقائمة طويلة، والتواطؤ مع اسرائيل والصمت على جرائمها وحروبها وتهويدها للمقدسات؟
فاذا كان البديل هو الفوضى الدموية فإن المتواطئين مع الاحتلال الاسرائيلي واستيطانه وحروبه العدوانية، هم الذين مهدوا لها وعليهم ان يتحملوا مسؤوليتها ويدفعوا هم واسرائيل ثمنها مهما كان باهظا.

اقصر القمم الخليجية في التاريخ تعيد قطر الى “الحضن المصري” وتأكيد المصالحة مع السيسي.. هل يعني هذا “الطلاق البائن” مع الاخوان.. وتغيير نهج شبكة “الجزيرة”.. وفك التحالف مع اردوغان؟

عبد الباري عطوان

ستدخل قمة مجلس التعاون الخليجي التي انعقدت واختتمت اعمالها مساء اليوم (الثلاثاء) كتاب “غينيس″ للارقام القياسية لكونها القمة “الاقصر” في تاريخ مجلس التعاون الخليجي، فلم تستغرق مدة انعقادها غير ساعتين، واقتصرت على ثلاثة خطابات رئيسية، اولها لرئيسها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني امير الدولة المضيفة، وثانيها للشيخ صباح الاحمد امير الكويت رئيس القمة السابقة، وثالثها للسيد عبد اللطيف الزياني الامين العام للمجلس، ولكن قيمة القمم، عربية كانت او خليجية، لا تنحصر في مدة انعقادها، وانما بالقرارات المهمة التي تصدر عنها، وانعكاساتها على مصير الدول المشاركة فيها، واجنداتها، ومواقفها السياسية، ويمكن القول ان قمة الدوحة، ونتائجها جاءت استثناء، فعندما يؤكد بيانها الختامي الذي اقره زعماء المجلس على “الدعم التام لمصر ولرئيسها عبد الفتاح السيسي وبما يحقق استقرارها وازدهارها” فإن هذا يعني صراحة، ودون اي مواربة، ان العقبة الرئيسية التي كانت تقف امام حل الخلافات الخليجية قد “ازيلت”، وان دولة قطر “مثلت” لشروط المصالحة جميعا، وقررت العودة الى السرب الخليجي، والتغريد من داخله باللحن السياسي نفسه وربما بحماسة اكبر، فقطر تريد دائما ان تكون مختلفة عن غيرها.
***
دعم دولة قطر للرئيس المصري السيسي وبرنامجه السياسي المتمثل في “خارطة الطريق” و”وقوفها التام مع مصر، حكومة وشعبا، من اجل استقرارها وازدهارها”، “تحول” في الموقف القطري ستترتب عليه، اذا ما كان نهائيا، العديد من “الالتزامات” و”المتغيرات” نختصرها في النقاط التالية:
ـ اولا: تخلي قطر كليا عن دعم حركة “الاخوان المسلمين” سياسيا وماليا واعلاميا، وابعاد جميع قيادات الحركة من الصفين الاول والثاني الذين يقيمون في الدوحة حاليا، او الزامهم بعدم الاقدام على اي انشطة سياسية معادية للنظام المصري، وعلى رأس هؤلاء الشيخ يوسف القرضاوي رئيس اتحاد كبار علماء المسلمين.
ـ ثانيا: حدوث تغيير جذري في تغطية قنوات شبكة “الجزيرة” المتعددة للملف المصري وخاصة “الجزيرة مباشر”، ووقف كل الهجمات الاعلامية ضد الرئيس السيسي وحكمه وسياساته، وانتهاج تغطية للحدث المصري اقرب الى اسلوب منافستها قناة “العربية”.
ـ ثالثا: تقديم مساعدات مالية، او اعادة المساعدات التي تم سحبها او اعادتها، الى الخزينة المصرية، سواء بمبادرة سريعة، او من خلال المشاركة في مؤتمر للدول المانحة، دعا اليه العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز في خطاب رسمي ارسله الى الرئيس السيسي بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية واعتبر فيه ان من لا يقدم الدعم لمصر “ليس منا ونحن لسنا منه”، في رسالة واضحة الى قطر في حينها، وكانت دولة قطر قدمت اكثر من عشرة مليارات دولار لمصر في زمن الرئيس محمد مرسي الذي اطيح به بإنقلاب عسكري، اعادت حكومة السيسي معظمها للخزينة القطرية حردا وتحديا.
ـ رابعا: خروج قطر جزئيا او كليا، من الحلف الثنائي مع تركيا ورئيسها رجب طيب اردوغان، خاصة الشق المتعلق منه بكل من الملفين المصري والليبي، مع احتمال بقاء الشق المتعلق منه بسورية والمتمحور حول اطاحة نظام الرئيس الاسد، فالدولتان دعمتا حركة “الاخوان” في مصر، ووقفتا مع التيار الاسلامي في ليبيا، وبالذات قوات “فجر ليبيا” في مواجهة كتائب الزنتان (القعقاع والصواعق) وجيش اللواء خليفة حفتر والبرلمان الليبي المنتخب ومقره مدينة طبرق شرق البلاد.

***

لا نعتقد ان هذا التحول في الموقف القطري جاء مفاجئا او وليد الساعة، بل جرى الاتفاق على كل تفاصيله في قمة الرياض الاستثنائية، التي انعقدت الشهر الماضي واصدرت اتفاق الرياض “التكميلي” الذي صدر عنها، بناء على دعوة من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، فقد كان واضحا ان الاتفاق على دعم مصر السيسي هو الشرط الاساسي لانعقاد قمة الدوحة، ومشاركة الجميع فيها في موعدها ومكانها، وعودة السفراء الثلاثة (السعودية، الامارات، والبحرين).
ما هي الخطوة التالية بعد مفاجآت قمة الدوحة؟
من الصعب استباق الاحداث، ولكن مثلما ادى الاتفاق على بنود قمة الرياض الاستثنائية الى قيام الشيخ محمد بن زايد ولي عهد ابو ظبي ونائب القائد العام للقوات المسلحة الاماراتية، والخصم الاشرس لقطر، بزيارة مفاجئة الى الدوحة على رأس وفد كبير للتأكيد على طي صفحة الخلافات معها، فإننا لا نستبعد ان يقوم الشيخ تميم امير دولة قطر بزيارة “اخوية” الى مصر على رأس وفد قطري كبير ايضا لتأكيد المصالحة وطي صفحة الماضي وكل ما فيها من “شوائب” وما اكثر الاخيرة.
الدوحة ظلت، وعلى مدى ربع القرن الماضي، مصدر “المفاجآت”، وقمة مجلس التعاون الخليجي وبيانها الختامي جاء على النهج نفسه، ولكن في “الاتجاه المعاكس″.
قطر تعرضت لعملية “ترويض” ممنهجة شاركت فيها مراكز قوى عربية وخليجية ودولية اعطت ثمارها في النهاية فيما يبدو.. ولكن هل سيأتي التغيير طويل الامد ام قصيره؟
الاجابة في رحم المستقبل المنظور.

هل يواجه “التحالف الستيني” ضد “الدولة الاسلامية” مصير منظومة “اصدقاء سورية”؟ وهل يعطي دخول ايران حلبة القصف الجوي نتائج عكسية؟ واين اخطأ الاسد واين اصاب في تبنؤاته الاخيرة؟

عبد الباري عطوان

يذكرني البيان الذي صدر اليوم (الاربعاء) عن اجتماع التحالف الدولي ضد “الدولة الاسلامية” الذي يضم ستين دولة بالبيانات التي كانت تصدر تباعا عن منظومة اصدقاء سورية في اكثر من عاصمة عربية واوروبية على مدى السنوات الثلاث الماضية من حيث كونها جعجعة دون اي طحن.
التحالف الدولي اعلن في ختام اجتماعاته التي عقدت على مدة يومين في بروكسل ان الحملة ضد التنظيم بدأت توقف تقدمه في العراق وسورية، الا انه حذر من ان هزيمته ستستغرق سنوات، ولكن الوقائع على الارض تقول غير ذلك، واول مؤشر في هذا الصدد استمرار وجود قواته في “عين العرب”، وسيطرته على اكثر من 85 بالمئة من منطقة الانبار التي تشكل وحدها اكثر من ثلث مساحة العراق وتحاذي السعودية والاردن وسورية حدوديا.
حتى ايران التي “تمنعت” كثيرا وارتبكت سياسيا لعدم دعوتها للانضمام الى هذا التحالف الستيني من قبل زعيمته الامريكية قررت ان “تشترك في الأجر” وترسل طائراتها “الفانتوم 4″ القديمة المتهالكة التي ورثها النظام الاسلامي الحالي من عهد شاه ايران لقصف تجمعات “الدولة الاسلامية” في العراق، في تناقض واضح مع كل مواقفها السابقة التي عارضت فيها اي تدخل اجنبي عسكري امريكي في العراق والمنطقة.
فعندما تلتقي ايران وسورية وامريكا والسعودية والامارات وفرنسا وبريطانيا ومعهما اكثر من خمسين دولة اخرى على محاربة “دولة” لا تملك اسلحة نووية ولا طائرات بطيار او بدونه، ولا صواريخ من اي احجام او ابعاد، فإن هذا يعني واحدا من امرين: اما ان هذا التحالف ضعيف وغير جدي، واما ان “الدولة الاسلامية” التي يحاربها “قوة عظمى” لا يمكن هزيمتها.
***
السلطات الايرانية نفت في البداية تقارير امريكية تقول ان طائراتها دخلت المعركة ضد “الدولة الاسلامية”، ثم تراجعت عن هذا النفي بعد تأكيدات البنتاغون عندما قالت السيدة مرضية افخم الناطقة باسم الخارجية الايرانية في تصريح صحافي ردا على سؤال حول معلومات عن قصف طائرات بلادها لمواقع لـ”الدولة الاسلامية” شرق العراق انها لا تنفي ولا تؤكد هذه المعلومات وتهربت من الاجابة.
لا نعرف ما اذا كان الدخول الايراني على خط محاربة “الدولة الاسلامية” الذي رحب به جون كيري وزير الخارجية الامريكي جاء بالتنسيق المسبق مع واشنطن، ام انه بدونه، وما اذا كانت هذه المشاركة الايرانية تخدم التحالف واستراتيجيته ام انها تخدم “الدولة الاسلامية” وتسهل عليها عمليات التجنيد للمتخوفين من اتساع النفوذ الايراني في العراق الى صفوفها، ولكن ما يمكن ان نتكهن به ان الاوراق اختلطت في المنطقة، ولم يعد المراقب يعرف من ضد من، او اين ستتجه الامور في الاشهر وربما السنوات المقبلة.
فعندما يتفق الرئيس السوري بشار الاسد مع الامير سعود الفيصل وزير خارجية الدولة الاكثر حماسا واندفاعا لاسقاط نظامه على ان الضربات الجوية الامريكية لقواعد “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية فاشلة، ويؤكد الاخير، اي الفيصل، على ان لا بديل عن ارسال قوات ارضية فإن هذا كله، الى جانب اسباب اخرى، يؤكد حالة الارتباك الشديد في اوساط جميع دول التحالف الجديد او الذين يقفون خارج دائرته.
بيان التحالف الستيني اكد “نحن في صدد وقف تقدم تنظيم الدولة الاسلامية عبر سورية وداخل العراق”، واضاف “ان الوزراء وافقوا على استراتيجية من خمس محاور في مكافحة التنظيم، وهي زيادة المجهود العسكري، ووقف تدفق المقاتلين الاجانب، وقطع طرق التمويلات، ومعالجة مشكلة المساعدات الانسانية ونزع الشرعية عن تنظيم الدولة الذي يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بفاعلية”.
هذه الاستراتيجية ومحاورها الخمسة تعكس جهلا واضحا بالمنطقة وطبيعة الدولة التي تريد هزيمتها، فـ”الدولة” تملك رصيدا ماليا يتراوح بين ثلاثة وسبعة مليارات دولار ودخل يومي من بيع النفط يصل الى ثلاثة ملايين دولار، علاوة على مداخيل عائدة من الضرائب (المكوس)، اما النقطة الاخرى وهي وقف تدفق المجاهدين الاجانب، فليس لها قيمة عملية، لان معظم مقاتلي “الدولة” هم من العراقيين والسوريين، اي من ابناء المنطقة، ودور “الجهاديين” الاجانب اسنادي وليس جوهريا. اما اذا انتقلنا الى مسألة نزع الشرعية واستخدامات التنظيم لوسائط التواصل الاجتماعي بفاعلية فإن اي خطوة في هذا الاطار محدودة الاثر لان “الدولة الاسلامية” اقامت امبراطورية اعلامية ضخمة على “التويتر” و”الفيسبوك” و”الانترنت”، وباتت مثل التنين الاسطوري كلما قطعت له رأسا حل محله عدة رؤوس.
***
الرئيس الاسد وصف في مقابلة مع مجلة “باري ماتش” نشرت مقتطفات منها اليوم انه بعد شهرين من القصف الجوي لا توجد نتائج حقيقية على الارض و”القول ان قوات التحالف تساعدنا غير صحيح، لو كانت هذه الضربات (جدية وفاعلة) سأقول بأننا نستفيد منها بكل تأكيد”، واشار وهنا بيت القصيد “نحن نخوض المعارك على الارض ضد داعش ولم نشعر بأي تغيير خصوصا ان تركيا ما زالت تدعم داعش”.
كلام الرئيس الاسد ينطوي على الكثير من الصحة، اختلف معه البعض او اتفق، ويعكس “شماته” واضحة بالتحالف واستراتيجيته واعضائه، وعرضا بالانضمام اليه، وما لجوء الولايات المتحدة الى التنسيق مع ايران لادخالها سرا في هذا التحالف الا الاعتراف المؤكد بالمأزق الذي تعيشه حاليا في الشرق الاوسط، ومشاركة ايران في التحالف وضرباته بصورة غير مباشرة يصب فعلا في تعزيز النظام السوري، وقرب اعادة تأهيله وعودته الى المجتمع الدولي، وما اعادة فتح السفارة السورية في الكويت الا اول الغيث.
النظام السوري يحصل على اعمار (جمع عمر بتسكين الميم) جديدة شهرا بعد شهر، و”الدولة الاسلامية” تتمترس بفعل سوء التقدير الامريكي وتخبط ادارة اوباما، وزيادة حدة الاستقطابات والتقسيمات الطائفية والاخطاء الكارثية في العراق.
منظمة اصدقاء سورية بدأت بحوالي 150 دولة في اجتماعها الاول في تونس قبل اربع سنوات تقريبا، وانتهت الى 11 دولة اجتمعت اخيرا في لندن على مستوى صغار المندوبين ولم يسمع بهذا الاجتماع احد ولا نستبعد ان يكون مصير التحالف الستيني ضد “الدولة الاسلامية” مماثلا ان لم يكن اسوأ، فلم تُقم امريكا تحالفا حقق اهدافه ولم يواجه انتكاسات لاحقة الا مع اسرائيل، وانتم تعرفون الاسباب.