سوريا

اكتب لكم من اليابان المسكونة بـ”الدولة الاسلامية” التي يصلي اهلها لعدم اعدام الصحافي الاسير لديها.. ساجدة الريشاوي المعتقلة في الاردن باتت اكثر شهرة من نجوم السينما وكذلك الطيار الكساسبة.. ونحن مع الافراج الفوري عنها.. وهذه هي مبرراتنا

عبد الباري عطوان
الحديث الطاغي في اليابان حاليا، والمتداول في الجامعات والمدارس والمجالس الخاصة، ويتصدر عناوين الصحف ونشرات اخبار التلفزة هو عن اعدام “الدولة الاسلامية” للرهينة الياباني هاورنا باكادوا بعد رفض الحكومة تقديم “فدية” مقدارها 200 مليون دولار يوم الجمعة الماضي، وكيفية انقاذ الرهينة الثاني الصحافي كينغي غوتو الذي ما زال على قيد الحياة، ووجه نداء مؤثرا الى الشعب الياباني قال فيه بلغة انكليزية بلكنة يابانية “انهم لم يعودوا يطالبون الفدية وانما الافراج عن شقيقتهم ساجدة الريشاوي وسيتم اطلاق سراحي فورا، وربما تكون هذه آخر كلماتي.. لا تجعلوا آبي (رئيس الوزراء) يقتلني”.
السيدة ساجدة الريشاوي المحكومة بالاعدام بتهمة المشاركة في تفجيرات عمان عام 2005 الدموية (لم ينفجر حزامها الناسف) باتت صورها في كل مكان في اليابان، واضحت معروفة لدى اليابانيين اكثر من نجمات السينما اليابانية، بغطاء رأسها الابيض وتقاطيع وجهها العربية.
اليابانيون باتوا يعوفون ايضا اسم معاذ الكساسبة الطيار الاردني الذي جرى اسره بعد اسقاط طائرته بصاروخ قبل شهر فوق مدينة الرقة السورية، عاصمة “الدولة الاسلامية”، والسبب ان “الدولة الاسلامية” غيرت شروطها، واسقطت الفدية المالية واعربت عن استعدادها الافراج عنه، اي الكساسبة، الى جانب الرهينة الياباني اذا ما افرجت السلطات الاردنية عن السيدة الريشاوي.

***

حالة من الجدل تدور في الاوساط السياسية والجامعية في اليايان التي ازورها حاليا (بدعوة من جامعة اوساكا للحديث عن الدولة الاسلامية، وكتابي الاخير الصادر حول نشأتها ومستقبلها ونفذت الطبعة الاولى منه في اقل من شهر)، فهناك من يلوم رئيس الوزراء لانه لم يدفع الفدية في الوقت المحدد، وهناك من يؤيد موقفه في رفض الخضوع لشروط الخاطفين، ويصلي المعسكران من اجل تجاوب الاردن مع الشرط المعدل، اي الافراج عن السيدة الريشاوي والحصول على رهينتين في المقابل، على طريقة السوبرماركت (افرج عن السيدة الريشاوي فتحصل على الثاني مجانا).
لا نفهم لماذا ترفض السلطات الاردنية الافراج عن السيدة الريشاوي اذا كانت ستحقق امرين على درجة عالية من الاهمية، اي الافراج عن الطيار الكساسبة والرهينة الياباني معا، وتضرب بذلك عصفورين بحجر واحد وتنقذ حياة رجلين احدهما اردني، والثاني يمكن ان يؤدي الافراج عنه الى علاقات وثيقة مع بلد غني متقدم مثل اليابان يمكنه ان يقدم مساعدات مالية وتقنية للاردن.
لو كان الاردن يرفض التفاوض بالمطلق مع الجهاديين المتشددين، والتجاوب مع مطالبهم بالافراج عن معتقلين في سجونه، مثلما تفعل دول مثل بريطانيا وامريكا ويعتبر عدم التنازل مسألة مبدئية، فإنه يمكن تفهم وبالتالي تبرير موقفه هذا، ولكن الحال ليس كذلك، والحكومة الاردنية سجلت سابقة مهمة في هذا الصدد عندما افرجت عن القيادي الليبي محمد الدرسي عضو تنظيم “القاعدة” المتهم بمحاولة تفجير مطار عسكري اردني 2007 مقابل الافراج عن السفير الاردني فواز العيطان الذي احتجزته جماعة انصار الشريعة الاسلامية الليبية.
حتى امريكا كسرت قاعدة عدم التفاوض مع الخاطفين هذه عندما دفعت فدية غير مباشرة لحركة طالبان مقابل الافراج عن جندي امريكي كان محتجزا لديها، ودافع الرئيس اوباما بشدة عن هذه الخطوة امام منتقديه الشرسين في الكونغرس ووسائل الاعلام.
الاصرار على عدم التفاوض مع الخاطفين تحت ذريعة انهم “ارهابيون” وان التنازل لمطالبهم يؤدي الى تشجيعهم للاقدام على المزيد من اعمال الخطف “اكذوبة”، لان الحكومات تتفاوض مع “الارهابيين” في نهاية المطاف وتعترف بهم، ويكون الضحايا هم الابرياء الذين يتم اعدامهم نتيجة هذا “العناد” الكاذب.
بريطانيا تفاوضت مع الجيش الجمهوري الايرلندي واعترفت به وهي التي كانت ترفض حتى السماح بالاستماع الى صوت اعضائه، او رؤية وجوههم على شاشات التلفزة، وامريكا العظمى اجبرتها الهزيمة في افغانستان على التفاوض مع حركة “طالبان” من اجل تسليمها السلطة، واوعزت لدولة قطر بفتح سفارة لها، اي لطالبان في الدوحة، ولا ننسى اعتراف اسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية، واضطرارها للتجاوب مع كل شروط الجبهة الشعبية القيادة العامة (برئاسة احمد جبريل) والافراج عن 77 اسيرا فلسطينيا في ما عرف في حينها عام 1979 بعملية النورس، وبعد ذلك التفاوض مع حزب الله للافراج عن مجموعة اسرى من بينهم الشيخ مصطفى الديراني وعميد الاسرى العرب سمير قنطار.
فما هي الفائدة التي يمكن ان تجنيها السلطات الاردنية جراء احتفاظها بالسيدة ساجدة الريشاوي خلف القضبان؟ وما هي اقصى ما يمكن ان تلحقه بها من عقاب، الاعدام مثلا؟
هذا ليس عقابا وانما “مكافأة”، فلو كانت السيدة الريشاوي تخشى الموت لما تزنرت بالحزام الناسف، ولا نبالغ اذا قلنا انها تتمناه لانه طريقها الاقصر الى جنات الخلد حيث دار البقاء.
ابقاء السيدة الريشاوي خلف القضبان يعني تنفيذ الاعدام بالطيار الكساسبة، ناهيك عن الرهينة الياباني، واسر طيارين او مسؤولين اردنيين آخرين والمطالبة بالافراج عنها مقابل الافراج عنهم او منع اعدامهم، او هكذا نعتقد، وهذا لا يعني اننا ضد تطبيق القانون او عدم معاقبة منتهكيه، وانما ننظر الى الامر من منطلق جلب المنافع وتقليص الاضرار.
***
نناشد السلطات الاردنية الافراج عن السيدة الريشاوي في اسرع وقت ممكن انقاذا للطيار الكساسبة وللاسير الياباني، لان العناد غير مجد في هذه الحالة، وسيؤدي الى اعدام هذا الطيار الشاب وتبعات اخرى تتعلق باسرته وعشيرته لا نريد الخوض فيها في هذا المضمار.
“الدولة الاسلامية” قوية، وتقول وتفعل، واذا اعطت مهلة فانها تحترمها، واذا وعدت بالافراج عن رهينة فانها تنفذ وعودها دون نقصان.
معرفتي بالجماعات الجهادية، من خلال الدراسة والبحث والمقابلات بغرض التأليف تؤكد ان هؤلاء لا يكذبون مطلقا، لاسباب دينية عقائدية، اختلف معهم البعض او اتفق.
دمويون نعم.. ارهابيون نعم.. ولكنهم اذا قالوا فعلوا.. واتهامهم بالارهاب بالمناسبة لا يضيرهم بل يسعدهم، والآية القرآنية التي تقول بارهاب اعداء الله موثقة ولا داعي لتكرارها هنا، ونأمل الا تنتهي مهلة الـ 24 ساعة التي حددتها “الدولة الاسلامية” قبل الافراج عن السيدة الريشاوي.

حماس تحسم امرها وتعود الى معسكر “الممانعة” وتعيد حلفها مع ايران و”حزب الله” الى عهده الذهبي.. وجناحها العسكري اصبح صاحب “اليد العليا”.. والتنسيق لاعمال عسكرية وربما حرب وارد جدا.. وهذه اسبابنا

عبد الباري عطوان

ليس من عادة السيد محمد ضيف القائد العام لكتائب القسام، الجناح العسكري لحركة “حماس″ ان يوجه رسائل، او يدلي بتصريحات، او يظهر على وسائل الاعلام المرئية، ولذلك فإن كسره لهذه القاعدة، ولو جزئيا، وتوجيهه رسالة تعزية الى السيد حسن نصر الله امين عام “حزب الله” باستشهاد ستة من مقاتلي الحزب بينهم الشهيد جهاد مغنية ينطوي على الكثير من المعاني التي تستحق التوقف عندها وتحليل دوافعها واهدافها وقراءة ما بين سطورها.
بداية لا بد من العودة الى الوراء قليلا والاشارة الى ان العلاقة بين حركة حماس، وجناحها السياسي على وجه الخصوص، وقيادة “حزب الله” في لبنان، والقيادة الايرانية في طهران ايضا، اتسمت بنوع من الفتور في السنوات الاربع الماضية بسبب تأييد حركة “حماس″ للمعارضة السورية المسلحة التي تقاتل لاسقاط النظام السوري، وبلغ هذا “الفتور” ذروته عندما قرر السيد خالد مشعل رئيس مكتبها السياسي، نقل مقر قيادة الحركة الرسمي في الخارج من دمشق الى العاصمة القطرية الدوحة في 12 شباط (فبراير) عام 2012، معلنا القطيعة، والانضمام الى المعسكر الآخر، (كانت قطر في حينها تقود الحرب لاسقاط النظام السوري سياسيا وعسكريا واعلاميا)، واعتقادا منه، وبتشجيع من السلطات القطرية، بأن المعارضة السورية منتصرة لا محالة، وايام النظام السوري باتت معدودة، وعليه “ان لا يكرر خطأ الرئيس الشهيد ياسر عرفات في ازمة الكويت، ويقف في خندق المهزومين”.
وفي الوقت الذي “كظم” حزب الله الغيظ وامتنع مسؤولوه عن توجيه اي نقد لحركة “حماس″ وقيادتها، وابقى على علاقاته مع ممثلها في بيروت (مقره في الضاحية الجنوبية) دون اي تغيير، تصرف بعض المسؤولين في حركة “حماس″ بطريقة مغايرة تماما، ولا نريد ان ننكأ الجراح ونسرد بعض الحقائق الموثقة في هذا المضمار.
***
لم يعد خافيا على احد، وجود جناحين متضادين في حركة حماس، الاول يتماهى بالكامل مع حركة “الاخوان المسلمين” وموقفها المؤيد، دون تحفظ، للمعارضة للسورية المسلحة في وجه النظام، ووصل هذا التأييد لدرجة مباركة دعوة الرئيس المصري محمد مرسي للجهاد في سورية الذي اعلنه قبل الانقلاب العسكري الذي اطاح به باسبوع، وسط حشد من رجال الدين بينهم الدكتور يوسف القرضاوي، واغلاق سفارتها في القاهرة، اما الجناح الثاني الذي شكل الاقلية فكان يطالب بموقف متوازن، اقرب الى الحياد، والحفاظ على العلاقات الوثيقة مع ايران وحزب الله في لبنان، عرفانا للجميل، وقناعة بأن معسكر “الاعتدال” العربي الذي تتزعمه المملكة العربية السعودية وتدعمه واشنطن، لا يمكن ان يدعم المقاومة الفلسطينية للاحتلال الاسرائيلي، وقد صدقت نبوءة هذا الجناح ووضوح رؤيته في نهاية المطاف.
الحصار العربي الخانق، من قبل دول محور الاعتدال العربي على قطاع غزة، وتجويع مليوني فلسطيني، ومنع وصول اي اموال او مساعدات من الحكومات العربية الداعمة للمعارضة السورية المسلحة، واغلاق معبر رفح لاشهر متواصلة، كلها عوامل صبت في مصلحة تعزيز الجناح الثاني الذي يقوده السيد محمد ضيف، ويدعمه الدكتور محمود الزهار الذي خسر موقعه في المكتب السياسي للحركة، خاصة ان من الحقائق الثابته ان جميع الاسلحة والصواريخ وخبرات التدريب التي اكتسبتها قوات الحركة، بما في ذلك هندسة الانفاق يعود الفضل فيها لايران وحزب الله، بينما لم تقدم حكومات دول “الاعتدال” طلقة واحدة واغلقت ابوابها في وجه مسؤولي حماس باحكام، وبفضل هذه الاسلحة وتكنولوجيا الصواريخ والانفاق، صمدت حركات المقاومة في القطاع 51 يوما، وحققت انتصارا عسكريا ومعنويا كبيرا.
اقدام السيد الضيف على توجيه رسالته هذه الى السيد نصر الله معزيا، وليس خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس″ وزعيم الحركة، تقول الكثير ليس على صعيد الدعوة التي تضمنتها الى “توحيد” قوى المعارضة لمواجهة اسرائيل” فقط، وانما على صعيد التوجه السياسي والعسكري للحركة في الاشهر وربما السنوات المقبلة، ويمكن ايجاز قراءتنا للتحول الجديد للحركة في النقاط التالية:
• اولا: من الواضح ان رسالة تعزية السيد ضيف توجه رسالة واضحة الكلمات والمعالم وتؤكد ان حركة “حماس″، حسمت امرها وعادت الى المعسكر السوري الايراني، او معسكر “دول الممانعة” الذي خرجت منه قبل ثلاثة اعوام، بقرار من قيادتها السياسية.
• ثانيا: في ظل الانقسام الواضح في المكتب السياسي للحركة، والذي تحاول القيادة اخفاءه او نكرانه، باتت الكلمة العليا الآن، وبالتحديد منذ العدوان الاخير على قطاع غزة، لكتائب عز الدين القسام، وكان اول مؤشر في هذا الخصوص اشادة السيد ابو عبيدة الناطق الاعلامي الرسمي باسم “القسام”، صوتا وصورة، بايران ودعمها للمقاومة الاسلامية في القطاع الذي مكنها من الصمود في وجه العدوان.
• ثالثا: “اعتدال” حركة “حماس″، وتنازلها عن السلطة في القطاع للرئيس محمود عباس، وقبولها بحكومة “وفاق” لم يكن لها دور في تشكيلها، على امل رفع الحصار عن القطاع، واعادة الاعمار، كلها اعطت نتائج عكسية تماما ولم تغير من الاوضاع على الارض، بل زادتها سوءا وقهرا.
• رابعا: بروز تيار اسلامي متشدد تقوده “الدولة الاسلامية” في قطاع غزة، وهو تيار عبر عن نفسه علنا وللمرة الاولى في المظاهرة التي نظمها انصار “الدولة” اما المركز الثقافي الفرنسي في مدينة غزة، اثار القلق في اوساط حركة “حماس″ وعزز احتمالات اضعاف سيطرتها على القطاع، وفلتان السلطة من يديها، الامر الذي حتم عليها تغيير مواقفها، والعودة بقوة خندق الى المقاومة لاستعادة قبضتها على الشارع الغزي، او ما خسرته منها، لصالح الجماعات الاسلامية المتشددة التي تتسع دائرة التأييد لها في اوساط شباب القطاع خاصة، وانضمام بعض كوادر حماس اليها.
***
في ضوء كل ما تقدم يمكن القول اننا امام حلف مقاوم ضد اسرائيل يبرز بقوة، او يعود للبروز مجددا يتمثل في حزب الله في الشمال، وحركة حماس في الجنوب الفلسطيني، ومن غير المستبعد ان يشترك الطرفان في تنفيذ عملية انتقامية ضد قوة الاحتلال الاسرائيلي كرد على اغتيال ستة من كوادر حزب الله، وستة من القيادات العسكرية الايرانية على رأسهم جنرال محمد علي دادي مساعد السيد قاسم سليماني رئيس جيش القدس في منطقة القنيطرة قبل اسبوع.
لا نستغرب، ولا نستبعد، ان تشهد الايام المقبلة هجمات دموية تكون اسرائيل هدفها، من جنوب لبنان وربما سورية ايضا، من ناحية وجنوب فلسطين من ناحية اخرى، فليس هناك للطرفين ما يمكن خسرانه في ظل العربدة الاسرائيلية والتواطؤ العربي الذي بات علنيا معها.
رسالة السيد الضيف يجب ان تدرس بعناية فائقة، لانها ربما تكون الاهم التي تصدر عن حركة حماس في السنوات العشر الماضية ان لم يكن اكثر، فهذا الرجل يزن كلماته بميزان الايمان والشهادة، ونأمل ان لا نكون مخطئين.
بنيامين نتنياهو أثار عش الدبابير باغتياله كوادر “حزب الله”، وربما لا نبالغ اذا قلنا انه فتح على نفسه ومستوطنيه ابواب جهنم، وقطعا سيدفع ومستوطنيه ثمنا باهظا جدا.

اسرائيل في حال من الرعب.. وانتظار الرد الانتقامي على جريمتها في الجولان اكثر ايلاما من الانتقام نفسه.. فمن اين سيأتي الرد.. وكيف.. ومتى.. وبأي اسلحة؟ هذا هو السؤال الذي نحاول الاجابة عليه

عبد الباري عطوان
ربما تكون القيادة العسكرية الاسرائيلية اصابت صيدا ثمينا عندما اطلقت صواريخ طائراتها العمودية على سيارتين قرب حدود الجولان المحتل، داخل الاراضي السورية كانتا تقلان ستة من كوادر حزب الله بينهم ابن الشهيد جهاد عماد مغنية وستة ايرانيين بينهم الجنرال محمد علي الله دادي، ولكن الامر المؤكد ان الانتقام حتمي، وان الثمن سيكون غاليا، والرد سيأتي مزلزلا واكبر، واسرع مما يتصوره الكثيرون.
السيد حسن نصر الله زعيم المقاومة في لبنان توعد قبل اكثر من عام بفتح جبهة الجولان، ولا نعتقد ان هذا الفريق من كبار القادة اللبنانيين والايرانيين كان هناك في نزهة وانما لاعداد هذه الجبهة كنقطة انطلاق لاعمال مسلحة على غرار ما حدث في جنوب لبنان وقطاع غزة، وربما نرى تسخينا لهذه الجبهة، شبه المنسية، فيما هو قادم من ايام، وبشكل لم يخطر على بال الاسرائيليين وحلفائهم.
اسرائيل باتت اكثر قلقا من اي وقت مضى لانها لا تعرف اين سيكون الرد على جريمتها وكيف، وبأي نوع من الاسلحة؟ هل سيأتي من جنوب لبنان، ام في هضبة الجولان المحتلة، ام في خارج فلسطين؟ وبأي طريقة سينفذ بالصواريخ او بطائرات “ايوب” بدون طيار، او بعبوات ناسفة تزرع على الحدود في مزارع شبعا، او عبر انفاق سرية عبر الحدود تصب في العمق على غرار ما فعل مقاومو قطاع غزة من ابناء القسام؟
***
الرعب الذي تعيشه اسرائيل حاليا تحسبا للانتقام اكثر ايلاما من الانتقام نفسه، فعندما يقول اللواء محمد علي جعفري القائد العام للحرس الثوري الايراني “بأن على اسرائيل ان تنتظر صاعقة مدمرة” ويضيف “ان الحرس الثوري مستمر في تقديم الدعم العميق للمقاتلين والمجاهدين المسلمين في المنطقة حتى مسح جرثومة الفساد من الجغرافيا السياسية للمنطقة” فإن من حق اسرائيل ان تشعر بالقلق والرعب، وما يدل على ندمها على الاقدام على جريمة الاغتيال هذه وتنصلها من بعض جوانبها قول مسؤول فيها “انها لم تقصد اغتيال الجنرال دادي، واعتقدت ان السيارتين تقلان وفدا منخفضا من مقاتلي حزب الله”.
الجريمة كانت حتما موجعة لحزب الله وايران معا، القوتان الاكثر خطورة في المنطقة، ليس بالنسبة الى عدد الشهداء، وانما ايضا لحدوث اختراق امني ادى الى تقديم معلومات عنها للاسرائيليين، ولذلك فإن الرد محسوم، قد يفتح ابواب نار جهنم على دولة الاحتلال، ومن غير المستبعد ان تتطور الامور الى حرب موسعة، رغم فتاوى بعض الخبراء العسكريين العرب والاسرائيليين على شاشات التلفزة التي تقول بأن الطرفين لا يريدانها.
انتظار تنفيذ حكم الاعدام اكثر رعبا من الاعدام نفسه، والوقوف امام المقصلة، خاصة اذا طال هذا الانتظار، فالمجرم المدان لا يعرف متى سيتم ايقاظة فجرا للوقوف امام الجلاد، وهذا هو حال اسرائيل الآن، قيادة وشعبا، او هكذا نعتقد.
الجنرال امير بارام المسؤول العسكري عن منطقة الجليل الاعلى التي تضم ربع مليون مستوطن استدعى عمداء القرى والمدن (جمع عمدة) ورؤساء المجالس البلدية يوم امس الى مقره العسكري، ووجه اليهم تعليمات الطوارىء، وامر بفتح الملاجيء تحسبا لكل الاحتمالات.
المشكلة بالنسبة له، وقادته الاعلى، ان احتمالات الانتقام متعددة كما ذكرنا، لكن ابرزها احتمال وجود انفاق سرية تحت الحدود اللبنانية الاسرائيلية وما اطولها، وانا شخصا زرت “متحف” المقاومة وحرب عام 2006، في بلدة “مليتا” في جنوب لبنان قبل عامين، وشاهدت نموذجا عن هذه الانفاق التي استخدمتها قوات المقاومة، مثلما شاهدت مقبرة دبابات الميركافا فخر الصناعة العسكرية الاسرائيلية، وتذكرتها، اي الانفاق، اثناء العدوان الاسرائيلي الاخير على قطاع غزة عندما شاهدنا رجال “القسام” الجناح العسكري لحركة “حماس″ يخرجون من تحت الارض وسط موقعا عسكريا اسرائيليا شمال القطاع ويقتلون كل من فيه ويصورون العملية ثانية بثانية من الفها الى يائها بكل ثقة ورباطة جأش، ويستولون على الاسلحة ويعودون سالمين.

***

فاذا كان هذا هو انجاز “التلاميذ” فكيف سيكون انجاز الاساتذة الذين دربوا رجال “حماس″ على هندسة الانفاق هذه، مثلما دربوهم على فنون الحرب الاخرى ومن بينها تصنيع الصواريخ، والطائرات بدون طيار؟
ايام اسرائيل القادمة صعبة، محفوفة بالمخاطر، فلم تعد قيادتها تملك زمام المبادرة، ولم تعد الضربة الاولى الساحقة التي تحسم فيها الحروب في ساعاتها الاولى مثلما حدث في حرب حزيران (يونيو) عام 1967، وجزئيا عام 1973 فاعلة، كما ان اعداءها الجدد طلاب شهادة واكثر استعدادا وتسليحا، ويكفي الاشارة، الى اسرة مغنية، رجالا كانوا ام اشبالا الذين لا يذهبون الا الى الجامعات لتعلم الطب والهندسة وانما الى اكاديمة واحدة، وهي اكاديمية الشهداء، مهتدين ببوصلتهم التي لا تخطيء وهي فلسطين، وندعوا لهم بالرحمة والانتقال الى جنات الخلد، ولعمري انهم يستحقونها عن جدارة.

حزب الله يستعد للحرب.. ويتوعد بالانتقام للغارة التي استشهد فيها جهاد مغنية.. فلماذا يشارك ايرانيون في الاعداد لهجوم في الجولان؟ وهل اشعال جبهة الجنوب بات واردا لخلط الاوراق في المنطقة؟ ولماذا الآن؟

عبد الباري عطوان
قبل ثلاث سنوات كنت ازور العاصمة اللبنانية بيروت للمشاركة في فعالية سياسية، اقتربت مني شابة مهذبة محجبة وشقيقها، وقالت لي انني فاطمة ابنة الشهيد عماد مغنية، وهذا شقيقي جهاد وكان شابا نحيلا متواضعا يحمل قسمات والده، وعنفوانه، وكنت سعيد جدا بهذا اللقاء الصدفة ودمعت عيناي فرحة، فالشهيد مغنية وآلاف الشهداء الآخرين قدموا ارواحهم من اجل القضية الفلسطينية وعزة الامة ونصرتها.
تذكرت ما قاله لي الدكتور رمضان عبد الله شلح زعيم تنظيم “الجهاد الاسلامي” بأن الشهيد مغنية صلى معه الفجر، وتوجه على عجل الى لبنان بعد ان ابلغه ان حدثا كبيرا سيقع، ولا بد ان يكون هناك وسط رجاله، وتبين بعد ذلك ان هذا الحدث هو خطف الجنود الاسرائيليين الثلاثة الذي استخدمته حكومة ايهود اولمرت كذريعة لغزو لبنان عام 2006 وهو الغزو الذي انتهى بهزيمة كبرى، وكان الشهيد مغنية، او الحاج رضوان يقود هذه المعركة، ويبلي فيها بلاء حسنا.
***
اليوم اغارت الطائرات الاسرائيلية على سيارتين قرب مدينة القنيطرة على الحدود مع الجولان المحتل، واغتالت قائدين عسكريين من حزب الله واربعة ضباط ايرانيين، وكان من بين الشهداء جهاد مغنية ابن الشهيد عماد مغنية لينضم الى قوافل الشهداء على خطى والده وابناء عقيدته.
القيادة العليا لحزب الله عقدت اجتماعا طارئا وسط دعوات تطالب بضرورة الرد على هذا العدوان الاسرائيلي، ومن غير المستبعد ان تجد هذه الدعوات صدى، فمن تابع التقارير العسكرية الاسرائيلية التي تعبر بقوة عن احتمالات حرب على الجبهة الشمالية مع حزب الله، ومن شاهد مقابلة السيد حسن نصر الله التي ادلى بها للزميل غسان بن جدو مدير عام قناة “الميادين” قبل يومين، يصل الى قناعة راسخة بأن تسخين جبهة الجنوب اللبناني امر غير مستبعد على الاطلاق، وربما عملية الجولان التي لم يكتب لها ان تنفذ هي المقدمة.
السيد نصر الله اعلن في المقابلة المذكورة ان “حزب الله” يملك صواريخ ايرانية من طراز “فاتح 110″ التي يمكن ان تطال اي هدف في فلسطين المحتلة من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب حيث يبلغ مداها اكثر من 200 كيلومتر، واكد ان المقاومة الاسلامية في “جهوزية تامة” على جبهة الجنوب، وهي مستعدة لمواجهة اي احتمال لافتا الى “ان جزءا اساسيا من المقاومة متفرغ بشكل تام لهذه الجبهة لان الاولوية هي مواجهة المشروع الصهيوني”.
السيد نصر الله تحدث ايضا، وبكل صراحة ووضوح، بان الاهداف المدنية الاسرائيلية من محطات مياه وكهرباء ومنشأت نووية وصناعية وتكنولوجية ومطارات وموانيء وغيرها ستكون هدفا للصواريخ، واعاد تكرار جملة قالها في خطاب وجهه الى الفلسطينيين عام 2000 “بان اسرائيل اوهن من بيت العنكبوت” ولكن بيت العنكبوت هذا محمي بباطون مسلح تصنعه الحكومات العربية والدول الداعمة لاسرائيل.
ولمح الى ان الحرب القادمة لن تكون حرب صواريخ، وانما حرب توغل ايضا في الجليل، وقد اكد لي شخصيا هذه المسألة عميد الاسرى العرب سمير قنطار الذي يعتبر احد ابرز قادة الجناح العسكري لحزب الله في غداء جمعنا سويا قبل بضعة سنوات، وفوجئت بمثل هذا الطرح.
هل ستكون هذه العملية الفدائية التي لم تكتمل في هضبة الجولان الشرارة التي ستشعل الحرب في اتجاه اسرائيل هذه المرة وتخلط كل الاوراق على الجبهتين السورية والعراقية، بل ربما المنطقة بأسرها؟
لا نملك الاجابة الحاسمة في هذا الصدد، ولكن كل ما يمكن ان نقوله ان السيد نصر الله قال في اكثر من مرة ان الرد على القصف الاسرائيلي لسورية، وضرب بعض شحنات الصواريخ التي قيل انها كانت في طريقها الى حزب الله سيكون في اي وقت وفي اي مكان.
التقارير الاسرائيلية شبه الرسمية تقول ان حزب الله يملك اكثر من مئة الف صاروخ من مختلف الابعاد والاحجام، ومن غير المستبعد ان تكون القيادة العسكرية الايرانية قررت اشعال جبهة لبنان وسورية ضد اسرائيل من اجل التهرب من استحقاقات الاتفاق النووي المنتظر مع امريكا والدول العظمى الست.

***

ليس من قبيل الصدفة ان يعلن الادميرال علي فدوي قائد سلاح البحري في الحرس الثوري الايراني (اليوم) الاحد بأن قواته قادرة على اغراق حاملات الطائرات الامريكية من خلال الزوارق الانتحارية السريعة، وجاء هذا التصريح المفاجيء والمختارة كلماته بعناية خلال لقائه وفدا عسكريا عمانيا برئاسة اللواء الركن سالم بن مسلم بن علي قطن آمر كلية الدفاع الوطني العمانية، واضاف المسؤول الايراني ان الامريكيين يقولون انهم ينفقون 13 مليار دولار لصنع حاملة طائرات ونحن قادرون على تدميرها بزورق انتحاري صغير، فلماذا اختار الادميرال الايراني هذه المناسبة وهذا التوقيت؟
بنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل تفاخر امام فرانسوا هولاند رئيس فرنسا قبل ايام بأن اسرائيل اكثر امنا من بلاده ودعا يهود فرنسا بالهجرة اليها، ولكن الايام المقبلة قد تثبت، اذا ما سارت الامور في هذا السياق، ان مباهاته هذه في غير محلها، فحركة “حماس″ في الجنوب الغزي تجرب صواريخ جديدة، وحزب الله في الشمال يرسل مقاتليه الى هضبة الجولان ويشحذ صواريخه في الجنوب.
اسرائيل استمتعت بالامن والاستقرار طوال السنوات الماضية، وترجمت ذلك الى رخاء اقتصادي بسبب تدفق السياح والاستثمارات والمهاجرين، بفضل السلطة الوطنية الفلسطينية وامنها الذي كان حارسا امينا للمستوطنات الاسرائيلية ومستوطنيها، ومنع اي مقاومة فلسطينية سلمية او مسلحة.
الايام المقبلة قد تكون حبلى بالمفاجآت ربما تكون ليست في صالح اسرائيل وحلفائها العرب، وننصح اليهود الفرنسيين الذين يستعدون لشد الرحال الى مستوطنات الضفة الغربية ان يتريثوا قليلا، وان يستعدوا لاستقبال من سبقوهم في الهجرة، فلا شيء مستبعد، وكل الاحتمالات واردة.

السعودية تفشل المبادرة الفنزويلية وترفض اجتماعا طارئا للاوبك.. واسعار النفط تهبط الى الاربعين دولارا.. وايران تهدد وتتوعد وروسيا صامته.. وخسائر الخليج تعيد اعمار العالم العربي كله

عبد الباري عطوان
ذكرتني الجولة التي يقوم بها حاليا الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في اربع دول رئيسية منتجة للنفط هي ايران والسعودية وقطر والجزائر في محاولة لاقناعها بمبادرته التي تنص على انعقاد قمة طارئة لمنظمة الاوبك لبحث ازمة تدهور الاسعار الحالية، بجولة مماثلة لسلفه الاسبق الرئيس كارلوس رودريغز قبل 37 عاما تقريبا ومن اجل الهدف نفسه لكن لاسباب مختلفة.
كنت في حينها، اي عام 1977 على ما اذكر اعمل محررا في صحيفة “المدينة” اليومية السعودية، واوفدني رئيس التحرير الصديق احمد محمد محمود الى الرياض لتغطية زيارة الرئيس الفنزويلي وجاء اختياري، لسبب ليس له علاقة بالكفاءة، بقدر ما له علاقة بلغتي الانكليزية المعقولة، فقد كنت اتحسس طريقي في هذه المهنة الصعبة، وهذه قصة اخرى.
الرئيس الفنزويلي رودريغز حط الرحال في الرياض من اجل اقناع العاهل السعودي الملك خالد بن عبد العزيز برفع اسعار النفط السعودي بنسبة 5 بالمئة من اجل ردم الهوة مع اسعار دول اوبك اخرى رفعته في اجتماع سابق لها بنسبة 10 بالمئة وهو ما رفضته السعودية واصرت على ان تكون الزيادة نصف هذه النسبة، وتردد ان هذا الرفض جاء بضغوط امريكية.
اذكر انني سألت الامير فهد بن عبد العزيز ولي العهد الذي ترأس الوفد السعودي في المباحثات مع الضيف الفنزويلي وكان الحاكم الفعلي للبلاد، عما اذا كانت المملكة ستتجاوب مع مطلب رفع اسعار نفطها اسوة بالدول الاخرى، فقال لي ان المملكة “ملتزمة” بوحدة منظمة الاوبك وكانت هذه كلمة السر، وفعلا رفعت المملكة سعر نفطها 5 بالمئة اخرى ومرت الازمة، وخرجت انا بسبق صحافي عالمي.
***
يبدو ان الرئيس الفنزويلي الحالي مادورو اقل حظا من الرئيس كارلوس، لان مبادرته بخفض انتاج النفط السعودي من اجل رفع الاسعار او بالاحرى وقف انهيارها السريع لم تحقق اي من اهدافها، فقد اعلن بعد اجتماعه مع السيد عبد الملك سلاس رئيس وزراء الجزائر المحطة الاخيرة في جولته “انه لا يوجد اجماع بين الدول الاعضاء في اوبك لعقد اجتماع طارىء للمنظمة”، وفي واقع الحال ليس هناك حاجة لاجماع، وانما موافقة دولة واحدة تنتج 9.6 مليون برميل يوميا وهي السعودية يمكن ان تحل الازمة اذا ارادت، وتوافق على الاجتماع الطارىء، وتقبل بالتالي بخفض الانتاج.
فشل جهود الرئيس الفنزويلي يعني ان اسعار النفط التي وصلت امس الى اقل من 45 دولارا للبرميل قد تصل الى اربعين دولارا غدا، و35 دولارا الاسبوع المقبل حتى تصل الى عشرين دولارا مثلما بشر السيد علي النعيمي وزير نفط المملكة الدول الاخرى الاعضاء، الامر الذي قد يؤدي الى افلاس معظم الدولة المنتجة غير الخليجية، وخاصة فنزويلا ونيجيريا وايران وروسيا.
كل دولار انخفاض في اسعار برميل النفط يعني خسارة مقدارها ملياري دولار من دخل روسيا يوميا، واذا قدرنا ان اسعار النفط انخفضت بحوالي سبعين دولارا منذ حزيران (يونيو) الماضي فإن هذا يعني ان خسارة روسيا السنوية 140 مليار دولار مرشحة للزيادة، والحسبة نفسها تنطبق على ايران وفنزويلا ونيجيريا وجميع الدول المصدرة للنفط.
السعودية ودول الخليج الاخرى لن تتأثر على المدى القصير، لان جيوبها عميقة، فالسعودية تملك فائض نقدي مقداره 750 مليار دولار وتستطيع تحمل الخسائر لعدة سنوات، والشيء نفسه يقال عن الكويت والامارات وقطر التي تملك صناديق سيادية تزيد قيمتها على ترليون ونصف ترليون دولار تقريبا، ولكن ليس البحرين وسلطنة عمان، الدول الافقر والاقل انتاجا والاكثر سكانا مثلما هو حال الثانية (عمان).
هناك ثلاثة اعتبارات او اسباب رئيسية ادت الى انخفاض اسعار النفط بهذه الصورة المتسارعة:
• اولا: ضعف الطلب بسبب الازمة الاقتصادية العالمية.
• ثانيا: زيادة الانتاج الامريكي من النفط الصخري حوالي خمسة ملايين برميل يوميا سترتفع الى عشرة عام 2020.
• ثالثا: رفض السعودية خفض الانتاج من اجل زيادة الاسعار اثناء اجتماع اوبك الاخير في كانون الاول (ديسمبر) الماضي.

روسيا وايران لديهما انطباع مؤكد ان هناك مؤامرة سعودية امريكية تهدف الى تضييق الخناق عليهما اقتصاديا من خلال تخفيض اسعار النفط، الاولى بسبب ضمها لجزيرة القرم ودعم انفصال شرق اوكرانيا، والثانية لدعمها النظام السوري وحزب الله وحركة المقاومة الاسلامية الفلسطينية، فالاقتصاد الروسي الذي يعتمد بنسبة 70 بالمئة على صادرات النفط والغاز مرشح للدخول في حال كساد هذا العام، والروبل خسر ستين في المئة من قيمته امام الدولار، وكل محاولات دعمه بما في ذلك رفع سعر الفائدة الى 17 بالمئة باءت بالفشل، والشيء نفسه يقال عن ايران التي تدهورت عملتها لاكثر من ثمانين في المئة، وقد اقرت ميزانيتها للعام المقبل ابتداء من اول اذار (مارس) على اساس سعر 72 دولارا للبرميل اي بعجز متوقع بنسبة 33 بالمئة على اقل تقدير اذا وقف انهيار اسعار النفط عند حاجز 45 دولارا مثلما هو الحال اليوم.

***

ايران بدأت تشعر بسخونة الازمة، وانعكس هذا في تصريحات الرئيس حسن روحاني التي هدد فيها امس بأن من خفضوا اسعار النفط (في اشارة الى السعودية) ضد بعض البلدان (في شارة الى ايران وروسيا) سيندمون على هذه الخطوة، وقال “ايران لن تخضع للمؤامرة وستتغلب عليها.
السعودية التي تخوض حاليا حربا في سورية والعراق ضد “الدولة الاسلامية” واخرى ضد التهديد الامني لانصارها في الداخل بدأت الآن على حافة حرب اخرى ضد دول منظمة اوبك وخارجها بعضها مسلم مثل ايران ونيجيريا والجزائر وليبيا واخرى غير مسلمة مثل روسيا وفنزويلا.
خسائر دول الخليج وحدها من انخفاض اسعار النفط الى 45 دولارا تصل الى اكثر من 300 مليار دولار سنويا وهي خسارة كفيلة بإعادة اعمار وتنمية كل الدول العربية مجتمعة وايجاد وظائف لكل الشباب العربي العاطل عن العمل، ناهيك عن الشباب السعودي الذي تبلغ نسبة البطالة في صفوفه اكثر من ثلاثين في المئة.
لا نعرف من هم الاكثر حكمة وتبصر في التعاطي مع الازمات النفطية الطارئة، حكام السعودية القدامى ام الحاليين.
المقارنة ليست في محلها، والظروف تغيرت حتما، ولكن ما يمكن قوله ان السيد النعيمي وزير النفط السعودي ومن يرسمون له السياسات يقدمون على مقامرة خطيرة جدا سياسيا واقتصاديا من الصعب التنبؤ بنتائجها، خاصة ان الامور بدأت تخرج من ايدي الجميع وباتت امكانية السيطرة عليها معدومة، والله اعلم.

لماذا يتقدم مسؤولون عربا مظاهرة باريس تضامنا مع الضحايا الفرنسيين جنبا الى جنب مع الحمل الوديع نتنياهو ولم نراهم مطلقا في مظاهرة تضامنا مع ضحايا مجازر العراق وغزة وقانا اللبنانية؟ ولماذا نشكر وزير خارجية المغرب الذي قاطع مهرجان النفاق العربي هذا؟

عبد الباري عطوان
بعد ان يهدأ غبار عاصفة “التضامن” مع ضحايا مجلة “تشارلي ابدو” الفرنسية الاسبوعية، ويذوب “ثلج النفاق” الذي تراكم في مقدمة مسيرة اليوم المليونية في قلب باريس، وتهدأ العواطف الصادقة والكاذبة معا، ستظهر الحقائق تباعا، الواحدة تلو الاخرى، وابرزها ان معظم المسؤولين العرب والاجانب الذين تقدموا الصفوف هم من اكبر صناع الارهاب الحقيقي الذي جاءوا لادانته، والحاضنة الدافئة والمريحة له، بقصد وتعمد او بغير قصد، ابتداء من بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي ارتكب لتوه مجزرة في قطاع غزة راح ضحيتها الفين ومئتي الف انسان ثلثهم من الاطفال، وما زال مئة الف من اهاليهم في العراء في مواجهة عاصفة ثلجية قاتلة، ومرورا بالسيد احمد داوود اوغلو المتهمة حكومته بتوفير الممر الآمن والسريع لآلاف الجهاديين العرب والمسلمين المتهمين بالوقوف خلف هجوم باريس، وانتهاء بفرانسوا هولاند رئيس فرنسا واصدقائه البريطانيين والامريكان الذين تمارس طائراتهم، بطيار او بدونه، في هذه اللحظة قتل الابرياء في افغانستان والعراق وسورية واليمن، عمدا او عن طريق الخطأ.
الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي لم يتزعم او يتصدر مظاهرة واحدة في رام الله، ناهيك عن غزة، تضامنا مع ابنائه ومواطنيه الذين ذبحتهم الطائرات الاسرائيلية تحت سمع اصدقائه في فرنسا وبريطانيا وامريكا وبصرهم، كان الاكثر حماسا في الظهور في مقدمة مظاهرة باريس على بعد امتار من القاتل بنيامين نتنياهو.
***
ايريك هولدر وزير العدل الامريكي الذي شارك في المظاهرة ايضا قال انه لا توجد اي معلومات حتى الآن تؤكد ان تنظيم “القاعدة” يقف وراء الهجمات على المجلة الفرنسية الساخرة، واكد الشيء نفسه الجنرال مارتن ديمبسي قائد الجيوش الامريكية، الامر الذي يطرح العديد من علامات الاستفهام حول الاصرار على قتل المتورطين الثلاثة، وعدم الانخراط في اي مفاوضات معهم، وهم الذين عرضوا الاستسلام، لاعتقالهم احياء، والتحقيق معهم لمعرفة ما اذا كانوا اقدموا على هذه الجريمة وحدهم ام بتكليف من جماعة “ارهابية”، تماما مثلما حدث مع الفرنسي من اصل جزائري محمد مراح مقتحم مدرسة تولوز الفرنسية اليهودية عام 2012، وتسرع الكثيرون باتهام تنظيم “القاعدة” في اليمن بالوقوف خلف الهجوم لان شريف كواشي زار صنعاء.
للمرة المليون نؤكد هنا اننا لسنا مع الارهاب، واننا مع حرية التعبير، والا لما اصدرنا هذه الصحيفة من لندن، وليس من اي عاصمة عربية اخرى، ولكننا لسنا مع حرية الاساءة للانبياء والرسل وتطاول المجلة المذكورة على الديانتين اليهودية والمسيحية ورموزها لا يمكن، بل الا يجب، ان يبرر تطاولها ورساميها، على الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم الذي ضرب مثلا في الرحمة والتسامح حتى مع خصومه وقال كلمته المأثورة “عظّموا انفسكم بالتغافل” ونزلت الآية الكريمة تأكيدا على ذلك التي تقول “واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما” صدق الله العظيم.
مكافحة الارهاب لا تتم بالتنسيق الاستخباري، واستهداف ابناء العقيدة الاسلامية بالملاحقة والتوقيف والتفتيش (المسلم معرض للتوقيف اكثر من 30 مرة بالمقارنة بغير المسلم في معظم الدول الاوروبية)، وانما ايضا من خلال وقف السياسات الاستعمارية الاذلالية في العالم الاسلامي.
نحن نرفض المقولة التي يرددها القادة الغربيون لتبرير تدخلاتهم الدموية في العالم الاسلامي، وتقول اننا نحاربهم في بلدانهم حتى لا يأتوا الينا، مما يعني ارتكاب المجازر في حق الابرياء دون اي سند قانوني او اخلاقي تحت عنوان مكافحة الارهاب، واكبر دليل على فشل هذه المقولة عملية الهجوم على المجلة الفرنسية، والكنيس اليهودي في بروكسل، واقتحام المدرسة الفرنسية اليهودية في “تولوز″، بل لا نبالغ اذا قلنا ان جميع هذه التدخلات ادت الى تحويل دول آمنة الى دول فاشلة تشكل البيئة الاخصب للجماعات المتشددة.
مجلة “الايكونوميست” البريطانية قالت في عددها الاخير الصادر يوم الجمعة الماضي ان ليبيا التي “حررها” الناتو ستصبح الدولة الفاشلة القادمة رسميا بعد اربع سنوات بالتمام والكمال على بدء ثورة الربيع العربي فيها، واكدت ان اهمال ليبيا كان خطأ ولكنها حذرت من التدخل العسكري مرة اخرى فيها، وقالت ان انقاذ ليبيا يجب ان يتم بأيدي الليبيين وحدهم، ولكن لماذا لا تنطبق هذه القاعدة على السوريين واليمنيين والعراقيين، بعيدا من طائرات “الدرونز″ وشقيقاتها من “اف 16″ و”اف 15″ و”اف 23″ وكل “الافات” الامريكية الاخرى.
بعد ان قررت مجلة “شارلي ابدو” اعادة نشر الرسوم الدانماركية المسيئة للرسول الكريم عام 2006، حاول الرئيس الفرنسي جاك شيراك في حينها اثنائها عن هذه الخطوة بالحسنى، واعتبرها “استفزازية” ولكنه لم يقف في طريقها ويحاول منعها رغم معرفته بالنتائج التي يمكن ان تترتب على ذلك، كان رجلا عاقلا ترك الساحة لساركوزي وامثاله لقيادة فرنسا الى الغزوات والحروب والتدخلات العسكرية الكارثية.
***
باريس اصبحت اليوم “عاصمة العالم” ضد الارهاب هذا هو الشعار الذي ردده كل من شارك في المظاهرة المليونية، والمقصود هنا “الارهاب الاسلامي” ولعمري ان هذا الارهاب الاسلامي يتواضع كثيرا امام الارهاب الغربي واسلحته، طائرات وصواريخ كروز، وحاملات الطائرات، والغواصات النووية وجنود المارينز، فالاول، وهو مدان، يقتل افرادا بالعشرات او المئات بالكلاشينكوف، بينما الثاني يقتل مئات الآلاف، ويدمر دولا ويمزق مجتمعات، ويدفع بالملايين الى العراء او الى قوارب الموت بحثا عن ملاذ آمن، وهو مدان ايضا، والادانة لا تفيد في الحالين، ويأتي هذا التدمير والقتل في معظمه متدثرا بأكاذيب وقيم زائفة وفي العالم الاسلامي دون غيره
ختاما وفي ظل هذا المشهد الغارق في السخرية السوداء المرة، هناك نقطة مضيئة لا بد من التوقف عندها احتراما، وهي مقاطعة وزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار والوفد المرافق له الذي ذهب الى باريس لتقديم التعازي في ضحايا الهجوم، المشاركة في “المسيرة التضامنية”، وقال بيان الوزارة المغربية “لا يمكن ان يشارك وزير الخارجية والتعاون الدولي او اي مسؤول رسمي مغربي في هذه المسيرة التي رفع فيها متظاهرون رسوم كاريكاتورية مسيئة للرسول علية الصلاة والسلام”.
كم تمنينا لو ان الزعماء والمسؤولين العرب الذين شاركوا في المسيرة اتخذوا الموقف الشجاع نفسه. ولكن لم تحقق اي من تمنياتنا السابقة، وربما اللاحقة، عندما يتعلق الامر بالزعماء والمسؤولين العرب.
شكرا لوزير الخارجية المغربي على هذا الموقف، نقولها تيمنا بالقول الكريم “من لا يشكر الناس لا يشكر الله”.

الهجوم الدموي على المجلة الفرنسية المعادية للاسلام والمسيئة لرسوله هل هو حادث انتقامي فردي ام في اطار سلسلة من الهجمات الاخرى؟ وهل المنفذون من العائدين من سورية والعراق؟ وما هو الهدف المقبل؟

عبد الباري عطوان
بعد هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) عام 2001 اختتمت مجلة “الايكونوميست” العريقة افتتاحيتها الرئيسية بالقول ما معناه “نحن نهاجمهم، ونقصفهم، ونذهب آلاف الكيلومترات لقتالهم، وعلينا ان نتوقع ان يأتي الينا من يحاول الرد والانتقام”.
تذكرت هذه الافتتاحية وانا اتابع بقلق الهجوم الذي شنه ثلاثة شبان يعتقد انهم ينتمون الى “التيار الجهادي” الاسلامي على مجلة “تشارلز ايبدو” في قلب العاصمة الفرنسية باريس، وفتحوا نيران بنادقهم الآلية (كلاشينكوف) ومدفع “الآر بي جي” الذي كان في حوزة احدهم فقتلوا 12 شخصا بينهم رئيس تحرير الصحيفة واربعة رسامين وشرطيان.
بداية لا بد من التأكيد على ان قتل اي صاحب رأي لا يجوز شرعا وقانونا ومدان بكل العبارات واقواها، ولكن هذا لا يعني التطاول، وبشكل استفزازي مسيء لمعتنقي الديانات السماوية، والتطاول على الرسل والانبياء، مسيحيين كانوا او مسلمين او يهودا.
نحن لسنا مع الكاتب البريطاني الهندي الاصل سلمان رشدي الذي بادر بالقول “بأن الاديان يجب ان تكون موضوعا للسخرية” في اطار تضامنه مع المجلة، ومطالبة الجميع بالوقوف الى جانبها، لانها كانت قوة لليبرالية والحريات ضد الطغيان” لان الاديان في رأينا يجب ان تحظى بالاحترام وتوضع في موضع القداسة التي تستحقها.

***

مجلة “تشارليز ايبدو” اخترقت كل الخطوط الحمراء وما فوق الحمراء في تهجمها على الديانة الاسلامية من خلال حملاتها الشرسة على الرسول محمد صلي الله عليه وسلم، ولم تقتصر هذه الحملات على اعادة نشر الرسم الكرتوني المسيء اليه للرسام النرويجي عام 2006، وهو الرسم الذي اثار غضب مليار ونصف المليار مسلم، وتسبب في مظاهرات احتجاجية صاخبة، قتل فيها اكثر من مئتي شخص، وانما بلغت ذروتها عام 2011 عندما نشرت رسوما اخرى اكثر اساءة واستفزازا من بينها واحدة تصور الرسول الكريم عاريا.
مرة اخرى نعيد التأكيد بأننا بذكر هذه الوقائع الموثقة لا نبرر الهجوم الدموي الذي تعرضت له هذه المجلة، او اننا نساند او ندعم من نفذه، وسنظل دائما في خندق حرية الرأي النزيه الشريف الذي يتجنب الاساءة للاديان السماوية بطريقة تنطوي على التعمد والاصرار والتحدي وكأن هذه الاساءة عمل من اعمال البطولة، فنحن نطالب بالتآخي بين الاديان ومعتنقيها في اطار من المحبة والاحترام المتبادل.
ناشر المجلة ورئيس تحريرها اساءوا تقدير الخطر الذي يواجههم، والتحذيرات التي وصلتهم، وتمادوا في خطهم التحريري الاستفزازي، اعتقادا منهم ان الحماية التي وفرها البوليس الفرنسي لهم كافية لمنع اي هجوم عليهم، وكم كانوا مخطئين في تقديراتهم، فهذا يؤكد قدرة هؤلاء المتشددين في الوصول الى اي هدف يريدون الوصول اليه، وهنا يكمن خطرهم الحقيقي على كل من يختلف معهم، او يتطاول على عقيدتهم، مسلما كان او غير مسلم.
الذين اطلعوا على الشريط المصور للمهاجمين الذي صوره احد الهواة، يخرج بإنطباع ان هؤلاء كانوا في قمة الهدوء والطمأنينة، وعلى درجة عالية من الاحتراف، مما يوحي انهم تلقوا تدريبات مكثفة، وقاتلوا في جبهات قتال حقيقية.
حتى كتابة هذه السطور لم تعلن اي جهة مسؤوليتها عن هذا الهجوم، وتضاربت آراء “الخبراء” في هذا المضمار، فمنهم من قال ان تنظيم “القاعدة” يقف خلفه لاثبات وجوده، وخطف الاضواء من “الدولة الاسلامية”، وهناك آخرون لا يستبعدون ان يكون المنفذون من “الجهاديين” الفرنسيين الالف الذين ذهبوا الى العراق وسورية للقتال في صفوف “الدولة الاسلامية”، وعادوا للانتقام من حكوماتهم التي شاركت في الحرب ضدها في اطار التحالف الامريكي.
وسواء كانت “منظمة” ما تقف خلف هذه الهجوم، او جاء كحادث معزول نظمته “خلية” بعيدة عن اي تنظيمات اخرى، مثل الهجوم الذي نفذه الشاب الفرنسي الجزائري الاصل محمد مراح عندما هاجم مدرسة يهودية في تولوز جنوب فرنسا عام 2012، فإن فرنسا مهددة ومستهدفة اسوة بدول اوروبية اخرى، بسبب مشاركتها في حرب شرسة ضد “الجهاديين” في مالي، وارسالها طائرات حربية الى الاردن للمشاركة في الضربات التي تهدف الى اضعاف ومن ثم انهاء “الدولة الاسلامية”، والقضاء عليها كليا.

***

نعم.. من المتوقع ان تؤدي هذه العملية الهجومية الدموية الى تعزيز اليمين الاوروبي المتطرف الذي يصعد هذه الايام ويكن عداءا شرسا للمهاجرين المسلمين خاصة، وان تنعكس سلبا على اكثر من عشرة ملايين مسلم يعيشون في اوروبا ويحملون جنسيتها، ولكن على الحكومات الاوروبية ان تدرك جيدا ان الغالبية الساحقة من هؤلاء من المسلمين المعتدلين الذين ينبذون العنف والارهاب باشكالهما كافة، ولا يجب ان يؤخذوا بجريرة اقلية الاقلية من ابنائهم المتشددين، وحمايتهم كمواطنين يجب ان يكون على قمة سلم اولوياتها.
الحكومات الاوروبية، ومن بينها الحكومة الفرنسية، يجب في المقابل ان تتوقف عن التدخل عسكريا في الشرق الاوسط، وهي تدرك جيدا انها بمثل هذا التدخل تعمل على خدمة هذا الارهاب، وتعززه وتسهل عمليات تجنيد منظماته لآلاف الشباب الاسلامي المحبط، علاوة على ان هذا التدخل لم ينجح في تحقيق اهدافه التي جاء من اجلها، بل فرخ ازمات اخرى اكثر خطورة.
وربما يفيد التذكير بتدخل حلف الناتو وطائراته في ليبيا والوضع الذي آلت اليه، وقبل ذلك في العراق وافغانستان، واخيرا في سورية واليمن، ومقتل اكثر من مليون انسان كضحية له.
السياسات الغربية في البلاد العربية والاسلامية خلقت دولا فاشلة، وحروبا طائفية وعرقية، واوجدت الحاضنات للجماعات الاسلامية الجهادية المتشددة، وبدأت ترتد عليها على شكل هجمات دموية، وهجرات جماعية لشبان يركبون البحر بالآلاف، عشرة آلاف منهم شهريا من ليبيا وحدها، التي وعد الرئيس الفرنسي ساركوزي بتحويلها الى واحة للديمقراطية والاستقرار والازدهار وحقوق الانسان.
نتمنى ان يكون الهجوم الدموي على المجلة الفرنسية فرديا، وليس مقدمة لهجمات اخرى ضد ابرياء، مثلما نتمنى على الدول الغربية وحكوماتها واعلامها تبني سياسات ترتكز على العدالة والمساواة، والتعايش، ووقف كل اشكال التحريض ضد الاسلام والتدخل العسكري، ومساندة القضايا العادلة، واولها قضية فلسطين التي شاركوا جميعا في خلق وتعميق معاناة شعبها لما يقرب من سبعين عاما، فهي ام القضايا، وآلة التفريخ للتطرف في المنطقة بشكل مباشر او غير مباشر، حتى لو تراجعت اهميتها هذه الايام في نظر البعض، وهذا موضوع آخر.

هجوم خلية “الدولة الاسلامية” “الاستشهادية” على مخفر حدودي سعودي في عرعر تطور خطير ينبيء بحرب صعبة في المستقبل المنظور اسلحتها اعلامية فكرية قبل ان تكون امنية وعسكرية.. لماذ؟

عبد الباري عطوان

في غمرة انشغال المملكة العربية السعودية، حكومة وشعبا، بصحة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز (92 عاما) المتدهورة، اكد بيان رسمي مقتل ثلاثة جنود بينهم عميد يدعى عودة معوض البلوي في هجوم نفذه اربعة عناصر على نقطة حدودية في منطقة عرعر المحاذية للعراق.
المهاجمون قتلوا جميعا برصاص قوات الامن السعودية، احدهما فجر نفسه بحزام ناسف رافضا الاستسلام، بينما اصيب اثنان من القوات الامنية السعودية.
الهجوم يعتبر الاول من نوعه على الحدود الشمالية للمملكة، حيث حشدت الحكومة السعودية اكثر من ثلاثة آلاف جندي على طولها الذي يبلغ 814 كيلومترا مما يبعث على القلق بالنسبة الى السلطات السعودية لان علاقاتها مع العراق، الجار الشمالي، ليست على ما يرام حيث سحبت الحكومة العراقية جميع قواتها على الجانب الآخر من الحدود، مضافا الى ذلك منطقة الانبار المحاذية للسعودية بات معظمها تحت سيطرة “الدولة الاسلامية” وقواتها، وتجد الاخيرة تعاطفا كبيرا بين اهالي المنطقة السنة المذهب.

***

ما زالت دوافع هذه الخلية للتسلل عبر حدود المملكة، والاصطدام بقوات الامن غير معروفة، لكن المؤكد انها “خلية انتحارية” ارادت زعزعة امن واستقرار المملكة، فالسيد ابو بكر البغدادي زعيم “الدولة الاسلامية” اصدر شريطا على”اليوتيوب” قبل شهر تقريبا طالب فيه مواطني “بلاد الحرمين” بالثورة على نظامهم الفاسد، والانضمام الى دولته، وتبني عقيدتها الجهادية.
ادبيات “الدولة الاسلامية” تؤكد ان الهدف الاول لها هو استعادة الحجاز، واعلان المدينة المنورة او مكة المكرمة عاصمة لدولة الخلافة التي تريد اقامتها على مناطق شاسعة من العالم تمتد من الصين حتى فيينا وما بعدها، ولذلك من غير المستبعد ان تشهد المرحلة المقبلة المزيد من هذه الهجمات.
ولم يكن من قبيل الصدفة ان يعّرف “الخليفة” البغدادي نفسه بأنه ابراهيم عواد ابراهيم البدري الحسني القرشي السامرائي، مؤكدا نسبه الى آل البيت من ناحية، وقبيلة قريش من ناحية اخرى.
ومن يطّلع على العقيدة والايديولوجية التي ترتكز اليها “الدولة” يجد انها عودة الى جذور الوهابية وفكر الامام محمد بن عبد الوهاب في صيغته “الطهرية” الاولى، الامر الذي يشكل نقطة جذب للشباب السعوديين الذين كشفت استطلاعات رأي على مواقع التواصل الاجتماعي ان 92 بالمئة منهم يؤيدون “الدولة الاسلامية” وعقيدتها المتشددة، ووعدت السلطات السعودية التي شككت رسميا بنتائج هذا الاستطلاع باجراء استفتاء علمي يشرف عليه اكاديميون في اوساط الشباب للرد على الاستطلاع المذكور، ولكنه لم يصدر حتى كتابة هذه السطور.
السلطات السعودية باتت تقاتل على جبهتين في آن واحد، الاولى داخلية والثانية خارجية، ومن الصعب ترجيح ايهما اخطر من الاخرى، فكلاهما مصدر قلق وخوف، فماذا يمكن ان تفعل قوات الامن بمهاجمين في الداخل او قادمين من الخارج يرتدون الاحزمة الناسفة، ويريدون تفجير انفسهم على الاستسلام والاسر، ومصممون على القتال حتى السقوط “كشهداء” والصعود الى دار البقاء؟
التقديرات شبه الرسمية تقول ان هناك اكثر من 5000 سعودي يقاتلون في صفوف “الدولة الاسلامية”، وينخرط معظمهم في “الفرق الاستشهادية”، وهناك من يقدر العدد بأكثر من سبعة آلاف، ومن غير المفاجيء ان تكون خلية الهجوم على عرعر يوم امس مكونة من هؤلاء.
العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز اكد اكثر من مرة في خطاباته، سواء التي قرأها بنفسه، او قُرأت بالنيابة عنه، في المناسبات الرسمية مثل عيدي الفطر والاضحى، طالب العلماء والدعاة ورجال الدين بالتصدي لما اسماه بالفكر الضال، ولكن التجاوب مع هذه الدعوة ظلت محدودة، والشيء نفسه يقال عن محاولات السلطات السعودية السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي مثل “التويتر” و”الفيسبوك” حيث ينشط انصار “الدولة” بشكل غير عادي.
المعركة السعودية مع “الدولة الاسلامية” لها جوانب امنية واعلامية وفكرية، ويبدو انه من الصعب كسبها بسهولة، وبالحد الادنى من الخسائر، فمن يتابع الانشطة الاعلامية للدولة، المرئية منها والمقروءة والمسموعة، وما تتضمنه من فكر وحرفية عالية، يدرك هذه الصعوبة، ولا نبالغ اذا قلنا، نحن الذين درسنا هذه الانشطة طوال الاشهر العشرة الماضية على الاقل، ان انتاج هذه الدولة الاعلامي يتفوق على نظيره الامريكي الهوليودي، ناهيك عن الاعلام السعودي، الرسمي منه وغير الرسمي، مما يؤكد ان عقولا جبارة اكتسبت خبرات غربية متقدمة تقف خلفه وتوجهه.
استراتيجية “الدولة الاسلامية” في السعودية او غيرها تقوم على الرعب والترهيب، وزعزعة الاستقرار، فاطلاق النار على مواطن دانمركي في احد شوارع الرياض، او ذبح امريكية في مركز تسوق مركزي في ابو ظبي، او ارسال خمسة رجال منقبين الى الحدود السعودية الجنوبية مع اليمن، كلها تصب في هذا المضمار.
***
وعندما نقول ان معركة المملكة ليست سهلة مع “الدولة الاسلامية” لا ننسى ان نتوقف عند انهيار اسعار النفط، وانخفاض الدخل السعودي السنوي بأكثر من خمسين في المئة، واذا صحت نبوءة السيد علي النعيمي بأن الاسعار قد تصل الى عشرين دولارا للبرميل، فان هذا سيصب في مصلحة “الدولة الاسلامية” وقد يسهل او يسرع عملية تجنيدها للشباب السعودي المحبط، خاصة اذا علمنا ان نسبة البطالة في اوساط هؤلاء تصل الى اكثر من ثلاثين في المئة في الوقت الراهن.
“خلية عرعر” وهجومها غير المفاجيء يقرع جرس انذار شديد الصدى في اوساط الحكومة السعودية ويؤكد ان الخطر يتضخم، ويدخل المناطق الحرجة المحرمة التي ظلت “محصنة” طوال السنوات الثمانين من عمر المملكة.
السلطات السعودية عملت طوال السنوات الاربع الماضية الى ابعاد العنف والارهاب عن عنقها وحدودها، وصدرت الشباب المتطرف والمحبط الى دول الجوار وخاصة العراق وسورية، وصدرت المليارات سواء لدعم “الثورات” في دول (سورية والعراق) او لاجهاضها (مصر واليمن) في دول الجوار، ولكن يبدو ان هذه الاستراتيجية المتناقضة والعصية على الفهم بدأت تعطي ثمارا دموية معاكسة، فهل بدأ السحر ينقلب على السحرة.
ندرك جيدا ان السلطات السعودية تجرم السحر وتعدم السحرة، ولكن لم نجد توصيفا افضل من هذا للمستقبل المنظور.
هيئة كبار العلماء في السعودية ادانت هذا “الحادث الارهابي” بعد دقائق من وقوعه، وايدت القبضة الحديدية للدولة في مواجهة هذا “الفكر الضال”، ونعتقد ان السلطات تحتاج الى ما هو اكثر من الادانة في معركتها الحالية، واول خطوة في هذا الصدد ترتيب بيتها من الداخل، واختيار حاكم قوي، ونشر قيم العدالة والمساواة والحكم الرشيد، والاصلاحات السياسية، والتعلم من دروس بعض دول الجوار؟

الطيار الكساسبة يفضح الروايات الامريكية الكاذبة ويؤكد اسقاطه بصاروخ.. انها رسالة ايضا للطيارين العرب زملائه في التحالف.. واخيرا هل سيعتذر لنا الامريكيون ويعترفون بخطأ أحدث اكاذيبهم؟

عبد الباري عطوان
لا نعرف ما هو شعور القيادة العسكرية الامريكية التي اصدرت بيانا شككت فيه برواية “الدولة الاسلامية” التي قالت انها اسقطت الطائرة الحربية الاردنية “بصاروخ حراري” بعد ان اطلعوا على النص الحرفي للمقابلة التي اجرتها مجلة “دابق” مع الملازم طيار معاذ الكساسبة وروى فيها بالتفصيل كيفية سقوط طائرته الامريكية الصنع، وقفزه منها بعد ان انحرفت عن مسارها والسنة الدخان تنبعث من محركاتها.
ولا نعرف ايضا ما هو شعور القيادة العسكرية الاردنية التي تبنت الرواية الامريكية الكاذبة والمضللة هذه التي تكشف عن غباء مطلق، واستهتار بعقل المشاهد والقاريء، والامكانيات الاعلامية الهائلة للطرف الآخر، تقنيا وبشريا.
يجب ان تعرف الادارة الامريكية وقيادتها العسكرية وتعترف ان الاعلام تغير في عصر “الانترنت” و”اليوتيوب” و”الفيسبوك” و”التويتر”، وان العرب والمسلمين لم يعودوا اغبياء، وتحرروا من هيمنة الاعلام الرسمي وادواته الرقابية المتخلفة، مثلما تحرروا من الاعتماد على وسائل الاعلام الغربية للوصول الى المعلومات، وان ما كان صالحا في الحربين العالميتين الاولى والثانية لم يعد صالحا في القرن الواحد والعشرين.
الادارة الامريكية تكابر في تعاطيها مع مسألة اسقاط الطائرة الاردنية، وترفض الاعتراف بأن هذا النوع من الطائرات (تف 16) الذي كان يصول ويجول في الاجواء العربية ويقصف ويدمر كيفما شاء دون ان يعترضه احد، يمكن ان يسقط مثل الذباب عندما يجد من يعرف كيف يتعاطى معه، ويكسر شوكته ولو جزئيا.
***
اسرائيل كانت تتحلى بالغرور نفسه، وتعتقد ان دباباتها من نوع “الميركافا” عصية على رجال المقاومة وصواريخهم، الى ان جاء اليوم الذي سجل انهيار هذه الاسطورة في قطاع غزة وجنوب لبنان بسواعد المؤمنين طالبي الشهادة، وشاهدنا مقابرها ماثلة للاذهان وشاهدة، في شمال وشرق قطاع غزة وفي ميليتا في جنوب لبنان.
الطيار الاسير الكساسبة كشف المستور وفضح اللعبة واللاعبين، وقدم معلومات دقيقة عن جميع الدول الخليجية والعربية التي ارسلت طائراتها للمشاركة في ضرب مواقع وتجمعات “الدولة الاسلامية”، والقواعد التي تنطلق منها الطائرات، وانواعها، مثلما كشف عن اعداد الطيارين والمهندسين، والمستشارين الامريكيين الذين يعملون في هذه القواعد.
المعلومات الدقيقة هذه التي قدمها الطيار الكساسبة ربما نقطة في بحر، ولا بد ان هناك اخرى جرى حجبها، او انها ستظهر لاحقا، وهي ثمينة جدا بكل المقاييس، وما يؤكد صحتها ان وزارة الدفاع الامريكية تلتزم الصمت ولم تعلق عليها مطلقا حتى كتابة هذه السطور ربما خجلا، ونحن نفترض ان هناك من يخجل في البنتاغون من اعمال القتل والتعذيب التي مارسها ويمارسها رجاله واجهزته الاستخبارية في العراق وافغانستان وغوانتانامو.
الطيار الكساسبة “صيد ثمين” في يد آسريه في “الدولة الاسلامية” وورقة ضغط كبرى على السلطات الاردنية والامريكية معا، كما ان عملية اسقاط طائرته واسره رسالة قوية الى الطيارين العرب (والطيارات)، وبينهم امراء، تباهوا وهم يقودون طائراتهم الى الاجواء السورية والعراقية لتنفيذ ضرباتهم وفق الاوامر الموجهة اليهم، ويقتلون مواطنين ابرياء الى جانب مقاتلي “العدو” اي تنظيم “الدولة الاسلامية”.
***
لسنا من بين المصدقين للغالبية العظمى من البيانات الامريكية، لاننا نملك مخزونا ضخما من الادلة التي تؤكد كذبها وتضليلها، ألم يقولوا لنا ان هناك معلومات موثقة عن اسلحة الدمار الشامل العراقية، ألم يؤكدون لنا قبل ثلاثة اعوام ان ايران على بعد اقل من ستة اشهر من انتاج رؤوس نووية، وقالوا الشيء نفسه قبل ذلك عن صدام حسين ونظامه.
اعترف انني شعرت بغصة في حلقي وانا ارى الطيار الكساسبة يرتدي البدلة البرتقالية، ويقول دون تردد في اجابته عن سؤال عما ستفعل به “الدولة الاسلامية” ومقاتليها بعد وقوعه في الاسر “انهم سيقتلونني”.
اتمنى من كل قلبي ان لا تعدم “الدولة” هذا الطيار الشاب وتحسن معاملته، فقد جرى الزج به في حرب اعتقد انه لا يؤمن بها وجدواها، وشرعيتها، في اعماقه، وكم كنت سأفتخر به واعلق صورته في مكتبي لو ان آسريه من الاسرائيليين.
انه ضحية سياسات خاطئة اقدمت عليها السلطات الاردنية، باختيارها او رغما عنها، فهذه الحرب ليست حربها، ودورها فيها ثانوي جدا، ولن تخرج منها الا خاسرة، وان ربحت بعض المال وبعض الرضاء الامريكي.

العلم السوري يرفرف غدا فوق السفارة السورية في الكويت بألوانه الحمراء والبيضاء والسوداء.. انه انقلاب كبير لم يكن متوقعا قبل 22 شهرا.. ما الذي حدث؟ وما هي اسبابه ومتى نرى العلم نفسه يرفرف في الرياض والدوحة؟

عبد الباري عطوان
سيرفرف العلم السوري بألوانه الاحمر والابيض والاسود فوق السفارة السورية في الكويت التي سيعاد فتحها رسميا اليوم الاثنين، بعد اغلاق استمر عشرين شهرا توقعت خلالها الحكومة الكويتية، ودول خليجية اخرى سقوط النظام وتسليم السفارة الى المعارضة السورية المسلحة برئاسة الائتلاف الوطني السوري، بعد ان جمدوا عضويته في الجامعة العربية وسمحوا لزعيم المعارضة في حينها (معاذ الخطيب) الجلوس على مقعدها والقاء كلمتها في قمة الدوحة العربية.
النظام لم يسقط، ولا يوجد اي مؤشرات انه سيسقط في المنظور المتوسط على الاقل، رغم الانشقاقات التي وقعت في صفوفه في بداية الازمة، سواء في الجيش او في المؤسسات السياسية والدبلوماسية، حيث قفز الكثيرون من سفينته، سواء عن قناعة، او استجابة للاغراءات المالية الضخمة، نتيجة اعتقاد راسخ، كرسته امبراطورية اعلامية غربية، وخليجية جبارة، مرفوقة بتأكيدات امريكية واسرائيلية وتركية بأن ايام النظام باتت معدودة، وان سفينته غارقة لا محالة.
لا نجادل مطلقا بأن النظام ارتكب مجازر، ويتحمل المسؤولية الاكبر عن ما حدث ويحدث في سورية، لكن الطرف الآخر في المقابل لم يكن حملا وديعا، واحتكم الى السلاح على امل التعجيل في اسقاط هذا النظام وتغييره ببديل ديمقراطي، ولكن في ظل انقلاب “الثورة” السورية الى صراع على الحكم، وصب المليارات، وآلاف الاطنان من الاسلحة في الاتجاهين، اختلطت الاوراق، وتغيرت المعادلات، وتبدلت المفاهيم، واصبح الشعب السوري الذي تشرد منه عشرة ملايين يعيشون حاليا في العراء في ظروف معيشية ومناخية صعبة، وخسر اكثر من ثلاثمائة الف من خيرة ابنائه هو الضحية الكبرى، ويترحم نسبة كبيرة منه على الايام السابقة، بعد ان تحولت بلاده الى فوضى دموية، وميدان صراع للامم، وفقدت وحدتها الجغرافية والديمغرافية وتقدمت الهوية الطائفية على كل الهويات الاخرى الجامعة للأسف.

***

المعارضة السورية، مثلها مثل الشعب السوري، تعرضت لخديعة كبرى عندما صدقت الوعود الامريكية، والتطمينات العربية، والخليجية منها على وجه الخصوص، واعتقدت انها باتت على بعد ايام معدودة للتخلص من النظام الديكتاتوري القمعي حسب نصوص ادبياتها وبياناتها، واقامة الجمهورية الديمقراطية الفاضلة.
اعادة فتح السفارة السورية في الكويت اهم اعتراف علني، وعملي، بأن السياسة الخليجية في سورية انهارت، خاصة انها توازت مع انفتاح كبير على العراق حليف سورية، تمثل في فتح قنصليتين وتوقيع 46 اتفاقية تجارية مع حكومته في اطار استراتيجية كويتية جديدة بتطبيع العلاقات وتعزيزها.
الكويت عندما سحبت سفيرها من دمشق واغلقت سفارتها، وطلبت من السفير السوري العودة الى بلاده في شباط (فبراير) عام 2012، اقدمت على هذه الخطوة في اطار تنسيق خليجي مشترك ومتفق عليه (سلطنة عمان لم تلتزم وابقت سفارتها مفتوحة في دمشق)، لهذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو عما اذا كان قرارها هذا منفردا، ام في اطار اتفاق خليجي على اعادة فتح سفارات سورية، في جميع او معظم العواصم الخليجية؟
انه موسم الحجيج الى دمشق، فها هي تونس التي كانت اول دولة عربية تغلق سفارتها في دمشق، ويعرض رئيسها المؤقت السابق (المنصف المرزوقي) على نظيره السوري حق اللجوء السياسي، ويستضيف اول اجتماع لمنظومة اصدقاء سورية (هل ما زالت موجودة؟) تعيد فتح سفارتها، ويتبادل رئيسها الجديد “المنتخب” الباجي قائد السبسي برقيات التهاني مع نظيره السوري، ولا نستبعد ان تبدأ احجار الدومينو تتساقط الواحدة تلو الاخرى، او فتح السفارة تلو الاخرى.
اسباب عديدة ادت الى هذا التطور “غير المفاجيء” على اي حال:
• اولا: ادركت الولايات المتحدة ان المعسكر الايراني السوري العراقي المدعوم من روسيا هو المنتصر “حاليا” فقررت الرهان عليه، والتعاطي معه، والاعتراف به على حساب حلفائها القدامى، وبعد ان “حلبتهم” ماليا وباعتهم اسلحة بأكثر من 150 مليار دولار.
• ثانيا: صعود “الدولة الاسلامية” بقوة، وازالتها الحدود السورية العراقية، واقامة دولة مكتفية ذاتيا بالمال والسلاح، حجمها اكبر من حجم فرنسا، وجميع الدولة الخليجية مجتمعة، عدا المملكة العربية السعودية، واعتمادها التوسع الجغرافي والعقائدي كنهج واستراتيجية، على عكس كل الحركات الاسلامية الاخرى، الامر الذي بث الرعب في جميع دول المنطقة، وغير اولويات الغرب، وجعل الجميع يرون في النظام السوري حليفا مستقبليا يمكن الاعتماد عليه، والتعاون معه، وغفر كل خطاياه، ما تقدم منها وما تأخر.
• ثالثا: انهيار الجامعة العربية ومصداقيتها كمظلة سياسية اقليمية، وحدوث تغيير جذري في مصر عنوانه انقلاب عسكري بقيادة الفريق اول عبد الفتاح السيسي (مشير ورئيس منتخب لاحقا) اطاح بحكم الاخوان المسلمين، والتحالف القطري التركي معهم، وجاءت عودة الليبراليين والدستوريين في تونس عبر صناديق الاقتراع، وتراجع ترويكا النهضة الثلاثية، وانهيار الاستقرار في ليبيا، وتصاعد الحرب الدموية فيها كلها عوامل غيرت المشهدين السوري والعربي تماما.
• رابعا: تراجع اسعار النفط بأكثر من خمسين في المئة، وتوقعات بوصولها الى عشرين دولارا للبرميل في سنوات مقبلة، اضعفت المعسكر الخليجي وقبضته على المنطقة، وصعدت من مخاوفه في حدوث اضطرابات داخلية، سياسية واجتماعية، بعد تزايد احتمالات تخفيض الانفاق الحكومي، وفرض ضرائب على المواطنين، ورفع الدعم عن المواد الاساسية مثل المحروقات والمواد الغذائية.
• خامسا: انقلاب السحر على الساحر، وعودة “الارهاب” بقوة الى دول خليجية ظلت محصنة منه لعقود، وشاهدنا هجمات تستهدف اجانب في كل من الامارات والسعودية، وظهور إعلام مواز مؤثر وفاعل لـ”الدولة الاسلامية” يحرض على اطاحة الانظمة، ويجذب نسبة كبيرة من الشباب الخليجي لاطروحاته، وتشكيله خلايا نائمة وحية بالتالي.
• سادسا: بروز المحور المصري الروسي الذي نشط في الاسابيع الاخيرة من اجل عقد مؤتمر حوار بين الحكومة والمعارضة في سورية للتوصل الى حل سياسي للازمة دون اي شروط مسبقة، وبمعزل عن المحور الخليجي التركي، وتجاوب معظم فصائل المعارضة السورية معه بشكل ايجابي والاستعداد للانخراط في الحوار دون شرط اسقاط النظام.
***
لا نستبعد ان يجلس السيد وليد المعلم وزير الخارجية السوري على مقعد سورية في الاجتماع المقبل لمؤسسة القمة العربية المقرر ان يعقد في القاهرة في الثلث الاخير من شهر اذار (مارس) المقبل، ولن نستغرب اذا كان السيد معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني السوري السابق، والسيد حسن عبد العظيم رئيس هيئة التنسيق وآخرين اعضاء في الوفد السوري يجلسون في المقاعد خلف شيخ الدبلوماسية السورية.
لم لا.. فكل شيء جائز هذه الايام، فمن كان يتوقع اتفاقا امريكيا ايرانيا بعد ان وصلت الامور الى حافة المواجهة، او من كان يتوقع هذا الصعود لـ”الدولة الاسلامية”، واطاحتها بالسيد نوري المالكي ووصول قواتها الى ابواب بغداد واربيل؟، وعودة الطائرات واكثر من خمسة آلاف جندي امريكي الى العراق، والاهم من كل ذلك، من كان يحلم بأن الرئيس بشار الاسد سيستمر في الجلوس على كرسي الحكم للعام الخامس على التوالي؟
نكتفي بهذا القدر.. ومن المؤكد ان لنا عودة لمتابعة تطورات هذا الزلزال.