سوريا

“رياح الجنة” تحول المساعدات العسكرية الامريكية الى مناطق “الدولة” في “عين العرب”.. ومفاجآت كثيرة في الطريق.. وتراجع تركيا عن فتح حدودها للبشمرغة احداها!

لا يأتينا من سورية هذه الايام غير “المفاجآت”، بعضها مفهوم ومعظمها يستعصي على الفهم من شدة غرابته وتعقيداته، لكن الشيء المؤكد ان الازمة ستستمر وتزداد تفاقما اسبوعا بعد اسبوع، وشهرا بعد شهر، وعاما بعد عام، ولا احد يملك المفتاح السحري للحل.
صحيح ان “الدولة الاسلامية” خطفت الاضواء بتقدمها “على حين غفلة” في الاراضي السورية والعراقية، واجبارها امريكا على تشكيل تحالف من اربعين دولة، والعودة بطائراتها ومستشاريها العسكريين الى العراق مكرهة، ولكن الايام الحالية تشهد عودة قوية لملف الازمة السورية مجددا والحديث عن حل سلمي لها، وصفقات سرية يجري طبخها، او بالاحرى محاولة طبخها في الغرف المغلقة.
***
لنبدأ اولا بالمفاجآت التي وقعت في اليومين الماضيين ولا يمكن ان ندعها تمر دون التوقف عندها لطرافتها احيانا، وللمعاني الكبيرة التي يمكن استخلاصها من ثناياها:
* المفاجأة الاولى: اسقاط الطائرات الامريكية شحنات من الاسلحة النوعية المتقدمة جدا على مناطق خاضعة لسيطرة “الدولة الاسلامية” في مدينة “عين العرب” او كوباني الكردية في شمال سورية بطريق الخطأ، حيث كانت موجهة الى الاكراد، فاستولت عليها “الدولة” “غير شاكرة”، و”غير مقدرة”، معتبرة هذا الخطأ غير المقصود هو “ارادة الله” جلّ وعلى، وتأكيد على انه يقف معها في وجه اعدائها، مثلما قال احد انصارها على احد شبكات التواصل الاجتماعي.
فهذه الاسلحة وشحنات الادوية جاءت في الوقت المناسب، والمكان المناسب، حيث انهالت المساعدات العسكرية والطبية من امريكا وكردستان العراق وفرنسا على الاكراد المدافعين عن المدينة ومنع سقوطها، بينما تعاني قوات “الدولة” من بعض النقص في العتاد والذخائر.
*المفاجأة الثانية: اعلان السيد مولود شاوش اوغلو وزير الخارجية التركي في تصريح لمحطة تلفزيون “ان تي في” التركية الثلاثاء، ان المقاتلين من كردستان العراق لم يعبروا الحدود الى “عين العرب” انطلاقا من الاراضي التركية حتى الآن وان مفاوضات جارية في هذا الصدد، بعد ان اكد بعظمة لسانه قبل ثلاثة ايام، وعلقنا عليه في هذا المكان، ان بلاده لن تسمح بسقوط “عين العرب” (كوباني) وانها فتحت حدودها لقوات “البشمرغة” الكردية للدخول اليها.
لا نعرف الدوافع التي تكمن خلف هذا التراجع التركي، فهل هو الخوف من الميليشيا الكردية المدافعة عن (كوباني) ام من “الدولة الاسلامية” وانتقامها ام من الاثنتين معا؟ ولكننا نعرف تبعات هذا التراجع، واولها اتساع دائرة الخلاف مع الولايات المتحدة، بعض الدول المشاركة في التحالف الامريكي لاضعاف، ومن ثم القضاء على “الدولة الاسلامية”، وعودة قوية للاتهامات العربية والغربية التي تتهم تركيا بدعم “الدولة الاسلامية” بطرق مباشرة او غير مباشرة.
*المفاجأة الثالثة: اختيار السيد حيدر العبادي رئيس وزراء العراق الجديد العاصمة الايرانية “طهران” لكي تكون المحطة الاولى التي يزورها بعد توليه منصبه، واكمال تشكيل حكومته، الامر الذي سيفسر في اوساط معارضيه الكثر داخل العراق وخارجه، بأن الوضع لم يتغير في بغداد، وانه ما زال يسير على خطى سلفه السيد نوري المالكي، الامر الذي سيجعل من مخططاته لتشكيل قوات “حرس وطني” في المناطق السنية والعشائرية “صحوات”، ولكن “بتسمية جديدة” مسألة في غاية الصعوبة، كما سيخيب آمال الكثير من دول الجوار التي كانت تتوقع ان يكون رئيس الوزراء الجديد على مسافة واحدة مع الجميع، وليس حليفا قويا لايران، ونحن نتحدث هنا عن المملكة العربية السعودية ودول خليجية وتركيا على وجه الخصوص.
ما نريد قوله ان كل هذه المفاجآت الثلاث التي تعكس تخبطا واضحا من اللاعبين الدوليين والاقليميين على حد سواء حول كيفية التعاطي مع خطر “الدولة الاسلامية” باتت تدفع بحتمية العودة الى الازمة الاصلية، ومحاولة معالجتها اولا، وليس الذهاب الى اعراضها الجانبية.
هذه العودة لاصل الازمة يمكن رصدها في تطورين اساسيين من الصعب اغفالهما:
*الاول: دعوة المبعوث الخاص بالامم المتحدة الى سورية السويدي ستفان ميستورا الثلاثاء اثناء زيارته لموسكو الى حل “عاجل” للازمة السورية على خلفية “تهديد ارهابي متفاقم، مؤكدا اثناء لقائه سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي “ان الحل العسكري مستبعد وعلينا ان نحل هذه المشكلة بالحوار السياسي”.
*الثاني: نفي مصادر دبلوماسية روسية لقناة “الميادين” عقد اي صفقات من وراء الكواليس بين واشنطن ودمشق على حساب موسكو وطهران، وقالت “ان واشنطن تتمنى عقد صفقة مع الاسد لابعاد ايران وروسيا عن المنطقة لكن الرئيس السوري لم يوافق ابدا”.
لا نعرف اسباب هذا الحديث عن صفقة سرية بين الاسد وامريكا من وراء الكواليس، واذا كان ليس صحيحا فلماذا تقدم موسكو على نفيه، وتتعمد قناة “الميادين” الداعمة لايران وسورية ابرازه، اي النفي بهذه الطريقة؟ وهل يصح المثل الذي يقول “لا دخان من غير نار” في هذه الحالة؟
السيد الاخضر الابراهيمي (هل تتذكرونه) قال قبل ايام في محاضرة القاها في المعهد الملكي للدراسات الدولية (تشاتام هاوس) البريطاني الشهير، انه ليس هناك خطط للسلام بل الحرب، ولا خطط امريكية لضرب مواقع النظام السوري ولا احد يطالب باسقاطه ولا توجد انشقاقات في صفوفه.
الرسالة التي يريد الابراهيمي ايصالها هي ان النظام باق، وان عليكم التعاون معه، وان حدود “سايكس بيكو” راسخة اكثر مما يعتقد الكثيرون.
السيد الابراهيمي يعرف جيدا دهاليز السياسة الدولية ونوعية مطابخها، وعندما يقول هذا الكلام الخطير علينا ان نسمع ونحلل لنعرف ما هو المقصود منه، وماذا سيحدث بعده.
في الماضي القريب جدا كانت المعارضة السورية السلمية والمسلحة، تغضب كثيرا عندما يقول البعض لماذا تحظى هذه المعارضة بدعم امريكا وتسليحها ولا تفعل الشيء نفسه للفلسطينيين، في اشارة الى النفاق والازدواجية الامريكيين، الآن، وفصائل المعارضة السورية تعاني من التهميش الامريكي، وتشتكي من عدم دعوتها وممثليها الى مؤتمر دول التحالف الدولي ضد “الدولة الاسلامية” الذي انعقد اخيرا في باريس، باتت تتحدث عن النفاق الامريكي وتقول كيف تقدم واشنطن كل هذه الاسلحة الحديثة للمدافعين عن “عين العرب” وتستخدم طائراتها لقصف “الدولة الاسلامية” وتجمعاتها بينما لم تفعل الشيء نفسه لها؟
السؤال مشروع، وسبحان مغير الاحوال، ولكن ما هو غير مشروع هو الثقة في امريكا، ووضع كل البيض في سلتها، والرهان عليها، واعتبارها صديقة للعرب والمسلمين وتضع مصالحهم في عين الاعتبار.
***
الشيء الوحيد الذي يمكن ان نختم به هذه المقالة انه بعد شهرين من القصف الجوي الامريكي العربي المكثف ما زالت “الدولة الاسلامية” صامدة، وتتقدم وتزداد قوة، بينما استطاعت القوات والطائرات الامريكية احتلال العراق في ثلاثة اسابيع وليبيا بضعف هذه المدة، مما يؤكد ما قاله ليون بانيتا وزير الدفاع الامريكي السابق بأن الحرب ضدها ستستمر ثلاثين عاما، وكرر الكلام نفسه العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني اثناء لقائه يوم امس مع عدد من النواب الاردنيين.
المفاجآت ستستمر تفاجئنا في الاشهر، وربما السنوات المقبلة، ولا نستبعد ان تكون “غير سارة” لقادة دول المنطقة، والتحالف الامريكي الذي سارعت بالانضمام اليه للقضاء على “دولة” يعترف الجميع انهم اساءوا تقدير قوتها.
اهلا بالمفاجآت، سواء كانت “سارة” او “غير سارة” فلم يعد لشعوب المنطقة ما تخسره بعد ان تحولت معظم دولها الى دول فاشلة تسودها فوضى دموية لاسباب معروفة لا داعي لتكرارها.

الاردن “يمهد” لارسال “قوات خاصة” لقتال “الدولة الاسلامية” ان لم يكن ارسلها فعلا.. فما هو حجم المخاطرة؟ وما هي انعكاساتها على الجبهة الداخلية؟ وما هو المقابل السياسي والمادي؟

بعد اكثر من شهرين من القصف لمواقع “الدولة الاسلامية” سواء داخل الاراضي السورية لمنع قواتها من الاستيلاء على مدينة عين العرب (كوباني) شمال سورية او في مناطق عراقية في هيث والرمادي وتكريت وحديثه وغلاف بغداد، بات واضحا ان هذه المهمة التي تشارك فيها طائرات عدة دول، سواء بشكل مباشر او غير مباشر لم تحقق الا نجاح محدود للغاية، بات الحديث عن تدخل بري جنبا الى جنب مع التدخل الجوي يتصاعد خاصة في الاوساط الامريكية ويجد اصداء ملحوظة في المنطقة العربية.
في هذا الاطار يمكن اخذ تصريحات السيد خالد الكلالدة وزير الشؤون السياسية والبرلمانية في الحكومة الاردنية التي ادلى بها قبل ثلاثة ايام وقال فيها صراحة ان بلاده بصدد ارسال قوات ارضية لمحاربة قوات “الدولة الاسلامية” دون ان يعطي المزيد من التفاصيل في هذا الخصوص.
الطريقة الاردنية المتبعة في التمهيد لادوار عسكرية هنا وهناك تأتي دائما خجولة، وعلى لسان وزراء لا يتولون حقائب سياسية، الهدف منها اطلاق بالونات اختبار لقياس ردود فعل الرأي العام، واحيانا بهدف “تطبيع″ او تعويد” المواطنين الاردنيين على هذا النوع من الخطوات التي تجد معارضة قوية في اوساطهم، ويجب اخذ تصريحات الوزير الكلالدة في هذا الاطار حتى نستطيع ان نستقرأ الخطوة او الخطوات المقبلة.

***

لنكن اكثر صراحة ووضوحا في تناول امرين اساسيين يتعلقان بهذه المسألة: الاول ان الاردن لا يستطيع مخالفة اي طلب امريكي بارسال قواته الارضية للقتال على جبهات وفي مهمات تحدد له، فقد ارسل قوات اردنية تحت جنح الظلام للقتال الى جانب القوات الامريكية اثناء احتلال العراق عام 2003، بل ان القوات الامريكية التي دخلت بغداد انطلقت من الاراضي الاردنية، مثلما ارسلت قوات الى ليبيا كانت على رأس حربه في احتلال طرابلس واقتحام قاعدة العزيزية حيث مقر القيادة العسكرية للعقيد الليبي معمر القذافي، مثلما بادر بارسال قوات الى البحرين للمساندة في قمع الانتفاضة الشعبية التي جارت نظيراتها في دول عربية عديدة عام 2011 تحت عنوان ما اطلق عليه في حينها ثورات “الربيع العربي”، ولم يصدر اي اعلان رسمي حول هذه المشاركات، وجرى ابعاد الصحافة عن اي خوض فيها وطبيعتها.
اما الامر الثاني فيتعلق بالدور الوظيفي للاردن في القيام بأدوار عسكرية وسياسية بايعاز امريكي والحاح عربي، مقابل مساعدات مالية، فالاردن لا يملك ذهبا ولا نفطا، وموارده المالية شحيحة وعوائد السياحة تتناقص، وتتضخم ديونه العامة في المقابل، وهناك من يقدرها 25 مليار دولار في ظل عجز مزمن في الميزانية السنوية يصل الى ملياري دولار، والدعم المالي الخليجي يتراجع ويضمحل.
الاردن ارسل طائرات شاركت بقصف مواقع “الدولة الاسلامية” في سورية جنبا الى جنب مع طائرات امريكية وسعودية واماراتية، ولكنها تظل خطوة رمزية لان طائرات السلاح الجوي الاردني قديمة، ومعظمها انتهت صلاحيتها القتالية بالمقارنة مع نظيراتها الخليجية والغربية الاخرى، ولكن شهرة المؤسسة العسكرية الاردنية لم تكن قائمة على اسراب طائراتها الحربية وقواتها الجوية، وانما على قواتها الارضية المدربة تدريبا جيدا على اعمال الاقتحام.
العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني يتباهى امام زواره الخلص بأنه اسس، عندما كان في القوات المسلحة الاردنية، وقبل ان يتولى العرش فجأة اثر وفاة والده، وحدات قتالية يطلق عليها اسم “قوات النخبة الخاصة”، وتعتبر الاكثر ولاء له، والاشرس في العمليات القتالية، ويتم اختيار عناصرها بطريقة صارمة، ووفق معايير دقيقة تضمن تنفيذ الاوامر القيادية بشجاعة وتفان دون تردد، ولم يكن من قبيل الصدفة، وبسبب نجاح هذه القوات، ان تتم محاكاتها من قبل عدة دول عربية، بل والطلب من قيادتها تدريب قوات مماثلة، وابرز العناوين في هذا المضمار قوات الامن الفلسطينية في الضفة الغربية، ولاحقا قوات معارضة سورية.
اي مهمة قادمة للقوات الخاصة الاردنية في سورية والعراق قد تتلخص في عمليات التفافية خلف خطوط “العدو” وهو في هذه الحالة قوات “الدولة الاسلامية”، وهذه مهمة خطرة بكل المقاييس لان هذه القوات (الدولة) مدربة تدريبا جيدا، وقياداتها عملت تحت لواء الجيش العراقي السابق ووحداته الخاصة التي اسسها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، بمعنى آخر، ان كفاءتها القتالية لا تقل عن نظيراتها في الاردن ودول عربية اخرى، ان لم تكن تفوقها، علاوة على نزعتها الايمانية الاسلامية القوية وتسليحها الجيد (حصلت عليه من مخازن الجيش العراقي)، وفوق هذا وذاك يتطلع افرادها للشهادة فأقصر الطرق الى الجنة.
الاردن، وباختصار شديد، يقدم على “مقامرة” محفوفة بالمخاطر، لان قطاعا عريضا من رأيه العام يعارض مثل هذا التدخل، ليس من منطلق التعاطف مع “الدولة الاسلامية” باعتبارها وريثة تنظيم التوحيد والجهاد الذي اسسه ابو مصعب الزرقاوي الجهادي الذي يحظى بشعبية كبيرة في الاردن، وتقاتل باسم “السنة”، وانما ايضا من منطلق الكراهية لامريكا والغرب والشكوك في نواياهما، وكل خطوة يقدمان عليها باعتبارها تخدم في نهاية المطاف اسرائيل وتمزيق الامة العربية، فالكثيرون في الاردن لا ينظرون الى “الدولة الاسلامية” كمنظمة ارهابية، ويعتقدون انه طالما انها مستهدفة امريكيا وغربيا وتشكل خطرا على مصالحها فانها ليست ارهابية.
شيوخ الجهاد في الاردن مثل الشيخ ابو محمد المقدسي لم يستمع الى التحذيرات الرسمية التي جاءت اليه من جهاز المخابرات الاردني في مواجهة مباشرة، بعد استدعائه الى مقره في عمان، بعد التحريض من قبله ضد التحالف الامريكي، على موقعه على “التويتر”، وواصل توصيف هذا التحالف بـ”الصليبي” والدول المشاركة فيه بـ”دول الردة”، الامر الذي خلق مزاجا عاما مغايرا لما تريده الدولة، وقد يفسد عليها مشاركتها في الحرب، وهي حرب ستطول، وسيسقط فيها جنود قتلى من كل الجنسيات المشاركة حتما، والقوات الاردنية لن تكون استثناء، فاذا كان ليون بانيتا وزير الدفاع الامريكي الاسبق يؤكد ان هذه الحرب ضد “الدولة الاسلامية”، وفي كتاب جديد صدر له، ستستمر ثلاثين عاما على الاقل، فهل يستطيع الاردن تحمل تبعات ذلك، ويواصل تقديم التضحيات، وربما الكثير من القتلى والجرحى طوال هذه المدة؟
***
زرت الاردن قبل شهر تقريبا، والتقيت الكثير من القيادات الدينية المؤيدة للجماعات الجهادية، وتنظيمي “الدولة الاسلامية” و”النصرة”، مثلما التقيت بالمعارضين الشرسين لهما، والانطباع الذي خرجت به من هذه اللقاءات ان اعداد الجهاديين الاردنيين في العراق وسورية اكثر من الفي مقاتل على الاقل وهو في تصاعد مستمر، وعلينا ان نتذكر جيدا ان الاردن يحاذي جبهتي القتال الملتهبة حاليا، وقوات الدولة والنصرة معا تقف على بعد بضعة كيلومترات من حدوده، والاهم من ذلك ان قتال القوات الامريكية والمتحالفة معها يأتي على قدم المساواة مع قتال قوات الجيش السوري ان لم يكن اكثر اولوية بالنسبة اليهما، ومن يتابع حسابات قادة الجهاديين على مواقع التواصل الاجتماعي، بأسماء صريحة او مستعارة، يدرك هذه الحقيقة جيدا.
لا نعرف متى سترسل المؤسسة السياسية الاردنية “قواتها الخاصة” الى جبهات القتال، وقد تكون ارسلت فعلا، وتقاتل حاليا في عين العرب او الفلوجة، ولكن ما نعرفه ان هذه الخطوة ستكون محفوفة بالمخاطر لما لها من انعكاسات على الجبهة الداخلية الاردنية وتماسكها مع وضعنا في عين الاعتبار قوة وصلابة وخبرة اجهزة الامن الاردنية، فقوة هذه الاجهزة داخليا شيء، وقدراتها في الخارج، وفي جبهات بعيدة وارض غير صديقة شيء آخر مختلف تماما.
الاردن يلعب بالنار، ولكنها نار مختلفة هذه المرة وتزداد لهيبا وقد تحرق طرف ثوبه، او معظمه، والامريكان كعادتهم دائما يهربون من المنطقة اذا وجدوا ان الخسارة كبيرة او وشيكة، هكذا فعلوا في الصومال والعراق وقريبا في افغانستان، وهكذا سيفعلون في سورية، والمأمول ان تدرك القيادة الاردنية حجم “المقامرة” او “المغامرة” التي يدفعها الامريكي وحليفه العربي اليائس نحوها، وتبادر الى التدقيق جيدا في حساباتها، وتجنب التورط بقدر الامكان على غرار ما حدث في سورية، او بالاحرى في الحدود الدنيا، ونحن في كل الاحوال ضد هذا التورط، وضد هذا التحالف “الاعور” الذي لم يتدخل مطلقا لصالحنا، وصالح ضحايانا الذين تذبحهم الطائرات والقوات الامريكية والاسرائيلية بصفة دورية.

الواعظ توني بلير عندما يحاضر علينا في التعايش والتسامح وهو الذي بذر بذور الطائفية السامة وحلفاؤه العرب والامريكان واوصلونا الى حالة الانهيار الراهنة

من سخريات القدر ان يخرج علينا توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الاسبق محاضرا حول كيفية احترام الاديان ومحاربة جذور التطرف من خلال شن حملة عالمية مدروسة مثلما قال في مقالة نشرها (الاربعاء) على موقع شبكة “بي بي سي”.
بلير الذي يشغل حاليا منصب مبعوث اللجنة الرباعية للسلام في الشرق الاوسط يتحول فجأة الى واعظ ينشر قيم الفضيلة والعدالة، ويطالب باجتثاث فكر المتطرفين وليس مجرد تعطيل اعمالهم فقط لان الحرب على الارهاب يتطلب الانخراط في معركة الافكار لانه من الحماقة انفاق المليارات من الدولارات على معركة عسكرية مع التطرف الاسلامي وترك التعصب دون عائق.
التطرف في نظر بلير هو التطرف الاسلامي فقط الذي يريد شن حرب مزدوجة فكرية وعسكرية لمواجهته، ولا ينطق بكلمة واحدة في حق نظرائه في الاديان الاخرى، والاسباب الحقيقية التي تؤدي الى صعوده واستفحاله.
فالمستر بلير لم ينطق مطلقا، وعلى مدى ما يقرب من العشر سنوات، من وجوده في القدس المحتلة كمبعوث للسلام، بكلمة واحدة عن التطرف اليهودي على سبيل المثال لا الحصر، الذي يتجلى في ابشع صوره واشكاله في عمليات اقتحام المسجد الاقصى، وتقسيم الحرم الابراهيمي، والاعتداء على المواطنين الفلسطينيين العزل وقلع اشجار زيتونهم واطلاق النار عليهم.

***

الواعظ بلير الذي يقرع طبول الحرب ضد “الدولة الاسلامية” هو وصديقه جورج بوش الابن الذي وفر البيئة الحاضنة لميلاد هذه الدولة وتوسعها عندما غزا العراق وقتل مليون من ابنائه، ويتّم اكثر من اربعة ملايين طفل وبذر بذور الفتنة الطائفية في ارضه ونسيجه الاجتماعي والسياسي، ويرفض حتى هذه اللحظة الاعتراف بخطئه والاعتذار عنه.
العراق الذي دمره بلير تحت اكذوبة اسلحة الدمار الشامل، كان من اكثر الدول محاربة للتطرف بشقيه السني والشيعي معا، وضرب مثلا في التعايش بين المذاهب والاديان، ففي الوقت الذي كان يتقاتل فيه الكاثوليك والبروتستانت في ايرلندا الشمالية، ويخوضان حربا دموية ضد بعضهما البعض كان العراقيون والسوريون يتزاوجون وينصهرون في بوتقة التسامح والتعايش، وكان السؤال عن مذهب الشخص من المحرمات مع استثناءات قليلة جدا.
لم يكن من قبيل الصدفة ان جميع الدول العربية التي تدخل فيها بلير وحلفاؤه الامريكان والعرب، وحولوها الى دول فاشلة، تسودها الفوضى الدموية هي تلك الدول التي اوصدت ابوابها في وجه الفتن الطائفية، وحصنت مجتمعاتها من امراضها، من خلال انظمة تعليمية منفتحة تكرس التسامح الديني، واحترام الاخر وعقيدته.
الاحتلال الامريكي هو الذي ادخل المحاصصة الطائفية الى العراق، وهو الذي انحاز الى طائفة ضد اخرى، وحل الجيش العراقي الذي كان يجسد الهوية العراقية الموحدة الجامعة، وبتشجيع ومباركة حلفاء امريكا من العرب الذين يصيغون مواقفهم وسياساتهم انطلاقا من عقيدة ثأرية، وليس وفق معايير التسامح والتآخي والمصالح المشتركة.
نعم التدخل العسكري الذي يقوده التحالف الامريكي الحالي لن يهزم “الدولة الاسلامية”، وان الآلاف وربما مئات الآلاف من البشر الذين سيخسرون ارواحهم من جراء صواريخه وقذائف طائراته ستذهب سدى لان هذا التدخل لم يأت من اجل القضاء على التطرف وانما لتعميقه واعطائه قوة اضافية توسع دائرته، لانه يبدو في نظر شريحة واسعة من ابناء المنطقة حربا صليبية ضد الاسلام والمسلمين، وكل من ينضم اليه من العرب والمسلمين من قوى الردة، ولكن يبدو ان المستر بلير وحلفاءه العرب لا يقرأون ادبيات هذه الشريحة على مواقع التواصل الاجتماعي.
***
الذين يحاربون في صفوف “الدولة الاسلامية” ويقودون معاركها وحروبها في العراق وسورية، هم من “اجتثهم” الاحتلال الامريكي وحلفاؤه، وهمشهم تحت ذرائع متعددة، واسقط عنهم هويتهم العراقية، لانهم كانوا وما زالوا يعتزون بهويتهم العربية الجامعة العابرة للطوائف، والساعين من اجل تعايش الجميع تحت مظلة هذه الهوية.
الذين يطالبون حاليا “بحرب عقول”، ومواجهات فكرية ضد التطرف ومنظماته وجماعاته، تسير جنبا الى جنب مع قصف الطائرات والصواريخ، تأخروا كثيرا، لان نشوة الانتصار الكاذبة اعمتهم عن رؤية الحقائق المرة على الارض، والنمو السريع للتوجهات المتطرفة على جانبي السور الطائفي في الدول العربية، والعراق وسورية خصوصا.
من المؤسف ان بضاعة بلير وحلفائه الامريكيان والعرب المغشوشة، بل والمسمومة، تجد اسواقا رائجة في اوساط الحكومات العربية، يجني من ورائها عشرات الملايين من الدولارات، ويفرش له الاغبياء العرب السجاد الاحمر في المطارات، ويعينونه مستشارا رفيع المستوى مكافأة له على الدمار البشري والمادي الذي سببته حروبه في منطقتنا، واوصلتنا الى حالة الانهيار هذه.
هؤلاء العرب الاغبياء قصيرو النظر الذين يهدرون ثرواتنا، ويدمرون بلداننا ويتعاملون مع سماسرة الحروب من امثال توني بلير لا يستحقون الا المنظمات المتطرفة التي تعرف كيف تتعامل معهم وفسادهم، ليس المعتدلين والليبراليين ومن لف لفهم.

السعودية تتهم ايران بـ”احتلال” سورية.. وايران تطالبها بالانسحاب من البحرين.. والصراع بينهما دمر المنطقة وفتتها جغرافيا وطائفيا.. فهل من حل؟

عبد الباري عطوان

تصاعد الخلاف السعودي الايراني احد الاسباب الرئيسية لحالة الانهيار التي تعيشها منطقة الشرق الاوسط برمتها، وابرز عناوينها تفاقم الصراع الطائفي، وصب الغرب المزيد من الزيت على نار هذا الصراع، والتدخل عسكريا في شؤونه.
الدولتان تخوضان حربا بالنيابة في سورية والعراق واليمن ولبنان وفلسطين، وشعوب المنطقة تدفع ثمنا باهظا لهذا الصراع من ثرواتها ودماء ابنائها، ووحدة اراضيها، واستقرارها الداخلي، ومن المؤسف انه لا يلوح في الافق اي مؤشر على احتواء هذا الصراع من خلال اتفاق بين هاتين الدولتين المتصارعتين.
الولايات المتحدة الامريكية تعرف كيف تلعب على حبال هذا الصراع السعودي الايراني، وبما يحقق اهدافها وطموحاتها في الهيمنة واضعاف الجانبين، وبيع صفقات اسلحة تبقي صناعتها العسكرية في حال اشغال دائم بما ينعش الاقتصاد الامريكي التمأزم.
الخلاف السعودي الايراني ليس وليد الساعة، ويعود بجذوره الى اسقاط الثورة الاسلامية الايرانية للشاه محمد بهلوي عام 1979، وتفاقم بعد كشف النقاب عن الطموحات النووية الايرانية، وبلغ ذروته على ارضية الازمة السورية الحالية، وخسارة السعودية للعراق كدولة رادعة بعد الاحتلال الامريكي له.
القيادة السعودية تريد اسقاط نظام الرئيس السوري بشار الاسد بكل الطرق والوسائل، وتوظف كل امكانياتها المادية وتحالفاتها الاقليمية، والدولية، من اجل هذا الهدف، والقيادة الايرانية تسعى في المقابل لافشال هذا الطموح السعودي، وحققت نجاحا ملموسا في هذا الصدد حتى الآن على الاقل، بدليل ان الرئيس الاسد هو الوحيد الذي واجه “ثورة” في اطار ما يسمى بالربيع العربي، وما زال في قمة السلطة في بلاده بفضل الدعم الايراني، المادي والبشري، واستطاع ان يحقق بعض المكاسب على الارض رغم ضخامة الهجمة وحجم القوى المقاتلة على الارض لاسقاطه.
***
بالامس انفجر الصراع علنا بين السعودية وايران بعد فترة من الهدوء، عندما دعا الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي ايران الى سحب قواتها “المحتلة” من سورية، وطالب اليمنيين الى عدم خدمة اطراف اجنبية (ايران) على حساب مصلحة بلادهم، فرد السيد حسين عبد اللهيان نائب وزير الخارجية الايراني الصاع صاعين عندما طالب السعودية بدوره بسحب قواتها من البحرين لان هذا، حسب رأيه، “سيسهم في ايجاد حل سياسي في هذا البلد، وايقاف قمع الشعب، وبدء الحوار الوطني”.
ويبدو اننا على ابواب حرب اعلامية شرسة بين البلدين تتناطح فيها الامبراطوريات الاعلامية الضخمة التي تملكها البلدان، فاليوم ذهب السيد علاء الدين بروجردي رئيس لجنة الامن والسياسة الخارجية في ايران خطوة ابعد عندما “شخصن” الخلاف، واخرجه عن طابعه السياسي ووصف تصريحات وزير الخارجية السعودي بانها “ناتجة عن مرضه وشيخوخته”، واضاف ان كلمة “احتلال” تليق بالسعودية نفسها لانها وظفت مشروع درع الجزيرة ضد الشعب البحريني المظلوم”.
لا نعرف الى اين سيصل هذا الصراع، ولكن كل ما نعرفه ان البلدين يتحملان مسؤولية حالة الانهيار والحروب التي تمر بها المنطقة حاليا، وتستنزف ثرواتها وتسفك دماء ابناء، وتحول معظم دولها الى دول فاشلة تعمها فوضى دموية، وحروب اهلية قبلية وطائفية ومناطقية وعرقية.
قبل بضع سنوات كنا نسمع عن مؤتمرات وندوات للحوار بين المذاهب والاديان، على المستويين المحلي والدولي، الآن نشاهد صدامات وحروب بين هذه المذاهب، واعمال تحريض طائفي غير مسبوق، بل والاكثر من ذلك تقارب مع اسرائيل وامريكا اللذين من المفترض انهما العدو الاول للعرب والمسلمين، الامر الذي سمح للاولى (اي اسرائيل) استغلال حالة الانهيار هذه للعدوان على قطاع غزة واقتحام المسجد الاقصى، وتقسيمه زمنيا بين اليهود والمسلمين تمهيدا لتقسيمه جغرافيا على غرار ما حدث للحرم الابراهيمي في مدينة الخليل.
من الصعب ان تنتصر السعودية في سورية، ومن شبه المستحيل ان تنتصر ايران في اليمن، والطرفان وان تباعدا، قد لا يهزما “الدولة الاسلامية” في المستقبل المنظور حتى لو جاءت كل طائرات العالم الحربية للمشاركة في التحالف الامريكي، والا لانتصر هذا التحالف في العراق وافغانستان وليبيا واكرانيا، ولا نبالغ اذا قلنا ان هذه الدولة التي باتت شغل العالم بأسره ولدت من رحم الصراع السعودي الايراني وسياساتهما الطائفية الخاطئة وقصيرة النظر.
واذا تحقق الانتصار لاي منهما سيكون مؤقتا وفوق كل ذلك مكلفا جدا، وبعد سنوات وربما عقود من الاقتتال، فالحسم لم يعد عملية سهلة في الحروب السياسية، او العسكرية، وحتى لو تحقق، فانه قد يأتي بنتائج اكثر خطورة او سيكون مؤقتا فنحن في زمن عنوانه التوافق والتعايش والا فلبديل دموي.
امريكا تقصفنا بطائراتها من الجو ونحن نخسر على الارض، وستعود هذه الطائرات الامريكية الى “اعشاشها” في يوم ما، وتترك لنا الدمار والموت والحروب الاهلية والطائفية، مثلما فعلت بعد كل هزائمها في افغانستان والعراق وقبلهما فيتنام.
المخرج من هذه الدوامة القاتلة هو الحوار المسؤول والبناء بين هاتين القوتين الاقليميتين العملاقتين، ووضع كل الخلافات على الطاولة، والتوصل الى تفاهمات تنهي هذا الصراع الدموي قبل ان تفنى المنطقة واهلها.
فمن غير المنطقي ان يتحاور العرب مع الاسرائيليين، ويتواطأ بعضهم معهم، وتتوصل ايران الى صفقة سرية حول برنامجها النووي تنهي العداء مع امريكا جزئيا او كليا، بينما يتواصل الصراع السعودي الايراني “العبثي والتحشيد الطائفي الاداة التدميرية الرئيسية المستخدمة فيه.
***
ثرواتنا كعرب ومسلمين تهدر في القتل والتدمير وانقاذ الاقتصاد الغربي من عثراته، وليس في البناء والتعليم والصحة وخلق الوظائف لملايين العاطلين عن العمل من شبابنا، وبناء بنى تحتية اقتصادية صلبه تفيد اجيالنا الحالية والقادمة.
اسعار النفط تتهاوى، والاعتماد الغربي والشرقي على نفوطنا يتراجع بسبب البدائل الاخرى، والميزانيات العامة بدأت تشتكي من العجوزات، وهذه كلها وصفة لكارثة قادمة عنوانها انتشار التشدد في صفوف الشباب المسلم.
ربما يرى البعض ان طرحنا لمبدأ الحوار في ظل حالة الاحتراب التي تعيشها المنطقة يبدو تغريدا خارج السرب، وينطوي على سذاجة، وليكن، فلا بد من صرخة الم، وقرع طبول الحكمة والتعقل، لعل النيام يفوقون من نومهم الذي طال واوصلنا الى ما نحن فيه من كوارث وحمامات دم.

الخوف من دولة البغدادي الاسلامية هو سبب اعادة اعمار قطاع غزة والعودة للمفاوضات.. ومهرجانات الفرح باعتراف البرلمان البريطاني بدولة فلسطينية ضحك على ذقون الفلسطينيين.. وهذه هي اسبابنا!

عبد الباري عطوان
من يتابع الضجة الاعلامية الكبرى التي تسود المنطقة العربية هذه الايام والمتحورة حول اعتراف السويد بالدولة الفلسطينية، وتصويت البرلمان البريطاني المتوقع غدا (الاثنين) للامر نفسه يعتقد ان هذه الدولة قائمة فعلا، ولا ينقصها غير هذه الاعترافات فقط.
المسألة وبكل بساطة لا تتعدى كونها “حقنة” تخديرية اخرى للشعب الفلسطيني والعالم الاسلامي بأسره، تذكرنا بتجارب ووعود مماثلة كثيرة جدا صفقنا لها بحرارة، وبنينا عليها آمالا عريضة، وانتهينا بخيبة امل وخديعة الواحدة تلو الاخرى في اطار مسلسل طويل من الاهانات والاكاذيب، ويبدو اننا سنظل نلدغ من نفس الثعبان ومن نفس الجحر طوال الوقت، وممنوع علينا ان نصرخ الما والا فنحن ارهابيون.
عندما اراد جورج بوش الاب “تخدير” العرب قال انه سيحل القضية الفلسطينية بعد اخراج القوات العراقية من الكويت، وخرجت القوات فعلا، وجرى تدمير معظمها ذبحا بصواريخ الطائرات الامريكية وهي منسحبة ذليلة من الكويت في شباط (فبراير) عام 1991، على طريق المطلاع المؤدي الى البصرة، وفشل مؤتمر مدريد للسلام الذي عقده الرئيس بوش في زفة دولية وعربية، والشي الوحيد الذي اسفر عنه هو صدق نبوءة اسحق شامير رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي رأس وفد بلاده بأنه سيظل يتفاوض لاكثر من عشرين عاما دون ان يتنازل عن مليمترا واحدا من الاراضي المحتلة، ودون ان يتوقف لحظة عن مواصلة الاستيطان.
حاول خلفه بيل كلينتون الشيء نفسه، وعقد مؤتمر آخر للسلام في كامب ديفيد عام الفين ليتبين لنا ان الهدف منه “تسويق” دولة فلسطينية “مسخ” بدون سيادة وبدون القدس عاصمة لها، وعندما جاء جورج بوش الابن، واراد غزو العراق واحتلاله تعهد باقامة دولة فلسطينية مستقلة قبل نهاية ولايته الاولى عام 2005، وبعد الانتهاء من حكم صدام حسين، وانتهت الولاية الاولى والثانية وجرى اعدام صدام حسين ورفاقه، وتدمير العراق وتفتيته طائفيا، وتقسيمه جغرافيا، وتحويله الى دولة فاشلة والدولة الفلسطينية ما زالت في رحم الغيب، بل لم تبق اراض لكي تقام عليها.
***
الآن حلت “الدولة الاسلامية” وخطرها على الغرب وحلفائه في المنطقة مكان صدام حسين، وخطره، ولان هذه الدولة باتت تستقطب الشباب العربي المحبط، وتحقق الانتصار تلو الانتصار وتستولي على المزيد من الاراضي (آخرها عين العرب) في سورية والعراق رغم الضربات الجوية المكثفة، عادت امريكا وحلفاؤها الغربيون الى اسطوانة الدولة الفلسطينية المستقلة، المشروخة مرة اخرى، وللأسف تجد من يصدقها من ابناء جلدتنا، والرئيس الفلسطيني محمود عباس والمجموعة المحيطة به على وجه الخصوص، ويعتبرون مجرد هذا الاعتراف “الرمزي” الذي لا يفرض اي التزام على الارض انتصارا كبيرا يستحق التصفيق والرقض في ميدان المنارة في رام الله طربا له، تماما مثلما رقص بعض المخدوعين بسياساته عندما عاد من الامم المتحدة قبل عام مزهوا بحصوله على دولة مراقب، ووعدنا بأنه سيستخدم هذا الانجاز لمطاردة مجرمي الحرب الاسرائيليين وهو ما لم يفعله ولن يفعله، “ولو بدها تشتي لغيمت”.
الغرب يعرف جيدا نفسية العرب والمسلمين، مثلما يعرف ان “الاشياء الصغيرة تبث السعادة في العقول الصغيرة”، مثلما يقول المثل الانكليزي الشهير، ولهذا بدأت الاعترافات تتوالى وتتسع، وبدأت معها مهرجانات الفرح في اكثر من عاصمة عربية، وتناسلت معها المقالات والتصريحات حول اهمية هذا الاختراق السياسي العظيم.
الامر وبكل بساطة هو انه مثلما نجحت حركة المقاومة الاسلامية “حماس″ في مليء “الفراغ الجهادي” الذي خلقته حركة “فتح” بتخليها عن المقاومة بوقوعها في مصيدة “السلام المغشوش”، فان هناك مؤشرات على بروز ظاهرة الاسلام المتشدد في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة الذي يهدد بمليء الفراغ الذي سيترتب على “اعتدال” حركة حماس المتوقع، وميلها نحو “الحل التفاوضي” وتسليمها السلطة بالكامل في قطاع غزة لتيار اوسلو بعد ان انهكها وحكمها الحصار الاسرائيلي العربي الخانق، ووجود توقعات امريكية باستمرار الحرب ضد “الدولة الاسلامية” و”ارهابها” لاكثر من ثلاثين عاما.

لنفترض جدلا ان خطة اعمار غزة التي تبحث في مؤتمر القاهرة ليس لها علاقة بالخوف من “الدولة الاسلامية” وتمددها مثلما يجادل البعض، فان السؤال الذي يطرح نفسه حول الثمن الذي تريده امريكا من الفلسطينيين وحركة حماس على وجه التحديد مقابل هذه الاموال التي ستدفعها لاعادة الاعمار والدول الغربية الاخرى، هل هو رأس المقاومة، هل هو نزع سلاحها، ام ماذا تريد؟ لان لا شيء تدفعه امريكا بدون مقابل، ثم لماذا لم تمثل الفصائل الفلسطينية المقاومة في هذا المؤتمر مثل “حماس و”الجهاد”، والجبهة الشعبية والديمقراطية وغيرها، وهي الفصائل التي صمدت وانتصرت على العدوان الاسرائيلي الاخير.

المعلومات الواردة من قطاع غزة والضفة تفيد ان تنظيمي “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” يحظيان بتأييد كبير في اوساط الشباب الاسلامي الفلسطيني المحبط من “فتح” و”حماس″ معا، وان خلايا تابعة للتنظيمين بدأت تتبلور وتنمو خاصة في “الخليل” ومحيطها في الضفة الغربية ومدينة رفح في القطاع، وهذا ما يفسر حالة الهلع الغربية الحالية التي تتمثل في الضغط على حكومة نتنياهو لتخفيف الحصار والسماح لعدد اكبر من العمال من الضفة وقطاع غزة من العمل داخل ما يسمى بالخط الاخضر، وتنظيم مؤتمر دولي يشارك فيه وزراء خارجية 30 دولة لاعادة اعمار قطاع غزة بدأ اعماله اليوم في القاهرة برئاسة جون كيري وزير خارجية امريكا ورعاية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.
الدول الغربية وعلى رأسها امريكا ادركت ان الحصار على القطاع بدأ يعطي نتائج عكسية تماما، ولهذا جرى التحرك بسرعة لامتصاص حالة الغضب المتفاقمة الناجمة عنه، وعن العدوان الاسرائيلي الاخير الذي ادى الى استشهاد اكثر من الفي انسان ربعهم من الاطفال، وتشريد اكثر من مئتي الف آخرين من جراء تدمير منازلهم، من خلال ضخ بضعة مليارات من الدولارات كرشوة لاعادة احياء عملية السلام واعادة السلطة الى مائدة المفاوضات بشروط اسرائيلية بعد ان ملّ المفاوضون الفلسطينيون من “البطالة” وباتوا يحنون للقاء نظرائهم الاسرائيليين.
الرعب من الاسلام السياسي المتشدد هو الذي يقف وراء كل هذه التحركات الدبلوماسية الغربية، وليس براعة الرئيس محمود عباس، او الجهود العربية الرسمية، فالعرب نسوا فلسطين، وصمتوا على تقسيم الاقصى، مثلما صمتوا على تقسيم الحرم الابراهيمي، وتغول الاستيطان، بل وتواطأوا علنا مع العدوان الاسرائيلي الاخير على قطاع غزة، ومن يقول غير ذلك يخدع نفسه ويعيش في عالم آخر غير عالمنا.
المنطقة العربية تقف الآن على فوهة بركان، واسرائيل باتت محاصرة بالفوضى والتطرف والدول الفاشلة او شبه الفاشلة، واحتمالات تسخين او حتى اشتعال جبهة جنوب لبنان، وجنوب غرب سورية واردة بل ربما حتمية، والغرب لا يهمه غير اسرائيل وامنها الذي يحظى بالاولوية بالنسبة اليه.
للذين يهللون للاعتراف البريطاني بالدولة الفلسطينية الوهمية نقول ان هذا الاعتراف بلا اي قيمة حقيقية، وان ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا الذي ادار وجهه عن ذبح الاطفال الفلسطينيين في قطاع غزة، واعتبر هذا الذبح حق اسرائيلي شرعي في الدفاع عن النفس، لا يمكن ان يؤيد قيام الدولة الفلسطينية عمليا، فالغرب لا يتحرك الا عندما تتهدد مصالحه، مثلما يحدث في العراق وسورية حاليا، وهو ليس جمعية خيرية، ولا يعير اي اهتمام للضعفاء الاذلاء.

عندما يحرك هؤلاء طائراتهم للتصدي للعدوان الاسرائيلي، مثلما فعلوا لحماية الاكراد في اربيل وعين العرب، وبادروا بقصف الدبابات الاسرائيلية التي تزحف نحو قطاع غزة، وتقتل الابرياء العزل، وتمنع الطيران الاسرائيلي من سحق الاطفال على شاطيء مدينة غزة، في هذه الحالة فقط، نقول ان هناك تغييرا حقيقيا بات يتبلور في السياسات الغربية نحو القضية الفلسطينية واهلها، اما غير ذلك فضحك على الذقون.

***
نذّكر الذين يهللون لاعتراف البرلمان البريطاني بدولة فلسطينية بأن بريطانية هي المسؤول الاول عن كارثة فلسطين، وان وعد بلفور الذي صدر قبل مئة عام، واكرر قبل مئة عام، اعطى الفلسطينيين الحق في اقامة وطنهم ودولتهم على قدم المساواة مع اليهود، وان قرارات التقسيم الصادرة عن الامم المتحدة كرست هذا الحق ايضا رغم اجحافه، فماذا حدث بعد ذلك؟ الاستمرار في دعم العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني وبطرق اكثر شراسة، والهاء الفلسطينيين والعرب بخطوات صغيرة مثل دولة عضو مراقب، او حل الدولتين، مقابل القاء السلاح والتجاوب مع كل الشروط الاسرائيلية.
شكرا للسويد وللبرلمان البريطاني، نحن مللنا من “الحقن التخديرية” والحركات البهلوانية ولا نريد اعترافكم هذا الذي لا يقدم ولا يؤخر، وانما يكشف ان هناك من يعتقد اننا ما زلنا اغبياء وسذج، يمكن خداعنا والضحك علينا بسهولة، فاذا كان البعض منا اغبياء ويتمتعون بذلك، ويفتقدون الى الحد الادنى من الكرامة والوطنية ويرضون بالصغائر فان الغالبية الساحقة من الامة وشبابها ليسوا كذلك، والايام بيننا.

القلق السوري الايراني يتفاقم بعد موافقة امريكا المبدئية على مطالب اردوغان اقامة مناطق عازلة وحظر جوي.. فهل اقتربت الحرب الاقليمية؟ وهل ستكون اسرائيل احد اطرافها؟

يبدو ان الولايات المتحدة الامريكية وحلفاءها الغربيين (فرنسا وبريطانيا) رضخوا لشروط الرئيس التركي رجب طيب اردوغان باقامة منطقة عازلة على طول الحدود التركية السورية داخل اراضي الاخيرة في محاولة من جانبهم اقناعه بالدخول في الحرب ضد “الدولة الاسلامية”.
وزارة الدفاع الامريكية اعترفت اليوم ان الضربات الجوية الامريكية في سورية لن تكفي لانقاذ كوباني، وهذا يعني ضرورة تدخل قوات برية لمواجهة “الدولة الاسلامية” ووقف تقدمها، او بالاحرى اخراجها من المناطق التي سيطرت عليها داخل المدينة ورفعت علمها الاسود عليها، وليس هناك غير الجيش التركي، سابع اكبر جيش في العالم للقيام بهذه المهمة.
***
الرئيس اردوغان الذي يواجه حاليا خيارات صعبة فيما يتعلق بتطورات الاوضاع في سورية والعراق، عرض ثلاثة مطالب اساسية على امريكا كشرط لدخول الحرب ضد “الدولة الاسلامية”:
*الاول: اقامة منطقة عازلة داخل الحدود السورية المحاذية للحدود التركية، وهي مناطق كردية مما يعني حرمان الاكراد السوريين كليا من حلم الاستقلال او الحكم الذاتي، ومنع حزب العمال الكردستاني من استغلال هذا الشريط كنقطة انطلاق لشن عمليات في العمق التركي.
*ثانيا: اقامة منطقة حظر جوي في شمال سورية وغربها على غرار مناطق مماثلة في العراق وليبيا، الامر الذي يشل فاعلية الطيران السوري، ويؤسس لجيب سوري مستقل تديره المعارضة.
*ثالثا: تدريب مكثف للمعارضة السورية “المعتدلة” وتسليحها بأسلحة فتاكة.
الرئيس اردوغان يريد اطاحة النظام السوري اولا، او الاشتراك في حرب ضده وضد “الدولة الاسلامية” معا، وبذلك يشفي غليله، ويثبت مصداقيته، ويلبي التعهدات التي قطعها على نفسه علانية في هذا الصدد.
الادارة الامريكية التي تتعرض لانتقادات كثيرة بسبب ضرباتها الجوية غير الفاعلة، لا تريد ان تخسر الانتخابات النصفية في الشهر المقبل، ولذلك اعلن جون كيري وزير الخارجية الامريكي ونظيره البريطاني فيليب هاموند ان بلديهما على “استعداد” لبحث فكرة اقامة منطقة عازلة على الحدود بين تركيا وسورية.
قبول امريكا وحلفائها بشروط اردوغان يعني اعلان حرب على سورية في نظر النظام في دمشق وحلفائه الايرانيين، وربما الروس ايضا، لان هذا النظام الذي صمت على الغارات الجوية الامريكية داخل حدوده التي تشكل انتهاكا لسيادته، قد يجد من الصعب عليه الوقوف مكتوف الايدي ازاء اقامة مناطق عازلة وحظر جوي داخل حدوده، وهذا ما يفسر تأكيد السيدة مرضية افخم المتحدثة باسم الخارجية الايرانية استعداد ايران لتقديم الدعم اللازم بشأن عين العرب (كوباني)، اذا ما تقدمت السلطات السورية بطلب في هذا الخصوص، لان “كوباني” جزء من السيادة الوطنية والاراضي السورية.
القلق السوري الايراني المشترك انعكس في خطوتين مهمتين اتخذها البلدان في الاسابيع الثلاثة الماضية:
*الاولى: الزيارة التي قام بها الى دمشق الجنرال قاسم سليماني الرجل القوي في ايران وقائد فيلق القدس ولقائه بالرئيس بشار الاسد، وتزامن هذا اللقاء مع انباء عن نقل ايران صواريخ وقنابل هاون للميليشيات التي تدعمها وتقاتل الى جانب قوات النظام السوري ضد الجماعات المعارضة المسلحة، وطائرات بدون طيار، ونشر 2000 من الحرس الثوري الايراني الى الاراضي السورية.
*الثانية: التفجير الذي استهدف دورية اسرائيلية في مزارع شبعا المحتلة في جنوب لبنان، واعلان حزب الله مسؤوليته عنه، فهذا التفجير الذي جاء امس بعد فترة هدوء على هذه الجبهة طال لسنوات، هو رسالة لاسرائيل وامريكا والدول الغربية مجتمعة، تقول بأن ايران ستنتقم من اي محاولة لاسقاط النظام السوري ليس بمحاربة من يقفون خلفها فقط، وانما بفتح حرب على اسرائيل واطلاق آلاف الصواريخ على مدنها ومستوطناتها، والاكثر من ذلك تحرير مناطق في الجليل الاعلى المحتل.
***
لا شك ان ادارة الرئيس اوباما التي ترددت طويلا، ولاكثر من ثلاث سنوات، في الوقوع في مصيدة التدخل العسكري في سورية تجد نفسها الآن امام خيارات لا تقل صعوبة عن خيارات حليفها التركي الذي يدفع بها بقوة للتخلي عن حذرها وترددها والتجاوب مع اهدافه في اطاحة النظام السوري اولا.
حزب الله يستطيع لو اراد، وبضوء اخضر من ايران، وتضامنا مع حلفائه في دمشق ان يشعل فتيل هذه الحرب ويطلق عشرات الآلاف من الصواريخ على تل ابيب وما بعد تل ابيب، لانه يدرك جيدا، ان سقوط النظام السوري يعني سقوطه، وقطع الشريان الحيوي الايراني الذي يمده بالسلاح والدعم المالي، ومعه كل منظومة دول الممانعة حسب ادبياته.
الحرب على “الدولة الاسلامية” ستتحول تدريجيا الى حرب ضد النظام السوري، وسقوط “عين العرب” يعني انفجار القنبلة الكردية في وجه الرئيس اردوغان وعودة جيشه الى المواجهات الدموية مجددا.
منطقة الشرق الاوسط كلها تقف امام عملية تغيير جذرية وقد لا يسلم من جرائها احد، انظمة ستسقط واخرى ستنشأ، وحدود ستتغير، وما زلنا في بداية الطريق، او بالقرب من المحطة الاولى، ولا احد يعرف اين وكيف ستكون المحطة الاخيرةن والعنصر “المفجر” اسمه “الدولة الاسلامية”، وكلمة السر عين العرب “كوباني”.

الاستيلاء على “عين العرب” وسط قصف جوي كثيف ودفاع ارضي مستميت “صدمة كبرى” للتحالف ومخططاته فأين الخلل؟ وهل تصدق نبوءة بانيتا باستمرار الحرب لثلاثين عاما؟

الاستيلاء على “عين العرب” وسط قصف جوي كثيف ودفاع ارضي مستميت “صدمة كبرى” للتحالف ومخططاته فأين الخلل؟ وهل تصدق نبوءة بانيتا باستمرار الحرب لثلاثين عاما؟

عبد الباري عطوان

شعار انصار “الدولة الاسلامية” والمتعاطفين معها، الذي يرددونه دائما في ادبياتهم ومشاركاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي يقول “انها باقية وتتمدد”، ومن يتابع سير المعارك في عين العرب (كوباني) شمال سورية قرب الحدود التركية لا يملك الا ان يهز رأسه موافقا، ولو في الوقت الراهن على الاقل.

طائرات امريكية حديثة جدا تلقي بحممها من الجو، وميليشيات كردية تقاتل بشراسة على الارض، ومع ذلك تتقدم قوات “الدولة” من الجهات الاربع نحو عمق المدينة، وترفع علمها الاسود فوق مبانيها، وعلى جبالها.

لا نستبعد ان نصحو من النوم في الصباح الباكر على انباء استيلاء قوات الدولة على كامل المدينة، فاذا كان الرئيس رجب طيب اردوغان “يبشر” اللاجئين السوريين الذين زارهم اليوم (الثلاثاء)، حيث يوجد معسكرهم في مدينة غازي عنتاب، لتهنئتهم بالعيد على رأس وفد كبير “ان عين العرب على وشك السقوط”، وطالب باقامة منطقة “حظر طيران” وضرورة تدريب المعارضة “المعتدلة” في العراق وسورية لهزيمة “الارهاب” فان مسألة سقوط هذه المدينة الاستراتيجية باتت محسوما.

***

لا نعرف لماذا يريد الرئيس اردوغان منطقة “حظر جوي” في سورية طالما ان الهدف هو محاربة “الدولة الاسلامية”، فنحن وكل العالم معنا يعرف، ان مناطق الحظر الجوي مطلوبة، بل ضرورية، لمنع استخدام الطيران في غارات لقتل المدنيين والعزل، ولكننا نعرف ايضا، والعالم كله يعرف معنا، ان “الدولة الاسلامية” لا تملك سلاحا جويا، ولا طائرات حديثة او قديمة، حتى يتم حظرها.

وبمناسبة الحديث عن الطيران، تتردد هذه الايام الكثير من الاسئلة على السنة “خبراء” واناس عاديين، خاصة في الجانب الكردي، عن الاسباب التي تحول دون القضاء الكلي على قوات “الدولة الاسلامية” التي تحاصر مدينة “عين العرب”، او تتقدم نحو قلبها، لدرجة ان هناك من يشكك في رغبة الولايات المتحدة في القضاء على هذا التنظيم، وبالتالي غض النظر عن احتلاله للمدينة.

السؤال مشروع، وما هو اكثر مشروعية منه، هو التساؤل حول عدم تجاوب تركيا مع كل النداءات، بل والتهديدات، التي اطلقها حزب العمال الكردستاني، بالغاء اتفاق السلام مع الحكومة التركية اذا لم تتدخل قواتها وتمنع سقوط عين العرب “فطريق السلام يمر عبر كوباني”، مثلما قال بيان رسمي لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي المظلة الكردية الجامعة.

لسنا خبراء في الشؤون العسكرية، وان كنا نعتقد ان الكثير من خبراء “الفضائيات” اصدروا “فتاوى” وتحليلات عسكرية افتقرت الى الدقة في معظم الحروب الاخيرة، فالجماعات المقاتلة العابرة للحدود لا تنطبق عليها نظريات الاكاديميات العسكرية وعلومها، ثم سموا لي حربا انتصرت فيها الجيوش العربية التقليدية باستثناء حروبها على شعوبها!، ولكن بالقياس الى التجارب السابقة، يمكن القول ان من يقودون الهجوم على عين العرب هم انفسهم الذين قادوا الهجومين الكاسحين على الموصل والرقة ويوم امس على الرمادي، اي ان هؤلاء اثبتوا امتلاكهم لخبرات عسكرية متقدمة لا يجب التهوين منها، والانطباع السائد لدى الكثيرين بأن مقاتلي “الدولة الاسلامية” هم من “الهواة” او المتطوعين الذين يطلقون لحاهم، ولا يعرفون غير ارتداء الاحزمة الناسفة، او ذبح الاسرى الاجانب وغير الاجانب امام عدسات الكاميرات، انطباع خاطيء جدا.

نقطة اخرى يجب اضافتها في هذا الاطار، وهي ان حلف الناتو والمتحالفين معه، يخوض حربا شرسة وعلى مدى 13 عاما في افغانستان، من الارض والجو لانهاء حركة طالبان، وبمشاركة عشرات الطائرات ومئة الف جندي، فهل نجح في القضاء على هذه الحركة التي لا تملك ربع اسلحة واموال “الدولة الاسلامية”؟

معلوماتنا ان هناك قيادات عالية الخبرة العسكرية تقود هجمات التنظيم وتضع خطط المواجهات، وبعض هؤلاء قاتل في افغانستان في صفوف طالبان، وقاتل في العراق وسورية ايضا، واصبح يعرف متى تغير الطائرات وكيف يمكن تجنب قذائفها وصواريخها بقدر الامكان، وبأقل قدر ممكن من الخسائر.

***

الرئيس اردوغان اخذ تفويضا مشروطا من البرلمان بالانضمام الى التحالف الامريكي، وارسال قوات ارضية وجوية للقتال خارج الاراضي التركية “اي سورية والعراق” ولكنه لم يقرر متى سترسل هذه القوات وما هو “الثمن” الذي يريده مقابل ذلك.

وعندما نقول ان هذه الموافقة “مشروطة”، فاننا نشير الى البند الذي يقول ارسال هذه القوات “اذا دعت الحاجة”، والفقرة الاخيرة “مطاطة” وتعطي الرئيس اردوغان وقيادته العسكرية، حرية تقدير هذه “الحاجة” وشروطها ومواصفاتها.

من الواضح ان الرئيس اردوغان “لا يمانع″ ان تدخل قوات “الدولة الاسلامية” الى “عين العرب” وفي افضل الاحوال او اسوأها (حسب رأي كل طرف) انه لا يريد ان يرسل قواته للتصدي لقوات الدولة التي على وشك اكمال الاستيلاء عليها، الامر الذي قد يعرضه لمواجهات دموية مع اكراد تركيا، وينسف اتفاق السلام ووقف القتال الذي وقعه مع عبد الله اوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني، والمظاهرات التي انطلقت في اكثر من مدينة تركية يوم امس واليوم وفي عواصم عربية ايضا هي احد المؤشرات.

لوغارتيمات عديدة يصعب فك رموزها بالنسبة الينا على الاقل، فماذا يقصد اردوغان مثلا بقوله بأنه يجب تسليح المعارضة المسلحة في سورية و”العراق” فنحن سمعنا وطوال السنوات الماضية عن خطط لتسليح المعارضة المسلحة المعتدلة في سورية، وهذه هي المرة الاولى التي نسمع فيها عن معارضة معتدلة في “العراق” تستحق التسليح؟ ومن من؟ ولقتال من؟ النظام العراقي ام ميليشياته، ام الحرس الثوري الايراني، ام “الدولة الاسلامية”؟

ليون بانيتا وزير الدفاع ورئيس وكالة الاستخبارات الامريكية السابق والذي يعتبر من “الحمائم”، تنبأ في كتاب له صدر قبل ايام، بأن تستمر الحرب ضد “الدولة الاسلامية” اكثر من ثلاثين عاما على الاقل، وربما تكون هذه النبوءة قريبة جدا من الصحة، ولكن كيف سيكون شكل المنطقة طوال هذه السنوات؟ وهل سيتم فعلا القضاء على هذه الدولة قضاء مبرما؟

سننتظر ثلاثين عاما لنعرف النتيجة اذا كتب الله لنا طول العمر.

امريكا ارادت حشد “السنة” خلفها” لعزل “الدولة الاسلامية” دون ان تخسر “الشيعة”.. فما هي فرص نجاح هذه الاستراتيجية؟ ولماذا تعلن طالبان باكستان ولاءها للبغدادي؟

بعد شهر تقريبا من بدء الغارات الجوية الامريكية على مواقع “الدولة الاسلامية” داخل الاراضي العراقية واكثر من اسبوعين من بدئها في سورية يبدو واضحا، ومن خلال تقديرات الخبراء، ان حصيلة هذه الضربات تبدو محدودة للغاية، فـ”الدولة الاسلامية” لا تملك مقرات ولا وزارات او مطارات او قواعد عسكرية يمكن تدميرها، وانما اعلام سوداء، وبعض السيارات، وعشرات الآلاف من المقاتلين يمكن ان يختفوا بسهولة وسط المدنيين في المدن التي يسيطرون عليها في الموصل والرقة ودير الزور وغيرها.

الضربات الجوية لم تكن وحدها التي اعطت نتائج عكسية حتى الآن، وانما ايضا الاستراتيجية الامريكية التي تأتي في اطارها، في معظم جوانبها السياسية والعسكرية.

***

فعندما قررت ادارة الرئيس باراك اوباما، وبعد تلكؤ شديد في العودة الى العراق، والتدخل في سورية، وتوسيع نطاق الحرب ضد “الدولة الاسلامية” من خلال اقامة تحالف دولي خمسيني، وضعت على قمة اهدافها حشد التأييد “السني” خلف هذا التحالف، ودون ان تخسر التأييد “الشيعي” لمحاربة هذا التنظيم المتشدد وعزله تمهيدا للقضاء عليه في نهاية المطاف، وهذا ما يفسر ضمها خمس دول عربية سنية الى هذا التحالف بزعامة المملكة العربية السعودية “زعيمة” العالم الاسلامي، ورفضها اي تعاون مع ايران والنظام السوري في الوقت نفسه.

ادارة الرئيس اوباما ذهبت الى ما هو ابعد من ذلك لتجنب اتهامها بأنها تحولت الى “سلاح جو” للطائفة الشيعية العراقية في مواجهة “الدولة الاسلامية” (السنية) باشراك طائرات سعودية واماراتية واردنية جنبا الى جنب مع نظيراتها الامريكية في معظم الطلعات الجوية، وتركت مهمة تدمير مصافي النفط في الرقة ودير الزور الى الطيارين العرب، باعتبارها المهمة الاسهل.

نظريا تبدو خطة الادارة الامريكية محبوكة بعناية فائقة وقابلة للنجاح، ولكنها لا تبدو كذلك بعد التطبيق العملي في الجو والارض معا، وبدأت تعطي نتائج عكسية تماما، وتوحد الكثير من العشائر العراقية والجماعات السورية المقاتلة خلف “الدولة الاسلامية”.

فجبهة “النصرة” العدو التقليدي لـ”الدولة الاسلامية” اعلنت هدنه معها، وقررت الوقوف في خندقها في مواجهة “التحالف الصليبي” وضد “انظمة الردة” العربية التي انخرطت فيه، حسب ما تقول بياناتها وقيادييها في حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي مثل “الفيسبوك” و”التويتر”.

والاكثر من ذلك ان “الجبهة الاسلامية” التي تضم سته فصائل رئيسية تقاتل النظام السوري هي لواء التوحيد، احرار الشام، جيش الاسلام، لواء صقور الشام، لواء الحق، انصار الشام، والجبهة الكردية الاسلامية، استجابت لمبادرة “الهدنة” التي اطلقها مجموعة من العلماء من بينهم الشيخ ابو محمد المقدسي وقررت التوقف عن قتال “الدولة الاسلامية” في اطار اتفاق مصالحة يتبعه التصدي لصد “عدوان التحالف”.

ويظل الدعم المعنوي الاكبر الذي حصلت عليه “الدولة الاسلامية” هو الذي جاؤها بالامس من حركة “طالبان باكستان” التي اعلنت على لسان زعيمها شهيد الله شهيد ولاءها لها (اي الدولة الاسلامية) وامرت انصارها في انحاء المنطقة بمساعدة التنظيم في حملته لاقامة خلافة اسلامية، وعدد انصار طالبان باكستان (تنتمي الى قبيلة البشتون اكبر قبائل افغانستان وباكستان) يزيد عن اربعة ملايين عنصر معظمهم من المتشددين الاسلاميين الذين يتبنون الفكر الجهادي.

وكان تنظيم “جند الخليفة” وهي “مجموعة جهادية” جزائرية اعلنت البيعة لقائد “الدولة الاسلامية” واعدمت رهينة فرنسي كانت خطفته تجاوبا مع نداءاتها بقتل “الصليبيين” وكرد على تدخل فرنسا عسكريا ضد “الدولة الاسلامية” وارسال طائراتها لقصف مواقعه.

ابناء الطائفة السنية في سورية والعراق مثلما قالت مجلة “الايكونوميست” البريطانية العريقة يتشككون في النوايا والمخططات الامريكية، ويتساءل سوريون وهم يرون طائرات التحالف تقصف مواقع “الدولة الاسلامية” “ان امريكا بدلا من ان تضرب الاسد تضرب اعداءه”، ويقول آخرون “انها حرب ضد الاسلام”، بينما يهز بعضهم اكتافه مستنكرا ويقول “انهم مثل الاسد يقتلون المدنيين”.

***

التحالف الامريكي الجديد يملك التكنولوجيا العسكرية الاحدث في العالم، وليس هناك ادنى شك في ذلك، ولكن هل تستطيع هذه التكنولوجيا هزيمة جيش يريد جنوده ان يموتوا شهداء؟

عدد الدول المنضمة الى صفوف التحالف الامريكي الجديد في تزايد يوما بعد يوم، وكذلك الغارات الجوية التي اصبحت روتينية لا تحتل اي مكان في صفحات الاخبار المزدحمة، ولم تعد تلفت الانظار مثلها مثل عدّاد القتلى من السوريين للأسف، ولكن اعداد المنضمين الى “الدولة الاسلامية” يزداد وبوتيرة اكبر في الوقت نفسه.

السؤال لمن ستكون الغلبة في النهاية للتكنولوجيا الحديثة جدا، ام لمن يتطلعون الى الشهادة حسب ادبياتهم وقناعاتهم؟ نترك الاجابة لكم وللايام او السنوات المقبلة.

علم دولة “الخلافة الاسلامية” يرفرف فوق جبل الرحمة في عرفة وسط ملايين الحجاج.. نعم قد تكون “صدفة” او فعل متعمد.. ولكنها “رسالة” تنطوي معانيها على درجة كبيرة من الاهمية والخطورة معا

بينما كنت اتابع البث المباشر لوقفه عرفة من المشاعر المقدسة، حيث اكثر من مليوني حاج جاءوا من مختلف اصقاع المعمورة لاداء فريضة الحج، في ملابس الاحرام البيضاء بوجوه نضرة طافحة بالسعادة والايمان معا، لفت نظري علم الخلافة الاسود الاسلامية يرفرف من بعيد فوق جبل الرحمة، وتتوسطه كلمات “لا الله الا الله محمد رسول الله” مكتوب بالابيض.

لا اعرف من رفع هذا العلم، فلم تدم هذه القطة للنظر الا بضعة ثوان، مثلما لا اعرف، وكيف اعرف، ما حدث لصاحبه، فالسلطات السعودية تمنع اي ممارسة سياسية الطابع في الاماكن المقدسة، ناهيك عن رفع علم “الدولة الاسلامية” التي تكن لها هذه السلطات كل انواع العداء، وتعتبرها قمة الارهاب، وتشارك طائراتها الحربية، جنبا الى جنب مع نظيراتها الامريكية في قصف مواقعها وتجمعاتها لاضعافها ومن ثم القضاء عليها في اطار تحالف دولي يضم خمسين بلدا.

الشيخ عبد العزيز آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية كان معبرا عن موقف هذه السلطات ولسان حال دول التحالف جميعا، اسلامية او غير اسلامية، عندما دعا في خطبة الجمعة التي القاها من مسجد نمرة في عرفات، قادة الدول الاسلامية الى ضرب “الدولة الاسلامية”، دون ان يسميها، بيد من حديد، وقال مخاطبا لهم، “دينكم مستهدف.. امنكم مستهدف.. عقيدتكم مستهدفة”، واضاف “ابتلينا بأمه سفكوا الدماء.. وقتلوا النفوس المعصومة.. وقدموا بهذا تمثيلا سيئا لا يمثل اسلاما.. هؤلاء اجراميون سفكوا الدماء ونهبوا الاموال وباعوا الحرائر لا خير فيهم”.

وخطبة الشيخ آل الشيخ، اعلى مرجعية دينية في المملكة، تعكس حجم القلق السعودي الرسمي من هذه “الدولة” وعقيدتها الدينية والقتالية، وامتدادها الى العمق الشعبي المهيء جزئيا او كليا لكي يكون حاضنة لفكرها الذي يشكل في معظم جوانبه تجسيدا للدعوة الوهابية في نسختها الاولى قبل ثلاثة قرون، مثلما تؤكد دراسات جادة عديدة في الشرق والغرب معا.

***

العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز حث الدول الغربية على التدخل بسرعة لمحاربة “الدولة الاسلامية” والقضاء عليها محذرا من انها ستصل الى اوروبا في غضون شهر، والى امريكا في غضون شهرين، ويبدو ان الولايات المتحدة لبت هذا النداء فورا، وشكلت الحلف الخمسيني الحالي، وبدأت في غاراتها الجوية على مواقع الدولة في العراق وبعد ذلك في سورية، وكسرت القيادة السعودية قاعدة عسكرية وسياسية التزمت بها اكثر من خمسين عاما، بارسال طائراتها الحربية الى خارج حدودها، والمشاركة في الضربات الجوية الامريكية، واختارت اميرين طيارين لتنفيذ الطلعات الجوية الاولى احدهما نجل ولي العهد ووزير الدفاع السعودي الامير سلمان بن عبد العزيز.

القلق السعودي مشروع ومبرر في نظر السلطة وانصارها وهم كثر، فـ”الدولة الاسلامية” وقيادتها لا تخفي عدائها للاسرة الحاكمة السعودية ورغبتها في اطاحة النظام، ورفع راية الخلافة فوق الحرم المكي الشريف في مكة، والسيد ابو بكر البغدادي زعيمها يصر على ان يضم اسمه نسبين على درجة كبيرة من الاهمية والغزى الاول “الحسني” (نسبة الى آل البيت) والثاني القرشي (نسبة الى قبيلة قريش).

وما اقلق القيادة السعودية اكثر، ما كشفه استطلاع للرأي اجري على وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر على نطاق واسع، وافاد بأن اكثر من 92 بالمئة من الشباب السعودي يؤيدون فكر “الدولة الاسلامية” وعقيدتها، وقد وعدت السلطات في الرياض باجراء استطلاع رأي علمي رسمي لاثبات بطلان هذا الاستطلاع او عدم دقته، وحتى الآن لم يصدر على حد علمنا، ولكن ما هو اهم من الاستطلاع ارتفاع عدد المقاتلين السعوديين في صفوف “الدولة الاسلامية” الى اكثر من ثمانية آلاف مقاتل، ويوصفون بأنهم الاكثر شراسة في القتال والعمليات “الانغماسية” من بين اقرانهم.

ادبيات “الدولة الاسلامية” المتوفرة على شبكة الانترنت تؤكد ان المملكة العربية السعودية، او ارض الجزيرة العربية والحجاز حسب مصطلحاتها، هي الهدف الثالث بعد سورية والعراق، وهذا ما يفسر دعوة العاهل السعودي لرجال الدين والدعاة في بلاده للتصدي للمنطلقات الفكرية لهذه الظاهرة، لان الحرب عليها يجب ان تكون حرب “عقول” جنبا الى جنب مع الحرب العسكرية، ولكن الاستجابة لهذه الدعوة من قبل العلماء والدعاة كانت محدودة، وخاصة مما يطلق عليهم “علماء الصحوة” واصحاب ملايين المتابعين على شبكات التواصل الاجتماعي، والذي يوصفون بالدعاة “النجوم”.

الغارات الجوية على مواقع “الدولة الاسلامية” المستمرة منذ اكثر من شهر، وبأحدث الطائرات المقاتلة من مختلف الانواع، لم تعط نتائجها حتى الآن، حسب اراء خبراء غربيين، بدليل استمرار “تمددها” وسيطرة قواتها على معظم مدينة “عين العرب” الكردية على الحدود الشمالية السورية، مما يؤكد ان الحرب ستطول اكثر من التوقعات الغربية والاقليمية.

الحكومات الاقليمية، والخليجية منها بالذات، ساهمت بطريقة او بأخرى بصعود قوة التيارات الاسلامية المتشددة عندما حرضت بعض اوساطها الدينية والدعوية الشباب السعودي على الانخراط في صفوف الجهاد، وجماعاته في كل من سورية والعراق، معتقدة ان عمقها محصن من اخطارها، ليثبت لها العكس، ولتكتشف انها اخرجت “المارد” من قمقمه، ولم تعد قادرة على السيطرة عليه، وهنا تكمن المعضلة الكبرى.

***

لم نبالغ عندما قلنا في هذا المكان ان عدد المقاتلين تحت لواء “الدولة الاسلامية” يزيد عن مئة الف، ولا نبالغ مرة اخرى اذا قلنا ان العدد ازداد بمقدار الثلث في البلدين، اي سورية والعراق، بسبب تدفق المتطوعين من الدول الاسلامية في العالم بأسره، ومن الجماعات والتيارات الاسلامية الاخرى التي تريد الانضمام الى صفوفه في مواجهة “التحالف الصليبي” حسب تعبيرهم، وهذا ما دفع السلطات الاردنية الى منع الشيخ ابو محمد المقدسي من استخدام هذا “التعبير” في فتاواه ومداخلاته على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب مدلولاتها التحريضية ضد هذا التحالف، ودورها في تشجيع الشباب الى الانضمام الى صفوف الجماعات الجهادية.

“علم الخلافة” الاسلامية وصل الى المشاعر المقدسة في مكة المكرمة وجبل عرفة يوم الوقفة، وربما يكون مجرد صدفة، او من فعل حاج متحمس، او عمل متعمد جرى التخطيط له بشكل جيد، وايا كان الامر فان هذه الخطوة تنطوي على “رسالة” على درجة كبيرة من الاهمية والخطورة معا.

استيلاء “الدولة الاسلامية” على “عين العرب” سيورط تركيا في حرب شرسة وطويلة في سورية والعراق.. فهل خطط البغدادي لهذه “المصيدة”؟ وكيف سيكون “الشرق الاوسط” الجديد؟ وهل سيخرج اردوغان فائزا؟

نجاح قوات “الدولة الاسلامية” في اقتحام مدينة “عين العرب” والسيطرة على مواقع استراتيجية فيها، بعد حصار استمر اكثر من اسبوعين، ووسط مقاومة شرسة من المقاتلين الاكراد المدافعين عنها، يشكل نقطة تحول استراتيجية في الصراع الدائر حاليا في المنطقة، ومستقبل خطط التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة (50 دولة) لتصفية هذه “الدولة” والقضاء على قواتها باعتباره هدفا يحتل قمة اولوياته.

اللافت ان هذا “النجاح” المفاجيء جاء رغم القصف الجوي المكثف من قبل الطائرات الامريكية الحديثة لمواقع “الدولة” واستحكاماتها حول المدينة من الجهات الاربع طوال الاسابيع الثلاثة الماضية، الامر الذي يؤكد ان القصف الجوي وحده لن يحقق اهدافه، مما يحتم التدخل العسكري الارضي في اسرع وقت ممكن.

وربما لم يكن من قبيل الصدفة ان يتزامن سقوط المدينة (عين العرب)، ومواقع استراتيجية داخلها وحولها، مع تبني البرلمان التركي بالاغلبية (298 صوتا مقابل رفض 98) طلب التفويض الذي تقدم به السيد احمد داوود اوغلو رئيس الحكومة لاعطاء الضوء الاخضر للقوات المسلحة التركية بالتدخل عسكريا في اطار التحالف الامريكي، برا وجوا، في العراق وسورية، للقضاء على تنظيم “الدولة الاسلامية” قضاء مبرما، والسماح لقوات وطائرات اجنبية (امريكية) باستخدام القواعد العسكرية الموجودة على الاراضي التركية (قاعدة انجرليك الجوية).

***

هذا التفويض البرلماني يضع الرئيس رجب طيب اردوغان في وضع داخلي وخارجي صعب للغاية، لان اي خطأ في الحسابات قد يؤدي الى نسف كل انجازاته السياسية والاقتصادية التي جعلت حزبه العدالة والتنمية يفوز في جميع الانتخابات البرلمانية والرئاسية والبلدية على مدى السنوات الاثني عشر الماضية.

فاكبر حزب معارض في البرلمان التركي (الحزب الشعب الجمهوري) صوت ضد هذا التفويض، الامر الذي دفع السيد اوغلو الى اتهامه بتأييد “الدولة الاسلامية” (داعش)، مما يعني انه يريد ان ينأى بنفسه عن هذه الخطوة بالغة الخطورة، وتجنب تبعاتها.

استيلاء قوات “الدولة الاسلامية” على مدينة عين العرب يعني سيطرتها على شريط محاذ لتركيا يمتد من اقصى شرق الحدود السورية الى اقصى نقطة في غربها، ولن تفقد هذه السيطرة الا من خلال حرب برية يشارك فيها عشرات الآلاف من الجنود.

ولا نستبعد ان يكون هدف “الدولة الاسلامية” من اقتحام هذه المدينة والاستيلاء عليها في ذروة القصف الجوي الامريكي هو استدراج وتوسيع الحرب البرية ضدها ومواقعها لخلط الاوراق، والحاق خسائر كبيرة في القوات التركية التي من الواضح انها ستقوم بالدور الاكبر في هذه الحرب، واحراج الرئيس اردوغان وحكومته امام مواطنيه الاتراك خاصة، اذا تصاعدت اعداد القتلى، وامتدت العمليات الارهابية الى العمق التركي، وطالت صناعة السياحة التي تشكل مصدرا اساسيا للدخل (35 مليار دولار سنويا)، الى جانب تداعيات اخرى مثل تصدع الجبهة الداخلية وتصاعد تكاليف الحرب ماديا وبشريا.

الرئيس اردوغان كان ذكيا عندما اجل اي تدخل في الحرب ريثما جرى الافراج عن جميع الدبلوماسيين الرهائن لدى “الدولة الاسلامية” كانوا في قنصلية بلاده في الموصل (49 دبلوماسيا)، ولكن الدخول في الحرب ربما يعرض ارواح مئات او حتى آلاف من الجنود الاتراك للخطر، ويدفع بـ”الدولة الاسلامية” الى تدمير ضريح سليمان باشا اب السلاطين العثمانين، حيث يحاصره المئات من قواتها في الوقت الراهن استعدادا لتدميره فور اقرار البرلمان التركي بالتدخل عسكريا للقضاء عليها.

ارسال طائرات تركية لضرب اهداف خارج الحدود التركية ليس جديدا، فقد طاردت هذه الطائرات مقاتلي حزب العمال الكردستاني داخل الاراضي الشمالية العراقية قبل احتلال العراق وفي اطار معاهدة مع حكومة بغداد، كما ارسلت قوات للسيطرة على الجزء التركي من قبرص في مطلع السبعينات، ولكنها المرة الاولى التي ترسل فيها قوات الى الارضي السورية والعراقية معا في حرب مفتوحة على جميع الاحتمالات ومرشحة للتوسع والامتداد لعدة سنوات.

لا نعرف تفاصيل خطة التدخل التركية في اطار التحالف الامريكي “الخمسيني”، وكيفية هذه المشاركة، فقرار البرلمان صدر في ساعة متأخرة الخميس، لكن ما يمكن ان نتكهن به ان السيد اردوغان قرر ان يضع كل ثقله العسكري والسياسي خلف هذا التحالف، ويجعل من بلاده “باكستان” اخرى بالمقارنة مع دور الاخيرة في الحرب الامريكية لاخراج القوات السوفيتية من افغانستان اولا، ثم اسقاط حكم حركة طالبان في كابول بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 ثانيا.

“الدولة الاسلامية” ليست حركة “الطالبان” كما انها لا تشبه تنظيم “القاعدة” والظروف العسكرية والسياسية المحيطة بالتنظيمين، فهي تسيطر على اراضي اكبر من مساحة بريطانيا العظمى، وتملك اسلحة حديثة متطورة، ووفر لها التحالف الدولي غطاء “شرعيا اسلاميا”، حسب ادبياتها، قد يمكنها من تجنيد عشرات الآلاف من المقاتلين العراقيين والسوريين والاسلاميين من مختلف انحاء العالم للقتال في صفوفها.

***

الرئيس اوباما اعترف بأنه اخطأ في تقدير قوة “الدولة الاسلامية” وخطرها، وربما يكون مصيبا هذه المرة، لان عدد قوات هذه الدولة التي هزمت جيشا عراقيا تكلف بناؤه وتسليحه 25 مليار دولار، واستولت على نصف العراق وثلث سورية يزيد عن مئة الف مقاتل ومسلح تسليحا “مجانيا” جيدا من غنائم الجيش العراقي الامريكية، وحتى تتم هزيمته يحتاج الامر الى اكثر من مئة الف جندي على الارض، حسب تقديرات السير الجنرال ديفيد ريتشارد قائد الجيش البريطاني السابق.

نستطيع ان نقول الآن، وبعد قرار البرلمان التركي، واقتحام مدينة “عين العرب” ان حربا حقيقية ستبدأ، وتحالفات جديدة ستنشأ، وشرق اوسط جديد مختلف سيولد، ولا احد يستطيع ان يتنبأ بالشكل الذي سيكون عليه وطبيعة المعادلات السياسية والعسكرية التي ستحكمه.

تركيا اردوغان وضعت كل بيضها في سلة اوباما وحلفه، ولم تفعل ذلك الا بعد اتفاقها معه على كل التفاصيل، ومن ابرزها سورية بدون الرئيس بشار الاسد، بعد ان تحول خلاف الرئيس اردوغان معه الى ثأر شخصي مهما كلف الامر، فهل تحصل على ما تريد آجلا ام عاجلا، وما هو موقف ايران وروسيا والصين؟ وهل ستستمر في موقف المتفرج؟

الايام المقبلة ستحمل لنا الاجابات وليس امامنا غير الانتظار (وتعداد الضحابا) الذي لا نملك غيره ومعنا معظم شعوب المنطقة التي ستدفع الثمن في نهاية المطاف ايا كان المنتصر او المهزوم.